← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7488

النفح الشذي في شرح جامع الترمذي

ابن سيد الناس

Полный текст (909 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الترمذي لابن سيد الناس، ثم استأنف العمل من أول الجامع، وكتب عليه فأكمله (١)، فلم أجد من وافقه على ذلك. وقد وازن بين ما شرحه ابن سيد الناس وبين تكملة العراقي غير واحد من العلماء، بما يدل على مكانة كل منهما من الآخر. فجمال الدين عبد الرحيم الإِسنوي المتوفي سنة ٧٧٢ هـ وأحد شيوخ العراقي (٢) قال في ترجمة ابن سيد الناس: إنه شرح قطعة من الترمذي، نحو مجلدين، وشرع في إكماله حافظ الوقت زين الدين العراقي، إكمالًا مناسبًا لأصله (٣) وبهذا جعل الشرح وتكملة العراقي عليه، كلاهما في مستوى واحد، وتلك موازنة إجمالية. ومن بعد الإِسنوي نجد الإمام الشوكاني، قد اطلع على شرح ابن سيد الناس بخطه ثم على المجلد الأول من تكملة العراقي، بخط الحافظ ابن حجر، وبعضه بخط العراقي (٤) وسيأتي أيضًا أنه نقل عن الشرح وتكملته كثيرًا في نيل الأوطار، وقد قال عن شرح ابن سيد الناس: هو ممتع في جميع ما تكلم عليه، من فن الحديث وغيره، مع التزامه لإِخراج الأحاديث التي يشير إليها الترمذي بقوله: وفي الباب عن فلان وفلان إلخ .. ولما وقفت على الجزء الذي يلي هذا الجزء للزين العراقي، بهرني ذلك، ورأيته فوق ما شرحه صاحب الترجمة (يعني ابن سيد الناس) بدرجات (٥) وقال أيضًا عن تكملة العراقي: وهو شرح حافل ممتع فيه فوائد لا توجد في غيره، ولا سيما في الكلام على أحاديث الترمذي، وجميع ما يشير إليه في الباب، وفي نقل المذاهب على نمط غريب، وأسلوب عجيب (٦).

стр. 72

أقول: والذي بدا لي من مطالعة ما شرحه ابن سيد الناس، ثم تكملة العراقي له أن موازنة الشوكاني هي الصواب، نعم لابن سيد الناس فضل السبق والتوسع في جوانب قد أوجز فيها ابن العربي، أو تركها كلية، كما سيأتي توضيحه، لكن تكملة العراقي أفود وأعمق بصفة عامة، وخاصة في ناحيتي التخريج والصناعة الحديثية، كما سأبينه في مقارنة منهج ابن سيد الناس بغيره. (هـ) ذكر عبد الرؤوف المناوي أنَّ أبا زرعة ابن العراقي قد أكمل تكملة شرح والده لشرح الترمذي (١)، وهذا يدل على ما أشرت إليه من قبل من كون العراقي لم يتم شرح جامع الترمذي حتى في المسَّودة، وإلا كان أبو زرعة حرص على تبييض ذلك بدلًا من تأليف تكملة جديدة نظرًا لحرصه على حفظ ما ألفَّه والده. هذا ولم أقف على نسخة من تلك التكملة، أو نقول عنها. (و) ذكر السخاوي من مؤلفاته: تكملة شرح الترمذي للعراقي، وذكر أنه كتب منه أكثر من مجلدين في عدة أوراق من المتن (٢)، يعني متن جامع الترمذي، وهذا دليل على توسعه الكبير في الشرح، ولكنه لم يحدد لنا الموضع الذي بدأ تكملته منه ولا الموضع الذي توقف عنده، وتبعه في هذا الكتاني (٣) لكن في كتاب المقاصد الحسنة للسخاوي (٤) ذكر حديث: "ليس شيء أكرم على الله من المؤمن" وقال: وقد أشبعت الكلام عليس فيما كتبته على الترمذي في باب ما جاء في تعظيم المؤمن، قبيل الطب. أقول: والباب الذي ذكره هو باب ٨٥ من كتاب البر والصلة، وهو كتاب ٢٥ من كتب جامع الترمذي البالغ عددها ٤٧ كتابًا وقبل هذا الكتاب بكتابين نجد كتاب اللباس الذي وصل العراقي في تبييض شرحه إليه.

стр. 73

وعمومًا فإن هذه التكملة كسابقتها لم أقف على نسخة منها، رغم البحث الدائب. (ز) ومن تلك الحلقة أيضًا شرح جامع الترمذي كاملًا، لأبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد، المعروف بابن رجب الحنبلي المتوفى سنة ٧٩٥ هـ (١) وهو قرين لزين الدين العراقي، صاحب أكبر تكملة على شرح ابن سيد الناس، كما تقدم. وقد ذكر علي بن محمد بن علاء، المعروف بالعلاء الطرسوسي أنه سمع ابن رجب يقول: أرسل إليَّ الزين العراقي يستعين بي في شرح الترمذي (٢). وهذا يدل على علم كل من العراقي وابن رجب باشتغال الآخر بالشرح، ومع تقدم وفاة ابن رجب وإتمامه لشرح الجامع كله، إلا أن هذا لا يعطينا قطعًا بأن ابن رجب كان أسبق من العراقي؛ فقد نقل الحافظ ابن حجر -وهو تلميذ العراقي الملازم له- قول شيخه العراقي: إنه قد رافق الزيلعي في الاشتغال بالتخريج، وذكر من ضمن ما كان العراقي مشتغلًا به آنذاك الأحاديث التي يشير إليها الترمذي في الأبواب، ثم أرخ وفاة الزيلعي سنة ٧٦٢ هـ (٣). فهذا يدل على اشتغال العراقي بتكملته قبل هذه السنة، كما جاء أيضًا في آخر الجزء الخامس من تكملة العراقي أنه فرع منه في ٢٧ ربيع الآخر سنة ٧٧٩ هـ (٤) وهذا تاريخ متقدم على وفاة ابن رجب بنحو خمس عشرة سنة. وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن ابن رجب قد أجاد في هذا الشرح وأنه نحو عشرين مجلدًا (٥)، وكذا قال صاحب كشف الظنون، ولكنه ذكر أنه احترق في الفتنة (٦) ولم يبيِّن مراده بالفتنة، وقد بحثت عن هذا الشرح كثيرًا، كما بحث عنه

стр. 74

أيضًا الأخ الفاضل الدكتور/ همام عبد الرحيم (١) وقد أسفر بحثه عن وجود قطعتين من هذا الشرح. إحداهما: نحو عشرة أوراق، ضمن، مجموعة بالمكتبة الظاهرية، وقد أطلعني عليها مشكورًا الأخ الدكتور همام، وفحصتها، ونقلت معظمها بخطي، وأولها أثناء باب (ما جاء في العمامة السوداء) وهو الباب (١١) من كتاب اللباس، وهو الكتاب (٢٢) من الجامع، ويليه قطعة أخرى من باب (ما جاء في لبس الصوف)، وهو الباب العاشر من كتاب اللباس، ثم يليه تكملة باب (ما جاء في لبس العمامة) السابق ذكره ثم يليه باب (ما جاء في كراهية خاتم الذهب)، وهو باب (١٣) من كتاب اللباس هذا .. ويوجد أيضًا في أثناء تلك القطعة ورقة من كتاب التراجم وتقع بين ورقة ٨٧ ب، وورقة ١٨٨، ومن هذا الوصف لتلك القطعة تلاحظ أنها مختلفة الترتيب، وقد كتب بأعلا الصفحة الأولى من اليسار ما نصه: (ملك محمد بن يوسف بن عبد الهادي)، وهي بخط ابن رجب، وقد مكنتني هذه القطعة من موازنة منهج ابن سيد الناس بمنهج أبن رجب في شرحه هذا ومقارنته أيضًا بمنهج العراقي كما سيأتي. وقد قام د. همام بتحقيق نماذج من باب (ما جاء في كراهة الخاتم) (٢). أنها القطعة الثانية: فهي عبارة عن شرح كتاب العلل الذي في آخر جامع الترمذي، وهذه قد تعددت نسخها، وقام غير واحد بتحقيقها، ومنهم الدكتور نور الدين عتر وقد نشره، ومنهم الدكتور همام عبد الرحيم، ولم يطبع حتى الآن، ولديَّ منه نسخة على الآلة الكاتبة. أقول: وقد تقدم قول الحافظ ابن حجر عن هذا الشرح: إن ابن رجب أجاد فيه، وهو حكم إجمالي، لكنه من خبير بالصنعة، وبجامع الترمذي خصوصًا، لاشتغاله بشرحه كما سيأتي.

стр. 75

وعمومًا فإني قد اطلعت على شرح ابن سيد الناس وعلى تكملة العراقي، وعلى القطعة السابقة من شرح ابن رجب، مع شرحه لكتاب العلل الذي في آخر الجامع. وعلى ضوء ذلك يمكن تقدير المكانة الإِجمالية لشرح ابن سيد الناس على النحو التالي: ١ - إن له فضل السبق، والتوسع في مباحث الشرح والصنعة الحديثية أكثر من ابن العربي كما قدمت. ٢ - إن تكملة العراقي، وشرح ابن رجب يفوقانه في التوسع والبحث والتحقيق وخاصة في الصنعة الحديثية. وسيأتي مزيد بيان لذلك في مقارنة منهج ابن سيد الناس بغيره من أهم شراح جامع الترمذي. (ح) ومن تلك الحلقة أيضًا شرح زوائد جامع الترمذي على كل من الصحيحين وسنن أبي داود، لأحد تلاميذ ابن سيد الناس، وقَرِين العراقي، وهو سراج الدين عمر بن علي، المعروف بابن الملقن، وبابن النحوي المتوفى سنة ٨٠٤ هـ، وقد نقل السخاوي عنه أنه كتب منه قطعة صالحة (١)، وكذا ذكره الشوكاني (٢) وصاحب كشف الظنون (٣). أقول: واسم هذا الشرح: "إنجاز الوعد الوَفِي، بشرح جامع الترمذي" وقد وقفت على صورة نسخة منه موجودة بمكتبة (شستربيتي) برقم (٥١٨٧) وعدد أوراقها (١٥٣) ورقة، وهي ناقصة من أولها، وباثنائها خروم، وآخر ما فيها أول باب (كيف الجلوس في التشهد) وهو الباب رقم ١٠٢ من أبواب الصلاة البالغ عددها ٢١٣، بحسب ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي. وباطلاعي على هذه القطعة من الشرح تبينَّ لي أن طابعه العام هو

стр. 76

الاختصار ومنهجه مماثل في جملته لمنهج ابن سيد الناس، الآتي تفصيله فيما بعد. (ط) ومن تلك الحلقة أيضًا ما ألفه قرين آخر للعراقي ولابن الملقن، وهو سراج الدين عمر بن رسلان بن نصير، المعروف بالبلقيني المتوفَّي سنة ٨٠٥ هـ، فقد ذكر ابن قاضي شهبة أن البُلقيني ألَّف شرحًا للترمذي يسمى (العَرف الشّذِي على جامع الترمذي) وأنه كتب منه قطعة صالحة (١) وكذا ذكره صاحب كشف الظنون (٢) وسيأتي ذكر شرح آخر بهذا الإسم لأحد علماء الهند المتأخرين. أما ابن فهد فذكر أن للبلقيني شرحين على الترمذي: أحدهما: صناعة، والآخر فقه. (٣). وعلى كل حال فلم أقف على شيء مما شرحه البلقيني من جامع الترمذي خلال بحثي الموسع في فهارس المخطوطات والنشرات الدورية عنها، حتى الآن، كما لم أقف على نقول عنه. (ي) أنها آخر تلك الحلقة المفتقدة فهو شرح الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفِّي سنة ٨٥٢ هـ وقد ذكره بنفسه في فتح الباري، حيث ذكر أنه لم يثبت عن النبي ﷺ ، شيء في النهي عن البول قائمًا ثم قال: كما بينته في أوائل شرح الترمذي (٤). أقول والباب المناسب لذلك في الترمذي هو باب الرخصة في البول قائمًا - وهو الباب التاسع من أول كتب جامع الترمذي وهو كتاب الطهارة. وقال في النكت عن حديث "الأذنان من الرأس" وقد جمعت طرقه فيما كتبته على جامع الترمذي (٥)، وهذا يفيد أنه توسع فيه في تخريج الأحاديث التي

стр. 77

تحتاج إلى ذلك، والباب المناسب لهذا الحديث هو (باب ما جاء أن الأذنين من الرأس) وهو باب ٢٩ من الطهارة. وهذا يدل على أنه بلغ في الشرح إلى هذا الباب على الأقل، وقد ذكر السخاوي في ترجمة شيخه ابن حجر أنه أول ما ولي تدريس الحديث بالمدرسة الشيخونية سنة ٨٠٦ هـ شرع في هذا الشرح، فكتب منه قدر مجلدة مسودة، ثم قال: ولو كمل لجاء في ٢٥ سفرًا حسبما قرأته بخطه (١) وذكر الدكتور/ شاكر محمود عبد النعم نقلًا عن البقاعي، وهو تلميذ ابن حجر أيضًا، أنه شرع في هذا الشرح سنة ٨٠٨ هـ في أثناء تدريسه الحديث بالشيخونية، فكتب منه مجلدة مسودة، ثم فتر عزمه عنه (٢) وذكره المباركفوري أيضًا (٣). أقول: ولم أقف على شيء من تلك المجلدة، وذكر السيوطي أيضًا أنه لم يقف عليه (٤) وكذا ذكر الشيخ أبو الطيب السندي في شرحه الآتي أنه لم يقف عليه. (ك) ومما يتعلق بشرح الترمذي أيضًا للحافظ ابن حجر كتاب يسمى (اللباب فيما يقول فيه الترمذي: وفي الباب) وقد ذكره السيوطي أيضًا، وقال: أنه لم يقف عليه (٥) وذكره الكتاني أيضًا (٦)، ولم أقف أنا على شيء من نسخه. أقول: وبهذا الكتاب تنتهي تلك الحلقة الوسيطة، بين تأليف المتقدمين وتأليف المتأخرين، في شرح الترمذي. ويلاحظ أن أكثر كتب تلك الحلقة مفتقَد، والموجود منها ما زال مخطوطًا وفي مقدمتها: شرح ابن سيد الناس الذي نُقدم له.

стр. 78

(ل) ثم يلي تلك الحلقة شروح المتأخرين، ومن أهمها شروح ثلاثة: ١ - قوت المغتذي لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ (١) وهو مطبوع، ومن طبعاته، الطبعة الهندية سنة ١٢٩٩ هـ. وقد ذكر السيوطي في مقدمته أنه تعليق على جامع الترمذي، على نمط ما علقه على صحيح البخاري المسمى بالتوشيح، وعلى صحيح مسلم المسمى بالديباج، وعلى سنن أبي داود المسمى بمرقاة الصعود ثم قال: "وسميته: قوت المغتذي على جامع الترمذي" (٢). أقول: وباطلاعي على الكتاب تبين لي أنه شرح مختصر، أو تعليق كما وصفه مؤلفه فيذكر فيه العبارات التي يراها بحاجة إلى شرح ويصدرها بعبارة (قوله) يعني الترمذي، ثم يشرحها باختصار، وينتقل لغيرها وهكذا، وهذا يسمى الشرح بالقول كما سيأتي، ولم يستوعب فيه السيوطي شرح كل ما هو بحاجة إلى شرح من سند الترمذي ومتنه، ولذلك قال الشيخ أبو الطيب السندي: إن السيوطي تكلم على نبذ من الألفاظ فقط (٣) وقد لاحظت اعتماده على شرح ابن سيد الناس، وتكملته للعراقي كثيرًا، ولكنه لم يستوعب كلامهما على الحديث، ولم يلتزم بذكر تخريجهما لما قال فيه الترمذي: (وفي الباب) وذلك لما قصده من الاختصار. ولكنه يستفاد من نقوله عنهما في تحقيق شرح ابن سيد الناس وتكملة العراقي عليه. ٢ - شرح أبي الطيب السندي: وهو أيضًا شرح بالقول، وقد طبع مع شرح السيوطي السابق ومؤلفه قد عَرَّف نفسه في مقدمته فذكر: أنه محمد أبو الطيب بن عبد القادر السندي مولدًا، والمدني موطنًا، والحنفي مذهبًا.

стр. 79

ثم قال: (إنه لم يحيى من كَتب على جميع أحاديث الترمذي شرحًا، وإن كثيرًا من الألفاظ محتاج إلى حَلِّه) يعني شرحه وتوضيحه. ولما كان هذا الكلام يبدو متعارضًا مع وجود الشروح السابقة عليه، فإنه أجاب عن ذلك بما خلاصته: أن السيوطي شرح نبذًا فقط من الأحاديث. وأن ابن العربي أطال الكلام فيما يتعلق بالحديث من الآراء الفقهية على مذهب مالك "﵁" ولم يتعرض لكثير من الألفاظ المحتاجة إلى بيان. وأن شرح ابن سيد الناس وتكملته للعراقي لم يوجد منه شيء لديه حينذاك. وأن ما شرحه منه البلقيني وابن حجر، وكذا ما ألفه ابن حجر في تخريج ما يقول الترمذي فيه: وفي الباب، كل ذلك لم يقف عليه من هو قبله -يعني السيوطي فكيف هو؟ (١) وبعد هذا الجواب الذي قرر فيه افتقاده لشرح ابن سيد الناس وكل من جاء بعده إلى السيوطي وأظهر به الجاجة إلى شرحه قال: استخرت الله تعالى أن أشرح شرحًا يحل جميع ألفاظه إلا ما شذ، فبدأت في شرحه .. إلخ (٢). أقول: وقد طالعت كثيرًا من هذا الشرح فلم أجد مؤلفه التزم بشرطه هذا من شرح جميع الألفاظ أو أغلبها، بل وجدته ترك الكثير مما شرحه السابقون عليه، وخصوصًا من قال إنه لم يقف على شروحهم وهم: ابن سيد الناس ومَن بعده، حتى السيوطي، حيث وجدته ينقل عنه، كما أنه تارة يخرج ما أشار إليه الترمذي بقوله: وفي الباب، وتارة يتركه (٣).

стр. 80

٣ - (تحفة الأحوذي) شرح جامع الترمذي (١) للحافظ أبي العلا محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المعروف بالمباركفوري المتوفى سنة ١٢٥٣ هـ (٢) وهو أوسع شروح الترمذي المطبوعة حاليًا، حيث يقع في عشرة مجلدات، مع مقدمة ضافية، تقع في جزءين في مجلد، وهو شرح بالقول (٣). وقد ضمن مقدمته ما يلى: * الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكُتبِه وأهلِه عمومًا، وفيه (٤١) فصلًا، استغرقت ٣٣٦ صحيفة. * والباب الثاني: في فوائد خاصة متعلقة بالترمذي وجامعه، وضمنها (١٧) فصلًا تناول فيها ترجمة الترمذي والتعريف بجامعه من مختلف جوانبه، ومن أهم ما تناوله فيها: تسميته، ومكانته بين الكتب الستة، ومميزاته، وشرط الترمذي فيه، وأهم اصطلاحاته في بيان درجة أحاديثه، وأحوال الرواة، وأقوال العلماء وآراء الفقهاء وبيان المكرر فيه من الأبواب والأحاديث، وسياق رجاله على ترتيب كتب الرجال، وقد استغرق فيه أزيَد من (١٥٠) صفحة (٤) ثم عقد فصلًا في اصطلاحاته هو في بعض عباراته في شرحه، ثم أعقب ذلك بخاتمة ذكر فيها عددًا من أخطاء بعض النسخ المطبوعة بالهند وغيرها من جامع الترمذي. ثم إن الشيخ أبا الفضل عبد السميع المباركفوري ابن أخي المؤلف قد ترجم لعمه، وعرف بشرحه هذا في نهاية تلك المقدمة، وبين مجمل منهج المؤلف في هذا الشرح في (١٥) مبحثًا (٥). وقد قارنتها بالشرح في مواضع كثيرة، فوجدته قد وفى بها في الجملة، وسيأتي ذكر ما يحتاج إليه. منها عند مقارنة منهج ابن سيد الناس بغيره.

стр. 81

ومن الجدير بالذكر هنا أني وجدته قد استفاد في هذا الشرح كثيرًا من شرح ابن سيد الناس، وتكملته للحافظ العراقي، لكن كثير منه بواسطة الإمام الشوكاني الذي اطلع على شرح ابن سيد الناس، وعلى الجلد الأول من تكملة العراقي، وقد نقل عنهما في كتابه (نيل الأوطار) وفي شرح كتاب العلل الذي في آخر الجامع نقل المباركفوري عن ابن سيد الناس مرتين، ويبدو أنهما بواسطة الحافظ العراقي فيما نقله في نكته على ابن الصلاح من شرح ابن سيد الناس (١). وهناك نقول عزاها للحافظ العراقي في شرح الترمذي مباشرة (٢). ونقول عزاها إلى ابن سيد الناس مباشرة (٣). ومن هذا كله يظهر لنا أن ما شرحه ابن سيد الناس يأخذ مكانة بارزة بين شرح من سبقه وشرح من لحقه إلى وقتنا هذا، وأنه قد اعتمد عليه مباشرة وبالواسطة من تصدي لشرح الترمذي بعده، كما اعتمد عليه غير شراح الترمذي، كما سيأتي، في بيان أثره، وهذا مما يؤكد مكانته العلمية، وأهمية إخراجه إلى عالم الطباعة والنشر، لتعميم الفائدة به إن شاء الله. وهم في ذكر مختصر لشرح ابن سيد الناس: ذكر بروكلمان أن محمد بن عقيل البالسي المتوفى سنة ٧٢٩ هـ قد اختصر شرح الترمذي لابن سيد الناس (٤). وبمراجعة ترجمة البالسي هذا في عدة مصادر، لم أجد ذكرًا لهذا الكتاب ضمن مؤلفاته، وإنما وجدت أنه اختصر جامع الترمذي نفسه فقط (٥) وهكذا

стр. 82

ذكره صاحب كشف الظنون من مختصرات جامع الترمذي. وتبعه المباركفوري (١) ثم فؤاد سزكين (٢). ولعل مما يبعد هذا أمران: أحدهما: تقدم وفاة البالسي على وفاة ابن سيد الناس كما ترى. وئانيهما: أن ابن سيد الناس لم يتم شرحه حتى يتجه غيره إلى اختصاره. ٥ - منهج المؤلف في الشرح، وموازنته إجمالًا بمناهج أهم الشروح لجامع الترمذي: (أ) أهم مناهج الشروح عمومًا: إن ما تيسر لي الاطلاع عليه من شروح كتب السنة عمومًا، ومن كتابات العلماء والباحثين عن مناهجها قد أظهر لي أن الشروح من حيث منهجها العام ترجع إلى الآتي: ١ - الشرح الموضوعي. ٢ - الشرح المَوضِعي، ويعرف بالشرح بالقول. ٣ - الشرح الممزوج. أما الشرح الموضوعي فهو الذي يقسم الشارح فيه الحديث سندًا ومتنًا، ومايتبعهما في الكتاب المراد شرحه، إلى موضوعات، ثم يشرح ما يتعلق بكل موضوع على حدة، حتى لو اقتضى ذلك شرح المتأخر في سياق الحديث قبل المتقدم منه، تبعًا لجمع الجزئيات المتعلقة بموضوع واحد لأجل شرحها فقط، فمثلًا الكلام على الرواة يتكلم عنه الترمذي بعد سياق الحديث سندًا ومتنًا، ويتناوله ابن العربي في الشرح في أول كلامه عن الحديث لا في آخره (٣)، وقد بشرح عدة أبواب متتابعة عند ذكر أول حديث من أول باب (٤).

стр. 83

ويعتبر شرح ابن سيد الناس من هذا النوع، وكذلك شرح ابن العربي السابق عليه، وأيضًا تكملة العراقي لشرح ابن سيد الناس، وكذا شرح الحافظ ابن رجب الحنبلي، وشرح ابن الملقن لزوائد الترمذي على الصحيحين وسنن أبي داود. وسأبين هنا مجمل منهج بن العربي في شرحه، نظرًا لسبقه وتداوله، حتى يتسنى لي بعد ذلك مقارنة منهج المؤلف به، أما غير ابن العربي ممن قدمت ذكرهم، فسأكتفي ببيان المحتاج إليه من منهجهم عند مقارنة شرح المؤلف بغيره إن شاء الله. وقد افتتح ابن العربي شرحه هذا المسمى (عارضة الأحوذي) ببيان سبب تأليفه للشرح، وهو طلب طائفة من طلاب العلم منه ذلك، وذكر أنه كان يود التوسع والاستيفاء ولكن شواغله لم تسمح له إلا بالشرح المختصر عمومًا، وإن أطال في بعض المواضع (١) ثم انتقل إلى مقدمة لشرحه بين فيها منزلة جامع الترمذي بين كتب السنة، وعدّد ما اشتمل عليه من فنون علم الحديث، فبلغ بها أربعة عشر علمًا (٢)، ثم أجمل منهجه في شرحه فقال: (ونحن سنورد فيه إن شاء الله بحسب العارضة: قولًا في الإِسناد، والرجال، والغريب وفنًّا من النحو، والتوحيد، والأحكام، والآداب، ونكتًا من الحِكَم، وإشارات إلى المصالح) (٣). ثم ذكر سنده بجامع الترمذي، ومنه انتقل إلى الشرح (٤). وبمراجعتي لأبواب متعددة خلال هذا الشرح من أوله إلى آخره، تبين لي مطابقة منهجه في الجملة لما رسمه في القدمة السابقة، كما ان معظم العناصر التي

стр. 84

ذكرها جعل لكل منها عنوانًا في شرح كثير من الأبواب، ثم ساق تلك العناصر الموضوعية حسب الترتيب الذي ذكره في المقدمة. فعنصر الإِسناد يتناول فيه كلام الترمذي وغيره عن سند الحديث، ودرجته من القبول أو الرد (١)، كما قد يخرج في هذا العنصر حديث الباب من عند غير الترمذي (٢)، وقد يخرجه بسنده عن شيوخه (٣)، وقد يعرض لبيان حال بعض الرواة (٤) وقد يخرج بعض ما أشار إليه الترمذي بقوله: وفي الباب (٥)، ولكنه كثيرًا ما يُخلّ بذلك، كما أنه لا يتوسع في التخريج، ولا يستوعب أكثر المشار إليه، وربما ذكر ما أشار إليه الترمذي من أحاديث الباب، لكن لا يعزوها إلى مصدر (٦)، وقد يذكر أحاديث أخرى تتعلق بالباب، ولم يشر إليها الترمذي (٧). وأما عنصر الرجال الذي أشار إليه، فيعرض فيه لبيان أحوال بعض الرّواة لحديث الباب، والتعريف بهم أو بغيرهم ممن يتكلم عنه الترمذي (٨)، لكن لم أجد ابن العربي يجعل لهذا العنصر عنوانًا مستقلًا، بل كثيرًا ما يدخله مع عنصر الإسناد السابق ذكره. وأما عنصر الغريب فتارة يعنونه بـ "الغريب" (٩)، وتارة يعنونه بـ "العربية" (١٠) وتارة باللغة (١١) ويتناول فيه شرح الألفاظ أو العبارات الواقعة في

стр. 85

متن الحديث ويراها هو بحاجة إلى شرح أو توضيح، إما لغرابة لفظه، أو لكونه مشكلًا، أو له معنى اصطلاحي عند الفقهاء أو الأصوليين أو غيرهم (١)، كما أنه يضبط ما يراه بحاجة إلى ضبط (٢). وأما عنصر النحو الذي أشار إليه فهو قليل التعرّض له، وقد يذكره ضمن المبحث السابق (٣). وأما التوحيد: فإنه يذكره في كثير من الأحيان تحت عنوان (الأصول)، ويتناول أيضًا تحت هذا العنوان مباحث أصول الفقه المتعلقة بالحديث، والتي يرى هو التعرض لها، وبذلك يطلق هذا العنوان على ما يتعلق بأصول الدين، وهو التوحيد وباقي مسائل العقيدة، وعلى ما يتعلق بالحديث من علم أصول الفقه أيضًا (٤)، وقد يعنون لمسائل العقيدة بعنوان (التوحيد)، ويذكر تحته ما يتعلق بالعقيدة فقط (٥). وأما الأحكام والأداب: فتارة يذكرها تحت عنوان (الأحكام) (٦)، وتارة تحت عنوان (الفقه) (٧)، وأخرى تحت عنوان (الفوائد) (٨)، وقد يقول: أحكامه وفوائده (٩)، وهذا العنصر يعتبر أهم العناصر عنده، باعتبار أنه المقصود الهام من

стр. 86

الحديث ومن شرحه، وقد تناول فيه ابن العربي ما يتعلق بالحديث من الأحكام الفقهية والآداب الشرعية المستفادة من الحديث وما يظهر له من حكمة تشريعها، وكثيرًا ما يبيّن آراء العلماء في ذلك وبعض أدلتهم مع العناية بآراء المالكية باعتباره مالكيًا (١)، وقد قال أبو الطيب السندي: إن ابن العربي أطال في هذا الشرح الكلام على مذهب الإِمام مالك، كما أشرت لذلك فيما تقدم. وأما نكت الحِكَم وإشارات المصالح، فلعل مراده بذلك تعليل الأحكام الشرعية وبيان حكمة التشريع حسبما يظهر له، وهذا العنصر يذكره ابن العربي كثيرًا، تبعًا لعنصر الأحكام والفقه (٢). ومما يجدر التنبيه إليه أن ابن العربي لا يلتزم بذكر تلك العناصر جميعها في كل الأبواب والأحاديث التي يشرحها، وإنما قد يذكر عنصرًا واحدًا فقط منها (٣)، وقد يذكر عنصرين (٤)، وقد يذكر ثلاثة (٥)، وقد يستوفي العناصر السابق ذكرها جميعًا أو أغلبها (٦) وقد يترك بعض الأبواب دون تعليق عليها بشيء (٧). وعمومًا فإن هذه الطريقة يتفاوت الشراح فيها في استيفاء ما في الحديث من العناصر التي يتعرضون لها، حسب كفاءة واطلاع كل منهم، وحسب قصده أيضًا، من التوسع أو الاختصار أو التوسط، ولهذا فقد يكون في الحديث جوانب هامة ولا يتعرض لها أحد الشراح، في حين يتصدى لها غيره، سواء كانت متعلقة بالإِسناد أو اللغة أو الأحكام أو غير ذلك.

стр. 87

ثم إن هذا المنهج في الشرح هو أنسب المناهج لعصرنا الحاضر، ويقبله طلبة العلم أكثر من غيره من مناهج الشرح الأخرى، واستيعاب شرح الحديث من خلاله أيسر على القارئ. أما الشرح الموضِعي أو الشرح بالقول، فهو الذي يتصدى فيه الشارح لمواضع معينة من سند الحديث ومتنه، فيذكر اللفظ أو العبارة من سند الحديث أو متنه، ويصدرها بكلمة (قوله) ثم بعد ذلك يشرح اللفظ أو العبارة من مختلف جوانبها، وإن تعدد موضوعها وبهذا تفترق تلك الطريقة عن سابقتها، التي يُراعَى فيها وحدة الموضوع، ويجمع الشارح فيها ما يتعلق بموضوع واحد في مبحث واحد من مباحث الشرح، كما أسلفت. وأيضًا يتفق منهج الشرح بالقول مع منهج الشرح الموضوعي في أنه لا يتناول من السند والمتن إلا المواضع التي يراها الشارح تحتاج إلى شرح أو إيضاح، أو التي يتيسّر له من المادة العلمية ما يفي بشرحه. ومن أمثلة هذا النوع من شروح المتقدّمين على المؤلف، كتاب (معالم السنن) شرح سنن أبي داود، للخطابي، وهو مطبوع متداول، ويعتبر من مصادر ابن سيد الناس في هذا الشرح. ومن أمثلته من شروح المتأخرين، (فتح الباري، شرح صحيح البخاري) للحافظ ابن حجر العسقلاني، ومن شروح الترمذي: (قوت المُغتذِي، على جامع الترمذي) للحافظ جلال الدين السيوطي، وهو مطبوع أيضًا. ومنها: (شرح أبي الحسن بن عبد الهادي السندي المدني) المتوفى سنة ١١٣٩ هـ، قال في كشف الظنون: هو شرح لطيف بالقول (١)، والمراد بقوله: (لطيف) أنه موجز، وهو مطبوع بمصر (٢). وأما الشرح الممزوج: فهو الذي يذكر نص الحديث سندًا ومتنًا ممزوجين

стр. 88

بشرحهما؛ بمعنى أن الشارح يذكر اللفظ أو العبارة من سند الحديث أو متنه، ويذكر قبلها أو بعدها من كلامه هو ما إذا قُرِئ مع عبارة المتن اتضح معناه، ومهما توسع الشارح في كلامه الذي يقدمه أو يؤخره على النص المراد شرحه، فإنه يحرص على أن تكون اللفظة التي تسبق أو تلي عبارة المتن مترابطة معها في سياق واحد، وبذلك يمتزج المتن بشرحه وينْسَبِكُ معه في أسلوب واحد، ولهذا سُمِّي هذا النوع من الشرح بالشرح الممزوج بالمتن، بحيث لا يتميز المتن إلا بوضعه بين أقواس أو كتابته بخط أكبر أو بحبر يختلف لونه عن اللون المكتوب به ألفاظ الشرح. وميزة هذا النوع من الشرح أنه يتضمن خلاله جميع سند الحديث ومتنه حتى يمكن القول بأن الشرح الممزوج يشتمل على نسخة من نص المتن الذي يشرحه، كما ان الألفاظ والعبارات التي تشرح من المتن خلاله تكون أكثر مما يشرح في منهج الشرح الموضوعي أو المَوضِعي السابق ذكرهما. هذا ولم أقف على شرح لجامع الترمذي من هذا النوع، ولكن من أمثلته شرح الإمام القسطلاني المتوفى سنة ٩٢٣ هـ المسمى (إرشاد الساري إلى شرح صحيح البخاري). وهو مطبوع ومتداول. (ب) تفصيل منهج المؤلف مع موازنته بغيره من أهم شروح الترمذي: أولًا - مصادر الشرح: أشار المؤلف في بداية شرحه إلى مصادر المادة العلمية لشرحه عمومًا فقال: مما نقلته من كتاب أعزوه إليه، أو سمعته من عالم أرويه عنه، مما حضرني ذكر قائله، أو غاب عني لبعد العهد به (١). ومعنى هذا أنه اعتمد في شرحه على مؤلفات مكتوبة، وعلى أقوال سمعها شفاهة من أصحابها، وهم من شيوخه. وقوله: (مما حضرني ذكر قائله أو غاب عني لبعد العهد به) يشير إلى

стр. 89

ما لاحَظْتُهُ خلال الشرح من أنه قد يذكر نقلًا من بعض المصادر بنصه، أو مع تصرّف يسير جدًّا ولا يعزوه إلى مصدره، وقد نبّهت على ذلك في التعليق على أكثر من موضع من النص (١) فلعله قد غفل أوسها عن العزو في مثل تلك المواضع، وخاصة ما نقل فيها بالنص. ثم إنه في العزو قد يعزو إلى الكتاب ومؤلّفه معًا، وهذا أضبط كقوله: ذكره ابن حبان في الثقات (٢)، وقوله: أخرجه ابن حبان في صحيحه (٣)، وقد يعزو إلى المؤلّف ولا يحدد كتابه المنقول عنه، مع أنه يكون له أكثر من كتاب يصلح أن يكون مصدرًا للنص الذي يذكره، مثل قوله: قال (أبو عمر) يعني ابن عبد البر، وقوله: (قال الشيخ محيي الدين) يعني النووي. وسأذكر فيما يلي أهم المصادر التي وجدته يعتمد عليها، ومنها ما صرح بإسم مؤلفه فقط، وحددت من جانبي اسم الكتاب المنقول عنه، بناء على رجوعي إليه (٤). ومنها ما صرح فيه بتحديد الكتاب المنقول عنه (٥). ١ - فمن كتب متون السنة ما يلي: - الكتب الستة: وهي الصحيحان، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. - مسند الإِمام أحمد، مسند أبي يعلى الموصلي. - صحيح ابن حبان، الموطأ. - المعجم الكبير للطبراني. - عمل اليوم والليلة للنسائي.

стр. 90

- السنن الكبرى للبيهقي، وهو أحمد بن الحسين البيهقي، وقد وقع في نسخ السنن الكبرى أنه يذكر فيها تعليقات للبيهقي على الأحاديث التي يخرجها فيها، وهذه التعليقات يُصدِّرها الرواة عنه تارة بقولهم: قال الشيخ أحمد، وتارة بقولهم: قال الإِمام أحمد، وفي هذا الإِطلاق الأخير يشتبه الأمر بأن المراد أحمد بن حنبل، وقد حدث هذا لابن سيد الناس فقال في موضع من هذا القسم المحقق: قال البيهقي: قال الإمام أحمد (١)، والواقع أن القائل هو البيهقي نفسه، كما يعرف ذلك من مراجعة نص كلامه في السنن الكبرى، ولذلك جاء بهامش الأصل تعقب ابن سيد الناس بأنه وهم فيها. - السنن للدارقطني، والسنن للدارمي، وقد أطلق عليه اسم المسند عند العزو إليه (٢)، وقد نبهت في هذا الموضع على انتقاد العراقي تسميته بالمسند. - المصنف لابن أبي شيبة ولعبد الرزاق. ٢ - ومن المختصرات: مختصر سنن أبي داود للحافظ عبد العظيم بن عبد القوي المنذري. ٣ - ومن كتب مصطلح الحديث: معرفة علوم الحديث والمدخل إلى الصحيحين، كلاهما للحاكم، ورسالة أبي داود السجستاني إلى أهل مكة، ومعرفة علوم الحديث المعروف بالمقدمة لابن الصلاح. ٤ - ومن كتب غريب الحديث: غريب الحديث، لأبي عبيد القاسم بن سلام. ومشارق الأنوار على صحاح الآثار، للقاضي عياض. ومطالع الأنوار على صحاح الآثار، لإِبراهيم بن يوسف المعروف بابن قرقول، وهو مختصر لكتاب القاضي عياض السابق، وقد جاء بهامش نسخة

стр. 91

الأصل انتقاد المؤلف في نقله عن كتاب المطالع هذا ما هو موجود بأصله وهو المشارق، مع نقله قبل ذلك مباشرة عن المشارق (١). أقول: وهذا انتقاد في محله. ٥ - ومن كتب اللغة: المحكم لابن سيدة. والصحاح، للجوهري. والاشتقاق، لابن دُرَيد. ٦ - ومن كتب الرجال: كتاب الكمال في أسماء الرجال، لعبد الغني المقدسي. والطبقات الكبرى، لابن سعد، وقد يعزو إلى ابن سعد ما لم أجده في مظنته فيها. والطبقات، لخليفة بن خياط. والتاريخ الكبير، للبخاري، وقد عزا إليه أيضًا ما لم أجده في طبعته الحالية، ومعجم الشعراء للمَرزُباني. والجرح والتعديل، لابن أبي حاتم الرازي. والتعريف بمن ذكِر في الموطأ، لمحمد بن يحيى الحذاء -وهو في رجال موطأ مالك- والثقات للعجلي، ولابن حبان. والضعفاء والمتروكين، للنسائي وللدارقطني، والضعفاء الكبير، للعقيلي. والكامل في الضعفاء والمتكلم فيهم، لأبي أحمد ابن عدي. وسؤالات السّلمي، للدارقطني. وتاريخ يحيى بن معين برواية الدوري، وغيره. والمجروحين، لابن حبان. وتاريخ بغداد، للخطيب البغدادي. والإِرشاد، للخليلي. والأنساب، للسمعاني. والألقاب، للشيرازي. والكنى، لأبي أحمد الحاكم، وللإِمام أحمد بن حنبل. والإكمال، لابن ماكولا. والاستيعاب في معرفة الأصحاب، لابن عبد البر. وقبول الأخبار ومعرفة الرجال، لأبي القاسم عبد الله بن أحمد البلخي. ٧ - ومن كتب شروح الحديث: عارضة الأحوذي، شرح جامع الترمذي، لأبي بكر ابن العربي. ومعالم السنن، شرح سنن أبي داود، للإِمام الخطابي. والمِفهم شرح مختصر صحيح مسلم، لأبي العباس

стр. 92

القرطبي. والمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، للنّووي. والاستذكار، لابن عبد البر. والتمهيد، لابن عبد البر، وتعليق الإِمام السلفي على مقدمة معالم السنن للخطابي. ٨ - من كتب العلل: علل الحديث، لابن أبي حاتم الرازي. والعلل الكبير، للترمذي. والعلل المتناهية في الأحاديث الواهية، لابن الجوزي. وبيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام، لعبد الحق الإِشبيلي - تأليف أبو الحسن علي بن محمد، المعروف بابن القطان. وبغية النقاد، لابن المواق. والغرر المجموعة في بيان ما في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة، لرشيد الدين العطار. ٩ - ومن كتب الأطراف: أطراف كتاب الأفراد والغرائب للدارقطني - تأليف أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي. ١٠ - ومن كتب الفقه: كتاب فتح العزيز شرح الوجيز، تأليف الإمام أبي القاسم الرافعي، في الفقه الشافعي. وقد لاحظت في نقله عن هذا الكتاب أنه أدخل بين بعض النصوص التي نقلها منه تعليقًا مطولًا من جانبه دون تمييز كلامه عن النص المنقول بشيء، والإيصال لابن حزم. ١١ - وأما المصادر الشفاهية: فهم بعض شيوخه الذين روى عنهم بالسَّماع، أو ذكر بعض ما سمعه منهم في دروسهم الحديثية، ومن هؤلاء: (أ) أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن ترجم، فقد قال المؤلف: سمعت عليه الجامع للترمذي وغيره (١). (ب) أبو المعالي أحمد بن إسحق الأبرقوهي، روى المؤلف بالسماع منه أحد الأحاديث بسنده إلى الشيرازي في كتاب الألقاب (٢).

стр. 93

(ج) محمد بن علي بن وهب المعروف بابن دقيق العيد، وهو من أشهر شيوخه، قال في بعض المواضع: وسمعت شيخنا الحافظ أبا الفتح محمد بن علي القشيري ... إلخ (١). ثانيًا - تقديمه للشرح ببيان أهمية الاشتغال بخدمة السنة ، فذكر أنها أولى ما صرِفَت العناية إليه، ووجب الاعتماد عليه بعد القرآن الكريم (٢)، ثم أشار إلى سبب تأليفه لهذا الشرح، وهو حفظ المادة العلمية التي توفرت له عنه، والأفكار الشخصية التي ظهرت له حين تدارسه مع غيره، وصيانتها من الضياع والتفلت؛ لأن من قيّد العلم بالكتاب أمن من اللبس والارتياب (٣). ثم انتقل من ذلك إلى ذكر مقدمتين للشرح. إحداهما: في التعريف بالإِمام الترمذي، وبرجال إسناد المؤلف بجامع الترمذي. والثانية: في التعريف بجامعه، وبهذا أغناني عن التعرض لهذين المبحثين في مقدمتي هذه للشرح، واكتفيت بالتعليق على ما ذكره. وقد اختلف ابن سيد الناس في هذا عن سلفه ابن العربي؛ حيث إن ابن العربي استهل شرحه ببيان سبب تأليف الشرح (٤)، ثم انتقل إلى ذكر مقدمة واحدة بيّن فيها منزلة جامع الترمذي بين كتب السنة، وبين اشتماله على أربعة عشر علمًا من فنون الحديث، وذكر عناصر منهجه في الشرح، وسنده بجامع الترمذي كما قدمت ذكره، ثم انتقل إلى الشرح. أما ابن سيد الناس فضمَّن المقدمة الأولى التعريف بالإمام الترمذي من حيث بيان اسمه ونسبه وطلبه للحديث، وتوثيقه فيه، وذلك بذكر ثناء العلماء

стр. 94

عليه وشهادتهم بحفظه وفهمه للحديث، ثم بيان مكانته في علم الحديث وتبحره فيه رواية ودراية حتى سمع منه شيخه البخاري بعض الأحاديث، ثم ذكر وفاته وبين مكان دفنه، ثم بين رجال جامع الترمذي ابتداء من شيوخه وحتى المحبوبي أحد رواة جامع الترمذي عنه. وفي المقدمة الثانية: عرف بجامع الترمذي موضوع الشرح، فبين عناية الترمذي بتأليفه، ثم عرضه على عدد من أئمة عصره فاستحسنوه وأقروه عليه، ثم بين مكانة هذا الجامع عند العلماء، بثناء عدد منهم عليه، ووصفه بالصحة باعتبار الأغلب من أحاديثه. وبين أنه لا يوجد في الجامع حديث ثلاثي إلا حديثًا واحدًا، كما بين أقسام الحديث في الجامع، من حيث الصحة وغيرها، وشرط الترمذي في هذا الجامع، وذكر بعض من وصفه بالصحة كما ذكر عدد علوم الحديث التي تضمنها الجامع حسبما ذكر ابن العربي (١)، وضم إلى ذلك ما ذكره ابن رُشَيْد، ثم أضاف هو خمسة أنواع، مع إشارته لدخول بعضها فيما ذكره من سبقه إلى تعديد علوم جامع الترمذي. ثم تصدى لتعريف الحديث الحسن والغريب عند علماء الحديث، وبيان مراد الترمذي بهما، وبيان شروطه في الحديث الحسن (٢). وتوسع في ذلك لكثرة ورود هذين اللفظين في الجامع، وتركيب الترمذي لهما مع الصحيح في الحكم على الحديث، وقد تضمن توسعه هذا مسائل متعددة من دقائق علم الحديث، منها تقرير أن عبارة الترمذي في تعريف الحديث الحسن تقتضي أنه اصطلاح خاص به في جامعه، وأنه لم يسبق الترمذي أحد في مراده بالحسن، كما تعقب ابن الصلاح في جعله سنن أبي داود مَظِنَّة للحديث الحسن، وذكر أن كلام أبي داود في شرطه في السنن لا يدل على ذلك؛ بل إن عبارته عن شرطه مثل عبارة مسلم عن شرطه، فلو أُلزِم بأن سننه من مظان الحسن، لأُلزم مسلم أيضًا

стр. 95

بذلك، لأن معنى كلامهما واحد في نظر المؤلف؛ غير أن مسلمًا اشترط الصحة، وأبو داود لم يشترطها (١)، فأخرج الصحيح وغيره. ولم يُسلَّم للمؤلف هذا، بل عورض فيه من غير واحد من العلماء كما بينته في التعليق على هذا الموضع من الشرح، كما بين وجه اختلاف حكم الترمذي على السند الواحد، وأن ذلك بحسب المتابعات وعدمها، وبالتالي لا يُعترض على الترمذي في هذا (٢) وبين أيضًا انقسام الحديث إلى ثلاثة أقسام هي: المقبول، والمردود، والمتردَّد بينهما، وأرجع ذلك إلى انقسام أحوال الرواة إلى عدل، ومجروح، ومستور، ثم بين أنه بناء على هذا التقسيم اعتُرض على الترمذي لجمعه في الحكم على حديث واحد بين الصحة والحسن، ثم ذكر خمسة أجوبة عن ذلك، ورد منها أربعة، وارتضى واحدًا حيث لم يتعقبه بشيء (٣)، وقد تعقبتُه من جانبي فيه، ضمن التعليق على هذا الموضع. وذكر أيضًا أنه اعترض على الترمذي في جمعه في وصف الحديث بين الحُسن والغرابة وصدَّر جوابه عن هذا ببيان أنواع الغريب، وعلى ضوئها قرر: أن الغرابة لا تنافي الحسن أو الصحة، وبالتالي لا حَرج في جمعهما في الحكم على حديث واحد (٤). ثم عقد المؤلف فصلًا لبيان مُراد الترمذي بقوله: وفي الباب عن فلان وفلان، وفائدة ذلك، كما بين طريقة الترمذي فيما يورده بسنده، وما يشير إليه من الأحاديث بقوله: وفي الباب عن فلان وفلان (٥) وبذلك أنهى تلك المقدمة الثانية، وشرع بعدها في الشرح. وبمقارنة تلك المقدمة الثانية بكُلٍّ من مقدمة عارضة الأحوذي لابن العربب، ومقدمة تحفة الأحوذي للمباركفوري، نجد أن مقدمة المؤلف

стр. 96

أوفى وأكثر مشتملات من مقدمة العارضة، أنها مقدمة تحفة الأحوذي، فتعتبر أكثر مشتملات من مقدمة المؤلف، ويعرف ذلك بمراجعة ما قدمته آنفًا عن محتوياتها، ومقارنته بما ذكرته هنا من مشتملات مقدمة ابن سيد الناس، لكن الموضوعات المشتركة بينهما، يعتبر تناول ابن سيد الناس لها أعمق، وأغزر فائدة، من تناول المباركفوري، وذلك مثل: بيان شرط الترمذي في جامعه واصطلاحاته فيه، وخاصة الحسن والأوصاف المركبة لحديث واحد. ثالثًا - عناصر شرحه للأحاديث: وبعد فراغ المؤلف من تلك المقدمة الثانية، انتقل إلى شرح الباب الأول فما بعده من كتاب الطهارة، ثم كتاب الصلاة الذي لم يكمله شرحًا كما قدمت، وقد ضمن شرحه للحديث، العناصر التالية: (أ) ذكر نص الباب المراد شرح أحاديثه: كما جاء في جامع الترمذي، وبذلك اشتمل الشرح على نسخة ابن سيد الناس التي شرح عليها من جامع الترمذي، ويوجد بها اختلاف عن المطبوع، ويُشْبِهه في هذا الحافظ العراقي في تكملته لهذا الشرح، ويختلف عنهما ابن العربي حيث يستهل شرحه للباب بذكر مختصر لأحاديث الباب ولكلام الترمذي عنها. ويعتبر ذكر النص كاملًا في صدر الشرح أعون على فهم الشرح. (ب) عنونة شرح الباب، ومباحثه التفصيلية: لقد وجدت المؤلف تارة يعنون شرحه لحديث أو أحاديث الباب بقوله: (الكلام عليه) كما في (باب النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول) (١) وتارة يقول: "الكلام عليه من وجوه" كما في (باب ما يقول عند افتتاح الصلاة) (٢) وتارة لا يضع عنوانًا لشرح الباب كلية كما في الأبواب من ١ إلى ٦ من أول الشرح. وقد قمت من جانبي بوضع عناوين لتلك الأبواب على ضوء صنيعه في غيرها، فوضعت عنوان: (الكلام عليه) عند بداية شرح كل باب، مع وضعه بين

стр. 97

حاصرتين مربعتين، وهذا العنوان يعتبر المؤلف مسبوقًا فيه بشيخه ابن دقيق العيد في شرحه لعمدة الأحكام (١) ثم مشى عليه من بعد المؤلف الحافظ العراقي في تكملته لهذا الشرح حيث التزم بوضع هذا العنوان لكل باب من القدر الذي شرحه، فَيستهِلُّ شرح الباب بقوله: (الكلام عليه من وجوه). أما المباحث التفصيلية داخل شرح الباب أو الحديث فقد وجدت المؤلف أيضًا تاره يعنونها، وتارة لا يعنونها، والعناوين التي يضعها متنوعة في غالبها بحسب ما يتناوله تحتها من جوانب الشرح، فمثلًا في باب "ما يقول عند افتتاح الصلاة" قال: الكلام عليه من وجوه، ثم قال: الأول من حيث الإِسناد، وبعد الفراغ منه قال: الوجه الثاني في شيء من مفرداته، وبعد فراغه من شرح المفردات قال: الوجه الثالث في الفوائد والمباحث (٢) وفي باب ما جاء في التشهد وباب منه، بعده، جمع شرحهما معًا بعد سياق نصهما كما في الترمذي، وعنون الشرح بقوله: "الكلام عليه من وجوه" ثم قال: الأول: من حيث الإِسناد، ثم عنون الوجه الثاني بقوله: الوجه الثاني في غريبه، ثم عنون الوجه الثالث بقوله: الوجه الثالث في شيء من العربية وغيرها، ثم عنون الرابع بقوله: الوجه الرابع في الفوائد والمباحث (٣) وفي باب ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، والأبواب التي جمعها مع هذا الباب في الشرح، عنون المبحث الأخير بقوله: (الكلام على ما يستفاد من هذه الأحاديث، ويستنبط منها من الأحكام) (٤). ولهذا فإني لم أستطع متابعته في وضع تلك العناوين بذاتها في شرح الأبواب التي لم يعنون مباحث شرحها، واخترت من جانبي عناوين موحدة تنطبق على مضمون ما تحتها في كل باب، كما سيأتي تفصيل ذلك، ويتفق ابن العربي مع المؤلف في وضع عناوين للمباحث التفصيلية للشرح، كما تقدم ذكره، أما الحافظ العراقي

стр. 98

فلا يعنون مباحث شرحه إلا بأرقام مسلسلة، فبعد قوله في عنوان الشرح: (الكلام عليه من وجوه، يقول: الأول .. الثاني .. الثالث .. وهكذا. ويمكن تقسيم عناصر شرح المؤلف هذا وترتيبها على النحو التالي: (ج) تخريج الأحاديث: وفي الأبواب التي عنون المؤلف مباحثها، قد عنون لذلك بعنوان (الإِسناد) وقد أشبه في هذا ابن العربي، كما تقدم في ذكر منهجه، وقد اشتمل التخريج عند المؤلف على ثلاثة جوانب. أحدها: بيان من أخرج حديث أو أحاديث الباب غير الترمذي، سواء من نفس الطريق التي أخرجه الترمذي منها أو غيرها (١). وثانيها: تخريج الأحاديث التي يشير إليها الترمذي بقوله: وفي الباب عن فلان وفلان (٢). وقد تقدم أن هذا الجانب من الشرح يعتبر من الجوانب البارزة التي أشاد بذكرها العلماء، كالحافظ العراقي في أول تكملته، والشوكاني في (البدر الطالع) خلال ترجمتيه للمؤلف وللعراقي. وقد أشار العراقي عقب إشادته بهذا الجانب إلى أن المؤلف ربما وقف عليه أحاديث بعض من ذُكِر، فلم يتيسر له تخريجها (٣). وقد لاحظت ذلك فِعْلًا في القسم الذي حققته، في باب الرخصة في استقبال القبلة بالبول والغائط، حيث قال الترمذي: "وفي الباب عن أبي قتادة، وعائشة وعمار" ثم ساق الترمذي رواية أبي قتادة، وبقى حديث عائشة وحديث عمار، فأخرج المؤلف حديث عائشة بالعزو إلى بعض المصادر، ولم يخرج حديث عمار، ولا بَين أنه لم يجده. وقد أخرج حديث عمار، المباركفوري في التحفة،

стр. 99

بالعزو إلى الطبراني في الكبير وبيّن ضعفه (١) كما أشرت إلى ذلك في التعليق على هذا الوضع من الشرح. لكن من الجدير بالذكر أن هذا ليس شأن المؤلف وحده، بل إن العراقي نفسه في شرحه للباب الأول من تكملته قال: وحديث عبد الله بن عمرو، لم أقف له على أصل، فإن كان تصحف على بعض الرواة، وإنما هو عبد الله بن عُمَر -بضم العين- فسيجيء في الوجه الذي يليه إن شاء الله؛ ولكن ذكره المصنف أيضًا في السِّيَر وقال: عبد الله بن عمرو -بفتح العين-، ولم أقف عليه (٢) وكذلك المباركفوري في كثير من المواضع التي يقول الترمذي فيها: وفي الباب عن فلان وفلان، يُخَرج ما تيسر له، وما لا يتيسر له يقول عنه: وأما حديث فلان فلينظر من أخرجه (٣)، ومنها ما قال: لم أجده، وقد وفقني الله تعالى للوقوف عليه وتخريجه في تعليقي على الشرح (٤). وثالثها: تخريج أحاديث يرى المؤلف أنها متعلقة بالباب، ولم يخرجها الترمذي ولم يشر إليها بقوله: وفي الباب عن فلان، فيستدرِكُ المؤلف ذلك بقوله: وفي الباب مما لم يذكره كذا وكذا (٥) وقد يكون بعض من تقدم على المؤلف ذكر ما يتعلق بالباب زيادة على ما عند الترمذي فينقل المؤلف عنه ذلك، ثم يضيف إليه من جانبه، ففي باب "ما يقول إذا خرج من الخلاء" قال الترمذي: ولا نَعرِف في الباب إلا حديث عائشة، فنقل المؤلف ما استدركه المنذري حيث قال: "وفي الباب" وساق ثلاثة أحاديث، وعقب عليها المؤلف بأنها ضعيفة، ثم قال: وفي الباب أيضًا مما لم يذكره الترمذي ولا المُنذري ... وذكر حديثين آخرين (٦).

стр. 100

وقد يترك المؤلف تخريج ما لم يذكره الترمذي ولم يشر إليه، حتى لو كان متيسرًا عليه، وذلك أنه في الباب السابق ذِكْرُهُ، أخرج في استدراكه على الترمذي وعلى المنذري حديث طاوس: "إذا أتى أحدكم الخلاء فليكرم قبلة الله" وهذا القدر من الحديث كما ترى، متعلق بالنهي عن استقبال القبلة، ولكن المؤلف لما شرح هذا الباب، لم يستدرك على الترمذي هذا الحديث، مع تعلقه بالباب، ومعرفته له، ولهذا فإننا لا نجزم بأن المواضع التي لم يستدرك المؤلف فيها شيئًا على الترمذي، يكون قد تعذر عليه ذلك. وقد جاء بهامش نسخة الأصل استدراك عليه في باب فضل الطهور، ونصه: قلت: وفي الباب مما لم يذكره الترمذي ولا الشارح ... وذكر عدة أحاديث (١). وقد يشير المؤلف إلى ما روي في الباب فقط، ولكن لا يعزوه إلى مصدر (٢) وهذا قليل، وقد تقدم أن ابن العربي يفعل ذلك أيضًا. وقد جرى المؤلف في تلك الجوانب الثلاثة على التخريج بالعزو الإجمالي إلى المصادر أو إلى مؤلفيها أو إليهما معًا كقوله: أخرجه ابن حبان في صحيحه، وأبو يعلى في مسنده، وقد يحدد موضع الحديث في المصدر بذكر اسم الباب الوارد فيه من المصدر المعزو إليه كقوله: رواه أبو داود في الطهارة، والبخاري في الطهارة وفي الدعوات، وذكره ابن عدي في باب حفص من كتابه، أما الجزء والصفحة ورقم الحديث فلا يذكرها لعدم وجود الطباعة آنذاك. وقد يسوق لفظ الحديث في المصدر المعزو إليه، وذلك قليل، والأكثر أنه يكتفي بالعزو فقط كما في العبارات السابق ذكرها، وقد يعزو الحديث إلى المصدر ويسوقه منه، بكامل سنده ومتنه، كقوله: وقال ابن أبي شيبة: ثنا عفان، ثنا

стр. 101

وهيب ... الخ (١) وقوله: قال الترمذي في كتاب العلل: حدثنا محمد بن بشار (٢). وقد يخرج الحدبث بسنده هو عن شيوخَه فَمن فوقهم، مثل قوله في "باب فصل الطهور": وقد وجدنا مما لم يذكره الترمذي في الباب ما أخبرنا به أبو المعالي أحمد بن إسحق ... الخ. وساق سنده بالحديث إلى الرسول ﷺ (٣) ومثل هذا يفعل ابن العربي في شرحه، وكذا الحافظ العراقي في تكملته لشرح المؤلف هذا. وقد يقوم المؤلف في تخريجه بجمع طرق الحديث على مدارها الذي تفرعت عنه، فتتضح بذلك المتابعات التامة والناقصة (٤) كما أنه في العزو إلى المصدر بيّن الطرق التي روي بها الحديث في تلك المصادر، كقوله: رواه ابن ماجه من حديث ابن إسحق (٥). هذا .. وعبارة المؤلف عن عزو الحديث إلى مصدره الأصلي متعددة، وأكثرها قوله: "أخرجه فلان" ورواه فلان، وقد يقول: ذكره فلان، أو هو عند فلان، مع كون المصدر المعزو إليه أصليًا، أي رُوي الحديث فيه بسند مؤلفه، ولكن تعبيره بهذين اللفظين أقل من لَفظَيْ: أخرجه ورواه، وذلك خلاف الأصل المتعارف عليه بين علماء التخريج من أن العزو إلى المصدر الأصلي يكون بلفظ: أخرجه أو رواه، وإلى غير الأصلية بعبارتي: "ذكره"، أو "أورده" ونحو ذلك. وقد يقول: "خَرَّجه" وهذه العبارة هي التي استعملها ابن العربي، وابن رجب في شرحيهما، أما العراقي فيتفق مع المؤلف في استعمال باقي العبارات السابقة، وعندما نقارن بين منهج المؤلف وبين منهج غيره من أهم الشراح في

стр. 102

هذا العنصر نجد أن المؤلف متوسع في التخريج أكثر من ابن العربي في العارضة، وخاصة بالنسبة لما يشير إليه الترمذي بقوله: وفي الباب، حيث إن تخريج ابن العربي له قليل، وأقل منه تخريجه لما لم يذكره الترمذي ولم يشر إليه، أما من جاء بعد المؤلف فقد شاركه في العناية بعنصر التخريج هذا بجوانبه الثلاثة الماضية، بل الذي لاحظته بالاطلاع والمقارنة، أن العراقي وابن رجب قد توسعا في ذلك أكثر من المؤلف بصفة عامة، وكذلك توسع الحافظ ابن حجر كما يفهم من إحالته بجمع طرق الأحاديث على ما شرحه من جامع الترمذي، كما قدمت ذكره. (د) بيان درجة الحديث وغيره من الصناعة الحديثية: وهذا العنصر قد أورده المؤلف أيضًا مع التخريج، تحت عنوان (الإسناد) وأشبه في هذا ابن العربي في شرحه، وقد عني المؤلف في كثير من الأحيان بجانب تخريجه للأحاديث، أن يبين درجة ما لم يُبَيَّن درجته من الأحاديث في مصادرها، سواء بالنقل عن غيره وإقراره، أو بذكر ذلك من جانبه هو، وبيانه للدرجة إما بعبارة صريحة كقوله: (صحيح) أو (ضعيف) وإما بذكر حال راوي الحديث من الثقة أو الضعف، أو حال السند من الاتصال أو الانقطاع أو الاضطراب وغير ذلك، فيدل هذا على درجة الحديث المروي بهذا السند (١) وقد لاحظ الشوكاني انتهاج المؤلف بيان درجة الحديث؛ حيث ذكر حديث أبي هريرة أنه ﷺ أمر بالمضمضة والاستنشاق، ثم قال: في الرد على من أعله: وقد ذكر هذا الحديث ابن سيد الناس في شرح الترمذي منسوبًا إلى أبي هريرة، ولم يتكلم عليه، وعادته التكلم على ما فيه وهن (٢). أقول: وما قرره الشوكاني من اعتياد المؤلف لذلك، مُعارَض بذكره أحاديث دون الكلام عن درجتها، في حين أعلها غيره (٣)، ولكن ذلك قليل بالنسبة لما بين درجته.

стр. 103

وعند مقارنة منهج المؤلف في بيان درجة الحديث الذي يخرجه في شرحه، بمنهج غيره، نجده أكثر عناية من ابن العربي، ونجده مقاربًا لمنهج العراقي في تكملته لهذا الشرح. أما باقي الصناعة الحديثية، فالمقصود بها تناول المؤلف لكلام الترمذي وغيره مما يتعلق بسند الحديث، عند الترمذي وبيانه لدرجته، فالترمذي كما هو معروف قد عني ببيان درجة أحاديث جامعه غالبًا بالإِفراد أو التركيب، مثل: حسن صحيح، وكذلك أودع فيه قدرًا كبيرًا من الصنعة الحديثية، مثل بيان اتصال السند أو انقطاعه، والتنبيه على بعض العلل الخفية، وبيان أحوال الرواة، والتعريف بهم، وذكر اصطلاحات وقواعد تتعلق بذلك؛ لهذا صار توضيح تلك الجوانب من مطالب الشرح، وصار التصدي لها عنصرًا هامًا من مناهج الشراح، كل على قدر طاقته، ومبلغ علمه، ومنهم المؤلف ابن سيد الناس، وقد تصدى لذلك تحت مبحث (الإِسناد) أيضًا، كما فعل ابن العربي. فإذا تكلم الترمذي عن بعض الرواة جرحًا أو تعديلًا، أو بيانًا للصحبة من عدمها، أو بيّن اسم الكُنى أو كنية المُسَمى، أوتعرض لتمييز المشتبه ونحو ذلك من مباحث علم الرجال، فإن المؤلف يعلق على ما يتيسر له مما ذكره الترمذي، سواء بترجمة للراوي كاملة، أو بتوضيح للجانب الذي ذكره الترمذي فقط، وقد يؤيده أو يعارضه (١). وقد يفعل ذلك بالنسبة للأحاديث التي يوردها هو في الشرح، ويكون في سندها من يحتاج إلى التعريف به أو بيان حاله لتحديد درجة حديثه، كما أشرت لذلك قبل قليل (٢). ومن فوائد بيانه لحال الرواة أنه قد يُحدد درجة حديث الراوي بما لا نجده

стр. 104

مصرحًا به في مصادر ترجمته مثل قوله: وقد تبين من حال أبان -يعني ابن صالح- أن أقصى ما ينفرد به أن يكون حسنًا (١). وقد يوجز المؤلف في ترجمة الراوي وبيان حاله، وهذا هو الأكثر (٢). وقد يتوسع في تراجم بعض الرواة؛ لما يراه من أهمية بيان حالهم، أو لكثرة كلام النقاد واختلافهم فيهم، أو لكونهم سيتكرر تخريج الترمذي لهم في مواضع آتية وكان المؤلف يأمل الوصول في شرحه إليها، وممن أطال في ترجمته في هذا القسم الذي حققته سماك بن حرب (٣) وسهيل بن أبي صالح (٤) ومحمد بن شهاب الزهري (٥) وعبد الله بن لهيعة (٦)، وقد يكون الراوي يحتاج إلى بسط ترجمته لأجل بيان حاله وتمحيص الأقوال المتعددة فيه؛ ولكن المؤلف يوجز ترجمته لكونه توسع في ترجمته في موضع آخر، فيحيل عليها، مثلما فعل في ترجمة محمد بن اسحق، فقد أوجز ترجمته ثم أحال ببسط ترجمته على كتابه (عيون الأثر) في السيرة (٧). وتوسُّع المؤلف في عدد غير قليل من التراجم لم أجد من شراح الترمذي من انتهجه سواء ابن العربي السابق عليه، أو العراقي وابن رجب وغيرهما ممن تأخر عنه، فجميعهم مشوِا على الإِيجاز في التعريف بالرواة، وفي بيان خلاصة حالهم، وأقلهم تعرضًا للتراجم هو أبو بكر بن العربي، هذا وسيأتي انتقادي للمؤلف في بعض جوانب التوسع في التراجم، ضمن ملحوظاتي على الكتاب.

стр. 105

ومن عناية المؤلف بالصناعة الحديثية أيضًا أنه إذا تكلم الترمذي عن علة حديث أو ذكر حكمًا على الراوي أو على الحديث، مفردًا كقوله: حسن، أو مركبًا كقوله: حسن صحيح أو حسن غريب من هذا الوجه، ونحو ذلك؛ فإن المؤلف يتناول ذلك بالشرح ويبين مراد الترمذي بذلك، ويوضح آراء غير الترمذي أيضًا من العلماء في ذلك وقد يرجح ما يراه راجحًا، وستأتي بعض النماذج لهذا في عنصر بيان آراء المؤلف. ومن شرحه لعبارات الترمذي، ما جاء في الباب الأول من الطهارة حيث أخرج الترمذي حديث ابن عمر: (لا تقبل صلاة بغير طهور) وقال عنه: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن، فبين المؤلف معنى قول الترمذي هذا (١) وأخرج الترمذي أيضًا حديث (مفتاح الصلاة الطهور) من رواية علي ﵁، ومن رواية أبي سعيد، وقال: إن حديث علي أجود إسنادًا من حديث أبي سعيد، فبين المؤلف وجه قول الترمذي هذا (٢) وأخرج الترمذي أيضًا حديث عائشة في الدعاء عند الخروج من الخلاء ثم قال: إنه حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة، ولا نَعرِف في هذا الباب إلا حديث عائشة، فشرح المؤلف كلام الترمذي هذا، ووضح المراد به (٣) وأخرج الترمذي أيضًا حديث جابر "﵁" في الرخصة في استقبال القبلة ببول أو غائط، وقال: حديث حسن غريب، فقام المؤلف بشرح معنى قول الترمذي هذا (٤). ونقل الترمذي عن البخاري وصفه لعبد الله بن محمد بن عقيل بأنه مُقارِب الحديث، فقام المؤلف بشرح معنى هذه اللفظة (٥).

стр. 106

ومما يتعلق بالصناعة الحديثية أيضًا، بيانه لترقي بعض الأحاديث التي يُحسنها الترمذي إلى الصحة لما لها من شواهد (١)، وإن كان لم يلتزم بذلك دائمًا (٢). ومن ذلك أيضًا بيانه لحكم الرواية بالمعنى ضمن شرحه لرواية للترمذي التي اشتملت على ذلك (٣). ولم تقتصر عناية المؤلف بالصناعة الحديثية على أحاديث الترمذي التي يشرحها فقط، ولكنه يعنى أيضًا بذلك بالنسبة للأحاديث الأخرى التي يوردها هو في الشرح، كأحاديث الباب التي يشير إليها الترمذي، والأحاديث التي يستدركها هو على الترمذي، والأحاديث التي يوردها في أدلة آراء العلماء في الأحكام المتعلقة بحديث الباب عند الترمذي (٤)، لكن عناية المؤلف بأحاديث الترمذي نفسه أكثر. وهذا العنصر عندما نقارنه بشبيهه عند غير المؤلف نجده يقارب في جملته ما عند العراقي وابن رجب، وكذا المباركفوري من المتأخرين، غير أن ابن رجب والعراقي تناولهما أعمق من ابن سيد الناس، أما ابن العربي فتناوله لهذا العنصر أقل من الجميع؛ لقصده الاختصار كما تقدم، لكن ما تعرض له من ذلك عظيم الفائدة، ومنه استفاد من بعده. (هـ) دراسة الأسانيد: وهذا العنصر يورده المؤلف أيضًا ضمن ما عنونه بالإِسناد، وهو داخل في الصناعة الحديثية، لكني خصصته بعنوان مستقل لإبرازه ولفت نظر طلاب السنة إلى اشتمال هذا الشرح على نماذجه العملية لدى علماء الحديث المتقدمين، أمثال المؤلف، فقد لاحظت أنه قد يقتضيه الأمر أن يقوم بدراسة رجال سند الحديث عند الترمذي واحدًا واحدًا، ويبين خلاصة حال كل منهم، أو دراسة حال بعض

стр. 107

الرواة من السند مع النظر في المتابعات، لإِثبات مطابقة حكم الترمذي على الحديث، لخلاصة أحوال رواته (١)، ويُعتبر ما قام به المؤلف في هذا نموذجًا تطبيقيًا يستفاد منه في طريقة دراسة الأسانيد التي كثرت عناية أقسام السنة وعلومها بالجامعات الإِسلامية بتدريسها لطلابها حاليًا دراسة نظرية وعملية، لتمكينهم من بيان درجة الأحاديث التي يحتاجونها، ولم تُبيَّن درجاتُها في مصادرها، أو اختلفت الأنظار في الحكم عليها بالقبول أو الرد. وهذا العنصر لم أجد من الشراح من يماثل المؤلف في العناية به، مع أهميته (٢) ففي باب "ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور"، درس المؤلف من سندي الترمذي بحديثي أبي سعيد وجابر، ما أثبت به صواب قول الترمذي: إن حديث علي أجود شيء في هذا الباب وأحسن (٣) ولم يفعل ذلك ابن العربي في العارضة؛ بل إنه قرر أن سند أبي داود بحديث عَليِّ أصح من سند الترمذي به، وأن أصح شيء في الباب وأحسن حديث مجاهد عن جابر (٤) وقد رد عليه المؤلف في هذا كما سيأتي في بيان آرائه. أما المباركفوري فإنه اكتفى بدراسة بعض رجال الإِسناد الذين درسهم المؤلف (٣). (و) معاني الألفاظ وضبطها وإعرابها: وهذا المبحث يورده المؤلف بعد مبحث "الإِسناد" الذي تقدمت عناصره، فيكون هو المبحث الثاني من مباحث الشرح عنده، وتارة يعنونه بقوله: "الثاني في شيء من مفرداته" (٥) وتارة يقسمه إلى مبحثين فيقول: "الوجه الثاني في

стр. 108

غريبه" ... و"الوجه الثالث في شيء من العربية وغيرها" (١) وهذا القسم الذي حققته لم يعنون المؤلف فيه شيئًا من المباحث التفصيلية للشرح، ولذا قمت من جانبي بوضع عنوان يدخل هذا تحته، وهو عنوان (المعاني والأحكام) ويلاحظ أن العنوانين اللذين يذكرهما المؤلف مقاربين لما عنون به ابن العربي مباحث شرحه أيضًا كما تقدم، أما العراقي فلا يعنون إلا بالرقم المسلسل لكل مبحث فقط حيث يقول: الثاني كذا، والثالث كذا ... الخ كما أشرت لذلك فيما تقدم، وبهذا يتضح لنا أن هذا العنصر من منهج الشرح أساسي، بحيث انتهجه كل الشراح لجامع الترمذي وغيره؛ لأنه من أهم أغراض ومطالب الشرح، وقد تناول المؤلف في هذا العنصر شرح الألفاظ والعبارات الواردة في متن الحديث غالبًا، ويرى المؤلف أنها بحاجة إلى إيضاح؛ إما لغرابتها، أو لكون معناها مشكلًا، لتعدد المراد بها، والخلاف فيه، ونحو ذلك، كما يَضبط أيضًا بالحروف ما يراه بحاجة إلى ذلك، ويُبين اشتقاق ما يحتاج لذلك، كما يتناول فيه بعض النقاط البلاغية، ويعرب ما يرى حاجة إلى إعرابه، وهذا قليل بالنسبة لباقي النقاط قبله، ويشمل هذا العنصر أحاديث الترمذي وغيرها من الروايات التي خرجها المؤلف في الشرح كما تقدم في عنصر التخريج (٢). ومع اشتراك الشراح جميعًا في تناول هذا العنصر إلا أنهم يتفاوتون فيما يرونه بحاجة إلى شرح وبيان، ولذلك نجد أحدهم يشرح ما لم يشرحه الآخر، فمثلًا حديث الدعاء عند دخول الخلاء، ولفظه (كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك، وفي مرة: أعوذ بالله من الخُبُث والخبيث ...) الحديث. فذكر ابن العربي تحت عنوان (غريبه) شرح وضبط ألفاظ: الخلاء، وأعوذ، والخُبُث (٣) وتبعه على هذا المباركفوري (٤) أما ابن سيد الناس فشرح

стр. 109

وضبط كلمتي: "الخلاء والخبث" ولم يتعرض لشرح لفظ "أعوذ" ثم زاد شرح لفظأ "الحُشوش" وهو مذكور في رواية لزيد بن أرقم، وهي مما أشار إليه الترمذي في الباب، وخرجها المؤلف بالعزو إلى علل الترمذي وغيره (١)، وأيضًا توسع ابن العربي في شرح كلمة (الخلاء) أكثر من ابن سيد الناس. وأيضًا في باب الرخصة في استقبال القبلة ببول أو غائط، أخرج الترمذي حديث ابن عمر قال: "رَقَيت يومًا على بيت حفصة، فرأيت رسول الله ﷺ على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة" فلم يتعرض ابن العربي لشرح شيء من مفرداته (٢)، ولكن ابن سيد الناس شرح ألفاظ "رقيت" و"الشام" و"لَبِنَتَينْ" الواردة في إحدى روايات الحديث عند غير الترمذي (٣) أما المباركفوري فشرح لفظ "رقيت" بقوله: أي علوت وصعدت (٤). وبهذا تفاوتت فائدة الشروح الثلاثة بتفاوت ما تضمنته من المشروح. (ز) بيان الأحكام المستفادة من الحديث وحكمة تشريعها: يعتبر هذا العنصر من شرح الأحاديث عمومًا عنصرًا أساسيًا، وهدفًا أعلا، وقد عده علماء الحديث نوعًا قائمًا بذاته من أنواع علوم الحديث، فقال الحاكم أبو عبد الله؛ النوع العشرون من هذا العلم ... معرفة فقه الحديث؛ إذ هو ثمرة هذه العلوم، وبه قوام الشريعة (٥) وتتأكد أهمية بيان فقه الحديث وأحكامه بالنسبة لجامع الترمذي، لأنه راعى فيه ذكر الأحاديث المعمول بها عند طوائف العلماء (٦)، كما عني فيه بنقل مذاهب الفقهاء حتى عصره، والمتعلقة بما يدل عليه الحديث من أحكام وآداب، ومن هنا كان على من يتصدى لشرحه

стр. 110

أن يجعل من منهجه العناية بهذا الجانب، وقد نُسب إلى الإِمام البُلْقيني (ت ٨٠٥ هـ) كما تقدم، تأليف شرحين لجامع الترمذي، أحدهما صناعة، والآخر فقه (١). وقد قام ابن سيد الناس في شرحه هذا ببيان ما دلت عليه الأحاديث وما يستنبط منها من أحكام وآداب، وأورده بعد عنصر المفردات السابق ذكره. وفي المواضع التي عني فيها بذكر عناوين تفصيلية للشرح عنون هذا العنصر تارة بقوله: "المباحث والفوائد" (٢) وتارة بقوله: "الكلام على ما يستفاد من هذه الأحاديث، ويستنبط منها من الأحكام" (٣) وهذا شبيه بعنونة ابن العربي لهذا العنصر كما تقدم. وفي هذا القسم الذي حققته لم أجد المؤلف عنون هذا العنصر بمثل ما عنونه به في مواضع أخرى من الشرح، لكنه يصدِّر بيانه للأحكام بعبارات متعددة تفيد ذلك، سواء كانت من عنده أو من نقله عن غيره، فمن ذلك قوله: في الحديث دليل على كذا (٤) وقوله: الحديث دل على كذا (٥) وقوله: في الحديث بيان كذا (٦). وقوله: وقد يَستدِل بهذا (٧) وقوله: وفيه دليل لمالك وابن نافع (٨) وقوله: استدل أبو حنيفة بهذا الحديث (٩) وقوله: فيه من الفقه كذا (١٠)، وقوله: الحديث نص في كذا (١١) وقوله: تمسك بعضهم بهذا الحديث (١٢)
следующие страницы →