وما أثبته من غير نسخة الأصل جعلته بين حاصرتين مربعتين، مع الِإشارة بالهامش إلى ما كان الأصل عليه قبل الإصلاح، وإلى معتمدي فيما أثبته.
(د) وضع عناوين توضيحية للشرح، ولمباحثه التفصيلية:
قد تقدم في منهج المؤلف أنه تارة يضع عنوانًا عامًا لشرح الباب، ولا يضع عناوين تفصيلية لمباحث الشرح، وتارة يضع عنوانًا عامًا، وعناوين تفصيلية، وتارة لا يضع شيئًا، وهذا هو الغالب في هذا القسم المحقق؛ ولهذا فإني تلافيت هذا، فوضعت بين حاصرتين مربعتين عنوانًا عامًا لشرح الباب الذي لم يُعنونه المؤلف، وذلك بعبارة (الكلام عليه) أخذًا من عمله في الأبواب التي عنونها، أما المباحث التفصيلية للشرح فوضعت لها عناوين موحدة في كل الأبواب، وتدل على ما تحتها من الشرح، فالمبحث الأول في الشرح عنونته في كل الأبواب بعبارة (التخريج والصناعة الحديثية) ولم أعنونه بما يعنون المؤلف به الأبواب التي عنونها، وذلك بعبارة (الِإسناد)، لأن العنوان الذي اخترته أوضح في الدلالة على المضمون الذي تحته، أما المبحث الثاني وهو باقي الشرح فعنونته بعبارة (المعاني والأحكام) ويدخل تحتها معاني المفردات وإعرابها، وضبطها ثم الأحكام المستفادة من الحديث.
وقد نبهت بالهامش على وضعي لتلك العناوين، وذلك في أول موضع أثبت فيه العنوان، وهو الباب الأول من الشرح فقط.
(هـ) توثيق النص:
وذلك بتخريجه بالعزو إلى مصادره الأصلية، في الغالب، والفرعية عند الضرورة، ويعتبر هذا الجانب من التحقيق عملًا كبيرًا، يشعر بضخامته كل من له تجربة جادة في التحقيق، وقد أخذ تخريج الأحاديث من ذلك قدرًا كبيرًا، نظرًا لما انتهجه المؤلف في شرحه كما تقدم، من تخريج حديث أو أحاديث الباب من عند غير الترمذي، ثم الأحاديث التي أشار إليها الترمذي في الباب، ثم ما يُستَدرَك عليه، ثم ما يَستدِل به العلماء في الأحكام المشتمل عليها الحديث.
وأيضًا تخريج الأقوال المتعلقة بالأسانيد، وبتراجم الرواة وأحوالهم،
стр. 142
وخصوصًا التراجم التي توسع فيها المؤلف، كما أشرت لنماذجها في منهجه.
وكذلك تخريج أقوال وآراء العلماء في شرح معاني الألفاظ والعبارات وفيما يستنبط من الحديث من أحكام.
(و) التعليق على النص:
وذلك بتوضيح ما أراه بحاجة إلى إيضاح، أو بتعقب ما يحتاج إلى تعقب أو استدراك، أو تنبيه على وهم أو سهو، سواء كان النص من نقول المؤلف عن غيره، أو من كلامه وآرائه هو، ولقد رأيت المقام في بعض المواضع يحتاج إلى توسع وتحليل ومناقشة للأقوال والأراء، وبيان للراجح أو الصواب أو المردود، وخاصة في التعليق على المقدمة الثانية لهذا الشرح، والتي تعرض فيها المؤلف لمصطلحات الترمذي في جامعه من الحسن والغريب، والشاذ، وما يتركب من ذلك مع الصحيح؛ حيث إن العلماء من بعد المؤلف قد جعلوا كلامه وآراءه محورًا دارت حوله آراؤهم، بالتأييد أو الرد، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في منهج المؤلف في شرحه.
وسيرى القارئ في توسعي في التعليق على تلك المقدمة توضيح جوانب لم أرَ من تعرض لها، وجوانب أخرى تعرض لها بعض العلماء دون استكمالها.
أما المجال الثاني الذي رأيت التوسع فيه، فهو تراجم بعض الرواة الذين توسع المؤلف في تراجمهم، مراعاة لمكانتهم الحديثية مثل الزهري، وابن لهيعة، وكذا توسعت في ترجمة أحد الرواة البارزين، وهو محمد بن إسحق، نظرًا لاختلاف رأي المؤلف فيه بين تحسين حديثه وتصحيحه، وكذا اختلاف حكم الترمذي على حديثه خلال جامعه بين تصحيح وتحسين، وتضعيف، وسكوت عن الحكم بشيء.
وفي نفس الوقت اختلفت آراء النقاد فيه، بحيث اجتمع في بيان حاله ما يمثل مختلف مناهج الجرح والتعديل، ومذاهبه، ولكن المؤلف لم يتوسع في ترجمته حسب عادته، لأنه ترجم له ترجمة موسعة في كتابه (عيون الأثر) فأحال بتفصيل ترجمته على كتابه المذكور، فجعلت توسعي عوضًا عما أحال عليه، كما
стр. 143
أني قصرت التوسع على الجانب الدقيق في الترجمة، وهو أقوال أئمة النقد، وكيفية فهمها وتفسيرها، وعرضها، ومقارنتها مع بعضها البعض، وبيان مدلولاتها نصًا، وروحًا، وجعلت من عملي هذا نموذجًا يمكن الاستفادة منه في جانبين:
أحدهما: تحقيق حال الراوي وبيان مرتبة حديثه، على نسق ما قمت به بالنسبة لابن اسحق.
وثانيهما: البيان التطبيقي لنقل أقوال النقاد وعرضها، وتوضيح مدلولاتها، ورد ما يقوم الدليل على رده، والجمع بين ما ظاهره التعارض، أو الترجيح، أو التقييد للمطلق، ونحو ذلك، مع الاستناد إلى الدليل المعتبر.
كما وجهت العناية في التعليق إلى تخريج بعض الأحاديث التي رأيت للتوسع في تخريجها أهمية، لجمع طرقها وبيان مداراتها، ومعرفة الراجح من المرجوح، وذلك مثل حديث ابن عمر في الرخصة في استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط (١).
وأيضًا فإن المؤلف قد فاته في بعض المواضع تخريج بعض الأحاديث التي أشار إليها الترمذي في الباب، وفاته أيضًا في بعض المواضع الاستدراكُ على المؤلف بتخريج أحاديث تناسب الباب، ولم يذكرها الترمذي ولم يشر إليها، ولم يذكرها المؤلف، فقمت من جانبي بتخريجها في التعليق على موضعها، استكمالًا لغرض الشارح ولمطالب الشرح، وهي عمومًا قليلة.
(ز) دراسة الأسانيد:
وفي بعض المواضع رأيت الأمر يحتاج إلى دراسة بعض الأسانيد كاملة، أو جزئية لكي يتسنى بيان درجة بعض الأحاديث، أو ترجيح بعض الروايات على بعض، وقد اقتضاني ذلك إلى ترجمة عدد من الرواة غير قليل، وبيان خلاصة حال كل منهم (٢).
стр. 144
(ح) عرفت بالأعلام والأماكن الواردة في النص ، والتي رأيتها بحاجة إلى تعريف.
(ط) أما الفهارس فقد عملت منها ما هو ضروري الآن، لتوصيل القارئ إلى أهم مشتملات الشرح والتعليق، وأهمها الفهرس التفصيلي لموضوعات الكتاب والتعليق عليه، كما قدمتُ توضيحه.
ثم عملت فهرسًا للرواة والأعلام المترجَم لهم في صلب الكتاب، أو في التعليق عليه، وعملت أيضًا فهرسًا لأهم المراجع والمصادر التي رجعت إليها في التحقيق والتعليق والمقدمة.
٣ - بعض صعوبات تحقيق هذا القسم من الشرح:
لقد واجهت في تحقيق هذا القسم من الشرح صعوبات يحسُن إبداؤُها لتكون عذرًا لي فيما قد يقف عليه القارئ من قصور، وفي مقدمة ذلك كون النسخة التي اعتمدت عليها في تحقيق معظم هذا القسم، نسخة وحيدة، وبالتالي كان التصويب للنص، وتلافي أي سقط أو تحريف أمرًا صعبًا، للاحتياج في ذلك إلى مراجعة النص في أكبر قدر ممكن من المراجع للاطمئنان على سلامة التصويب، أو إثبات الساقط.
ومن ذلك أيضًا أن المصادر التي استمد منها المؤلف مادة كتابه كثير منها مخطوط إلى وقت كتابة هذه السطور، مثل: (الكمال في معرفة الرجال لعبد الغني المقدسي) وهو في رجال الكتب الستة، وكتاب (رجال الموطأ) لابن الحذاء؛ وكتاب بيان الوهم والإِيهام لابن القطان، والمفهم شرح مختصر صحيح مسلم، كلاهما لأبي العباس القرطبي، ومنها ما هو مُفتَقَد الأصل مثل العلل الكبير للترمذي، حيث لا نعلم وجود نسخة منه، وإنما الموجود ترتيبه للقاضي أبي طالب، وقد طبع الآن محققًا، ومنها ما هو نادر الوجود مثل (بُغية النقاد) لابن المواق، والغُرر المجموعة في بيان ما في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة، لرشيد الدين العطار.
стр. 145
ومع هذا فقد حاولت جهدي في الحصول على أغلب المصادر المباشرة، وما لم يُتح لي أصلُه، -وهو قليل- استعضت عنه بمصدر وسيط على الأقل.
* تعقيب:
هذا وقد عرضت نماذج كافية من عملي في تحقيق هذا القسم والتعليق عليه على بعض أساتذتي، وزملائي الأفاضل ممن لهم خبرة بجامع الترمذي خصوصًا، وبتحقيق كُتب السنة وعلومها عمومًا، فأقروني على العمل في مجموعه، ونبهوني -مشكورين- إلى أنه يحسن تجنب التوسع في التعليقات على باقي الكتاب على نحو ما في هذا القسم، وذلك لكي يتاح إخراجُ قدر أكبر في وقت أسرع وبمجهود أقل، وقد اقتنعت بمشورتهم هذه وسأسير عليها فيما يتيسر لي تحقيقه بعد هذا القسم بعون الله.
وفي النهاية فإني لا أدعي لعملي هذا الكمال، ولا أزعم لنفسي السلامة فيه مما هو ملازم لأعمال البشر من الخطأ والسهو والقصور، وحسبي أني اجتهدتُ غاية وسعي، ومستعد لقبول كل توجيه أو تسديد، من أخ مخلص لله ولرسوله، ولخدمة السنة وعلومها، والله الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
***
стр. 146
مخطوطة
стр. 147
مخطوطة
стр. 148
مخطوطة
стр. 149
مخطوطة
стр. 150
النفح الشذي فِي شَرْح جَامع التِّرْمِذِيّ
تأليف
أبي الْفَتْح مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد ابْن سيد النَّاس الْيَعْمرِي الْمُتَوفَّى سنة ٧٣٤ هـ
دراسة وَتَحْقِيق وَتَعْلِيق
الدكتور أَحْمد مَعبد عَبد الْكَرِيم
أستاذ مُسَاعد بكليّة أصُول الدّين قِسم السّنة وعلومها
الْجُزْء الأوَّل
стр. 151
ثانيًا: النص محققًا معلقًا عليه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم
حمدًا لله تعالى على ما علّم، وشكره على ما هدى إليه من سبيل الرشد وألهم، وأعان عليه من حمل سنة نبيه محمد ﷺ ، التي هي عن هداه تَبْسِم (١) وعن مَشْدَاه (٢) تَنْسِم (٣) والصلاة والسلام على نبيه محمد، الداعي بعزمه الأقوى إلى صراطه الأقوم، على بصيرة تجلو ما ادْلَهم (٤) وتوضح ما أُبهِم، وآله وصحبه الذين استضاؤوا من
стр. 152
سَنَاه (١) بأنور مَعْلَم (٢) واستماحوا (٣) من هداه ما أضفى عليهم ثوب الثواب المُعلَّم. والرضى عن تابعيهم بإحسان على المنهج المُبهِج، والمسلك الأسلم.
ومَن خَلَفهم من سلف العلماء (٤) الذين تُعزى إليهم معرفة السنن (٥) وتُسلَّم.
[أما بعد] (٦) فأَولى ما صُرِفَت العناية إليه، ووجب الاعتماد عليه - ما وقف الجائز به (٧) حَسيرًا؛ ليرتد إليه طَرْف بَصيرته بصيرًا، فَيَثْني من أغصانه عنان عِطفِه، ويجني من أفنانه ثمار قطفه -بعد كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه- من رياض السنن النبوية التي أبدعَت الحكمةُ الإِلهية في إنشائها أحسن الإِبداع، وأودَعتِ الأسرارُ النبوية في خزائنها ما شاءت من الإيداع، ذخائر تستخرجها العقول من مَكامنها، وتستنبطُها العلوم من معادنها، وتغوص في طِلَابِها لُجَّة عُبابها، فتبوء من دَرِّ سَحابِها بِدُرِّ سِخَابِها (٨)
стр. 153
متحلية بحمله، متخلية لصونه إلا عن أهله، وطالما جاب أربابُها القفار في اقتفاء الآثار، واقتناء سُنة النبي ﷺ المختار، فتؤُم فَرِيقَها لِتلُم تَفريقها، وتسهل على السالك طريقها، وتبين مهجورها من مسلوكها، وتُعَيِّن مقبولَ السنن -لمن رامها- من متروكها، وما حمله العدل، مما نقله الجريح، ليميز السقيم من السليم الصحيح (١).
وأين الجامح على عِنَانه (٢) ممن هو بذات الطَّلْح مليح (٣) حماية لحمى المصطفى، ودراية ترفع ذلك الشقاء عمن هو على شفا،
стр. 154
وعناية يُلْمِح (١) آمالهم نُجحُ (٢) سعايتها، ويُوضح أنهم أوتوا السنن فرعوها حق رعايتها.
وإذا كانت هذه الطريقة المُثلى للشريعة الفُضلى، فأولى ما ثَنَى طالبها إليه عنانه، وأفنى في تطلبه زمانه، ما جمع له فنونها، وشرفه بِغَني أسانيدها ومتونها، ونزه طرفه في أساليبها، وصرّفه بين صحيحها، وحَسنِها وغريبها، وعرَّفه مردودها من مقبولها، ومقطوعها من موصولها (٣)، وأهدى إليه ارسال مرسلها، أو علة معلولها (٤)، وأبدى لديه ما تضمنته السنن من نسخ وأحكام، ومعان أحكام، إلى غير ذلك مما تأتي الإشارة اليه، والتنبيه بحسب الامكان عليه.
ولما كان كتاب الجامع للِإمام أبي عيسى الترمذي الحافظ ﵀، ورضي عنه- هو الذي أباع جامعه وما أبعد، والذي
стр. 155
حظي بتعداد هذه العلوم، فكان بها من غيره أقعد. فذلل جوامحها وسهل طوامحها وأرسل لواقحها، وأسأل بأعناق المَطِيِّ أباطحها (١) واستلان صعبها، وأبان لمن ظن بُعدَها قربَها: كان حقًا على طالب هذا الشان أن يلحظ من حقوقه واجبها، ويحفظه حفظ الأكف رواجبها (٢) فاتفق من مدة أنه قرئ رواية فلم يخلُ مجلس الرواية والسماع من فائدة تستفاد، ونكتة ربما تُستجاد، مما نقلته من كتاب أعزوه إليه، أو سمعته من عالم أرويه عنه، مما حضرتي ذكْرُ قائله أو غاب عني -لبعد العهد به- اسم ناقله، أو مما جاء به الذهن الركود (٣) وجادت به القريحة وقل أن تجود، أو مما أنتجته المذاكرة واستحضرته المحاضرة. فكنت أرى من ذلك تقييد ما أَسْتحسِنُه، ولست أضمن (٤). أن يَمُر بي داء وَرِم (٥)، يُمرّ لي، فأستَسْمِنُه (٦) ثم عن لي أن أضم لتلك الفوائد ما يضارعها، ليشفع ماضيها مضارعها، ويجمعها تعليق، من طلبها به
стр. 156
ألفاها، ومن نَشَدَها وجد عنده [مُغَيَّاهَا] (١).
فكَثيرًا ما تمر الفائدة بمن يسمعها (٢) أو يطلبها فينأى عنها (٣) مغزاها، ومن قيد العلم بالكتاب أَمِنَ من هذا اللبس والارتياب.
ولنقدم بين يدي هذا المرام مقدمتين:
١ - من التعريف بأبي عيسى الترمذي، وبمن (٤) بيننا وبينه في إسناد هذا الكتاب إليه، على سبيل الاختصار.
٢ - ثم من التعريف بكتابه وثناء الناس عليه، وتعظيمهم له؛ تقريظًا يجلو على ذي العلم فضلَه، ويحله من ذهن المقلد محله.
وهذا حين الشروع فيما نحونا إليه وقصدنا، والله المسؤول أن يعصمنا فيما أوردنا، مما أردنا، بمنه وكرمه.
فنقول: أبو عيسى، محمد بن عيسى بن سَوَرَة بن موسى ابن الضحاك السُّلمي، الترمذي، الحافظ، كذا نسبه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله البخاري -غُنْجار (٥) - فيما حكاه عنه
стр. 157
الحافظ أبو القاسم بن عساكر بسنده، وقال: دخل بخارى وحدث بها، وهو صاحب الجامع والتاريخ.
وذكره ابن عساكر أيضًا -فيما حكاه عن الإِدريسي (١) -، فقال: الحافظ الضرير (٢)، أحد الأئمة الذي يقتدى بهم في علم الحديث، صنف كتاب الجامع، والتاريخ، والعلل، تصنيف رجل عالم متقن، كان يضرب به الثل في الحفظ، وقال الإِدريسي: سمعت أحمد بن عبد الله بن داود المَرُّوزي يقول: سمعت أبا عيسى محمد بن عيسى الحافظ يقول: كنت في طريق مكة، وكنت قد كتبت جزأين من أحاديث شيخ، فمر بنا
стр. 158
ذلك الشيخ، فسألت عنه، فقالوا: فلان، فذهبت إليه وأنا أظن أن الجزأين معي، وحملت معي في محملي جزأين كنت أظن أنهما الجزآن اللذان له؛ فلما ظفرت به وسألته أجابني الى ذلك، فأخذت الجزأين فإذا هما بياض، فتحيرت!، فجعل الشيخ يقرأ علي من حفظه، ثم ينظر إليّ، فرأى البياض في يدي فقال: أما تستحْي مني؟ قلت لا، وقصصت عليه القصة، وقلت: أحفظه كله، فقال: اقرأ، فقرأت جميع ما قرأ علي على الولاء، فلم يصدقني، وقال: استظهرت قبل أن تجيئني (١)، فقلت: حدثْني بغيره، فقرأ علي أربعين/ حديثًا من غرائب حديثه، ثم قال: هات، فقرأت عليه من أوله إلى آخره كما قرأ، فما أخطات في حرف منه، فقال لي: ما رأيت مثلك (٢).
وذكره ابن السمعاني فقال: سورة بن شداد، بدل الضحاك (٣)،
стр. 159
وقال: البوغي -بضم الموحدة وسكون الواو وغين معجمة-[وهذه النسبة إلى بُوغ وهي] (١) قرية من قرى تِرْمِذ (٢)، على ستة فراسخ، منها الترمذي (٣) -بفتح التاء [وكسر الميم] (٤) ثالثة الحروف، ويقال بضمهما ويقال بكسرهما، والمتداول بين أهل تلك المدينة بفتح التاء وكسر الميم، والذي كنا نعرفه قديمًا، كسر التاء والميم جميعًا والذي يقوله المتنوقون (٥)، وأهل المعرفة: بضم التاء (٦) والميم وكل واحد يقول لها معنى يدعيه، وهي مدينة قديمة على طرف نهر بلخ (٧) - الإمام الحافظ الضرير أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث، صنف الجامع والعلل، تصنيف رجل متقن، وكان يضرب به المثل في الحفظ والضبط (٨) وتَلْمذ لمحمد بن اسماعيل البخاري،
стр. 160
وشاركه في شيوخه، مثل قتيبة بن سعيد، وعلي بن حجر، وبُنْدار (١) وغيرهم.
كما روى عنه أبو العباس المحبوبي (٢) والهيثم بن كليب الشاشي (٣) وغيرهما، توفي بقرية بوغ (٤) سنة نيف وسبعين
стр. 161
ومائتين (١)، وذكر ابن حزم في كتاب الفرائض من الإيصال (٢): أبو عيسى الترمذي السُلَمي مجهول (٣)، قال أبو الحسن بن القطان (٤) في بيان
стр. 162
الوهم والإيهام (١)، هذا كلام من لم يَبحَث عنه؛ قد شهد له بالامامة والشهرة: الدارقطني، وابن البَيِّع: محمد الحاكم، وقال أبو يعلى الخليلي: هو حافظ متقن ثقة، وذكره الأمير أبو نصر (٢) وابن الفرضي (٣) والخطابي.
وقال الرُّشَاطي (٤) وغيره: توفي ليلة الإثنين، لثلاث
стр. 163
عشرة مضت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين (١)، ﵀ وإيانا. والسلمي (٢): منسوب إلى سليم بن منصور، وإلى سليم بن فهم بن غنم بن دوس (٣) وغيرهما، والترمذي منسوب للأول. قاله شيخنا أبو محمد الدمياطي (٤).
وأما مَن بيننا وبينه:
فأولهم: شيخنا أبو عبد الله محمد بن ابراهيم بن ترجم (٥) ابن حازم المازني الشافعي، سمع -بإفادة والده- كتاب/ الجامع للإمام أبي عيسى الترمذي الحافظ ﵀.
من الشيخ أبي الحسن علي بن أبي الكرم نصر بن المبارك بن البنا (٦) وهو آخر من حدث به، وكانت روايته عنه انقطعت بالسماع
стр. 164
بعد شيخنا الإمام قطب الدين أبي بكر محمد بن أحمد القسطلاني ﵀ (١) ثم ظهر سماع هذا الشيخ ولم يكن للناس به عهد ولا عندهم منه علم، غير أنه كان معروفًا بالرواية عن غير هذا الشيخ، وسمع من أبي بكر بن باقا (٢)، مُسنَد الشافعي، ومن أبي البركات عبد القوي بن عبد العزيز بن الجَبَّاب (٣)، وغيرهم، وكان صحيح السماع، سمعت عليه الجامع للترمذي، وغيره. وأجاز لي ما يرويه غير مرة.
مولده يوم الثلاثاء سابع عشر شهر ربيع الأول سنة اثنتين وستمائة بالقاهرة وتوفي بها صبيحة يوم الأحد، التاسع والعشرين من شهر رجب، سنة اثنَتَين وتسعين وستمائة ودفن من الغد بمقبرة باب النصر (٤)، ﵀.
стр. 165
قال أَبَنا ابن البنا وهو أبو الحسن علي بن أبي الكرم نصر بن المبارك بن محمد بن أبي السيد المكي (١) - قال ابن نُقطة (٢): هكذا أملى عليَّ نَسبَه بمكة في ذي الحجة من سنة خمس عشرة وستمائة. وقال لي: والدي من أهل بغداد، وأصلي من واسط. وسألته، فأخرج إليّ خط. [أبي الفتح عبد الملك بن أبي القاسم] (٣) أنه سمع منه جميع كتاب الجامع للترمذي، وكتاب العلل في آخره، وهُو ثَبَت، صحيح، وسمعت منه حديثًا واحدًا، قال: ثم عدت في سنة عشرين وستمائة وهو في الأحياء وقرئ عليه بمكة الكتاب في هذه السنة. فسمعه منه جماعة وقرأت لهم بعضه، وسماعه صحيح.
بلغنا أنه توفي في ثامن ربيع الأول سنة اثنتَين وعشرين وستمائة بمكة، شرفها الله تعالى.
عن الكَرُوخي (٤)، هو أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم
стр. 166
عبد الله بن أبي سهل بن أبي القاسم بن أبي منصور، الكَروخي، الهروي البزار الصوفي، سمع من شيخ الإسلام عبد الله بن محمد الأنصاري (١)، وأبي عبد الله العميري، وحكيم بن أحمد الاسفرايني، وغيرهم (٢) حدث (٣) بكتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي عن/ أبي عامر، محمود بن القاسم الأزدي، وأبو بكر أحمد بن عبد الصمد التاجر، وأبي نصر عبد العزيز بن محمد الترياقي (٤) سوى الجزء الأخير ليس عند الترياقي، وهو من أول مناقب ابن عباس إلى آخر الكتاب. سمعه الكَرُوخِي من أبي المظفر عبد الله (٥) بن علي بن ياسين الدهان.
стр. 167
قالوا جميعًا (١): حدثنا عبد الجبار بن محمد الجِرَاحي (٢) أَبَنا المحبوبي (٣) أبنا (٤) الترمذي.
كان الحافظ أبو الفضل بن ناصر (٥) يقول: سمعنا هذا الكتاب منذ سنين كما سمعتموه أنتم الآن من هذا الشيخ (٦) قال: فَرغِب جماعة من أهل الثروة في مراعاة عبد الملك، فحملوا إليه الذهب فرده ولم يقبله، وقال: بعد التسعين واقتراب الأجل آخذ على حديث رسول الله ﷺ الذهب؟، وردَّه مع احتياجه إليه، ثم انتقل في آخر عمره إلى مكة، وكان يكتب النُّسَخ من جامع أبي عيسى، ويأكل من ذلك ويكْتسِي وهو من جُملَة من لحقه بركة شيخ الاسلام الأنصاري (٧)، ولازَم الفقر والوَرع إلى أن تُوفي بمكة في
стр. 168
خامس عشرين ذي الحجة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. بعد رحيل الحاج بثلاثة أيام، وقال ابن السمعاني: مولده بهراة في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وستين وأربعمائة، وتوفي بمكة- مُجاوِرًا- في [الخامس] (١) والعشرين من ذي الحجة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، بعد رحيل الحاج بثلاثة أيام (٢) وكان شيخًا صالحًا، سديدًا عفيفًا (٣).
عن أبي عامر محمود بن القاسم بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن محمد بن مقاتل بن صبيح بن ربيع بن عبد الملك بن يزيد بن المهلب بن أبي صفرة (٤). الأزدي القاضي الهروي، حدث بكتاب الجامع لأبي عيسى عن الجراحي (٥).
стр. 169
حدث به عنه الحافظ المؤتمن الساجي (١)، وصاعد بن سيار (٢)، واليُونَارْتِي (٣)، في جماعة، آخرهم [موتا] (٤)، القاضي أبو الفتح نصر بن سيار بن صاعد بن سيار (٥)، وقد حدث عنه محمد بن طاهر المقدسي (٦).
стр. 170
وزاهر الشحامي (١)، والفُراوي (٢)، وغيرهم، قال يوسف بن أحمد البغدادي: سمعت أبا الفتح محمد بن عمر الأنصاري -بهراة- يقول/: سمعت أبا النصر (٣) المُزَكِّي، يقول: محمود بن القاسم (٤) أبي منصور بن أبي بكر الأزدي، كان عديم النظير، زُهدًا وصلاحًا وعفة، ولم يزل على ذلك من ابتداء عمره إلى انتهاء عمره، وكانت إليه
стр. 171
الرحلة من الأقطار، والقصد (١) لسماع الأسانيد العالية.
ولد في شهور سنة أربعمائة، وتوفي يوم السبت الثامن من جمادي الآخرة سنة سبع وثمانين وأربعمائة (٢) ودفن بباب بُسْت بهراة، وقال يوسف أيضًا: قرأت على عمر بن أحمد بن محمد الفقيه: أخبركم أبو جعفر محمد بن الحسن بن محمد الحافظ، قال: كان شيخنا أبو عامر الأزدي من أركان مذهب الشافعي بهراة، وكان إمامُنا شيخُ الإسلام (٣)، يزوره في داره ويعوده في مرضه، ويتبرك بدعائه (٤)، وكان نظام المُلْك، يقول: لولاه في هذه البلدة لكان لي ولهم شأن (٥)
стр. 172
يهددهم به- وكان يعتقد فيه اعتقادًا عظيمًا؛ لكونه لم يقبل منه شيئًا قط (١) ولما سمعت منه مسند الترمذي (٢) هنأني شيخ الإسلام، وقال: لم تخسر في رحلتك إلى هراة. [و] (٣) عن أحمد بن عبد الصمد الغُورَجي (٤) وهو أحمد بن عبد الصمد بن أبي الفضل بن أبي حاتم: التاجر، الغُورَجي، توفي فجأة يوم الثلاثاء التاسع عشر من ذي الحجة سنة إحدى وثمانين وأربعمائة (٥) قرأت على أبي سعيد البنا: أخبركم
стр. 173
أبو الحسن علي بن حمزة الموسوي -إجازة- قال: سمعت أبا عبد الله الحسين بن محمد بن الحسين بن الجُنيد الغُورَجي، يقول: أحمد بن عبد الصمد الغورَجي، أبو بكر بن أبي حاتم، شيخ ثقة صدوق.
قال الكَرُوخي: وثنا بجميعه -خلا الجزء الأخير، وهو من أول مناقب ابن عباس ﵁، إلى آخر الكتاب- أبو نصر عبد العزيز بن محمد الترياقي (١)، وحدثني (٢) بالجزء الأخير المذكور أبو المظفر عبيد الله بن علي بن ياسين الدهان. فأما الترياقي: فهو أبو نصر عبد العزيز بن محمد بن علي بن ابراهيم بن ثمامة بن الليث بن الخضر (٣) المروزي، مات في السادس عشر من شهر رمضان يوم الثلاثاء سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة (٤) وترياق قرية من قرى هراة (٥)
стр. 174
قال يوسف البغدادي: كان ثقة (١) / خَيِّرًا (٢) وله حظ وافر من الأدب، ولد سنة تسع (٣) وثمانين وثلاثمائة، وكان سماعه في مسند أبي عيسى (٤) من أوله على التوالي إلى أول مناقب ابن عباس، ومن ثَم فاته إلى آخر الكتاب (٥).
وأما ابن ياسين الدهان، فهو: عبيد الله بن علي بن ياسين بن محمد بن أحمد الدهان الهروي (٦). قالوا أربعتَهم (٧): أبنا عبد الجبار، هو ابن محمد بن عبد الله بن أبي الجراح المرزُباني (٨) ولد سنة احدى وثلاثين وثلاثمائة، قال ابن السمعاني، توفي سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، إن شاء الله، وهو صالح ثقة (٩).
стр. 175
وعبد الله بن أبي الجراح هو: عبد الله بن محمد بن أبي الجراح بن الجنيد بن هشام بن المرزبان، أبو محمد بن أبي بكر المروزي الجراحي (١).
قال (٢): أبنا محمد بن أحمد بن محبوب بن فضيل (٣) التاجر، أبو العباس المحبوبي من أهل مرو، حدث عنه الحافظ أبو عبد الله بن مندة، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري، وأثنوا عليه خيرًا، توفي في شهر رمضان السابع والعشرين من سنة ست وأربعين وثلاثمائة، ولد سنة تسع وأربعين ومائتين، وثقهُ الحاكم وغيره، وسماعاته صحيحة، مضبوطة بخط خاله أبي بكر الأحول (٤).
...
стр. 176
"المقدمة الثانية: في ذكر كتاب الجامع لأبي عيسى وفضله"
قال ابن عساكر: أبنا المبارك بن أحمد بن عبد العزيز، ثنا محمد بن طاهر المقدسي، قال (١): سمعت الإمام أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري بهراة -وجرى بين يديه ذكر أبي عيسى الترمذي وكتابه- فقال: كتابه عندي أنفع (٢) من كتاب البخاري ومسلم؛ لأن كتابي البخاري ومسلم لا يقف على الفائدة منهما إلا المتبحر العالم، وكتاب أبي عيسى يصل إلى الفائدة منه كل أحد من الناس (٣)، وذكر عن أبي عيسى، قال: صنفت هذا الكتاب وعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به، ومن كان في بيته
стр. 177
هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي يتكلم (١)، وقال يوسف بن أحمد: لأبي عيسى فضائل تُجمع، وتُروى وتُسمع، وكتابُه (٢) من الكتب الخمسة التي اتفق أهل العقد والحل والفضل والفقه من العلماء والفقهاء وأهل الحديث/ النبهاء، على قبولها والحكم بصحة أصولها (٣)، وما ورد في أبوابها وفصولها، وقد شارك البخاري ومسلمًا في عدد كثير من مشايخهما، وهذا الوضع يضيق عن ذكرهم وإحصائهم وعددهم، ورزق الرواية عن أتباع الأتباع متصلًا بالسماع، ثم قال (٤): -بعد كلام-: وكتب عنه إمام أهل الصنعة محمد بن إسماعيل البخاري وحسبه بذلك فخرًا.
قلت: أما الثلاثي فلا نعلم له في جامعه منه إلا حديثًا واحدًا (٥)، وأما رواية البخاري عنه، فحديثه عن علي بن المنذر عن علي بن فضيل عن سالم بن أبي حفصة عن عطية عن أبي سعيد قال
стр. 178
[قال] ﷺ لعلي: لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك.
قال علي بن المنذر (١): قلت لِضِرَار بن (٢) صُرَد: ما معنى هذا الحديث؟ قال: لا يحل لأحد يستطرفه جنبًا غيري وغيرك، قال الترمذي: سمع مني محمد هذا الحديث [واستغربه] (٣).
стр. 179
وقال يوسف بن أحمد: قرأت على أبي نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن يوسف (١) في كتابه الموسوم، بمذاهب الأئمة، في تصحيح الحديث قال (٢): وأما أبو عيسى فكتابه على أربعة أقسام: صحيح مقطوع بصحته، وهو ما وافق فيه البخاري ومسلمًا، وقسم على شرط أبي داود والنسائي كما بَيَّنَّاه، وقسم أخرجه للضدية (٣).
وأبان عن علته (٤)، وقسم رابع أبان عنه، فقال (٥): ما أخرجت في كتابي هذا إلا حديثًا قد عمل به بعض الفقهاء (٦)