وكل هذه الأجوبة مرغوب عنها.
ويلتحق بهذه الأجوبة، ما ذكره الحافظ أبو عبد الله بن أبي بكر بن المَوَّاق (١): أن الترمذي لم يَخُص الحسن بصفة تميزه عن
стр. 282
الصحيح؛ فلا يكون صحيحًا إلا وهو غير شاذ، ولا يكون صحيحًا حتى يكون رواته غير متهمين؛ بل ثقات، قال: فظهر من هذا، أن الحسن عند أبي عيسى، صفة لا تخص هذا القسم (١)؛ بل قد يَشْرَكه فيها الصحيح؛ فكل صحيح عنده حسن، وليس كلُّ حسن صحيحًا.
ويشهد لهذا أنه لا يكاد يقول في حديث يصححه إلا: حَسنٌ صحيح (٢).
стр. 283
قلت: بقي عليه أنه اشترط في الحسن أن يُروى نحوُه من وجه آخر، ولم يشترط ذلك في الصحيح؛ فانتفى أن يكون كل صحيح حسنًا؛ نعم قولُه: وليس كل حسن صحيحًا، صحيح (١).
стр. 284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 286
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 287
والجواب: أن الحكم لِلَفْظَةِ "حَسَن" إنما هو (١) إذا انفردت، ومعلوم/ حينئذ أنها جاءت على الوضع الاصطلاحي، لِتُفيد ما تقرّر من المراد.
وأما إذا جاءت تبعًا للصحيح، فالحكم للصحيح، وليس ذلك المعنى الوضعي مُراد منها. ولا منافاة حينئذ، كما لو قُلْتَ: حديث صحيح معروف، أو مشهور صحيح، لم تكن تلك الزيادة على الوصف بالصحة إذا مما يحط الحديث عن مرتبته؛ وإن كانت قاصرة عن الوصف بالصحة إذا انفردَت، وليس وضع الحسن على هذا النوع من الحديث، مما تقدم الترمذيَّ وضعُه حتى يُشاحَحَ في إطلاقه، ويُطلَب منه اطرادُ رَسْمِه، منفردًا، ومُقترِنًا بالصحة، فقد قال الشيخ أبو عمرو: إن من أهل الحديث من لا يُفرِدُ الحسن، ويجعلُه مندرجًا في أنواع الصحيح، لاندراجه في أنواع ما يُحتَجّ به (٢).
стр. 288
وإشارة من أشار إلى أنّ ما وقع من ذلك في كلام أحمد بن حنبل والبخاري وغيرهما، محمول على الصحيح، جديرة بالصحة، خَليقةٌ بالعثور على المراد (١).
стр. 289
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 290
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 291
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 292
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 293
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 294
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 295
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 296
ومما يُورَد على أبي عيسى ﵀ قوله: حَسن غريب؛ إذ الغريب ينافي الحَسن، من جهة أنه شَرَط في الحَسن أن يُروَى نحوُه من وجه آخر، وليس الغريب كذلك؛ فثبوت مثله أو نحوه رافع للغرابة عنه (١) فيُحتَاج إلى معرفة الغريب ما هو؟.
وحينئذ يتبين: هل هذا الإِيرادُ لازم أم لا؟ فنقول:
الغريب على أقسام:
стр. 297
١ - غريب سندًا وَمْتنًا.
٢ - ومتنًا لا سندًا (١).
٣ - وسندًا لا متنًا (٢).
٤ - وغريب بعض السند فقط (٣).
٥ - وغريب بعض المتن فقط (٤).
وكلها قد ترتقي إلى درجة الصحة -إن نهض راويها بما حَمل-، أو تَنْحطُّ عن ذلك بحسب انحطاطه.
وليس فيها ما يقبل الحُسْن مُنفردًا به إلا الغريب سندًا لا متنًا إذا سَلِم راويه من الانحطاط عن درحة الحسَن (٥)، وسواء قُيدَتْ غرابتُه
стр. 298
براو معين، كقوله: غريب من حديث فلان، أو من حديث فلان عن فلان، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، أو لم تُقيَّد.
وأما غرابة بعض المتن -وهي الزيادة المتصلة بالحديث- فلا يتأَتَّي فيها التحسين؛ لأن غرابتها راجعة إلى المتن (١).
فقد تبين أن الغريب قد يقبل الوصف بالصحة أو بالحُسن، أو بهما معًا على ما تقدم/ كما ياتي عنده أيضًا، أو لا يقبل الوصف بواحد منهما، فلا يُورَد على الغريب الموصوف بوصف آخر (٢) إلا من وجده موصوفًا به في القسم الذي يمتنع وصفه به -كما بيناه (٣) - وما إخالُه يَجده.
стр. 299
وقد رأيت عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي، قال: وأما الغريب من الحديث، كحديث الزهري وقتادة، وأشباههما من الأئمة ممن يُجَمع حديثهم -إذا انفرد الرجل عنهم بالحديث- يُسمى غريبًا، وإذا رواه عنهم رجلان وثلاثة، واشتركوا في حديث، يسمي عزيزًا، وإذا روى الجماعة حديثًا سُمِّي مشهورًا (١).
قال المقدسي: اعلم أن الغرائب والأفراد على خمسة أنواع:
فالنوع الأول: غرائب وأفراد صحيحة، وهو: أن يكون الصحابي مشهورًا برواية جماعة من التابعين عنه، ثم ينفرد بحديثٍ عنه أحْدُ الرواة الثقات -لم يروه عنه غيره- ويرويه عن التابعي رجل واحد من الأتباع، ثقة، وكلهم من أهل الشهرة والعدالة، وهذا أُخِذ (٢) في معرفة الغريب والفرد الصحيح، وقد أُخرِج له نظائر في الكتابين (٣).
والنوع الثاني: من الأفراد: أحاديث يرويها جماعة من التابعين عن الصحابي، ويرويها عن كل واحد منهم جماعة، فينفرد عن بعض رواتها بالرواية عنه رجل واحد، لم يرو ذلك الحديث عن ذلك الرجل غيرُه، من طريق يصح، كان كان قد رواه عن الطبقة المتقدمة عن شيخ شيخه، جماعة (٤) إلا أنه من رواية هذا المنفرد عن شيخه، لم يروه عنه غيره (٥).
стр. 300
النوع الثالث: أحاديث ينفرد بزيادة ألفاظ فيها واحدٌ عن شيخه لم يرو تلك الزيادة غيره عن ذلك الشيخ؛ فَيُنسَب إليه التفرد بها، ويُنظَر في حاله.
النوع الرابع: متون اشتهرت عن جماعة من الصحابة، أو عن واحد منهم، فروى ذلك المتن عن غيره من الصحابة ممن لا يُعرَف به إلا من طريق هذا (الواحد) (١) ولم يتابعه عليه غيره.
النوع الخامس من التفرد: أسانيد، ومتون، ينفرد بها أهل بلد، لا توجد إلا من روايتهم، وسنن ينفرد بالعمل/ بها أهل مِصْرٍ، لا يُعمل بها في غير مصرهم (٢).
قلت: يحتاج أن يكون المنفرد في النوع الأول، في المرتبة العليا من الثقة والعدالة والحفظ، حتى يُقْبل انفرادُه في كل طبقة: الأولى، والثانية، اللَّتان (٣) أشار إليهما، وثالثة -إن وُجِدَت- أو أكثر من ذلك (٤).
стр. 301
وأما الثاني ففيه نقص، لعله من النسخة (١) وقد نبهت عليه -مقابِلُه- في الحاشية.
فهذا النوع الأول عنده.
والثاني هو: الذي أشرت اليه بغريب بعض السند، وقد يَقبل الصحة أو ينحط عنها كما قلنا. وقد يقبل التحسين، إن وُجِد (٢) له شاهد، وقد لا يقبله، إن لم يُوجد (٣) ومن هذا النوع: حديث أم زرع؛ فإن عيسى بن يونس يرويه عن هشام بن عروة عن أخيه، عبد الله بن عروة عن أبيه عن عائشة (٤)، ويرويه غيره -ممن
стр. 302
لا يَحفظ- عن هشام عن أبيه عن عائشة، فيسلُك به الجادَّة (١)، فهذه غرابة تخص موضعًا من السند، صحيحة، والحديث صحيح.
والنوع الثالث: هو الذي أشرت إليه بـ "غريب" بعض المتن، وهو أيضًا مختلف بحسب حال التفرد بالزيادة، وإلى بعضه يشير الإمام أبو عمرو بقوله: غرائب الشيوخ، في أسانيد المتون الصحيحة، قال (٢): "وهو الذي يقول فيه أبو عيسى: غريب من هذا الوجه (٣) وقد تقدم - في هذا النوع (ما) (٤) يجب عند ذكر الشاذ، في حكم الزيادة
стр. 303
- توضيحه (١)؛ فإذا قال أبو عيسى في حديث: "غريب من هذا الوجه"، مشيرًا إلى ذلك، أو "غريب من حديث فلان عن فلان" فقد أوضح مراده منه (٢) وإن قال: "هذا حديث غريب"، أمكن أن يُحْمَل على الغرابتين: المطلقة، والمقيدة.
وأما النوع الرابع: فهو الغريب سندًا لا متنًا، كحديث "الأعمال بالنيات" (٣) إذا رُوي عن غير عمر بن الخطاب؛ فقد وقع لنا طريق، لا ذكر فيها ليحيى بن سعيد، ولا مَن فوقه إلى عمر، وهذا إسناد غريب كله (٤) والمتن الصحيح.
стр. 304
النوع الخامس: فيشمل الغريب كله: سندًا ومتنًا، أو أحدهما دون الآخر (١) وقد ذكر أبو محمد بن أبي حاتم ﵀، بسندٍ له (٢) أن رجلًا سأل مالكًا عن تخليل أصابع الرِّجلين في الوضوء، فقال له مالك: إن شئت خلِّل، كان شئت لا تُخلل. وكان عبد الله بنِ وَهب حاضرًا، فعجب من جواب/ مالك، وذكر لمالك في ذلك حديثًا
стр. 305
بسند مِصري صحيح (١) وزعَم أنه معروف عندهم؛ فاستفاد مالك الحديث، واستعاد السائل، فأمره بالتخليل، هذا أو معناه (٢).
стр. 306
وفي ذلك جمع غرائب البلدان، وما تفرد به أهل الأمصار من (١) السنن، من جمعها وقبولها للصحة وغيرها - واضح.
стр. 307
"فصل"
[في معنى قول الترمذي: وفي الباب عن فلان، وفائدة ذلك]
ومما تضمنه جامع أبي عيسى الترمذي ﵀ من الاختصار فى التصنيف: أنه يذكر الحديث في الباب بسنده، عن صحابيه، ثم يتبعه قوله: "وفي الباب عن فلان وفلان" حتى يأتي على ما يوجد في ذلك الباب، أو أكثره (١) فلو استوعب أسانيد ذلك لطال الكتاب جدًّا، ولو تركه بالكلية، لفاته تقوية حديثه المسند، بإضافة ما أضاف إليه، والتنبيه على تلك الأحاديث، ليتتبع مظَانَّها من له غرض في التتبع؛ غيرأنه ينبغي أن يكون ما أسند في ذلك الباب أقوى
стр. 308
مما لم يذكر سنده، وذلك هو الأكثر من عمله، وقد ذكر أبو نصر ابن يوسف كلامًا هذا معناه (١) فقال: وظاهر طريقته أن يُتَرْجِم الباب (٢) الذي فيه حديث مشهور عن صحابي، وقد صح الطريق إليه، وأُخرِج مِنْ حَدِيثه في الكتب الصحاح - فَيورِد في الباب [ذلك الحكم] (٣) من حديث صحابي [آخر] (٤) لم يخرجوه من حديثه، ولا يكون الطريق (٥) إليه كالطريق الأول؛ إلا أن (٦) الحكم صحيح، ثم يتتبعه بأن يقول: "وفي الباب عن فلان وفلان"، ويَعُد جماعة فيهم الصحابي [المشهور] (٧) يعني الذي أُخرِج (٨) ذلك الحكم من حديثه - وقَلّما يسلك هذه الطريقة (٩) إلا في أبواب معدودة (١٠).
стр. 309
قلت: لو اطرد ذلك من عمل الترمذي، لكان له وجه، ولتضمن اختصارًا ثانيًا، يُشْفِع الأول، لكن ليس مُطرِدًا ولا أكثريًّا؛ وإذ (١) لم يَطَّرِد له على الوجه الأول عَملٌ، ولا على الثاني، لم يبق إلا الجواب عما يقع من الثاني -إذ هُو أقلُّهما- في مواضعه إن تيسر جواب، والله الموفق للصواب.
[قال أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي] (٢):
أبواب الطهارة، عن رسول الله ﷺ /.
...
стр. 310
١ - باب ما جاء: لا تُقْبلُ صلاةٌ بغير طَهور
قال: أنبأ أبو رَجاء -قُتيبةُ بن سعيد ثنا أبو عَوانة عن سِماك بن حرب [ح] (١) قال: وثنا هناد، ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سِماك، عن مُصعب بن سعد عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: لا تُقْبلُ صلاةٌ بِغَير طَهور، ولا صَدَقةٌ من غُلول.
قال أبو عيسى: هذا الحديثُ، أصحُّ في هذا البابِ، وأَحْسَن. وفي الباب عن أبي المَلِيح عن أبيه، وأبي هريرة، وأنس. وأبو المَلِيح بن أسامة، اسمه عامر بن أسامة، ويقال زيد بن أسامة بن عُمير الهُذَلي (٢).
стр. 311
[الكلام عليه] (١)
[التخريج والصناعة الحديثية] (٢):
قوله: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب، لا يلزم منه أن يكون صحيحًا عنده (٣)، وكذلك إذا قال: أحسن، لا يقتضي أن يكون حسنًا، كما ستقف عليه بعد هذا في مواضعه، إن شاء الله.
وإذا كان كذلك، فنقول: الحديث صحيح، أخرجه مسلم عن قتيبة وغيره من حديث أبي عَوانة، وإسرائيل، وغيرِهما (٤).
ورواه ابن ماجه من حديث إسرائيل، وشُعْبَة -جميعًا- عن سِمَاك (٥) ورجالُه رجالُ مسلم، ولعل البخاريَّ لم يخرجه لحال سِمَاك؛ فإن مدارُه عليه، وهو لا يُخرِج حديث سِمَاك. فينبغي أن نُعَرِّفَ بحاله ليتبين عُذرُ البخاري في عدم إخراج حديثه.
стр. 312
فنقول: هو سِمَاك (١) بن حرب بن أوس بن خالد بن نِزَار بن معاوية بن حارثةَ [بن ربيعة] (٢) بن عامر بن ذُهْل بن ثَعلبة، الذُّهْلي البَكري، وقيل: الهُذَلي، أبو المغيرة، كذا قال الحافظ عبد الغني، في "كماله" (٣)، وقوله: وقيل: الهُذَلي، ليس بشيء، وقد خالفه ابن الكَلْبي (٤) في هذا النَسَب، والنَفْس إلى ما قال ابن الكَلْبي؛ أمْيَل، قال: سِمَاك بن حرب بن علقمة بن هند بن قيس بن عمر بن سَدُوس بن شَيبان بن ذُهْل بن ثَعلبة، أخو محمد وابراهيم ابنَيْ حَرْب (٥)، سمع جابر بن سَمُرة، والنعمان بن بشير، وأنس بن مالك، وغيرَهم (٦). وقال: أدركت ثمانين من أصحاب النبي ﷺ (٧).
стр. 313
وكان قد ذهب بصري، فدعوت الله فرد عليَّ بَصري (١) وروى عنه حماد بن سلمة: أنه سمعه يقول: ذهب بصري، فرأيت ابراهيم -خليل الرحمن- ﷺ في المنام، فمسح يَدَه على عيني، فقال: إئت الفُرات، فاغتمِسْ فيه، وافتح عينيك في الماء؛ ففعلتُ، فرد/ الله عليَّ بصري.
روى عنه إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، ومالك بن مِغْوَل، والثوري، وشُعبة، وزائدة، وزهير، في خلق كثير. وقال البخاري: عن عَليّ: له نحو مائتي حديث (٢).
وقد اخْتُلِف في حاله: فقال أحمد: سِمَاك، أصلحُ حديثًا من عبد الملك بن عُمير (٣) وقال أبو حاتم: صدوق [ثقة] (٤) وقال أبو بكر بن عيَّاش: سمعت أبا إسحاق السَّبِيعي (٥) يقول: عليكم بعبد الملك بن عُمير، وسِمَاك [بن حرب] (٦)، ووثقهُ يحيى بن مَعِين.
стр. 314
وقيل له: ما الذي عِيبَ عليه؟ قال: أسندَ أحاديث لم يُسْنِدُها غيرُه (١).
وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خِرَاش: في حَديثه لِين (٢)، وقال أحمد -مَرّةً- مضطرب الحديث (٣). وقال ابن حِبَّان -وقد ذكره في كتاب الثقات (٤) -: كان يُخطئ كثيرًا، وقال أحمد بن عبد الله العِجْلي: هُو تابعي (٥) جائز الحديث، إلا أنه كان يُخطئ في حديث عِكْرمِة، وربما وصل الشيء عن ابن عباس (٦). وكان الثوري يُضعِّفه بعض الضعف (٧) وكان جائز الحديث، لم يترك حديثه أحد، ولم يرْغَب
стр. 315
عنه [أحد] (١) وكان عالمًا بالشعر، وأيام الناس، وكان فَصيحًا (٢) وقال النسائي: إذا انفرد بأصل، لم يكن له حجة؛ لأنه كان يُلَقّن فَيَتلقَّن (٣) وربما قيل له: عن ابن عباس [فيقول: عن ابن عباس] (٤)، وقال العُقَيلي: أبنا (٥) عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: ثنا حجاج قال: قال شعبة: كانوا يقولون لسِمَاك: عِكرمِة عن ابن عباس، فيقول: نعم (٦): قال شعبة: فكنت لا أفعل ذلك به (٧). وذكره أبو الحسن ابن القطان (٨) فقال: هذا أكثرُ ما عِيبَ به سِمَاك، وهو قَبُول التلقين، وإنه لَعيْب تسقط الثقةُ بمن يتصف به، وقد كانوا يفعلون ذلك بالمُحدِّث، تجوبة لحفظه، وضبطه وصدقه، فَربَّما لقَّنوه الخطأ،
стр. 316
كما فعلوا بالبخاري، حين قَدِم بغداد، وبالعُقَيلي أيضًا، [نَحو ذلك] (١)؛ فالحافظ الفَطِن يفطن لما رُمِي به من ذلك، فيصنعُ ما صَنعا، وقصة البخاري مشهورة، وقصة العُقَيلي ذكرها مَسْلمة بن القاسم (٢) -عند ذكره أبا جعفر، محمد بن عمرو بن موسى بن حماد بن مُدرك العُقيلي قال: كان مَكيًّا ثقة، جليل القدر، عظيم الخطر، عالمًا بالحديث، ما رأيت أحدًا من أهل زماننا أعرف بالحديث منه، ولا أكثر جمعًا، وكان كثير التاليف، عارفًا بالتصنيف، وكان كل/ من أتاه من أهل الحديث يقرأ عليه، قال: اقْرَأْ من كتابك، وكان يُقْرَأُ عليه، لا يخرج أصله، فأنكرنا ذلك عليه، وتكلمنا في أمره، فقلنا: إما أن يكون من أحفظ الناس، أو من أكذب الناس، فاجتمعتُ مع نفر من أصحاب الحديث، فاتفقنا على أن نكتب له أحاديث من أحاديثه، ونزيد فيها وننقص، ونقرأَها عليه، فإن هو عَلِم بها، وأصلحها من حِفْظه، عرفنا أنه أوثق الناس، وأحفظُهم، وإن لم يَفْطِن للزيادة والنقصان، عَلِمنا أنه من أكذب الناس.
فاتفقنا على ذلك، فاخذنا أحاديث من روايته، فَبدَّلْنا فيها
стр. 317
ألفاظًا، وزدنا ألفاظًا، وتركنا منها أحاديث صحيحة، ثم أتينا بها مع أصحابٍ لنا من أهل الحديث، فقلنا له: أصلحك الله، هذه أحاديث من روايتك، أردنا سماعها وقراءتها عليك، فقال لي: اقرأ فقرأتُها عليه، فلما أتت الزيادة والنقصان، فَطن لذلك؛ فأخذ مني الكتاب، وأخذ القلم، فأصلحها من حفظه، وألحق النقصان، وضرب على الزيادة، وصححها كما كانت، ثم قرأها علينا، فانصرفنا من عنده، وقد طابت أَنُفسنا، وعلمنا أنه من أحفظ الناس.
ورُوي عن قتادة -من غير وجه- إذا أردت أن يَكذِب صاحبُك فَلقِّنه.
وعن ابن سيرين، وابن أبي مُلَيْكة، نحوُه (١) وقال حماد بن زيد: لَقنّتُ سلَمة بنَ علقمة حديثًا فحدَّثَني به، ثم رجع عنه، وقال: إذا سرَّك أن يَكذِب صاحبُك، فَلقِّنه.
وأخبار الناس في التلقين كثيرة، وسيأتي منها في هذا الكتاب -إن شاء الله- عند ذكر من رُمِي به من الرواة، ما فيه كفاية.
[حكم من يلَقَّن] (٢) فنقول: من يَفْطِن لما يُرمى به من ذلك، ويرجع إلى الصواب، فهذا في رتبة الثقة، بل في رتبة الحفظ والإتقان،
стр. 318
ومَن لا يَفْطِن، ففي رتبة الترك، لاسيما إن أكثر ذلك منه، ومن جُهِلت حالُه: هل هو ممن يَفْطِن، أم لا؟ -كما ذُكر عن سِمَاك (١) -، فهذا المستور موقوف على تَبين حالِه، فهذا مقتضى توقف البخاري عن سِمَاك، والله أعلم (٢).
وفي كتاب الأثرم: أن حديث سِمَاك، مضطرب عن عكرمة (٣) قلت: ليس هذا من حديثه عن عكرمة، فلعله أسلمُ من القدَح. وتُوفِي سِمَاك في [آخر] (٤) خلافة هِشام بن عبد الملك، سنة أربع وعشرين ومائة (٥).
[منهج الترمذي في سياق الأحاديث في جامعه]:
وقد ذكر/ الترمذي حديث ابن عمر، وأسنده، لترجحه على ما عداه من أحاديث هذا الباب، كما هو الأكثر من عمله (٦).
стр. 319
وقال: في الباب عن أبي المَلِيح عن أبيه، وأبي هريرة، وأنس.
فأما حديث أبي المَلِيح [عن أبيه] (١)، فرواه أبو داود (٢) والنسائي (٣) وابن ماجه (٤) من حديث شعبة عن قتادة عنه (٥).
وأما حديث أنس فرواه ابن ماجه من حديث ابن إسحق [عن يزيد بن أبي حبيب] (٦) عن سِنَانْ بن سعد عنه (٧).
وأما حديث أبي هريرة فذكره ابن عَدِي من حديث ابن سيرين
стр. 320
وأَبِي سلمة عنه، وقال: لا أعلمه (١) رفعه إلا غَسَّان بن عُبيد الموصلي، ثم قال: وهذا بهذا الإسناد، باطل (٢).
وقد وجدنا مما لم يذكره الترمذي في الباب، ما أخبرنا به أبو المعالي، أحمد بن إسحاق (٣) -سماعًا- قال: أنبأ عبد السلام بن فَتحة السرْقولي (٤)، أنبا أبو منصور، شَهْردَار بن شِيرَوْيه الدّيلمي (٥)