← Тараджим

Тараджим · id 7487

احتساب الشيخ محمد بن عبد الوهاب (رحمه الله)

مرفت بنت كامل بن عبد الله أسرة

Полный текст (517 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

هكذا انحدرت أحوال العالم الإسلامي السياسية في القرن الثني عشر الهجري حتى بلغت من التدني والتدهور أعظم مبلغه, فأربد جوه أطبقت الظلمة على كل مكان من أرجائه ١ وأصبح كما يسميه المفكر الجزائري مالك بن نبي ٢ في حالة " القابلية للإستعمار" ٣. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 37

المطلب الثاني: الأحوال الدينية: إن التدهور الشديد الذي آلت إليه حال المسلمين في القرن الثاني عشر الهجري لم يقف عند الجانب السياسي الآنف الذكر بل تعداه إلى ما هو أهم من ذلك وهو الجانب الديني. وإن العين الناظرة في تاريخ المسلمين هنا وهناك قبيل دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ لتذرف ماءها بسخاء حزنا على ما أصاب دينهم من أسقام تغلغلت في الأعماق. الأمر الذي كان سببا رئيسيا في احتساب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀. وقد وصف لنا المؤرخ ابن غانم ١ ﵀ حالة المسلمين الدينية في منطقة نجد زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فقال: " كان غالب الناس في زمانه متضمخين بالأرجاس, متلطخين بوضر ٢ الأنجاس حتى قد انهمكوا في الشرك ... فعدلوا إلى عبادة الأولياء والصالحين, وخلعوا ربقة التوحيد والدين فوجدوا في الاستغاثة بهم في النوازل والحوادث والخطوب المعضلة والكوارث, وأقبلوا عليهم في طلب الحاجات وتفريج

стр. 38

الشدايد والكربات من الأحياء منهم والأموات" ١. ويضيف المؤرخ ابن بشر ٢ ﵀ قائلا: " كان الشرك إذ ذاك قد فشا في نجد وغيرها, وكثر الاعتقاد في الأشجار والأحجار والقبور والبناء عليها والتبرك بها والنذرة لها, والاستعاذة بالجن والذبح لهم ووضع الطعام لهم وجعله في زوايا البيوت لشفاء مرضاهم ونفعهم وضرهم, والحلف بغير الله, وغير ذلك من الشرك الأكبر والأصغر" ٣. وعن تفاصيل تلك الشركيات الحادثة في نجد يقول ابن غانم ﵀: "وقد مضوا قبل بدو نور الصواب يأتون من الشرك بالعجاب وينسلون إليه من كل باب ويكثر ذلك منهم عند قبر زيد بن الخطاب ٤, فيدعونه لتفريج الكرب بفصيح الخطاب, ويسألونه كشف النوب من غير ارتياب ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا

стр. 39

يُشْرِكُونَ﴾ ١ وكان ذلك في الجبيلة ٢ مشهورا وبقضاء الحوائج مذكورا وكذلك قريوه ٣ في الدرعية يزعمون أن فيها قبورا أصبح فيها بعض الصحابة مقبورا فصار حظهم في عبادتها موفورا فهم في سائر الأحوال عليها يعكفون ﴿أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ٤. وكان أهل تلك التربة أعظم في صدورهم من الله خوفا ورهبة وأفخم عندهم رجاء ورغبة, فلذلك كانوا في طلب الحاجات منهم يبتدون ويقولون ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ٥. وفي شعيب غبيرا ٦ يفعل من الهجر والمنكر ما لا يعهد مثله ولا يتصور ويزعمون أن فيه قبر ضرار بن الأزور ٧, وذلك كذب محض وبهتان مزور مثله لهم إبليس وصور ولم يكونوا به يشعرون. وفي بليدة الفدا ٨ ذكر النخل المعروف بالفحال يأتونه النساء والرجال ويفدون بالبكر

стр. 40

والآصال ويفعلون عنده أقبح الأفعال ويتبركون به ويعتقدون, وتأتيه المرأة إذا تأخرت عن الزواج ولم يأتها لنكاحها الأزواج فتضمه بيدها بحضور ورجاء الانفراج وتقول: يا فحل الفحول أريد زوجا قبل الحول, هكذا صح عنهم القول ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١. وشجرة الطرفية ٢ تشبث بها الشيطان واعتلق فكان ينتابها للتبرك طوائف وفرق ويعلقون فيها إذا ولدت المرأة ذكرا الخرق لعلهم عن ٣ الموت يسلمون. وفي أسفل الدرعية غار كبير يزعمون أن الله تعالى خلقه من الجبل لامرأة تسمى بنت الأمير أراد بعض الفسقة يظلمها فصاحت ودعت الله فانفلق لها الغار بإذن العلي الكبير وكان تعالى لها عن ذلك السوء مجيرا فكانوا يرسلون إلى ذلك الغار اللحم والخبز ويهدون ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ, وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٤. وعندهم رجل من الأولياء يسمى تاج سلكوا فيه سبيل الطواغيت في الانتهاج, فصرفوا إليه النذور والدعاء واعتقدوا فيه النفع والضرر والإفراج, وكانوا يأتون إليه

стр. 41

لشأنهم أفواج ويأتي إليهم في الدرعية من بلدة الخرج ١ لتحصيل ماله من النذور والخراج ٢ ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٣ وكان لجميع أهل تلك البلدان وسكان تلك الأماكن والأعطان ٤ فيه من الاعتقاد أعظم شأن فيخافه كل حاكم وظالم وشيطان ويهاب أعوانه وحاشيته كل إنسان فلا يتعرضونهم بما يكرهون ويدعون فيه دعاوى فظيعة وينسبون إليه حكايات قبيحة شنيعة, كانت ألسنتهم لها مذيعه ولبهتانها مشيعة وهم لمينها ٥ وزورها مصدقون فيزعمون أنه أعمى ويأتي من

стр. 42

بلده الخرج من غير قائد يقوده وغير ذلك من الحكايات التي هي محط رحال المشركين والإعتقادات التي ضلوا بسببها عن الصراط المستقيم وأعرضوا بها عن إخلاص الدعاء لرب العالمين ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ١ "٢. كل ذلك مما يعلم الله ورسوله والموحدون أنه عين الشرك والمحاداة لله ورسوله ٣ وتكشف الرسالة التي وجهها اثنان من تلاميذ الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب إلى عبد الله المويس ٤ المناهض لدعوة الإمام, عن حقيقه تلك الضلالات ونصها: "من محمد بن غيهب ومحمد بن عيدان إلى عبد الله المويس الباعث للكتاب إخبارك عن ديننا قبل أن يجعل هذا الشيخ لهذا القرن يدعوهم إلى الله وينصح لهم ويأمرهم وينهاهم حتى اطلع الله به شموس الوحي وأظهر به الدين وفرق به أهل الباطل من السادة والكهان والمرتشين, فهو غريب في علماء هذا الزمان هو في شأن وهم في شأن آخر, رفع الله له علم الجهاد فشمر إليه فأمر ونهى ودعا إلى الله تعالى ونصح ووفى

стр. 43

بالعهد لما نقضوه, وشمر عن ساعد الجد لما تركوه, وتمسك بالكتاب المنزل لما نبذوه, فبدعوه وكفروه, فديننا قبل هذا الشيخ المجدد لم يبق منه إلا الدعوى والاسم فوقعنا في الشرك, فقد ذبحنا للشياطين ودعونا الصالحين ونأتي الكهان ولا نفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان, ولا بين توحيد الربوبية الذي أقر به مشركوا العرب وتوحيد الألوهية التي دعت إليه الرسل, ولا نفرق بين السنة والبدعة, فنجتمع لليلة النصف من شعبان لصلاتها الباطلة التي لم ينزل بها من سلطان, ونضيع الفريضة ونقدم قبل الصلاة الوسطى- صلاة العصر- من الهذيان ما يفوتها عن وقت الاختيار إلى وقت الضرورة, هذا وأضعافه من البدع لم ينهنا عنه علماؤنا بل أقرونا عليه وفعلوه معنا, فلا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر ولا ينصحون جاهلا ولا يهدون ضالا والكلام من جهتهم طويل عصمنا الله وإياك من الاقتداء بهم واتباع طريقتهم, فكن منهم على حذر إلا القليل منهم, ويكفيك عن التطويل أن الشرك بالله يخطب به على منابرهم ومن ذلك قول ابن الكهمري ١: اللهم صلى على سيدنا وولينا ملجانا منجانا معاذنا ملاذنا. وكذلك تعطيل الصفات في خطب الطيبي ٢ فيشهد أن الله لا جسم ولا عرض ولا جوهر. فقبل هذا الشيخ لا تؤدي أركان الإسلام كالصلاة والزكاة فلم يكن في بلدنا من يزكي الخارج من الأرض حتى جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا" ٣.اهـ.

стр. 44

ويعلل ابن بشر ﵀ انتشار تلك الخرافات والضلالات في حاضرة نجد باتصالهم بأهل البادية الذين فشت فيهم تلك الأمور فيقول: "والسبب الذي أحدث ذلك في نجد والله أعلم أن الأعراب إذا نزلوا في البلدان وقت الثمار صار معهم رجال ونساء يتطببون ويداوون, فإذا كان في أحد من أهل البلد مرض أو في بعض أعضائه أتى أهله إلى متطببه ذلك القطين من البادية فيسألونهم عن دواء علته, فيقولون لهم: أذبحوا له في الموضع الفلاني كذا وكذا إما خروفا أسود وإما تيسا أصمع ١ وذلك ليحققوا معرفتهم عند هؤلاء الجهلة ثم يقولون لهم: لا تسموا الله على ذبحه, واعطوا المريض منه كذا وكذا وكلوا منه كذا وكذا واتركوا كذا وكذا فربما يشفى حتى كثر ذلك في الناس وطال عليهم الأمد, فوقعوا بهذا السبب في عظائم, وليس للناس من ينهاهم عن ذلك فيصدع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ٢. مما حدى بالشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب إلى تكفيرهم لإعراضهم عن الحق, قال ﵀: " وإني أفتيت بكفر البوادي الذين ينكرون البعث والجنة والنار وينكرون ميراث النساء مع علمهم أن كتاب الله عند الحضر " ٣ , فهم "كفروا بالكتاب كله وتبرؤوا من الدين كله واستهزؤا بالحضر الذين يصدقون بالبعث, وفضلوا حكم الطاغوت على شريعه الله واستهزءوا بها مع إقرارهم بأن محمدا رسول

стр. 45

الله وأن كتاب الله عند الحضر لكن كذبوا واستهزءوا عنادا"١. والحقيقة أن هذه الحالة السيئة لم تكن مقصورة على أهل نجد ٢. بل إن عامة الناس قد أشركوا مع الله تعالى أولياء يحجون إلى أضرحتهم ويقدمون إليها الهدايا والنذور التماسا لمنفعة أو دفعا لمضرة ٣. وللأسف فشت هذه الاعتقادات الباطلة والمذاهب الضالة والعوائد الجائرة والطرائق الخاسرة, عمت وطمت حتى بلاد الحرمين ٤. يقول ابن غنام ﵀: " فمن ذلك ما يفعل- بمكة المكرمة- عند قبر المحجوب ٥ وقبة أبي طالب٦وهم يعملون أنه شريف حاكم متعد غاصب كان يخرج إلى بلدان نجد ويضع عليهم من المال خراجا ومطالب, فإن أعطي

стр. 46

ما أراد انصرف وإلا أصبح لهم معاديا محاربا فيأتون قبره بالسماعات١ والعلامات للاستغاثة عند حلول المصائب ونزول النوب الكوارب, وكذلك عند قبر المحجوب يطلبونه الشفاعة لغفران الذنوب لأنه عندهم المقرب المحبوب, فلهذا كانوا من سره بحذرون وإن دخل متعد أو سارق أو غاضب مال قبر أحدهما لم يتعرض له أحد من الرجال ولا يخشى معاقبة ولا أنكال ولا يتوصل إليه بما يكره ولا ينال, وإن تعلق جان ولو أقل جناية بالكعبة سحب منها بالأذيال فهم في تعظيمها مفرطون ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ, لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ ٢ ومن ذلك ما يفعل عند قبر ميمونة بنت الحارث ٣ أم المؤمنين ﵂ في سرف ٤, وعند قبر خديجة ٥ رضي الله

стр. 47

عنها في المعلى ١ مما لا يسوغ لمسلم أن يطلق عليه إباحة وحلا, فضلا عن كونه يراه قربة يدرك بها أجرا وفضلا من اختلاط النساء بالرجال وفعل الفواحش والمنكرات, وارتفاع الأصوات عندهم بالدعوات وحصول الفدية وشهرة الاستغاثات, وعند قبر عبد الله بن عباس ﵄ في الطائف من الأمور التي تشمأز ٢ منها نفس الجاهل فكيف بالعارف, فيقف عند قبره متضرعا مستغيثا كل مكروب وخايف, وينادي أكثر الباعة في الأسواق من غير نكير ولا زجر على الإطلاق, ويقول بلهجة قلب واحتراق كثير من أهل الشرك والإبلاس, وذوي الفقر والإفلاس: اليوم على الله وعليك يا ابن عباس, ويسألونه الحاجات ويسترزقون ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ﴾ ٣ وأما ما يفعل عند قبره ﵊ من الأمور المحرمة العظام من تعفير الخدود والإنحنا بالخضوع والسجود واتخاذ ذلك القبر

стр. 48

عيدا, وقد لعن ﵊ فاعله وكفى بذلك زجرا ووعيدا, ونهى عن ما يفعل عنده الآن غالب العلماء نهيا شديدا وغلظوا في ذلك تغليظا أكيدا, فهو مما لا يخفى ولا ينكر, وأعظم من أن يذكر فهو في الشهرة والانتشار كالشمس في رابعة النهار, ويكل اللسان عما يفعل عند قبر حمزة ١ والبقيع ٢ وقبا ٣ من ذلك القبيل ويعجز القلم عن بيانه على التفصيل, ولو لم يذكر منه إلا القليل"٤. قال المتنبي: وليس يصح في الأفهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل ٥ ويستأنف ابن غنام ﵀ قائلا:

стр. 49

"وأما ما يفعل في جدة ١ مما عمت به البلوى فقد بلغ من الضلال والفحش الغاية القصوى, وعندهم قبر طوله ستون ذراعا عليه قبة يزعمون أنه قبر حوى وضعه بعض الشياطين من قديم وهيئه ٢ سوى, يجبون عنده السدنة من الأموال كل سنة ما لا يكاد يخطر على البال, ولا يدخل يسلم على أمة كل إنسان إلا مسلما دراهم عاجلا من غير توان أيبخل أحد من اللئام فضلا عن الكرام ببذل بعض الحطام ويدع الدخول على أمه والسلام, وعندهم معبد يسمى العلوي, نافسوا في تعظيمه جميع الخلائق وأربوا في الغلو على تلك الطرائق, فلو دخل قبره قاتل نفس أو غاصب أو سارق لم يعترض بمكروه من مؤمن ولا فاسق, ولم يجسر أحد أن يكون مخرج له سائق ٣ أو إلى المساعدة إليه مسارع مسابق, فمن استجار بتربته أجير, ولم يعرج عليه حاكم ولا وزير, وفي سنة عشر بعد المائتين ٤ والألف اشترى تاجر من أهل جدة شهير من أهل الهند التجار القادمين وأهل الحسا ٥.

стр. 50

مال ١ كثير ٢ يزيد على سبعين ألف ريال في التقدير, فوقع عليه بعد أيام انكسار وإفلاس وتغيير, ولم يكن عنده ما يقابل شطر الذي عليه فهرب إليه مستجير ٣, فلم يتقدم إليه منهم شريف ولا وضيع ولا صغير ولا كبير, وترك بيته وما فيه من مال ولم يرزأ في قليل ولا كثير حتى اجتمع التجار ورأو له منهج الأنظار والتيسير وجعلوا ذلك عليه نجوما في سنين على التأخير, وكان بعض أهل الدين بذلك الحال مشيرا. وأما ما في بلدان مصر وصعيدها من الأمور التي ينزه الإنسان عن ذكرها وتعديدها ٤ خصوصا عند قبور الصلحا والعباد من ساداتها وعبيدها كما ذكرها الثقات في نقل الأخبار وتوكيدها, فيأتون قبر أحمد البدوي ٥ وكذا قبور غيره من العباد وسائر ترب المشهورين بالخير والزهاد فيستغيثون ويندبون, ويجعلونهم بالإمداد, ويستحثونهم على زوال المصيبة عنهم والإنكار ويتداولون بينهم حكايات وينسبون عنهم قضيات ويحكون في محافلهم ماجريات ٦ من أفحش المنكر والضلالات , فيقولون: فلان استغاث

стр. 51

بفلان فأغيث فورا في ذلك الأوان, وفلان شكا لصاحب ذلك القبر حاله وأمره فأغاثه وكشف عنه ضره, وفلان شكا إليه حاجته فأزال عنه فقره وأمثال هذا الهذيان الذي هو زور وبهتان"١. ولقد ذكر المؤرخ الجبرتي ٢ قصة فريدة حدثت لواعظ بجامع المؤيد تبين مدى غربة الدين وأهله الموحدين في مصر حينئذ فقال ضمن حوادث عام ثلاثة وعشرين ومائة وألف: " في شهر رمضان قبل ذلك جلس بجامع المؤيد –أي الواعظ- فكثر عليه الجمع وازدحم المسجد وأكثرهم من الأتراك, ثم انتقل من الوعظ وذكر ما يفعله أهل مصر بضرايح الأولياء وإيقاد الشموع والقناديل على قبور الأولياء وتقبيل أعتابهم وفعل ذلك كفر يجب على الناس تركه, وعلى ولاة الأمور السعي في إبطال ذلك, وذكر أيضا قول الشعراني في طبقاته أن بعض الأولياء اطلع على اللوح المحفوظ وأنه لا يجوز ذلك ولا تطلع الأنبياء فضلا عن والتكايا ٣ ويجب هدم ذلك, وذكر أيضا وقوف الفقراء بباب زويله ٤ في ليالي رمضان فلما سمع حزبه ذلك خرجوا بعد صلاة التروايح

стр. 52

ووقفوا بالنبابيت ١ والأسلحة, فهرب الذين يقفون بالباب, فقطعوا الجوخ والأكر المعلقة وهم يقولون: أين الأولياء, فذهب بعض الناس إلى العلماء بالأزهر وأخبروهم بقول ذلك الواعظ وكتبوا فتوى وأجاب عليها الشيخ أحمد النفراوي والشيخ أحمد الخليفي بأن كرامات الأولياء لا تنقطع بالموت, وأن إنكاره على اطلاع الأولياء على اللوح المحفوظ لا يجوز, ويجب على الحاكم زجره عن ذلك, وأخذ بعض الناس تلك الفتوى ودفعها للواعظ وهو في مجلس وعظه, فلما قرأها غضب وقال: يا أيها الناس إن علماء بلدكم أفتوا بخلاف ما ذكرت لكم, وإني أريد أن أتكلم معهم وأباحثهم في مجلس قاضي العسكر, فهل منكم من يساعدني على ذلك, وينصر الحق؟ فقال له جماعة: نحن معك لا نفارقك, فنزل عن الكرسي واجتمع عليه من العامة زيادة عن ألف نفس ومر بهم من وسط القاهرة إلى أن دخل على بيت القاضي قريب العصر, فانزعج القاضي وسألهم عن مرادهم فقدموا له الفتوى وطلب منه إحضار المفتين والبحث معهما فقال القاضي: اصرفوا هؤلاء الجموع ثم نحضرهم ونسمع دعواهم فقالوا: ما تقول في هذه الفتوى؟ قال: باطله؟ فطلبوا منه أن يكتب لهم حجة ببطلانها فقال: إن الوقت قد ضاق والشهود ذهبوا إلى منازلهم وخرج الترجمان, فقال لهم ذلك فضربوه واختفى القاضي بحريمه فما وسع النائب إلا أن كتب لهم حجة حسب مرادهم ثم اجتمع الناس في يوم الثلاثاء عشرينه ٢ وقت الظهر بالمؤيد لسماع

стр. 53

الوعظ على عادتهم, فلم يحضر لهم الواعظ فأخذوا يسألون عن المانع من حضوره فقال بعضهم: أظن أن القاضي منعه من الوعظ فقام رجل منهم وقال: أيها الناس من أراد أن ينصر الحق فليقم معي فتبعه الجم الغفير, فمضى بهم إلى مجلس القاضي فلما رآهم القاضي ومن في المحكمة طارت عقولهم من الخوف, وفر من بها من الشهود, ولم يبق إلا القاضي فدخلوا عليه وقالوا له: أين شيخنا؟ فقال: لا أدري, فقالوا له: قم واركب معنا إلى الدوان ونكلم الباشا ١ في هذا الأمر ونسأله أن يحضر لنا أخصامنا الذين أفتو بقتل شيخنا, ونتباحث معهم, فإن أثبتوا دعواهم نجوا من أيدينا وإلا قتلناهم. فركب القاضي معهم مكرها وتبعوه من خلفه وأمامه إلى أن أطلعوا إلى الديوان, فسأله الباشا عن سبب حضوره في غير وقته, فقال انظر إلى هؤلاء الذين ملاؤوا الديوان والحوش فهم الذين أتوا بي, وعرفه قصتهم وما وقع منهم بالأمس واليوم, وأنهم ضربوا الترجمان وأخذوا مني حجة قهرا, واوتوا اليوم وأركبوني قهرا فأرسل الباشا إلى كتخدا ٢ الينكجرية وكتخدا العزب وقال لهما: اسألوا هؤلاء عن مرادهم فقالوا: نريد إحضار النفراوي

стр. 54

والخلفي ليبحثا مع شيخنا فيما أفتيا به عليه, فأعطاهم الباشا بيورلديا ١ على مرادهم ونزلوا إلى المؤيد وأتوا بالواعظ وأصعدوه إلى الكرسي فصار يعظهم ويحرضهم على اجتماعهم في غد بالمؤيد, ويذهبون بجمعيتهم إلى القاضي, وحضهم على الانتصار للدين وقمع الدجالين وافترقوا على ذلك, وأما الباشا فإنه لما أعطاهم البيور لدي أرسل بيورلديا إلى إبراهيم بك ٢ وقيطاس بك يعرفهم ما حصل وما فعله العامة من سوء الأدب وقصدهم تحريك الفتن وتحقيرنا نحن والقاضي, وقد عزمت أنا والقاضي على السفر من البلد, فلما قرأ الأمراء ذلك لم يقر لهم قرار وجمعوا الصناجق ٣ والأغوات ٤ ببيت الدفترادار ٥ وأجمعوا رأيهم على أن ينظروا هذه العصبة

стр. 55

من أي وجاق ١ ويخرجوا من حقهم وينفي ذلك الواعظ من البلد وأمروا الآغا أن يركب ومن رآه منهم قبض عليه, وأن يدخل جامع المؤيد ويطرد من يسكنه من السفط ٢ فلما كان صبيحة ذلك اليوم ركب الآغا وأرسل الجاويشيه ٣ إلى جامع المؤيد فلم يجدوا منهم أحدا, وجعل يفحص ويفتش عن أفراد المتعصبين فمن ظفر به أرسله إلى باب إغاته فضربوا بعضهم ونفوا بعضهم وسكنت الفتنة ٤"اهـ. وحسبنا الله ونعما الوكيل. وعن الأحوال الدينية في اليمن يقول المؤرخ ابن غنام: "وأما ما يفعل في بلدان اليمن من الشرك والفتن قبل هذا الوقت في هذا الزمان فأكثر من أن يحسب أو يحصى أو يعد ويستقصى أو يدرك له أقصى, ومن ذلك ما يفعله أهل شرقي صنعا ٥ بقبر عندهم يسمى الهادي, والكل على دعوته

стр. 56

والاستغاثة به رائح غادي ١, فتأتيه المرأة إذا تعسر عليها الحمل أو كانت عقيمة, فتقول عنده كلمة قبيحة عظيمة فسبحان من لا يعاجل بالمعاقبة على الجريمة"٢. وفي ذلك يقول الإمام الشوكاني- وهو من علماء اليمن المعاصرين للإمام محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله-: زكم قد سرى عند تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكى لها الإسلام, ومنها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ورفع الضرر, فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجاح المطالب وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم, وشدوا إليها الرحال وتمسحوا بها واستغاثوا, وبالجملة إنهم لم يدعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه فإنا لله وإنا إليه راجعون, ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا نجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف لا عالما ولا متعلما ولا أميرا ولا وزيرا ولا ملكا, وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرا فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وتلكا وأبي واعترف بالحق, وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال إنه تعالى ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة, فيا علماء الدين ويا ملوك المسلمين أي رزء للإسلام أشد من الكفر وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله, وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة, وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن هذا الشرك البين واجبا؟!

стр. 57

لقد أسمعت لو ناديت حياً ... ولكن لا حياة لمن تنادي ولو نارا نفخت بها أضاءت ... ولكن أنت تنفخ في رماد ١ ٢ كما نظم الإمام الصنعاني ﵀ وهو من علماء اليمن أيضا المعاصرين للإمام- قصيدته الشهيرة التي أثنى فيها على الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀, وقد تضمنت عدة أبيات تصف الشركيات المنتشرة بين الناس وهي: وقد جاءت الأخبار منه بأنه ... يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي وينشر جهرا ما طوى كل جاهل ... ومبتدع منه فوافق ما عندي ويعمر أركان الشريعة هادما ... مشاهد ضل الناس فيها عن رشد أعادوا بها معنى سواع ومثله ... يغوث وود بئس ذلك من ود وكم عقروا في سوحها من عقيره ... أهلت لغير الله جهرا على عمد وكم طائف حول القبور مقبل ... ومستلم الأركان منهن بالأيدي ٣ ويضيف ابن غنام ﵀:

стр. 58

" وأما أهل بلد برع ١ فعندهم البرعي رجل يرحل إلى دعوته كل ناء عن محله وبلدته يؤتي إليه من غير إشكال من مسيرة أيام وليال لطلب الإغاثة وشكاية الحال, ويقمون عند قبره للزيارة ويتقربون بالذبائح عنده كما حقق أخباره من شاهد حضرته واحتضاره, وأما أهل الهجرية ٢ ومن حذا حذوهم فعندهم قبر يسمى بن علوان, وقد أقبل عليه العامة في نوايب الزمان واستغاث به منهم كل لهفان, فهم يلجأون به في كل وقت وأوان ويسميه غوغاهم منجي الغارقين كما حكاه بعض السامعين, وأغلب أهل البر منهم والبحر يطربون عند سماع ذكره ويستغيثون به وإن لم يصلوا إلى قبره وينذر له في البحر والبر, وعند أهل بلده وتعظيمه ما يزيد على الحصر ويفعلون عند قبره السماعات ٣ والموالد, ويجتمع عنده أنواع من المعاصي والمفاسد, فليس في أقطار اليمن في هذا الزمن من يساويه في الاشتهار بل ولا في سائر الأقطار , ولهم في حضرته أمور يفعلونه دينا ويتوخونها حينا, فحينا يطعنون أنفسهم بالسكاكين والدبابيس وقد جعلها لهم عبادة إبليس, ويقولون وهم يرقصون وبما يغنيه طربون قد ملأ الوجد منهم ألبابا وذهنا يا سادتي قلبي بكم معنى.

стр. 59

وأما حضرموت ١ والشحر ٢ ويافع ٣ وعدن ٤ فقد ثوى فيهم الغي وقطن عندهم العيدروس ٥, يفعل عند قبره من السفه والضلال الوبيل ما يغني مجمله عن التفصيل, ويقول قائلهم: شيء لله يا عيدروس شيء لله يا محي النفوس. وأما بلدان الساحل فعندهم من ذلك مسائل فعند أهل المخا ٦ علي بن عمر الشاذلي ٧ أكثرهم بدعوته والاستعانة به قد ابتلي لا تفتر ألسنتهم عن ذكره قعودا وقياما وينتابون تربته وحدانا وقياما. وأما أهل الحديدة ٨ فعندهم الشيخ صدّيق أقبل على تعظيمه والغلو فيه كل فريق, وقد أدى بهم الأمر والحال وأوردهم الشيطان في هوة الضلال إلى أنه لا

стр. 60

يمكن أحد يريد ركوب البحر أو يريد منه النزول إلى البر حتى يجيء إليه ويسلم فورا عليه, ويطلب منه الإعانة والمدد فيما أراده وقصد. وأما أهل اللحية ١ فعندهم الزيلعي ٢ من غير لبس واسمه عندهم الشمس, لأن قبره ليس عليه قبة بل مكشوف وكان إليه جميع النذر مصروفا وهم فيه أظلم وأجهل وأطغى وفي تعظيمه ودعوته أضل وأبغى, وأهل البادية منهم تؤثر حكاية عنهم وهي أنه كان رسولا في حاجة فأراد أن يدخل بلده والشمس متدلية للغروب, وكان دخول النهار له مقصودا ومطلوبا, فقال للشمس: قفي فوقفت وسمعت قوله وامتثلت وهكذا ذكر بعض الرجال والله أعلم بحقيقة الحال. وقبر رابعة ٣ عندهم مشهور لا يحلفون صدق اليمين إلا بها وغير ذلك من الأمور, وعندهم الطامة العظيمة والمعضلة الجسيمة وهي في أراضي نجران ٤ وما يليها من البلدان وما حولها من الأعراب والبدوان, وهو الرئيس المعروف عندهم السيد المتقدم في رياستهم وسياستهم والمطلق فيهم والمقيد, فلقد أتوا

стр. 61

من تعظيمه وتوقيره وتقديمه في جميع الأمور وتصديره وقبح الغو فيه والاعتقاد ما أفضى بهم إلى طريقة الضلال والإلحاد, فصرفوا له من أنواع العبادة سهما, وجعلوا فيه للألوهية وسما حتى أن يجعلوه لله ندا وقسما, وكان عندهم بذلك الحال شهيرا فتعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وأما ما في حلب ودمشق وأقصى الشام وأدناه فهو مما يوقف له على حد, ولم يمكن ضبط أقصاه ولا يعرف قدره ومنتهاه ولو استفرغ الإنسان في ذلك قصاراه بحسب ما يحكيه من يشاهد ذلك أو يراه من العكوف على عبادة القبور وصرف القربان إليها والنذور والمجاهرة بالفسوق والفجور وأخذ الأمكاس ١ والدستور ٢ ووضع الخراج على البغايا من تلك المهور. وفي الموصل وبلدان الأكراد وما يليها من سائر البلاد وكذا في العراق خصوصا المشهد ٣ وبغداد ما لا يحتاج إلى حصر وتعداد فيفعل عند قبر الإمام أبي حنيفة ومعروف الكرخي والشيخ عبد القادر ... من الدعاء والإستغاثة بهم, ومنهم في سائر الأوقات والأزمان ما لا يعرف له صفه ولا شان, وتسفح عندهم العبرات والدموع, ويحصل من التعظيم والتذلل عندهم والخضوع أعظم

стр. 62

مما يصدر بين يدي الله في الصلاة في الحضور والخشوع بل كثير ممن فعل ذلك مرار وجرب, هم لقضاء الحوائج ترياق مجرب. وأما مشهد علي بن أبي طالب ﵁ فقد صيرته الرافضة وثنا يعبد ويدعى بخالص الدعاء دون من ذرأ الخلق وأوجد ويصلي له في قبته ويركع ويسجد, وليس في صدور أولئك الضلال وغيرهم من الجهال وذوي الفسق من الضلال من التغطية والهيبة والإجلال لذي الفضل والنوال معشار ما فيها لعلي ﵁ من غير إشكال ولا إسراف ولا إفراط في المقال, فتراهم يحلفون الأيمان الكاذبة بالله ولا يخاف أحدهم مولاه ولا يراقبه سرا وجهرا ولا يخشاه, ولا يحلف بعلي كاذبا أبدا يعظم بذلك حماه فلا ينتهك ذلك ويتعداه, ويجزمون أن عنده مفاتيح الغيب من غير شك- قبحهم الله- ولا ريب, ولهذا يقولون إن زيارته أفضل من سبعين حجة, وكفى بما ذكرناه في خروجهم عن الإسلام حجة وإخراجهم عن واضح السنن والمحجة, ولقد تخلو فيه وأتوا من الشرك القبيح أعظم مما فعل النصارى بالمسيح سوى دعوى الولديه، فلم تصدر من هذه البرية وساووهم أو زادوا عليهم في غيرها من الخصائل الردية, وزخرفوا على قبره الذي يدعونه قبة مذهبة وخالفوا هديه ﵁ ومذهبه, ولقد كان في حياته حرق ممن غلا فيه أناس, فما أغناهم من انتهاج منهج الضلال والإبلاس. ومثل ذلك ما يفعل من الشرك والمنكر والشين ١ عند مشهد الكاظمة ٢

стр. 63

ومشهد الحسين ١ فعندهم من التعظيم لهما والعبادة والوقار والملازمة لذلك بالعشي والإبكار والإقبال على ذلك على سائر الأحوال والإكثار أجل وأكثر مما عندهم لله الواحد القهار, ولقد شب فيهم على ذلك الكفر وقبيح ذلك المنكر والفجر الرعاع والأطفال, وشاب عليه الصغار من الرجال فلا يسمع في سائر الاحوال بين أولئك السفلة الانذال والأرذال الضلال ذكر لرب ذي العزة والجلال, وإنما ديدنهم ذكر علي والحسين وبقية الآل. وأما جميع قرى الشط ٢ والمجرة ٣ فقد لبسوا ثياب الشرك والضلال والمعره بل كانوا أهله وأصله ومقره, وكذلك ما حول البصرة وما توسط فيها من تلك القبب والمشاهد التي أصبح كل إليها مقبلا وقاصدا لا سيما قبر الحسن البصري والزبير ﵄, فقد طلبوا الفرج منهما وصرفوا لهما من العبادة الدعا والاستغاثة عند الشدائد وطلبوا منهما جميع الفوائد, وليس لهذا منكر ولا حاجة سوى ما يصدر وما يشاهد في تلك البلدان من المنكرات والفواحش والمفاسد ولا يجحد ذلك إلا مباهت معاند.

стр. 64

أما ما في القطيف ١ والبحرين ٢ من البدع الرفضية والأمور القبيحة الشركية والمشاهد المعظمة الوثنية, وما يفعله أولئك الضلال والأنجاس من الضلال والغي والإبلاس وما يأتونه من الشرك والأرجاس, وإذا رأى أفعالهم كل عارف بالإيمان وشاهده بالروية والعيان تبين له غربة الدين في هذا الزمان" ٣. وهكذا تبدل حال المسلمين وهبطوا مهبطا بعيد القرار ٤ , وانتشرت عندهم البدع واشتهرت حتى صار المعروف منكرا والمنكر معروفا ٥, وكان ذلك التدهور الذي عم الأمة الإسلامية حينئذ ينحدر بها مسرعا حتى أن القيم التي اكتسبها المسلمون من دينهم قد اندثرت أو كادت ٦ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 65

المطلب الثالث: الأحوال الاجتماعية: إذا كانت تلك أحوال المسلمين في نجد قبيل عصر الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب السياسية والدينية فإن حالتهم الاجتماعية ليست بأحسن حال من سابقتيها, والصفحات القليلة القادمة ستعطينا تصورا عاما عن الحالة الاجتماعية في نجد في عصر الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀. تأثرت الظروف الاجتماعية لأهالي نجد بطبيعة الأرض التي يعيشون عليها, وهي أرض صحراوية تقام في أنحاء متفرقة منها عدة مدن صغيرة حول آبار للمياه وبالقرب من الواحات, ومن ثم فإن السكان ينقسمون إلى بدو وحضر, فالبدو الرحل ينتقلون بأغنامهم وإبلهم وراء المراعي, ومن ثم يتميزون بالخشونة في طباعهم, والاستعداد الدائم للقتال من أجل المراعي والمياه١. اما الحضر, وهم سكان المدن ٢ فقد كانت لهم صفه الاستقرار لأنهم يسكنون الواحات والقرى, فهم وإن اختلفت طباعهم باختلاف المناطق التي يعيشون فيها وظروف الحياة التي تحيط بهم ٣ إلا أنهم كانوا في الأصل من البدو ثم توطنوا في مساكنهم من زمن قديم ٤, لذلك كانت حياتهم متأثرة إلى حد كبير بحياة البدو بالإضافة لما بينهم من صلات القربى والمصاهرة

стр. 66

والتجارة ١ , إلا أن التجارة في الفترة السابقة لقيام الدولة السعودية فقدت أهميتها باعتبارها مورد رزق لبعض سكان نجد نظرا لفقدان الأمن وعدم استقرار النظام وانتشار الفوضى ٢, وسكان نجد من البدو والحضر ينتظمون في قبائل تحكمها الأعراف والتقاليد المتوارثة, فإذا كانت القبائل البدوية سمتها عدم الاستقرار والتقاتل والإغارة على من جاورهم أو الهجرة إلى أرض جديدة فإن الحضر انتظموا في مجموعة من الإمارات أو المشيخات التي تتفق مع القبائل البدوية في الطباع الصحراوية, حيث عاد السكان إلى مفاهيم الحياة البدوية الجاهلية التي كانوا عليها قبل الإسلام وعادت العصبيات القبلية تمزق المجتمع وتفتته٣, كما عاد الغزو والسلب والنهب ليكون مصدر العيش في الصحراء ٤. ورغم ذلك كله فقد بقيت عند أهل نجد عادات العرب الأصلية مثل المروءة والشجاعة ٥ كحماية الغريب الذي كان باجترائه على التقدم إلى منطقة قبلية غريبة إنما يعرض نفسه للقتل أو السلب على يد أولئك الاغراب الذين لا يعدون أن يكونوا أعداء له إلا إذا وفق إلى لمس ثياب عدوه أو خيمته أو دخوله إلى منزله فإنه بذلك يكون مستحقا للحماية التامة, وقد تمنح هذه الحماية للمسافر الغريب طوعا وعن طيب نفس ٦, هذا إلى جانب علاج

стр. 67

الخلافات اليومية عن طريق المجالس اليومية, والطاعة لشيخ القبيلة والاستماع إلى من هم أكبر سنا واحترام مجلسهم, والتضحية بالأرواح أثناء الحرب وبالأموال أثناء السلم ١, كما أن المجتمع النجدي حينئذ كان مجتمعا قبليا يقوم على القوة وحدها في سبيل الاستيلاء على السلطة والرزق والثراء٢ , والتنظيم القبلي كان يعطي لشيخ القبيلة السلطة الكاملة على كل أفراد قبيلته وهو في الغالب أكثر أفراد قبيلته ثروة وأكبرهم مركزا وسنا, ولذلك يعد المسئول عن كل ما يلحق بقبيلتة من إغارات القبائل الأخرى إلى جانب مسئوليته عن تنظيم الأمور المتعلقة بأفراد قبيلته مهما سكنوا في مناطق متفرقة أو في قرى وواحات متباعدة, ومهما اختلفوا من حيث الثراء أو في درجة التحضير فالكل أمام عرف وتقاليد القبيلة سواء٣. وبصفة عامة كان مجتمع شبه الجزيرة العربية وما فيه من قبائل وعشائر متنافرة متخاصمة إلى حد كبير٤.

стр. 68

المطلب الرابع: الأحوال العلمية: تبين مما سبق أن كثيرا من سكان نجد كانوا من البدو الرحل, وأنهم كانوا منسلخين عن دينهم وعقيدتهم لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا. وقد كان حدوث مثل هذا الأمر متوقعا نظرا لسيادة الجهل الديني لديهم١, أما الحاضرة أهل نجد فقد كانوا أحسن وضعا من البادية, لأنه كان بينهم علماء يفهمون أركان الدين٢ ويوضح لنا الشيخ ابن بسام أهم المعالم العلمية حينئذ في نجد قائلا: "وفي نجد تميزت مدينتان علميتان قبل دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀. المدينة الأولى: أشيقر: أشيقر بالضم ثم الفتح, وياء ساكنة, وكسر القاف, وراء جبل باليمامة وقربة لبني عكل٣. إحدى بلدان الوشم٤, فقد كانت هذه المدينة من منازل بني تميم منذ العهد

стр. 69

الجاهلي ثم نزل معهم أبناء عمهم من –الرباب- حتى إذا جاء القرن الخامس الهجري اختص بسكناها- آل وهيب- من بني حنظلة من بني تميم ويجاورهم عشائر- الوهبة- في بلدان نجد, فهذه المدينة زخرت بالفقهاء ووجدوا بها حتى كان يجتمع في الوقت الواحد منهم أربعون عالما كلهم يصلحون للقضاء يوم كان القضاء لا يصل إلى مرتبته إلا فطاحل العلماء وكبارهم١ -لذلك- تعتبر أشيقر مركزا من مراكز العلم في نجد آنذاك٢. المدينة الثانية العيينة: العيينة بضم العين, فيائين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة, فنون مفتوحة, فهاء: تصغير عين ... تقع في ملتقى شعاب وادي حنيفة الرئيسية, التي يتكون منها هذا الوادي٣, وتبعد عن مدينة الرياض خمسة وأربعون كيلومترا٤. أنشأنها- حسن بن طوق- جد آل معمر في منتصف القرن التاسع الهجري, هذه المدينة أكبر من الأولى من حيث العمران ووفرة السكان والسلطة فلقد أصبحت عاصمة لبلدان نجد قبل نهضة الدرعية٥. وقد وجد بها العلماء وكثروا فيها فكان أكثر من ثمانين عالما يدرسون العلم في جوامعها في زمن واحد.

стр. 70

هذا كله قبل دعوة الإصلاحية١ كما أن النصوص التاريخية تدل بوضوح على أن حريملاء٢ كانت مدينة علم وعلماء في وقت كانت تخيم فيه الأمية على معظم بلدان نجد٣. ويتضح من المصادر أن المذهب الحنبلي كان المذهب السائد في نجد قبل ظهور دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بزمن طويل٤ , والمصادر لا تعطينا معلومات عن الوسيلة التي دخل بها هذا المذهب إلى المنطقة, ومن المرجح أن تلك الوسيلة كانت دراسة بعض طلبة العلم من النجديين على كبار علماء الحنابلة في مدن مشهورة مثل دمشق وبغداد والقاهرة وبعد عودتهم إلى بلادهم أخذوا يدرسونه فانتشر في المنطقة وساد, ولم يكن غريبا أن يجد المذهب الحنبلي أرضا خصبة في نجد, فهو أقرب المذاهب الأربعة إلى ظاهر نصوص القرآن والحديث, وهو بهذه الصفة يمثل البساطة إلى حد ما والبساطة من الأمور المحببة لدى الفرد النجدي الذي كان أقل إخوانه في عرب الجزيرة تأثرا بالخارج٥.

стр. 71

وكان من عادة طلاب العلم في نجد السفر إلى البلدان المذكورة سابقا للنزود بالعلم والتفقه على علماء المذهب الحنبلي, خاصة إذا لم يكن هناك عالم بارز جدا في منطقتهم. وكثيرا ما كان لعلماء الحنابلة طلاب نجديون ومن أمثلة هؤلاء العلماء شهاب الدين العسكري١ وموسى الحجاوي٢ ومنصور البهوتي٣ ومرعي

стр. 72

ابن يوسف ١ ٢. وقد شهد القرن الحادي عشر الهجري وجود كثير من العلماء في نجد بدليل أن أكثر البلدان النجدية كان لها قضاة محليون, وكان من أشهر علماء هذا القرن أحمد بن بسام ٣ ومحمد بن إسماعيل ٤ وعبد الله

стр. 73

ابن ذهلان ١ وأحمد القصير٢ وكان عبد الله بن ذهلان أستاذا لعدد من الطلاب منهم الفقيهان المؤرخان أحمد المنقور ٣ ومحمد العوسجي ٤ لكن أشهر علماء هذا القرن- حسب ما ذكرته المصادر- كان سليمان بن علي, جد الشيخ محمد بن عبد الوهاب, ومن الواضح أن دراسة علماء نجد في تلك الفترة تركزت على مادة الفقه, أما العلوم الدينية الأخرى فكان حظها من العناية أقل من هذه المادة وربما كان ذلك منسجما مع الهدف الرئيس من التعلم آنذاك, وهو أن يصبح المرء مؤهلا لتولي القضاء, ويبدو أن الفقه كان ينظر إليه على أنه كاف لذلك التأهيل, ومن الذين خرجوا عن هذه القاعدة واهتموا بالعلوم الأخرى عثمان بن قائد٥

стр. 74

فكان من بين مؤلفاته رسالة عن التوحيد عنوانها: نجاة الخلف في اعقاد السلف ١ وكتاب التوحيد, منهم أيضا عبد الله بن إبراهيم بن سيف٢ لكن ابن قائد- كما ذكر- لم يتوف في نجد وربما كان اهتمامه بالتوحيد أو العقيدة نتيجة لمناقشاته مع بعض العلماء خارج هذه المنطقة والله أعلم٣. ومما يدل على عدم اهتمام السواد الأعظم من العلماء حينئذ بتعلم وتعليم التوحيد قول الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "والله الذي لا إله إلا هو لقد طلبت العلم واعتقد من عرفني أن لي معرفة وأنا ذلك الوقت لا أعرف معنى لا إله إلا الله, ولا أعرف دين الإسلام قبل هذا الخير الذي من الله به, وكذلك مشايخي ما فيهم رجل عرف ذلك, فمن زعم من علماء العارض٤ أنه عرف معنى لا إله إلا الله أو عرف معنى الإسلام قبل هذا الوقت, أو زعم عن مشايخه أن أحدا عرف ذلك فقد كذب

стр. 75

وافترى ولبس على الناس ومدح نفسه بما ليس فيه" ١. ومهما يكن من أمر فإن هؤلاء العلماء مع قلتهم قد تحول أكثرهم مع الزمن إلى عقول جامدة لا تنشط إلى تفكير جديد ولا محاولة للإصلاح والتجديد٢, فقد كانوا بقية لا طاقة لها بالنهي عن الفساد في الأرض أثرهم في ما معهم من علم كأثر من ينقل ولا يعقل ويهرف بما لا يعرف, فوقفوا عند حد حمل الأسفار وترديد المتون مقلدين غير مجتهدين فضلا عن أن غاياتهم من العلم قد انحطت٣ وانحصرت في التأهيل لتولي القضاء كما سبقت الإشارة إليه٤. هذا باختصار ما يتعلق بالحالة العلمية في منطقة نجد, أما بالنسبة للحالة العلمية في العالم الإسلامي فليست بأحسن حالا منها في نجد, فلقد أخذ الجمود من المسلمين مأخذه حتى أنهم أقاموا لكل مذهب من المذاهب الفقهية فقيها وإماما, وتعددت الجماعات في المسجد الواحد كل ينتصر لمذهبه وكل يصلي خلف إمام مذهبه, وبذلك يقف المسلمون لصلاة الجماعة وراء كثير من إمام حسب المذاهب الموجودة في ذلك المسجد, كما أن الإفتاء في أي مسألة حسب مذهب السائل, وأحاطوا هذه المذاهب بالقدسية والعظمة, وحرم على الناس خروجهم عنها, وأغلق باب الاجتهاد بمغاليق من حديد٥ ومن ثم غابت الصفوة من العلماء الذين ينهضون بتكليف الأمر
следующие страницы →