ومما يتعلق بالصناعة الحديثية أيضًا، بيانه لترقي بعض الأحاديث التي يُحسنها الترمذي إلى الصحة لما لها من شواهد (١)، وإن كان لم يلتزم بذلك دائمًا (٢).
ومن ذلك أيضًا بيانه لحكم الرواية بالمعنى ضمن شرحه لرواية للترمذي التي اشتملت على ذلك (٣).
ولم تقتصر عناية المؤلف بالصناعة الحديثية على أحاديث الترمذي التي يشرحها فقط، ولكنه يعنى أيضًا بذلك بالنسبة للأحاديث الأخرى التي يوردها هو في الشرح، كأحاديث الباب التي يشير إليها الترمذي، والأحاديث التي يستدركها هو على الترمذي، والأحاديث التي يوردها في أدلة آراء العلماء في الأحكام المتعلقة بحديث الباب عند الترمذي (٤)، لكن عناية المؤلف بأحاديث الترمذي نفسه أكثر.
وهذا العنصر عندما نقارنه بشبيهه عند غير المؤلف نجده يقارب في جملته ما عند العراقي وابن رجب، وكذا المباركفوري من المتأخرين، غير أن ابن رجب والعراقي تناولهما أعمق من ابن سيد الناس، أما ابن العربي فتناوله لهذا العنصر أقل من الجميع؛ لقصده الاختصار كما تقدم، لكن ما تعرض له من ذلك عظيم الفائدة، ومنه استفاد من بعده.
(هـ) دراسة الأسانيد:
وهذا العنصر يورده المؤلف أيضًا ضمن ما عنونه بالإِسناد، وهو داخل في الصناعة الحديثية، لكني خصصته بعنوان مستقل لإبرازه ولفت نظر طلاب السنة إلى اشتمال هذا الشرح على نماذجه العملية لدى علماء الحديث المتقدمين، أمثال المؤلف، فقد لاحظت أنه قد يقتضيه الأمر أن يقوم بدراسة رجال سند الحديث عند الترمذي واحدًا واحدًا، ويبين خلاصة حال كل منهم، أو دراسة حال بعض
стр. 107
الرواة من السند مع النظر في المتابعات، لإِثبات مطابقة حكم الترمذي على الحديث، لخلاصة أحوال رواته (١)، ويُعتبر ما قام به المؤلف في هذا نموذجًا تطبيقيًا يستفاد منه في طريقة دراسة الأسانيد التي كثرت عناية أقسام السنة وعلومها بالجامعات الإِسلامية بتدريسها لطلابها حاليًا دراسة نظرية وعملية، لتمكينهم من بيان درجة الأحاديث التي يحتاجونها، ولم تُبيَّن درجاتُها في مصادرها، أو اختلفت الأنظار في الحكم عليها بالقبول أو الرد.
وهذا العنصر لم أجد من الشراح من يماثل المؤلف في العناية به، مع أهميته (٢) ففي باب "ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور"، درس المؤلف من سندي الترمذي بحديثي أبي سعيد وجابر، ما أثبت به صواب قول الترمذي: إن حديث علي أجود شيء في هذا الباب وأحسن (٣) ولم يفعل ذلك ابن العربي في العارضة؛ بل إنه قرر أن سند أبي داود بحديث عَليِّ أصح من سند الترمذي به، وأن أصح شيء في الباب وأحسن حديث مجاهد عن جابر (٤) وقد رد عليه المؤلف في هذا كما سيأتي في بيان آرائه.
أما المباركفوري فإنه اكتفى بدراسة بعض رجال الإِسناد الذين درسهم المؤلف (٣).
(و) معاني الألفاظ وضبطها وإعرابها:
وهذا المبحث يورده المؤلف بعد مبحث "الإِسناد" الذي تقدمت عناصره، فيكون هو المبحث الثاني من مباحث الشرح عنده، وتارة يعنونه بقوله: "الثاني في شيء من مفرداته" (٥) وتارة يقسمه إلى مبحثين فيقول: "الوجه الثاني في
стр. 108
غريبه" ... و"الوجه الثالث في شيء من العربية وغيرها" (١) وهذا القسم الذي حققته لم يعنون المؤلف فيه شيئًا من المباحث التفصيلية للشرح، ولذا قمت من جانبي بوضع عنوان يدخل هذا تحته، وهو عنوان (المعاني والأحكام) ويلاحظ أن العنوانين اللذين يذكرهما المؤلف مقاربين لما عنون به ابن العربي مباحث شرحه أيضًا كما تقدم، أما العراقي فلا يعنون إلا بالرقم المسلسل لكل مبحث فقط حيث يقول: الثاني كذا، والثالث كذا ... الخ كما أشرت لذلك فيما تقدم، وبهذا يتضح لنا أن هذا العنصر من منهج الشرح أساسي، بحيث انتهجه كل الشراح لجامع الترمذي وغيره؛ لأنه من أهم أغراض ومطالب الشرح، وقد تناول المؤلف في هذا العنصر شرح الألفاظ والعبارات الواردة في متن الحديث غالبًا، ويرى المؤلف أنها بحاجة إلى إيضاح؛ إما لغرابتها، أو لكون معناها مشكلًا، لتعدد المراد بها، والخلاف فيه، ونحو ذلك، كما يَضبط أيضًا بالحروف ما يراه بحاجة إلى ذلك، ويُبين اشتقاق ما يحتاج لذلك، كما يتناول فيه بعض النقاط البلاغية، ويعرب ما يرى حاجة إلى إعرابه، وهذا قليل بالنسبة لباقي النقاط قبله، ويشمل هذا العنصر أحاديث الترمذي وغيرها من الروايات التي خرجها المؤلف في الشرح كما تقدم في عنصر التخريج (٢).
ومع اشتراك الشراح جميعًا في تناول هذا العنصر إلا أنهم يتفاوتون فيما يرونه بحاجة إلى شرح وبيان، ولذلك نجد أحدهم يشرح ما لم يشرحه الآخر، فمثلًا حديث الدعاء عند دخول الخلاء، ولفظه (كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك، وفي مرة: أعوذ بالله من الخُبُث والخبيث ...) الحديث. فذكر ابن العربي تحت عنوان (غريبه) شرح وضبط ألفاظ: الخلاء، وأعوذ، والخُبُث (٣) وتبعه على هذا المباركفوري (٤) أما ابن سيد الناس فشرح
стр. 109
وضبط كلمتي: "الخلاء والخبث" ولم يتعرض لشرح لفظ "أعوذ" ثم زاد شرح لفظأ "الحُشوش" وهو مذكور في رواية لزيد بن أرقم، وهي مما أشار إليه الترمذي في الباب، وخرجها المؤلف بالعزو إلى علل الترمذي وغيره (١)، وأيضًا توسع ابن العربي في شرح كلمة (الخلاء) أكثر من ابن سيد الناس.
وأيضًا في باب الرخصة في استقبال القبلة ببول أو غائط، أخرج الترمذي حديث ابن عمر قال: "رَقَيت يومًا على بيت حفصة، فرأيت رسول الله ﷺ على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة" فلم يتعرض ابن العربي لشرح شيء من مفرداته (٢)، ولكن ابن سيد الناس شرح ألفاظ "رقيت" و"الشام" و"لَبِنَتَينْ" الواردة في إحدى روايات الحديث عند غير الترمذي (٣) أما المباركفوري فشرح لفظ "رقيت" بقوله: أي علوت وصعدت (٤).
وبهذا تفاوتت فائدة الشروح الثلاثة بتفاوت ما تضمنته من المشروح.
(ز) بيان الأحكام المستفادة من الحديث وحكمة تشريعها:
يعتبر هذا العنصر من شرح الأحاديث عمومًا عنصرًا أساسيًا، وهدفًا أعلا، وقد عده علماء الحديث نوعًا قائمًا بذاته من أنواع علوم الحديث، فقال الحاكم أبو عبد الله؛ النوع العشرون من هذا العلم ... معرفة فقه الحديث؛ إذ هو ثمرة هذه العلوم، وبه قوام الشريعة (٥) وتتأكد أهمية بيان فقه الحديث وأحكامه بالنسبة لجامع الترمذي، لأنه راعى فيه ذكر الأحاديث المعمول بها عند طوائف العلماء (٦)، كما عني فيه بنقل مذاهب الفقهاء حتى عصره، والمتعلقة بما يدل عليه الحديث من أحكام وآداب، ومن هنا كان على من يتصدى لشرحه
стр. 110
أن يجعل من منهجه العناية بهذا الجانب، وقد نُسب إلى الإِمام البُلْقيني (ت ٨٠٥ هـ) كما تقدم، تأليف شرحين لجامع الترمذي، أحدهما صناعة، والآخر فقه (١).
وقد قام ابن سيد الناس في شرحه هذا ببيان ما دلت عليه الأحاديث وما يستنبط منها من أحكام وآداب، وأورده بعد عنصر المفردات السابق ذكره. وفي المواضع التي عني فيها بذكر عناوين تفصيلية للشرح عنون هذا العنصر تارة بقوله: "المباحث والفوائد" (٢) وتارة بقوله: "الكلام على ما يستفاد من هذه الأحاديث، ويستنبط منها من الأحكام" (٣) وهذا شبيه بعنونة ابن العربي لهذا العنصر كما تقدم. وفي هذا القسم الذي حققته لم أجد المؤلف عنون هذا العنصر بمثل ما عنونه به في مواضع أخرى من الشرح، لكنه يصدِّر بيانه للأحكام بعبارات متعددة تفيد ذلك، سواء كانت من عنده أو من نقله عن غيره، فمن ذلك قوله: في الحديث دليل على كذا (٤) وقوله: الحديث دل على كذا (٥) وقوله: في الحديث بيان كذا (٦). وقوله: وقد يَستدِل بهذا (٧) وقوله: وفيه دليل لمالك وابن نافع (٨) وقوله: استدل أبو حنيفة بهذا الحديث (٩) وقوله: فيه من الفقه كذا (١٠)، وقوله: الحديث نص في كذا (١١) وقوله: تمسك بعضهم بهذا الحديث (١٢)
стр. 111
وقوله: ينبني عليه كذا (١).
وقد وضعت من عندي عنوانًا يشمل هذا العنصر وما قبله وهو (المعاني والأحكام) ولم يقتصر المؤلف في بيان الأحكام على ما خرجه الترمذي في الأبواب، بل قد يتناول أيضًا بعض الروايات التي أشار إليها في الباب، أو التي اسَتدركها عليه هو (٢) ويُعنَى المؤلف مع بيان الأحكام ببيان ما ظهر له أو لغيره من علة الحكم، وحكمة التشريع (٣)، ويبين الناسخ والمنسوخ (٤) كما أنه يبين ما تيسر له من أهم آراء الفقهاء، ابتداء بالصحابة وحتى عصره، مع بيان ما يكون لكلٍ من أدلة غير الحديث موضع الشرح، ولا يتقيد المؤلف في ذلك بمذهب إمام معين، وإن كانت عنايته بأقوال الشافعية واضحة، باعتباره مذهبه الفقهي، ودرايته به أكثر، ويعبر عن الشافعية بأصحابنا (٥)، وقد يفصل الأقوال والآراء في الحكم، ثم يلخصه في النهاية في كلمات حتى يسهل استيعابه (٦) ولا تبلغ عنايته بذكر آراء الشافعية مبلغ عناية ابن العربي في عارضته بتفصيل آراء المالكية، كما تقدمت الإِشارة إلى ذلك. ويعتبر الحافظ العراقي في تكملته لهذا الشرح أكثر عناية بذكر آراء الشافعية المتعلقة بما يدل عليه الحديث، ولم ألحظ من المؤلف في هذا القسم المحقق انحيازًا لأصحابه الشافعية، ولا تحاملًا على غيرهم من بقية أصحاب المذاهب الأخرى.
وكما ذكرت تفاوت الشراح في العنصر السابق من منهج الشرح، فإني أقرر أن تفاوتهم في هذا العنصر أكثر، تبعًا للتفاوت في نظر العلماء وقدراتهم العلمية
стр. 112
والشخصية على الاستنباط، وسعة الاطلاع على آراء واستنباط الآخرين، والإفادة منهما.
فمثلًا حديث ابن عمر في الرخصة في استقبال القبلة ببول أو غائط، قد أخرجه الترمذي وغيره بلفظ: أن ابن عمر قال: "رَقِيتُ يومًا على بيت حفصة" الحديث.
فلم يتعرض ابن العربي ولا المؤلف لما يستفاد من إضافة ابن عمر ﵄ البيت إلى حفصة مع كونه ملكًا لرسول الله- ﷺ في حين تعرض له الحافظ ابن حجر في الفتح وأجاب عن ذلك بأجوبة (١)، أما البخاري فإنه بما عُرف عنه من دقة الاستنباط للأحكام من خلال تراجمه على الأحاديث في الصحيح، قد أخرج الحديث في موضع دلالته الظاهرة، وذلك في كتاب الوضوء، وبوب عليه بقوله: "باب من تبرز على لَبِنَتِينْ" (٢) ثم أخرج الحديث مرة أخرى بنفس اللفظ في كتاب "فرض الخمس" تحت "باب ما جاء في بيوت أزواج النبي ﷺ ، وما نُسِب من البيوت إليهن" (٣) وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى وجه ذكر البخاري للحديث تحت هذه الترجمة فقال: إن ابن عمر حيث أضاف البيت إلى حفصة كان باعتبار أنه البيت الذي أسكنها ﷺ فيه، واستمر في يدها إلى أن ماتت فورِث عنها، ثم قال: وسيأتي انتزاع المصنف -يعني البخاري- لذلك من هذا الحديث في كتاب الخمس إن شاء الله (٤) وقال ابن المُنير في بيان غرض البخاري بترجمة نسبة البيوت إلى أزواج الرسول ﷺ والتي أعاد إخراج الحديث تحتها: غرضه بهذه الترجمة أن يُبين أن هذه النسبة تحقق دوام استحقاقهن للبيوت ما بَقِين؛ لأن نفقتهن وسكناهن من خصائص النبي- ﷺ والسر فيه، حَبسُهن عليه (٥).
стр. 113
أقول: وابن المنير الذي بيّن استنباط البخاري لهذا الحكم من حديث ابن عمر وغيره، قد يكون هو ناصر الدين المتوفى سنة ٦٨٣ هـ، وقد يكون الأخ الأصغر للأول، ويلقب بزين الدين وتوفي سنة ٦٩٥ هـ، لأن لكل منهما تأليفًا في مناسبات تراجم البخاري، وكلاهما معاصر لابن سيد الناس، وتُوفِّيا في حياته، فكان يمكنه استفادة هذا الحكم من تأليفيهما المشار إليهما، ولكن يبدو عدم تمكنه من ذلك، حيث لم يتعرض لذكره، في حين تعرض له غيره كالحافظ ابن حجر كما أشرت.
ومن الجدير بالذكر هنا أن الإِمام الشوكاني قد نقل عن شرح المؤلف هذا، بيان معنى كلمة "رَقِيتُ" وقال في آخره: "قاله ابن سيد الناس في شرح الترمذي" ثم نقل عقبه مباشرة جواب الحافظ ابن حجر في الفتح عن إضافة البيت لحفصة ﵂ ولكنه لم ينسب ذلك إلى ابن حجر (١) فجاء المباركفوري فحذف الهاء من قول الشوكاني: "قاله ابن سيد الناس" فصارت: "قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي ... " وبذلك صار جواب ابن حجر المذكور بعدها، منسوبًا إلى ابن سيد الناس في شرح الترمذي (٢) وهو خطأ حيث لم يتعرض ابن سيد الناس لذلك في شرحه للحديث كما أوضحته، فليتنبه لذلك من يقف على كلام المباركفوري في شرح هذا الحديث.
(ح) بيان المباحث الأصولية المتعلقة بالحديث:
تقدم أن ابن العربي جعل من منهجه في الشرح تخصيص مبحث لما يتعلق بالحديث الذي يشرحه من علمي أصول الفقه، وأصول الدين، وهي المسائل الاعتقادية، وأنه يعنون له بعنوان (الأصول) أو (أصوله) يعني الحديث، أما الحافظ العراقي فإنه في كثير من الأحيان يخصص لذلك وجهًا من الوجوه التي يقسم شرح الحديث إليها، وإن لم يضع لها عنوانًا غير الرقم المسلسل للوجه الذي يوردها فيه كان يقول: الثامن في كذا.
стр. 114
وقد وجدت ابن سيد الناس يتناول في شرحه أيضًا ما يتعلق بالحديث من مباحث علم أصول الفقه وأصول الدين، لكن تعرضه لهما أقل بصفة عامة، من تعرض كل من العراقي وابن العربي، كما أني لم أجده خصص لأي منهما مبحثًا مستقلًا معنونًا بعنوان خاص كما فعل في العناصر الأخرى في بعض الأبواب، كما تقدم، ولكنه يذكر ذلك خلال مبحث الأحكام المستفادة من الحديث، ففي باب "ما يقول إذا خرج من الخلاء" أخرج الترمذي فيه حديث عائشة "أنه ﷺ كان إذا خرج من الخلاء قال: غُفرانك" فعقد ابن العربي في شرحه مبحثًا عنونه بقوله: (الأصول)، وقال فيه: كان النبي ﷺ يطلب المغفرة من ربه قبل أن يُعلِمه أنه قد غَفر له، وكان لايسألها بعد ذلك؛ لأنه قد غفر له، بشرط استغفاره، ورُفع إلى شرف المنزلة بشرط أن يجتهد في الأعمال الصالحة، والكل له حاصل بفضل الله، ثم قال: في طلب المغفرة هنا محملان: الأول: أنه سأل المغفرة من تركه ذكر الله في ذلك الوقت في تلك الحالة ... الخ (١) ويلاحظ أن ما ذكره ابن العربي هنا تحت عنوان (الأصول) متعلق بأصول الدين الاعتقادية لا بأصول الفقه، أما ابن سيد الناس فإنه في شرح هذا الحديث، ذكر معنى الغفران وإعرابه بنحو ما ذكره ابن العربي، بحيث يفهم من ذلك اطلاعه على شرح ابن العربي للحديث، ومع ذلك لم يتعرض لمسألة استغفار الرسول ﷺ ربَّه قبل أن يُعلمه أنه قد غفر له، ثم كان لا يسألها بعد إعلامه بذلك، بل تجاوز المؤلف ذلك إلى ما بعده من وجه سؤاله ﷺ المغفرة في تلك الحالة، وذكر نحو ما ذكره في هذا ابن العربي، مع زيادة وتفصيل استفاد فيه من شرح النووي لهذا الحديث من صحيح مسلم، كما أثبَتُّ ذلك في توثيق النص (٢).
وفي باب (ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور) أخرج الترمذي حديث علي ﵁ (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلُها التسليم)
стр. 115
وقد ذكر المؤلف ضمن بيانه للأحكام المستفادة من الحديث، أن أبا حنيفة والأوزاعي والثوري وغيرهم يجيزون الانصراف من الصلاة بغير التسليم، ثم ذكر أنه يُستَدل لأبي حنيفة بما روى البيهقي عن علي ﵁ قال: "إذا جلس -يعني المصلى- مقدار التشهد، ثم أحدث فقد تمت صلاته". وعقَّب على ذلك بقوله: وهذا -يعني الاستدلال بقول علي ﵁ جار على أصولهم -يعني الحنفية- وأما عندنا -يعني الشافعية- فالحجة فيما روى، لا فيما رأى (١)، وتوضيح ذلك أن الترمذي أخرج رواية عن النبي ﷺ أنّ تحليل الصلاة التسليم - والبيهقي روى عن علي أيضًا قوله السابق ذكرُه، وهو مخالف لمارواه بنفسه عن النبي ﷺ فمن أصول الفقه عند الحنفية أنه عند اختلاف رأي الصحابي عما يرويه بنفسه عن النبي ﷺ يُعمَل بما رآه، لا بما رواه؛ لأنه بمشاهدته للرسول ﷺ يكون أعرف بمقصوده ﷺ من الحديث الذي رواه عنه، ولهم في ذلك تفاصيل أخرى، وأما الشافعية ومن يوافقهم فمن أصولهم: أن العبرة بما رواه الصحابي عن الرسول ﷺ لا برأيه هو؛ لأن الحديث حجة على راويه وعلى غيره، ولهم في ذلك تفاصيل أيضًا (٢).
وهذه المسألة التي تعرض لها المؤلف عندما تُراجع شرح ابن العربي للحديث لا تجده تعرض لها (٣) وهي مسألة أصولية مُختَلف فيها كما ترى ومتعلقة بالحديث. ويلاحظ أيضًا أن المؤلف ذكر ذلك خلال بيان الأحكام المتعلقة بالحديث، ولم يخصص لها مبحثًا.
ومن المباحث الأصولية التي اتفق المؤلف مع غيره في تناولها، ما جاء في باب الرخصة في استقبال القبلة بالبول أو الغائط، فقد أخرج الترمذي فيه
стр. 116
حديث ابن عمر أنه (رأى رسول الله ﷺ على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة).
وقد ذكر المؤلف في الأحكام المستفادة من الحديث، وخلافَ العلماء فيها، نقلًا عن أبي العباس القرطبي: أن من العلماء من منع استقبال القبلة واستدبارها مطلقًا، لأنه يرى أن حديث ابن عمر المذكور لا يصلح مُخصصًا لحديث أبي أيوب في نهيه ﷺ عن الاستقبال والاستدبار؛ لأن حديث ابن عمر فعل له ﷺ في خلوة فيحتمل أنه مختص به، وحديث أبي أيوب، قول قُعِّدَت به القاعدة، فبقاؤه على عمومه أولى، ثم نقل جواب القرطبي عن ذلك، وأقره، وخلاصته: أن الفعل أقل مَراتبه الدلالة على الجواز، وأن الأصل فيه عدم الخصوصية بالرسول ﷺ .
وبهذا أقر المؤلف القرطبي على أن الحديث الفعلي يصلح مخصصًا للحديث القولي (١) ومسألة الاستدلال بفعل الرسول ﷺ على الأحكام بمفرده، سواء كانت تخصيصًا أو نسخًا أو غيرهما، مسألة أصولية طال فيها كلام الأصوليين وخلافهم، كما أشرت إلى ذلك في التعليق على هذا الموضع من الشرح، وحققت القول فيها بقدر الإمكان فتراجع من هناك (٢).
وفي شرح ابن العربي للحديث تعرض أيضًا للمسألة، دون أن يضع لها عنوانًا كعادته في عنونة مبحث الأصول وغيره في شرحه كما قدمت، وإنما تعرض لها ضمن مبحث الأحكام المستفادة من الحديث، حيث ذكر خلاف العلماء في جواز الاستقبال والاستدبار وعدمه، ثم قال: والمختار والله الموفق؛ أنه لا يجوز الاستقبال ولا الاستدبار في الصحراء، ولا في البنيان؛ وذكر في تدليله على ذلك: أن حديث أبي أيوب قول، وحديث ابن عمر وحديث جابر الذي أخرجه الترمذي في الباب أيضًا، كلاهما فعلان، ولا معارضة بين القول والفعل، وأن
стр. 117
الفعل لا صيغة له، وإنما هو حكاية حال ... الخ (١) وبذلك انتهى إلى أن الفعل في حديثي الباب لا يعارض حديث أبي أيوب القولي، وهذا خلاف ما نقله ابن سيد الناس عن أبي العباس القرطبي وأقره عليه.
وهكذا اتفق المؤلف وابن العربي في تناول تلك المسألة الأصولية، ولكنهما اختلفا في الأخذ بمقتضاها، حسبما ترجح لكل منهما.
(ط) آراء المؤلف، وإضافاته العلمية:
عندما تكلم المؤلف عن المادة العلمية لهذا الشرح، ذكر منها ما نقله عن غيره، ثم قال: أو مما جاء به الذهن الرَّكُود، وجادت به القريحة وقل أن تجود، أو مما أنتجته المذاكرة، واستحضرته المحاضرة، فكنت أرى من ذلك تقييد ما أستحسنه (٢) وهذا معناه أنه لم يقصر جهده في هذا الشرح على النقل عن الغير، وإنما ضم إلى ذلك بعض الآراء والإِفادات التي تفتق ذهنه عنها استقلالًا، أو تبينها من مناقشته ومذاكرته مع غيره حول مضامين جامع الترمذي، حيث كان المؤلف -كما مر- يُدرِّس الحديث بعدة أماكن.
وفي هذا رد على قول تلميذه صلاح الدين الصفدي: إنه جمّد ذهنه؛ لاقتصاره به على النقل (٣) وهذا القسم الذي حققته من شرحه دليل عملي واضح على أنه جعل من منهجه في الشرح إظهار مواقفه مما ينقله عن غيره سواء بالإقرار أو المعارضة والتعقب، والإِدلاء بما يبدو له من آراء وترجيحات، وإضافات إلى جهد أصحاب المصادر التي اعتمد عليها، وهو في كثير من الأحيان يميز ذلك بتصديره بعبارة: (قلت) ثم يتبعها بما يريد، وقد شمل ذلك معظم جوانب الشرح، من تخريج وصناعة حديثية ولغة وأحكام.
فمن إضافاته الظاهرة في التخريج ما ذكره من الأحاديث التي تتعلق بالأبواب، ولم يذكرها الترمذي ولم يشر إليها، وقد تقدم تقدير العلماء من بعده
стр. 118
لأهمية تلك الإِضافة. ومن ذلك أيضًا: أنه في المقدمة الثانية للشرح، نقل عن ابن العربي وابنُ رُشَيد بيانهما لما تضمنه جامع الترمذي من أنواع علوم الحديث، ثم قال: ومما لم يذكراه أيضًا، ولا أحدهما: ما تضمنه من الشذوذ، وهو نوع ثامن، ومن الموقوف، هو تاسع، ومن المدرج وهو عاشر، وهذه الأنواع مما يُكِثرُ في فوائده التي تستجاد منه، وتستفاد عنه (١).
ومن ذلك أيضًا ما أضافه في تعليل الاستغفار الذي ذكره أبو أيوب الأنصاري عقب روايته لحديث النهي عن الاستقبال والاستدبار للقبلة عند قضاء الحاجة، حيث قال: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض فكنا ننحرف عنها، ونستغفر الله.
فقد ذكر المؤلف أربعة أقوال في تعليل ذلك للعلماء قبله، وفي نهايتها قال: انتهى ما ألفيته في ذلك عن سَلَف، ثم أضاف من جانبه تعليلًا خامسًا، فقال: ولو قيل بأنه -يعني أبا أيوب- أخبر عن أمرين لا تعلق لأحدهما بالآخر، لم يكن به بأس؛ أخبر عن الانحراف لمعتقده بقاء الحكم في الكنيف وغيره، وعن الاستغفار المسنون الذي ورد عنه ﵊، أنه كان إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك (٢).
ومن آرائه في بيان أحوال الرواة أنه نقل عن النسائي أنه لا يَعرِفُ وجهًا ولا عُذرًا لترك البخاري إخراج حديث سهيل بن أبي صالح في صحيحه -يعني احتجاجًا- ثم نقل عن ابن المديني قوله: مات لسهيل أخ فَوَجَد عليه، فنسي كثيرًا من الحديث. وعقب على ذلك فقال: قلت ولعل هذا عذر البخاري في ترك إخراج حديثه، لا سيما هذا الخبر عن علي بن المديني من روايته مذكور في تاريخه الكبير (٣).
стр. 119
وبذلك إلتمس للبخاري حجة مناسبة في عدم احتجاجه بسهيل، لم يلتمسها له الإِمام النسائي من قبله؛ وأيد هذا بدليل، وهو معرفة البخاري بما ذكره ابن المديني بشأن ضبط سهيل، هذا ويعتبر ما قرره المؤلف زيادة على ما قرره الحازمي من قبله أن البخاري ترك الاحتجاج بسهيل؛ لكلام العلماء في سماعه من أبيه (١) ويعتبر ما قرره المؤلف أعم مما قرره الحازمي، حيث اقتصر في السبب على جانب واحد وهو رواية سهيل عن أبيه، ولا مانع من اعتبار الأمرين معًا عذرًا للبخاري، كما ذكرته في التعليق على هذا الموضع من الشرح.
ثم إن المؤلف نقل عن الحاكم قوله: "إن مالكًا روى عن سهيل، ومالك هو المرجوع إليه في مشايخ المدينة الناقد لهم" ثم قال: قلت: وفيما ذكرناه آنفًا في توثيق سهيل رواية مالك عنه، وأنه المرجوع إليه في مشايخ المدينة، وهذا لا يَرِد على البخاري؛ لأن مالكًا من أهل المدينة، وسهيل ليس من قدماء شيوخه، وقد تبين له -يعني البخاري- أنه تغير حفظه بآخره، فيكون مالكًا سمع منه قبل التغير، وكثيرًا ما يعرض في المتغيرين والمخلطين مثل هذا، فيفرق هناك بين الراوي عنه قبل الاختلاط فيقبل، أو بعده فيرد أو الجهالة بحالة الراوي متى كان سماعه، فينبغي أن يُتوقف عنه، كما تقرر في الملقّن والمستور (٢).
أقول: ومع أهمية ما ذكره المؤلف هنا في الجواب عن البخاري، فإن الحافظ ابن حجر لم يذكره ضمن إضافاته في ترجمة سهيل من تهذيب التهذيب ٤/ ٢٦٣، ٢٦٤، ولا في الجواب عمن طُعِن فيه من رجال البخاري في مقدمة الفتح/ ٤٠٨، مع أنه قد اطلع على هذا الشرح ونقل منه مرارًا كما سيأتي.
ومن آرائه في الرواة أيضًا أنه صدر سياق الأقوال في عبد الله بن عقيل بقوله: وينبغي أن يكون حديثه حسنًا، وقد أثنى عليه قوم وتكلم فيه آخرون، ثم ساق خلاصة الأقوال (٣) وهذا التحديد لمرتبة حديث ابن عقيل لا نجده في
стр. 120
الأقوال التي ساقها بعد ذلك، ولكنه استخلصها من اختلاف الآراء فيه، وقد بينت في التعليق على هذا الموضع من الشرح أن المؤلف مسبوق من ابن القطان الذي قرر من قبله: أن الراوي المخْتَلَف فيه يقال على الاصطلاح للحديث من روايته: إنه حسن، والمؤلف هنا طبق هذا الاصطلاح على ابن عقيل، وقد مشى على ذلك الذهبي من بعده، فإنه بعد عرض الأقوال فيه قال: قلت: حديثه في مرتبة الحَسن (١).
ومن آرائه في مسائل مصطلح الحديث ما ذكره عن مراد الترمذي بالشاذ، في قوله في تعريف الحسن: "ولا يكون شاذًا" فقد ذكر المؤلف تعريف كل من الشافعي والخليلي للشاذ، وبيّن أن كلاهما يتفقان في كون الشاذ تفرد الثقة، ثم عقب على ذلك بقوله: والذي يظهر من كلام الترمذي -يعني في تعريف الحسن- التوسع في ذلك، وأن تفرد المستور داخل في مسمى الشاذ، لم أَذِن به كلامه من أن رواية المستور الذي لا يتهم بالكذب على قسمين: ما شورك فيه، وهو داخل عنده في مسمى الحسن، وما لم يشارك فيه، وهو الذي سماه شاذًا ولم يُلحقه بالحَسن (٢)، وهذا الرأي في مراد الترمذي بالشاذ يخالف ما قرره السخاوي، من أن مراد الترمذي بالشاذ هو المراد به في تعريف الصحيح (٣)، لأن المراد في تعريف الصحيح مقصور على تفرد الثقة، التي هي شرط الصحيح، ويبدو أن رأي ابن سيد الناس أقرب لمراد الترمذي؛ لأن تعريفه للحسن لغيره، ورواية دون الثقة كما هو معروف، ولذا يحتاج إلى عاضد.
ومن ذلك أيضًا تعريف المؤلف للمستور بأنه من لم يُنقَل فيه جرح ولا تعديل، أو نقلا فيه معًا، ولم يترجح أحدهما على الآخر ببيان؛ حيث يُحتاج اليه، وما أشبهه (٤).
стр. 121
وهذا التعريف قد ذكره السخاوي للمستور، ولكن لم يعزه للمؤلف ولا لغيره (١)، ولذا ظن من جاء بعد السخاوي: أنه من عنده، فنسبه إليه كل من الصنعاني (٢) والشيخ علي القاري (٣).
ومن آراء المؤلف أيضًا في المصطلح أنه ذكر بعض ما أجاب به غيره عن جمع الترمذي بين الصحة والحُسن في وصف حديث واحد، ثم قال: وقد كان يمكن أن يجاب عنه من هذا النمط أنه صدق عليه الوصفان باعتبار الاختلاف في حال راويه، إذ قد يكون الراوي عند مُعدِّل في مرتبة الصحيح، وعند غيره دون ذلك، ثم قال: وَيرِد على هذا لو قيل، ما لا يَختلِفُ النظر في تعديل راويه، وأنه كان يَحسُن في مثله أن يأتي بلفظة (أو) التي هي لأحد الشيئين أو الأشياء، فيقول: حسن أو صحيح (٤).
وهذا الجواب مع ما أورده المؤلف عليه، قد عزاه الحافظ ابن حجر إلى بعض المتأخرين، دون تحديد اسمه، وزاد فيه بعض تفصيل، ثم ذكر أن هذا الجواب لو سَلِم من التعقب عليه لكان أقرب إلى المراد من غيره، وأضاف قائلًا: وإني لا أميلُ إليه وأرتضيه، والجواب عما يَرِدُ عليه ممكن (٥).
ثم قام ابن حجر بتركيب جواب من هذا الذي ذكره ابن سيد الناس، ومما ذكره ابن الصلاح في الجواب عن تركيب الصحة والحسن بأنه قد يكون باعتبار إسنادين، وجعل جواب ابن سيد الناس عما له إسناد واحد (٦).
وقد أشار السخاوي إلى هذا، فذكر أن شيخه ابن حجر أورد جوابًا عند التفرد -أي كون الحديث ليس له إلا سند واحد- أصله لابن سيد الناس (٧).
стр. 122
أما السيوطي فذكر جواب ابن حجر وقال: إنه مركب من جواب ابن الصلاح وابن كثير (١) وتبعه في هذا غيره (٢). والصواب ما ذكره السخاوي، كما ترى.
ومن ترجيحاته لبعض الأقوال على بعض، أنه نقل عن الحافظ عبد الغني المقدسي ما ذكره في كتابه (الكمال) في ترجمة سماك بن حرب، أن نسبته (الذُّهلي البكري، وقيل الهُذَلي) ثم تعقبه فقال: وقوله: "وقيل الهذلي" ليس بشيء، وقد خالفه ابن الكلبي في هذا النسب، والنفس إلى ما قال ابن الكلبي أَمْيَل، ثم ساق كلام ابن الكلبي المشتمل على نسب سماك (٣).
ومن ذلك أيضًا أن الترمذي قال عن حديث (مفتاح الصلاة الطهور) من رواية علي ﵁: أنه أصح شيء في هذا الباب وأحسن، ولكن ابن العربي خالف الترمذي في هذا "فقال: إن الحديث من رواية مجاهد عن جابر أصح وأحسن"، فذكر المؤلف ذلك ثم عقب عليه بقوله: قلت: وما قاله الترمذي أولى (٤).
وقال ابن العربي أيضًا إن إسناد أبي داود بحديث علي المشار إليه أصح من سند الترمذي به، فقال المؤلف: وزعم ابن العربي أن إسناد أبي داود هذا أصح من سند الترمذي، ولا وجه لهذا الترجيح (٥).
وقد يكون بيان المؤلف للرأي المختار بنقله عن غيره وإقراره، ففي شرح الحديث الأول من جامع الترمذي، وهو: "لا تقبل صلاة بغير طهور" قال المؤلف: واختُلِف هل يجب الوضوء بالحدث وجوبًا موسعًا، أو عند القيام إلى
стр. 123
الصلاة، أو بالأمرين؟ على ثلاثة أوجه، ثم أعقب ذلك بقوله: قال الشيخ محي الدين -يعني النووي- والآخِر المختار عند أصحابنا (١). وقد أقر المؤلف النووي على ذلك.
ومما تعقب فيه غيره، أنه في شرح حديث "فضل الطهور" نقل عن أبي عُمر ابن عبد البر قوله: إن في رواية ابن وهب عن مالك بهذا الحديث زيادة ليست لغيره من الرواة، وهي ذِكْر (الرِّجلَين) حيث قال: فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتهما رجلاه مع الماء ... " الحديث. وعقب المؤلف على ذلك فقال: وقوله -يعني ابن عبد البر- إن زيادة لفظة "الرجلين"، لا تعرف عن مالك إلا من طريق ابن وهب، يعارضه ثبوتُها في صحيح مسلم من حديث مالك، من طريق سويد بن سعيد، وابن وهب، وفيه (مشتها رجلاه) بغير تثنيته، وإن كان مسلم قد جعل اللفظة فيه لابن وهب دون سويد، فإنه لا يحتمل مثل ذلك الانفراد بهذه الزيادة، ولو لم تكن عن سويد لبينها (٢).
ومما يتعلق بالجوانب اللغوية أنه في شرح حديث الدعاء عند دخول الخلاء وهو: "اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبيث ... " الحديث. نقل المؤلف عن الخطابي قوله: الخُبث بضم الباء، جمع خبيث، ثم قال الخطابي: وعامة أصحاب الحديث يقولون: "الخُبْث" ساكنة الباء، وهو غَلط، والصواب (الخُبُث) مضمومة الباء.
وقد عقب المؤلف على ذلك فقال: وهذا الذي أنكره الخطابي هو الذي حكاه أبو عبيد القاسم بن سلام، وحسبك به جلالة، ثم قال: وقال القاضي أبو الفضل عياض: أكثر روايات الشيوخ، الإسكان، وقال أبو العباس -يعني القرطبي-: "رَويناه بالضم والإسكان" وعقب المؤلف على ذلك فقال: قلت: لا ينبغي أن يعد هذا غلطًا؛ لأن (فُعُلان) بضم الفاء والعين، تسكَّن عينه
стр. 124
قياسًا، فلعل من سكنها سلك ذلك المسلك، ولم يُرِد غير ذلك مما يُخالف المعنى الأول (١).
وبهذا يتجلى لنا بروز هذا العنصر من عناصر منهج المؤلف في شرحه، ودلالته على شخصيته العلمية في علوم الحديث وما يتصل بها.
أهم مميزات هذا الشرح:
سبق أن بينت مكانة هذا الشرح إجمالًا بين شروح الترمذي، السابق منها واللاحق وعلى ضوء ذلك، وما فصلْتُه من عناصر منهج المؤلف فيه مقارنًا بغيره، يمكن تلخيص أهم مميزات هذا الشرح فيما يأتي:
١ - توسعه في الشرح عمومًا أكثر من سلفه ابن العربي، الذي صرح في مقدمته بأنه آثر الاختصار، وقد يترك أبوابًا كاملة دون التعليق عليها بشيء كما أشرت إلى ذلك من قبل.
٢ - عنايته بتخريج الأحاديث، وبيان درجاتها، سواء مارواه الترمذي في الباب أو أشار إليه أو استدركه هو عليه. وقد أَعطى بذلك القدوة لمن جاء بعده من شراح الترمذي.
٣ - حفظه لآراء المؤلف وإضافاته العلمية المختلفة في علوم الحديث رواية ودراية، كما تقدمت نماذج ذلك.
وقد أشار المؤلف في مقدمته إلى هذه النقطة، حيث ذكر اشتغاله أولًا بتقييد ما كان يستحسنه من الفوائد العلمية المتعلقة بهذا الشرح، وأضاف قائلًا: ثم عَنَّ لي أن أضم لتلك الفوائد ما يُضارعُها، ليشفع ماضيها مضارعُها، ويجمعها تَعليق من طلبها به ألفاها ... فكثيرًا ما تمر الفائدة بمن يسمعها أو يطلبُها فينأى عنها مغزاها، ومن قيد العلم بالكتاب أَمِنَ هذا اللبس والارتياب (٢).
стр. 125
وبهذا أمكن استفادة من بعده بجهده العلمي وآرائه التي ضمنها هذا الشرح ويتأيد ذلك بما سيأتي من بيان أثر الكتاب فيما بعده.
بعض الملحوظات على الشرح:
ومع مميزات الشرح هذه التي لا تنكر، فإن الانصاف يقتضينا تقرير وجود بعض المآخذ التي لوحظت على هذا الشرح سواء من العلماء السابقين الذين اطلعوا عليه، أو من جانبي خلال اطلاعي على هذا القسم المحقق ودراسته، وقد قدمت في بيان مصادر المؤلف في هذا الشرح بعض الملحوظات، وهنا أضيف بعضًا آخر:
فمن ناحية الشكل نجد أن كثيرًا من الأبواب الأولى لم يوضع لشرحها عنوان عام، ولا عناوين تفصيلية لكل مبحث من مباحث الشرح، وبعض الأبواب وُضِع لها العنوان العام، ولم توضع عناوين تفصيلية، في حين نجد الأبواب الأخيرة من الشرح قد وُضِع لشرحها عنوان عام، وعناوين تفصيلية، كما أوضحت ذلك في بيان منهج المؤلف في الشرح.
وأما من ناحية المضمون، فمما لاحظه عليه الحافظ العراقي، أنه قد يُخرِّج أحاديث في الباب ليس فيها مقصود الباب، وذلك أن أول تكملة العراقي شَرْح باب "ما جاء أن الأرض كلَّها مسجدُ إلا المقبرَة والحمَّام" وقد تقدم أن المؤلف كان شرح قطعة من الباب، وقد قال الترمذي: وفي الباب عن علي و ... إلى أن قال: وأبي أمامة. "فقال العراقي في شرحه: وحديث أبي أمامة أخرجه أحمد في مسنده من رواية سيار عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال "فُضلْتُ بأربع: جُعلَت الأرض لأمتي مسجدًا وطهورًا" ... الحديث، ثم قال العراقي: وأصل الحديث عند المصنف، في كتاب السِّيَر، بلفظ: إن الله فضلني على الأنبياء، أو قال: أمتي على الأمم، وأحل لنا الغنائم، وقال: حديث حسن صحيح، قال العراقي: هكذا ذكره -يعني الترمذي- مختصرًا، لم يذكر فيه مقصود الباب، وعزو الشيخ فتح الدين -يعني المؤلف- في آخر ورقة رأيتها
стр. 126
بخطه من شرح الترمذي إلى المصنف ليس بجيد؛ فلذلك عزوته لغيره (١).
ومما لاحظته عليه في التخريج أيضًا أن الترمذي في باب ما جاء في فضل الطهور أخرج حديث أبي هريرة: إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه ... " الحديث. ثم قال: وفي الباب عن عثمان بن عفان ... وعبد الله بن عمرو".
فلما تصدى المؤلف لتخريج ما أشار إليه الترمذي قال: وأما حديث عبد الله بن عمرو فذكر ابن أبي شيبة في باب المحافظة على الوضوء وفضله حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن ليث عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ لن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن، ثم قال المؤلف: وعن ابن عمر رواه الدارقطني ... الخ (٢) وبمراجعتي لمصنف ابن أبي شيبة وجدت الحديث المذكور عن "عمر" وليس عن "عمرو" بالواو كما هو مقصود الترمذي. وقد قال المباركفوري: إنه لم يقف على حديث "عمرو" بالواو، لكني وُفِّقتُ للوقوف على الحديث من رواية (عمرو) وخرجته في التعليق على هذا الموضع من الشرح.
ومما لاحظته عليه في التخريج، أنه قد يخرج الحديث من مصدر مع وجوده في غيره مما هو أشهر منه وأولى، فمن ذلك عزوه حديث عمرو بن أبي عمرو العجلاني في النهي عن استقبال القبلتين عند قضاء الحاجة إلى كتاب الكامل لابن عدي، مع أنه مخرج في مسند أحمد، ومعجم الطبراني (٣)، وهذا منتقد في التخريج.
ومما لاحظته عليه في تراجم الرواة، أن بعض التراجم التي توسع فيها، قد ساقه التوسيع إلى الاستطراد بذكر ما لا حاجة إليه في موضعه. ففي ترجمته
стр. 127
الموسعة للزهري، استطرد بترجمته خلالها لجد الزهري من جهة أبيه، وجده من جهة أمه، وذلك في أزيد من ١٥ سطرًا (١).
وفي ترجمته لسِمَاك بن حرب ذكر قول ابن القطان: إن أكثر ما عيب به سماك هو قبول التلقين، وقال: وهو عيب تسقط الثقة بمن يتصف به، ثم استطرد ابن القطان من ذلك إلى بيان فعل المحدثين له تجربة لضبط الراوي، وأشار إلى قصة البخاري، والعقيلي في هذا، وذكر أقوالًا في ذم التلقين، فنقل المؤلف كل هذا ضمن الترجمة في نحو عشرين سطرًا، ثم قال: وأخبار الناس في التلقين كثيرة، وسيأتي منها في هذا الكتاب إن شاء الله، عند ذكر من رُمِي بها من الرواة ما فيه كفاية، ثم اتبع ذلك ببيان حكم التلقين بالنسبة للراوي، وختم ذلك ببيان ما ينطبق منه على سِمَاك (٢) ومع أن المضمون العلمي لهذا الاستطراد الطويل، غاية في الفائدة، إلا أنه لا يُحتاج منه في ترجمة سماك إلا لبيان حكم اتصافه بقبول التلقين فقط.
ومما يؤخذ عليه في ترجمته لأبي أيوب الأنصاري، نقلُه عن ابن عبد البر: أن أبا أيوب مات بالقسطنطينية من بلاد الروم، وأن قبره قرب سورها معلوم إلى اليوم، مُعَظَّمٌ يَستسقون به، فَيُسقَون (٣) ومن المعروف أن التوسل بالقبر، وبالمقبورين غير جائز شرعًا، وبالتالي ما كان لابن عبد البر ثم المؤلف من بعده أن يذكراه دون تنبيه على فساده والتحذير من فعله، كما ذكرْت ذلك في التعليق على هذا الموضع.
ومن ذلك أيضًا أنه في ترجمته المطولة للزهري ذكر من الأقوال في توثيقه مايفيد اتفاق الجمهور على إمامته وثقته، ثم ختم الترجمة بقوله: وقد وقع في ترجمته من غرائب الجرح ما أنا ذاكرُه، أن أبا القاسم البلخي في كتابه في معرفة الرجال، قال: ... وذكر عدة طعون هي: أن مرسل الزهري ليس بشيء وأنه
стр. 128
تولى السعاية فعزر رجلًا فمات، وأنه لم يَرو لِعَليّ ﵁ فضيلةً قط، وأنه كان مروانيًا -يعني يميل إلى آل مروان من بني أمية- وأن ابن المسيب بلغه تحديثه بحديث: لا تُناشِدُوا الخلفاء بالله، فقال فيه ما رغب المؤلف عن ذكره، وذلك كناية عن حكاية لعن ابن المسيب للزهري، كما صرح به البلخي في كتابه المذكور، وأن عمر بن عبد العزيز لما قدم عليه الزهري أخرجه من عسكره، بسبب روايته حديث المناشدة، وانتقاصِه لِعَلي ﵁ ونقل أيضًا عن شيخه ابن دقيق العيد ما يفيد نقد أبا حازم -سلمة بن دينار- للزهري. وبذلك أنهى الترجمة دون أي تعقيب على كل ما ذكرته (١) وهذا مما يُنتقَد على المؤلف من غير وجه:
أولًا: أنه اكتفى بوصف هذه الانتقادات كلها بأنها من غرائب الجرح، وهذا لا يكفي في ردها، بل كان يلزمه الرد على كل قضية منها تفصيلًا، حتى لا يغتر بها من يطلع عليها، ممن ليس خبيرًا بما يُقبل وما يُرد من نقد الرواة، ولكي يَسْلَم للزهري توثيق الجمهور له.
ثانيًا: أن البلخي هذا الذي نقل المؤلف عن كتابه تلك المطاعن، مطعون فيه، فقد انتهت إليه رياسة المعتزلة، وكان داعية للاعتزال، وكان بعض النقاد يكفره، وكتابه هذا الذي نقل المؤلف عنه وصفَه الحافظ ابن حجر بالاشتمال على الغض من أكابر المحدثين، وذِكْر مثالبهم، سواء كانت قادحة أم لا، كما ذكرتُه في التعليق على هذا الموضع، وبالتالي، ما كان للمؤلف أن يورد ما جاء في هذا الكتاب بشأن الزهري، دون أن يبين شأن الكتاب وشأن مؤلفه، ثم يَرُد على ما جاء به، ولقد قمت بحمد الله تعالى من جانبي في التعليق على هذا الموضع من الشرح بالرد على كل تلك الطعون بحيث يبقى للزهري توثيقُه اللائق به، والمتفق عليه من الجمهور، وبينت أيضًا شأن البَلخي، وشأن كتابه حتى لا يغتر أحد بما فيه سواء عن الزهري أو عن غيره.
стр. 129
ومما تُعقب المؤلفُ فيه من غيري، أنه ذكر قول الحافظ أبي طاهر السِّلَفي: إن الكتب الخمسة -يعني الصحيحين- وسنن أبي داود والترمذي والنسائي - قد اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب، ثم علق على ذلك بقوله: وهذا محمول على ما لم يُصرِّح بضعفه منها مُخرِّجُه أو غيره (١)، وقد تعقب العراقي المؤلف، بأن حملَه قولَ السلفي على هذا يقتضي أن ما كان في الكتب الخمسة مسكوتًا عنه، ولم يُصرَّح بضعفه يكون صحيحًا، وليس هذا الإطلاق صحيحًا، بل في كتب السنن أحاديث لم يتكلم فيها الترمذي أو أبو داود، ولم نجد لغيرهم فيهما كلامًا، ومع ذلك فهي ضعيفة، ثم قال العراقي: وأحسن من هذا قول النووي: مُراد السلفي: أن مُعظم الكتب الثلاثة يحتج به، أي صالح لأن يحتج به؛ لئلا يَرِد على إطلاق عبارته المنسوخ أو المرجوح عند المعارضة، ويجوز أن يقال: إنه -أي السِّلَفي- لم يَعتبِر الذي فيها لقلته بالنسبة إِلى النوعين (٢) وتَعقُّب العراقي هذا قد نقله عنه السخاوي وأقره (٣).
ومما لم أجد انتقاده فيه من أحد، أنه في المقدمة الثانية لشرحه قال: إن الحسن كثير في كتاب الترمذي، قليل عمن تقدمه، لا سيما على الوضع المصطلح عليه عنده (٤) وهذا يفيد إقرارهُ بأن من تقدموا الترمذي قد استعملوا الحسن، ولو قليلًا، بالمعنى الاصطلاحي عند الترمذي، لكنه بعد ذلك بقليل وفي عدة مواضع من هذا القسم المحقق، قد قرر: أن الحسن عند الترمذي كما عرفه، وطبقه في جامعه، اصطلاح خاص به في كتابه، وهو أبو عُذْرته، ولم يسبقه أحد إِلى مراده به (٥).
وبذلك ناقض قوله الأول صراحة، ومع ذلك لم أجد من تعقبه في هذه
стр. 130
المناقضة أو بيَّنها، فقمت بذلك من جانبي في التعليق على الشرح في الموضع الأول.
وأما تصريحه المتكرر بأن الترمذي لم يَسبِقْه أحد إلى مراده بالحديث الحسن، فقد خالفه فيه غير واحد من علماء المصطلح، مع اشتغالهم بشرح جامع الترمذي أيضًا، وهم: ابن رجب الحنبلي وهو معاصر للمؤلف، ثم الحافظ العراقي، ثم الحافظ ابن حجر العسقلاني، ثم تلميذه السخاوي، وبناء على ما قرروه بالأدلة، رددتُ عليه في ذلك (١).
ومما بدا لي انتقاده على المؤلف في هذا الشرح: أنه بعد تقرير أن الحديث الصحيح ليس بحسن، ولا ضعيف، كما أن الحسن ليس بواحد منهما، قال: "ومن هنا أُورِدَ على الترمذي جمعُه بين الحُسْن والصحة في حديث واحد" ثم ساق خمسة أجوبة عن الترمذي في ذلك ووصف أربعة منها بأنها مرغوب عنها، ثم ختم بالجواب الخامس، فقال: والجواب: أن الحُكم لِلَفْظة (حَسن) إنما هو إذا انفردت، ومعلوم حينئذ أنها جاءت على الوضع الاصطلاحي، لتفيد ما تقرر من المراد، أما إذا جاءت تبعًا للصحيح، فالحكم للصحيح، وليس ذلك المعنى الوضعي مرادًا منها، ولا منافاة حينئذ، كما لو قُلْتَ: حديث صحيح معروف، أو مشهور صحيح، لم تكن تلك الزيادة على الوصف بالصحة مما يحط الحديث عن مرتبته، وإن كانت قاصرة على الوصف بالصحة إذا انفردت، وليس وَضْعُ الحسن على هذا النوع من الحديث مما تَقدم الترمذيَّ وضعُه، حتى يُشاحَح في إطلاقه، ويُطلَب منه اطراد اسمه منفردًا ومقترنًا بالصحة" ... الخ (٢).
وقد أقر المؤلف هذا الجواب، حيث لم يتعقبه بشيء، في حين تعقب الأربعة التي ساقها قبله، ولم أجد من العلماء من رد عليه هذا الجواب، أو ناقشه في حيثياته وأدلته.
ولكن بدا لي أنه جواب غير مُسلَّم به؛ حيث يَرِدُ عليه في تقديري، وعلى
стр. 131
أدلته، ما لا يقل عما يَرد على غيره من الأجوبة التي ردها، ولذا قمت في التعليق على هذا الموضع بالرد لهذا الجواب ولأدلته، وذلك في أربعة نقاط أساسية، تجعله مرغوبًا عنه كسابِقِيه، ثم أتبعت ذلك ببيان أن الجواب الشافي عن جمع الترمذي بين تلك الأوصاف يكون بإحصائها في الجامع كله ودراسة أسانيدها، ثم وجدت من علماء المصطلح من أشار إلى ذلك، ولكنه استبعد وجود من ينهض بذلك (١) ثم أخبرني بعض زملائي الأفاضل وهو الدكتور/ محمود ميرة، بقيام بعض طلاب الدراسات العليا بالجامعة الإِسلامية بالمدينة المنورة، ببعض بحوث في هذا، وحققوا نتائج مرضية، فالحمد لله على ذلك، وأرجو الله تعالى أن يوفق غيرهم لاستمرار هذه البحوث بجدية وعمق حتى نتحصل على جواب شاف عن كل عبارات الترمذي المركبة، والمفردة أيضًا، بإذن الله.
ومهما يكن من تلك الملحوظات وغيرها، فإنها لا تقدح في مكانة هذا الشرح ومميزاته التي تقدمت، وآثاره التي سنوضحها بعد قليل، ولعل المؤلف ﵀ لو أتيح له إكمال شرحه ومراجعته شكلًا ومضمونًا، لتلافي الكثير مما لوحظ عليه، سواء من الأئمة السابقين، أو مما بدا لي فيما تقدم، والكمال لله وحده.
أثر الكتاب فيما بعده:
١ - من أهم آثار هذا الشرح إعطاء القدوة في التوسع عما في عارضة الأحوذي، سواء في الشرح أو في التخريج للأحاديث بجوانبه الثلاثة السابق ذكرها، مع بيان درجات الأحاديث المحتاجةِ إلى ذلك في كثير من الأحيان، فقد نسج على منواله من تصدوا لشرح الترمذي شرحًا مستقلًا، ومن أكمل على شرح من تقدمه.
٢ - أن ما ضمنه المؤلف فيه من آراء في علم مصطلح الحديث عمومًا، أو في مصطلحات الترمذي في جامعه خصوصًا، صار محورًا دارت حوله آراءُ
стр. 132
العلماء من بعده، ما بين مقتبس منه، ومؤيد، ومعارض، كما مر معنا في نماذج آرائه وغيرها مما تضمنته تعليقاتي على النص في أكثر من موضع من هذا القسم المحقق.
٣ - نقول العلماء من بعده عنه، سواء فيما يتعلق بالصناعة الحديثية أو بالتخريج أو بالشرح، فالحافظ العراقي نقل عنه في ألفيته في المصطلح، وفي شرحها له (١).
وكذا نقل عنه في نكته المسماة بالتقييد والإيضاح لما أُطلِق وأُغلِق من مقدمة ابن الصلاح (٢).
ونقل عنه الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح والعراقي (٣).
ونقل عنه الإمام العَيني في عمدة القاري شرح صحيح البخاري (٤).
ونقل عنه السخاوي في شرحه لألفية العراقي السابق ذكرها، مع الإقرار، تارة والمعارضة أخرى (٥).
ونقل عنه البقاعي في حاشيته على شرح العراقي لألفيته في المصطلح، وتُسَمى "النكت الوفيَّةِ بما في شرح الألفية" (٦).
ونقل عنه السيوطي في تدريب الراوي (٧) وفي قوت المغتذي على جامع الترمذي في مواضع تغني كثرتها عن الإحالة.
стр. 133
أما الإمام الشوكاني فقد قدمت أنه قرر اطلاعه على هذا الشرح بخط مؤلفه، وأُعجب بمضمونه العلمي، ولهذا فقد وقفتُ على نقله منه في نيل الأوطار في سبعة عشر موضعًا (١).
ونقل عنه المباركفوري في تحفة الأحوذي، في مواضع متعددة، ولكن معظمها بواسطة نيل الأوطار، كما صرح بذلك المباركفوري مرارًا (٢) وبعضها من قوت المغتذي للسيوطي (٣).
وبتلك الأمثلة يتضح لنا ما أفاده هذا الشرح بمادته العلمية المتنوعة، لما أُلف بعده في علم مصطلح الحديث، وفي شرح الترمذي، وفي شرح غيره من كتب الحديث .. وسيتسع تأثيره، والإفادة منه أكثر بعد نشره مطبوعًا إن شاء الله.
...
стр. 134
القسم الثاني
ويشتمل على:
أولًا: عملي في التحقيق والتعليق.
ثانيًا: النص محققًا معلقًا عليه.
стр. 135
أولًا: عملى في التحقيق والتعليق
هذا وقد عملت في تحقيق نص هذا القسم من الشرح والتعليق عليه، كما يلي:
١ - التعريف بما اعتمدت عليه من نسخ الكتاب:
لم أقف لهذا الشرح إلا على نسختين فقط، رغم البحث المستفيض، وسؤال أهل الخبرة في هذا، وأُعرف بكل منهما على النحو التالي:
(أ) نسخة تركيا:
وتوجد بمكتبة لا لَهْ لي تحت رقم (٥١٤) حديث. وعدد أوراقها (٢٧٦) وعدد سطور الصحيفة ٢٣ سطرًا، بخلاف الصحيفة الأولى فَعَدد سطورها ٢١ سطرًا، وليس على النسخة اسم ناسخها، ولا تاريخ النسخ، لكنها مكتوبة بعد وفاة المؤلف حيث ترحم الناسخ عليه بعد نسبة الشرح إليه في عنوان النسخة، وخطها نسخ واضح، لكن إهمال النَّقْط فيه للحروف التي يشكل نقطُها وكذا إهمال الهمزات كثير، ولذا كان تحرير النص في الألفاظ الواقع فيها هذا صعب في هذا القسم بالذات لكون الاعتماد في معظمه على تلك النسخة وَحدَها، حيث إن النسخة الثانية تنقص كثيرًا من أولها كما سيأتي في وصفها، أما تلك النسخة فهي كاملة من أولها، حيث تبدأ بأول الشرح.
وتعتبر تلك النسخة موثقة، حيث كتب بها نهاية الجزء الأول منها ما نصه:
стр. 136
آخر الجزء من خط مصنفه، يتلوه بخطه: "باب ماجاء أن الماء من الماء" حدثنا أحمد بن مَنيع (١) وهذا يفيد أن تلك النسخة منقولة عن نسخة بخط المصنف، وأن الناسخ مشى في تجزئتها على حسب تجزئة أصلها الذي بخط المصنف.
ثم يتلو هذا الجزء، ثاني جزء من النسخة، وخطه مشابه لخط الأول، ويبدأ "بباب ما جاء أن الماء من الماء" كما أشير لذلك في آخر الأول. ثم ينتهي هذا الجزء الثاني بآخر شرح باب (ما جاء في المستحاضة) وقد جاء في نهايته ما نصه: آخر المجلد الأول من شرح الترمذي، يتلوه في أول الثاني: باب (ما جاء أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة).
والباب الذي تنتهي به هذه النسخة هو ٩٣ من أبواب كتاب الطهارة البالغ عددُها ١١٢ بحسب ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، وبذلك تكون هذه النسخة عبارة عن مجلد واحد فقط كما أشير في نهايته إلى بداية الثاني.
وبذلك تنقص مجلدًا كاملًا يشمل: ١٩ بابًا الباقية من كتاب الطهارة، ثم الأبواب التي شرحها المؤلف من كتاب الصلاة كلها وهي ١١٨ بابًا.
هذا ويوجد على هوامش تلك النسخة إلحاقات لما سقط من الناسخ، ثم تلافاه بالهوامش مع وضع علامة دخوله في الصلب في آخره وهي (صح) وهذا يدل على مقابلة تلك النسخة بأصلها، فيكون ذلك توثيقًا لها.
كما أن في هوامشها تعليقات وحواش، فيها استدراك على المؤلف، وعلى الترمذي، وموضوع فوق تلك الحواشي علامتها الدالة على عدم دخولها في الصلب، وذلك برمز مختصر وهو (حشـ) (٢) أو بكتابة كلمة (حاشية) (٣).
стр. 137
وتلك الحواشي تدل على قراءة النسخة بواسطة بعض العلماء، وتَأملِ نصوصها، فتزداد بذلك توثيقًا.
ثم إن بعض صفحات تلك النسخة فيها ترميم قليل، بعيد عن الكتابة (١)، وفي ورقتي (١٦٢ ب، ١٦٣ أ) طمس في الثلثين الأخيرين من كل صفحة، ويشمل ٩ سطور منها، وذلك بسبب بلل أصاب الصفحتين المذكورتين، كما أن في بعض الصفحات أكل أرضة خفيف، وبعيد عن الكتابة بحمد الله.
وعنوان تلك النسخة نصه (الأول من شرج الترمذي، لابن سيد الناس، ﵀، ونفعنا به آمين) وعلى يسار العنوان تملُّك نصه (للفقير أحمد بن العجمي).
وبالتأمل في الصفحة الأولى من الشرح في تلك النسخة بدا لي أنها مغايرة لباقي النسخة، سواء في الخط أو في عدد السطور، حيث تبلغ سطورها ٢١ سطرًا في حين عدد سطور الصفحة في باقي النسخة (٢٣ سطرًا) كما قدمت، كما أن خَطها أدق من خط باقي النسخة، وليس في آخرها (التعقيبة) التي تدل على أول الصفحة التالية، وإن كان سياق آخرها متناسقًا مع بداية الصفحة التالية، فلعل تلك الصفحة كانت مفقودة من تلك النسخة، ثم استُكمِلَت بنسخها من نسخة أخرى.
ولكني مع ذلك قد اتخذت تلك النسخة أصلًا في التحقيق، للتوثيقات التي وجدت فيها كما تقدم، ولكونها كاملة من أولها، ورمزت لها بـ (الأصل) ووضعت رقم أوراقها في خارج النص، بين معقوفتين هكذا []، ليتمكن القارئ من الرجوع إلى النص المخطوط متى شاء، كما يمكنه بنفس الرقم الرجوع للمطبوع، ولذا أحلت في الدراسة على رقم الورقة كما تقدم.
стр. 138
(ب) نسخة المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة:
وهي عبارة عن جزء من مجلد رقمُه في المحمودية (٥٣٦) سِجِلٌّ عام، ويطابق ١٤١ من فهارس المحمودية، وعدد أوراقه ٣٩٥ ورقة بحجم كبير مقاس ٢٧ × ١٦ سم وعدد سطور صفحاته مختلف بين ٣٨ و ٤٦، وخطه نسخ مقروء، ويقع شرح ابن سيد الناس في الجزء الأول من هذا المجلد حتى آخر الورقة ١٧٥، والجزء الثاني هو عبارة عن أول تكملة العراقي على هذا الشرح، وهذا المجلد حديث النسخ حيث جاء في نهايته أنه فُرِغ منه يوم الثُّلوث (أي الثلاثاء) المبارك ٢٤ جمادى الأولى سنة ١٢٣١ هـ، واسم الناسخ جاء في نهاية الجزء الثاني أنه بقلم "أفقر العباد إلى الملك الجواد، السيد محمد بن الحسين بن محمد الآصفي، بعناية شيخ الإسلام، حافظ العصر ... الإمام محمد عابد بن أحمد، تولى الله مكافأته ... ".
ومن هذا يظهر أن البطاقة التي صُورت على الصفحة الأولى من النسخة وأشير فيها إلى أنها بخط محمد عابد السندي، تعتبر خطأ، والصواب أن ناسخها هو الآصفي المتقدم ذكره، بعناية السندي وإشرافه عليه.
وتلك النسخة، مع نقصها من أولها، كما سيأتي، فإن الأصل المنقولة عنه، فيه سقط وبياض بأماكن متعددة، وبالتالي جاءت النسخة مشتملة على عيوبه هذه، وجاء بهوامشها في عدة مواضع علامات بلاغ المقابلة بأصلها، وفي هامش الصفحة الأخيرة من الجزء الأول وهو شرح ابن سيد الناس، كُتب ما نصه: (بَلَغَت مقابلة هذا الجزء بحمد الله تعالى، وإفضاله، في شعبان سنة ١٢٣١ هـ كتبه محمد عابد، وقد تم المرور على جميع ما فيه، والحمد لله الذي بنعمته وجلاله تتم الصالحات).
وبهوامش صفحاتها أيضًا إلحاقات للسقط مع وضع علامة دخوله في الصلب، وإشارات لما في الأصل المنقول عنه من سقط وبياض، وبهوامشها أيضًا تعليقات، واستدراكات على الترمذي وعلى ابن سيد الناس، وبعضها مُوقَّع باسم (قاسم).
стр. 139
أما أول الموجود بتلك النسخة فَنَصه (بنيسابور، ويقال ولد ببخارَى مقتل الوليد بن مسلم ...) وهذا جزء من ترجمة شريك بن عبد الله النخعي، وهكذا كُتب مقابلها بالهامش "ترجمة شريك بن عبد الله" وتعتبر تلك الترجمة جزءًا من شرح "باب النهي عن البول قائمًا" وهو باب ٨ من كتاب الطهارة، وينتهي الكلام في ترجمة شريك في أثناء سطر (٣٠) بالصفحة الثانية من الورقة الأولى، وتكملة السطر جزء من شرح باب الرخصة في استقبال القبلة ببول أو غائط، وهذا الباب هو رقم ٧ من كتاب الطهارة، فهو سابق على الباب الثامن الذي منه ترجمة شريك، ثم بعد آخر شرح باب ٨ هذا نجد أول "باب النهي عن البول قائمًا" وهو باب ٧، وبذلك يكون ترتيب أصل النسخة هنا مختلًا، أو حصل الخلل عند النسخ بالتقديم والتأخير.
كما أنه يكون الخَرم من أول هذه النسخة عبارة عن: مقدمتي الشارح، وشرح ٦ أبواب كاملة، من أول كتاب الطهارة، ومعظم شرح البابين السابع والثامن، ولذا كانت الاستفادة منها في تحقيق هذا القسم قليلة.
وبتلك النسخة أيضًا خروم أخرى من أثنائِها، وسقط متعدد، وإشارات لوجود بياض بالأصل المنقول عنه.
فمن ذلك أنه بعد نهاية الجزء المشروح من باب ٧ في الورقة ٢ ب، نجد أول الورقة ٣ أباب التسمية عند الوضوء، وهو باب رقم ٢٠ من الطهارة، وبذلك يكون الخرم بين ورقة ٢ وورقة ٣ مقداره (١٢ بابًا) كاملة، وأيضًا بها خرم بابين كاملين بين باب (ما يقول إذا سلم من الصلاة)، وهو باب (١٠٨) وبين باب ما جاء في القراءة في صلاة الصبح، وهو باب (١١١) من كتاب الصلاة أيضًا.
أما آخر الموجود بتلك النسخة فهو آخر شرح باب القراءة في صلاة العشاء، وهو باب (١١٤) من أبواب الصلاة، وبذلك تنقص النسخة شرح ٤ أبواب عدا الباب الذي وصل المؤلف إلى أثنائه في الشرح، وهو باب (١١٩) ما جاء أن الأرض كلَّها مسجد إلا المقبرة والحمام.
стр. 140
وعليه تكون تلك النسخة أكمل من آخرها عن نسخة تركيا السابقة، والتي تنتهي بنهاية باب ٩٣ من الطهارة، فتنقص عن هذه كما قدمت نحو جزء كامل، وهو عبارة عن ١٩ بابًا من الطهارة، و ١١٤ بابًا من كتاب الصلاة بما فيها الأبواب المخرومة من الأثناء.
ولذا فإن نسخة المحمودية هذه رغم نقصها من الأول، فإنه يستفاد منها من الآخر ما ليس في نسخة تركيا، وهو قدر كبير كما أوضحت.
وعلى هامش الورقة الأولى من تلك النسخة ما نصه (وقف كتبخانه مدرسة محمودية) مكرر مرتين، كما كتب عليها تملك نصه (من كتب الحقير محمد عابد السندي).
وقد رمزت لهذه النسخة برمز (م) وقابلت ما وجدته بها من شرح باب الرخصة، في استقبال القبلة ببول أو غائط، وصوبت منها بعض الكلمات التي وجدتُ بها خطأ في الأصل، وأثبت في الهامش ما وجدته بينها وبين الأصل من فروق.
(أ) كتبت النص من نسخة الأصل:
وذلك حسب قواعد الِإملاء، ووضعت علامات الترقيم بين النصوص، لتساعد على فهم المعنى وتوضيحه، ووضعت ما أهمله الناسخ من الهمزات، والنقط، دون تنبيه على ذلك إلا في مواضع تحتاج التنبيه، وأيضًا ضبطتُ بالشكل بعض الكلمات المحتاجة في تقديري إلى ذلك، وبعض الكلمات بينت بالهامش ضبطها بالحروف، مع الضبط بالشكل أو بدونه.
(ب) قابلت نسخة الأصل بنسخة (م):
في القدر الذي وُجد فيها من هذا القسم المحقق وهو قليل، بسبب نقصها من الأول كما أوضحت، وأثبت أهم الفروق بالهوامش.
(ج) ما وجدته في الأصل من سقط أو تحريف أو خطأ مؤكد:
فإني أصلحت ذلك كله معتمدًا على نسخة (م) وعلى مصادر المؤلف،
стр. 141
وما أثبته من غير نسخة الأصل جعلته بين حاصرتين مربعتين، مع الِإشارة بالهامش إلى ما كان الأصل عليه قبل الإصلاح، وإلى معتمدي فيما أثبته.
(د) وضع عناوين توضيحية للشرح، ولمباحثه التفصيلية:
قد تقدم في منهج المؤلف أنه تارة يضع عنوانًا عامًا لشرح الباب، ولا يضع عناوين تفصيلية لمباحث الشرح، وتارة يضع عنوانًا عامًا، وعناوين تفصيلية، وتارة لا يضع شيئًا، وهذا هو الغالب في هذا القسم المحقق؛ ولهذا فإني تلافيت هذا، فوضعت بين حاصرتين مربعتين عنوانًا عامًا لشرح الباب الذي لم يُعنونه المؤلف، وذلك بعبارة (الكلام عليه) أخذًا من عمله في الأبواب التي عنونها، أما المباحث التفصيلية للشرح فوضعت لها عناوين موحدة في كل الأبواب، وتدل على ما تحتها من الشرح، فالمبحث الأول في الشرح عنونته في كل الأبواب بعبارة (التخريج والصناعة الحديثية) ولم أعنونه بما يعنون المؤلف به الأبواب التي عنونها، وذلك بعبارة (الِإسناد)، لأن العنوان الذي اخترته أوضح في الدلالة على المضمون الذي تحته، أما المبحث الثاني وهو باقي الشرح فعنونته بعبارة (المعاني والأحكام) ويدخل تحتها معاني المفردات وإعرابها، وضبطها ثم الأحكام المستفادة من الحديث.
وقد نبهت بالهامش على وضعي لتلك العناوين، وذلك في أول موضع أثبت فيه العنوان، وهو الباب الأول من الشرح فقط.
(هـ) توثيق النص:
وذلك بتخريجه بالعزو إلى مصادره الأصلية، في الغالب، والفرعية عند الضرورة، ويعتبر هذا الجانب من التحقيق عملًا كبيرًا، يشعر بضخامته كل من له تجربة جادة في التحقيق، وقد أخذ تخريج الأحاديث من ذلك قدرًا كبيرًا، نظرًا لما انتهجه المؤلف في شرحه كما تقدم، من تخريج حديث أو أحاديث الباب من عند غير الترمذي، ثم الأحاديث التي أشار إليها الترمذي في الباب، ثم ما يُستَدرَك عليه، ثم ما يَستدِل به العلماء في الأحكام المشتمل عليها الحديث.
وأيضًا تخريج الأقوال المتعلقة بالأسانيد، وبتراجم الرواة وأحوالهم،
стр. 142
وخصوصًا التراجم التي توسع فيها المؤلف، كما أشرت لنماذجها في منهجه.
وكذلك تخريج أقوال وآراء العلماء في شرح معاني الألفاظ والعبارات وفيما يستنبط من الحديث من أحكام.
(و) التعليق على النص:
وذلك بتوضيح ما أراه بحاجة إلى إيضاح، أو بتعقب ما يحتاج إلى تعقب أو استدراك، أو تنبيه على وهم أو سهو، سواء كان النص من نقول المؤلف عن غيره، أو من كلامه وآرائه هو، ولقد رأيت المقام في بعض المواضع يحتاج إلى توسع وتحليل ومناقشة للأقوال والأراء، وبيان للراجح أو الصواب أو المردود، وخاصة في التعليق على المقدمة الثانية لهذا الشرح، والتي تعرض فيها المؤلف لمصطلحات الترمذي في جامعه من الحسن والغريب، والشاذ، وما يتركب من ذلك مع الصحيح؛ حيث إن العلماء من بعد المؤلف قد جعلوا كلامه وآراءه محورًا دارت حوله آراؤهم، بالتأييد أو الرد، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في منهج المؤلف في شرحه.
وسيرى القارئ في توسعي في التعليق على تلك المقدمة توضيح جوانب لم أرَ من تعرض لها، وجوانب أخرى تعرض لها بعض العلماء دون استكمالها.
أما المجال الثاني الذي رأيت التوسع فيه، فهو تراجم بعض الرواة الذين توسع المؤلف في تراجمهم، مراعاة لمكانتهم الحديثية مثل الزهري، وابن لهيعة، وكذا توسعت في ترجمة أحد الرواة البارزين، وهو محمد بن إسحق، نظرًا لاختلاف رأي المؤلف فيه بين تحسين حديثه وتصحيحه، وكذا اختلاف حكم الترمذي على حديثه خلال جامعه بين تصحيح وتحسين، وتضعيف، وسكوت عن الحكم بشيء.
وفي نفس الوقت اختلفت آراء النقاد فيه، بحيث اجتمع في بيان حاله ما يمثل مختلف مناهج الجرح والتعديل، ومذاهبه، ولكن المؤلف لم يتوسع في ترجمته حسب عادته، لأنه ترجم له ترجمة موسعة في كتابه (عيون الأثر) فأحال بتفصيل ترجمته على كتابه المذكور، فجعلت توسعي عوضًا عما أحال عليه، كما
стр. 143
أني قصرت التوسع على الجانب الدقيق في الترجمة، وهو أقوال أئمة النقد، وكيفية فهمها وتفسيرها، وعرضها، ومقارنتها مع بعضها البعض، وبيان مدلولاتها نصًا، وروحًا، وجعلت من عملي هذا نموذجًا يمكن الاستفادة منه في جانبين:
أحدهما: تحقيق حال الراوي وبيان مرتبة حديثه، على نسق ما قمت به بالنسبة لابن اسحق.
وثانيهما: البيان التطبيقي لنقل أقوال النقاد وعرضها، وتوضيح مدلولاتها، ورد ما يقوم الدليل على رده، والجمع بين ما ظاهره التعارض، أو الترجيح، أو التقييد للمطلق، ونحو ذلك، مع الاستناد إلى الدليل المعتبر.
كما وجهت العناية في التعليق إلى تخريج بعض الأحاديث التي رأيت للتوسع في تخريجها أهمية، لجمع طرقها وبيان مداراتها، ومعرفة الراجح من المرجوح، وذلك مثل حديث ابن عمر في الرخصة في استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط (١).
وأيضًا فإن المؤلف قد فاته في بعض المواضع تخريج بعض الأحاديث التي أشار إليها الترمذي في الباب، وفاته أيضًا في بعض المواضع الاستدراكُ على المؤلف بتخريج أحاديث تناسب الباب، ولم يذكرها الترمذي ولم يشر إليها، ولم يذكرها المؤلف، فقمت من جانبي بتخريجها في التعليق على موضعها، استكمالًا لغرض الشارح ولمطالب الشرح، وهي عمومًا قليلة.
(ز) دراسة الأسانيد:
وفي بعض المواضع رأيت الأمر يحتاج إلى دراسة بعض الأسانيد كاملة، أو جزئية لكي يتسنى بيان درجة بعض الأحاديث، أو ترجيح بعض الروايات على بعض، وقد اقتضاني ذلك إلى ترجمة عدد من الرواة غير قليل، وبيان خلاصة حال كل منهم (٢).
стр. 144
(ح) عرفت بالأعلام والأماكن الواردة في النص ، والتي رأيتها بحاجة إلى تعريف.
(ط) أما الفهارس فقد عملت منها ما هو ضروري الآن، لتوصيل القارئ إلى أهم مشتملات الشرح والتعليق، وأهمها الفهرس التفصيلي لموضوعات الكتاب والتعليق عليه، كما قدمتُ توضيحه.
ثم عملت فهرسًا للرواة والأعلام المترجَم لهم في صلب الكتاب، أو في التعليق عليه، وعملت أيضًا فهرسًا لأهم المراجع والمصادر التي رجعت إليها في التحقيق والتعليق والمقدمة.
٣ - بعض صعوبات تحقيق هذا القسم من الشرح:
لقد واجهت في تحقيق هذا القسم من الشرح صعوبات يحسُن إبداؤُها لتكون عذرًا لي فيما قد يقف عليه القارئ من قصور، وفي مقدمة ذلك كون النسخة التي اعتمدت عليها في تحقيق معظم هذا القسم، نسخة وحيدة، وبالتالي كان التصويب للنص، وتلافي أي سقط أو تحريف أمرًا صعبًا، للاحتياج في ذلك إلى مراجعة النص في أكبر قدر ممكن من المراجع للاطمئنان على سلامة التصويب، أو إثبات الساقط.
ومن ذلك أيضًا أن المصادر التي استمد منها المؤلف مادة كتابه كثير منها مخطوط إلى وقت كتابة هذه السطور، مثل: (الكمال في معرفة الرجال لعبد الغني المقدسي) وهو في رجال الكتب الستة، وكتاب (رجال الموطأ) لابن الحذاء؛ وكتاب بيان الوهم والإِيهام لابن القطان، والمفهم شرح مختصر صحيح مسلم، كلاهما لأبي العباس القرطبي، ومنها ما هو مُفتَقَد الأصل مثل العلل الكبير للترمذي، حيث لا نعلم وجود نسخة منه، وإنما الموجود ترتيبه للقاضي أبي طالب، وقد طبع الآن محققًا، ومنها ما هو نادر الوجود مثل (بُغية النقاد) لابن المواق، والغُرر المجموعة في بيان ما في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة، لرشيد الدين العطار.
стр. 145
ومع هذا فقد حاولت جهدي في الحصول على أغلب المصادر المباشرة، وما لم يُتح لي أصلُه، -وهو قليل- استعضت عنه بمصدر وسيط على الأقل.
* تعقيب:
هذا وقد عرضت نماذج كافية من عملي في تحقيق هذا القسم والتعليق عليه على بعض أساتذتي، وزملائي الأفاضل ممن لهم خبرة بجامع الترمذي خصوصًا، وبتحقيق كُتب السنة وعلومها عمومًا، فأقروني على العمل في مجموعه، ونبهوني -مشكورين- إلى أنه يحسن تجنب التوسع في التعليقات على باقي الكتاب على نحو ما في هذا القسم، وذلك لكي يتاح إخراجُ قدر أكبر في وقت أسرع وبمجهود أقل، وقد اقتنعت بمشورتهم هذه وسأسير عليها فيما يتيسر لي تحقيقه بعد هذا القسم بعون الله.
وفي النهاية فإني لا أدعي لعملي هذا الكمال، ولا أزعم لنفسي السلامة فيه مما هو ملازم لأعمال البشر من الخطأ والسهو والقصور، وحسبي أني اجتهدتُ غاية وسعي، ومستعد لقبول كل توجيه أو تسديد، من أخ مخلص لله ولرسوله، ولخدمة السنة وعلومها، والله الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
***