Полный текст (909 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = متأخرًا عن درجة أهل الحفظ والإِتقان، غير أنه من المشهورين بالصدق والستر، ورُويَ مع ذلك حديثه من غير وجه، فقد اجتمعت له القوة من الجهتين، وذلك يرقِّي حديثه من درجة الحسن إلى درجة الصحيح/ علوم الحديث/ ٣١ ط السلفية، وأقره على ذلك النووي/ التقريب مع التدريب ١/ ١٧٥ والطيبي/ الخلاصة/ ٤٤، والسيوطي حيث ذكر قول ابن الصلاح: "مع كونه مشهورًا بالصدق والستر" ثم علق عليه بقوله: وقد عُلِمَ أن من هذه حاله، فحديثه حسن/ التدريب/ ١/ ١٧٥، وقال الحافظ ابن حجر: إن رواية الصدوق الذي لم يوصف بتمام الضبط والإتقان هي الحسن لذاته، وهو الذي لم يتعرض الترمذي لوصفه/ الإِفصاح/ ٤٧ أ، يعني في تعريفه للحسن، وسيأتي مزيد من ذلك في الجواب عن جمع الترمذي بين الصحة والحُسْن لما روي بإسناد واحد.
ومن هذا يتضح أن وصف "الثقة" إذا أطلق يراد به العدل التام الضبط، وبالتالي يكون الموصوف به حديثه صحيحًا لذاته، دون حاجة لمتابعة أو شاهد، ولا ينزل الى درجة الحسن كما ذكر الشارح.
كما يتضح أن المرتبة التالية لمرتبة الثقة هي مرتبة الحسن لذاته، وأنه لا يوصف أصحابها بوصف "ثقة" إلا مع التقييد بما يدل على النزول عن تمام الضبط كأن يقال: ثقة له أخطاء، ونحو ذلك، حتى لا تلتبس ألفاظ المرتبتين، وبالتالي يلتبس الحسن بالصحيح مع قصوره في الحقيقة عنه حتى عند من يسمي الحسن صحيحًا/ علوم الحديث لابن الصلاح مع التقييد والايضاح/ ٦٢.
ويتضح أيضًا أن درجة الحديث الحسن لذاته لها ألفاظ اصطلاحية خاصة ومنها (صدوق) "ولا بأس به" وذلك حين يوصف الراوي بأي منهما مطلقة بدون اقتران بما يدل على النزول إلى الضعف "كصدوق كثير الغلط" أو بما يدل على الارتفاع الى درجة الصحة كـ "صدوق ضابط" أو "صدوق حافظ".
وأما قول ابن أبي حاتم: وإذا قيل له -أي للراوي- إنه "صدوق" ... أو "لا بأس به" فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه/ الجرح والتعديل ٢/ ٣٧ / وقول ابن الصلاح: هذا كما قال؛ لأن هذه العبارات لا تشعر بشريطة الضبط/ علوم =стр. 247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الحديث مع التقييد والإِيضاح/ ١٥٨. فهذا لا يعكر على ما تقدم عن غيرهما؛ لأنه يمكن الجواب عن ذلك بأكثر من جواب لا يتسع المقام هنا لتقريره، ولكن نكتفي من ذلك بالنسبة لابن الصلاح بتصريحه نفسه في مبحث الحسن بتحسين حديث الصدوق، كما تقدم نقله عنه واقرار غيره له، وبالنسبة لابن أبي حاتم قد صرح في معرض بَيانه لوجوب تمييز مراتب الرواة، ثم في تقسيمه لمراتب الرواة من أتباع التابعين عازيًا لجهابذة النقاد ومقرًا لهم حيث إنه في الموضعين قد قرر: أن الصدوق الورع الثَبْت الذي يهم أحيانًا، وقد قَبِلة إلجهابذة النقاد، فهذا يحتج بحديثه/ الجرح والتعديل ١/ ٦، ١٠، فإذا كان وصف الصدوق المقترن بما يدل على الوهم أحيانًا، قد قبله جهابذة النقد، وقرر هو الاحتجاج بحديثه، فأولى بذلك من وُصِف بـ"صدوق" مُطلقًا، ولا يقال: إن ذلك خاص بأتباع التابعين دون غيرهم؛ لأن الجمهور على عدم الفرق بين من سِوَى الصحابة من التابعين فمن بعدهم من الرواة في الخضوع للجرح والتعديل، ولو كان قبول الصدوق خاصًا بمن هو من أتباع التابعين لكان عليه أن يستثنيهم من عموم الحكم المتقدم بعدم القبول.
ومع أن"صدوقًا مقترنة في عبارته بـ"ثبت" التي تعني الثقة، إلا أنه صدَّر وصف "الصدوق" وبنى التقسيم عليه.
ومما يلاحظ أن عامة من نقل كلام ابن أبي حاتم في مراتب الرواة يقتصرون على نقل الموضع الأول فقط، دون إشارة إلى الموضعين الأخرين، أو جواب عنهما، مع أن كلامه في الموضعين فيه عزو منه لغيره من النقاد، وإقرار منه للمنقول، كما يلاحظ أن الذين صرحوا بتحسين حديث من وُصف بالفاظ المرتبة الرابعة اقتصروا على ذكر ذلك في مبحث الحديث الحسن، ولم ينبهوا أو يحيلوا عليه في مراتب التعديل، وقد تسبب هذا في اختلاف الأراء حول تحديد ألفاظ التعديل الاصطلاحية التي يحكم لمن وصف بها أن حديثه حسن لذاته، ولكن من المتأخرين من تنبه لذلك وربط بين ما صرحوا به في مبحث الحسن وبين مراتب ألفاظ التعديل في موضعها، كالشيخ أحمد شاكر ﵀، الباعث الحثيث/ ١٠٥، ١٠٦ وإن كان ما ذكره يحتاج إلى تحرير أكثر ليتطابق مع ما تقدم نقله عن المتقدمين، والله أعلم.стр. 248
وكثير (١) مما يُورَد على الترمذي واضح:
الأول (٢) : أعني التصحيح والتحسين - بسند واحد (٣) وهذا جواب عنه مما أَورَد عليه الحافظ أبو الحسن بن القطان: ذِكْرهُ حديث "الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة"، بسند ذكر بنحوه حديث "أين كان ربنا قبل أن يخلق سماواته وأرضه"؟؛ فصحح الأول وحسن الثاني، ولا خفاء بما بينهما من التفاوت في الشهرة والمتابعات (٤) . الحواشي
(١) بالأصل "وكثيرًا" والموافق لقواعد الإعراب ما أثبته.(٢) ذكر الشارح "الأول" هكذا ولم يذكر الثاني بعد ذلك، وقد كُتِب مقابله بهامش الأصل كلمة (كذا) إشارة إلى أن الكلام ثابت في الأصل المنقول عنه هكذا، وإن لم يستقم السياق عليه، ولعل الأمر الثاني هو قوله فيما سيأتي ص ٢٦٣ ومما وقع لابن القطان ... الخ.(٣) يتضح من مراجعة إسناد الحديثين اللذين سيذكرهما المؤلف عقب هذا أن المراد بوحدة السند هو الاتفاق في بعض حلقات سند الحديثين، فيكون الراوي واحدًا يدور عليه الإسنادان، ويخرج منه الحديثان.(٤) حديث "الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة" أخرجه الترمذي بالسند الذي أشار الشارح إليه، وسياقه هكذا: قال الترمذي: حدثنا الحسن بن علي الخلال أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا شعبة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عُدُس عن عمه أبي رَزِين عن النبي ﷺ قال: رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وهي على رِجْل طائر ما لم يُحدِّث بها، وإذا حَدَّث بها وَقَعَتْ، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح/ جامع الترمذي - أبواب الرؤيا - باب تعبير الرؤيا ٣/ ٣٦٦ ح ٢٣٨١ وقد أخرجه الطبراني في الكبير من طريق علي بن الجعد أنا شعبة وهشيم عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عُدس عن عمه أبي رَزِين العَقِيلي قال: قال رسول الله ﷺ : الرؤيا جزء من أربعين جزءًا، أو ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وهي على رجْل طائر فإذا عُبرتстр. 249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وقعت. قال شعبة: وأحسبه -يعني يعلي- قال: لا يقصها إلا على وادّ أو ذي رأي/ المعجم الكبير للطبراني ١٩/ ٢٠٤ ح ٤٦١ وهذه الرواية أجمع ما وقفت عليه من روايات الحديث وأوضحها؛ ففيها بيان أن أبا رَزِين عم وكيع الراوي عنه، وبيان أن صدر الحديث روي بلفظ "أربعين جزءًا وبلفظ" "ستة وأربعين" وبيان أن القائل: "وأحسبه" هو شعبة حاكيًا عن شيخه يعلى بن عطاء، بخلاف قول صاحب تحفة الأحوذي ٦/ ٥٥٩: قال: أي أبو رَزِين العَقيلي، وقائله وكيع بن عُدس، وأَحسبه أي رسول الله ﷺ . ويبدو أن الأول هو الأقرب؛ لأنه المصرح به في الرواية كما ترى.
وقد ورد الحديث بروايات أخرى متعددة، بعضها بسياق رواية الترمذي أو نحوها، مع الاختلاف في العدد الدال على نسبة الرؤية من النبوة، بين أربعين، وستة وأربعين، وسبعين جزءًا، وبعضها يُقدَّم فيه صدر الحديث المتعلق بنسبة الرؤيا من النبوة على عجُزِه المتعلق بكون الرؤيا على رجل طائر ما لم تُعبَّر/ انظر المعجم الكبير للطبراني ١٩/ ٢٠٥، ٢٠٦ حديث ٤٦٢ إلى ٤٦٤، وسنن ابن ماجه ٢/ ٢٨٨ حديث ٣٩١٤، موارد الظمآن/ ٤٤٤ حديث ١٧٩٦، ومستدرك الحاكم مع تلخيصه للذهبي ٤/ ٣٩٠ ومسند أحمد ٤/ ١٠ إلى ١٣ والطيالسي كما في منحة المعبود ١/ ٣٤٩. وبعض الروايات يذكر فيها صدر الحديث فقط كحديث مستقل، أو في أثناء حديث مع اختلاف نسبة الرؤيا من النبوة/ انظر البخاري مع الفتح ١٢/ ٣١٦ ح ٦٩٨٣ وص ٣٧٣ ح ٦٩٨٦ إلى ٦٩٨٩ وصحيح مسلم ٤/ ١٧٧٣ ح ٦ برواياته، وسنن ابن ماجه ٢/ ١٢٨٩ ح ٣٩١٧ والطيالسي كمافي منحة المعبود ١/ ٣٤٩ ومصنف ابن أبي شيبة ١١/ ٥٠ و ٥١، وقد سرد الحافظ ابن حجر خمس عشرة رواية في بيان عدد نسبة الرؤيا من النبوة، وقرر هو وابن بطال من قبله أن أصحها مطلقًا رواية "ستة وأربعين" المذكورة في صدر رواية الترمذي السابقة، مع أنه أخرج رواية أربعين جزءًا بنفس السند وصححها/ جامع الترمذي - أبواب الرؤيا باب تعبير الرؤيا ٣/ ٣٦٦ ح ٢٣٨٠، انظر فتح الباري ١٢/ ٣٦٣ و ٣٦٥.стр. 250
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وبعض الروايات يُذكَر فيها عجز الحديث فقط حديثًا مستقلًا/ انظر سنن أبي داود ٥/ ٢٨٣ ح ٥٠٢٠ والدارمي ٢/ ٥١ ح ٢١٥٤. وبعضها يُذكر فيه صدر الحديث. ثم يُعطف عليه عجزه كحديث مستقل، مع أن الإسناد واحد، وذلك كما أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١٩/ ٢٠٦ ح ٤٦٤ وابن أبي شيبة في مصنفه ١١/ ٥٠ ح ١٨٣٥ كلاهما من طريق يعلى بن عطاء عن وكيع بن عُدس العَقيلي عن عمه أبي رَزِين أنه سمع النبي ﷺ يقول: الرؤيا على رِجْل طائر ما لم تُعبّر فإذا عبرت وقعت، قال: والرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (الحديث).
وبالنظر في هذه الروايات عمومًا نجد أن صدر الحديث له شواهد متعددة صحيحة تفيد شهرته كما ذكر الشارح، ونجد لعجزه شاهدًا صحيحًا أيضًا كما سيأتي ذكره؛ لكن لم أجد للطريق التي أورد الترمذي الحديث منها متابعًا كما أشار الشارح؛ فمن الشواهد الصحيحة لصدر الحديث ما أخرجه الترمذي نفسه من حديث أبي هريرة بلفظ: "رؤيا المسلم جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة" في أثناء الحديث، وقال: هذا حديث صحيح، وأخرجه من حديث عبادة بن الصامت بلفظه مع ذكر "المؤمن" بدل "المسلم" وقال: حديث عبادة حديث صحيح/ جامع الترمذي -أبواب الرؤيا- باب رؤيا المؤمن ٨٣/ ٣٦٦٣ ح ٢٣٧٢، ٢٣٧٣. وأخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ومن حديث عبادة أيضًا بلفظه، ومن حديث أبي سعيد الخدري بلفظ "الرؤيا الصالحة جزء ... (الحديث) - كتاب التعبير - باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة/ البخاري مع الفتح ١٢/ ٣٧٣ ح ٦٩٨٧، ٦٩٨٩، وأخرجه مسلم من طرق عن أبي هريرة بلفظ "رؤيا المسلم" و"رؤيا المؤمن" (الحديث) وبلفظ (الرؤيا الصالحة) مع زيادة، وبدون زيادة، وأخرجه من حديث عبادة بن الصامت بلفظ "رؤيا المؤمن" (الحديث) / صحيح مسلم - كتاب الرؤيا الباب الأول/ ٤/ ١٧٧٣ أحاديث ٦ - ٨. وأخرجه أبو داود من حديث عُبادة، بلفظ رواية مسلم - كتاب الأدب - باب ما جاء في الرؤيا - سنن أبي داود ٥/ ٢٨١ ح ٥٠١٨.стр. 251
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وأخرجه الدارمي من حديث عبادة بلفظ رواية مسلم - كتاب الرؤيا - باب في رؤيا المسلم/ سنن الدارمي ٢/ ٤٨ ح ٢١٤٣.
وأما عجز الحديث: وهو أن الرؤيا "على رجْل طائر ما لم يحدث بها، وإذا حدث بها وقعت" فأخرجه الدارمي بلفظه - كتاب الرؤيا - باب الرؤيا لا تقع ما لم تعبر- سنن الدارمي ٢/ ٥١ ح ٢١٥٤، وأخرجه أبو داود بنحوه مع زيادة كلمة "شعبة" قال: وأحسبه قال: ولا تَقُصَّها إلا على وادٍّ أَو ذِي رَأْي - كتاب الأدب - باب ما جاء في الرؤيا - سنن أبي داود ٥/ ٢٨٣ خ ٥٠٢٠، وأخرجه ابن حبان في صحيحه بمثل رواية أبي داود، وذكر صدر الحديث بلفظ "رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءًا" بدل "ستة وأربعين" موارد الظمآن - كتاب التعبير - باب رؤيا المؤمن/ ٤٤٤ وهذه الرواية أخرجها الترمذي أيضًا قبل رواية "ستة وأربعين" السابق ذكرها. وأخرج ابن حبان أيضًا الحديث بلفظ "الرؤيا جزء من سبعين جزءًا من النبوة، والرؤيا معلقة برجل طائر ما لم يتحدث بها صاحبها، فإذا حدث بها وقعت، فلا تحدث بها إلا عالمًا أو ناصحًا أو حبيبًا".
وأخرجه أيضًا، بنحوه مختصرًا وفيه "أربعين جزءً"/ موارد الظمآن/ الموضع السابق. وأخرجه أيضًا أحمد في مسنده بلفظ "رؤيا المسلم جزء من أربعين جزءًا من النبوة، وهي على رجل طائر ما لم يحدث بها فإذا حدث بها وقعت، قال: -أي شعبة- أظنه قال: لا يحدث بها إلا حبيبًا أو لبيبًا" وأخرجه أيضًا وفيه قول شعبة: "أشك" بدل "أظنه" و"ما لم يخبر بها" بدل "يحدث بها" وأخرجه أحمد أيضًا بلفظ "رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزئًا من النبوة، وهي على رجل طائر ما لم يحدث بها، فإذا حدث بها سقطت، وأحسبه قال: لا يحدث بها إلا حبيبًا أو لبيبًا/ مسند أحمد ٤/ ١١، ١٢، ١٣ وأخرجه الطيالسي بلفظ رواية أحمد السابقة مع زيادة لفظ "معلقة" بعد كلمة "طائر"/ مسند الطيالسي حديث ١٠٨٨.
أقول: وكل هذه الروايات التي ورد فيها الشطر الثاني لرواية الترمذي أخرجها كل من ذكرت، من طريق يعلى بن عطاء عن وكيع بن عُدُس وقيل "حُدس" عنстр. 252
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = عمه أبي رَزِين عن النبي ﷺ ... وهو السند الذي أخرج به الترمذي الحديث بشطريه، وأشار اليه الشارح كما قدمت؛ لكن وقع في إحدى روايات أحمد. سياق الإسناد هكذا: "عن يعلى بن عطاء عن أبي رَزِين لقيط عن عمه، رفعه" ولكن عليه علامة الاشارة لوجود خطأ فيه، ولكنه لم يصوب ويبدو أنه خطأ في النسخ فقط لاتفاق روايتي أحمد الأخريين مع بقية المصادر على سياق الإسناد كما هو عند الترمذي، وكما تقدم سياقه. وقد تعددت طرق الحديث عن يعلى بن عطاء؛ فرواه عنه هثيم وشعبة وسفيان وحماد بن سلمة وأبو عوانة، كما أشار إليه الترمذي عقب تخريج الحديث وكما جاء في المصادر السابق تخريج الحديث منها، لكن لم أجد من تابع يعلى بن عطاء ولا وكيعًا على رواية الحديث، وقد قال الذهبي في ترجمة وكيع: تفرد عنه يعلى بن عطاء/ الميزان ٤/ ٣٣٥ ترجمة ٩٣٥٥، وقال في اللسان: روى عنه يعلى بن عطاء فقط ٧/ ٤٢٥ لكن نقل ابن حبان عن أحمد بن حنبل أنه أصاب في كتاب الأشجعي: عن شقيق ووكيع بن حُدس/ الثقات ٥/ ٤٩٦ وهذا يفيد متابعة شقيق هذا لوكيع لكن لم أجد ما يعرفنا بشقيق من هو؟ ولم أجد في ترجمة أبي رَزِين الذي يروي عنه وكيع هذا الحديث من اسمه شقيق/ الاصابة مع الاستيعاب ٣/ ١١٣ وتهذيب التهذيب ٨/ ٤٥٦ وتهذيب الكمال ٣/ ١١٥٢ والثقات لابن حبان/ ٣/ ٣٥٩. وإسناد الترمذي الى وكيع جميعهم ثقات وهم: الحسن بن علي الخلال/ التقريب ١/ ١٦٨ ترجمة ٢٩٦ ويزيد بن هارون/ التقريب/ ٢/ ٣٧٢ ترجمة ٣٤٠ وشعبة بن الحجاج/ التقريب/ ١/ ٣٥١ ترجمة ٦٧ ويعلى بن عطاء/ التقريب ٢/ ٣٧٨ ترجمة ٣٠٩، أما وكيع فهو ابن عُدُس -بالعين والدال والسين المهملات، بضم أوله وثانيه وقد يفتح ثانيه، ويقال "حدس" بالحاء بدل العين وعن أحمد والجواليقي أنه الصواب، ومال اليه ابن حبان وقال الترمذي: الأول أصح، وكنية وكيع "أبو مصعب" ونسبته "العَقِيلي" بفتح العين، وقيل بضمها وقد ذكره ابن حبان في الثقات وقال: يَروِي عن أبي رَزِين وهو عمه، وروى عنه يعلى بن عطاء، ثم أخرج له حديثه هذا في صحيحه كما تقدم ذكر ذلك في تخريجه، وقال الذهبي في الميزان: تفرد عنه يعلى بن عطاء، وفي اللسان =стр. 253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = لابن حجر: روى عنه يعلى بن عطاء فقط. قال عنه ابن القطان: مجهول الحال، وقال ابن قتيبة في اختلاف الحديث: غير معروف، وقال الذهبي في الميزان: لا يُعرف، وقال في الكاشف: وُثِّق، وقال ابن حجر في التقريب: مقبول/ انظر الثقات لابن حبان/ ٥/ ٤٩٦ والكاشف/ ٣/ ٢٣٧ ترجمة/ ٦١٦٠ والميزان ٤/ ٣٣٥ ترجمة ٩٣٥٥ واللسان ٧/ ٤٢٥ وتقريب التهذيب ٢/ ٣٣١ ترجمة ٤١ والاكمال لابن ماكولا/ ٩/ ١٥٣ والخلاصة/ ٤١٥؛ ومن ذلك كله يبدو لي -والله أعلم- أن وكيعًا مجهول الحال، كا قال ابن القطان وغيره، وقول الذهبي: إنه "وُثق" إشارة الى ذكر ابن حبان له في الثقات، ولعله ذكره على قاعدته التي صرح بها في صدر كتابه من أن العدل: مَن لم يُعرَف منه الجرح، أخذا بالظاهر، وكذا تصحيحه لحديثه -كما تقدم- لتوفر شروطه الخمسة الأخرى من عدم كل من النكارة والتدليس والانقطاع، وغيرها/ انظر الثقات لابن حبان ١/ ١٠ - ١٣، وبذلك يكون حديث الترمذي المذكور من طريق وكيع هذا ضعيفًا لجهالة حاله؛ لكن كما وجد لصدر الحديث شواهد صحيحة كما تقدم، فقد وُجد شاهد صحيح أيضًا لعجز الحديث، وهذا الشاهد هو ما أخرجه الحاكم في مستدركه من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن الرؤيا تقع على ما تُعبّر به، ومَثَلُ ذلك مَثلُ رَجُلِ رفع رجله فهو ينتظر متى يضعُها، فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها الا ناصحًا أو عالمًا، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي/ المستدرك وتلخيصه كتاب تعبير الرؤيا ٤/ ٣٩١.
أما الحديث الثاني: الذي ذكر الشارح أن الترمذي أخرجه بنحو سند الحديث السابق الذي صححه، ولكنه اقتصر على تحسينه فقط، وهو حديث: "أين كان ربنا قبل أن يخلق سمواته وأرضه؟ " فقد أخرجه الترمذي، فقال: حدثنا أحمد بن منيع أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن حُدس عن عمه أبي رَزِين قال: قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلُق خلقه؟ قال: كان في عماء، ما تحته هواء، وما فوقه هواء وخلق عرشه على الماء، قال أحمد بن يزيد: العماء أي ليس معه شيء، قال الترمذي: هذا حديث =стр. 254
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = حسن/ جامع الترمذي - كتاب التفسير - سورة هود/ ٤/ ٣٥١ ح ٥١٠٩. وقد أخرجه أيضًا بن ماجه في سننه من طريق يزيد بن هارون؛ بلفظه، وزاد: "وما ثَم خَلْق" قبل قوله "عرشه على الماء"/ سنن ابن ماجه - المقدمة - باب ما أنكرت الجهمية/ ١/ ٦٤ ح ١٨٢.
وأخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء، به بلفظ "أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: في عماء، ما فوقه هواء، وما تحته هواء". وفي أوله زيادة/ موارد الظمآن/ كتاب الإيمان - باب في الرؤية/ ٤٠ ح/ ٣٩ وأخرجه أحمد في مسنده عن يزيد بن هارون، به بلفظه/ ٤/ ١٢٥١١.
وأخرجه الطيالسي في مسنده من طريق حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء به، بلفظ مقارب مع زيادة في أوله/ منحة المعبود - القسم السادس - كتاب خلق العالم ٢/ ٧٩ ح ٢٢٨٦، ونلاحظ أن إسناد الجميع قد دار على "يعلى بن عطاء عن وكيع عن أبي رَزِين" ولم أجد من تابع يعلى ولا وكيعًا على رواية الحديث، وإسناد الترمذي الى وكيع جميعهم ثقات وهم: أحمد بن منيع/ التقريب ١/ ٢٧ ترجمة ١٢٨، ويزيد بن هارون -تقدم أنه ثقة، وحماد بن سلمة - التقريب ١/ ١٩٧ ترجمة ٥٤٣ ويعلى بن عطاء تقدم أيضًا أنه ثقة وأما وكيع فتقدم بيان أقوال العلماء فيه، وترجيح القول بأنه مجهول الحال، فيكون هذا الحديث من طريقه ضعيفًا، كسابقه؛ لكن الترمذي قد حسنه، ويبدو من تصرفه أنه حسنه لذاته، دون نظر لما يشهد له، كما سيأتي توضيحه، والواقع أن للحديث شاهدًا صحيحًا، وهو ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عمران بن حصين أنه أتى النبي ﷺ ناس من اليمن فقالوا: جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟ قال: كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض "الحديث" / البخاري مع الفتح - كتاب التوحيد - باب وكان عرشه على الماء ١٣/ ٤٠٣ ح ٧٤١٨ وفي كتاب بدء الخلق - باب قوله تعالى: =стр. 255
ومما وقع لابن القطان في الاعتراض على عبد الحق: الحديث يخرجه معزوًا إلى مكان قد يُخالِفُ لفظُه الذي عنده، لفطَ المكان المعزو إليه بزيادة أو نقص، فيخرج اللفظة المزيدة ويعترض عليه بها، ثم يُلزِم الاعتراض (١) مِن وقع له ذلك: من بقية مستدل بذلك الحديث، أو مُحدِّث ضمَّنه مُصنَّفَه أو مُسنَده.
وليس ذلك من تصرفه على الاطلاق تسديدًا؛ إذ الكلام مع كل الحواشي
(١) بالأصل "للاعتراض" وما أثبته هو المستقيم عليه المعنى.стр. 256
قوم على قدر مصطلحهم، وإلزامهم ما التزموه، ولا يلزم المحدِّث المخرِّج للحديث تتبع ألفاظه إذا عزاه إلى كتاب، وإنما يلزمُه وجود أصل الحديث عند من عزاه إليه، على هذا بنوا تصانيفهم وتخاريجهم، قديمًا وحديثًا (١) .
نعم قد يَلزمُ ذلك المُستدِلُّ منه بلفظ غير معزو إلى مُخْرِجه؛ إذ هو الناظر في مدلول ألفاظه. وإذا تبين هذا، فربما كان الحديث ثابتًا في نفسه منتشر الطرق معروفها، وانفرد ثقة بزيادة فيه، فحكمها عندهم القبول، وهذا جار على اصطلاح المحدثين (٢) ، والذي التحقت به الحواشي
(١) انظر علوم الحديث لابن الصلاح مع التقييد والإيضاح/ ٣٠، ٣١.(٢) عبارة الشارح هذه تفيد أن قبول زيادة الثقة مطلقًا جار على اصطلاح المحدثين عمومًا وهذا غير مسلم حتى بالنسبة للترمذي الذي هو بصدد شرح كتابه.
فالترمذي قد أخرج في جامعه حديث صدقة الفطر من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر بلفظ "فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر على الذكر والأنثى والحر والمملوك" (الحديث) ثم أخرجه من طريق مالك عن نافع، به مع زيادة "من المسلمين" وعقب على ذلك بقوله: رواه مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ نحو حديث أيوب، وزاد فيه "من المسلمين" ورواه غير واحد عن نافع، ولم يذكروا فيه من "المسلمين" ثم ذكر أخذ الشافعي وأحمد مع الإمام مالك بهذه الزيادة وإن خالفهم غيرهم في ذلك/ جامع الترمذي - أبواب الزكاة - باب صدقة الفطر ٢/ ٩٢، ٩٣.
فنلاحظ هنا أنه أطلق قبول زيادة مالك، أما في العلل التي في آخر الجامع فقال: ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث. وإنما يصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه، ومثل لذلك بحديث صدقة الفطر السابق وزيادة مالك فيه لفظ "من المسلمين" ثم قال: وروى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك ممن لا يعتمد على حفظه، وقال: وقد أخذ غير واحد من الأئمة بحديث مالك، =стр. 257
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = واحتجوا به، منهم الشافعي وأحمد ... " علل الترمذي مع شرح ابن رجب لها ١/ ٤١٨، ٤١٩.
وقد اعتبر العلماء أن قول الترمذي الأخير هو المعتمد في رأيه في زيادة الثقة وأنه بناء عليه لا يقول بقبول زيادة الراوي لمجرد كونه ثقة، ولكن يقيد ذلك بأن يكون فوق توثيقه من الحفاظ الموصوفين بزيادة التثبت والإتقان، فإن كان الراوي موصوفًا بمجرد الثقة فلا، قال الحافظ ابن رجب في شرحه لقول الترمذي السابق: "ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث ... الخ" قال ابن رجب: هذا أيضًا نوع من الغريب وهو أن يكون الحديث في نفسه مشهورًا، لكن يزيد بعض الرواة في متنه زيادة تستغرب، وقد ذكر الترمذي أن الزيادة إذا كانت من حافظ يعتمد على حفظه فإنها تقبل، يعني وإن كان الذي زاد ثقة لا يعتمد على حفظه لا تقبل زيادته/ شرح علل الترمذي لابن رجب ١/ ٤١٩.
أما الحافظ العراقي فإنه تعقب ابن الصلاح في نقله كلام الترمذي الأول فقط في قبول زيادة مالك مطلقًا، بأن كلام الترمذي الذي في العلل التي في آخر الجامع لم يذكر التفرد مطلقًا عن مالك وإنما قيده بتفرد الحافظ كمالك/ التقييد والإيضاح/ ١١١، ١١٢ بتصرف يسير.
وكذلك الحافظ ابن حجر ذكر قول الترمذي: وإذا زاد حافظ ممن يعتمد على حفظه قبل ذلك عنه، ضمن أقوال من قيد قبول زيادة الثقة ببعض القيود وعقب عليها بقوله: وهذا مغاير لقول من قال: زيادة الثقة مقبولة، وأطلق/ الإفصاح/ ١١٣ أ، ولكن المحققين من العلماء رأوا أن تقييد الترمذي هذا غير كاف، لأنه يقتضي تصحيح ما ينفرد به حافظ متقن ولو خالفه من هو أحفظ منه أو من هو مثله في الحفظ ولكنه أكثر عددًا، بينما هذا يعتبر شاذًا، وشرط الصحة انتفاء الشذوذ كما هو مقرر، ولهذا قرر هؤلاء المحققون من أئمة الحديث والأصول أن في زيادة الثقة تفصيلًا، خلاصته أنها تنقسم إلى أقسام:
أحدها: زيادة تخالف ما رواه الأوثق ممن انفرد بها، وهذه ترد لكونها من الشاذ كما تقدم.стр. 258
أصل لها، كالمتابعة؛ لتفرد الثقة عن جارح (١) .
وفي جري ذلك على اصطلاح المستدِل نظر إذا مشى على ما أصله الحاكم والخليلي في معنى الشذوذ، وسواء كانت زيادة مطلقة أو متضمنة خُلْفًا (٢) أو تخصيصًا.
ثم نقول: إن كان الترمذي يرى الشذوذ: تفرد الثقة أو المستور، من غير اشتراط لمخالفة ما روى الناس، كما اشترط الشافعي، فالشرطان واحد (٣) وقوله: "ويروى من غير وجه الحواشي
(١) بالأصل "خارج" ولا يستقيم المعنى. عليه، لأن: المقصود -كما يبدو لي- تعليل القول بقبول زيادة الثقة مطلقًا بخلوه عن جارح يقتضي رد مرويِّه.(٢) بالأصل (خلقًا) بالقاف المثناة ولا يظهر المعنى عليها، إذ المراد ما تضمنت حكمًا يُغيِّر أو ينقص حكمًا آخر ثبت بخبر ليست فيه هذه الزيادة/ انظر الكفاية للخطيب/ ٥٩٧ وفتح المغيث للسخاوي ١/ ٢٠٨، ٢٠٩.(٣) يعني شرطيه في الحسن: أن لا يكون شاذًا، وأن يُروى من غير وجه نحوه كما تقدم.стр. 259
نحو ذلك"، تفسير لقوله: ولا يكون شاذًا.
وإن كان [يرى] (١) تفسير الشذوذ بمخالفة الناس، فيستقيم / أن يكونا شرطين.
وأما الخطابي، فالذي حكاه عنه ابن الصلاح قوله: ما عُرِف مخرجُه واشتهر رجاله (٢) والذي ذكر أبو عبد الله بن رُشَيد (٣) أنه رآه عن الخطابي، خط أبي عَلي الغَسَّاني (٤) وقال: وأَنَا به جِدُّ بَصير -يعني بخط الغسّاني-: ما عُرِف مخرجُه واستقر حاله.
قال: هكذا لفظه "استقر حاله" (٥) بالقاف، من الاستقرار، الحواشي
(١) ليست بالأصل وأثبتها لتقابل قوله أولًا: "إن كان الترمذي يرى ... ".(٢) علوم الحديث مع التقييد والإِيضاح/ ٤٣ وتقدم شرح التعريف عند ذكر الشارح له أولًا.(٣) تقدم التعريف به ص ١٩٢ هامش ٤.(٤) هو الحسين بن محمد بن أحمد، أبو علي الغسَّاني، المعروف بالجيَّاني، نِسبة إلى (جَيَّان) بفتح أوله وثانيه مشددًا، وآخره نون- مدينة واسعة شرقي قرطبة بالأندلس، وكان الجياني شيخ المحدثين بقرطبة والأندلس في وقته، وأضبطهم كتابًا وأتقنهم رواية، ومن تأليفه كتابه القيم المفيد (تقييد المهمل وتمييز المشكل) في الصحيحين، وقد حُققت أجزاء منه حاليًا ضمن رسائل التخصص في جامعتَي الإمام محمد بن سعود، والملك سعود، بالرياض وشُرفْت بالإِشراف على بعضها، وقد توفي الجَياني في شعبان سنة ٤٩٨ هـ/ الغنية في فهرست شيوخ القاضي عياض/ ٢٠١، ٢٠٢ والأنساب للسمعاني ٢/ ٤٥٠ ومعجم البلدان ١/ ١٩٥.(٥) قال العراقي: أي بالسين المهملة وبالقاف/ التقييد والإيضاح/ ٤٣ وتبعه في ذلك البقاعي/ النكت الوفية/ ٥٩ ب والسيوطي/ شرحه لألفيته المسمى "البحر الذي زخر في شرح ألفية الأثر" / ٤٩ أ.стр. 260
و"حاله" (١) وتحت الحاء علامة الإِهمال، بحيث لا تَخْفى (٢) .
قلت: ولا يسْلَم شيء من هذه التعريفات من الاعتراض (٣) :
أما كلام الترمذي، فقد اعترض عليه الامام أبو عبد الله بن المَوَّاق (٤) ، بأنه لم يميز الصحيح من الحسن، فإنه ما من حديث صحيح الحواشي
(١) قال العراقي: بالحاء المهملة دون راء في أوله/ التقييد والإيضاح/ ٤٣ وتبعه البقاعي والسيوطي في كتابيهما/ الموضع السابق.(٢) هكذا ذكر المؤلف قول ابن رُشَيد هذا وسكت عنه، ولكن جاء من بعده العراقي فتصدى لرد قول ابن رُشَيد هذا فقال: وما اعترض به ابن رُشيد مردود؛ فإن الخطابي قد قال ذلك في خطبة كتابه "معالم السنن" وهو في النُّسخ الصحيحة (المعتمدة) المسموعة، كما ذكره المصنف -يعني ابن الصلاح-: "واشتهر رجاله"، وليس لقوله: "واستقر حاله" كبير معنى/ التقييد والإيضاح/ ٤٤. أقول: وما في المعالم المطبوع بين أيدينا الأن هو ما ذكره ابن الصلاح والعراقي / معالم السنن مع مختصر سنن أبي داود للمنذري ١/ ١١، وقد أقر العراقيَّ على رده من جاء بعده كالبقاعي/ النكت الوفية/ ٥٩ ب، والسيوطي/ التدريب ١/ ١٥٣، ١٥٤.(٣) وكذا قال الإمام بدر الدين بن جماعة: بعد ذكر التعريفات السابقة: وفي كل هذه التعريفات السابقة نظر/ انظر الخلاصة للطيبي/ ٣٩.(٤) هو محمد بن يحيى بن أبي بكر، أبو عبد الله، المعروف بابن الموَّاق، تلميذ أبي الحسن بن القطان صاحب "بيان الوهم والإِيهام الواقعين في كتاب الأحكام" لعبد الحق الإشبيلي، وقد توفي ابن المواق سنة ٦٤٢ هـ على الصحيح، خلافًا لما ذكره صاحب كشف الظنون أن ابن المواق توفي سنة ٨٩٧ هـ/ كشف الظنون/ ١/ ٢٥١، وصاحب معجم المؤلفين ٦/ ١٩٧؛ إذ لو صح هذا ما أمكن نقل المؤلف المتوفي سنة ٧٣٤ هـ عنه/ وترجمته في الأعلام للمركشي ٤/ ٢٣١.стр. 261
إلّا وشرطُه: ألّا يكون شاذًا، وألا يكون في رجاله متهم بالكذب (١) .
وقد اعترض غيره بغير هذا الاعتراض (٢) .
وكذلك قول الخطابي: ما عُرِف مخرجهُ ... إلى آخره، يدخل تحته أيضًا قسما الصحيح والحسن (٣) . الحواشي
(١) هذا مجمل اعتراض ابن المواق، وسيأتي ذكر المؤلف له بطوله بعد قليل ٢٨٩، ٢٩٠ مع الرد عليه ولذا سأضطر الى تأخير مناقشته إلى الموضع التالي، مع أن موضعه الأصلي هنا لا هناك كما سيأتي توضيحه، وأكتفي هنا بذكرْ أن اعتراض ابن المواق هذا ذكره في كتاب له تعقب فيه كتاب "بيان الوهم والإيهام" لشيخه ابن القطان، ويسمى كتابه "بغية النقاد فيما أخل به كِتَاب البيان أو أغفله أو ألمَّ به فما تَّممه وأكمله" وللجزء الأول من هذا الكتاب نسخة "ميكروفيلمية" بمكتبة الحرم المكي برقم ٥١ حديث/ وانظر التقييد والايضاح للعراقي/ ٦١ وسجل المخطوطات المصورة بالحرم المكي/ ٤٥، وقد اطلعت على صورة الكتاب فوجدته ناقصًا من أوله ولم أستطع تحديد مقدار النقص، لكنه عمومًا ليس قليلًا، ومنه نسخة بدير الإسكوريال بأسبانيا تحت رقم(١٧٤٩) ويبدو أن نسخة الحرم المكي مصورة عنها.(٢) ومن ذلك ما ذكره ابن دقيق العيد وبدر الدين بن جماعة: أن في جامع الترمذي ما يقول: إنه حسن، مع أنه فرد، ليس له مخرج إلا من وجه واحد/ الاقتراح ١٦٨، والخلاصة/ ٤٠، وقد أجاب الطيبي عنه بجواب غير ناهِض/ انظر الخلاصة للطيبي/ ٤٠، كما سيأتي إيراد المؤلف لهذا الاعتراض والجواب عنه في شرح "كتاب الطهارة- باب ما يقول إذا خرج من الخلاء".(٣) هذا مجمل اعتراض لإمامين سابقين على المؤلف: أحدهما شيخه ابن دقيق العيد، وثانيهما معاصره بدر الدين ابن جماعة، حيث قال ابن جماعة بعد ذكر تعريف الترمذي والخطابي وابن الجوزي وابن الصلاح: وفي كل هذه التعريفات نظر:
أما الأول -يعني تعريف الترمذي- والثاني -يعني تعريف الخطابي- فلأن =стр. 262
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الصحيح كلَّه أو أكثرَه كذلك، فيدخل الصحيح في حد الحسن/ الخلاصة للطيبي/ ٣٩.
أما ابن دقيق العيد فإنه بعد أن ذكر تعريف الخطابي قال: وهذه عبارة ليس فيها كبيرُ تلخيص، ولا هي أيضًا على صناعة الحدود والتعريفات؛ فإن الصحيح أيضًا قد عُرف مخرجُه واشتهر رجالُه، فيدخل الصحيح في حدّ الحسن؛ لكنه أعقب ذلك بالتماس وجه يمكن حمل كلام الخطابي عليه، ويصير به تعريفه قاصرًا على الحسن فقط، فقال: وكأنه -أي الخطابي- يريد بهذا الكلام: ما عُرف مخرجُه واشتهر رجالُه مما لم يبلغ درجة الصحيح/ الاقتراح لابن دقيق العيد/ ١٦٣، ١٦٤. وذكر الطيبي نحو هذا، مع تعليله بأن الخطابي ذكر معرفة المَخرج -وهم الرواة- مطلقةً عن تحديد الوصف الذي عُرِفوا به، فقال: أما قول الخطابي، فالمراد به أن رجالَه -أي الحسن- مشهورون عند أرباب هذه الصناعة بالصدق، وبنقل الحديث ومعرفة أنواعه، وحيث كان -أي الوصف بالمعرفة- مطلقًا من قيد العدالة والضبط دل على انحطاطهم عن درجة رجال الصحيح/ الخلاصة/ ٤٠ أقول: ولعل مما يعكر على تعليل الطيبي قول السخاوي: إن الوصف إذا أُطلِق يُحمَل على الكامل، لا على المنحط عنه/ فتح المغيث ١/ ١٣.
ومما يؤيد ذلك أن العلائي جاء من بعد الطيبي فأقر حمل كلام الخطابي على ما ذكره ابن دقيق العيد والطيبي؛ بل قال: إنه هو المَحمَل المتعيِّن، لكن لم يعلله بإطلاق الوصف بالمعرفة الذي علله به الطيبي، وإنما علله بدلالة مجموع كلام الخطابي عليه؛ حيث عرف الصحيح ثم أتبعه بتعريف الحسن، فقال العلائي: وإنما يتوجّه الإعتراض على الخطابي أن لو كان عرف بالحسن فقط، أما وقد عرّف بالصحيح أولًا، ثم عرف بالحسن؛ فيتعين حمل كلامه على أنه أراد بقوله: "ما عرف مخرجه، واشتهر رجاله" ما لم يبلغ درجة الصحيح، ويعرف هذا من مجموع كلامه/ الإفصاح ٤٦ ب، ٤٧ أوتوضيح الأفكار ١/ ١٥٥.
قال السخاوي بعد ذكر كلام العلائي السابق: وبه يتقوى قول ابن دقيق العيد: =стр. 263
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وكأنه -أي الخطابي- أراد ما لم يبلغ درجة الصحيح/ فتح المغيث للسخاوي ١/ ٦١؛ لكن الحافظ ابن حجر تعقب توجيه العلائي المذكور فقال: وعلى تقدير تسليم هذا الجواب، فهذا القدر -يعني من النزول عن درجة رجال الصحيح- غير مُنضبط ... فيصح ما قاله القُشيري -أي ابن دقيق العيد- إنه أي كلام الخطابي - على غير صناعة الحدود والتعريفات/ الإفصاح ٤٧ أ.
غير أن البقاعي قد نقل عن ابن حجر توجيهًا لكلام الخطابي بنحو توجيه العلائي السابق مع تحديد جهة النزول بالضبط، دون العدالة، في حين جاء كلام العلائي عامًا، ثم ذكر ابن حجر أيضًا كيفية تحديد درجة نزول رجال الحسن في الضبط عن رجال الصحيح، ومقتضى ذلك التقاؤه مع جواب العلائي في الجُملة، وعدمُ تَسليمه النهائي بانتقاد ابن دقيق العيد أو غيره لتعريف الخطّابي في هذا، فقد قال البقاعي: قال شيخنا -أي ابن حجر-: يُعتَنَى بالخطابي فيقال: الحيثية هنا (أي في تعريفه للحَسَن) مَرعيّة؛ لأنه قد عرَّف الصحيح والضعيف (أي وعرَّف الحسن بينهما) فَينزِل حد الحسن على ما لم يكن ذكره في حد واحدٍ منهما، وهو الأمر المتوسط بينهما، (فَعُرِف مخرجُه) بمعنى لم يفقد سنده الاتصال ظاهرًا -كالانقطاع والإِرسال ونحوهما-، ولا خفِيًّا كالتدليس. "واشتهر رجاله" يعني بالصفات المتوسطة بين صفات الصحيح والضعيف، فلا يشترط أن يبلغوا الإتقان المشروط في رواة الصحيح؛ بل يكون إتقانُهم دون ذلك، ولا ينزلون في خِفة الضبط إلى القدر الموصِّل إلى الضعيف/ النكت الوفية ٦٠ أ.
أقول: فقول ابن حجر: يكون إتقانهم دون إتقان رواة الصحيح، ولا ينزلون في خفة الضبط إلى القدر الموصل إلى الضعيف، فيه تحديد لجهة النزول بأنها الضبط فقط، وتحديد أيضًا إجمالي لمقدار خفة ضبط رواة الحسن، وتسليم بأنه يمكن دلالة تعريف الخطابي عليه.
وهناك ألفاظ اصطلاحية قرر أئمة النقد أن وصف الراوي بها يدل على خفة الضبط الموصلة الى الضعف كقولهم: فلان سَيء الحفظ، أو كثير الخطأ، =стр. 264
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = أو مضطرِب الحديث/ التدريب ١/ ٣٤٦، ٣٤٨ وتوضيح الأفكار ١/ ٩، كما جاء عن بعض أئمة النقد تحديد لهذا القدر من خفة الضبط بعدد معين من الأغلاط؛ قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي أخبرنا سليمان بن أحمد الدمشقى قال: قلت لعبد الرحمن بن مهدي: أَكتُب عمن يغلط في مائة؟ قال: لا، مائةٌ كثير، قال أبو محمد (أي ابن أبي حاتم): يعني مائة حديث/ الجرح والتعديل ٢/ ٣٣، والمقصود بالكتابة هنا الكتابةُ للاحتجاج، لا للاعتبار، لأن ابن أبي حاتم أورد هذا تحت باب بيان صفة من لا تُحتمَل الرواية في الأحكام والسنن عنه؛ وايراد ابن أبي حاتم لهذا التحديد عن ابن مهدي مُحتجًا به في هذا الباب دليل على إقراره له، كما أن روايته له عن ابن مهدي من طريق والده أبي حاتم يدل على إقرار والده لذلك التحديد أيضًا؛ غير أنه لا بد من تناسب هذا العدد مع مقدار ما يحفظه الراوي، ولذا قال البقاعي: إن المراد بالكثرة أمرٌ نِسْبي، فمن حفظ ثلاثة آلاف (حديث) مثلًا، فأخطأ في خمسين منها فقد أخطأ في كثير؛ لكن لم يفحُش غلطُه بالنسبة إلى ما حفظ/ النكت الوفية/ ١١ أ.
وكما جاءت ألفاظٌ اصطلاحية وتحديد عددي هكذا لخفة الضبط الموصلة إلى الضعف، جاءت أيضًا ألفاظ اصطلاحية يدل وصف الراوي بها على خفة ضبطه مع علوه عن درجة الضعف السابقة، ونزوله عن تمام الضبط الذي هو شرط الصحة مثل قولهم: فلان له أخطاء أو أوهام، وقال البقاعي: إن الثقة من جمع الوصْفَين: العدالة وتمام الضبط، ومن نزل عن التمام إلى أولى درجات النقصان قيل فيه: صَدُوق، أو لا بأس به، ونحوُ ذلك/ النكت الوفية/ ١٩١ أ. مع ملاحظة أن تمام الضبط لا يعني انعدام الخطأ ولا يستلزمه؛ بل يكفي في ثبوته ندرة الخطأ وغلبة الصواب/ التدريب ١/ ٣٠٤ وفتح المغيث للسخاوي ١/ ٢٩٨، وشرح العلل لابن رجب ١/ ١٠٥، ١١٠.
وقد جاء عن ابن مهدي تحديد عدد معين من الأغلاط لا يقدح في ضبط الراوي، والاحتجاج به، فقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي أخبرني سليمان بن أحمد الدمشقي قال: قلت لعبد الرحمن بن مهدي: أكتب عمن يَغلط =стр. 265
وأما الذي قال: فيه ضعف يسير مُحتمَل (١) ؛ فلم يبين مقدار الحواشي
(١) وهو ابن الجوزي كما تقدم قريبًا ولفظه: "ما فيه ضعف قريب محتمَل" / الموضوعات الكبرى لابن الجوزي ١/ ٣٥.стр. 266
الضعف ما هو؟ ولا أتى بما تبلغ درجته أن يُعرَض عليه فيه (١) .
وبالجملة فأجود هذه التعاريف للحسَن ما قاله الترمذي (٢) وعليه من الحواشي
(١) اتفق مع المؤلف في إيراد هذا الاعتراض شيخُه ابن دقيق العيد/ الاقتراح ١٦٩، والبحر الذي زخر/ ٤٩ ب وتدريب الراوي ١/ ١٥٧ كلاهما للسيوطي، وبدر الدين ابن جماعة / الخلاصة للطيبي/ ٣٩ والذهبي/ الموقظة ٢ أوابن حجر/ الإفصاح له ٤٧ أ؛ لكن أجاب عنه الطيبي فقال: وأما قول بعض المتأخرين: "ما فيه ضعف قريب محتمَل" فمبني على أن معرفة الحسن موقوفة على معرفة الصحيح والضعيف؛ لأن الحسن وسط بينهما، فقوله: "قريب" أي قريب مخرجُه إلى الصحيح "مُحتمَل" كَذِبُه؛ لكون رجاله مستورين/ الخلاصة ٤١ والبحر الذي زخر للسيوطي ٤٩ ب.
وقال البقاعي: ربما يُعتنَى بابن الجوزي بمثل ما اعتُني بالخطَّابي ويقال: بل هو مضبوط؛ إن عُرِف الصحيح والضعيف بالحيثية، وهي: أن ضعفه بالنسبة إلى الصحيح، واحتماله بالنسبة إلى الضعيف، أي فيكون متوسطًا بينهما، لا يعلو إلى رتبة الصحيح، لما فيه من الضعف، ولا ينحط الى رتبة الضعيف لما فيه من قلة الضعف، ويؤيد ذلك أنه قال -عقب ما نُقِل عنه-: ويصلح للعمل به؛ فوصفَه بوصف هو بَيْن بَيْن؛ فإن الصحيح يوصف بأنه يجب العمل به، والضعيف أعلا ما يقال فيه: يعمل به في الفضائل، لا مطلقًا، والله أعلم/ النكت الوفية/ ٦٣ أ.(٢) اعتبر السخاوي قول المؤلف هذا: إن أجود تعاريف الحسن ما قاله الترمذي، زعمًا لا يُوافَق عليه، وأن ما قيل في توجيهه وتوجيه تعريفي الخطابي وابن الجوزي يعد تكلفًا، كما قال ابن الصلاح بعد ذكره التعاريف الثلاثة: قلت: كل هذا مستبهم لا يشفي الغليل، ثم اختار تقسيم الحسن إلى قسمين وعرف كل قسم كما تقدم في الأصل ص ٢٢٨، ٢٣٠ - ٢٣٢؛ لكنه بدوره قد انتُقِد فيما قرره من التقسيم والتعريف، ثم تصدى غير واحد لدفع ما انتُقِد به كما تقدم ذكره في التعليق على كلامه، وانظر فتح المغيث للسخاوي ١/ ٦٥.стр. 267
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ولهذا صدر ابن دقيق العيد كلامه في تعريف الحسن بأن في تحقيق معناه اضطراب/ الاقتراح/ ١٦٢ وذكر الطيبي تعريفات الحسن عند الترمذي والخطابي وابن الجوزي وابن الصلاح، ثم ذكر بعضَ ما انتُقِد به كل منهما ثم ذكر تعريفًا آخر لابن جماعة، ثم قال معقبًا على كل ذلك: اعلم أن هذا المقام صعب مرتقاه ... الخلاصة/ ٣٩.
وذكر الذهبي تعريفات الترمذي والخطابي وابن الجوزي وابن الصلاح مع ذكر بعض ما انتُقِد به كل منهم، ثم قال: وقد قلت لك: إن الحسن ما قُصر سندُه قليلًا عن رتبة الصحيح، وسيظهر لك بأمثلة؛ ثم لا تطمع بأن للحسن قاعدة تندرج كل الأحاديث الحسان فيها، فأنا على إياس من ذلك؛ فكم من حديث تردد فيه الحفاظ هل هو حسن أو ضعيف أو صحيح؟، بل الحافظ الواحد يتغير اجتهاده في الحديث الواحد، يومًا يصفه بالصحة، ويومًا يصفه بالحُسْن، وربما استضعفه، وهذا حق، فإن الحديث الحسن يستضعفه الحافظ عن أن يُرقِّيه الى رتبة الصحيح؛ فبهذا الاعتبار فيه ضعف مَّا؛ إذ الحسن لا ينفك عن ضعف مَّا، ولو انفك لصح باتفاق/ الموقظة للذهبي ٢ أ.
لكن الحافظ ابن حجر وتلميذه السخاوي يعارضان هذا الاتجاه إلى أنه لا مطمع في تمييز الحديث الحسن عن الصحيح والضعيف؛ فقال السخاوي: الحق أن من خاض بحار هذا الفن سَهُل عليه ذلك، كما قال شيخنا -يعني ابن حجر- ولذا عرَّف الحسن لذاته فقال: هو الحديث المتصل الإِسناد برواة معروفين بالصدق، في ضبطهم قصور عن ضبط رواة الصحيح، ولا يكون معلولًا ولا شاذًا ... ثم قال السخاوي: وأما مطلق الحسن (أي بقسميه) فهو الذي اتصل سنده بالصدوق الضابط المتْقِن غير تامهما، أو بالضعيف بما عدا الكذب إذا اعتَضد، مع خلوهما عن الشذوذ والعلة/ فتح المغيث للسخاوي ١/ ٦٦، ٦٧.
أقول: والصواب في تعريف السخاوي هذا أن يقال: أو بالضعيف بأقل من تهمة الكذب أو فُحْش الخطأ؛ لأن المضعف بأي منهما لا ينجبر بالعاضد، عند الجمهور، وبالتالي لا يصير حسنًا لغيره، ولذا قال السخاوي نفسُه في موضع =стр. 268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = آخر: فالحسن بنوعيه ما اتصل سنده بالعدل الضابط غيرَ تَامِّه، أو بالضعيف بغير مفَسِّق كالكذب، إن لم يفحُش خطأ المضعَّف به، إذا اعتضد، بدون شذوذ أو علة/ شرح التقريب للسخاوي/ ١٠ ب. فتنبه في هذا التعريف الثاني للاحتراز عن فُحش الخطأ؛ لكنه اقتصر أيضًا على الاحتراز عن الكذب كما في التعريف الأول، والصواب ما قدمته، ليقبل الضعف للانجبار بالعاضد / انظر علوم الحديث لابن الصلاح مع التقييد والايضاح / ٥٠.
ثم إنه يجب أن يتضمن تعريف كل من ابن حجر والسخاوي للحسن لذاته تحديدًا لمقدار قصور ضبط راوي الحسن لذاته عن تمام الضبط المشترَطِ في راوي الصحيح؛ لأنه تقدم انتقاد ابن حجر لتعريف غيره بعدم ضبطه مقدارَ هذا القصور بضابط، وقد أقر أيضًا السخاوي ذلك/ فتح المغيث له ١/ ٦٥.
وقد قدمت كيفية إمكان ضبط هذا القصور وإشارة ابن حجر نفسه لذلك.
ويفهم من كلام ابن الصلاح أيضًا أن الراوي المختلف في توثيقه وتضعيفه بسبب سوء حفظه، ولم يوجد مرجِح لتوثيقه، فإن هذا الراوي يُعد قاصرًا عن تمام الضبط، ويعد حديثه حسنًا لذاته، ومثل له بحديث محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسواك عند كل صلاة/ علوم الحديث لابن الصلاح مع التقييد والإِيضاح / ٥١، وقد أقره على ذلك العراقي وغيرُه / فتح المغيث للعراقي ١/ ٤٣، ٤٤ والتدريب/ ٩١، ١٠٢، ١٠٣ وقال العراقي: إن ابن الصلاح أخذ ذلك من كلام الترمذي على حديث السواك المذكور/ فتح المغيث للعراقي ١/ ٤٤.
ثم إنه ينبغي في تعريف ابن حجر التعبير بالإِفراد بدل الجمع في قوله: "برواة معروفين". فيقال: "براو معروف"، لأن الجمع يوهم اشتراط أن يروي الحسن جماعة عن جماعة في حلقات الإِسناد، وليس ذلك مُرادًا، بل يكفي راو فقط في كل حلقة، وقد انتُقِد بمثل هذا تعريف النووي للصحيح بأنه: ما اتصل سنده بالعدول الضابطين / التدريب ١/ ٦٣، وقد تنبه السخاوي لهذا فعبر في تعريفه بالإِفراد كما تقدم. =стр. 269
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وبعد تلافي ما قدمت من الملاحظات على تعريفي ابن حجر والسخاوي يمكن أن يقال في تعريف ابن حجر:
الحسن لذاته: هو الحديث المتصل الإسناد براو معروف بالصدق وفي ضبطه قصور أزيد من النادر المعفو عنه، وأقل من الكثير المضعِّف، ولا يكون معلولًا ولا شاذًا.
ويقال في تعريف السخاوي: -الحسن ما اتصل سنده بالصَّدوق الضابط ضبطًا فيه قصور أزيد من النادر المعفو عنه، وأقل من الكثير المضعِّف أو بالراوي الضعيف بأقل من تهمة الكذب أو فحش الخطأ، إذا اعتضد، مع خلوهما عن الشذوذ والعلة.
وبهذا يتحرر التعريفان، ويخلوان من أكثر انتقادات التعاريف السابقة، وبمقتضاه يتميز المعرف، وهو الحسن لذاته ولغيره، عن كل من الصحيح والضعيف، ولو تميزا غالبًا يُبعِد عنه الاضطراب الذي أشار إليه ابن دقيق العيد، والصعوبة التي ذكرها الطيبي، وكذا اليأس الذي بدا للذهبي ﵏ وإيانا، كما أنه بالنسبة لما استدل به الذهبي على اليأس من ضبط الحسن بضابط عام يمكن القول: إن اختلاف أنظار العلماء، أو العالم الواحد في الحكم على الحديث لا يبرر القول باليأس من ضبط الحسن بتعريف عام يميزه عن الصحيح والضعيف؛ وذلك لأن اختلاف الأنظار لم يقتصر على الحسن، بل وقع في الصحيح أيضًا مع وجود ضابط عام له متفق عليه من جمهور المحدثين، وعليه فلا يلزم أن يكون الاختلاف في وصف بعض الأحاديث بالحُسْن سببه عدم إمكان ضبط الحديث الحسن بتعريف عام مميز له عن غيره، بل يمكن أن يكون سبب ذلك هو اختلاف النظر أو الأنظار في توفر الضابط العام في سند ومتن الحديث النظور فيه، ولهذا فإن ابن الصلاح ذكر ضابط الحديث الصحيح المتفَق عليه عند المحدثين، ثم قال: وقد يختلفون في صحة بعض الأحاديث لاختلافهم في وجوه هذه الأوصاف فيه/ علوم الحديث لابن الصلاح مع التقييد والإيضاح/ ٢١، وعليه فالخلاف في تطبيق القواعد والضوابط العامة على الأفراد، لا يدل على صعوبة الوصول لوضع تلك القواعد والضوابط وإقرارها. والله أعلم.стр. 270
الاعتراض ما رأيت، وهو أبو عُذْرة هذا المنزع، ولم يسبقه أحد إلى هذا المراد بالحُسْن (١) ، ولم يَعْدُ مَن بَعده مرادَه؛ فإن الحديث ينقسم إلى:
١ - مقبول.
٢ - ومُقابِلُه.
٣ - وما تجاذبه طرفا القَبُولِ والرد؛ بانقسام الرُّواة إلى:
١ - عدل وهو راوي الصحيح.
٢ - ومجروح، وهو: راوي المردود.
٣ - ومتردَّد بينهما، لم يَتبين فيه مقتضى القَبول فيقبل، ولا مقتضى الردّ [فيُرد، فيقبله قوم] (٢) وهم الذين لا يبتغون في العدالة أمرًا زائدًا على الإسلام والستر، ويردُّه آخرون (٣) إلى أن يثبت مقتضى القبول -وهم الذين لا يقتصرون على الإسلام والستر في مقتضى العدالة؛ فهذا قسم المستور (٤) الذي عُرِف شخصُه، وجُهِلَتْ الحواشي
(١) قدمت قبل ذلك عرضًا متتابعًا لإِطلاق وصف الحُسْن على الحديث، ابتداء من ابراهيم النخعي حتى شيوخ الترمذي، وتبين منه أن الترمذي مسبوق إلى استعمال الحَسَن بالمعنى الاصطلاحي المراد عنده، وخاصة من أبرز شيوخه وهو الإمام البخاري، ومنه استفاد الترمذي في ذلك، بالنقل الصريح عنه. انظر ص ١٩٦ ت وما بعدها.(٢) ما بين المعكوفين ليس بالأصل، وأضفته ليستقيم المعنى، ومن هؤلاء الذين قبلوه الإمام أبو حنيفة ﵁ وبعض الشافعية / شرح شرح النخبة للشيخ علي القاري/ ٧١ وتوضيح الأفكار ١/ ١٨٢.(٣) وهم الجمهور/ شرح النخبة مع شرح الشرح للقاري/ ١٥٥.(٤) قوله "فهذا" إشارة إلى قوله السابق: "ومتردد بينهما".стр. 271
حالُه، ممن لم يُنقَل فيه جرح ولا تعديل، أو مما نُقِلا فيه معًا ولم يترجح أحدهما على الآخر ببيان (١) حيث يُحتاج إليه، وما أشبهه (٢) .
ولكل من هذه الأقسام الثلاثة أنواع يأتي الكلام عليها في آخر الكتاب (٣) .
وربما وقع الاشتباه بين النوع الآخِر من كل قسم والنوع الأول من الذي يليه. الحواشي
(١) بالأصل "تبنان" ولا يستقيم المعنى عليه.(٢) هذا التعريف المتقدم للمستور ذكره السخاوي بعبارة المؤلف مع تصرف يسير، ولكن لم يَعزُه إليه / فتح المغيث ١/ ٦٣ ولذا عزاه إلى السخاوي الشيخ علي قاري / شرح شرح النخبة / ٧١ والصَّنْعاني/ توضيح الأفكار ١/ ١٦٢، ١٦٣، وقد قدمت في التعليق على تعريف ابن الصلاح للحديث الحسن ص ٢٢٨ هامش ٤ وما بعدها مجمل آراء العلماء في تعريف المستور، وترجيح الحافظ ابن حجر أن رواية المستور يُتَوقف في قبولها أو ردها إلى استبانة حالِه تعديلًا أو تجريحًا، وقد أشرت هناك إلى ترجيح الرد، كما يرى الجمهور. ويلاحظ أن المؤلف اقتصر على ذكر الخلاف في قبول رواية المستور وردها دون ترجيح من جانبه، لكنه جزم بالرد قبل هذا ص ٢٥٢ وفيما يأتي ص ٤٢٤ أيضًا وقال بالتوقف إلى ظهور حاله في ص ٣٢٦، ٣٥٤.(٣) يعني آخر شرح جامع الترمذي، حيث تكلم الترمذي في كتاب العلل الذي ختم به جامعه عن بعض أنواع الرجال الثقات والمجروحين؛ فيلزم المتصدي لشرح ذلك أن يبين ما أشار إليه المؤلف هُنا؛ لكن للأسف أن المؤلف والعراقي لم يصلا في الشرح إلى آخر الجامع فيما وقفنا عليه حتى الآن من نسخ الشرح كما تقدم، ولعل فيما وصل الينا من شرح كتاب العلل هذا لابن رجب الحنبلي عَزاء عما فاتنا مما وعد به المؤلف، ولم يتح له الوفاء به/ انظر شرح العلل لابن رجب ٢/ ٣٤٠ وما بعدها/ تحقيق د. همَّام سعيد.стр. 272
إذا تقرر هذا، فلكل حديث مرتبة لا يعدُوها، وحكم لا ينتقل عنه؛ إلا أن يتغير العلم بحال راويه فالصحيح ليس بحسن ولا ضعيف، كما أن الحسن ليس بواحد منهما، ومن هنا. أُورِد على الترمذي جَمعُه بين الحسن والصحة في حديث واحد؛ حتى أجاب بعضُهم: أن ذلك باعتبار طريقين (١) ، ويَرِد عليه ذو الطريق الواحدة (٢) . الحواشي
(١) هذا مجمل ما أجاب به ابن الصلاح، وقد جعل فيه الوصفين راجعين الى الإسناد، فقال: فإذا روي الحديث الواحد بإسنادين أحدِهما إسناد حسن، والآخر إسناد صحيح، استقام أن يقال فيه: إنه حديث حسن صحيح؛ أي أنه حَسَن بالنسبة الى إسناد، صحيح بالنسبة الى إسناد آخر/ علوم الحديث لابن الصلاح / ٣٥، وقد نقل هذا الجواب عن ابن الصلاح عامةُ من جاء بعدَه، سواء مع التصريح بنسبته إليه، كالعراقي/ شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٨ والسخاوي / فتح المغيث ١/ ٩١ أو بدون تصريح بنسبته إليه، كفصيح الهرَوي/ جواهر الأصول له/ ٢٢، والذهبي، وقد وصفه بأنه جواب لا ينهض/ الموقظة ٢ ب والحافظ ابن حجر، وأضاف أنه على هذا الجواب، ما قيل فيه "حسن صحيح" فوق ما قيل فيه "صحيح" فقط، وكان إسناده فَردًا؛ لأن كثرة الطرق تُقَويِّ / النخبة مع شرح الشرح/ ٧٥.(٢) قال الذهبي: فهذا يبطل قول من قال: أن يكون ذلك بإسنادين/ الموقظة ٢ ب، وأصل هذا الإِيراد لابن دقيق العيد؛ فإنه ذكر جواب ابن الصلاح السابق بتعدد الإِسناد؛ ثم قال: ... فَيرِد عليه الأحاديث التي قيل فيها: "حسن صحيح"، مع أنه ليس لها إلا مخرج واحد، وَوِجْهة واحدة، وإنما يعتبر اختلاف الأسانيد بالنسبة الى المخارج، وهذا موجود في كلام أبي عيسى الترمذي، في مواضع يقول: هذا حديث حسن صحيح لا نعْرِفُه الا من هذا الوجه، أو لا نعْرِفه الا من حديث فلان/ الاقتراح ١٧٣، ١٧٤.
وهذا يفيد أن ابن دقيق العيد يعتبر القول بتعدد الإِسناد منافيًا للوصف بالغرابة =стр. 273
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = المطلقة، كالعبارة الأولى، أو المقيدة، كالعبارة الثانية، وقد صرح بنسبة هذا التعقب لابن دقيق العيد غير واحد، كالعراقي/ شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٠٨، والتقييد والإيضاح/ ٥٩، والسيوطي/ التدريب ١/ ١٦٢، وزاد السخاوي اعتبار ابن سيد الناس تابعًا لشيخه ابن دقيق العيد في رد جواب ابن الصلاح بهذا التعقيب/ فتح المغيث ١/ ٩١، ومن العلماء من ذكره بدون عزوه لابن دقيق العيد، كالذهبي/ الموقظة ٢ ب، وابن كثير/ مختصر علوم الحديث له مع الباعث الحثيث / ٤٣، وابن رجب/ شرح العلل ١/ ٣٩١.
وقد أَوْرَد كل من العراقي وابن رجب جوابًا عن التعقب بما وصف مع الصحة والحسن بالغرابة المطلقة أو المقيدة، وعزَا كل منهما ما ذكره إلى بعض المتأخرين دون تعيين شخصه.
فقال العراقي: وقد أجاب بعض المتأخرين عن ابن الصلاح بأن الترمذي حيث قال هذا يريد تفرُّد أحد الرواة به (أي بالحديث) عن الآخر، لا التفرد المطلق، قال (أي المجيب): ويوضح ذلك ما ذكره في كتاب الفتن (باب ما جاء في إشارة الرجل على أخيه بالسلاح) من حديث خالد الحَذّاء عن ابن سيرين عن أبي هريرة يرفعه: من أشار إلى أخيه بحديدة لعنته الملائكة، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، يُسْتَغْربُ من حديث خالد الحَذَّاء/ جامع الترمذي ٣/ ٣١٤ حديث ٢٢٥٠، فاستَغْرَبَه من حديث خالد، لا مطلقًا/ التقييد والإِيضاح/ ٥٩.
وذكر البُلْقِيني هذا الجواب أيضًا بنحو ما ذكره العراقي، لكنه لم ينسبه لأحد/ محاسن الاصطلاح للبُلْقِيني/ ١٠ أ.
وخلاصة هذا الجواب أن صاحبه يرى أن المطلق من عبارات الترمذي المركبة المُشْكِلَة، يوضحه عباراته المقيدة المصرح فيها بمراده؛ فَيُحْمَل المطلق على المقيد.
لكن العراقي تعقب هذا الجواب بأنه لا يمشي في العبارات المطلقة، فقال: وهذا الجواب لا يمشي في المواضع التي يقول فيها (الترمذي): لا نعرفه إلا من هذا =стр. 274
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الوجه، ثم مثل لذلك بقوله: كحديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا بَقِي نصف من شعبان فلا تصوموا، قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، لا نَعرفُه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ/ جامع الترمذي - كتاب الصيام - باب كراهية الصوم في النصف من شعبان لحال رمضان ٢/ ١٢١ حديث ٧٣٥ والتقييد والإيضاح/ ٦٠.
وفي تعقب العراقي هذا نظر؛ فإن ما ذكره من أن الجواب لا يمشي في المواضع المطلقة يفيد أنه لا يقر المجيب على حمل - عبارات الترمذي المركبة المطلقة على المقيدة، وكان مقتضى هذا أن يأتي لنا بمثال فيه عبارة مركبة مطلقة، ولا يستقيم حملها على المقيد؛ لكنه جاء بمثال مقيد، كما مثَّل المجيب بمثال مقيد، وإن كان القيد في مثال المجيب راجعًا إلى السند، وفي مثال العراقي راجع إلى المتن؛ ولهذا فإن البقاعي علق على تمثيل العراقي بالحديث المذكور، فقال: إنه ليس مثالًا صحيحًا؛ فإن قول الترمذي: "على هذا اللفظ" يُشعِر بأنه رُوِي من غير هذا الوجه على غير هذا اللفظ، وهو كذلك؛ فإنَ أصْلَه حديث: "لا تَقدَّموا رمضان بصوم يوم ولا يومين". وهو مروي من غير هذه الطريق/ جامع الترمذي - كتاب الصوم - باب ماجاء لا تَقدَّموا الشهر بصوم ٢/ ٩٦ حديث ٦٧٩ وقال عنه الترمذي: "حديث حسن صحيح".
أقول: وقد أشار الترمذي عقب حديث العلاء إلى رجوع معناه للحديث المذكور عند بعض العلماء وأَقرَّة.
ثم أضاف البقاعي قائلًا: وللترمذي في تعبيره عن ذلك أنواع من التقييدات لا ينتبهون لها، كان يقول: "غريب من هذا الوجه"، "غريب بهذا السياق"، "لا نعرفه إلا من هذا الوِجه بهذا التمام"، ونحو ذلك، فلا يمنع أن يكون رُوِي من وجه آخر، أوْ أَوجُهٍ أُخَر من غير ذلك الوجه، وبغير ذلك السياق، وبغير ذلك التمام، ووراء ذلك كله أنه إذا اقتصر على قوله: "غريب" احتمَل أن يكون مراده الغرابة النسبية؛ أي أن ذلك الراوي تَفرَّد به عن شيخه، وذلك مثل: "حسن =стр. 275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = غريب من هذا الوجه"؛ فلا يمتنع ان يكون رواه العدد الكثير عن غير ذلك الشيخ، فلْيُتَنَّبه لذلك كله / النكت الوفية / ٨٦ ب، ٨٧ أ، وبهذا أيد البقاعي القول بحمل المطلق من عبارات الترمذي على المقيد، في مواجهة رد العراقي لذلك، غير أنه لم يُجب عما لا يمكن فيه حمل المطلق على المقيد، كان ننظر في الحديث الموصوف مع الصحة والحسن بالغرابة المطلقة فنجد سنده فردًا في كل حلقاته، ولا نجد لمتنه شاهدًا، وسيأتي للمؤلف ما يجاب به عن تلك الصورة من الغرابة.
أما الحافظ ابن رجب، فقد ذكر اعتراض ابن دقيق العيد على القول بتعدد الإِسناد بما قيل فيه "حسن صحيح غريب"، لا نعرفه إلا من هذا الوجه ... ، ثم قال: وقد أجاب عن ذلك بعض أكابر المتأخرين: بأنه قد يكون أصل الحديث غريبًا ثم تتعدد طرقُه عن بعض رواته (أي الذي تحصل الغرابة بالنسبة إليه)، إِما التابعي أو من بعده، فإن كانت تلك الطرق كلها صحيحة، فهو صحيح غريب، وإن كانت كلها حسنة فهو حسن غريب، وإِن كان بعضُها صحيحًا وبعضها حسنًا فهو صحيح حسن غريب؛ إذ الحسن عند الترمذي ما تعددت طرقه، وليس فيها مُتَّهَم، وليس شاذًا (أي وهذا فيه شُروطه وزيادة)؛ فإذا قال مع ذلك: "إنه غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه" حمل على أحد شيئين: -إما أن تكون طُرُقه تعددت الى أحد رُواتِه الأصليين؛ فيكون أصله غريبًا، ثم صار حسنًا، وإما أن بكون إسناده غريبًا، بحيث لا يعرف بذلك الإِسناد الا من هذا الوجه، ومتنه حسنًا بحيث روي من وجهين وأكثر -كما يقول: وفي الباب عن فلان وفلان - فيكون لمعناه شواهد تبين أن متنه حسن، وإن كان إسناده غريبًا/ شرح العلل ١/ ٣٩١، ٣٩٢.
أقول وهذا الجواب -كما ترى- أكثر تفصيلًا وتوضيحًا من الجواب الذي ذكره العراقي والبُلْقِيني وأيده البقاعي، ولكن الجوابين متفقان في القول بحمل مطلق عبارات الترمذي على مُقَيَّدِهَا، لكن هذا الجواب -مع تفصيله- ما زال بحاجة إلى إضافة شرط في أصل السند الذي ترجع الغرابة إليه، وتتعدد عنه طرق =стр. 276
وَرَدّ غيرُه (١) الحُسْن إلى المتن، وهو أبعدُ من الأول (٢) ، إذ كل الحواشي
(١) أي غيرُ من اعترض بذي الطريقة الواحدة، وهذا الغير هو ابن الصلاح؛ فإنه بعد ذكر الجواب السابق بِحَمْل الجمع بين الصحة والحُسْن على تعدد الإِسناد، قال: على أنه غير مُستَنكَر أن يكون بعض من قال ذلك (أي قال: حسن صحيح) أراد بالحَسَن معناه اللغوي، وهو ما تميل إليه النفس ولا يأباه القلب، دون المعنى الاصطلاحي الذي نحن بصدده / علوم الحديث / ٣٥، و ٣٦، وقد استبعد المؤلف هذا الجواب أكثر من سابِقه، مع التعليل كما ترى في باقي كلامه، كما تعقب غيره ابن الصلاح أيضًا في هذا الجواب، كما سنذكره بعد.(٢) سبق ابن دقيق العيد المؤلف إلى ردّ هذا الجواب الثاني من ابن الصلاح، كما سيأتي؛ ولذا اعتبر السخاوي المؤلِّفَ تابعًا لشيخه ابن دقيق العيد في رَدِّه هذا الجواب، كما اعتبره تابعًا له في رَدِّ الجواب الأوّل/ فتح المغيث للسخاوي ١/ ٩١.стр. 277
حديث رسول الله ﷺ ، حَسَن (١) سواء كان في الأحكام أو الرقائق أو غيرهما (٢) ، وأيضًا فلو أراد واحدًا من الحواشي
(١) بالأصل "حسنًا" وما أثبتُه هو الموافق لقواعد الإِعراب.(٢) يُلاحَظ أن تعليل المؤلف هذا لإِبعاد الجواب المذكور يختلف مع تعليل شيخه ابن دقيق العيد الآتي، وإن كانا قد اتفقا على ردّ الجواب، وقد أقر السخاوي تعليل المؤلِّف لرد حَمْل الحَسَن على متن الحديث، فقال: هو كذلك جَزمًا؛ لكن لا مانع من النص فيما يتضمن الترغيب والرقائق ونحوهما على الحُسْن اللغوي، غير أنه نَقَل عن الْبُلْقِيني أنه يمكن أيضًا وصف ما تضمن الترهيب ونحوَه بالحُسْن اللغوي باعتبار أن ما فيه من الزجر والوعيد مسوق بأَساليب بديعة؛ وبذلك انتهى إلى أن كل حديث الرسول ﷺ حسنًا كما ذكر المؤلف؛ وعليه فالحمل على المعنى اللغوي للمتن لم يَحُل إشكال الجمع بين الحُسْن والصحة؛ ولذا قال السخاوي: وحينئذ فالإِشكال باق / فتح المغيث للسخاوي ١/ ٩٠، ٩١ ومحاسن الإِصطلاح للبُلْقِيني/ ١٠ أ.
وأما ابن دقيق العيد فاتجه في تعليل رده لجواب ابن الصلاح هذا إلى ناحية أخرى فقال: إما إطلاق الحَسن باعتبار المعنى اللغوي فيلزم عليه أن يطلق على الحديث الموضوع إذا كان حسن اللفظ أنه حَسَن، وذلك لا يقوله أحد من أهل الحديث إذا جَرَوا على اصطلاحهم/ الاقتراح/ ١٧٤.
ورَدّ البُلْقِيني ذلك من وجهين:
أحدهما: أن الكلام فيما جمع بين الصحة والحُسْن؛ فلا يدخل الحديث الموضوع.
وثانيهما: أن الأحاديث الموضوعة وإن كان فيها ترقيقات إلا أنه لا يحل إطلاق الحُسْن عليها، ولو بعيدًا عن الاصطلاح، منعًا للالتباس بإرادة الحسن الاصطلاحي/ محاسن الإصطلاح ١١٠ وفتح المغيث للسخاوي ١/ ٩٠.
أما العراقي فذكر أن ابن عبد البر -وهو من أهل الاصطلاح- قد أطلق على الحديث الضعيف - (بل الذي في سنده وضَّاع) - أنه حَسن، وأراد حُسْن لفظه، لا الحسن الاصطلاحي/ التقييد والإيضاح/ ٦٠، ورد ابن حجر ذلك بأن =стр. 278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ابن عبد البر وإن كان من أهل الاصطلاح؛ لكنه لم يجر في حكمه على الحديث المشار إليه على اصطلاح المحدثين بدليل اعترافه عند الحكم عليه بضعف سنده، واصطلاح المحدثين في الحسن خلاف ذلك/ الإِفصاح ٦٠ ب، وعليه فلا يُتَعقب ابن دقيق العيد بإطلاق ابن عبد البر الحُسن على الحديث الضعيف فضلًا عن الموضوع؛ لأن ابن دقيق العيد قيّد منع إطلاق الحسن على مثل هذا الحديث بمراعاة الاصطلاح؛ لكن يبقى تعقبه بما تقدم عن البُلقيني: أنه لا يحل إطلاق الحسَن على الموضوع ولو بدون تقييد بمراعاة الاصطلاح، خشية الالتباس، وزاد السخاوي: أن حُسن لفظه أيضًا معارَض بقُبْح الوضع أو الضعف/ فتح المغيث/ ١/ ٩٠. وعليه يندفع إلزام ابن دقيق العيد لابن الصلاح بإطلاق الحُسْن اللغوي على الحديث الموضوع إذا كان حَسَن اللفظ؛ لكن مع اندفاع هذا الإِلزام عن ابن الصلاح فإن حَمْلُه الحُسن على المعنى اللغوي لا يرفع إشكال الجمع بين الصحة والحُسْن، وذلك لما ذكره المؤلف ومِن بَعدِه البلقيني والسخاوي: أن حديث الرسول ﷺ كلَّه حسَن اللفظ والمعنى، سواء تضمن ترغيبًا أو ترهيبًا أو غيرَهما، ولذلك اعتبر البقاعي أن هذا هو الإِلزام الصحيح المترتب على قول ابن الصلاح بإرادة الحُسن اللغوي فيما جُمع في وصفه بين الصحة والحُسْن؛ لكنه نسب إلزام ابن الصلاح بذلك إلى شيخه ابن حجر فقال: والإِلزام الصحيح ما قاله شيخُنا من أنه كان يَلزم على قوله - (أي قول ابن الصلاح) - أَن لا يوصف حديث بصفة إلا والحُسْن تابعه؛ فإن كل أحاديث النبي ﷺ حَسنةُ الألفاظ بليغة، فلما رأينا هذا الذي وقع في كلامه هذا، كثيرًا يفرق؛ فتارة يقول: "حسن" فقط، وتارة يقول: "صحيح" فقط، وتارة يقول: "حسن صحيح" وتارة يقول: "صحيح غريب" وتارة "حسن غريب"، ونحو ذلك، عرفنا أنه لا محالة جارِ مع الاصطلاح، وأيضًا فهو قد قال في "العلل" في آخر كتابه: وما قلنا في كتابنا: "حديث حسن" فإنما أردنا به حَسُن إسناده عندنا "جامع الترمذي ٥/ ٤١٣ مع تصرف يسير"؛ فقد صرح بأنه إنما أراد حُسْن الإِسناد، فانتفى أن يريد حسن اللفظ./ النكت الوفية/ ٨٦ أ، ب والتدريب ١/ ١٦٣، ويبدو أن البقاعي لم يكن مُسَلِّمًا بهذا؛ فناقش شيخه ابن حجر فيه؛ حيث إنه ساق كلامه السابق ثم =стр. 279
المَعْنَيَيْن (١) لَحَسُن أن يأتي بواو العطف المُشرِّكة، فيقول: حسن وصحيح؛ ليكون أوضح في الجمع بين الطريقين، أو السند والمتن.
وقد كان يمكن أن يجاب عنه من هذا النَمط، أنه صَدقَ عليه الوصفان باعتبار الاختلاف في حال راويه؛ إذ قد يكون الراوي عند مُعدِّل في مرتبة الصحيح، وعند غيره، دون ذلك، وَيرِد على هذا -لَوْ قيل- ما لا يختلف النظر في تعديل راويه، وأنه كان يَحسُن في مثله أن يأتي بلفظة "أو" التي هي لأحد الشيئين أو الأشياء، فيقول: حسن أو صحيح (٢) . الحواشي
(١) بالأصل "المعندين" وما أثبته هو الذي يستقيم عليه المعنى، ويؤيده نقل السخاوي له بلفظ "الوصفين" والمراد: "الحُسْن والصحة" / فتح المغيث للسخاوي ١/ ٩١.(٢) هذا الجواب الذي أورده المؤلف من جانبه فصدَّره بقوله: وقد كان يمكن أن يجاب ... الخ، وكذا ما أورده عليه من تعقب، قد ذكره ابن حجر مع بعض زيادة وتصرُّف في العبارة، عازيًا إياه لبعض المتأخرين دون تحديد شخصه، فقال: وأجاب بعض المتأخرين عن أصل الإِشكال (يعني إشكال الجمع بين =стр. 280
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وصفي الحُسن والصحة لحديث واحد) بأنه اعتبار صدق الوصفين على الحديث بالنسبة إلى أحوال رواته عند أئمة الحديث؛ فإذا كان فيهم من يكون حديثه صحيحًا عند قوم، وحسنًا عند قوم، يقال فيه ذلك.
ويتعقب هذا بأنه لو أراد ذلك لأتى بالواو التي للجمع، فيقول: حسن وصحيح، أو أتى بـ"أو" التي هي للتخيير أو التردد، فقال: حسن أو صحيح، ثم إن الذي يتبادر إلى الفهم أن الترمذي إنما يحكم على الحديث بالنسبة إلى ما عنده، لا بالنسبة إلى غيره؛ فهذا يقدح في هذا الجواب، ويتوقف أيضًا على اعتبار الأحاديث التي جمع الترمذي فيها بين الوصفين؛ فإن كان في بعضها ما لا اختلاف فيه عند جميعهم في صحته فَيُقْدَح في الجواب أيضًا؛ لكن لو سَلِم هذا الجواب من التعقب لكان أقرب إلى المراد من غيره، وإني لَأمِيلُ إليه وأرتضيه، والجواب عما يَرِد عليه ممكن/ الإفصاح/ ٦٠ ب، ٦١.
أقول: وقد كان على الحافظ حيث ارتضى هذا الجواب ومال إليه أن يُجيب عما أوْرَدَه عليه من تعقبات، ولا يكتفي بالإِشارة لإِمكان ذلك. ثم إنه أرتضاه هنا كجواب عام عن أصل إشكال الجمع بين الصحة والحُسن لحديث واحد، ومقتضى هذا شمولُه لما تعدد إسناده من ذلك وما لم يتعدد، وما وصف مع ذلك بالغرابة أولًا، ولكنه مع تصريحه بارتضائه والميل إليه لم يَعتبرْه أقوى الأجوبة عن أصل الإِشكال؛ حيث إِنه بعد تصريحه بارتضائه ذكر بعض الأجوبة الأخرى، ثم قال: وفي الجملة أقوى الأجوبة ما أجاب به ابن دقيق العيد/ الإِفصاح/ ٦٠ ب، وتبعه في ذلك الشيخ البَنُّوْري وشيخُه الكَشميري/ معارف السنن ١/ ٤٤، وجواب ابن دقيق العيد المشار إليه، خلاصته أن صفات الرواة المقتضية لقبول رواياتهم درجات بعضها فوق بعض، فوجود الدنيا لا ينافيه وجود ما هو أعلا منها؛ فإذا وجدت الدرجة العليا، لم يناف ذلك وجود الدنيا.
وعليه يمكن اجتماعها في راو واحد، وبالتالي يقال عن حديث واحد: إنه حَسنٌ باعتبار وجود الصفة الدنيا في رواته وهي الصدق مثلًا، ويقال عنه أيضًا: "صحيح"، باعتبار وجود الصفة العليا -وهي الحفظ والإِتقان- في نفس رُواته، =стр. 281
وكل هذه الأجوبة مرغوب عنها.
ويلتحق بهذه الأجوبة، ما ذكره الحافظ أبو عبد الله بن أبي بكر بن المَوَّاق (١) : أن الترمذي لم يَخُص الحسن بصفة تميزه عن الحواشي
(١) تقدم التعريف به، وذكر العراقي أن كلام ابن الموَّاق هذا في كتابه "بُغية النقاد" / التقييد والإِيضاح/ ٦١، وسبق عند ترجمته التعريفُ بنسخة هذا الكتاب التي اطلعت عليها.стр. 282
الصحيح؛ فلا يكون صحيحًا إلا وهو غير شاذ، ولا يكون صحيحًا حتى يكون رواته غير متهمين؛ بل ثقات، قال: فظهر من هذا، أن الحسن عند أبي عيسى، صفة لا تخص هذا القسم (١) ؛ بل قد يَشْرَكه فيها الصحيح؛ فكل صحيح عنده حسن، وليس كلُّ حسن صحيحًا.
ويشهد لهذا أنه لا يكاد يقول في حديث يصححه إلا: حَسنٌ صحيح (٢) . الحواشي
(١) قال البقاعي: (قوله): "لا تخص هذا القسم" أي الحسن من حيث هو حَسَن، لا يخص هذا القسم الذي اندرج تحت حد الترمذي/ النكت الوفية/ ٦٢ أ.(٢) سبق للمؤلف ذكر خلاصة كلام ابن الموَّاق هذا مُصرِّحًا بأنه اعتراض على الترمذي في تعريفه للحسن بما لم يُميزه عن الصحيح، ص ٢٦٨، ٢٦٩، واكتفى هناك بذكره كاعتراض، ولم يَرُدّ عليه، أو يشر لمجيء رده هذا، وكلا الأمرين غير وجيه؛ وذلك لأن الموضع الأصلي لكلام ابن المواق هو الاعتراضات على تعريف الحسن، ورَدُّ المؤلف هنا على اعتراضه مُنصَبّ على ذلك؛ فلماذا أخره عن موضعه الأصلي حتى بدون إحالة على ما هنا؟. ثم إن الجواب عن جمع الترمذي بين الصحة والحسن بمثابة دفاع عن تصرفه وتوجيه له، والاعتراض مضاد لذلك، فكيف يلحق هذا بذاك؟.
ونعم إن بعض نتيجة اعتراض ابن الموَّاق وهو قوله: "كل صحيح حسن"، متفق مع بعض نتيجة جواب ابن دقيق العيد عن جمع الترمذي بين الصحة والحُسن، وهو قوله: "ويلزم على هذا أن يكون كل صحيح حسنًا"، لكن هذا لا يُسوِّغ إلحاق اعتراض ابن الموَّاقَ كله بالأجوبة، كما فعل المؤلف؛ وإنما كان يكفي هنا الربط بين ما اتفق فيه اعتراض ابن الموَّاق مع جواب ابن دقيق العيد، أمّا تفصيله اعتراض ابن المواق كله على تعريف الترمذي للحسن، ثم التصدي للرد عليه، فذاك محله ما تقدم من تعريفات الحَسَن ومناقشتها، وعلى هذا النحو مشى البقاعي/ النكت الوفية/ ٦١ ب - ٦٢ ب، ٨٩ ب والسيوطي/ تدريب الراوي ١/ ١٥٥، ١٦٤. =стр. 283
قلت: بقي عليه أنه اشترط في الحسن أن يُروى نحوُه من وجه آخر، ولم يشترط ذلك في الصحيح؛ فانتفى أن يكون كل صحيح حسنًا؛ نعم قولُه: وليس كل حسن صحيحًا، صحيح (١) . الحواشي
(١) تعقب الحافظ العراقي اعتراض المؤلف هذا من وجوه، وسأذكُرُ كلا منها ثم أجيب عنه بعون الله، إنصافًا للحقيقة، وللمؤلف.
أحدها: أنه يترتب عليه أن الحديث الصحيح الذي ليس له إلا طريق واحد لا يكون حسنًا عند الترمذي؛ مع أن الواقع في جامعه خلاف ذلك، فقد ذكر العراقي اعتراض المؤلف هذا على ابن الموَّاق ثم قال: فعلى هذا، الأفراد الصحيحة ليست بحسنة عند الترمذي؛ إذ يَشْتَرِط في الحسن أن يُروَى من غير وجه/ شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٠.
والجواب عن هذا أن الحسن الذي عَرَّفه الترمذي، ونازعه ابن الموَّاق في تعريفه، من المقرر -سلفًا- أنه قاصر عن الصحيح؛ بل عن الحسن لذاته، وبالتالي فالصحيح مستبعد كليَّة عن محل النزاع.
وثانيها: أنه يمكن دفع اعتراض المؤلف هذا أصلًا؛ وفي ذلك يقول العراقي: وجواب ما اعترض به (أي المؤلف): أن الترمذي إنما يَشترِط في الحسن مَجيئَه من =стр. 284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وجه آخر، إذا لم يبلغ رتبة الصحيح؛ فإن بلغها لم يَشتَرِط ذلك؛ بدليل قوله في مواضع: "هذا حديث حسن صحيح غريب" فلما ارتفع إلى درجة الصحة أثبت له الغرابة باعتبار فرديته، (يعني ومع الفردية أثبت له الحُسْن أيضًا) / شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١٠، ١١١، وسيأتي توجيه الجمع بين الثلاثة في حديث واحد.
والجواب هنا عن كلام العراقي هو: أنّ ردَّه قائم على اعتباره أن لفظ "الحسن" مراد به عند المؤلف العموم، أوعلى الأقل يُفْهَم منه هذا، وذلك في قوله: إن الترمذي "شَرَط في الحسن أن يروى نحوه من وجه ... "، وبذلك يشمل النوعَ الذي عرّفه الترمذي وأكثر منه في جامعه، وهو الحسن لغيره، ويشمل النوع الآخر الذي أورده في جامعه أيضًا وإن لم يُعَرِّفْه، وهو الحسن لذاته، والواقع خلاف هذا الذي بنى العراقي عليه ردَّه؛ وذلك لأن ابن المَوَّاق لم يعترض على كل الحسن بنوعيه الواردَيْن في جامع الترمذي عمومًا، وإنما اعترض على نوع واحد فقط، وهو الذي عَرَّفه الترمذي، والمؤلف رد على اعتراضه هذا، وعليه فالسياق يقضي بأنّ رده على ابن الموَّاق مقصور على النوع الذي اعترض ابن المواق عليه فقط، وهو: الحسن لغيره، ومن هنا فإن لفظ "الحسن" الوارد في كلامه ليس عامًا شاملًا لنوعي الحسن، كما يرى العراقي، ولكنه خاص بنوع واحد فقط بدليل السياق، فالألف واللام فيه ليست للجنس، ولكنها للعهد، وتقدير عبارة المؤلف: إن الترمذي اشترط في الحَسَن المعهود -وهو الذي عرفه واعترض عليه فيه ابن المواق- أن يُروى من وجه آخر، ولم يَشتَرِطْ ذلك في الصحيح، وسيأتي تصريحه بما يؤكد هذا في نقل العراقي نفسه عنه؛ وبالتالي لا يتجه تعقبه هذا له.
وثالثها: أن المؤلف قرر أن الترمذي يَشترط في الحسن الرواية من وجه آخر، ثم خالف ذلك في أثناء الشرح، فقال: إنه لا يُشترط في كل حسن أن يكون كذلك؛ حيث إن الترمذي أخرج حديثَ عائشة: "كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: غفْرانك" وقال عنه: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل ... ولا نعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة/ جامع الترمذي - أبواب الطهارة- باب ما يقول إذا خرج من الخلاء ١/ ٧ / فقال المؤلف: =стр. 285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = هذا قد يُوهم منافاة الحسن الذي وصفه به على شرطه، فَيَحتاج إلى الجواب عن ذلك فنقول: لا يشترط في كل حسن أن يكون كذلك، بل الذي يُحتاج فيه أن يُروى نحوه من وجه آخر هو ما كان راويه في درجة المستور، ومن لم تثبت عدالته، ولا ارتقى الى أن تُدْخَل في الصحيح -مع المتابعة- روايتُه؛ فهناك يُحْتاجُ الى تقويته بالمتابعات والشواهد، ليصل بمجموع ذلك إلى تلك الدرجة ... ثم قال: وأكثر ما في الباب أن الترمذي -في الموضع الذي شرط فيه في الحسن تقويته بالمتابعات- عرَّف بنوع منه، وهو أكثرُه وقوعًا عنده، لا بِكُل أنواعه، وهذا (يعني ما وَصف به حديث عاثشة) نَوْع آخر منه يستفاد من كلامه، وكلام الحاكم والخليلي وغيرهم من أئمة هذا الشأن في الغرائب والشذوذ والانفرادات/ الشرح ق/ ٢٥ أوالتقييد والإِيضاح/ ٦١. فاعتبر العراقي هذا مخالفًا لكلام المؤلف في الرد على ابن المواق.
ويلاحظ أن هذا التعقُب -كسابقه- مبني على أن "الحسن" في ردِّ المؤلف على ابن الموَّاق مراد به العموم؛ فيشمل الحَسَن بنوعيه المشار إليهما، وبالتالي يخالف ردُّه ما قرره في الجواب عن هذا الحديث من أن الحسن في تعريف الترمذي مُراد به نوع واحد فقط، والنوع الآخر أورده في جامعه ويستفاد من وصفه الأحاديث به، وإن لم يَضع له تعريفًا كسابقه.
وطالما كان مبنى التعقبين واحدًا، يكون الجواب عن هذا بمثل - ما أجبتُ به عن سابقه، وخلاصته: أن الحسن في رد المؤلف على ابن المواق ليس عامًا، ولكنه خاص بالنوع الذي اعترض ابن المواق على تعريف الترمذي له؛ وبهذا يكون تعقب العراقي له مردودًا.
ويؤيد هذا أن العراقي ذكر في شرحه لألْفيته هذا الاعتراض السابق فقال: قال أبو الفتح اليعمري (أي في الرد على ابن الموَّاق): وبَقِي عليه أنه اشترط في الحسن أن يُروَى من وجه آخر، ولم يشترط ذلك في الصحيح، ثم قال العراقي: قلت: وسترى في كلام أبي الفتح بعد هذا بدون الصفحة (يعني كلامه على الحديث السابق) أنه لا يشترط في كل حسن أن يكون كذلك، فَتَأَمّلْه/ شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٨٦. =следующие страницы →