Полный текст (909 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = لابن الصلاح على أن ما سكت عنه أبو داود وليس في الصحيحين أو أحدهما ولم يصححه أحد ممن يميز بين الصحيح والحسن، يعتبر حسنًا عنده؛ لكن السخاوي -كما تقدم- ذكر أن العراقي قال في شرحه الكبير لألفيته: ... بل في كتب السنن أحاديث لم يتكلم فيها الترمذي أو أبو داود، ولم نجد لغيره فيها كلامًا، ومع ذلك فهي ضعيفة/ فتح المغيث للسخاوي ١/ ٨٤، فكان على العراقي أن ينبه على ذلك هنا عقب جوابه على اعتراض ابن رُشَيد حتى يستفاد من مجموع كلامه أنه يرى أن ما سكت عنه أبو داود منه ما هو محتج به عنده وعند غيره، ومنه ما هو ضعيف فيعتبر به، ولايحتج به إلا عنده وعند من يرى الاحتجاج بالضعيف في بعض الأحوال، وبذلك كان يَسْلَم من الانتقاد الموجه لابن الصلاح ومَن وافقه، وكذا لابن رُشَيد وللمؤلف هنا، حيث إن خلاصة تعقب ابن رشيد: أنه يرى أن قول أبي داود: "وما لم أذكر فيه شيئًا -أي سكت عن ذكر علة له- فهو صالح" يَحتِمل أن يكون صحيحًا أو حسنًا لا حَسَنًا فقط كما قرر ابن الصلاح، وقد استحسن المؤلف قول ابن رُشَيد كما ترى، وبناء عليه يكون موافقًا له في أن ما سكت عنه أبو داود ولم نعرف صحته من عند غيره فإنه لا ينزل عن درجة الحسن، وهذا ليس بِمُسلَّم؛ بل الصواب ما دل عليه مجموع كلام العراقي كما تقدم، وقد فصل ذلك الحافظ ابن حجر وبعض تلاميذه على النحو التالي:
أما الحافظ ابن حجر فقال: وفي قول أبي داود: "ما كان فيه وهن شديد بينته" ما يفهم أن الذي فيه وهن غير شديد أنه لا يبينه، ومن هنا يتبين أن جميع ما سكت عليه أبو داود لا يكون من قبيل الحسن الاصطلاحي، بل هو على أقسام:
١ - منه ما هو في الصحيحين أو على شرط الصحة.
٢ - ومنه ما هو من قبيل الحسن لذاته.
٣ - ومنه ما هو من قبيل الحسن اذا اعتضد.
وهذا القسمان كثير في كتابه جدًّا.
٤ - ومنه ما هو ضعيف؛ لكنه من رواية من لم يُجمع على تركه غالبًا. =стр. 212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وكل هذه الأقسام -عنده- تصلح للاحتجاج بها، كما نقل ابن منده عنه: انه يخرج الحديث الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره، وأنه أقوى عنده من رأي الرجال، وكذلك قال ابن عبد البر: كل ما سكت عليه أبو داود فهو صحيح عنده، لا سيما إن كان لم يَذكُر في الباب غيره ... ثم قال الحافظ: ومن هنا يظهر ضعف طريقة من يحتج بكل ما سكت عليه أبو داود، فإنه يخرج أحاديث جماعة من الضعفاء في الاحتجاج، ويسكت عنها، مثل: ابن لَهِية، وصالح مولى التوأمة، وعبد الله بن محمد بن عقيل ... وغيرهم، فلا ينبغي للناقد أن يقلده في السكوت على أحاديثهم ويتابعه في الاحتجاج بهم، بل طريقه أن ينظر، هل لذلك الحديث متابع فيعتضد به، أو هو غريب فيتوقف فيه؟ لا سيما إن كان مخالفًا لرواية من هو أوثق منه، فإنه ينحط الى قبيل المنكر.
وقد يخرج لمن هو أضعف من هؤلاء بكثير، كالحارث بن وجيه، وصدقة الدقيقي، وعثمان بن واقد العمري ... وأمثالهم من المتروكين، وكذلك ما فيه من الأسانيد المنقطعة، وأحاديث المدلسين بالعنعنة، والأسانيد التي فيها من أُبهِمَت أسماؤهم، فلا يتجه الحكم لأحاديث هؤلاء بالحسن من أجل سكوت أبي داود؛ لأن سكوته تارة يكون اكتفاء بما تقدم له من الكلام في ذلك الراوي في نفس كتابه، وتارة يكون لذهول منه، وتارة يكون لشدة وضوح ضعف ذلك الراوي، واتفاق الأئمة على طرح روايته، كأبي الحويرث، ويحيى بن العلاء، وغيرهما، وتارة يكون من اختلاف الرواة عنه -وهو الأكثر-، فإن في رواية أبي الحسن بن العبد عنه من الكلام على جماعة من الرواة والأسانيد ما ليس في رواية اللؤلؤي، وإن كانت روايته أشهر ... وقد يتكلم على الحديث بالتضعيف البالغ خارج السنن، ويسكت عنه فيها ...
أما الأحاديث التي في إسنادها انقطاع أو إبهام، ففي الكتاب من ذلك أحاديث كثيرة ... فالصواب عدم الاعتماد على مجرد سكوته، لما وصفنا أنه يحتج بالأحاديث الضعيفة ويقدمها على القياس، إن ثبت ذلك عنه، والمعتمد على مجرد سكوته لا يرى الاحتجاج بذلك فكيف يقلده؟. =стр. 213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وهذا جميعه، إن حملنا قوله: "وما لم أقل فيه شيئًا فهو صالح" على أن مراده أنه صالح للحجة، وهو الظاهر.
وإن حملناه على ما هو أعم من ذلك وهو الصلاحية للحجة أو للاستشهاد، أو للمتابعة فلا يلزم منه أنه يحتج بالضعيف.
ويُحتاج إلى تأمل تلك المواضع التي يسكت عليها وهي ضعيفة، هل فيها أفراد أم لا؟ إن وجد فيها أفراد تعين الحمل على الأول (يعني إرادة الاحتجاج)، وإلا حُمل على الثاني (يعني الأعم). وعلى كل تقدير فلا يصلح ما سكت عليه للاحتجاج مطلقًا.
فقد نبه على ذلك الشيخ محيي الدين النووي -رحمه الله تعالى- فقال: "في سنن أبي داود أحاديث ظاهرة الضعف لم يبينها، مع أنه متفق على ضعفها، فلا بد من تأويل كلامه، يعني قوله: "فهو صالح" ثم قال: أي النووي: والحق أن ما وجدناه في سننه مما لم يُبينه ولم ينص على صحته أو حسنه أحد ممن يعتمد فهو حسن، وإن نص على ضعفه من يعتمد، أو رأى العارف في سنده ما يقتضي الضعف، ولا جابر له، حكم بضعفه، ولم يلتفت إلى سكوت أبي داود".
قال ابن حجر: قلت: وهذا هو التحقيق، لكنه -أي النووي- خالف ذلك في مواضع في شرح المهذب وغيره من تصانيفه، فاحتج بأحاديث كثيرة من أجل سكوت أبي داود عليها، فلا يغتر بذلك، والله أعلم/ الإِفصاح/ ٥٥ ب، ٥٦ أ.
أقول: ومع اعتماد ابن حجر لكلام النووي هذا فإنه يلاحظ أن النووي جعل للعارف النظر في قسم واحد مما سكت عليه أبو داود وهو ما وصفه أحد غيره بالضعف، وقد تعقبه السخاوي في هذا فقال: وما أشعر به كلامه من التفرقة بين الضعيف وغيره فيه نظر، والتحقيق التمييز لمن له أهلية النظر، ورد المسكوت عليه إلى ما يليق بحاله من صحة وحسن وغيرهما كما هو المعتمد، ورجحه هو -أي النووي- في بابه، وإن كان ﵀ قد أقر في مختصريه -أي الارشاد والتقريب- ابن الصلاح على دعواه هنا -أي بتحسين ماسكت عليه =стр. 214
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = أبو داود ... ثم قال السخاوي: وممن لم يكن ذا تمييز فالأحوط أن يقول في المسكوت عليه: صالح، كما هي عبارته -أي عبارة أبي داود-/ فتح المغيث للسخاوي ١/ ٧٦.
أما البقاعي فقال: ... فليس بمُسَلَّم أن كل ما سكت عليه أبو داود يكون حسنًا؛ بل هو وهم أتى من جهة أن أبا داود يريد بقوله "صالح" الصلاحية للاحتجاج.
ومِنْ فَهْم أن "أصح" في قوله: "وبعضها أصح من بعض" تقتضي اشتراكًا في الصحة، وكذا قوله: "إنه يذكر في كل باب أصح ما عرف فيه"، وليس الأمر في ذلك كذلك. أما من جهة قوله: "صالح" فلأنه كما يحتمل أن يريد صلاحيته للاحتجاج فكذا يحتمل أن يريد صلاحيته للاعتبار؛ فإن أبا داود قال في الرسالة التي أرسلها إلى من سأله عن اصطلاحه في كتابه: "ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما فيه وهن شديد بينته وما لا فصالح، وبعضها أصح من بعض"،ثم قال البقاعي: واشتمل هذا الكلام على خمسة أنواع:
الأول: الصحيح، ويجوز أن يريد به الصحيح لذاته.
الثاني: شبهه، ويمكن أن يريد به الصحيح لغيره.
الثالث: مقاربه، ويحتمل أن يريد الحسن لذاته.
والرابع: الذي فيه وهن شديد.
وقوله: "وما لا"، يفهم منه: أن الذي فيه وَهَن ليس بشديد، فهو قسم خامس. فإن لم يعتضد كان صالحًا للاعتبار فقط، وإن اعتضد، صار حسنًا لغيره، أي الهيئة المجموعة، وصلح للاحتجاج، وكان قسمًا سادسًا.
وعلى تقدير تسليم أن مراده صالح للاحتجاج، لا يستلزم الحكم بتحسين ما سكت عليه؛ فإنه يرى الاحتجاج بالضعيف إذا لم يوجد في الباب غيره ... اقتداء بأحمد ﵁.
وأما من جهة "أصح" فلا يخفى عليك أن تصريحه بأنه يحتج بالضعيف يوضح أن =стр. 215
أبي عمرو: وقد يكون في ذلك ما ليس بحسن عند غيره؛ فمن هنا يلوح لقائل أن يقول: وقد يكون في ذلك ما هو صحيح عنده، وليس صحيحًا عند غيره؛ لأنه جوز أن يخالف حكمه حكم غيره في طرف، فكذلك يجوز أن يخالفه في طرف آخر (١) .
قد ذكرنا ما نُقِل عن الترمذي في الحسن.
وقال الإِمام أبو سليمان الخطابي: الحسن: ما عُرِف مَخْرَجُه (٢) ، الحواشي
(١) قال السخاوي: وفيه -أي في هذا الاحتمال الذي ذكره المؤلف- نظر؛ لاستلزامه نقض ما قرره -أي ابن الصلاح/ فتح المغيث ١/ ٧٦.(٢) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء مُخَفّفة، وأصْلهُ في اللغة: مكان الخروج وأُطلق على الموضع الذي برز منه الحديث/ توضيح الأفكار ١/ ١٥٤ والبحر الذي زخر للسيوطي/ ٤٦ أوقال البقاعي: قوله: "ما عرف مخرجه" أي رجاله الذين يدور عليهم، فكل واحد من رجال السند مَخْرَج خرج منه الحديث/ النكت الوفية/ ٥٩ أومثله ذكر الأنصاري/ فتح الباقي مع شرح التبصرة والتذكرة للعراقي ١/ ٨٤ ويبدو أن هذا تعريف للمخرج بالاصطلاح العام الشامل لكل رجال السند. =стр. 216
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = والذي يفهم من كلام ابن العربي والعراقي: أن المراد في تعريف الخطابي مخرج واحد خاص، وهو الراوي المشتهر برواية حديث أهل بلده/ التقيد والإيضاح/ ٤٤ وعارضة الأحوذي ١، ١٤، ١٥ وقد مثل له ابن العربي، بقوله: كحديث البصريين عن قتادة، والكوفيين عن ابن اسحاق، والمدنيين عن ابن شهاب، والمكيين عن عطاء/ عارضة الأحوذي ١/ ١٤، ١٥ ولعل مما يؤيد هذا التفسير للمخرج هنا، إشارة الخطابي بعده لشرط ثان في بقية رجال السند بقوله: "واشتهر رجاله"، فهذا يشير إلى أنه ليس المراد بالمخرج كل رجال السند كما ذكر البقاعي والأنصاري، وإلا كان في التعريف ترادف بين قوله: "عرف مخرجه" وقوله "اشتهر رجاله".
وقد مشى على تفسير المخرج بالراوي المشهور برواية حديث أهل بلده الحافظ ابن حجر/ الإفصاح ٤٦ ب والسخاوي/ فتح المغيث ١/ ٦١ وشرح التقريب/ ١٠ أ، والقاري/ شرح شرح النخبة/ ٧٧، وذكر ابن حجر أن عرفان المخرج بهذا المعنى قيدٌ في التعريف، يخرج به الحديث الشاذ، وذلك أنه بعد ذكر كلام ابن العربي السابق، قال: فإن حديث البصريين مثلًا إذا جاء عن قتادة ونحوه كان مخرجه معروفًا، وإذا جاء عن غير قتادة ونحوه كان شاذًا/ الإفصاح ٤٦ ب ثم نقل البقاعي عنه -كما سيأتي-: أن معرفة المخرج كناية عن اتصال السند، فيخرج به المنقطع انقطاعًا ظاهرًا أو خفيًا، لكن الصنعاني تبعه على الأول فقط/ توضيج الأفكار / ١/ ١٥٥ ونحوه ما نقله العراقي عن بعض المتأخرين أنه قال: إن الشاذ ينافي عرفان المخرج، وإن قول الخطابي: "عُرف مَخْرَجُه" كقول الترمذي في تعريف الحسن: "ويروى نحوه من غيره وجه"؛ لكن العراقي رد ذلك فقال: إنه لا يدل عليه كلام الخطابي أصلًا/ التقييد والإِيضاح/ ٤٤.
أما الطيبي فجعل عرفان المخرج كناية عن اتصال السند، وعليه فلا يخرج به الشاذ كما قال ابن حجر وغيره فيما تقدم، بل يخرج به المنقطع ونحوه، كالمرسل والمدلَّس -بفتح اللام- قبل تَبين تدليسه/ الخلاصة للطيبي/ ٣٨. وقد استحسن العراقي ذلك ووجهه فقال: وهذا أحسن في تفسير كلام الخطابي؛ =стр. 217
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = لأن المرسل الذي سقط بعض إسناده، وكذلك المدلس الذي سقط منه بعضه، لا يعرف فيهما مخرج الحديث؛ لأنه لا يُدرَى مَن سقط من إسناده، بخلاف من أُبرِز جميعُ رجاله فقد عرف مخرج الحديث من أين؟ والله أعلم/. التقييد والإِيضاح/ ٤٤ ونقل السخاوي عن ابن الصلاح أنه قال في حاشية كتابه علوم الحديث: إن الخطابي احترز بمعرفة المخرج عن المنقطع وعن حديث المدلِّس -بكسر اللام -، ثم قال السخاوي: وحينئذ فالمعتبر الاتصال ولو لم يُعرف المخرج؛ إذ كل معروف المخرج متصل ولا عكس، ثم علل تعبير الخطابي عن الاتصال بمعرفة المخرج، فقال: وكأنه لتعبيره في (تعريف) الصحيح بالمتصل، نَوّع العبارة، لدفع انتقاد الإِتيان في المحدودَيْن المختلفَين بلفظ واحد في الجملة، سيما وفي ضمن قوله: (عُرِف مَخْرجُه) الإِشعار بفائدة معرفة المخرج/ شرح التقريب/ ق ١٠ أ.
وقد مشى على تفسير معرفة المخرج بهذا أيضًا السيوطي/ التدريب ١/ ١٥٣ والأنصاري/ فتح الباقي مع شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٨٤ والقاري/ شرح شرح النخبة/ ٧٧.
وبناء على هذا عدوا تعريف الخطابي للحسن مقتصرًا على ذكر شرطين فقط، وهما: اتصال السند، المعبر عنه بمعرفة المخرَج - وشهرة الرواة بالعدالة والضبط المتوسط -كما سيأتي ذكره- ولذا اعتبر العراقي أن من زوائد ابن الصلاح على تعريف الخطابي للحسن اشتراط نفي الشذوذ والعلة، وتبعه الأنصاري/ شرح التبصرة والتذكرة ومعه فتح الباقي للأنصاري ١/ ٨٤، ٨٥، ٨٩، وأكد ذلك السخاوي فقال: ولا بد مع هذين الشرطين ألا يكون (الحديث) شاذًا ولا معللًا، ثم قال: لكن بما تقدم من الاتصال والشهرة حَد الخطابي (الحسن) غير متعرض لمزيد/ فتح المغيث ١/ ٦١ وأيد ذلك في شرح التقريب بأن الخطابي لم يصرح في حد الصحيح باشتراط نفي الشذوذ والعلة/ شرح التقريب/ ١٠ أ؛ غير أن البقاعي قال: إن هذه الزيادة -أي زيادة ذكر نفي الشذوذ والعلة صراحة- ليست ضرورية بحيث يختل الكلام بدونها، بل غايتها =стр. 218
واشتهر رواته (١) ، قال: وعليه مدار أكثر الحديث (٢) وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء. الحواشي
(١) قال الطيبي: المراد به أن رجاله مشهورون عند أرباب هذه الصناعة بالصدق وبنقل الحديث ومعرفة أنواعه، وحيث كان (هذا في كلامه) مطلقًا من قيد العدالة والضبط دل على انحطاطهم -أي رجال الحسن- عن درجة رجال الصحيح/ الخلاصة ٤٠ / ولخص الأنصاري ذلك فقال: اشتهرت رجاله بالعدالة والضبط اشتهارًا دون اشتهار رجال الصحيح/ فتح الباقي مع شرح التبصرة والتذكرة للعراقي / ١/ ٨٤ وبهذا التفسير لشهرة رجال الحسن يتميز عن الصحيح الذي عرفه الخطابي قبل تعريفه هذا للحسن حيث قال: فالصحيح عندهم -أي أهل الحديث- ما اتصل سنده وعُدِّلَت نقلته/ المعالم ١/ ١١ / وقد أقر هذا التفسير ابن دقيق العيد/ الاقتراح/ ١٦٥ / والعلائي/ الافصاح ٤٦ أ، والسخاوي/ فتح المغيث ١/ ٦١ وشرح التقريب / ١٠، والسيوطي/ شرحه لألفيته/ ٤٩ أ، ب والبقاعي/ النكت الوفية/ ٦٠ أوبهذا يُدفع انتقادُ الخطابي -كما سيأتي في الشرح- بأن تعريفه للحسن لا يميزه عن الصحيح، وكذا يدفع انتقاد ابن جماعة له بأنه يدخل في هذا التعريف الضعيف الذي عرف مخرجه واشتهر رجاله بالضعف/ الخلاصة للطيبي/ ٣٩، ٤٠، وشرح السيوطي لألفيته/ ٤٩ أ، ب والاقتراح/ ١٦٥ وفتح المغيث ١/ ٦٠، وفتح الباقي مع شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٨٥.(٢) قال البقاعي: قوله: وعليه مدار الحديث إلى آخره، كلام كاشف -أي موضح- لا أنه داخل في الحد/ النكت الوفية/ ٥٩ أوهكذا قرر السخاوي/ شرح التقريب/ ١٠ أ، وفتح المغيث ١/ ٦٧، والسيوطي/ تدريب الراوي ١/ ١٥٤، وقد جرى على هذا من قبل هؤلاء العراقي في ألفيته فأخر هذا عن =стр. 219
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الحد وفصله عنه بخمسة أبيات/ الألفية مع فتح المغيث ١/ ٥٩، قال البقاعي: وفصلُه عنه يدل على أنه فهم أنه ليس من تمام الحد؛ بل موضح له، ثم قال: وهو كذلك/ النكت الوفية/ ٦٥ أ؛ لكن قال الإمام البلقيني: بل هو من جملة الحد، ليخرج الصحيح والضعيف أيضًا/ التدريب ١/ ١٥٤.
ويبدو أن الَأولى عدم اعتبار هذه العبارة من جملة الحد، حيث تقدم بيان خروج الصحيح والضعيف من الحد بدونها. والله أعلم.
وأما تفسير الألفاظ: فقوله: وعليه -أي الحسن- مدار الحديث، أي بالنظر لتعدد الطرق؛ فإن غالبها لا يبلغ رتبة الصحيح المتفق عليه، ونحوه قول البغوي: أكز الأحكام ثبوتها بطريق حسن.
وقوله: يقبله أكثر العلماء، أعم من الفقهاء فيشمل المحدثين والأصوليين. وغيرهم، وعبَّر بالأكثر لأن من أهل الحديث من شدد فرد بكل علة، سواء كانت قادحة أم لا، كما جاء عن أبي حاتم الرازي أنه سئل عن حديث فَحسَّنه، فقيل له: أتحتج به؟ فقال: إنه حسن، فأعيد عليه السؤال مرارًا وهو لا يزيد على قوله: إنه حسن، والمعتمد ما عليه الأكثر من الاحتجاج به.
وقوله: ويستعمله عامة الفقهاء، المراد بالاستعمال الاحتجاج والاستنباط والعمل في القضايا والأحكام وغيرها، قال البقاعي: والاستعمال أخص من القبول اهـ. أقول: وذلك لأن من المقبول ما لا يعمل به كالمنسوخ والمرجوح، ولذلك قال السخاوي في وجه ذكر الاستعمال بعد ذكر القبول: إن القبول تضمن الاستعمال ما لم يمنع منه نسخ ونحوه، والمراد بعامة الفقهاء جميعهم، وأفردهم الخطابي بالذكر مع اندراجهم في العلماء وذكر معهم الاستعمال مع مشاركة غيرهم لهم في ذلك، لتميزهم فيهما عن غيرهم، ولأن المخالف فيه من غيرهم، كأبي حاتم الرازي من المحدثين كما تقدم/ انظر في هذا التفسير والتوجيه لتلك العبارات/ شرح التبصرة والتذكرة للعراقي وفتح الباقي معه للأنصاري ١/ ٩٠ وفتح المغيث ١/ ٦٧ وشرح التقريب/ ١٠ أكلاهما للسخاوي، وتدريب الراوي ١/ ١٥٤ والنكت الوفية/ ٦٥ أوشرح النخبة لابن حجر/ ضمن المجموعة الكمالية/ ٢٦٧، ٢٦٨.стр. 220
وقال بعض المتأخرين: الحديث الذي فيه ضعف/ قريب محتمل، هو الحديث الحَسَن ويصلح للعمل به (١) .
قال الإمام أبو عمرو: كل هذا مستبهم، لا يشفي الغليل، وليس فيما ذكره الترمذي والخطابي ما يفصل الحسن من الصحيح (٢) ، وقد أمْعَنْتُ النظر في ذلك والبحث، جامعًا بين أطراف كلامهم، ملاحظًا مواقع استعمالهم فَتنقَّح لي (٣) واتضح أن الحديث الحسن قسمان:
أحدهما: الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور (٤) الحواشي
(١) المراد ببعض المتأخرين: ابن الجوزي، وهذه عبارته في الموضوعات مع تصرف يسير/ الموضوعات لابن الجوزي ١/ ٣٥، وقد انتُقِد هذا التعريف من عدة وجوه، حتى قال السخاوي بعد ذكره: هذا كلام صحيح في نفسه؛ لكنه ليس على طريقة التعاريف/ فتح المغيث ١/ ٦٥ وسيأتي في الشرح ص ١٢٣، ذكر بعض ما انتُقِد به، ونذكر هناك بعض أجوبة العلماء عنه إن شاء الله؛ لكن نذكر هنا ما لا يذكر هناك، وهو: أنه انتقد التعريف بأن فيه دَوْرًا، وذلك أنه ذكر فيه صلاحية الحسن للعمل به، وهذا متوقف على معرفة كونه حسنًا، وأجاب الطيبي، بأن قوله: "ويصلح للعمل" كالخارج عن الحد، بيانًا لما يلزم من الحد، أي إذا كان معنى الحسن ذلك صَلُح للعمل به، وعلى هذا يندفع الدور/ الخلاصة للطيبي/ ٣٩ و ٤١.(٢) قال البقاعي: بل فيه ما يميزه؛ لأن الحسن نوعان، وكل منهما عرف نوعًا كما سيأتي في كلام ابن الصلاح (نفسه) / النكت الوفية ٦٣ أ.(٣) من التنقيح وهو التهذيب/ مختار الصحاح ٦٧٥ وتوضيح الأفكار ١/ ١٦٢.(٤) تعددت الأقوال في تعريف المستور حتى بلغت في نظر الشيخ الصنعاني حد الاضطراب وقال: إنه ينبغي تحقيق (تعريف) المستور/ توضيح الأفكار ١/ ١٨٢. =стр. 221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وأنسَبُ ما يُذكر هنا هو ما ذكره ابن الصلاح حيث نقل عن البغوي من أئمة الشافعية - فقال: قال بعض أئمتنا: المستور من يكون عدلًا في الظاهر، ولا نعرف عدالة باطنه هـ، وبناء على هذا عدَّه قسمًا من المجهول؛ لجهالة باطِنه/ علوم الحديث لابن الصلاح مع التقييد والايضاح/ ١٤٠، وقد نازع العراقي ابن الصلاح في إقراره تعريف البغوي للمستور، واستند العراقي إلى أنه نُقِل عن الشافعي ما يدل على إن مَنْ كان عدلًا في الظاهر فعدالته ثابتة، وعليه فلا يعتبر مستورًا/ التقييد والإيضاح/ ١٤٥، وشرح التبصرة والتذكرة ١/ ٣٢٨، ٣٢٩، ولكن السخاوي قد أجاب عن ذلك، ثم نازع ابن الصلاح بوجه آخر وهو أنه جاء عن الشافعي أيضًا ما يظهر منه أن المستور من لم يُعرَف سوى إسلامه، ثم قال: ولا يُمنع شموله -أي المستور- لهذا، ولِمَا قاله البغوي، كما هو مقتضى التسمية/ فتح المغيث للسخاوي ١/ ٣٢٤.
وعليه فالسخاوي يرى أن المستور يطلق على من عرفت عدالته الظاهرة، وعلى من لم يعرف من حاله سوى أنه مسلم، أما شيخه ابن حجر فعرَّف المستور بأنه من روى عنه أكثر من واحد؛ ولكن لم يوثقه أحد/ تقريب التهذيب ١/ ٥، ونخبة الفكر وشرحها له/ ٢٧٨ ضمن المجموعة الكمالية.
وكما تعددت الأقوال في تعريف المستور، تعددت أيضًا في قبول روايته وردها، والذي مال إليه ابن الصلاح في مبحث من تُقبَل روايته ومن ترد، هو الاحتجاج برواية المستور/ علوم الحديث لابن الصلاح/ ١٤٥، ولكنه هنا يعتبره كما ترى غير محتج به بمفرده؛ بل باعتضاده بمتابع أو شاهد، وقد عزا الحافظ ابن حجر القول برد روايته إلى الجمهور، ثم قال: والتحقيق أن رواية المستور ونحوه مما فيه الاحتمال لا يُطلق القول بردها، ولا بقبولها، بل يقال: هي موقوفة إلى استبانة حاله، كما جزم به إمام الحرمين هـ، وتبعه في هذا السخاوي/ شرح نخبة الفكر ٢٧٨ / ضمن المجموعة الكمالية، وفتح المغيث للسخاوي ١/ ٣٢٢ - ٣٢٣ وسيأتي مناقشة ابن الصلاح في اقتصاره على ذكر المستور فقط في هذا القسم من الحسن، كما سيأتي للشارح تعريفه للمستور وحكايته للخلاف في قبوله ورده، دون ترجيح ص ٢٧٨، ٢٧٩ =стр. 222
لم تتحقق أهليته؛ غير أنه ليس مُغَفَّلًا كثير الخطأ فيما يرويه، ولا هو متهم بالكذب في الحديث، أي لم يظهر منه تَعمُّد الكذب في الحديث، ولا سبب آخر مُفَسِّق، ويكون مَتن الحديث مع ذلك قد عُرِف، بأن رُوِي مثلُه أو نحوُه من وجه آخر أو أكثر (١) حتى اعتضد بمتابعة مَن تَابع الحواشي
(١) وبذلك يكون أقل ما يصلح جابرًا هو طريق واحدة مساوية، أو أعلى، دون أن تبلغ درجة الصحة/ النكت الوفية/ ٦٦ أو ٧٠ أوالتقييد والإيضاح ٤٨، وسيأتي تحقيق ذلك بعد قليل ص ٢٣٨ - ٢٤٠ هامش، وقوله: "مثله أو نحوه "، قال الصنعاني: "المِثْل ما يساويه في لفظه أو معناه، و"النحو" ما يقاربه في معناه/ توضيح الأفكار/ ١/ ١٦٣، ويبدو لي أن "المِثْل" خاص بالمساواة في اللفظ، أما المساواة في المعنى مع اختلاف اللفظ - فلا يقال عنها "بمثله" وإنما يقال: بمعناه أو بنحوه، وهذا شائع في كلام المحدثين واصطلاحهم، ومنه قول الحاكم أبي عبد الله: إن "مثله" إذا كان الحديثان على لفظ واحد، و"نحوه" إذا كان أحدهما على مثل معاني الآخر، وقال الأنصاري: ظاهر "مثله" يفيد التساوي في اللفظ. هـ أقول: أما من أجاز الرواية بالمعنى فعنده أن "مثله" و"نحوه" سواء/ انظر شرح التبصرة والتذكرة ومعه فتح الباقي ٢/ ١٩٢؛ لكن المقام هنا مقام التفريق بينهما كما في كلام الصنعاني، وقد قال ابن رجب في تفسير قول الترمذي: ويروى من غير وجه نحوه: يعني أن يروى معنى الحديث ... عن النبي ﷺ بغير ذلك الإسناد/ شرح العلل لابن رجب ١/ ٣٨٤.
ولذا نجد الترمذي في غير موضع من جامعه يقرن بين نحوه وبين "معناه" وهذا يدل على أن ما هو بمعنى الحديث لا يقال عنه إنه بمثله على التحقيق إلا مع التقييد، كأن يقال: بمثل معناه، ومن أمثلة ما قرن فيه الترمذي بين "نحوه" وبين =стр. 223
رَاوِيه (١) على مثله، أو بماله مِنْ شاهد وهو ورود حديث آخر بنحوه (٢) الحواشي
(١) بالأصل "رواية" وما أثبته من علوم الحديث لابن الصلاح/ ٢٨.(٢) مشى ابن الصلاخ هنا وفي مبحث الاعتبار والمتابعات والشواهد/ ١٠٩ مع التقييد والإيضاح على أن المتابعة مختصة بالمماثلة بين الحديثين في اللفظ سواء اتفقا في الصحابي أم لا، وأن الشاهد مختص بالموافقة بين الحديثين في المعنى، =стр. 224
فيخرج بذلك عن أن يكون شاذًا أو منكرًا، وكلام الترمذي على هذا يتنزل (١) . الحواشي
(١) بالأصل" ينزل" وما أثبته من علوم ابن الصلاح/ ٢٨، أقول: وهذا الذي نزل ابن الصلاح عليه كلام الترمذي هو الذي سُمِى بعد ابن الصلاح بالحسن لغيره، أي لشيء خارج عنه، وهو الاعتضاد بغيره/ فتح المغيث للسخاوي ١/ ٦٦ وفتح الباقي مع شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٨٨ والنخبة مع شرحها لابن حجر/ ٢٦٣ ضمن المجموعة الكمالية، فالحسن لغيره ضعيف لذاته أصلًا، وإنما طرأ عليه الحُسْن بما عضده/ فتح الباقي مع شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٨٧.
وقد ناقش الحافظ ابن حجر ابن الصلاح في هذا القسم من الحسن وفي تنزيله إياه على كلام الترمذي، فذكر أن المُعرَّف به عند الترمذي -وهو حديث المستور على ما فهمه ابن الصلاح- لا يعده كثير من أهل الحديث من قبيل الحسن، وليس هو في التحقيق عند الترمذي مقصورًا على رواية المستور؛ بل يشترك معه الضعيف بسبب سوء الحفظ، والموصوف بالغلط أو الخطأ، وحديث المختلط بعد اختلاطه، والمدلِّس إذا عنعن، وما في إسناده انقطاع خفيف، فكل ذلك عنده من قبيل الحسن بالشروط الثلاثة وهي: -ألا يكون فيهم من يتهم بالكذب، =стр. 225
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ولا يكون الإسناد شاذًا، وأن يروى مثل ذلك الحديث أو نحوه من وجه آخر فصاعدًا، وليس كلها في المرتبة على حد سواء؛ بل بعضها أقوى من بعض، وقد أيد دخول رواية غير المستور في الحديث الحسن عند الترمذي بأمرين:
أولهما: عدم ذكره في التعريف لاشتراط اتصال السند.
وثانيهما: وصفه في جامعه كثيرًا من الأحاديث بالحُسْن، مع أن في سندها من هو موصوف بسوء الحفظ، أو يكون في سنده انقطاع، ونحو ذلك مما تقدم ذكره له، وأورَد أمثلة تطبيقية لذلك من جامع الترمذي/ الإفصاح/ ٤٣ أ - ٤٥ أ، وقد تبعه على ذلك السيوطي/ شرحه لألفيته ٥٠ أوما بعدها، والصنعاني/ توضيح الأفكار ١/ ١٦٣ - ١٦٦.
لكنه قد أُجيب عن ابن الصلاح في هذا الذي رتبه ابن حجر على اقتصاره في التعريف على ذكر المستور، بأنه ذكر المستور للتمثيل به وليس للحصر فيه، ويؤيد ذلك أنه في التفريعات التالية لتعريفه للحسن ذكر أن من الضعيف القابل للإنجبار والترقي لمرتبة الحَسَن ما كان ضعفه ناشئًا عن ضعف حفظ راويه، مع كونه من أهل الصدق والأمانة، أو كان ضعفه بسبب الإرسال، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ/ علوم الحديث/ ٥٥، والمنهج الحديث لشيخنا الأستاذ/ محمد السماحي/ ١٠١ - ١٥٣، وأيضًا فإن تمثيل ابن الصلاح بالمستور يدفع عنه الاعتراض بدخول الصحيح والحسن لذاته في التعريف/ المنهج الحديث لشيخنا السماحي/ ١٠١.
أما الشيخ بدر الدين ابن جماعة فقال: وأما القسم الأول -يعني من تقسيم ابن الصلاح، وهو الحسن لغيره- فَيَرِدُ عليه الضعيف والمنقطع والمرسل الذي في رجاله مستور ورُوِي مثله أو نحوه من وجه آخر/ الخلاصة للطيبي/ ٣٩ وشرح السيوطي لألفيته/ ٥٠ أ، وقد أجاب الطيبي عن ذلك بما خلاصته: أن الغرض من التقييد بقوله: "ويروى من غير وجه" اعتضاد الحديث المروي بما ينجبر به ضعفه، وإزالة الإرسال والانقطاع وغيرهما، فلا يؤتى بالرواية من غير وجه إلا على وجه يرفع به ذلك الضعف، وإلا كان عبثًا، وفي كلام =стр. 226
القسم الثاني: أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة؛ غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح؛ لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإِتقان، وهو مع ذلك يرتفع حاله عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرًا، ويعتبر في كل هذا -مع سلامة الحديث من أن يكون شاذًا أو (١) منكرًا- سلامتُهُ من أن يكون مُعللًا، وعلى القسم الثاني الحواشي
(١) في علوم الحديث لابن الصلاح: بالواو فقط/ ٢٨ ولكل منهما وجه؛ فالعطف بالواو بناء على تغاير الشاذ والمنكر، والعطف "بأو" بناء على ترادفهما، فيكون اشتراط أحدهما كافيًا، وهذا هو المناسب لرأي ابن الصلاح، حيث يرى أن الشاذ والمنكر مترادفان، ولذا اقتصر في تعريف الصحيح على نفي الشذوذ فقط، =стр. 227
الحواشي
(١) وهذا هو الذي سُمي بَعدَ ابن الصلاح بالحسن لذاته، أي أن حسنه لا يرجع لشيء خارج، وهو العاضد كما تقدم في القسم الأول الذي سمي بالحسن لغيره/ النخبة وشرحها/ ٢٦٣ ضمن المجموعة الكمالية. وفتح الباقي مع شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٨٩ وفتح المغيث ١/ ٦٥ قال السخاوي: وهذا الثاني هو الحسن حقيقة، بخلاف الأول فهو مجاز؛ لكونه يطلق على مرتبة من مراتب الضعيف -يعني قبل الاعتضاد- كما يطلق اسم الصحيح مجازًا على الثاني/ فتح المغيث ١/ ٦٦ بتصرف يسير، ولذا قال البقاعي: واعلم أنه كان ينبغي له -أي لابن الصلاح- أن يقدم الكلام على حد الخطابي من وجوه ... ومنها أنه هو الحسن لذاته، ومنها أن بعض أهل الحديث يسميه صحيحًا/ النكت الوفية ٦٤ أ.
هذا وقد أورد ابن جماعة على ابن الصلاح في القسم الثاني وهو الحسن لذاته، أنه يدخل في تعريفه له المرسل الذي اشتهر راويه بما ذكر؛ مع أنه ليس حسنًا في الاصطلاح/ الخلاصة/ للطيبي/ ٣٩ وشرح السيوطي لألفيته/ ٥٠ أوالنكت الوفية ٦٤ أ، وقد أجاب الطيبي عن هذا بأن قول ابن الصلاح: "يرتفع حاله عن حال من يعد من ينفرد به منكرًا" احتراز مما ذكره ابن جماعة؛ لأنه لا يخلو من أن الذي رواه هذا الراوي مما عرف متنه أو معناه من غير روايته من غير وجه، أو مما لم يعرف؛ لا من الوجه الذي رواه، ولا من وجه آخر؛ فالأول: أخرج =стр. 228
قلت: قد اشترط الترمذي في الحسن ثلاثة شروط:
أحدها: يرجع إلى الإسناد، وهو: ألَّا يُتَّهم راويه بكذب (١) الحواشي
(١) قرر ابن رجب أن هذا الشرط يدخل بمقتضاه في الحسن: ما يرويه الثقة العدل، ومن كثر غلطه، ومن يغلب على حديثه الوهم، بشرط عدم الشذوذ، ورواية نحوه من وجوه متعددة/ شرح العلل/ ١/ ٣٨٤ و ٣٨٥، وهذا ليس مُسَلّمًا له، ويمكن الجواب عنه بما يلي:
(أ) أن الثقة العدل شرط راوي الصحيح كما هو مقرر، وكما ذكره ابن رجب بنفسه قبل هذا وبعده في تعريف الصحيح - شرح العلل ١/ ٣٤٥ و ٣٨٨. وهذا التعريف مسوق لتمييز الحسن لغيره عما عداه؛ فكيف يجعل الصحيح داخلًا فيه؟ ولو قيل: إن هذا مُسَلّم؛ ولكن عبارة الترمذي تُفيد ما ذُكِر، فإنه يُجَاب برد إفادتها ذلك نصًا وسياقًا؛ أما نصا فلأن الترمذي لم يَعْدِل عن "ثقة" وهي كلمة واحدة، إلى قوله: "لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب" إلا لغرض يناسب =стр. 229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = المعرَّف وهو إرادة قصور رواته عن وصف "الثقة"؛ بل وعن وصف راوي الحسن لذاته، كصدوق ونحوها، وأما سياقًا فيؤيد إرادته هذا القصور بقيةُ سياق التعريف؛ حيث اشترط مع نفي الشذوذ، وجود عاضد من وجه آخر، والثقة والصدوق ونحوهما عند عدم الشذوذ لا يَحتاج قبولهما لعاضد، فكأن قول الترمذي: "لا يكون متهمًا" يراد به في إطار بقية التعريف: أن يكون الراوي مضعفًا بما هو أخف من تهمة الكذب، حتى يقبل الانجبار بالعاضد ويرتقي إلى مرتبة الحسن./ انظر النكت الوفية/ ٦١ ب وتدريب الراوي ١/ ١٥٦، ١٦٤، ١٧٥، وتعليق د. عتر على شرح ابن رجب للعلل ١/ ٣٨٥.
(ب) أما إدخال ابن رجب "لكثير الغلط، ومن يغلب على حديثه الوهم" فهذا غير مُسلم؛ لأن هؤلاء في مرتبة المتهم بالكذب، فنفيه نفي وإخراج لمن يماثله، ويؤيد هذا أن الترمذي قبل تعريفه للحسن بصفحات قال: فكل من رُوي عنه حديثه، ممن يُتهم أو يضعف لغفلته وكثرة خطئه، ولا يعرف ذلك الحديث إلا من حديثه، فلا يحتج به/ جامع الترمذي - كتاب العلل ٥/ ٣٩٧، ثم قال بعد هذا بصفحة: فكل من كان متهمًا في الحديث بالكذب، أو كان مغفلًا يخطئ الكثير، فالذي اختاره أكثر أهل الحديث من الأئمة ألا يشتغل بالرواية عنه/ المصدر السابق/ ٣٩٩.
فهذا يفيد أن من ذكرهم ابن رجب، معدودون في مرتبة المتهم عند الترمذي، فضلًا عن غيره، وأن حكمهم مثله في الترك وَردِّ ما ينفردون به حيث لا ينجبر، بل إن ابن رجب نفسه بعد صفحات من قوله بدخول هؤلاء في حد الحسن عند الترمذي قال متعقبًا غيره كما سيأتي قريبًا: وتسمية الحديث الواهي الذي تعددت طرقه حسنًا، لا أعلمه وقع في كلام الترمذي في شيء من أحاديث كتابه/ شرح العلل/ ١/ ٣٩٤. وأيضًا تقدم تعقبه لابن الصلاح في ذكر "المغفل كثير الخطأ" في التعريف الذي نزل عليه كلام الترمذي وقال: إن كلام الترمذي لا يدل عليه.
أما الحافظ ابن حجر فذكر أن شرط عدم الاتهام بالكذب يدخل في الحسن عند الترمذي رواية كل من المستور، والضعيف بسوء الحفظ أو بالغلط، أو الخطأ غير =стр. 230
والثاني والثالث: يرجعان إلى المتن، وهو ألا يكون شاذًا، ويروى من غير وجه نحوه (١) . الحواشي
(١) أشار البقاعي إلى أن "نحوه" ليست قيدًا لإِخراج ما كان مثله؛ بل ليفهم منها أن المتن العاضد إذا كان مثل لفظ المعضود كان داخلًا من باب أولى/ النكت الوفية ٧٠ ب، ومن المعروف أن عبارة الترمذي: "يروى من غير وجه نحوه" قد أخذ ابن الصلاح منها قوله السابق ص ٢٣٠ (أصل): "رُوِيَ مثلهُ أو نحوه من وجه آخر أو أكثر".
وقد ذكر ابن رجب أن عبارة الترمذي تفيد: أن يروى معنى ذلك الحديث من وجوه أُخر عن النبي ﷺ بغير ذلك الإسناد/ شرح العلل ١/ ٣٨٤ ثم عاد بعد ذلك فقال: إن الترمذي في هذه العبارة، لم يقل: عن النبي ﷺ فيُحْتمَل أن يكون مراده عن النبي ﷺ ، وقد يحتمل أن يُحمَل كلامه على ظاهره وهو أن يكون معناه: يروي من غير وجه، ولو موقوفًا؛ ليُستَدَل بذلك على أن هذا المرفوع له أصل يعتضد به، قال: وهذا كما قال الشافعي في الحديث المرسل: إنه إذا عَضَده قول صحابي أو عمل عامة أهل الفتوى به كان صحيحًا/ شرح العلل ١/ ٣٨٧، ٣٨٨، ونلاحظ هنا أمرين:
أحدهما: أنه قصر العاضد أولًا على المرفوع للرسول ﷺ ، ثم عاد ثانيًا فقرر أن كلام الترمذي محتمل للمرفوع وللموقوف، وظاهره عدم التقيد بالمرفوع. وهذه النقطة لم يتعرض لها ابن الصلاح. =стр. 231
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الأمر الثاني: أنه قرر اشتراط أن يكون العاضد مرويًا من عدة وجوه، وقد اعتبر تفسيره في ذلك لكلام الترمذي موافقًا لتفسير ابن الصلاح الذي نزَّل عليه كلام الترمذي، ولكلام الشافعي في اعتضاد المرسل، بينما نجد ابن الصلاح -كما تقدم كلامه في الشرح ص ٢٣٠ - لا يشترط تعدد العاضد؛ وإنما قال: وجها أو أكثر، وعلقنا عليه هناك بأنه على هذا يكفي وجه واحد للاعتضاد به، وكذا نجد الشافعي لا يشترط تعدد العاضد كما سيأتي ذكرة، وعليه فقول ابن رجب: إن تفسيره لكلام الترمذي موافق لتفسير ابن الصلاح له في هذا الموضع، ولكلام الشافعي في اعتضاد المُرسَل، غير مسلَّم، ونعم إن ابن الصلاح بعد تقريره الاكتفاء في العاضد بوجه واحد -كما تقدم- عاد بعد أحد عشر سطرًا فقال: إن الحسن يُكْتفَى فيه بماسبق ذكره من مجيء الحديث من وجوه ... الخ/ علوم الحديث/ ٤٨.
وقد تعقبه العراقي في هذا بأنه لم يسبق اشتراط مجيئه من وجوه، بل "من غير وجه" كما سبق ذلك في كلام الترمذي، ثم قال العراقي: وعلى هذا فمجيؤه -يعني الحديث- من وجهين -أي العاضد والمعضود- كاف في حد الحديث الحسن/ التقييد والإيضاح/ ٤٨، وقد عاد ابن الصلاح مرة أخرى في مبحث شرقي الحسن لذاته إلى الصحيح لغيره، فذكر أنه لمَّا رُوِي من أوجه أخَر صح الإسناد والتحق بدرجة الصحيح/ علوم الحديث ٥١ / وقد وافقه العراقي في ألفيته وشرحها على ذلك، وقال في الشرح: إن ابن الصلاح أخذ كلامه هذا من قول الترمذي: "روي من غير وجه".
وبهذا وقع هو فيما كان تعقب به ابن الصلاح، كما تقدم من القول بتعدد العاضد/ انظر التبصرة والتذكرة وشرحها للعراقي / ١/ ٩٢، ٩٣ وقد ذكر البقاعي أنه يمكن توجيه كلام الترمذي على أن الحسن لغيره يروى من وُجوْه أقلُّها ثلاثة: المعضود، من وجه، والعاضد الذي يكون نحوه، يروى من غير وجه، أي من وجهين فأكثر؛ فإذا ضممت طريقي العاضد إلى طريق المعضود، كانت ثلاثة؛ لكنه عارض هذا بأنه يكون مخالفًا لنص الشافعي في المرسل، فإنه =стр. 232
ولعلهما إذا حُقِّقا كانا واحدًا (١) ، وسيوضح ذلك التعريفُ الحواشي
(١) وقد مشى على أنها ثلاثة بدون تداخل، غير واحد، وإن اختلف بعضهم مع المؤلف في تلك الشروط من جهة أخرى، قال الحافظ ابن رجب: ومن المتأخرين أيضًا من قال: مراد الترمذي بالحسن أن كلًا من الأوصاف الثلاثة التي ذكرها في الحسن - وهي سلامة الإِسناد من المتهم، وسلامته من الشذوذ، وتعدد طرقه -ولو كانت واهية- موجب لحسن الحديث عنده.
قال: وهذا بعيد جدًّا، وكلام الترمذي إنما يدل على أن لا يكون حسنًا حتى يجتمع فيه الأوصاف الثلاثة، وتسمية الحديث الواهي الذي تعددت طرقه حسنًا، لا أعلمه وقع في كلام الترمذي في شيء من أحاديث كتابه/ شرح العلل ١/ ٣٩٤، ولم يفصح ابن رجب كما ترى باسم هذا المتأخر القائل بهذا، ويبعد أن يكون مراده ابن سيد الناس؛ لأن العبارة التي ساق بها شروط الترمذي وإن كانت متقاربة مع عبارة ابن سيد الناس هنا؛ لكنها تختلف عنها من جهتين: =стр. 233
بالشاذ ما هو؟؛ وحيث أحال في تعريف الحسن عليه، ولم يسبق تعريفه، وجب أن نبين ما ذكر العلماء فيه ليتبين المراد من قوله: "وألا يكون شاذًا" وقد قال الامام الشافعي ﵀ ورضي عنه-: ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي
غيره/، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثًا يخالف ما روى الناس (١) . الحواشي
(١) أخرجه الحاكم بسنده عن الشافعي: ولفظه: ليس الشاذ من الحديث أن يَروِي الثقةُ ما لا يرويه غيره، هذا ليس بشاذ؛ إنما الشاذ أن يروى الثقة حديثًا يخالف فيه الناسَ، هذا الشاذ من الحديث/ المعرفة للحاكم/ ١١٩، أما الخليلي فأشرك مع الشافعي جماعةً من أهل الحجاز؛ فقال: وأما الشاذ، فقد قال الشافعي وجماعة من أهل الحجاز: الشاذ عندنا ما يرويه الثقات على لفظ واحد، ويرويه ثقة خلافه، زائدًا أو ناقصًا هـ ثم عقب الخليلي على ذلك بقوله: "والذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ ... " الخ ما سيأتي ذكر الشارح له قريبًا،/ منتخب إرشاد الخليلي لأبي طاهر السلفي / ل ٩ ومقدمة ابن الصلاح/ ٦٩ وكأن الخليلي بتعقيبه على تعريف الشافعي ومن معه بما عليه حفاظ الحديث، لا يرتضي تعريف الشافعي ومن معه. ونحوه فعل ابن رجب، فإنه بعد ذكر تعريف الشافعي للشاذ قال: وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا انفرد به واحد -وإن لم يرو الثقات خلافه-: إنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه، كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض =стр. 234
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = تفردات الثقات الكبار أيضًا، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه، قال صالح بن محمد الحافظ: الشاذ: الحديث المنكر الذي لا يُعرف/ شرح العلل ١/ ٣٥٢، ٣٥٣؛ لكن ابن رجب بعد ذكره أن أكثر أهل الحديث على خلاف تعريف الشافعي للشاذ كما ذكرت، قرر أن الترمذي في قوله في تعريف الحسن: "ولا يكون شاذًا" أراد بالشاذ ما قاله الشافعي/ شرح العلل ١/ ٣٨٤، و ٣٨٨، وكذا قال ابن حجر وزاد أنه أليق؛ لكي لا يكون معناه مكررًا مع قول الترمذي بعده: ويروى من غير وجه نحوه، قال: والحمل على التأسيس أولى من الحمل على التأكيد، لا سيما في التعاريف/ الإِفصاح ٤٧ أو ١٠٢ أ، وتبعه على ذلك السخاوي/ فتح المغيث ١/ ١٣، و ٦٣، و ٦٥، و ١٩٧؛ لكن هذا يخالف اتفاق هؤلاء ومن تبعهم على أمرين -كما تقدم في كلامهم قبل قليل- وهما:
١ - أن تعريف الترمذي مقصود به الحسن لغيره.
٢ - أن الحسن لغيره، قبل الاعتضاد بغيره ضعيف لذاته؛ لعدم اتصال سنده، أو لضعف راويه بما دون تهمة الكذب.
وعليه فكيف يفسر الشذوذ المرادُ انتفاؤه في تعريف الترمذي، بأنه كما ذكر الشافعي: تفرد الثقة مخالفًا الناس، أو بعبارة أخرى، ما خالف فيه الراوي من هو أحفظ منه، أو أكثر عددًا سواء تفرد به أو لم ينفرد به؟ / الافصاح ٤٧ أ/ هذا ما لا يعد لائقًا بمراد الترمذي فضلًا عن كونه أليق، كما عبر عنه الحافظ ابن حجر ﵀، ومما يؤيد هذا، أن الحافظ ابن حجر أيضًا وتبعه السخاوي، قررا أن الشاذ المراد انتفاؤه في تعريف الحديث الصحيح لذاته هو الشاذ كما فسره الشافعي/ الإِفصاح/ ٤ ب، فتح المغيث ١/ ١٣ فكيف يتساوى المراد بالشاذ في تعريفي الصحيح لذاته والحسن لغيره؟.
ولعل هذا ما جعل الشارح كما سيأتي قريبًا في الأصل - يقرر أن الترمذي توسع في المراد بالشاذ هنا عن تعريفي الشافعي والحاكم، وأن مراده به يقرب مما ذكر الخليلي؛ لكنه عند تفصيل ذلك أوضح جانبًا من التوسع والقرب من مراد الخليلي، وتردد في جانب. =стр. 235
وذكر أبو عبد الله الحاكم: أن الشاذ هو: الحديث الذي ينفرد به ثقة من الثقات، وليس له أصل بمتابع لذلك الثقة (١) . الحواشي
(١) معرفة علوم الحديث للحاكم/ ١١٩ ومقدمة ابن الصلاح/ ٦٩، ونسبه النووي إلى جماعات من أهل الحديث غير الحاكم، ثم قال: وهذا ضعيف/ فتح المغيث للسخاوي ١/ ١٩٥، وقال الحافظ ابن حجر: أسقط -يعني شيخه العراقي- من قول الحاكم قيدًا لا بد منه وهو أنه قال:-يعني بعدما تقدم-: وينقدح في نفس الناقد أنه غلط - ولا يقدر على إقامة الدليل على ذلك، وعلل أهمية هذا القيد بأن به يكون التغاير بين الشاذ وبين المعلل الذي ذكره الحاكم بقوله: وهو غير المعلول؛ فإن المعلول ما يوقف على علته، أنه دخل حديث في حديث ... الخ/ النكت الوفية/ ١٤٥ أوتدريب الراوي ١/ ٢٣٢ ومعرفة علوم الحديث للحاكم/ ١١٩.
أقول: وهذا القيد الذي ذكر الحافظ ابن حجر أن شيخه أسقطه من كلام الحاكم، ليس موجودًا مع تعريفه المذكور للشاذ، ولا في كلامه عن نوع الشاذ كله، ولا عن معرفة علل الحديث؛ وإنما الموجود فقط تعريف الشاذ كما ذكره المؤلف هنا بلفظه، مع ذكر الفرق بين الشاذ والمعلول كما أشرت/ انظر معرفة علوم الحديث للحاكم/ ١١٣ - ١٢٢.стр. 236
فكلاهما جعل الشاذ: تفرد الثقة؛ غير أن الشافعي ضم إلى ذلك شرط مخالفة ما روى الناس.
والذي يظهر من كلام الترمذي التوسع في ذلك (١) ، وأن تفرد الحواشي
(١) سيأتي تصريح الشارع بعد قليل بمراده بهذا التوسع، وهو أن الترمذي يرى أن الشذوذ المذكور في تعريفه للحسن يشمل تفرد الثقة أو المستور؛ فيكون دخول المستور مع الثقة في مسمى الشاذ توسعًا عما قاله الشافعي والحاكم؛ ولكن نسبة هذا التوسع للترمذي غير مُسلَّمة؛ لأنا قدمنا أن تعريف الترمذي مقصود به الحسن لغيره، وعليه فلا يدخل في مسمى الشاذ المذكور في تعريفه تفرد الثقة، لنزول رواته عن حد الثقة، ولا يقال -كما سيأتي في بعض الاعتراضات على الترمذي في الشرح- إن الثقة داخل في التعريف بمقتضى قول الترمذي: "ألا يكون في رواته متهم بالكذب"، لأننا نقول: إن في بقية التعريف ما يدل على أن مراده بهذا ما دون الثقة، من المستور أو المضعف بما هو أخف من تهمة الكذب ونحوها كفحش الخطأ؛ حتى يَقبَل الانجبار، وذلك حيث قال: "ويُروَى من غير وجه نحوه" فاشترط مع انتفاء الشذوذ وجودَ عاضد، والثقة إذا انتفى شذوذه لا يحتاج قبول روايته إلى عاضد، وحديثه يكون صحيحًا لذاته، فخرج عن حد الحسن لغيره، وسيأتي مزيد بيان لذلك في الجواب عن الاعتراض على الترمذي في هذا التعريف.
والذي يبدو لي أنه طالما تقرر عند الشارح كما سيأتي -وعند غيره - كما تقدم-: أن تعريف الترمذي مقصود به الحسن لغيره؛ فإنه يجب تفسير قوله: "ولا يكون شاذًا، ويروى من غير وجه نحوه" بما يجعل التعريف مطابقًا للمعَرَّف ولأمثلته التطبيقية -ولو غالبًا- خاصة في جامع الترمذي نفسه؛ لأن هذا أقرب دليل على مراده، سواء وافق هذا التفسير تعريف غير الترمذي لكل من الشاذ والمنكر أم لا؛ لأن الترمذي من أئمة التقعيد وتقرير الاصطلاحات، وتعريف الشاذ والمنكر، والتفريق أو الموافقة بينهما، مما تعددت فيه الأقوال وتفاوتت/ انظر شرح شرح النخبة لعلي قاري/ ٥٤، ٥٥ وعلوم الحديث لابن الصلاح والتقييد والايضاح/ ١٠٤ - ١٠٦ وفتح المغيث للسخاوي ١/ ١٩٤ - ١٩٩. =стр. 237
المستور داخل في مسمى الشاذ؛ لِمَا أَذِنَ به كلامُه (١) من أن رواية المستور الذي لا يتهم بالكذب على قسمين: الحواشي
(١) يقصد قول الترمذي: كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب/ جامع الترمذي - كتاب العلل ٥/ ٤١٢ فيدخل فيه المستور؛ لكن يلاحظ أنه لا يقتصر عليه بل يدخل أيضًا المجهول، وسيء الحفظ، ونحوهما مما خلا عن تهمة الكذب ونحوها كما تقدم/ وانظر النكت الوفية/ ٦١ ب وفتح المغيث للسخاوي ١/ ٦٣.стр. 238
١ - ما شُورِك فيه، وهو داخل عنده في مسمى الحسن (١) .
٢ - وما لم يُشارَك فيه، والذي سماه شاذًا، ولم يُلْحِقْه بالحَسَن (٢) .
وينبغي إذا كان تفرد المستور عنده يجبره متابعةُ مَن تابَعه -وهو محتاج إليها؛ لانحطاطه عن درجة الثقة- أن يكون [ما] (٣) تفرد به الثقة عنده مقابَلًا بالقبول، إذا لم يُخالَفْ، أو التوقف؛ ليظهر بينهما فَرق (٤) وهو خلاف ما ذكره الحاكم ﵀ (٥) - ونحو مما ذكر الخليلي (٦) . الحواشي
(١) بمقتضى قوله في بقية التعريف: "ويروى من غير وجه نحوه".(٢) لاشتراطه انتفاء الشذوذ، لكن يلاحظ أن الشارح اقتصر كما ترى على أن حصول المشاركة فقط يرفع الشذوذ، وعدمَها يوجدُه، ومقتضى ما تقدم في بيان مقصود الترمذي بالشاذ يقتضي أن يراعى مع المشاركة، عدم المخالف الأرجح، حتى يرتفع الشذوذ، ولعل الشارح لم يذكر المخالفة لما سيأتي في كلامه قريبًا من التردد في أن الترمذي قصدها أو لا؟.(٣) زيادة مني لا يستقيم المعنى بدونها.(٤) أي بين تفرد المستور والثقة.(٥) يعني في تعريفه للشاذ كما تقدم في الأصل ص ٢٤٣.(٦) هو الإمام أبو يعلى، الخليل بن عبد الله بن أحمد بن الخليل، الخليلي القزويني، مصنف كتاب "الارشاد في معرفة المحدثين" وهو كتاب كبير انتخبه الحافظ السلفي، وكان الخليلي ثقة حافظًا عارفًا بالعلل والرجال وتوفي آخر سنة ٤٤٦ هـ/ سير أعلام النبلاء/ ١٧/ ٦٦٦، ٦٦٧ وتذكرة الحفاظ/ ٣/ ١١٢٣، ١١٢٤ / كلاهما للذهبي/.
هذا وما ذكره الشارح من أن ما تفرد به الثقة ولم يُخالَف فهو مقبول، وما خولف =стр. 239
حيث يقول: إن الذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ: ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ بذلك شيخ، ثقة كان أو غير ثقة؛ فما كان
الحواشي
(١) = فيه فهو متوقف فيه، ليس نحوًا مما ذكر الخليلي؛ لأن الخليلي لم يفرق بين من خولف ومن لم يُخالَف؛ بل أطلق التوقف في الحالتين. كما أن الذي اختاره ابن الصلاح وأقره مَن بعده: أن ما ينفرد به الثقة مُخالِفًا مَن هو أرجح منه فهو قسم من الشاذ المردود، وهو الذي عرفه الشافعي كما مر في الأصل/ وانظر فتح المغيث للسخاوي ١/ ١٩٧.
وعلى هذا فالقول المذكور بالتوقف المطلق فيما تفرد به الثقة إذا خُولف، لا يتفق مع تعريف الترمذي للحسن، ولا مع المختار عند المحققين من العلماء، اللهم إلا أن يُراد التوقف لحين ظهور الراجح، فيجب التقييد بذلك.
وإذا كان القصد من ذكره -كما أشار الشارح- هو إظهار فرق بين تفرد المستور، وتفرد الثقة، أو تقريب مُراد الترمذي بالشاذ في تعريف الحسن، من مراد الخليلي بالشاذ عمومًا، كما أشار له الشارح بَعْد، فكلا الأمرين لا ينهضان مبررًا لذلك.
أما إظهار فرق بين تفرد المستور وتفرد الثقة فيمكن بدون اللجوء للقول المذكور بالتوقف، وذلك لأن ما تفرد به المستور ولو لم يخالفه الأرجح فلا يقبل عند الترمذي إلا بعاضد، لاشتراطه العاضد في تعريف الحسن كما تقدم، وأما ما تفرد به الثقة ولم يُخالَف، فهو مقبول كما ذكره الشارح نفسه/ وانظر شرح العلل/ ١/ ٤٦٢.
وأما تقريب مراد الترمذي بالشاذ، من مراد الخيلي فليس ضروريًا، لأن تعريف الخليلي للشاذ منتقد، كما سيأتي في الأصل، ودفاع الشارح عنه غير مسلم كما سيأتي قريبًا، كما أن الخلاف في المراد بالشاذ ليس مقتصرًا على الخليلي، فالتقريب من مراده لن يرفع الخلاف./ وانظر هامش شرح العلل ١/ ٤٦١ وأيضًا سيأتي في التعليق أنه لو سُلّم للشارح استنتاجه المذكور فسيبقى هناك فرق بين ما ذكره وبين مراد الخليلي بالشاذ.стр. 240
عن غير ثقة فهو متروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه، ولا يحتج به (١) .
وأورد عليه أبو عمرو (٢) ما تفرد به العدل الحافظ (٣) كحديث الأعمال بالنيات (٤) . الحواشي
(١) منتخب ارشاد الخليلي لأبي طاهر السلفي/ ل ٩، وعلق السخاوي على قول الخليلي: "ولا يحتج به" فقال: ولكن يصلح أن يكون شاهدًا/ فتح المغيث ١/ ١٩٥، ومقتضى إطلاقه التوقف فيما تفرد به الثقة عدم الفرق في ذلك بين ما تفرد به ثقة وخالفه أرجح منه، وبين ما تفرد به، ولم يخالفه الأرجح/ شرح السيوطي لألفية العراقي/ ٩ ب، ولذا جاء إيراد ابن الصلاح عليه مطلقًا غير مقيد بالمخالفة، وإن كان ما مثل به من الأحاديث، وما فسره بعدها يوضح أن مراده مقيد بالمخالفة.(٢) هو ابن الصلاح، وإيراده ليس على الخليلي وحده كما يفيده قول الشارح: "أورد عليه"؛ بل الإيراد عليه وعلى الحاكم، وسيأتي في التعليق التالي ذكر كلامه.(٣) ولم يخالفه من هو أرجح منه، كما يدل عليه تمثيله بحديث النية وتصريحه بعده بأن ما رواه الفرد المخالَف بمن هو أرجح، شاذ مردود/ علوم الحديث/ ١٠٤؛ لكنه لم يُقيد في الإيراد تبعًا لعدم تقييد الخليلي والحاكم.(٤) قال ابن الصلاح -بعد ذكر تعريف الشاذ عند الشافعي والحاكم والخليلي-: قلت: أما ما حكم الشافعي عليه بالشذوذ فلا إشكال في أنه شاذ غير مقبول، وأما ما حكيناه عن غيره فيشكل بما ينفرد به العدل الحافظ الضابط، كحديث: إنما الأعمال بالنيات؛ فإنه حديث فرد، تفرد به عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ ، ثم تفرد به عن عمر، علقمة بن وقاص، ثم عن علقمة، محمد بن ابراهيم، ثم عنه يحيى بن سعيد، على ما هو الصحيح عند أهل الحديث/ علوم الحديث، مع التقييد والإِيضاح/ ١٠٢، والحديث أخرجه الستة من طُرق، عن يحيى بن سعيد، به/ تحفة الأشراف ٨/ ٩١ - ٩٣ ح ١٠٦١٢ ولشهرته نكتفي بتخريجه من الصحيحين، فقد أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي - باب =стр. 241
قلت: وفي لزومه نظر؛ للفرق بين الوصف بالثقة، والوصف بالعدل الحافظ، فيحتمل الثاني ما لا يحتمل الأول؛ لتفاوت الدرجتين، كما قلنا في الثقة والمستور (١) . الحواشي
(١) أورد الحافظ العراقي خلاصة هذا التعقب، ولم ينسبه للشارح، ثم أجاب عنه بعبارتين:
أولاهما قال: والجواب: أن الخليلي والحاكم ذكرا تفرد مطلق الثقة، فيدخل فيه الثقة الحافظ قطعًا/ التقييد والإِيضاح/ نسخة دار الكتب المصرية رقم ٢٥٣٣٧ ب/ ق ٣٦ ب، ونحوها في التدريب ١/ ٢٣٦.
وثانيتهما قال فيها: والجواب أن الحاكم ذكر تفرد مطلق الثقة، والخليلي إنما ذكر مطلق الراوي؛ فَيرِدُ على إطلاقهما تفرد العدل الحافظ ولكن الخليلي يجعل تفرد الراوي الثقة شاذًا صحيحًا، وتفرد الراوي غير الثقة شاذًا ضعيفًا، والحاكم ذكر تفرد مطابق الثقة، فيدخل فيه تفرد الثقة الحافظ قطعًا./ التقييد والإيضاح / ١٠١ ط السلفية، و ٨٤ ط حلب ونسخة دار الكتب المصرية رقم ٣٦ مصطلح الحديث/ ٧٦ ب، وقد أُثبِتَتْ العبارة بالهامش مع إشارة دخولها في الصلب بعلامة (صح)، وكتب بالهامش أيضًا أن تلك العبارة من زيادات العراقي في نكته في ٢٩ جمادي الأولى سنة ٧٩٣ هـ، وعليها مشى البقاعي/ النكت الوفية / ١٤٥ ب، ١٤٦ أ، ويؤيد ما ذكره العراقي في عبارتيه من دخول العدل الحافظ في وصف (الثقة) قول الذهبي: حد الثقة: العدالة والإِتقان/ الميزان/ ١/ ٥. =стр. 242
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وعليه فالفرق والتفاوت بينهما بحيث يحتمل الوصف بـ (عدل حافظ) ما لا يحتمله الوصف بـ (ثقة)، وقياس ذلك بالفرق بين الثقة والمستور، ثم جعل حديث العدل الحافظ صحيحًا، وحديث "الثقة" مرة حسنًا، ومرة صحيحًا كما سيأتي في بقية كلام الشارح، كل ذلك غير مسلم كما سنوضحه فيما يلي من التعليق.
لكن الحافظ ابن رجب قد التقى مع الشارح في دفع الإيراد المذكور عن الخليلي، وذكر أن الخليلي يفرق بين تفرد الثقة وتفرد الإِمام أو الحافظ؛ وبيان ذلك، أن الخليلي -قبل ذكره تعريف الشاذ عند حفاظ الحديث كما جاء في الأصل- قال: وأما الأفراد، فما تفرد به حافظ مشهور ثقة، أو إمام من الحفاظ والأئمة فهو صحيح متفق عليه، ومثل لذلك بما تفرد به مالك عن ابن شهاب عن أنس أن رسول الله ﷺ دخل مكة وعلى رأسه المغفر/ أخرجه البخاري/ كتاب الحج باب دخول مكة والحرم بغير احرام/ البخاري مع الفتح/ ٥٩ حديث/ ١٨٤٦ ومسلم في الحج - باب جواز دخول مكة بغير إحرام/ ٢/ ٩٨٩، ٩٩٠ حديث/ ٤٥٠ والترمذي -كتاب الجهاد- باب ما جاء في المغفر، وقال: حسن صحيح، لا تَعرِفُ كبير أحد رواه غير مالك عن الزهري/ الترمذي ٣/ ١١٩ حديث ١٧٤٤ / قال الخليلي: فهذا وأمثاله من الأسانيد متفق عليها/ منتخب الإِرشاد لأبي طاهر السلفي/ ل ٥ ب، ثم ذكر بعد ذلك تعريف الشاذ، كما في الأصل عن حفاظ الحديث وأقرهم.
فرأى الحافظ ابن رجب أن مجموع كلامي الخليلي عن الحديث الفرد والشاذ يدل على أنه يفرق بين ما ينفرد به شيخ ثقة، وبين ما ينفرد به إمام أو حافظ؛ فالأول يتوقف فيه، والثاني يحتج به، وأنه حكى ذلك عن حفاظ الحديث، وأيد ابن رجب تفرقة الخليلي هذه، فذكر: أن كلام الخليلي -يعني قولَه بالتوقف- في تفرد الشيوخ، والشيوخ في اصطلاح أهل هذا الفن عبارة عمن دون الأئمة والحفاظ، وقد يكون فيهم الثقة وغيرُه/ شرح العلل/ ١/ ٤٦١، ٤٦٢ مع تصرف يسير. وهذا الذي قرره الحافظ ابن رجب غير مُسلَّم له؛ لأن الشيوخ غير الثقات خارجين عن دائرة النزاع لضعفهم، وأما الشيوخ الثقات فإن سلّمنا له وللشارح =стр. 243
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ولمن يوافقهما أنهم دون الأئمة والحفاظ فإننا لا نُسلم أن التفاوت بينهم يصل إلى درجة إطلاق القول بقبول ما تفرد به الإمام أو الحافظ، والتوقف فيما تفرد به الشيخ الثقة، بل هم مشتركون في استيفاء شرط صحة الحديث لذاته عند جمهور العلماء وهو التوثيق، وتفاوتهم إنما هو في إطار الصحة، فرواية الثقة المستوفاة لباقي الشروط، صحيحة، ورواية الإِمام أو الحافظ المستوفاة لها أصح، والتفاوت بين الصحيح والأصح ينظر إليه عند التعارض، فيقدم الأصح على الصحيح، وهذا خلاف القول بالتوقف الذي رتبه الإِمام ابن رجب والشارح على التفاوت المذكور،/ انظر الإِفصاح/ ٩ أ، ب وتدريب الراوي ١/ ٧٦ وفتح المغيث للسخاوي ١/ ٢٠ والكفاية للخطيب/ ٤٢٥ ويؤيد هذا ما قرره جمهور العلماء في مراتب ألفاظ التعديل من أن التوثيق بأفعل التفضيل وما في حكمه أعلا من التوثيق بتكرير لفظ الثقة وما في درجته؛ وهذا أعلا من التوثيق بلفظ واحد منها، ولكنهم يقررون اشتراك الجميع في أصل الصحة والاحتجاج/ فتح المغيث للسخاوي ١/ ٣٦٣، ٣٦٨ وشرح شرح النخبة للقاري/ ٢٣٥ وعلوم الحديث لابن الصلاح مع التقييد والإيضاح/ ١٥٧، وميزان الاعتدال ١/ ٤ ومختصر علوم الحديث لابن كثير وشرحه للشيخ شاكر/ ١٠٥، ١٠٦، وعليه فالتفاوت بينهم في دائرة الصحة والاحتجاج. وأيضًا قرر غير واحد من الأئمة أن كلًا من: الحافظ، والحجة، والإمام، أعلا من الثقة لتميزهم عنه بالدراية والمعرفة، وكذا قرروا أن الحفاظ طبقات/ انظر فتح المغيث للسخاوي ١/ ٣٦٥ والموقظة للذهبي ٨ أ - ٩ أإلا أن الجمهور على أن تلك الألفاظ الثلاثة من مرتبة واحدة في الصحة/ فتح المغيث للسخاوي ١/ ٣٦٤، ٣٦٥ وعليه فالتفاوت بينهم في إطار نفس المرتبة. وإذن فالإمام والحافظ والثقة؛ بل والأعلى من ذلك، يشتركون عند التفرد في الخضوع للتفصيل الذي اعتبره المحققون من أنه إذا خالف أيًّا منهم من هُو أرجحُ منه كان ما تفرد به شاذًا مردودًا، وإذا لم يُخالَف كان صحيحًا، مع تفاوتهم في مراتب الصحة، وهذا يفيد عند التعارض بين ما هو صحيح وأصح كما قدمت، بل وبين أفراد الأصح كما في أصح الأسانيد في معارضة بعضها لبعض، وفي معارضتها للصحيح/ انظر فتح المغيث للسخاوي =стр. 244
فتلخص من هذا، أن الحديث الذي ينفرد به راويه غير مخالَف فيه، قد يتأتى فيه أحوال ثلاثة: الصحة، مع الحفظ، والحسن، مع الثقة (١) ، والرد، مع الستر (٢) وإذا تقرر هذا، فالحكم بالإسناد الواحد على الحديثين بتصحيح أحدهما وتحسين الآخر مع الثقة، أو تحسين أحدهما ورد الآخر مع الستر، بحسب المتابعة والانفراد، متوجه (٣) . الحواشي
(١) هذا خلاف ما تقدم في التعليق السابق من أن الجمهور على أن الثقة والحافظ من مرتبة توثيق واحدة وأن حديثهما صحيح لذاته.(٢) القول برد رواية ما تفرد به المستور غَيرُ المُخالَف هو مقتضى اشتراط الترمذي في الحسن لغيره: أن يُروى من غير وجه نحوه، ولكن سيأتي للشارح أن المستور المنفرد متردد بين القبول والرد، فيتوقف فيه حتى يوجد مرجح لجانب قبوله أو رده ص ٢٧٨، ٢٧٩، ٣٢٦، ٣٥٤، وهذا ما اختاره الحافظ ابن حجر كما تقدم ص ٢٢٩، ٢٣٠ هـ، وقد ذكرت هناك أن التوقف يكون إلى تمام البحث عن حالة، فإذا أيسنا من معرفته، رددنا روايته، كما هو رأي الجمهور، وقد جزم المؤلف بهذا بعد الموضع الذي اقتصر فيه على التوقف ص ٤٢٤ أيضًا.(٣) بل هذا الذي ذكره الشارح غير متوجه، بناءً على التفصيل الذي تقدم في حكم تفرد الثقة، وعلى القول المختار في تفرد المستور، وإنما المتجه أن حديث الثقة الفرد إذا لم يُخالَف بالأرجح منه، يكون صحيحًا لذاته بدون احتياج لمتابعة =стр. 245
وقد قال الحاكم في كتاب المدخل للصحيحين: إن أئمة النقل/ فرقوا بين الحافظ، والثقة، والثبْت، والمتقن، والصدوق، هذا في التعديل (١) ، الحواشي
(١) انظر المدخل إلى معرفة الصحيحين للحاكم/ ٢٨، وقد تقدم قريبًا أن تسليم الفرق بين الموصوفين بهذه الألفاظ وغيرها من ألفاظ التعديل لا يقتضي ما صرح به الشارح من تحسين حديث الثقة إذا انفرد وتصحيح حديث الحافظ، وبالتالي فاستدلاله بما ذكره الحاكم عن أئمة النقل، لا يستقيم، فهذه الألفاظ التي ذكرها الحاكم، الأربعة الأُول منها وإن تفاوتوا فيما بينهم فإنهم من مرتبة واحدة وهي المرتبة الثالثة من مراتب التعديل حسبما استقر عليه تقسيم المتأخرين للمراتب / تدريب الراوي ١/ ٣٤٢، ٣٤٣، وشرح شرح النخبة للقاري/ ٢٣٤ وفتح الباقي للأنصاري مع شرح التبصرة والتذكرة للعراقي ٢/ ٤ / وحديث أهل هذه المرتبة جميعًا صحيح لذاته وإن تفاوتت أفراده من صحيح إلى أصح كما تقدم قريبًا. أما لفظ "صدوق" فمرتبته تنزل عن مرتبة هؤلاء إلى المرتبة التالية لهم مباشرة وهي المرتبة الرابعة، وحديث أصحابها حسن لذاته، قال البقاعي: فإن الثقة مَن جَمع الوصفين: العدالة وتمام الضبط، ومن نزل عن التمام إلى أول درجات النقصان قيل فيه: صدوق؛ أو لا بأس به، ونحو ذلك، ولا يقال: ثقة إلا مع الإرداف بما يزيل اللبس/ النكت الوافية/ ١٩١ أ، ب/، يعني كأن يقال: ثقة له أوهام، أو أخطاء، ونحو ذلك.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر من ألفاظ المرتبة الثالثة في التعديل: ثقة، ومتقنًا، وثبتًا، ثم ذكر من ألفاظ الرابعة: صدوقًا، ولا بأس به، ومن ألفاظ الخامسة: صدوقًا يَهمِ أو له أوهام/ التقريب ١/ ٤ فعلق تلميذه البقاعي على ذلك بأن مرتبة "صدوق يَهم" ليس بينها وبين مرتبة من يقول شيخه فيه: ثقة أو ثبت إلا مرتبة واحدة -يعني مرتبة الصدوق ونحوها- ثم قال: وحديث هذا الضرب حسن لذاته/ النكت الوفية/ ٧٣ ب. وقال ابن الصلاح: إذا كان راوي الحديث =стр. 246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = متأخرًا عن درجة أهل الحفظ والإِتقان، غير أنه من المشهورين بالصدق والستر، ورُويَ مع ذلك حديثه من غير وجه، فقد اجتمعت له القوة من الجهتين، وذلك يرقِّي حديثه من درجة الحسن إلى درجة الصحيح/ علوم الحديث/ ٣١ ط السلفية، وأقره على ذلك النووي/ التقريب مع التدريب ١/ ١٧٥ والطيبي/ الخلاصة/ ٤٤، والسيوطي حيث ذكر قول ابن الصلاح: "مع كونه مشهورًا بالصدق والستر" ثم علق عليه بقوله: وقد عُلِمَ أن من هذه حاله، فحديثه حسن/ التدريب/ ١/ ١٧٥، وقال الحافظ ابن حجر: إن رواية الصدوق الذي لم يوصف بتمام الضبط والإتقان هي الحسن لذاته، وهو الذي لم يتعرض الترمذي لوصفه/ الإِفصاح/ ٤٧ أ، يعني في تعريفه للحسن، وسيأتي مزيد من ذلك في الجواب عن جمع الترمذي بين الصحة والحُسْن لما روي بإسناد واحد.
ومن هذا يتضح أن وصف "الثقة" إذا أطلق يراد به العدل التام الضبط، وبالتالي يكون الموصوف به حديثه صحيحًا لذاته، دون حاجة لمتابعة أو شاهد، ولا ينزل الى درجة الحسن كما ذكر الشارح.
كما يتضح أن المرتبة التالية لمرتبة الثقة هي مرتبة الحسن لذاته، وأنه لا يوصف أصحابها بوصف "ثقة" إلا مع التقييد بما يدل على النزول عن تمام الضبط كأن يقال: ثقة له أخطاء، ونحو ذلك، حتى لا تلتبس ألفاظ المرتبتين، وبالتالي يلتبس الحسن بالصحيح مع قصوره في الحقيقة عنه حتى عند من يسمي الحسن صحيحًا/ علوم الحديث لابن الصلاح مع التقييد والايضاح/ ٦٢.
ويتضح أيضًا أن درجة الحديث الحسن لذاته لها ألفاظ اصطلاحية خاصة ومنها (صدوق) "ولا بأس به" وذلك حين يوصف الراوي بأي منهما مطلقة بدون اقتران بما يدل على النزول إلى الضعف "كصدوق كثير الغلط" أو بما يدل على الارتفاع الى درجة الصحة كـ "صدوق ضابط" أو "صدوق حافظ".
وأما قول ابن أبي حاتم: وإذا قيل له -أي للراوي- إنه "صدوق" ... أو "لا بأس به" فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه/ الجرح والتعديل ٢/ ٣٧ / وقول ابن الصلاح: هذا كما قال؛ لأن هذه العبارات لا تشعر بشريطة الضبط/ علوم =стр. 247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الحديث مع التقييد والإِيضاح/ ١٥٨. فهذا لا يعكر على ما تقدم عن غيرهما؛ لأنه يمكن الجواب عن ذلك بأكثر من جواب لا يتسع المقام هنا لتقريره، ولكن نكتفي من ذلك بالنسبة لابن الصلاح بتصريحه نفسه في مبحث الحسن بتحسين حديث الصدوق، كما تقدم نقله عنه واقرار غيره له، وبالنسبة لابن أبي حاتم قد صرح في معرض بَيانه لوجوب تمييز مراتب الرواة، ثم في تقسيمه لمراتب الرواة من أتباع التابعين عازيًا لجهابذة النقاد ومقرًا لهم حيث إنه في الموضعين قد قرر: أن الصدوق الورع الثَبْت الذي يهم أحيانًا، وقد قَبِلة إلجهابذة النقاد، فهذا يحتج بحديثه/ الجرح والتعديل ١/ ٦، ١٠، فإذا كان وصف الصدوق المقترن بما يدل على الوهم أحيانًا، قد قبله جهابذة النقد، وقرر هو الاحتجاج بحديثه، فأولى بذلك من وُصِف بـ"صدوق" مُطلقًا، ولا يقال: إن ذلك خاص بأتباع التابعين دون غيرهم؛ لأن الجمهور على عدم الفرق بين من سِوَى الصحابة من التابعين فمن بعدهم من الرواة في الخضوع للجرح والتعديل، ولو كان قبول الصدوق خاصًا بمن هو من أتباع التابعين لكان عليه أن يستثنيهم من عموم الحكم المتقدم بعدم القبول.
ومع أن"صدوقًا مقترنة في عبارته بـ"ثبت" التي تعني الثقة، إلا أنه صدَّر وصف "الصدوق" وبنى التقسيم عليه.
ومما يلاحظ أن عامة من نقل كلام ابن أبي حاتم في مراتب الرواة يقتصرون على نقل الموضع الأول فقط، دون إشارة إلى الموضعين الأخرين، أو جواب عنهما، مع أن كلامه في الموضعين فيه عزو منه لغيره من النقاد، وإقرار منه للمنقول، كما يلاحظ أن الذين صرحوا بتحسين حديث من وُصف بالفاظ المرتبة الرابعة اقتصروا على ذكر ذلك في مبحث الحديث الحسن، ولم ينبهوا أو يحيلوا عليه في مراتب التعديل، وقد تسبب هذا في اختلاف الأراء حول تحديد ألفاظ التعديل الاصطلاحية التي يحكم لمن وصف بها أن حديثه حسن لذاته، ولكن من المتأخرين من تنبه لذلك وربط بين ما صرحوا به في مبحث الحسن وبين مراتب ألفاظ التعديل في موضعها، كالشيخ أحمد شاكر ﵀، الباعث الحثيث/ ١٠٥، ١٠٦ وإن كان ما ذكره يحتاج إلى تحرير أكثر ليتطابق مع ما تقدم نقله عن المتقدمين، والله أعلم.стр. 248
وكثير (١) مما يُورَد على الترمذي واضح:
الأول (٢) : أعني التصحيح والتحسين - بسند واحد (٣) وهذا جواب عنه مما أَورَد عليه الحافظ أبو الحسن بن القطان: ذِكْرهُ حديث "الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة"، بسند ذكر بنحوه حديث "أين كان ربنا قبل أن يخلق سماواته وأرضه"؟؛ فصحح الأول وحسن الثاني، ولا خفاء بما بينهما من التفاوت في الشهرة والمتابعات (٤) . الحواشي
(١) بالأصل "وكثيرًا" والموافق لقواعد الإعراب ما أثبته.(٢) ذكر الشارح "الأول" هكذا ولم يذكر الثاني بعد ذلك، وقد كُتِب مقابله بهامش الأصل كلمة (كذا) إشارة إلى أن الكلام ثابت في الأصل المنقول عنه هكذا، وإن لم يستقم السياق عليه، ولعل الأمر الثاني هو قوله فيما سيأتي ص ٢٦٣ ومما وقع لابن القطان ... الخ.(٣) يتضح من مراجعة إسناد الحديثين اللذين سيذكرهما المؤلف عقب هذا أن المراد بوحدة السند هو الاتفاق في بعض حلقات سند الحديثين، فيكون الراوي واحدًا يدور عليه الإسنادان، ويخرج منه الحديثان.(٤) حديث "الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة" أخرجه الترمذي بالسند الذي أشار الشارح إليه، وسياقه هكذا: قال الترمذي: حدثنا الحسن بن علي الخلال أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا شعبة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عُدُس عن عمه أبي رَزِين عن النبي ﷺ قال: رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وهي على رِجْل طائر ما لم يُحدِّث بها، وإذا حَدَّث بها وَقَعَتْ، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح/ جامع الترمذي - أبواب الرؤيا - باب تعبير الرؤيا ٣/ ٣٦٦ ح ٢٣٨١ وقد أخرجه الطبراني في الكبير من طريق علي بن الجعد أنا شعبة وهشيم عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عُدس عن عمه أبي رَزِين العَقِيلي قال: قال رسول الله ﷺ : الرؤيا جزء من أربعين جزءًا، أو ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وهي على رجْل طائر فإذا عُبرتстр. 249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وقعت. قال شعبة: وأحسبه -يعني يعلي- قال: لا يقصها إلا على وادّ أو ذي رأي/ المعجم الكبير للطبراني ١٩/ ٢٠٤ ح ٤٦١ وهذه الرواية أجمع ما وقفت عليه من روايات الحديث وأوضحها؛ ففيها بيان أن أبا رَزِين عم وكيع الراوي عنه، وبيان أن صدر الحديث روي بلفظ "أربعين جزءًا وبلفظ" "ستة وأربعين" وبيان أن القائل: "وأحسبه" هو شعبة حاكيًا عن شيخه يعلى بن عطاء، بخلاف قول صاحب تحفة الأحوذي ٦/ ٥٥٩: قال: أي أبو رَزِين العَقيلي، وقائله وكيع بن عُدس، وأَحسبه أي رسول الله ﷺ . ويبدو أن الأول هو الأقرب؛ لأنه المصرح به في الرواية كما ترى.
وقد ورد الحديث بروايات أخرى متعددة، بعضها بسياق رواية الترمذي أو نحوها، مع الاختلاف في العدد الدال على نسبة الرؤية من النبوة، بين أربعين، وستة وأربعين، وسبعين جزءًا، وبعضها يُقدَّم فيه صدر الحديث المتعلق بنسبة الرؤيا من النبوة على عجُزِه المتعلق بكون الرؤيا على رجل طائر ما لم تُعبَّر/ انظر المعجم الكبير للطبراني ١٩/ ٢٠٥، ٢٠٦ حديث ٤٦٢ إلى ٤٦٤، وسنن ابن ماجه ٢/ ٢٨٨ حديث ٣٩١٤، موارد الظمآن/ ٤٤٤ حديث ١٧٩٦، ومستدرك الحاكم مع تلخيصه للذهبي ٤/ ٣٩٠ ومسند أحمد ٤/ ١٠ إلى ١٣ والطيالسي كما في منحة المعبود ١/ ٣٤٩. وبعض الروايات يذكر فيها صدر الحديث فقط كحديث مستقل، أو في أثناء حديث مع اختلاف نسبة الرؤيا من النبوة/ انظر البخاري مع الفتح ١٢/ ٣١٦ ح ٦٩٨٣ وص ٣٧٣ ح ٦٩٨٦ إلى ٦٩٨٩ وصحيح مسلم ٤/ ١٧٧٣ ح ٦ برواياته، وسنن ابن ماجه ٢/ ١٢٨٩ ح ٣٩١٧ والطيالسي كمافي منحة المعبود ١/ ٣٤٩ ومصنف ابن أبي شيبة ١١/ ٥٠ و ٥١، وقد سرد الحافظ ابن حجر خمس عشرة رواية في بيان عدد نسبة الرؤيا من النبوة، وقرر هو وابن بطال من قبله أن أصحها مطلقًا رواية "ستة وأربعين" المذكورة في صدر رواية الترمذي السابقة، مع أنه أخرج رواية أربعين جزءًا بنفس السند وصححها/ جامع الترمذي - أبواب الرؤيا باب تعبير الرؤيا ٣/ ٣٦٦ ح ٢٣٨٠، انظر فتح الباري ١٢/ ٣٦٣ و ٣٦٥.стр. 250
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وبعض الروايات يُذكَر فيها عجز الحديث فقط حديثًا مستقلًا/ انظر سنن أبي داود ٥/ ٢٨٣ ح ٥٠٢٠ والدارمي ٢/ ٥١ ح ٢١٥٤. وبعضها يُذكر فيه صدر الحديث. ثم يُعطف عليه عجزه كحديث مستقل، مع أن الإسناد واحد، وذلك كما أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١٩/ ٢٠٦ ح ٤٦٤ وابن أبي شيبة في مصنفه ١١/ ٥٠ ح ١٨٣٥ كلاهما من طريق يعلى بن عطاء عن وكيع بن عُدس العَقيلي عن عمه أبي رَزِين أنه سمع النبي ﷺ يقول: الرؤيا على رِجْل طائر ما لم تُعبّر فإذا عبرت وقعت، قال: والرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (الحديث).
وبالنظر في هذه الروايات عمومًا نجد أن صدر الحديث له شواهد متعددة صحيحة تفيد شهرته كما ذكر الشارح، ونجد لعجزه شاهدًا صحيحًا أيضًا كما سيأتي ذكره؛ لكن لم أجد للطريق التي أورد الترمذي الحديث منها متابعًا كما أشار الشارح؛ فمن الشواهد الصحيحة لصدر الحديث ما أخرجه الترمذي نفسه من حديث أبي هريرة بلفظ: "رؤيا المسلم جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة" في أثناء الحديث، وقال: هذا حديث صحيح، وأخرجه من حديث عبادة بن الصامت بلفظه مع ذكر "المؤمن" بدل "المسلم" وقال: حديث عبادة حديث صحيح/ جامع الترمذي -أبواب الرؤيا- باب رؤيا المؤمن ٨٣/ ٣٦٦٣ ح ٢٣٧٢، ٢٣٧٣. وأخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ومن حديث عبادة أيضًا بلفظه، ومن حديث أبي سعيد الخدري بلفظ "الرؤيا الصالحة جزء ... (الحديث) - كتاب التعبير - باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة/ البخاري مع الفتح ١٢/ ٣٧٣ ح ٦٩٨٧، ٦٩٨٩، وأخرجه مسلم من طرق عن أبي هريرة بلفظ "رؤيا المسلم" و"رؤيا المؤمن" (الحديث) وبلفظ (الرؤيا الصالحة) مع زيادة، وبدون زيادة، وأخرجه من حديث عبادة بن الصامت بلفظ "رؤيا المؤمن" (الحديث) / صحيح مسلم - كتاب الرؤيا الباب الأول/ ٤/ ١٧٧٣ أحاديث ٦ - ٨. وأخرجه أبو داود من حديث عُبادة، بلفظ رواية مسلم - كتاب الأدب - باب ما جاء في الرؤيا - سنن أبي داود ٥/ ٢٨١ ح ٥٠١٨.следующие страницы →