Полный текст (909 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
"المقدمة الثانية: في ذكر كتاب الجامع لأبي عيسى وفضله"
قال ابن عساكر: أبنا المبارك بن أحمد بن عبد العزيز، ثنا محمد بن طاهر المقدسي، قال (١) : سمعت الإمام أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري بهراة -وجرى بين يديه ذكر أبي عيسى الترمذي وكتابه- فقال: كتابه عندي أنفع (٢) من كتاب البخاري ومسلم؛ لأن كتابي البخاري ومسلم لا يقف على الفائدة منهما إلا المتبحر العالم، وكتاب أبي عيسى يصل إلى الفائدة منه كل أحد من الناس (٣) ، وذكر عن أبي عيسى، قال: صنفت هذا الكتاب وعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به، ومن كان في بيته الحواشي
(١) في كتابه "شروط الأئمة الستة/ ١٦ وعزاه الذهبي في السير لكتاب آخر لابن طاهر ... اسمه "المنثور"/ سير النبلاء ١٣/ ٢٧٧ وذكره ابن كثير من رواية ابن عطية عن أبي طاهر/ البداية والنهاية ١١/ ٧٦.(٢) في البداية والنهاية: "أنور" ١١/ ٧٦.(٣) زاد في رواية ابن كثير: من الفقهاء والمحدثين وغيرهم/ البداية والنهاية ١١/ ٧٧.стр. 177
هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي يتكلم (١) ، وقال يوسف بن أحمد: لأبي عيسى فضائل تُجمع، وتُروى وتُسمع، وكتابُه (٢) من الكتب الخمسة التي اتفق أهل العقد والحل والفضل والفقه من العلماء والفقهاء وأهل الحديث/ النبهاء، على قبولها والحكم بصحة أصولها (٣) ، وما ورد في أبوابها وفصولها، وقد شارك البخاري ومسلمًا في عدد كثير من مشايخهما، وهذا الوضع يضيق عن ذكرهم وإحصائهم وعددهم، ورزق الرواية عن أتباع الأتباع متصلًا بالسماع، ثم قال (٤) : -بعد كلام-: وكتب عنه إمام أهل الصنعة محمد بن إسماعيل البخاري وحسبه بذلك فخرًا.
قلت: أما الثلاثي فلا نعلم له في جامعه منه إلا حديثًا واحدًا (٥) ، وأما رواية البخاري عنه، فحديثه عن علي بن المنذر عن علي بن فضيل عن سالم بن أبي حفصة عن عطية عن أبي سعيد قال الحواشي
(١) في البداية والنهاية "ينطق" ثم قال: وفي رواية "يتكلم" ١١/ ٧٦ وانظر تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٣٤، وتهذيب التهذيب ٩/ ٣٨٩ وسير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٧٤ وجامع الأصول ١/ ١٩٤.(٢) في الأصل "وكافيه" ولا يستقيم المعنى عليه.(٣) من قوله: "الكتب الخمسة" إلى هنا، عزاه العراقي إلى السلفي، ثم علق عليه بما سيأتي عند نقل المؤلف نحوه عن السلفي أيضًا ص ١٩٠ أصل وهامش.(٤) يعني: يوسف بن أحمد، التقدم ذكره.(٥) وهو حديث: "يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر/ كتاب الفتن - باب منه/ الترمذي مع تحفة الأحوذي ٦/ ٥٣٨، ٥٣٩ حديث ٢٣٦١، ووهم الشيخ علي قاري في مرقاة المفاتيح فعده ثنائيًا / المرقاة ١/ ٢١، ٢٢.стр. 178
[قال] ﷺ لعلي: لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك.
قال علي بن المنذر (١) : قلت لِضِرَار بن (٢) صُرَد: ما معنى هذا الحديث؟ قال: لا يحل لأحد يستطرفه جنبًا غيري وغيرك، قال الترمذي: سمع مني محمد هذا الحديث [واستغربه] (٣) . الحواشي
(١) شيخ الترمذي في هذا الحديث، وسيأتي تخريجه، وهذا التفسير غير موجود بنسخة الترمذي المطبوعة مع التحفة ولا طبعة المكتبة السلفية بالمدينة ٥/ ٣٠٣ ولا ط شاكر ٥/ ٣٠٣ ولكنه في تحفة الأشراف ٣/ ٤١٧ ح ٤٢٠٣ نقلًا عن الترمذي.(٢) بالأصل إثبات ألف "ابن" وهكذا يثبتها الناسخ في أغلب الأحيان، والصواب حذفها طبقًا لقواعد الإملاء.(٣) ليست بالأصل وأثبتها من نسخة الترمذي المطبوعة مع التحفة وغيرها كطبعة شاكر/ ٥/ ٣٠٣ والحديث أخرجه الترمذي وذكر سماع البخاري له منه/ أبواب المناقب - باب منه، وعبارته في المطبوع مع التحفة: وقد سمع محمد بن إسماعيل مني هذا الحديث واستغربه/ الترمذي مع التحفة ١٠/ ٣٣١ هـ قلت: هناك حديث آخر هو في تفسير "اللِّينة" بالنخلة وذلك في كتاب التفسير في تفسير قوله تعالى في سورة الحشر: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ الآية. فقد قال الترمذي عقب حديث سعيد بن جبير مرسلًا: سمع مني محمد بن إسماعيل هذا الحديث/ الترمذي مع التحفة / ٩/ ١٩٧ وط/ شاكر ٥/ ٨٢، فلعل من قال إن البخاري سمع من الترمذي حديثًا واحدًا لم يكن قد وقف على هذا الحديث الثاني، كالشيخ أحمد شاكر ﵀ في تقديمه لجامع الترمذي ١/ ٨٣، ويبدو أن حكاية الترمذي لسماع هذا الحديث الثاني، ثبتت في بعض الروايات دون بعض؛ حيث لم يوردها المزي في التحفة كما أورد سماع الحديث الأول/ انظر تحفة الأشراف ٤/ ٤٠٨ ح ٥٤٨٨، ١٣/ ٢٠٢ ح ١٨٦٨٤.стр. 179
وقال يوسف بن أحمد: قرأت على أبي نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن يوسف (١) في كتابه الموسوم، بمذاهب الأئمة، في تصحيح الحديث قال (٢) : وأما أبو عيسى فكتابه على أربعة أقسام: صحيح مقطوع بصحته، وهو ما وافق فيه البخاري ومسلمًا، وقسم على شرط أبي داود والنسائي كما بَيَّنَّاه، وقسم أخرجه للضدية (٣) .
وأبان عن علته (٤) ، وقسم رابع أبان عنه، فقال (٥) : ما أخرجت في كتابي هذا إلا حديثًا قد عمل به بعض الفقهاء (٦) الحواشي
(١) له ترجمة في التقييد ٢/ ١١٨.(٢) ومثله مع تصرف يسير في شروط الأئمة، دون عزو إلى أبي نصر المذكور/ شروط الأئمة الستة لابن طاهر/ ١٣ أما في سير النبلاء ١٣/ ٢٧٤ فعزاه إليه.(٣) بالأصل "الصدر" وما أثبته من شروط الأئمة الستة لابن طاهر/ ١٣ وسير النبلاء ١٣/ ٢٧٤ وعليه يستقيم المعنى والمراد: أنه يخرج الحديث المستدل به على الرأي الراجح في المسألة، ثم يخرج دليل المذهب المخالف ويوازن بينهما ويبين علة الحديث المستدل به للرأي المخالف/ الإمام الترمذي للدكتور عتر ١٥٤.(٤) في شروطه الأئمة/ ١٣ زيادة "وَلم يُغفِلْه".(٥) بالأصل "وقال" وما أثبته من شروط الأئمة/ ١٣ ومن سير النبلاء / ١٣/ ٢٧٤ وهو المتسق عليه المعنى.(٦) بقية كلام الترمذي: ما خلا حديثين، وذكرهما ... ثم قال: وقد بينا علة الحديثين جميعًا في هذا الكتاب هـ، يعني الجامع نفسه/ العلل مع شرحه لابن رجب ١/ ٤ والحديثان في الجامع، وأولهما في كتاب الصلاة - باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، ولفظه: عن ابن عباس أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء من غير خوف، ولا مطر، جامع الترمذي/ ١/ ٣٥٤، ٣٥٥ حديث / ١٨٧، وفي نسخة العلل: من غير خوف ولا سقم/ العلل مع شرحها ١/ ٤.стр. 180
قال: وهذا شرط واسع؛ فإن على هذا الأصل، كل حديث
الحواشي
(١) = والحديث الثاني حديث معاوية: من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه/ جامع الترمذي/ كتاب الحدود - باب ما جاء من شرب الخمر الخ ٢/ ٤٤٩، ٤٥٠ حديث ١٤٧٢ وشرح العلل ١/ ٤، وقد علق ابن رجب على قول الترمذي: "ما أخرجت في كتابي هذا الا حديثًا قد عمل به بعض الفقهاء ... الخ"، بقوله: كأن مراد الترمذي رحمه الله تعالى، أحاديث الأحكام. شرح العلل ١/ ٥ أقول فكأن شرط الترمذي هذا ليس منسحبًا على كل أبواب الجامع وإنما هو مختص بأبواب أحاديث الأحكام فقط، ومن نظر في أبواب الجامع وما ورد تحت كل منها، وجد أن أحاديث الأحكام تقارب نصف أحاديث الكتاب، والباقي للأبواب الأخرى من عقائد وآداب وغيرهما، مع التوسع في أبواب المواعظ والرقائق والآداب والتفسير والمناقب/ الإمام الترمذي/ د. عتر/ ٤٣، ثم إن ابن رجب ذكر أن الحديثين اللذين استثناهما الترمذي قد عمل بكل منهما بعض العلماء شرح العلل / ١/ ٥ وقرر الخطابي والنووي ذلك بالنسبة للحديث الأول وتابعهما الشيخ شاكر على ذلك/ انظر تعليق الشيخ شاكر على جامع الترمذي ١/ ٣٥٧ - ٣٥٩، وأما الحديث الثاني فممن عمل به ابن حزم. المحلى ١١/ ٤٤٢، ثم ذكر ابن رجب أن اقتصار الترمذي على استثناء هذين الحديثين غير مسلم، لوجود أحاديث أخرى عنده لم يؤخذ بها وذكر منها ثلاثة أحاديث وكلها من أحاديث الأحكام، شرح العلل مع تعليق د. عتر عليها ١/ ٨ - ١٥، ولعل هذا ما جعل ابن رجب يميل إلى أن شرط الترمذي المذكور خاص بأحاديث الأحكام فقط الخ. من الجامع دون بقية أحاديث الكتاب التي تقارب نصفه كما تقدم ولعل هذا الذي مال إليه ابن رجب يقوي معارضة المؤلف الآتية في أن الترمذي توسع في شرطه في الكتاب كله كما قرره أبو نصر المذكور ومن وافقه، وليس في أحاديث الأحكام فحسب/ انظر شروط الأئمة لابن طاهر/ ١٣ والإمام الترمذي للدكتور عتر ٥٦، ٩٩، ١٥٢، ١٥٥.стр. 181
احتج به محتج، أو عمل به (١) عامل، [أخرجه] (٢) سواء صح طريقه أو لم يصح، وقد أزاح عن نفسه الكلام، فإنه شفَى في تصنيفه، وتكلم على كل حديث بما فيه (٣) .
قوله: وهذا شرط واسع، ليس كما ظهر له، إلا لو كان الترمذي التزم (٤) ، أن يذكر كل حديث هو بتلك المثابة (٥) ، وأما قوله: وما أخرجت في كتابي إلا ما كان كذلك، فلا يلزم منه ذلك المراد.
وقد أطلق عليه الحاكم أبو عبد الله: الجامع الصحيح (٦) ، الحواشي
(١) في شروط الأئمة/ ١٣ "بموجبه".(٢) من شروط الأثمة لابن طاهر/ ١٣.(٣) في شروط الأئمة/ ١٣ "بما يقتضيه".(٤) بالأصل "ألزم" وما أثبته هو المستقيم عليه المعنى.(٥) بالهامش تعليق على هذا بالآتي: [لم يقل]: إنه يخرج كل حديث بهذه المثابة؛ وإنما قال: إنه توسع في كتابه، بأنه لم يشترط فيما أخرجه زيادة على: أن قال به بعض الفقهاء، قلت: على أن الترمذي قد استثنى حديثين من هذه القاعدة فقال في العلل: إنه لم يقل بهما أحد من أهل العلم، والله أعلم هـ.(٦) مقدمة ابن الصلاح مع التقيد والإيضاح/ ٦٠ وفتح المغيث للسخاوي ١/ ٨٣ والتدريب/ ٩٥ وقد وجّه ابن الصلاح ومن بعده الحافظ ابن حجر إطلاق الحاكم هذا بأنه سائغ بناءًا على أن الحاكم ممن لا يرى التفرقة بين الصحيح والحسن، ومجموعهما في جامع الترمذي أكثر من المردود، فيكون هذا الإطلاق من الحاكم مرادًا به أغلب ما في الجامع، ومراده بالصحيح في كلامه: المقبول الذي يشمل الصحيح والحسن، وإلا فإن الصحيح فقط في الجامع أقل من مجموع الحسن والضعيف/ الإفصاح على مقدمة ابن الصلاح ونكت العراقي/ ق ٦١.стр. 182
وأطلق الخطيب أبو بكر عليه أيضًا اسم: الصحيح (١) . وذكر الحافظ أبو طاهر السِّلَفي (٢) الكتب الخمسة، وقال: اتفق على صحتها علماء/ المشرق والمغرب (٣) . وهذا محمول منه على ما لم يصرح بضعفه منها الحواشي
(١) فتح المغيث للسخاوي ١/ ٨٣ والتدريب/ ٩٥ ومقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح/ ٦٠ وتاريخ بغداد ٢/ ٤٢.(٢) السِّلفي -بكسر السين المهملة وفتح اللام وفي آخرها الفاء، نسبة إلى "سِلْفة" جَدُّ أبي طاهر المذكور، فهو أحمد بن محمد بن أحمد بن ابراهيم بن سلفة الأصبهاني، عني بجمع الحديث وسماعه من الحفاظ المشهورين، وبعد ترحاله في طلب الحديث استقر بالاسكندرية وانتهى إليه علو الإسناد، ثم توفي بالاسكندرية في خامس ربيع الآخر سنة ٥٧٦ هـ الأنساب/ ٧/ ١٧١ وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٢/ ٣، ٤ وهامش الاكمال / ٤/ ٤٦٨، ٤٦٩.(٣) مقدمة السلفي لمعالم السنن للخطابي مع معالم السنن ٨/ ١٤٦، وفتح المغيث للسخاوي ١/ ٨٣ والتدريب/ ٩٥ وكذا أطلق ابن الأثير عليه اسم الصحيح/ جامع الأصول ١/ ١٩٣ وقول السِّلَفي هذا نقله عنه أيضًا ابن الصلاح/ ٦٠ المقدمة مع التقييد والإيضاح، وتعقبه بقوله: وهذا تساهل، لأن فيها -يغني سنن أبي داود والترمذي والنسائي- ما صرحوا -أي مؤلفوها- بكونه ضعيفًا، أو منكرًا، أو نحو ذلك من أوصاف الضعيف ... والترمذي مصرِّح فيما في كتابه بالتمييز بين الصحيح والحسن هـ. وقد تعقب العراقي ابن الصلاح فقال: وإنما قال السلفي: بصحة أصولها وكذا ذكره في مقدمة الخطابي، فقال: وكتاب أبي داود فهو أحد الكتب الخمسة التي اتفق أهل الحل والعقد من الفقهاء وحفاظ الحديث الاعلام النبهاء على قبولها والحكم بصحة أصولها. قال العراقي: ولا يلزم من كون الشيء له أصل صحيح أن يكون هو صحيحًا ... التقييد والإيضاح/ ٦٢؛ لكن الحافظ ابن حجر انتصر لابن الصلاح فعقب على قول العراقي المتقدم، فقال: قلت: وحاصله توهيم ابن الصلاح في نقله لكلام السلفي، وهو في ذلك تابع للعلامة مغلطاي، وما تضمنه -يعني كلام العراقي- من الانكار ليس بجيد، إذ العبارتان جميعًا موجودتان في كلام =стр. 183
مُخَرّجُه أو غيره (١) .
وقال القاضي أبو بكر ابن العربي: وليس في قدر كتاب (٢) الحواشي
(١) نقل السخاوي عن الحافظ العراقي في شرحه الكبير لألفيته: أن حمل ابن سيد الناس قول السلفي على هذا يقتضي أن ما كان في الكتب الخمسة مسكوتًا عنه، ولم يصرح بضعفه، يكون صحيحًا، ثم قال العراقي: وليس هذا الاطلاق صحيحًا، بل في كتب السنن أحاديث لم يتكلم فيها الترمذي أو أبو داود، ولم نجد لغيرهم فيها كلامًا ومع ذلك فهي ضعيفة، ثم قال: وأحسن من هذا قول النووي ... وساق كلام النووي السابق ثم قال: ويجوز أن يقال: إنه لم يعتبر الضعيف الذي فيها لقلته بالنسبة الى النوعين هـ فتح المغيث للسخاوي ١/ ٨٣، ٨٤.(٢) عبارة ابن العربي: وليس فيهم مثل كتاب أبي عيسى: حلاوة مقطع ... الخ/ عارضة الأحوذي ١/ ٥.стр. 184
أبي عيسى مثله.، حلاوة مَقْطَع، ونفاسة مَنْزَع، وعذوبة مَشْرَع، وفيه أربعةُ عشر علمًا فرائد: صَنَّف (١) ، وذلك أقرب إلى العمل، وأسند وصحح، وأشهر (٢) ، وعدد الطرق، وجَرَّح وعدَّل، وأَسْمَى، وأكْنَى، ووصَل وقطَع، وأوضح المعمول به والمتروك، وبين اختلاف العلماء في الرد والقبول لآثاره، وذكر اختلافهم في تأويله.
وكل علم من هذه العلوم أصل في بابه، فرد في نصابه (٣) . قال الإمام أبو عبد الله محمد بن عمر بن رُشَيْد (٤) ﵀: هذا الذي قاله القاضي أبو بكر ﵀ في بعضه تداخل، مع أنه لم يستوفِ تعديد علومه، ولو عدد ما في الكتاب من الفوائد -بهذا الحواشي
(١) أي: بوب ووضع عناوين للأبواب مستنبطة من معاني الأحاديث، كقوله: أبواب الطهارة عن رسول الله ﷺ ونحو ذلك ثم وزع الأحاديث أصنافًا تحت الأبواب الدالة عليها، وبذلك سهل على الأمة العمل بتلك الأحاديث فيما دلت عليه/ انظر الجامع للخطيب البغدادي ٢/ ٢٨٤، ٢٨٥، ط الطحان.(٢) عارضة الأحوذي / ١/ ٦ وفيها "أسلم" ولكن المعنى عليه غير واضح.(٣) العارضة ١/ ٦.(٤) هو الإمام المحدث محب الدين أبو عبد الله، محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن إدريس أو (أويس) بن سعيد بن مسعود بن حسن بن محمد بن عمر بن رشيد الفهري السبتي، كان عالي الإسناد، صحيح النقل تام العناية بصناعة الحديث قَيِّمًا عليها بصيرًا بها، محققًا فيها، قرأ ببلده، ثم رحل إلى مصر والشام والحجاز، ومن شيوخه: الدمياطي، والقُطْب القسطلاني، وله رحلة سماها "مِلْء العَينة" ضمنها شيوخه ورحلاته، ومن مؤلفاته: تَرْجُمان التراجم على أبواب البخاري - مولده سنة ٦٥٧ هـ بسبتة ووفاته بفاس في محرم سنة ٧٢١ هـ/ طبقات الحفاظ للسيوطي ٥٢٤، ٥٢٥ ولحظ الألحاظ لابن فهد/ ضمن ذيول تذكرة الحفاظ ٩٦ - ٩٩.стр. 185
الاعتبار- لكانت علومه أكثر من أربعة عشر؛ فقد حسَّن، واستغرب، وبَين المتابعة والانفراد، وزيادات الثقات وبين المرفوع من الموقوف، والمرسَلَ من الموصول، والمزيدَ في مُتصلِّ الأسانيد، ورواية الصحابة بَعضِهم عن بعض، ورواية التابعين بَعضِهم عن بعض، ورواية الصاحب عن التابع، وعدد من روى ذلك الحديث من الصحابة ومن تثبت صحبته ومن لم تثبت، ورواية الأكابر عن الأصاغر إلى غير ذلك، وقد تدخل رواية الصاحب عن التابع تحت هذا، وتاريخ الرواة.
وأكثر هذه الأنواع قد صُنف في كل نوع منها، وفي الذي بيناه ما هو أهم للذكر.
والأجْرَى على واضح الطريق أن يقال: إنه تضمن الحديث مصنفًا على الأبواب، وهو علم (١) برأسه، والفقه عِلْم ثان، وعلل الأحاديث، ويشتمل على بيان الصحيح من السقيم، وما بينهما من المراتب، علم ثالث، والأسماء والكنى، رابع، والتعديل والتجريح، خامس، ومن أدرك النبي ﷺ ، ممن لم يدركه ممن أسند عنه في كتابه، سادس، وتعديد من روى ذلك الحديث، سابع. هذه علومه الجُمْلية.
وأما التفصيلية/ فمتعددة، وبالجملة فمنفعته كبيرة، وفوائده كثيرة، انتهى مما ذكره ابن رشيد.
ومما لم يذكراه أيضًا ولا أحدهما: ما تضمنه من الشذوذ وهو نوع ثامن، ومن الموقوف، وهو تاسع، ومن المدرج، وهو عاشر، وهذه الحواشي
(١) بالأصل: "على" ولا يستقيم المعنى عليها، والمثبت من مقدمة تحفة الأحوذي ١/ ٣٥٦.стр. 186
الأنواع مما يكثر في فوائده التي تُسْتَجاد منه، وتُستفاد عنه.
وأما ما يقل فيه وجوده من الوفيات، أو التنبيه على معرفة الطبقات وما يَجري مجرى ذلك، فداخِل فيما أشار إليه من فوائده التفصيلية. وسيأتي الكلام على هذه الأنواع، وما للناس فيها من تعريفات ورسوم تامة أو ناقصة، عند ذكر العلل في آخر الكتاب، حيث هو موضوع فيه، حاشا الحسن وما قد يقترن به من صحيح تارة، وغريب أخرى، في قوله: حسن صحيح، وآخر: غريب، أو الجمع بينهما (١) وما استدعى ذلك الكلام عليه مما هو واقع في طريقه على سبيل الاختصار، فإني أذكره هاهنا لغرضين.
أما الأول: فلأنه -أعني الحسن- كثير في كتابه، قليل عمن تقدمه، لا سيما على الوضع المصطلَحِ عليه عنده (٢) . الحواشي
(١) أي بين الصحة وبين الغرابة مع الحُسن كقوله: حسن صحيح غريب، وانظر شرح العلل لابن رجب ١/ ٣٤٢.(٢) قوله: "قليل عمن تقدمه لا سيما على الوضع المصطلح عليه عنده" يفيد أن الحسن استُعمِل ولو قليلًا عند من تقدموا على الترمذي على الوضع المصطلح عليه عنده، وهذا ما يُفهَم مما نقله المؤلف بعد قليل عن ابن الصلاح، من أن الترمذي أكثر ذكر الحسن في جامعه، وأنه يوجد في متفرقات من كلام بعض مشايخه والطبقة التي قبلهم، وكذا قرر غير واحد من علماء المصطلح الذين اشتغلوا بشرح جامع الترمذي كما سيأتي ذكره عنهم، لكن المؤلف سيأتي بعد هذا تصريحه أكثر من مرة بأن الترمذي لم يسبقه أحد إلى مراده بالحديث الحسن، وهذا كما ترى مخالف لما يُفهَم من عبارته هنا، فصار بين قوليه تناقض، وقوله الأول هنا هو الصواب إن شاء الله، ولذا سنردُّ عليه قوله الثاني بالدليل عند أول موضع يرد فيه بعد قليل/ ص ١٩٦ وما بعدها.стр. 187
الثاني: أنه ربما جر الكلام عليه، إلى ما يقتضي الجواب عما ظاهره التناقض من تصرفاته في مواضع (١) .
أحدها: الحكم بالإسناد الواحد -أو ما هو في معناه- على الحديثين، أو الأحاديث، بالحُسن في أحد الطرفين، والصحة في الأخر، مما يُوْرَد ذلك عليه (٢) ، كما فعله ابن القطان وغيره، لِمَا هو المعروف من أن جُل الحكم على الحديث إنما هو تبع للحكم على سنده.
الثاني: حيث يقول: حسن صحيح، في الحكم على الحديث الواحد؛ لما هو مستقر من مرتبة الصحيح، وما قرره الترمذي في (٣) قصور الحسن عنده عن مرتبة الصحيح، فأثبتَ له من الصحة ما نفاه عنه بالحُسْن.
الثالث: حسن غريب؛ لا قرر في الحسن، من أنه لا يكون شاذًا وأن يروى من غير وجه نحو ذلك (٤) ، وهذا ظاهره ينافي الغرابة، وربما جمع فقال: صحيح حسن غريب (٥) .
فنقول: قال الإمام أبو عمرو ابن الصلاح ﵀ كتاب الترمذي أصل في معرفة الحسن، وهو الذي نوه باسمه، وأكثر من ذكره في جامعه، ويوجد في متفرقات، من كلام بعض مشايخه، والطبقة التي قبلهم. الحواشي
(١) بالأصل "موضع" وما أثبته هو الذي يستقيم المعنى عليه.(٢) أي يُعتَرضُ عليه فيه.(٣) كذا الأصل والأقرب "من".(٤) انظر جامع الترمذي/ كتاب العلل / ٥/ ٤١٣.(٥) انظر مثلًا الجامع ٢/ ٩ ح ٥٠٦، / ١٠٠، ١٠١ ح ٦٨٩.стр. 188
[كأ] (١) حمد بن حنبل، والبخاري -المفضل (٢) -؛ ولكن لم يذكر الإمام أبو عمرو: هل هو في مصطلح من تقدم الترمذي كما هو في مصطلحه، أو لا؟ بل لعله عند قائليه من المتقدمين يجري مجرى الصحيح، ويدخل في أقسامه؛ فإنهم لم يرسموا له رسمًا يقف الناظر عنده، ولا عرَّفوا مُرادهم منه بتعرِيف يجب المصير إليه ولم يذكر الترمذي في التعريف به ما ذكر حاكيًا عن غيره، ولا مشيرًا إلى أنه هو الاصطلاح المفهوم من كلام مَن تقدمه (٣) ؛ بل ذَكر مَا ذَكر مِن الحواشي
(١) مَمحُوَّة بالأصل وأثبتها من كتاب ابن الصلاح/ ٣٢.(٢) قوله "المفضل" ليست في كلام ابن الصلاح ولعل المؤلف زادها لتحصل السجعة مع: أحمد بن حنبل/ مقدمة ابن الصلاح/ ٣٢.(٣) قرر المؤلف هنا:
١ - أن الترمذي وابن الصلاح لم يتعرضا لبيان اصطلاح الحسن عند المتقدمين على الترمذي، ولا لبيان علاقة الحسن عنده بالحسن عندهم.
٢ - أعرب عن ميله إلى أن الحسن عند قائليه من المتقدمين على الترمذي قسم من الصحيح، وسيأتي بعد قليل قطعه بذلك صراحة حيث نقل قول ابن الصلاح: إن من أهل الحديث من يجعل، لحسن مندرجًا في أنواع الصحيح، ثم عقب على ذلك بقوله: وإشارة من أشار إلى أن ما وقع من ذلك في كلام أحمد بن حنبل والبخاري وغيرهما محمول على الصحيح، جديرة بالصحة، خليقة بالعثور على المراد، ص ٢٩٦.
وسيأتي أيضًا قوله: إن الترمذي لم يسبقه أحد إلى مراده بالحسن، ص ٢٧٨.
وقوله: وليس وضع الحسن على هذا النوع من الحديث مما تقدم الترمذي وضعه، حتى يُشاحَحَ في إطلاقه ويُطلبَ منه اطراد رَسْمه منفردًا أو مُقتَرِنًا بالصحة، وأيد ذلك بقول ابن الصلاح المتقدم انظر ص ٢٩٥.
هذه خلاصة ما قرره المؤلف هنا وفيما سيأتي، ولكننا نجد من العلماء الذين مارسوا جامع الترمذي وعلم المصطلح في عصر المؤلف وما بعده، نجد من هؤلاء =стр. 189
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = من تعرض لبيان ما أغفله الترمذي وابن الصلاح، مع مخالفتهم للمؤلف فيما قرره من أن الحسن عند قائليه من المتقدمين قسم من الصحيح، وأن الترمذي لم يسبق إلى مراده بالحسن، وأهم من وقفتُ على كلامه في هذا، الحافظ ابن رجب -وهو معاصر للمؤلف ومن شراح الترمذي- ثم الحافظ ابن حجر وهو من شراح الترمذي أيضًا والمشتغلين المحققين في علم مصطح الحديث.
وخلاصة كلامهما: أن العلماء قبل الترمذي منهم من أطلق الحسن على غير المعنى الاصطلاحي له بنوعيه، أعني الحسن لذاته ولغيره عند الترمذي ومَن بعده. ومنهم من اختلف اطلاقه للحسن فلم يتعين مراده به، ومنهم من أطلقه بالمعنى الاصطلاحي للنوعيين، وعن بعض هؤلاء أخذ الترمذي واستمد.
١ - فَمِمَّن أطلق الحسن على غير المعنى الاصطلاحي بنوعيه: ابراهيم النخعي، وشعبة بن الحجاج، ومالك، وسفيان الثوري، والشافعي، وأحمد ﵃، وبيان ذلك أن الخطيب البغدادي والرامهرمزي قد رويا بسنديهما عن إبراهيم النخعي قال: كانوا -يعني المحدثين- يكرهون إذا اجتمعوا أن يخرج الرجل أحسن حديثه، أو أحسن ما عنده، قال الخطيب: عَنَى ابراهيم بالأحسن: الغريب؛ لأن الغريب غير المألوف يستحسن أكثر من المشهور المعروف، وأصحاب الحديث يعبرون عن المناكير بهذه العبارة، ولهذا قال شعبة بن الحجاج، لما سئل: ما لَكَ لا تروي عن عبد الملك بن أبي سليمان، وهو حسن الحديث؟، فقال: من حسنها فررت، ويؤيد ذلك ما رواه الرامهرمزي بسنده عن ابراهيم النخعي أيضًا، قال: لا تحدث الناس بأحسن ما عندك فيرفضوك.
ومن ذلك أيضًا ما حكى عن سفيان الثوري أنه كان إذا كان الحديث حسنًا لم يكد يحدث به، ولذلك أورد الخطيب قول إبراهيم النخعي الأول تحت باب "استحباب الرواية عن المشاهير والصدوف عن الغرائب والمناكير"، وبَوَّب الرامَهرمزي على ما تقدم عن ابراهيم وسفيان: باب من كره أن يَرْوي أحسن ما عنده/ انظر الجامع للخطيب ٢/ ١٠٠، ١٠١ والمحدث الفاصل للرامهرمزي ٥٦١ - ٥٦٤ بتصرف والجرح والتعديل ١/ ١٤٦.стр. 190
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وأما الإمام مالك فأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن وهب قال: سمعت مالكا سئل: عَن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء فقال: ليس ذلك على الناس. قال [ابن وهب]: فتركته حتى خف الناس فقلت له: عندنا في ذلك سنة، فقال: ما هي؟ قلت: حدثنا الليث بن سعد، وابن لهيعة، وعمرو بن الحارث عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي عبد الرحمن الحُبلي عن المستورد بن شداد القرشي، قال: رأيت رسول الله ﷺ يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه فقال: ان هذا الحديث حسن، وما سمعت به قط إلا الآن.
قال [ابن وهب]: ثم سمعته بعد ذلك يُسأل فيأمر بتخليل الأصابع/ الجرح والتعديل ١/ ٣١، ٣٢ وعندما ندرس اسناد هذا الحديث، فإننا نجده حسنًا لغيره؛ لأن ابن لهيعة مقرون بعمرو بن الحارث المصري، وهو ثقة/ التقريب ٢/ ٦٧ وبقية رواته ثقات ما عدا يزيد بن عمرو المعافري، فقد وثقه ابن حبان وقال أبو حاتم: لا بأس به وقال الحافظ ابن حجر صدوق/ التهذيب ١١/ ٣٥١ والتقريب ٢/ ٣٦٩، لكن سياق القصة السابقة يفيد أن مالكًا قصد بحسنه غرابته عليه مع أنه أخذ به؛ وأيضًا فإن المؤلف قد أورده ضمن أنواع الحديث الغريب كما سيأتي مع حكمه بصحته/ ص ٣١٢، ٣١٣.
وأما الإمام الشافعي فقد أخرج بسنده حديث ابن عمر ﵄ أنه كان يقول: إن ناسًا يقولون: إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس.
قال ابن عمر: ولقد ارتقيت على ظهر بيت لنا فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبلًا بيت المقدس لحاجته،
ثم قال الشافعي: وحديث ابن عمر عن النبي ﷺ ، مسند حسن الإسناد، اختلاف الحديث بهامش الأم ٧/ ٢٦٩، ٢٧١، ٢٧٢ والإفصاح لابن حجر ٥١ ب، والتقييد والإيضاح للعراقي/ ٥٢ والنكت الوفية للبقاعي/ ٧١ ب/ وسيأتي في الأصل ذكر المؤلف له/ ص ٨٧١. =стр. 191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وكذا قال عن حديث منصور عن ابراهيم عن علقمة عن ابن مسعود، في السهو في الصلاة/ الافصاح/ ٥١ ب، ويلاحظ أن هذين الحديثين صحيحان، متفق عليهما، فالأول أخرجه البخاري/ مع الفتح - كتاب الوضوء، باب من تبرز على لبنتين، وباب التبرز في البيوت ١/ ٢٤٦، ٢٥٠ ومسلم - كتاب الطهارة باب الاستطابة ١/ ٢٢٥، وأخرجه الترمذي في جامعه، كتاب الصلاة - باب الرخصة في استقبال القبلة ببول أو غائط، وقال: حديث حسن صحيح/ جامع الترمذي ١/ ١٦، والحديث الثاني أخرجه البخاري -مع الفتح كتاب الصلاة- باب التوجه نحو القبلة حيث كان ١/ ٥٠٣، ومسلم في كتاب المساجد - باب السهو والسجود له ١/ ٤٠٠ أحاديث/ ٨٩، ٩٠، والإفصاح ٥١ ب.
ولهذا قال الحافظ ابن حجر: إن حكم الشافعي هذا بالحُسْن خلاف الاصطلاح/ ٥١ ب. يعني اصطلاح المتأخرين.
وأما الإمام أحمد فإنه سئل فيما حكاه الخلال - عن أحاديث نقض الوضوء بمس الذكَر، فقال: أصح ما فيها حديث أم حبيبة ﵂/ الإفصاح/ ٥١ ب والحديث أخرجه ابن ماجه في سننه -كتاب الطهارة- باب الوضوء من مس الذكر ١/ ١٦٢ من طريقين عن العلاء بن الحارث عن مكحول عن عنبسة بن أبي سفيان عن أم حبيبة، وقد أخرج الترمذي في جامعه سنده، ولم يسُق متنه لذكره قبله حديث بُسرة الآتي، وهو بنحو حديث أم حبيبة، ثم قال: قال أبو زرعة: حديث أم حبيبة في هذا الباب صحيح، ثم قال: وقال محمد -يعني البخاري- لم يسمع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان عن أم حبيبة، قال الترمذي: وكأنه -أي البخاري- لم ير هذا الحديث صحيحًا ١/ ٥٦ وذكر هذا الخلاف في تصحيح الحديث في كتاب العلل الكبير أيضًا ولم يرجح شيئًا / ترتيب العلل الكبير/ ق ٩ وقد أعل البوصيري الحديث بالانقطاع لعنعنة مكحول وهو مدلس، ولقول البخاري السابق: إن مكحولًا لم يسمع من عنبسة عن أم حبيبة/ مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه للبوصيري ١/ ٦٩، وبمثله قال أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان/ المراسيل لابن أبي حاتم/ =стр. 192
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ٢١١ وعلل الحديث له / ١/ ٣٨، ٣٩، لكن الحافظ ابن حجر رد على القول بعدم سماع مكحول من عنبسة، ومال إلى تصحيح الحديث، التلخيص الحبير ١/ ١٢٤ وقال الخلال: إن أحمد سئل عن حديث بسرة ﵂ في نقض الوضوء من مس الذكر أيضًا فقال: صحيح/ الإفصاح/ ٥١ ب والحديث أخرجه أبو داود -كتاب الطهارة- باب الوضوء من مس الذكر ١/ ١٢٥، ١٢٦ حديث ٨١ والنسائي -كتاب الطهارة- باب الوضوء من مس الذكر ١/ ١٠٠، ٢١٦ وابن ماجه كتاب الطهارة - باب الوضوء من مس الذكر ١/ ١٦١ حديث ٤٧٩ والترمذي -كتاب الطهارة- باب الوضوء من مس الذكر، وقال: حديث حسن صحيح، ونقل عن البخاري قوله: أصح شيء في هذا الباب حديث بسرة ١/ ١٢٦ - ١٢٩ حديث ٨٢، وقد أخرج أحمد الحديث من طريق الترمذي التي صححها، وغيرها/ المسند ٦/ ٤٠٦، ٤٠٧.
وقال الخلال: حدثنا أحمد بن أصرم أنه سأل أحمد عن حديث أم حبيبة السابق ذكره في الوضوء من مس الذكر، فقال: حديث حسن/ الإِفصاح/ ٥١ ب، ويلاحظ أنه تقدم قوله عن نفس الحديث: إنه أصح ما في الباب، وقال عن حديث بسرة في الباب: صحيح، فمقتضى ذلك أن يكون حديث أم حبيبة عنده أصح من حديث بسرة الصحيح، مع أنه وصف حديث أم حبيبة بأنه حسن، ولذا قال الحافظ ابن حجر: فظاهر هذا أنه لم يقصد المعنى الاصطلاحي؛ لأن الحسن لا يكون أصح من الصحيح/ الإفصاح/ ٥١ ب.
٢ - وممن اختلف اطلاقه للحسَن: أبو حاتم الرازي، ففي ترجمة عمرو بن محمد، الذي يروي عن سعيد بن جبير قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: هو مجهول والحديث الذي رواه عن سعيد بن جبير، حسن/ الجرح والتعديل ٦/ ٢٦٢، قال الحافظ ابن حجر تعليقًا على هذا: وكلام أبي حاتم هذا محتمل؛ فإنه يُطلِق المجهول على ما هو أعم من المستور وغيره، فيحتمل أن يكون حكم على هذا الحديث بالحسن؛ لأنه روي من وجه آخر، فيوافق كلامه كلام =стр. 193
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الترمذي -يعني في تعريف الحسن، كما نقله عنه المؤلف- قال الحافظ: ويحتمل أن يكون حكم بالحسن وأراد المعنى اللغوي أي أن متنه حسن والله أعلم/ الإفصاح ٥١ ب/ أقول وسيأتي موقف الشارح من إطلاق الحسن بالمعنى اللغوي على المتن ومناقشته بعد قليل.
ثم إنه قد جاء عن أبي حاتم أنه قال عن عمرو بن حصين البصري: هو ذاهب الحديث ليس بشيء، أخرج أول شيء أحاديث مشبهة خسانًا، ثم أخرج بعدُ لابن عُلاَثة -أحد شيوخه- أحاديث موضوعة فأفسد علينا ما كتبنا عنه؛ فتركنا حديثه/ الجرح والتعديل ٦/ ٢٢٩، وقد اعتبر السيوطي قول أبي حاتم هذا من إطلاق الحسن بالمعنى الاصطلاحي/ التدريب ١/ ١٧٨ مع أن سياقه يدل على أن مراده به المقبول، وهو أعم من الحسن كما هو معروف؛ لكن نقل عنه البقاعي إطلاقه الحسن بمعنى غير المحتج به، وهوعكس قوله المتقدم فقد ذكر البقاعي عن ابن أبي حاتم أنه قال: سألت أبي عن حديث فقال: إسناده حسَن، فقلت يحتج به؟ فقال: لا/ النكت الوفية للبقاعي/ ١٦٥ وجاء عنه أيضًا وصف بعض الأحاديث بقوله: صحيح حسن غريب/ شرح العلل لابن رجب ١/ ٣٤٣.
٣ - وممن وافق اطلاقه للحسن المعنى الاصطلاحي لنوعي الحسن، الإمام علي بن المديني؛ فإنه -كما قال الحافظ ابن حجر- قد أكثر من وصف الأحاديث بالصحة والحسن، في مسنده، وفي علله، قال الحافظ: وظاهر عبارته قصد المعنى الاصطلاحي، وكأنه الإمام السابق بهذا الاصطلاح، وعنه أخذ البخاري، ويعقوب بن شيبة، وغير واحد وعن البخاري أخذ الترمذي.
فمن ذلك ما ذكره الترمذي في العلل الكبير/ ترتيب العلل/ ل ١٠ / أنه سأل البخاري عن أحاديث التوقيت في المسح على الخفين، فقال: حديث صفوان بن عَسَّال صحيح، وحديث أبي بكرة حسن.
وحديث صفوان أخرجه الترمذي في جامعه في لطهارة باب المسح على الخفين =стр. 194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = للمسافر والمقيم ١/ ١٥٩ - ١٦٢ حديث ٩٦، وفي الدعوات - باب ما جاء في فضل التوبة والاستغفار ٥/ ٢٠٤ - ٢٠٦ حديثي ٣٦٠١، ٣٦٠٢، وهو في كلا الموضعين من طريق عاصم بن أبي النجود، ومع هذا قال الترمذي في الموضعين: حسن صحيح، وفي باب المسح على الخفين نقل عن البخاري قوله: أحسن شيء في هذا الباب حديث صفوان بن عَسَّال المُرادي، مع أنه نقل عنه في العلل كما تقدم: أنه صحيح. وكذا قال الحافظ ابن حجر: وحديث صفوان المشار إليه موجود فيه شرائط الصحة/ الإفصاح ٢٥ أ، مع أن في سنده كما قدمت: عاصمًا بن أبي النجود وقد قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق له أوهام، وحديثه في الصحيحين مقرون/ التقريب ١/ ٢٨٣، فلعل تصحيحه لما وُجِد من متابعات لعاصم تفيد خروج هذا الحديث عما وَهِم فيه، فقد قال الترمذي بعد تخريج الحديث وتصحيحه: وقد رُوِي هذا الحديث عن صفوان بن عَسال أيضًا من غير حديث عاصم/ الترمذي ١/ ١٦٢ ط شاكر، وذكر الحافظ في التلخيص بعض من تابعوا عاصمًا عليه، وأشار إلى غيرهم/ التلخيص الحبير ١/ ١٥٧.
وأما حديث أبي بكرة فقد أخرجه ابن ماجه -كتاب الطهارة- باب التوقيت في المسح ١/ ١٨٤ حديث ٥٥٦، وابن الجارود في المنتقى -كتاب الطهارة- باب المسح على الخفين/ ٣٩ حديث ٨٧، والدارقطني في سننه - كتاب الطهارة باب الرخصة في المسح على الخفين ١/ ١٩٤ حديث ١، ثلاثتهم من طريق المهاجر بن مخلد أبو مخلد، كما ذكر ابن حجر أن ابن حبان أيضًا قد أخرجه وكذا الشافعي وابن أبي شيبة والبيهقي والترمذي في العلل المفرد/ التلخيص الحبير ١/ ١٥٧. قلت: ولكني لم أجده من طريق المهاجر في ترتيب العلل/ ل ١٠، ولم أجد تخريج البيهقي له من طريق المهاجر المذكور؛ ولكنه أشار إليها فيه فقط وقال: انها الأولى أن تكون محفوظة السنن ١/ ٢٧٦، باب التوقيت في المسح، ووجدت تخريج ابن حبان له من طريق المهاجر/ الإحسان ٢/ ٤٤٧ حديث ١٣١٨.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر تحسين البخاري للحديث، وتخريجه من ابن ماجه من طريق المهاجر كما تقدم ثم قال: والمهاجر، قال وهيب: إنه كان غير حافظ، وقال =стр. 195
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ابن معين: صالح، وقال الساجي: صدوق، وقال أبو حاتم: لين الحديث، يكتب حديثه، فهذا على شرط الحسن لذاته كما تقرر/ الافصاح ٥٢ أ / أقول: وقوله: كما تقرر، إشارة إلى أنه قبل هذا بقليل قال: إن رواية الصدوق الذي لم يوصف بتمام الضبط والاتقان، مع اتصال السند، فهذا هو الحسن لذاته وهو الذي لم يتعرض الترمذي لضبطه -يعني تعريفه كما عَرَّف الحسن لغيره / الافصاح ٤٧ أ، ثم لما انتهى الحافظ إلى تحسين الحديث لذاته من طريق المهاجر، قال: وإن كان ابن حبان أخرجه في صحيحه فذاك جرى على قاعدته في عدم التفرقة بين الصحيح والحسن، فلا يُعتَرَض به/ الافصاح ٥٢ أ.
أقول: لكن بقي على الحافظ أنه قال عن المهاجر المذكور في التقريب ٢/ ٢٧٨: إنه مقبول، واصطلاحه في هذا الكتاب لا يفيد أن من قال عنه: مقبول، يكون حديثه حسنًا لذاته/ انظر مقدمة التقريب ١/ ٥.
ثم ذكر الحافظ ممن أطلق الحسن بالمعنى الاصطلاحي عند الترمذي، الامام البخاري فقال: وذكر الترمذي أيضًا -في الجامع- أنه سأل البخاري عن حديث شريك بن عبد الله النخعي عن أبي إسحق عن عطاء بن أبي رباح عن رافع بن خديج ﵁ قال: إن النبي ﷺ قال: من زرع في أرض قوم بغير أذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته -وهو من إفراد شريك عن أبي إسحق- فقال البخاري: هو حديثه حسن/ الإفصاح/ ٥٢ أ.
أقول: والحديث أخرجه الترمذي في كتاب الأحكام - باب من زرع في أرض قوم ٣/ ٦٣٩، ٦٤٠ حديث ١٣٦٦ وبقية كلام البخاري عنه: لا أعرفه من حديث أبي إسحق إلا من رواية شريك، وساق سنده به من طريق عقبة بن الأصم عن عطاء عن رافع بن خَديج، وقد حسن الترمذي الحديث وتقاربت عبارته من عبارة البخاري السابقة، فقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث أبي إسحق إلا من هذا الوجه من حديث شريك بن عبد الله اهـ. قال الحافظ ابن حجر: وتفرد شريك بمثل هذا الأصل عن أبي إسحق، مع كثرة الرواة عن أبي إسحق مما يوجب التوقف عن الاحتجاج به، لكنه اعتضد =стр. 196
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = بما رواه الترمذي أيضًا -يعني عن البخاري كما تقدم- من طريق عقبة بن الأصم عن عطاء عن رافع رضي الكه عنه فَوَصَفه -أي البخاري- بالحُسن لهذا، وهذا على شرط القسم الثاني-يعني الحسن لغيره- فبان أن استمداد الترمذي لذلك إنما هو من البخاري، ولكن الترمذي أكثر منه، وأشاد بذكره، وأظهر الاصطلاح فيه، فصار أشهر من غيره والله أعلم، الافصاح/ ٥٢ ب.
أقول وهذا الذي قرره الحافظ ابن حجر ودعمه بالأمثلة التطبيقية، وإن كان في بعضها نظر كما قدمت، فقد قرر نحوه الحافظ ابن رجب أيضًا من قَبْلِه، وذلك بعد ممارسته لشرح جامع الترمذي كاملًا ووصوله إلى كتاب العلل الصغير الذي في آخره، حيث ذكر تقسيم الترمذي الحديث في جامعه إلى صحيح وحسن وغريب، وأنه قد يجمع تلك الأوصاف الثلاثة لحديث واحد وقد يذكر اثنتين منها أو واحدًا، ثم قال: وقد نسب طائفة من العلماء الترمذي إلى هذا التفرد بهذا التقسيم، ولا شك أنه هو الذي اشتهرت عنه هذه القسمة، وقد سبقه البخاري إلى ذلك كما ذكره الترمذي عنه في كتاب العلل: أنه قال في حديث البحر "هو الطهور ماؤه": هو حديث حسن صحيح، وأنه قال في أحاديث كثيرة: هذا حديث حسن، هـ انظر شرح العلل لابن رجب ١/ ٣٤٢، ٣٤٣ وجامع الترمذي - كتاب الطهارة باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور ١/ ١٠٠، ١٠١ حديث ٦٩، وقال: حسن صحيح، وفي ترتيب العلل/ ل ٧ أن البخاري قال: صحيح، فقط وفي هامشه تعقب لابن عبد البر على تصحيح البخاري للحديث بهذا الإسناد. والله أعلم.
وقد ذكر السخاوي أن ابن المديني أطلق الحسن على ما يعتبر حسنًا لذاته وأطلقه البخاري على ما يعتبر حسنًا لغيره، ثم ذكر أن الترمذي هو الذي أكثر من التعبير به ونوه بذكره، ثم ذكر مثالًا لما حسنه البخاري وصححه الترمذي وغيره (انظر فتح المغيث للسخاوي ١/ ٦٩، ٧٢، ٧٣).
أما ما ذكره المؤلف من أن الترمذي لم يشر إلى أن هذا هو الاصطلاح المفهوم من كلام من تقدمه، فسيأتي الجواب عليه في التعليق على نص عبارة الترمذي من تعريف الحسن، في الصفحة التالية، وما بعدها.стр. 197
ذلك حاكيًا عن مصطلحه مع نفسه في كتابه الجامع، فقال: وما ذكرنا في هذا الكتاب: حديث حَسن، فإنما أردنا حُسْن إسناده، عندنا كُلُّ حديث يُروَى لا يكون في إسناده من يُتهَمُ بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًا، ويروى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا حديث حسن (١) .
فهذا كما ترى - إخبار عن مصطلحه في هذا الكتاب، فلو قال في كتاب غير هذا عن حديث بأنه حسن، وقال قائل: ليس لنا أن نفسر الحسن هناك بما هو مفسر به هنا إلا بعد البيان، لكان له ذلك (٢) . الحواشي
(١) العلل الصغير مع شرحه لابن رجب / ١/ ٣٤٠.(٢) هذا الذي قرره المؤلف من أن كلام الترمذي السابق حكاية عن مصطلحه مع نفسه وفي كتابه الجامع فقط عَده العراقي استشكالًا على من اعتبر تعريف الترمذي المذكور للحسن اصطلاحًا عامًا لأهل الحديث كابن الصلاح حيث اعتبر تعريف الترمذي تعريفًا اصطلاحيًا عامًا لأحد نوعي الحسن عند أهل الحديث/ المقدمة مع التقييد والإيضاح/ ٤٦، ٤٧ وقد تابعه على هذا من جاء بعده، ومنهم الحافظ العراقي في ألفيته وشرحها له ١/ ٨٤، ٨٥، ٨٨، ٨٩ فلما نقل العراقي تعريف الترمذي المذكور للحسن علق عليه بقوله: ولكن استشكل أبو الفتح اليَعْمُري -في شرح الترمذي- كَوْنَ هذا الحد الذي ذكره الترمذي اصطلاحًا عامًا لأهل الحديث، ثم ساق -أي ابن سيد الناس- عبارته -أي عبارة الترمذي- ثم قال: أي ابن سيد الناس - فَقيَّد الترمذي تفسير الحسن بما ذكره في كتاب الجامع، قال العراقي: فلذلك قال أبو الفتح اليعمري، في شرح الترمذي: إنه لو قال قائل: إن هذا إنما اصطلح عليه الترمذي في كتابه هذا ولم ينقله إصطلاحًا عامًا كان له ذلك، ثم قال العراقي: فعلى هذا لا ينقل عن الترمذي حد الحديث الحسن بذلك مطلقًا بالاصطلاح العام/ التقييد والإيضاح/ ٤٥ بتصرف يسير، والنكت الوفية/ ٦٢ أ، ولم يجب العراقي عن =стр. 198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = هذا في النكت على ابن الصلاح. وكذا ساقه السيوطي ولم يجب عنه/ التدريب ١/ ١٥٦ أما السخاوي فقد نقل عن العراقي في شرحه الكبير لألفيته أنه قال: الظاهر أنه -أي الترمذي- لم يرد بقوله: "عندنا كل حديث الخ"، حكاية اصطلاحه مع نفسه، وانما أراد أهل الحديث، كقول الشافعي: وإرسال ابن المسيب عندنا، أي أهل الحديث، فإنه كالمتفق عليه بينهم هـ فتح المغيث للسخاوي ١/ ٦٤ ونحو هذا ذكر الحافظ ابن حجر فقال: إن الترمذي احتمل أن لا يوافقه غيره، على اصطلاخ الحسن لغيره أو يبادر أحد بالإنكار عليه إذا وَصَف في جامعه حديث الراوي الضعيف أوما إسنادُه منقطع بكونه حسنًا! فاحتاج إلى التنبيه على اجتهاده في ذلك وأفصَح عن مصطلحه فيه، ولهذا أطلق الحسن لَمَّا عرف به فلم يُقيده بغرابة وغيرها، ونسبه إلى نفسه وإلى من يرى رأيه فقال: عندنا كل حديث، إلى آخر كلامه/ الإفصاح/ ٤٥ أ.
وقد عقب السخاوي على كلام العراقي السابق بأنه يُبعِدُه قول الترمذي: "وما ذكرناه في هذا الكتاب" وقوله: "فإنما أردنا به"، ثم قال: وحينئذ فالنون -يعني نا- في كلام الترمذي المذكور - لإظهار نعمة التلبس بالعلم المتاكد نعظيمُ أهلهِ، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (سورة الضحى آية ١١).
مع الأمن من الإعجاب ونحوه المذموم معه مثل هذا/ فتح المغيث للسخاوي ١/ ٦٤، ٦٥. أقول: ويمكن الجواب عن تعقيب السخاوي هذا بان كلام الترمذي عبارة عن فقرتين: الفقرة الأولى قوله: "وما ذكرنا في هذا الكتاب: حديث حسن فإنما أردنا حُسن إسناده" وهذه الفقرة يُحمل فيها الضمير "نا" على الترمذي وحده، على الاعتبار الذي ذكره السخاوي وهو إظهار نعمة التلبس بالعلم، ومقصود الترمذي بهذه الفقرة التنبيه على أن مقصوده بالحَسَن في جامعه عمومًا حُسْن الاسناد.
وأما الفقرة الثانية فهي قوله: عندنا كل حديث يروى ... الخ. "وهذه جملة مستأنفة لبيان تعريف النوع المُشكِل -في نظره- مِنْ حُسن الإسناد عند أهل =стр. 199
وأما غير الترمذي من طبقته وما قاربها، فإن الإِمام أبا عمرو ﵀ زعم أن من مظان الحسن، كتاب أبي داود (١) .
وإنما أخذ ذلك من قوله: ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه، وما يقاربه (٢) الحواشي
(١) مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح/ ٥٢.(٢) قال السخاوي: لفظه فيما رويناه في تاريخ الخطيب ٩/ ٥٧ من طريق ابن داسة عنه: "ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه" وذكر أن مقتضى العطف هنا المغايرة، فما يشبه الشيء وما يقاربه ليس به، ولذا قيل: إن الذي يشبهه هو الحسن، والذي يقاربه الصالح، ولزم منه جعل الصالح قِسْمًا آخر، وقول يعقوب بن شيبة: "إسناد وسط ليس بالثبْت ولا بالساقط، هو صالح"، قد يساعده" / فتح المغيث للسخاوي/ ٧٣ وقال البقاعي: الصحيح يمكن أن يريد به الصحيح لذاته، الثاني: شبهه، ويمكن أن يريد به الصحيح لغيره، الثالث مُقارِبه ويحتمل أن يريد به الحسن لذاته/ النكت الوفية/ ٧٢ أ، وعلى أي من التفسيرين لا يكون تفسير المؤلف الآتي بعد قليل، من أن المراد بالجميع الصحيح مع تفاوته، غير مُسلم، وعبارة أبي داود هذه، بعض كتب المصطلح ذكرتها منسوبة =стр. 200
وقد قال أبو داود: إنه يذكر في كتابه، في كل باب، أصح ما عرفه في ذلك الباب (١) ، وقال: ما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض (٢) ، فلم يرسم شيئًا بالحُسن، وعمله في ذلك شبيه بعمل مسلم -الذي لا ينبغي أن يحمل كلامه على غيره- أنه اجتنب الضعيف الواهي، وأتى بالقسمين: الأول والثاني (٣) ، وحديث مَن مَثَّل الحواشي
(١) رسالة أبي داود الى أهل مكة/ ٢٢.(٢) رسالة أبي داود/ ٢٧.(٣) هذا تعبير من المؤلف عن معنى كلام مسلم، وذلك أنه في مقدمة صحيحه قال: ثم إنا إن شاء الله مبتدئون في تخريج ما سألت، وتأليفه على شريطة سوف أذكرها لَك، وهو: أن نعمد إلى جملة ما أُسنِد من الأخبار عن رسول الله ﷺ فنقسمها ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات من الناس: =стр. 201
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = فأما القسم الأول: فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى، من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث، وإتقان لما نقلوا، لم يوجد في رواياتهم اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش ... ثم قال:
فإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس أتبعناها أخبارًا يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان، كالصنف المقدم قبلهم، على أنهم وإن كانوا -فيما وصفنا- دونهم فإن اسم الستر والصدق، وتعاطي العلم يشملهم، كعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سُلَيم وأضرابهم ... فعلى نحو ما ذكرنا من الوجوه، نؤلف ما سألت من الأخبار عن رسول الله ﷺ .
فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون، أو عند الأكثر منهم، فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم، كعبد الله بن مِسْوَر، أبي جعفر المدائني، ثم قال: وكذلك مَن الغالب على حديثه المنكر أو الغلط، أمسكنا أيضًا عن حديثهم/. صحيح مسلم ١/ ٤ - ٧. وكلام الإمام مسلم صريح في أنه ذكر في صحيحه حديث القسم الأول استقصاءًا، وأتبعه ببعض أحاديث القسم الثاني وترك -كُلية- أحاديث القسم الثالث بأنواعه المذكورة، وهكذا قرر المؤلف، مع الإشارة إلى مطابقة ذلك لواقع الصحيح؛ ولكنه لم يوضح كيفية إيراد مسلم لحديث الطبقة الثانية، مع أن ذلك فهم في بيان ما هدف إليه من اثبات مشابهة عمل مسلم في صحيحه، لعمل أبي داود في سننه، ولكن قد أشار إلى ذلك القاضي عياض مِن قَبله، حيث قال: ووجدته -يعني مسلمًا- ذكر في أبواب كتابه حديث الطبقتين الأوليين، وأتى بأسانيد الطبقة الثانية منها على طريق الاتباع للأولى والاستشهاد، أو حيث لم يجد في الباب من الأولى شيئًا، ثم أضاف القاضي عياض قسمًا رأى أن مسلمًا لم يذكره عند تقسيم الطبقات، ولكنه ذكر بعضًا من حديثه على طريقة المتابعة والاستشهاد أيضًا في صحيحه، وذلك القسم هو المختلَف فيه من الرواة، فبعضهم اتهمه، وبعضهم صحح روايته، وبذلك يصبح عدد الأقسام التي ذكر مسلم حديثها ثلاثة، ويصبح القسم الذي تركه =стр. 202
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = رابعًا، إلا أن القاضي عياضًا بعد أن ذكر هذا قال: ويحتمل أن يكون -يعني مسلمًا- أراد بالطبقات الثلاث: الحفاظ، ثم الذين يلونهم، والثالثة هي التي طرحها ... / شرح النووي لمسلم ١/ ٣٣، ٣٤ وتوضيح الأفكار ١/ ١٠٤، ١٠٥، وعلى كلا الاحتمالين فالقاضي عياض أوضح -كما ترى- أن ذكر مسلم لأحاديث الطبقة الثانية، أو القسم الثاني أغلبُه في المتابعات والشواهد، وهذا خلاف ما قرره الحافظ ابن حجر من أن الأمر اشتبه على القاضي عياض ومَن تبعه في أحاديث أهل القسم الثاني الموجودة في صحيح مسلم، وبالتالي رد عليهم بما سيأتي بعد قليل.
أما المؤلف فإنه ذكر إخراج مسلم للقسمين دون تفريق في كيفية الرواية عنهما، وبالتالي سوى بينه وبين أبي داود، وهذا هو المستحِق للرد الذي وجهه الحافظ ابن حجر للقاضي عياض ومَنَ تبعه كما أشرت من قبل، فقد قال الحافظ: الرواية عن أهل القسم الثاني موجودة في صحيحه -يعني مسلمًا- لكن فَرض المسألة هل احتج بهم كما احتج بأهل القسم الأول أم لا؟ ثم قال: والحق أنه لم يخرج شيئًا مما انفرد به الواحد منهم، وإنما احتج بأهل القسم الأول سواء تفردوا أم لا، ويخرج من أحاديث أهل القسم الثاني ما يترفع به التفرد عن أحاديث أهل القسم الأول، وكذلك إذا كان لحديث أهل القسم الثاني طرق كثيرة يعضُد بعضها بعضًا، فإنه يخرج ذلك، وهذا ظاهر بَيِّن في كتابه، ولو كان يخرج جميع أحاديث أهل القسم الثاني في الأصول؛ بل وفي المتابعات لكان كتابه أضعاف ما هو عليه، ألا تراه أخرج لعطاء بن السائب في المتابعات، وهو من المكثرين؟ ومع ذلك فما له عنده سوى مواضع يسيرة، وكذا محمد بن إسحق، وهو من بحور الحديث، وليس له عنده في المتابعات إلا ستة أو سبعة مواضع، ولم يخرج لليث بن أبي سُلَيم ولا ليزيد بن أبي زياد، ولا لمجالد بن سعيد، إلا مقرونًا، وهذا بخلاف أبي داود، فانه يخرج أحاديث هؤلاء في الأصول محتجًا بها، ولأجل ذا تخلف كتابه عن شرط الصحة / الإفصاح ٥٣ ب، ٥٤ أوفتح المغيث للسخاوي ١/ ٧٨.
ومن هذا يظهر أن ابن حجر اقتصر على القول: بأن مسلمًا ذكر في كتابه حديث =стр. 203
به من الرواة من القسمين موجود في كتابه، دون القسم الثالث (١) ، فَهلَّا ألْزَم الشيخُ أبو عمرو مسلمًا من ذلك ما أَلزمَ به أبا داود؟، فمعنى كلامهما واحد، وقول أبي داود: وما يشبهه يعني: في الصحة، وما يقاربه، يعني: فيها أيضًا (٢) وهو نحو قول/ مسلم: إنه ليس كل الصحيح نجده عند مالك، وشعبة، وسفيان. فاحتاج إلى أن ينزل إلى مثل حديث ليث بن أبي سليم (٣) وعطاء بن الحواشي
(١) وهو الضعيف الواهي/ انظر فتح المغيث للسخاوي ١/ ٧٧.(٢) تقدم جواب السخاوي والبقاعي عن هذا في الهامش رقم ٣ ص ٢٠٨ وما بعدها.(٣) قال الذهبي: فيه ضعف يسير من سوء حفظه، وبعضهم احتج به، مات سنة ١٤٨ هـ. وقال المزي: استشهد به البخاري في الصحيح، وروى له مسلم مقرونًا بأبي إسحاق الشيباني/ الكاشف ٣/ ١٤ وتهذيب الكمال ٣/ ١١٥٥. قلت: ورواية مسلم التي أشار إليها المزي هي في كتاب اللباس والزينة - باب تحريم استعمال آنية الذهب وغيرها / صحيح مسلم ٣/ ٦٣٦ حديث ٣ مكرر، وانظر تحفة الأشراف ٢/ ٦٣، ٦٤ حديث ١٩١٦؛ لكن الحاكم عده فيمن أخرج له مسلم دون البخاري وذكر الرواية السابق ذكرها / المدخل إلى معرفة الصحيحين ١/ ٤٠٧.стр. 204
السائب (١) ، ويزيد بن أبي زياد (٢) ، لما يشمل الكلَّ من اسم العدالة الحواشي
(١) قال الذهبي: ثقة ساء حفظه بآخره، وقال أبو حاتم: سمع منه حماد بن زيد قبل أن يتغير، وأخرج البخاري له متابعة/ الكاشف - ٢/ ٢٦٥ ورواية البخاري التي أشار إليها الذهبي، في كتاب الرقاق - باب في الحوض ح ٦٥٧٨، مقرونًا بأبي بشر جعفر بن أبي وحشية، أحد الأثبات. وقال ابن حجر: ماله -يعني عطاء- عند البخاري إلا هذا الموضع - البخاري مع شرحه فتح الباري ١١/ ٤٦٣، ٤٧٠ وهدي الساري/ ٤٢٥ والمدخل إلى معرفة الصحيحين للحاكم ٢/ ٥٠٢، ٦٥٣. وأما رواية مسلم له فقد أثبتها الحاكم فقال: روى له مسلم عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، في زيارة القبور، وغير هذا في الشواهد ونقل عن ابن معين قوله في عطاء مرة: لا يحتج بحديثه، ومرة أخرى قال: كان قد اختلط؛ فمن سمع منه قبل الاختلاط فهو جيد، ومن سمع منه بعد الاختلاط فليس بشيء، ثم قال الحاكم تعقيبًا على هذا: فمسلم لم يجاوز في معناه شرطه في الخطبة، في الاستشهاد بأمثاله من المحدثين/ المدخل إلى معرفة الصحيحين ٢/ ٥٦٣. أقول: ورواية مسلم التي أشار إليها الحاكم موجودة فعلًا في صحيحه - كتاب الجنائز/ باب استئذان النبي ﷺ ربه في زيارة قبر أمه ٢/ ٦٧٢ ح - ١٠٦ مكرر، ولم يوردها مسلم احتجاجًا، بل متابعة لرواية محارب ابن دِثَار -أحد الثقات- التي أخرجها مسلم قبل رواية عطاء المذكورة. ولعل تحديد الحاكم لموضع هذه الرواية في مسلم ولرواية ليث المتقدمة، وجوابه السابق عن تخريج مسلم لعطاء، لعل هذين الأمرين يفيدان أن قوله: إن مسلمًا عزم على تخريج الحديث على ثلاث طبقات من الرواة، فلم يُقدِّر له ﵀ إلا الفراغ من الطبقة الأولى منه/ المدخل ١/ ٢٧، ليس مقصوده به نفي رواية مسلم كلية عن الطبقة الثانية، كما فهم ذلك القاضي عياض وغيره وردوا على الحاكم بوجود أحاديث الطبقة الثانية هذه في مسلم، كعطاء بن السائب، وليث بن أبي سليم ويزيد بن أبي زياد/ انظر شرح النووي على مسلم بهامش القسطلاني ١/ ٣٣ - ٣٥ وتوضيح الأفكار ١/ ١٠٤ - ١٠٧.(٢) رمز ابن حجر والمزي لتخريج البخاري له تعليقًا، وقا المزي والذهبي: أخرج =стр. 205
والصدق، وإن تفاوتوا في الحفظ والإِتقان، ولا فرق بين الطريقين، غير أن مسلمًا شرط الصحيح، فَتَحَرَّج (١) من حديث الطبقة الثالثة، وأبا داود لم يشترطه، فذكر ما يشتد وَهنه عنده، والتزم البيان عنه وفي قول أبي داود: إن بَعضَها أصح من بعض، ما يشير إلى القدر المشترك بينهما من الصحة، وإن تفاوتت فيه، لما تقتضيه صيغة "أَفْعَل" في الأكثر (٢) . الحواشي
(١) قال البقاعي: قوله: فتحرَّج -بمهملتين وجيم- أي أن الحرج وهو الضيق الواقع من تلك الجهة [واجهه]، فتركه واجتنبه، فلم يأت بشيء من حديثهم لئلا يلزمه بذلك ضيق لقلة الوثوق بكتابه لطرد احتمال الضعف في كل حديث منه/ النكت الوفية/ ٧٤ ب. لكن سيأتي عنه أن مسلمًا قد يخرج لأهل الطبقة الثانية في المتابعات، فلعل المقصود هنا ترك مسلم ذكر أحد من هذا القسم احتجاجًا، لأنه هو المتنازع فيه، أو لعل قصده فيما يأتي، الطبقة الثالثة حسب تقسيم الحازمي في شروط الأئمة كما سيأتي ذكره.(٢) من قول المؤلف: "إن الإمام أبا عمرو -يعني - ابن الصلاح- زعم ... إلى قوله: "في الأكثر" نقله عنه العراقي في شرحه لألفيته في المصطلح، وعزاه إلى شرح الترمذي هذا/ شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٩٨ - ١٠٠ وكذا نقله في التقييد والإيضاح/ ٥٣، ٥٤.
والكلام بطوله يعتبر تعقبًا على ابن الصلاح وقد اختلفت أنظار العلماء فيه، وأكثرهم رده، فقد قال السخاوي: قال بعض المتأخرين: وهو تعقب وجيه، ورده شيخنا -يعني ابن حجر- بقوله: بل هو تعقب واه جدًّا لا يساوي سماعه، قال السخاوي: وهو كذلك ... / فتح المغيث للسخاوي ١/ ٧٧. =стр. 206
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وبيان هذا أن الكلام المذكور يفيد أمرين:
١ - أن ابن الصلاح يفرق بين ما اشتمل عليه صحيح مسلم، وبين ما اشتمل عليه سنن أبي داود من الأحاديث، بناء على أن شرط مسلم في صحيحه يفترق عن شرط أبي داود في سننه. وذلك من جهة أن مسلمًا اشترط الصحة في عموم كتابه، وأبا داود لم يشترط الصحة، وإنما يدخل في شرطه الصحيح والحسن والضعيف، وبالتالي يكون كتاب أبي داود من مظان الحديث الحسن، بخلاف كتاب مسلم، فعامته صحيح.
٢ - أن المؤلف يعارض ابن الصلاح في هذا، فيرى أن كلام أبي داود عن شرطه في سننه، لا يفيد ذكره لشيء من الحديث الحسن فيها حتى تكون من مظانه؛ بل كلامه يفيد أنه يذكر فيها الصحيح مع تفاوت درجاته، ويذكر الضعيف مع التنبيه على ضعفه وبالتالي يكون شرط مسلم في صحيحه مساويًا لشرط أبي داود في سننه، ما عدا الأحاديث التي بين أبو داود ضعفها، وعليه فلا يصح اعتبار سنن أبي داود مظنة للحديث الحسن، إلا إذا اعتبرنا صحيح مسلم كذلك مظنة له، وبذلك يلزم ابن الصلاح أن يقول: إن في صحيح مسلم غير الصحيح، أو أن كل ما في سنن أبي داود صحيح ما عدا الذي بين هو ضعفه/ النكت الوفية/ ٧٤ ب.
وقد نظم الحافظ العراقي في ألفيته في المصطلح اعتراض المؤلف ولم ينظم جوابًا عنه/ الألفية مع فتح المغيث للسخاوي ١/ ٦٠. لكنه ذكر الاعتراض مرة أخرى في نكته على ابن الصلاح وتصدى للجواب عنه: بأن مسلمًا شرط تخريج الحديث الصحيح، بل الصحيح المجمع عليه في كتابه، فليس لنا أن نحكم على حديث في كتابه بأنه حسن عنده؛ لما عرف من قصور الحسن عن الصحيح، وأبو داود قال: إن ما سكتُ عنه فهو صالح، والصالح يجوز أن يكون صحيحًا ويجوز أن يكون حسنًا -عند من يرى الحسن رتبة متوسطة بين الصحيح والضعيف- ولم ينقل لنا عن أبي داود: هل يقول بذلك، أو يرى ما ليس بضعيف صحيحًا؟ فكان الأولى؟ بل الصواب ألا يُرتَفَع بما سكت عنه إلى الصحة حتى يُعلَم أن رأيه =стр. 207
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = هو الثاني، ويحتاج هذا إلى نقل/ التقييد والإيضاح/ ٥٤ وفتح المغيث للعراقي ١/ ٤٧ و ٤٨ والنكت الوفية/ ٧٤ أ، والتدريب ١/ ١٦٩. وقد أضاف الحافظ ابن حجر إلى جواب شيخه العراقي جوابًا آخر فقال: قد أجاب الحافظ صلاح الدين العلائي عن كلام أبي الفتح اليعمري بجواب أمتن من هذا فقال ما نصه: "هذا الذي قاله ضعيف، وقول ابن الصلاح أقوى، لأن درجات الصحيح إذا تفاوتت فلا يُعنَى بالحسن إلا الدرجة الدنيا منها، والدرجة الدنيا منها لم يُخرج مسلمٌ منها في الأصول شيئًا؛ إنما يخرجها في المتابعات والشواهد، ثم قال الحافظ ابن حجر: قلت: وهو تعقب صحيح، ثم بين وجه صحته بأنه ينبني على تقسيم مسلم في مقدمة صحيحه للرواة، وبيان من أخرج لهم منهم على الترتيب، ومن ترك حديثهم، وعلى ما قرره العلماء في ذلك من التفريق بين من خرج لهم مسلم احتجاجًا، ومن خرج لهم متابعة واستشهادًا، واختلاف أبي داود عنه في ذلك كما تقدم تفصيله عن القاضي عياض وابن حجر، وكما سيأتي في كلام البقاعي، حيث إنه أورد قول المؤلف عن أبي داود: إن عمله في سننه شبيه بعمل مسلم، في أنه اجتنب الضعيف الواهي ... الخ، ثم قال البقاعي: والجواب عنه من أوجه:
الأول: لا نُسلم أن العملين متشابهان من الحيثية التي ذكرها، وليس بينهما اشتباه إلا في أن كلا أتى بثلاثة أقسام، وهي في سنن أبي داود راجعة إلى متون الحديث، وفي مسلم إلى رجال الحديث، وليس بين ضعف الرجل وصحة حديثه منافاة ... بل قد يكون حديثه صحيحًا لاعتضاده من طرق أخرى، وهذا عمل مسلم؛ فأين هو ممن قسم الحديث نفسه في كتابه إلى صحيح وغيره؟.
الثاني: بعد تسليم ما قاله -أي المؤلف- من اتحاد العملين، [فالجواب] هو ما ذكره الشيخ -يعني العراقي- من أن مسلمًا التزم الصحة في كتابه دون أبي داود.
الثالث: أن أبا داود قال: وما كان فيه وهن شديد بينته، فَفُهِم من تقييده بـ (شديد) أن ثَم شيئًا فيه وهن غير شديد لم يلتزم بيانه. =стр. 208
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الرابع: وهو أرضاها: أن مسلمًا إنما يروي عن الطبقة الثالثة في المتابعات، ويعتني حينئذ بتكثير الطرق، بحيث ينجبر ذلك القصور الذي في رواية ذلك الراوي الذي من الطبقة الثانية، ومع ذلك فإنه يقل من حديثهم جدًّا، بحيث إنه ليس في كتابه لليث بن أبي سليم وأنظاره إلا نحو من عشرة أحاديث.
وأما أبو داود فإن صنعه في ذلك مخالف لصنعه في الأمرين معًا؛ يسوق أحاديث نحو هؤلاء للاحتجاج ويُكِثر منها جدًّا، بحيث إن كتابه طافح بذلك. ووراء هذا كله أن مسلمًا لا يذكر حديثًا لأهل هذه الطبقة وهو يجده عند الطبقة الأولى؛ مثال ذلك: ابن عون، وعوف الأعرابي، كلاهما رويا عن ابن سيرين، وابن عون من الطبقة الأولى، والأعرابي من الثانية، فلا يروي مسلم عنه وعن أمثاله شيئًا وهو يجده لابن عون وأمثاله، ومراده بالاتيان بحديث الطبقة الثالثة تقوية حديث الطبقة الثانية، بحيث يرقيه إلى درجة الأولى، فالحاصل: أن عمدة مسلم أهل الطبقة الأولى، فإن لم يجدها أتى بالثانية، فإن لم يجد لمن ساق حديثه منهم متابعًا من تلك الطبقة أتى بمتابعة من الثالثة، فبين العملين فرق كبير كما ترى، والله الموفق/ النكت الوفية/ ٧٤ أوب.
ويلاحظ أن البقاعي قد مثل لأهل الطبقتين الأولي والثانية، ولكن لم يمثل لأهل الثالثة حتى نعرف مقصوده بها ونعرف على ضوء ذلك مقصوده بقوله السابق ذكره نعليقًا على قول المؤلف: "إن مسلمًا تحرَّج من حديث الطبقة الثالثة". حيث قال البقاعي: إن مسلمًا لم يأت من حديث الطبقة الثالثة بشيء، والله أعلم.
ثم قال هنا: إنه قد يخرج لها في المتابعات. ولعله لا يقصد هنا الطبقة الثالثة في تقسيم مسلم؛ بل الثالثة في تقسيم الحازمي في شروط الأئمة وهم: من لم يسلموا من غوائل الجرح، فهم بين الرد والقبول، قال الحازمي: وهم شرط أبي داود والنسوي/ شروط الأئمة/ ٤٤ و ٤٥. وقد صرح السخاوي بهذا مع التمثيل ببعض رواة هذه الطبقة، فقد أشار لتقسيم الحازمي لطبقات الرواة ومن أخرج لهم البخاري ثم قال: وأما مسلم فيخرج أحاديث الطبقتين على سبيل الاستيعاب، وقد يخرج حديث من لم يسلم من غوائل الجرح إذا كان =стр. 209
قال الإِمام أبو عمرو: فعلى هذا، يكون ما وجدناه في كتابه -يعني أبا داود- مذكورًا مطلقًا وليس في واحد من الصحيحين،
الحواشي
(١) = طويل الملازمة لمن أخذ عنه، كحماد بن سلمة في ثابت البُنَاني، فإنه لكثرة ملازمته له وطول صحبته إياه، صارت صحيفة ثابت على ذكره وحفظه بعد الاختلاط كما كانت قبله، وعمل مسلم في هذه كعمل البخاري في الثانية، يعني من كانوا دون الطبقة الأولى في الاتقان والحفظ/ انظر فح المغيث للسخاوي ١/ ٤١ و ٤٢، وشروط الأئمة للحازمي ٤٣ و ٤٤.
أما ما ذكر المؤلف من أن قول أبي داود عن أحاديث سننه: "وبعضها أصح من بعض" فيه ما يشير إلى القدر المشترك بينهما في الصحة وإن تفاوتت فيه ... الخ.
فقد أجاب عنه البقاعي أيضًا فقال: قوله -أي المؤلف-: "أصح ... ألخ" لا ينهض له به حجة؛ وذلك لأن إطلاق "أفعَل" يكون حينئذ بحسب الأكثر، لأن غير الصحيح أقل، والعرب تقول: هذا أحلى من هذا ويكون في الثاني الحلو وغيره، وأن "أصح" ليست على بابها، وأهل هذا الشأن -يعني المحدثين- يكثرون من استعمالها كذلك، فهذا الترمذي يكثر من أن يروي عن ضعيف حديثًا ثم يروي آخر عن ضعيف، ويقول: هذا أصح من حديث فلان، أو يكون ضَمّن "أصح" معنى: أولى أو أرجح، ونحو ذلك/ النكت الوفية/ ٧٤ ب، ٧٥ أوقال أيضًا: إن أبا داود يرى الاحتجاج بالضعيف إذا لم يوجد في الباب غيره، فلا يخفى عليك أن تصريحه بهذا يوضح أن مراده المفاضلة بينها في الاحتجاج أي وبعضها أقوى في باب الاحتجاج من بعض، لا المشاركة في نفس الصحة.
ثم قال: وعن ابن كثير ما حاصله: أن قول أبي داود: "بعضها أصح من بعض" [لا] يقتضي الصحة، إلا أن يُجاب بأنه على رأي المتقدمين في تسمية الحسن صحيحًا، أو أن المراد بالأصحية الأمر النسبي، أي أن بعضها أقل وَهنًا من بعض، ... قال البقاعي: فظهر بهذا أن "أصح" ليست على بابها/ النكت الوفية ٧٢، ٧٣ أمع تصرف يسير.стр. 210
ولا نص على صحته أحد ممن يميز بين الصحيح والحسن، عرفناه بأنه من الحسن عند أبي داود، وقد يكون في ذلك ما ليس بحسن عند غيره (١) . وقد تعقب أبو عبد الله بن رُشَيْد (٢) هذا، بأن قال: ليس يلزم أن يستفاد من كون الحديث لم ينص عليه أبو داود بضعف، ولا نص عليه غيره بصحة، أن الحديث عند أبي داود حسن؛ إذ قد يكون عنده صحيحًا، وإن لم يكن عند غيره كذلك.
وهذا تعقب حسن (٣) ؛ لكنه ربما نبه عليه قول الإمام الحواشي
(١) مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح/ ٥٣، وقال الحافظ ابن حجر تعليقًا على هذا: ويمكن أن يكون فيه ما ليس بحسن عند أبي داود نفسه، وهو الذي فيه وهن ليس بشديد، ويقال لابن الصلاخ: إذا جاز ذلك فكيف يطلق عليه اسم الحسن؟ وإن قلت: حسن عنده، فأين ذلك والحال أن قوله: "صالح" يصلح لأن يُجعَل مُتَعلّقهُ الاحتجاج والاعتبار؟ / النكت الوفية ٧٣ أ.(٢) تقدم التعريف به ص ١٩٢ هامش ٤.(٣) نظم العراقي اعتراض ابن رشيد هذا واستحسان المؤلف له فقال في ألفيته: وابن رشيد قال -وهو متجه- قد يبلغ الصحة عند مُخرِجه ثم قال في شرحها: وقد يجاب عن اعتراض ابن رُشَيد بأن ابن الصلاح إنما ذكر ما لنا أن نعرف الحديث -أي المسكوت عنه- به عنده، أى عند أبي داود، والاحتياط ألا يُرتَفع به إلى درجة الصحة وإن جاز أن يبلغها عند أبي داود؛ لأن عبارته "وهو صالح" أي للاحتجاج به، فإن كان أبو داود يرى الحسن رتبة بين الصحيح والضعيف، فالاحتياط -زاد في النكت- بل الصواب ما قاله ابن الصلاح، وإن كان رأيه كالمتقدمين أن الحديث ينقسم الى صحيح وضعيف، فما سكت عنه فهو صحيح - والاحتياط أن يقال: (صالح) كما عبر هو عن نفسه./ شرح التبصرة والتذكرة للعراقي ١/ ٩٦ و ٩٧ و ٩٨ والتقييد والايضاح/ ٥٣. قال السيوطي: وبهذا التقرير يندفع اعتراض ابن رُشَيد/ التدريب ١/ ١٦٧. ودَفْع العراقي ذلك لاعتراض ابن رُشَيد يفيد موافقته =стр. 211
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = لابن الصلاح على أن ما سكت عنه أبو داود وليس في الصحيحين أو أحدهما ولم يصححه أحد ممن يميز بين الصحيح والحسن، يعتبر حسنًا عنده؛ لكن السخاوي -كما تقدم- ذكر أن العراقي قال في شرحه الكبير لألفيته: ... بل في كتب السنن أحاديث لم يتكلم فيها الترمذي أو أبو داود، ولم نجد لغيره فيها كلامًا، ومع ذلك فهي ضعيفة/ فتح المغيث للسخاوي ١/ ٨٤، فكان على العراقي أن ينبه على ذلك هنا عقب جوابه على اعتراض ابن رُشَيد حتى يستفاد من مجموع كلامه أنه يرى أن ما سكت عنه أبو داود منه ما هو محتج به عنده وعند غيره، ومنه ما هو ضعيف فيعتبر به، ولايحتج به إلا عنده وعند من يرى الاحتجاج بالضعيف في بعض الأحوال، وبذلك كان يَسْلَم من الانتقاد الموجه لابن الصلاح ومَن وافقه، وكذا لابن رُشَيد وللمؤلف هنا، حيث إن خلاصة تعقب ابن رشيد: أنه يرى أن قول أبي داود: "وما لم أذكر فيه شيئًا -أي سكت عن ذكر علة له- فهو صالح" يَحتِمل أن يكون صحيحًا أو حسنًا لا حَسَنًا فقط كما قرر ابن الصلاح، وقد استحسن المؤلف قول ابن رُشَيد كما ترى، وبناء عليه يكون موافقًا له في أن ما سكت عنه أبو داود ولم نعرف صحته من عند غيره فإنه لا ينزل عن درجة الحسن، وهذا ليس بِمُسلَّم؛ بل الصواب ما دل عليه مجموع كلام العراقي كما تقدم، وقد فصل ذلك الحافظ ابن حجر وبعض تلاميذه على النحو التالي:
أما الحافظ ابن حجر فقال: وفي قول أبي داود: "ما كان فيه وهن شديد بينته" ما يفهم أن الذي فيه وهن غير شديد أنه لا يبينه، ومن هنا يتبين أن جميع ما سكت عليه أبو داود لا يكون من قبيل الحسن الاصطلاحي، بل هو على أقسام:
١ - منه ما هو في الصحيحين أو على شرط الصحة.
٢ - ومنه ما هو من قبيل الحسن لذاته.
٣ - ومنه ما هو من قبيل الحسن اذا اعتضد.
وهذا القسمان كثير في كتابه جدًّا.
٤ - ومنه ما هو ضعيف؛ لكنه من رواية من لم يُجمع على تركه غالبًا. =стр. 212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وكل هذه الأقسام -عنده- تصلح للاحتجاج بها، كما نقل ابن منده عنه: انه يخرج الحديث الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره، وأنه أقوى عنده من رأي الرجال، وكذلك قال ابن عبد البر: كل ما سكت عليه أبو داود فهو صحيح عنده، لا سيما إن كان لم يَذكُر في الباب غيره ... ثم قال الحافظ: ومن هنا يظهر ضعف طريقة من يحتج بكل ما سكت عليه أبو داود، فإنه يخرج أحاديث جماعة من الضعفاء في الاحتجاج، ويسكت عنها، مثل: ابن لَهِية، وصالح مولى التوأمة، وعبد الله بن محمد بن عقيل ... وغيرهم، فلا ينبغي للناقد أن يقلده في السكوت على أحاديثهم ويتابعه في الاحتجاج بهم، بل طريقه أن ينظر، هل لذلك الحديث متابع فيعتضد به، أو هو غريب فيتوقف فيه؟ لا سيما إن كان مخالفًا لرواية من هو أوثق منه، فإنه ينحط الى قبيل المنكر.
وقد يخرج لمن هو أضعف من هؤلاء بكثير، كالحارث بن وجيه، وصدقة الدقيقي، وعثمان بن واقد العمري ... وأمثالهم من المتروكين، وكذلك ما فيه من الأسانيد المنقطعة، وأحاديث المدلسين بالعنعنة، والأسانيد التي فيها من أُبهِمَت أسماؤهم، فلا يتجه الحكم لأحاديث هؤلاء بالحسن من أجل سكوت أبي داود؛ لأن سكوته تارة يكون اكتفاء بما تقدم له من الكلام في ذلك الراوي في نفس كتابه، وتارة يكون لذهول منه، وتارة يكون لشدة وضوح ضعف ذلك الراوي، واتفاق الأئمة على طرح روايته، كأبي الحويرث، ويحيى بن العلاء، وغيرهما، وتارة يكون من اختلاف الرواة عنه -وهو الأكثر-، فإن في رواية أبي الحسن بن العبد عنه من الكلام على جماعة من الرواة والأسانيد ما ليس في رواية اللؤلؤي، وإن كانت روايته أشهر ... وقد يتكلم على الحديث بالتضعيف البالغ خارج السنن، ويسكت عنه فيها ...
أما الأحاديث التي في إسنادها انقطاع أو إبهام، ففي الكتاب من ذلك أحاديث كثيرة ... فالصواب عدم الاعتماد على مجرد سكوته، لما وصفنا أنه يحتج بالأحاديث الضعيفة ويقدمها على القياس، إن ثبت ذلك عنه، والمعتمد على مجرد سكوته لا يرى الاحتجاج بذلك فكيف يقلده؟. =стр. 213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وهذا جميعه، إن حملنا قوله: "وما لم أقل فيه شيئًا فهو صالح" على أن مراده أنه صالح للحجة، وهو الظاهر.
وإن حملناه على ما هو أعم من ذلك وهو الصلاحية للحجة أو للاستشهاد، أو للمتابعة فلا يلزم منه أنه يحتج بالضعيف.
ويُحتاج إلى تأمل تلك المواضع التي يسكت عليها وهي ضعيفة، هل فيها أفراد أم لا؟ إن وجد فيها أفراد تعين الحمل على الأول (يعني إرادة الاحتجاج)، وإلا حُمل على الثاني (يعني الأعم). وعلى كل تقدير فلا يصلح ما سكت عليه للاحتجاج مطلقًا.
فقد نبه على ذلك الشيخ محيي الدين النووي -رحمه الله تعالى- فقال: "في سنن أبي داود أحاديث ظاهرة الضعف لم يبينها، مع أنه متفق على ضعفها، فلا بد من تأويل كلامه، يعني قوله: "فهو صالح" ثم قال: أي النووي: والحق أن ما وجدناه في سننه مما لم يُبينه ولم ينص على صحته أو حسنه أحد ممن يعتمد فهو حسن، وإن نص على ضعفه من يعتمد، أو رأى العارف في سنده ما يقتضي الضعف، ولا جابر له، حكم بضعفه، ولم يلتفت إلى سكوت أبي داود".
قال ابن حجر: قلت: وهذا هو التحقيق، لكنه -أي النووي- خالف ذلك في مواضع في شرح المهذب وغيره من تصانيفه، فاحتج بأحاديث كثيرة من أجل سكوت أبي داود عليها، فلا يغتر بذلك، والله أعلم/ الإِفصاح/ ٥٥ ب، ٥٦ أ.
أقول: ومع اعتماد ابن حجر لكلام النووي هذا فإنه يلاحظ أن النووي جعل للعارف النظر في قسم واحد مما سكت عليه أبو داود وهو ما وصفه أحد غيره بالضعف، وقد تعقبه السخاوي في هذا فقال: وما أشعر به كلامه من التفرقة بين الضعيف وغيره فيه نظر، والتحقيق التمييز لمن له أهلية النظر، ورد المسكوت عليه إلى ما يليق بحاله من صحة وحسن وغيرهما كما هو المعتمد، ورجحه هو -أي النووي- في بابه، وإن كان ﵀ قد أقر في مختصريه -أي الارشاد والتقريب- ابن الصلاح على دعواه هنا -أي بتحسين ماسكت عليه =стр. 214
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = أبو داود ... ثم قال السخاوي: وممن لم يكن ذا تمييز فالأحوط أن يقول في المسكوت عليه: صالح، كما هي عبارته -أي عبارة أبي داود-/ فتح المغيث للسخاوي ١/ ٧٦.
أما البقاعي فقال: ... فليس بمُسَلَّم أن كل ما سكت عليه أبو داود يكون حسنًا؛ بل هو وهم أتى من جهة أن أبا داود يريد بقوله "صالح" الصلاحية للاحتجاج.
ومِنْ فَهْم أن "أصح" في قوله: "وبعضها أصح من بعض" تقتضي اشتراكًا في الصحة، وكذا قوله: "إنه يذكر في كل باب أصح ما عرف فيه"، وليس الأمر في ذلك كذلك. أما من جهة قوله: "صالح" فلأنه كما يحتمل أن يريد صلاحيته للاحتجاج فكذا يحتمل أن يريد صلاحيته للاعتبار؛ فإن أبا داود قال في الرسالة التي أرسلها إلى من سأله عن اصطلاحه في كتابه: "ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما فيه وهن شديد بينته وما لا فصالح، وبعضها أصح من بعض"،ثم قال البقاعي: واشتمل هذا الكلام على خمسة أنواع:
الأول: الصحيح، ويجوز أن يريد به الصحيح لذاته.
الثاني: شبهه، ويمكن أن يريد به الصحيح لغيره.
الثالث: مقاربه، ويحتمل أن يريد الحسن لذاته.
والرابع: الذي فيه وهن شديد.
وقوله: "وما لا"، يفهم منه: أن الذي فيه وَهَن ليس بشديد، فهو قسم خامس. فإن لم يعتضد كان صالحًا للاعتبار فقط، وإن اعتضد، صار حسنًا لغيره، أي الهيئة المجموعة، وصلح للاحتجاج، وكان قسمًا سادسًا.
وعلى تقدير تسليم أن مراده صالح للاحتجاج، لا يستلزم الحكم بتحسين ما سكت عليه؛ فإنه يرى الاحتجاج بالضعيف إذا لم يوجد في الباب غيره ... اقتداء بأحمد ﵁.
وأما من جهة "أصح" فلا يخفى عليك أن تصريحه بأنه يحتج بالضعيف يوضح أن =стр. 215
أبي عمرو: وقد يكون في ذلك ما ليس بحسن عند غيره؛ فمن هنا يلوح لقائل أن يقول: وقد يكون في ذلك ما هو صحيح عنده، وليس صحيحًا عند غيره؛ لأنه جوز أن يخالف حكمه حكم غيره في طرف، فكذلك يجوز أن يخالفه في طرف آخر (١) .
قد ذكرنا ما نُقِل عن الترمذي في الحسن.
وقال الإِمام أبو سليمان الخطابي: الحسن: ما عُرِف مَخْرَجُه (٢) ، الحواشي
(١) قال السخاوي: وفيه -أي في هذا الاحتمال الذي ذكره المؤلف- نظر؛ لاستلزامه نقض ما قرره -أي ابن الصلاح/ فتح المغيث ١/ ٧٦.(٢) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء مُخَفّفة، وأصْلهُ في اللغة: مكان الخروج وأُطلق على الموضع الذي برز منه الحديث/ توضيح الأفكار ١/ ١٥٤ والبحر الذي زخر للسيوطي/ ٤٦ أوقال البقاعي: قوله: "ما عرف مخرجه" أي رجاله الذين يدور عليهم، فكل واحد من رجال السند مَخْرَج خرج منه الحديث/ النكت الوفية/ ٥٩ أومثله ذكر الأنصاري/ فتح الباقي مع شرح التبصرة والتذكرة للعراقي ١/ ٨٤ ويبدو أن هذا تعريف للمخرج بالاصطلاح العام الشامل لكل رجال السند. =следующие страницы →