Полный текст (909 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وقال رجُل ليحيى بن معين: الأعمش مثل الزهري؟ فقال: برِئْتُ من الأعمش أن يكون مثلَ الزهري، الزهري يرى العَرض والإِجازة -يعني يُجيز التحمل للحديث بهما ثم الأداء- وكان يَعمل لبني أُمية، وذكر الأعمش فمدَحَه، فقال: فقيرُ صبور، مُجانِبٌ السُلْطان ... / معرفة علوم الحديث للحاكم/ ٥٤.
وقال عمر بن رُدَيْح: كنت مع ابن شهاب الزهري نَمشِي، فرآني عَمْرو بن عُبَيد، فَلَقِينَي بعدُ، فقال: مالَكَ ولمِنْدِيل الأمراء؟ يعني ابن شهاب/ ترجمة الزهري/ ١٦٢.
وسيأتي في تعليقي على بقية ترجمة الزهري نقد أبي حازم سلمة بن دينار له بنحو هذا أيضًا، وانظر تفصيله في ترجمة سلمة من الحلية لأبي نعيم ٣/ ٢٢٣، ٢٢٤، ٢٣٧، ٢٤٦ - ٢٤٩.
وممن انتقد الزهري حديثًا المستشرق "جولد تسيهر" وأشياعه؛ فذكروا أن الزهريَّ ارتضى الانضمام لحاشية أمراء بني أمية، وخاصة صديقه عبد الملك بن مروان، كما تولى منصب القضاء لبعضهم، وبذلك أثَّروا عليه، فغض الطرف عن مفاسدهم، واستغلُّوه في وضع بعض الأحاديث على الرسول ﷺ / انظر السنة ومكانتها في التشريع للدكتور مصطفى السباعي - فصل "السنة مع المستشرقين"/ ٢٩٨ - ٣٠٢، ٣٠٦ - ٣١٠، ٣١٢، ٣١٣، ٣٢٠، ٣٢٧ - ٣٢٩.
وقد تصدى الدكتور السباعي ﵀ للرد على ذلك ودحضه جملة وتفصيلًا/ المصدر السابق/ ٣٠٦، ٣١٠، ٣١٢، ٣١٣ - ٣٣٠.
وتعتبر شهادة الأوزاعي جوابًا جامعًا أيضًا؛ لأن ما وجهه هؤلاء وأولئك، وأمثالُهم من انتقادات للزهري، تعود في جملتها إلى مبدأ المُدَاهَنة والمُلَاينة لهؤلاء الحكام، وهذا ما نفاه الأوزاعي تمامًا عن الزهري، ويؤيد ذلك ما ثبت للزهري من مواقفَ مشهودة مع أكثرَ مِنْ خليفة وأمير أُموي على امتداد صلته بهم، ومخالطته لهم.
فمن ذلك موقفه مع الوليد بن عبد الملك، حين قال له: ما حديث يحدثُنا به أهلстр. 527
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الشام؟ قال: ما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: يحدثُونَنَا أن الله إذا استرعى عَبْدًا رَعيَّته كتب له الحسنات، ولم يكتبْ له السيئات، قال الزهري: باطل يا أمير المؤمنين ... ثم بين له وجه بطلانه، بمعارضته لقوله تعالى لداود ﵇: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ / الآية ٢٦ من سورة ص، قال الزهري: فهذا وعَيدٌ يا أمير المؤمنين لنَبِيٍّ خليفة، فما ظنُّكَ بخليفة غيرِ نَبِي؟ قال الوليد: إن الناس لَيُغوُونَنا عن ديننا/ العقد الفريد لابن عبد ربه ١/ ٦٠ والسنة ومكانتها في التشريع/ ٣٢٠.
أما هِشام بن عبد الملك؛ فمن مواقف الزهري معه، أن هشامًا قرأ قولَه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الآية. إلى قوله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ / سورة النور آية ١١.
ثم قال لسليمان بن يَسار: من الذي تَولى كِبرَهُ منهم؟ فقال له: عبد الله بن أبَيِّ بن سلول، فقال له: كذبْتَ، هو علي بن أبي طالب، قال سليمان: أمير المؤمنين أعلم بما يقول، فدخل ابن شهاب، فقال (هِشام): يا ابن شهاب، من الذي تَولى كِبرَه منهم؟ فقال له: عبد الله بن أُبَيِّ (بن سلول المنافق)، فقال له: كذبْتَ، هو علي بن أبي طالب، فقال له: أنا أكذِبُ؟ لا أبا لَك، فوالله لو نادَى منادٍ من السماء؛ إن الله أحَلَّ الكذِبَ ما كَذبْتُ؛ حدثني عروة بن الزبير، وسعيدُ بن المسيِّب وعبيد الله بن عبد الله وعَلْقمة بن وقاص؛ كُلُّهم عن عائشة: أن الذي تَولَّى كِبَرهَ منهم: عبد الله بن أُبَيِّ، فلم يَزَل القوم يُغْروُن به، فقال له هشام: ارحل، فوالله ما كان ينبغي لنا أن نَحْمِل عن مثلك، فقال له ابن شهاب: ولِمَ ذاك؟ أنا ما أغتصبتُك على نفسي، أو أنت اغتصبْتَني على نَفسيِ، فَخَلِّ عني، فقال له: لا، ولكنك استدَنت ألْفَي ألْف، فقال: قد علمتَ، وأبوكَ قبلكَ، أنِّي ما استدنتُ هذا المال عليك، ولا على أَبيك، فقال هشام: إنا إنْ نُهيِّج الشيخ، يَهِمُّ الشيخ، فأمر فقضى عنه من دينه ألفَ ألف، =стр. 528
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = فأُخبِر بذلك، فقال: الحمد لله الذي هذا هو من عنده/ ترجمة الزهري/ ١٦٢، ١٦٣ وسير أعلام النبلاء ٥/ ٣٣٩، ٣٤٥ والدر المنثور للسيوطي ٥/ ٣٢، ٣٣، وفتح الباري ٨/ ٤٤٠، ٤٤١ ط مصطفى الحلبي.
وقد أخرج البخاري رواية الزهري عن عائشة أن الذي تولى كِبرَه عبد الله بن أُبَيِّ، وذلك في أثناء حديث - كتاب المغازي - باب حديث الإِفك ٨/ ٤٣٦، ١٣٧ وكتاب التفسير - سورة النور، باب ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ ١٠/ ٦٨، ٧٨ البخاري مع الفتح ط مصطفى الحلبي.
وأخرج البخاري وأبو نعيم من طريقين مختلفين عن الزهري: أن هذا الموقف كان له مع الوليد بن عبد الملك، وفي روايتهما اختصار، وزيادة؛ فلم يذكرا تكذيب الوليد للزهري، بل سمع جوابه وسكت عليه، وفي رواية البخاري زيادة عن عاثشة بلفظ: إن عليا ﵁ كان مُسَلِّمًا في شأنها/ البخاري - كتاب المغازي حديث الإِفْك ٨/ ٤٤٠، ٤٤١ مع الفتح ط مصطفى الحلبي، وحلية الأولياء ٣/ ٣٦٩، وفي رواية للبخاري وغيره "مسيئًا" بدل "مسَلِّمًا"، وذلك لقوله للرسول ﷺ لما استشاره في الأمر: لم يُضَيِّق اللهُ عليك، والنساء سِواها كثير، ونحو ذلك.
قال الحافظ ابن حجر: وكأن بعض منَ لا خَيْر فيه من الناصبة، تَقرَّب إلى بني أُميةَ بهذه الكِذْبة -يعني كون الذي تَولى كِبرهُ هو علي ﵁ فَحرَّفوا قول عائشة إلى غير وجهه لِعلْمِهم بانحرافهم عن علي، فظنوا صِحتها، حتى بَيَّن الزهري للوليد أن الحق خلاف ذلك، فجزاه الله تعالى خيرًا/ فتح الباري ٨/ ٤١١، وعزا السيوطي رواية البخاري السابقة إلى ابن المُنذِر والطبراني والبيهقي في الدلائل وابن مَرْدَوْيه/ الدر المنثور ٥/ ٣٢.
وساق ابن حجر رواية ابن مَرْدَويْه: أن الزهري قال: كُنت عِند الوليد بن عبد الملك ليلة من الليالي وهو يقرأ سورة النور -مُستلقِيًا- فلما بلغ هذه الآية: =стр. 529
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ حتى بلغ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ جَلَس، ثم قال: يا أبا بَكْرة من تولى كِبرَه منهم؟ أليس علي بن أبي طالب؟ قال: فقلتُ في نفسي، ماذا أقول؟ لئن قلت: لا، لقد خَشيتُ أن ألْقيَ منه شَرًّا، ولئن قلتُ: نَعم، لقد جئتُ بأمر عظيم، قلتُ في نَفسي، لقد عَوَّدني الله على الصدق خَيرًا، قلت: لا، قال: فضرَبَ بقَضيبه على السرير ثم قال: فَمَن فَمَن؟، حتى ردَّد ذلك مِرارًا، قلت: لكن عَبدَ الله بن أُبَيَّ/ الفتح ٨/ ٤٤٠، ٤٤١.
ويفهم من كلام ابن حجر أن هذا الموقف تعدد من الزهري، مرةً مع الوليد، ومرةً مع هشام/ الفتح ٨/ ٤٤١، وعليه يتضح امتداد صمود الزهري، وثباتُه على الحق مهما توالى الأمراء على خِلافِه.
وعندما جعل هشامٌ وَلدَه أبا شاكر أَميرًا على الحج، وأمر الزهري بصحبته في ذلك، ذهب معه، وصار يُوجِّهه خلال الرحلة إلى أَعمال الخير العامة، حيث أشار عليه بأن يَصْنع إِلى أَهل المدينةِ خيرًا، وحضَّه على ذلك، فاستجاب أبو شاكر وأقام بالمدينة المنورة نصف شهر، وقسم الخُمس على أهل الديوان، وفعل أمورًا حَسَنة/ الطبقات الكبرى لابن سعد/ القسم المحقق/ ١٦٤.
وكان الزهري في أول أمْرِه عندما يُحدِّث لا يترك أحدًا يكتب بين يديه ما يُحدِّث به، تفضيلًا منه لحفظ الصدر، فَلما طلب منه هشام أن يكتب بنفسه بعض مروياته لأبناء هشام، امتنع، وطلب إليه أن يُرسل كاتبًا من عنده، يَحضُر مجلسَ تحديث الزهري لعامة طلابه فيكتب لهم ما يُحدِّث به، فأرسل هشام كاتبًا، وقيل كاتبين، ومكثا سنةً يكتبان عنه/ حلية الأولياء ٣/ ٣٦١ ترجمة الزهري ٨٧، ٨٨ وسير النبلاء ٥/ ٣٣٣ والمعرفة والتاريخ ١/ ٦٣٢.
ولما طلب هشام أيضًا منه إِملاء الحديث على أَولاده، أملى عليهم أربعمائة =стр. 530
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = حديث، وكتبها لهم عنه كاتب، فلما خرج الزهري من عند هشام دخل المسجد، فاستند إلى عمود من عُمُدِه، ثم نادى: يا طَلبة الحديث، فلما اجتمعوا إليه قال: إني كنت منعتكم أمرًا بذلْتُه لأمير المؤمنين آنفًا، هَلُمُّ فاكتبوا، قال: فكتب عنه الناس من يَومئذ/ ترجمة الزهري ٩٠، ٩١.
وجاء عنه في ذلك أيضًا أنه قال: كنا نَكْره الكِتاب، حتى أكرهَنا عليه هؤلاء الأمراء، فرأيت أن لا أمنعه مُسْلِمًا/ طبقات ابن سعد/ القسم المحقق ١٦٩ والمعرفة والتاريخ ١/ ٦٤١، وترجمة الزهري ٦٢/ ٩٣ وحلية الأولياء ٣/ ٣٦٣، وفي رواية قال: كنا لا نَرى الكتابَ شيئًا، فأَكرَهَتْنا عليه الأمراء، فأحْبَبْنا أن نُواسِيَ بين الناس/ المعرفة والتاربخ ١/ ٦٣٣، فأين هذا من تحريف "جولد تسيهر" بأن عبارة الزهري: "إن هؤلاء الأمراء أكرهونا على كتابة أحاديث"؟، وهل مثل هذه المواقف تدل على أن الزهري كان مستعدًا لتحقيق رغبات الحكام في ذلك كما زعم هذا المستشرق وأمثاله؟ / انظر السنة ومكانتها في التشريع/ ٣٠٠.
أما ما رواه يعقوب الفسوي قال: حدثني سعيد بن عُفَيرنا حفص بن عمران بن (الرسام) عن السري بن يحيى عن ابن شهاب أن عبد الملك بن مروان قال له: يا بن شهاب، أتعلم ما كان في بيت المقدس صباح قتل ابن أبي طالب؟ قلت: نعم، قال: هَلُمَّ، فقمت من وراء الناس، حتى أتيت خلف القُبة -أي التي كان يجلس فيها عبد الملك- وحَوَّل وجهه فأحنى عليَّ، فقال: ما كان؟ قال: فقلت: لم يُرْفَعْ حجر في بيت المقدس إلا وُجِد تحته دم، قال: فقال: لم يبق أحدٌ يعلم هذا غيري وغيرك، فلا يُسْمَعَنَّ منك. قال: فما تحدثتُ به حتى تُوفي/ المعرفة والتاريخ ١/ ٦٢٩، ٦٣٠ وترجمة الزهري/ ٣٤، ٣٥، وبالتأمل في هذه الرواية نجد أن في سندها حفص بن عمران وقد قال عنه الذهبي: انه لا يعرفه، وأقره الحافظ ابن حجر؛ مع أن الحاكم رَوَى عنه في المستدرك/ انظر لسان الميزان ٢/ ٣٣٠ ويمكن حَمْلُ استجابة الزهري لطلب عبد الملك في الكِتمان، على أنه كان يرى في اذاعة ذلك احياءًا لإثارة الفتن والاختلاف على أمير اجتمع عليه أمر المسلمين، وفي هذا من المفسدة ما لا يوازيه كتمانُ هذا الخبر كُلِّيَّةً أو إلى حين، =стр. 531
-قط- إذا دَخَل عليه، ولا أدْرَكَتْ خلافةُ هِشام أحدًا من التابعين أَفقهَ منه.
وقال ابراهيم بن [سعد] (١) عن أبيه: ما جَمع الحواشي
(١) بالأصل (ربيعة) والتصويب من المصادر/ طبقات ابن سعد - القسم المحقق/ ١٦٦، ١٦٧ وترجمة الزهري لابن عساكر/ ١٠٩، ١١٠ والتمهيد ٦/ ١٥٥ وسير النبلاء ٥/ ٣٣٥ وتهذيب الكمال ١/ ٥٤، وهو: ابراهيم بن سعد بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، القرشي، الزهري، أبو إسحاق، وَالِد يعقوب بن إبراهيم، قال ابن حجر: ثقة حجة، تُكُلِّم فيه بلا قادح/ تقريب التهذيب ١/ ٣٥ ترجمة ٢٠٢. =стр. 532
أحد (١) بعد رسول الله ﷺ ما جمع ابن شهاب. وفي رواية: ما وَعَى (٢) .
قال أبو عمر: كان من علماء التابعين، وفقهائهم، مُقدَّمًا (٣) في الحفظ والإِتقان والرواية، والاتساع، إمامًا جليلًا من أئمة الدين.
وقد وقع في ترجمته من غرائب الجَرْح ما أنا ذاكِرُه: الحواشي
(١) كذا في التمهيد ٦/ ١٠٥ وفي الطبقات لابن سعد/ القسم المحقق/ ١٦٧ وعند ابن عساكر/ ترجمة الزهري/ ١١٠ بلفظ (ما أرى أحدًا) وفي السير للذهبي ٥/ ٣٣٥: (ما رؤي أحد) والمراد بقوله: (بعد رسول الله ﷺ ) أي بعد عصره ﵊.
وقد جاء عن الزهري نفسه، وعن تلميذيه: عراك بن مالك، والليث بن سعد ما يوضح معنى تلك الرواية والتي بعدها؛ بأنه قد تتلمذ على أئمة عصره في الفقه والقرآن والحديث والسيرة والتاريخ والأنساب، فجمع علمهم إلى علمه، فصار أعلمهم وصار إذا تحدث في علم من ذلك يرى سامعه أنه لا يُحسن إلا هو، من قوة إلمامه به/ ترجمة الزهري/ ٦٦، ١٠٦، ١٤٤، ١٤٦. وحلية الأولياء ٣/ ٣٦١، والتمهيد ٦/ ١٠٨.(٢) ذكر هذه الرواية من طريق ابراهيم بن سعد أيضًا عن أبيه، ابن عساكر، ولفظها عنده: (ما وعي العلم أحد بعد رسول الله ﷺ ما وعاه ابن شهاب) ترجمة الزهري/ ١١٠.
وذكرها أيضًا من طريقه ابن عبد البر بلفظ: "ما وعي أحد من العلم بعد رسول الله ﷺ ما وعاه ابن شهاب) / التمهيد ٦/ ١٠٥.(٣) في التمهيد: (مقدم) على الاستئناف، وكذا قوله: في بقية النص "إمامًا جليلًا" جاء في التمهيد: "إمام جَليل"/ التمهيد ٦/ ١٠١، ١٠٢.стр. 533
فذكر البَلْخِي (١) في كتابه، في مَعْرِفةِ الرِّجَال (٢) : الحواشي
(١) بفتح الباء الموحدة، وسكون اللام، وفي آخرها الخاء المعجمة، نسبة إلى بلد من بلاد خُراسانُ يقال لها بَلْح، وقد تكون نسبة إلى جد المنتسب إليه/ اللباب ١/ ١٧٢، والمراد بالبَلْخِي هنا: عبدُ الله بن أحمد بن محمود البَلْخي، أبو القاسم، الكَعْبي، من كبار المعتزلة، وصفهُ الذهبي بأنه كان داعية إلى الاعتزال، وقال ابن حَزْم: انتهت إليه رياستُهم، وقال جعفر المُسْتَغْفِري: إنه لا يستجيزُ الرواية عنه، وذكر أن عبد المؤمن بن خلف الواسطي كان يُكَفِّره، وذكر ابن النديم أنه نُسب إليه الطائفة البلخية، وقيل عُرِف أتباعُه باسم الكَعْبِية، وقال الاصطخري: ما رأيت أجْدَل منه، إما أبو حَيان التوحيدي فإنه أثنى على علمه ودرايته، فكان هذا مما يُطْعَن به على التوحيدي، وقد صنف البَلْخي كُتبًا كثيرة في علم الكلام، واعتمد عليها غَيرُه مِنْ بعدِه، كما صنف كتاب "قبول الأخبار ومعرفة الرجال" الذي نَقل عنه المؤلف هنا، كما سَيجِيء، وذكر المستَغْفري أنه ولد سنة ٢٧٣ هـ وتُوفِي سنة ٣١٩ هـ/ لسان الميزان لابن حجر ٣/ ٢٥٥، ٢٥٦، وتاريخ بغداد ٩/ ٣٨٤ وتاريخ التراث العربي للدكتور فؤاد سزكين ٢/ ٤٠٧، ٤٠٨ ط المصرية.(٢) اسم الكتاب كما في صفحة عنوانه "قَبول الأخبار ومعرفة الرجال" وتوجد منه نسخة خطية بدار الكتب المصرية برقم ١٤ مصطلح م، تقع في ١١٠ ورقة من القطع الصغير، وباطَّلاعي عليها وجدتُها نسخة قيمة إلا أن الصفحة الأولى من المقدمة تآكَل أسفلُها فذهب منه ثلاثة سطور، كما تقطع السطر العلوي من عدة أوراق منها في الأثناء، بسبب التجليد، وأحسن وصف رأيته لمضمون الكتاب إجمالًا ما جاء في لسان الميزان/ الموضع السابق، وانظر فهرس مصطلح الحديث بدار الكتب المصرية/ ٢٧٣ ومما جاء عن هذا الكتاب في اللسان: أنه اشتمل على الغضِّ من أكابر المحدثين، وتتبَّع مثالبَهم، سواء كان ذلك عن صحة أم لا، وسواء كان ذلك قادحًا أم غير قادح/ اللسان ٣/ ٢٥٥، ولذا فإنه كان الأولى بالمؤلف عدم ذكر ما أورده البَلْخِي هذا في شأن الزهري بعد أن استفاض لديه توثيق جمهور النقاد له، واتفاقهم على ذلك ومن بينهم من نقل البَلْخِيُّ عنهم وهذا ما سلكه غير المؤلف ممن ترجم للزهري، فلم أجد من عَرَّج على ما ذكر البلْخي =стр. 534
قال يحيى (١) : [مرسَل] (٢) الزهري ليس بشيء (٣) ، وقال ابن المَدِيني: الحواشي
(١) هو ابنَ معين كما في المراسيل لابن أبي حاتم/ ٣ وترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر/ ١٥٩، وشرح العلل لابن رجب ١/ ٢٨٤.(٢) بالأصل "وقد سئل عن" وما أثبته من كتاب البلخي/ ص ٩٠ وتؤيده المصادر السابقة/ نفس المواضع المحال عليها.(٣) ولا يعتبر هذا مَطْعنًا في الزهري، فقد ذكر غير واحد من النقاد أن الزهري وغيرَه من الحُفاظ قد يشيرون بالإرسال إلى ضعف الراوي الذي لم يُصرِّحوا به، فيكون ارسالهم بيانًا ضمنيًا لدرجة الحديث الذي يرسلونه.
قال ابن رجب في السبب الرابع لتفاوت مراتب المرسل: الرابع: أن الحافظ إذا روى عن ثقة لا يكاد يترك اسمه؛ بل يُسَمِّيه، فإذا ترك اسم الراوي دل إبهامُه على أنه غير مَرْضي، وقد كان يفعل ذلك الثوري وغيره كثيرًا، يُكْنُون عن الضعيف ولا يُسمونه، بل يقولون: عن رَجُل، وهذا معنى قول القطان: "لو كان فيه إسنادُ لصاح به" يعني لو كان أخذه عن ثقة لسماه، وأعلن باسمه.
وخرَّج البيهقي من طريق أبي قدامة السرخسي قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: مرسل الزهري شرُّ من مرسل غيره، لأنه حافظ، وكُلّما يقدرُ أن يُسَمِّي سَمَّى، وانما يتركُ من لا يستجيز أن يُسميه/ شرح العلل ١/ ٢٨٤.
وروى ابن أبي حاتم عن أحمد بن سِنان الواسطي قال: كان يحيى بن سعيد لا يرى إرسالَ الزهري وقتادة شيئًا، ويقول: هوَ بمنزلةِ الريح، ويقول: هؤلاء =стр. 535
قال سفيان بن حبيب: ثنا أبو جَعفر الخَطمي (١) : أن الزهري قتل الحواشي
(١) بفتح الخاء المعجمة، وسكون الطاء المهملة، وفي آخرها ميم، نسبة إلى بَطْن من الأنصار وهم بنو خَطْمة بن جُشم بن مالك/ اللباب ١/ ٤٥٣ وأبو جعفر هذا هو عُمير بن يزيد بن عُمير بن حبيب الأنصاري، أبو جعفر الخَطْمِي، ثقة/ الكاشف ٢/ ٣٥٣ وتهذيب التهذيب ٨/ ١٥١.стр. 536
رَجُلًا، فَحدَّثْتُ بذلك ابن عُيينة فقال: إِيْهًا (١) ، تَولَّى السِّعَايةَ (٢) فَعزَّر (٣) رجُلًا فمات (٤) ، الحواشي
(١) كذا الأصل، والذي في كتاب البلخي "إنما"/ ص ٩٠، والمعنى يستقيم على كل منهما؛ فأبقيت ما في الأصل، وهو بكسر الهمزة ونصب الهاء منونةً، وتطلق هذه اللفظةُ ويراد بها الأمر بالكف عن الشيء والسكوت عنه، ويُراد بها التصديق والرضا بالشيء/ اللسان مادة "أيَه" ١٧/ ٣٦٦، ٣٦٧ وهَدْي الساري ١/ ١١٠ ط مصطفى الحلبي، وذكْر العبارة هنا في معرض الجرح يدل على أن المراد بها، هو تصديق سفيان للقائل.(٢) في كتاب البَلْخِي/ ٩٠ "ولي السِّعَاية" والسعاية لها معان، والمراد بها هنا العمل في جمع الزكاة، وأخذها من الأغنياء وتوزيعها في الفقراء، وبه سُمي عامل الزكاة: الساعي/ اللسان لابن منظور - مادة سعى ١٩/ ١٠٨، ١٠٩ وقد ذكر الزهري نفسُه تَولِّيه هذا العمل وإعدادَه له عُدَّته، وذلك فيما أخرجه ابن عبد البر بسنده عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشُون قال: سمعت ابن شهاب يقول: ما كتبت شيئًا قط يعني من الأحاديث -ولقد وَليتُ الصدقة، فأَتيتُ سالَم بن عبد الله، فأخْرَجَ إليَّ كتاب الصدقة فقرأه عليَّ فحفظتُه، وأتيتُ إلى أبي بكر بن حزم فقرأ عليَّ كتابَ العُقول فحفظتُه/ التمهيد ٦/ ١٠٨، ١٠٩.
وهذا يفيد عنايته بتأهيل نفسه بالإلمام بالأحكام الشرعية المطلوبة لتلك الوظيفة، والالتزام في عمله بذلك.(٣) "عَزّر" من العَزْر والتعزير، وأصله التأديب والمنع، والمراد به هنا الضرب دون الحد الشرعي، وذلك لمنع الجاني من المعاودة، ورَدْعِه عن المعصية/ اللسان مادة "عزر" ٦/ ٢٣٧ والتعريفات للجرجاني/ ٣٤ ط تونس.(٤) ما قدمته عن حرص الزهري على معرفة الأحكام الشرعية المطلوبة في تلك الوظيفة يدل على التزامه بمراعاتها، وبالتالي لا يتجاوزها عن قَصد، وعليه فموت هذا الرجل، إن ثبت حدُوثه، لا يُطعَن به في الزهري، لعدم ثبوت قصده لذلك، ثم إن ابن عبد البر قد حكى عن ابن معين نسبةَ هذه الواقعة إلى =стр. 537
قال: ولم يَرْو لعَلِيّ [فضيلةٌ] (١) قَط. الحواشي
(١) بالأصل "حديثًا" وما أثبته من كتاب البَلْخي/ ٩٥، وعلى كُلِّ فهذا الأمر يَردُّه الواقع.
فبالنسبة للرواية، نجد الزهري روى كثيرًا من أحاديث الإمام علي ﵁، وأخرجها عنه أصحابُ دواوين السُّنةِ الأصلية المشهورة/ انظر مثلًا تحفة الأشراف للمزي/ ٨ الأحاديث ذات الأرقام ١٠١٧٩، ١٠٢٤٦، ١٠٢٦٣، ١٠٣٣٢؛ بل قرر النسائي أن من أحسن الأسانيد: الزهري عن علي بن حسين، عن حسين بن علي، عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله ﷺ / ترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر/ ١٠١، وقال أبو بكر بن أبي شيبة: أصح الأسانيد كلها: الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي/ معرفة علوم الحديث للحاكم - النوع الثامن عشر/ ص ٥٣.
وبالنسبة للفضائل، فمما رواه الزهري في فضل علي ﵁ ما أخرجه النسائي قال: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى عن الحارث بن مسكين - قراءة عليه وأنا أسمع، واللفظ له، عن ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخُدري قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يَقْسِم قَسْمًا، أتاه ذو الخُوْيصِرة -وهو رجلُ من تميم- فقال: يا رسول الله، اعدل؛ فقال رسول الله ﷺ ومن يعدل إذا لم أعْدِل؟ لقد خِبتُ وخسرتُ إن لم أعْدِل، قال عمر: ائذن لي فيه، أضرب عنقه، قال دَعْه، فإن له أصحابًا يَحقِر أحدكم صلاته مع صلاته، وصيامَه مع صيامه يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام مُروق السهم من الرميَّة (الحديث) وفيه: آيتُهم رجلٌ أسود، إحدى عَضُدَيْه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تَدردَر، يخرجون، على خير فرقة من الناس، قال أبو سعيد: فأشْهَدُ أني سمعت من رسول الله ﷺ وأشهدُ أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قاتلهم وأنا معه، =стр. 538
وكان مروانيًّا (١) وحَدَّث الوليدَ بنَ عَبدِ [الملك] (٢) عن قَبيصة بنِ الحواشي
(١) لعل المراد بذلك أنه كان يميل إلى بني مروان بن الحكم من الأموين، وقد تقدم أنه لازم عبدَ الملك وبعضَ أولاده، وقد عُرِف أبناءُ مروان وذريته بالمروانيِّين، كما جاء على لسان عمر بن عبد العزيز وهو في الخلافة حيث قال يومًا لحاجبه: لا يدخلن عليَّ اليوم إلا مروانيّ، فلما اجتمعوا عنده حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا بني مروان، إنكم قد أُعطيتم حَظًا وشرفًا وأموالًا، إني لأحسب شطر أموال هذه الأمة أو ثلثه في أيديكم، فسكتوا ... / الحلية ٥/ ٢٧٣ وفي الأنساب المتفقة لابن القيسراني: المرواني منسوب إلى مروان بن الحكم/ ١٤٨.(٢) بالأصل "عبد الله" وما أثبته من كتاب البَلْخي/ ص ٩٠ والمعنى: حدَّث الزهريُّ الوليدَ بالحديث الآتي فقال: عن قَبِيصة ... إلخ، ويؤيد ذلك رواية الحديث الآتية، قريبًا.
والوليد بن عبد الملك، هو الخليفة الأموي، ولي الخلافة بعهد من أبيه، وذلك في شوال سنة ٨٦ هـ، ومع اتصافه بالجور والتَجَبر، فإنه أقام الجهاد، وفُتِحَتْ في خلافته الفتوحات العديدة، وعُمِلَتْ الإِصلاحات الكبيرة، وتوفي في نصف جمادى الآخرة سنة ٩٦ هـ/ تاريخ الخلفاء للسيوطي/ ٣٥٥ - ٣٥٧.стр. 539
ذُؤَيب (١) عن المغيرة بن شعبة/ أنه قال: إن النبي ﷺ قال: لا تُناشِدوا الخُلفاء [بالله] (٢) .
فبلغ ذلك سعيدَ بنِ المُسَيِّب، فقال ما نَرغَبُ عن ذكره (٣) . ثم الحواشي
(١) ابن حَلْحَلَة الخزاعي، المدني، أبو سعيد، ويقال أبو إسحاق، وُلد عام الفتح، وروى عن جماعة منهم المغيرة بن شعبة، وروى عنه جماعة، منهم الزهري، وكان قبيصة على خاتم عبد الملك بن مروان، وآثر الناس عنده - وهو الذي أدخل الزهري على عبد الملك ليروي له حديث عمر بن الخطاب في حكم أمهات الأولاد، وذلك في سنة ٨٢ هـ، فحدثه به، وقد أُعجِب عبد الملك بعلمه، وقال له: ما مات رجل ترك مثلك، وأمر أن يكون من صحابته الملازمين لمجلسه/ ترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر/ ١٢ - ٣٦، ٦٦ - ٧٢. وكان قبيصة عالمًا ثقة، ويقال إنه رأى النبي ﷺ ، وتُوفي في خلافة عبد الملك بن مروان، مع خلاف في سنة وفاته ما بين ٨٦ - ٩٦ هـ/ تهذيب التهذيب ٨/ ٣٤٦ - ٣٤٧ والكاشف ٢/ ٣٩٦.(٢) ليست بالأصل وأثبتُها من كتاب البَلْخي/ ص ٩٠، وليست أيضًا في رواية الحديث الآتي تخريجها، والتناشُد من النشيد وهورفع الصوت، ويقال للسائل والطالب والمُستحلِفِ: نَاشِدٌ، لرفع صوته عادة بذلك، ومعنى "لا تُناشِدُوا الخلفاء بالله"، أي لا تسألوهم أو تطلبوا إليهم، بالله، أو لا تقسموا عليهم، أو تستحلفوهم به/ اللسان ٤/ ٤٣١، ٤٣٢، والنهاية مادة "نشد" فيهما وهدي الساري ١/ ٢١٤ ط مصطفى الحلبي.(٣) قوله: "فقال ما نرغب عن ذكره" من كلام المؤلف كَنى بها عن العبارة التي ذكر البلخي أنَّ ابنَ المُسيِّب قالها عن الزهري، ونَصُّها في كتاب البَلْخي أن ابن المُسيِّب قال: "عَلَى ابن شهاب لعنةُ الله"، أما سمع أخا خُزاعة" ... إلخ/ ص ٩٠، وإني أستغفر الله من حكايتها، وإن كان في كتب الجرح والتعديل ما يماثلها من حكايات الخصوم والطاعنين التي تصور مدى جَرْأتهم وتجاوزهم الحد في الجَرح. ثُم إن في ذكر نص العبارة منعًا لذهن السامع من أن يذهب في تقدير ما أبهمه المؤلف من قول ابن المسيِّب لأبعد وأكثر من هذا، والله المستعان وهو من وراء القصد.стр. 540
قال: أمَا سَمِعَ أخا خُزاعةَ (١) يقول:
يا ربِّ (٢) إني ناشِدٌ (٣) محمدًا؟! الحواشي
(١) هو عمرو بن سالم بن حصين بن سالم بن كلثوم الخزاعي، رجح ابن حجر كونه صحابيًا/ الإِصابة ٤/ ٦٣٠ - ٦٣٢، والشطر الآتي في الأصل هو مطلع قصيدة خاطب بها عمرو رسول الله ﷺ مُسْتَنْصِرًا به، وقيل: إن القائل عَمرو بنُ كُلثوم الخزاعي، وجَمع الحافظ ابنُ حجر بين القولَين بأنه يُحتمل أن يكون هذا هو الأول منسوبًا إلى جده الأعلا/ الإِصابة/ الموضع السابق، وجرى في الفتح على أنه عمرو بن سالم/ كتاب المغازي - باب فتح مكة ٩/ ٦٠، ٦١ ط مصطفى الحلبي، وهكذا ذكر الواقدي في المغازي ٢/ ٧٨٨، ٧٨٩ وابن هشام في السيرة/ قسم ٢/ ٣٩٤ وابن عبد البر في الاستيعاب ٣/ ١١٧٥.
ومناسبة البيت مع بقية القصيدة، أنه لما عقد الرسول ﷺ صُلحَ الحديبية المعروف مع قريش، كان من شروط الصلح وضعُ الحرب بين الفريقين عشرُ سنوات، وأن من أراد الدخول في عهد أي من الطرفين دخل فيه، فدخلَتْ خُزاعة في عهد رسول الله ﷺ ، ودخلت قبيلة بني بكر في عهد قريش، ثم حدث أن نقضت قريش العهد وساعدت بني بكر على قتال خزاعة والنيل منهم، فركب عمرو بن سالم مع وفد من خزاعة إلى المدينة، ووقف عمرو بالمسجد عند رسول الله ﷺ ، وقال القصيدة التي مطلعها هذا البيت، مُستنصرًا بها رسول الله ﷺ ، على قريش وبني بكر، فأجابه الرسول ﷺ بقوله: نُصرْتَ يا عمرو بن سالم، وكان ذلك من أسباب وجوب فتح مكة في العام الثامن للهجرة/ المغازي للواقدي ٢/ ٧٨٠ - ٧٩١ والسيرة لابن هشام/ قسم ٢/ ٣٨٩ - ٣٩٥ والإصابة ٤/ ٦٣٠ - ٦٣٢.(٢) كذا في السيرة لابن هشام/ القسم الثامن/ ٣٩٤ والاستيعاب لابن عبد البر ٣/ ١١٧٥ وفي المغازي للواقدي ٢/ ٧٨٩ والإِصابة ٤/ ٦٣١: (اللهم). والشطر الثاني للبيت: حِلفَ أبينا وأبيه الأتْلَدا/ الإِصابة ٤/ ٦٣١.(٣) والمعنى: أني طالب من محمد ﷺ النصرة بمقتضى الحِلْف المبرم بيننا من قبل، كما صرح به عمرو نفسه حيث قال: جئت بسرح مستنصرًا من مكة إلى المدينة/ الإِصابة ٤/ ٦٣١ وانظر المغازي للواقدي ٢/ ٧٨٨، ٧٨٩.стр. 541
قال ابن المسيب: فيناشَد النبي، ولا يناشَد الوليد [بن عبد الملك] (١) ؟! وقَدِم على عمر بن عبد العزيز فأخرجه من عَسكره، الحواشي
(١) ليست بالأصل وأثبتها من كتاب البَلخي/ ص ٩٠ ولم أجدها في رواية الحديث التي وقفت عليها، فقد أخرجه أبو بكر محمد بن الحسن بن دُريد قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا يعقوب بن محمد الزهري قال: حدثني أبو عبد الرحمن المُذحجي قال: حدثنا معاوية الصِّدفي قال: قلت لسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: إن ابن شهاب الزهري حدث الوليد بن عبد الملك عن قبيصة بن ذؤيب عن المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ قال: لا ينبغي للخليفة أن يُناشَد، فذكرت ذلك لسعد، فقال: على ابن شهاب لعنة الله وعلى قبيصة لعنة الله، وعلى الوليد لعنة الله، أما سمع قول الخزاعي: يارب إني ناشِدٌ محمدًا.؟ فيناشَد رسول الله ﷺ ولا يناشَد الوليد؟! / المجتنى لابن دريد/ ٢٩، ٣٠.
أقول: ولم أجد من أخرج هذا الحديث غير ابن دُريد، وقوله: "فذكرتُ ذلك لسعد" لعله تحرف عن (سعيد) يعني ابن المسيب، كما جاء عند البلخي، ويَبعُد أن يُراد به (سعد بن إبراهيم) المذكور قبل ذلك، لأنه هو الذي وجه الصِّدفي إليه الحديث من أوله. وهذا الحديث في سنده "الحسن" شيخ ابن دريد، وأبو عبد الرحمن المُذحِجي، لم أقف لهما على ترجمة، وفيه ثلاثة ضعفاء وهم:
١ - ابن دُريد الذي أخرجه فهو محمد بن الحسن بن دُريد، إمام في الأدب الحافظ له، ولكن ضعفه غير واحد من جهة عدالته، قال مَسلمةُ بن قاسم: لم يكن ثقة عند جميعهم، وكان خليعًا/ انظر لسان الميزان ٥/ ١٣٢ - ١٣٤.
٢ - معاوية بن يحيى الصِّدفَي: ضعفه الجمهور من جهة حفظه، وقال الساجي: ضعيف الحديث جدًّا، وكان اشترى كتابًا للزهري من السوق، فروى عن الزهري/ تهذيب التهذيب ١٠/ ٢١٩، ٢٢٠. أقول: ولم يُصرح في روايته هذه بما يدل على اتصال روايته عن الزهري، فيحتمل انقطاعها.
٣ - يعقوب بن محمد الزهري: ضعفه الأكثرون من جهة حفظه/ تهذيبстр. 542
من أجل هذا الحديث، وَمِنْ نَقصِه (١) عليًّا.
قال ابن المديني: سمعت يحيى (٢) يقول: حديث يحيى بن أَبي كَثِير، أحسن من حديث الزهري (٣) . الحواشي
(١) في البلخي ص ٩٠ ولِتَنقُّصِه عليًا، وقال بعده: "وكان عُمر كافًا عنه" وقد تقدم في الأصل وفي التعليق عليه بالهامش، ثناءُ عمر بن عبد العزيز على الزهري ثناء بالغًا، وروايته عنه، وحَثُّه رواة الحديث على الأخذ عنه، ورواية الزهري لمناقب علي، ومعارضته لهشام بن عبد الملك في أن عليًا ﵁ هو المراد في آية: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ كل ذلك وغيره مما لم نُرِد الإطالة بذكره، يدْفَع تلك الفِرية ويبطلُها.(٢) هو ابن سعيد القطان/ انظر ترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر/ ١٣٤ وشرح العلل لابن رجب ١/ ١٦٧ وتهذيب التهذيب ١١/ ٢٦٨، ٢٦٩.(٣) كذا النص في كتاب البلخي ص ٩٠ والذي في المصادر السابقة، أن القائل هو شعبة، ويحيى القطان راو عنه ذلك فقط، ففي شرح العلل: وذكر ابن المديني أنه سمع يحيى بن سعيد يقول: قال شعبة: حديث يحيى بن أبي كثير أحسن من حديث الزهري، وروى عبد الرحمن بن الحكم بن بَشير قال: كان شعبة يقدم يحيى بن أبي كثير على الزهري/ شرح العلل ١/ ١٦٧ وفي تهذيب التهذيب: وقال القطان: سمعت شعبة يقول: يحيى أحسن حديثًا من الزهري/ ١١/ ٢٦٨، ٢٦٩، ومما يؤيد أن الصواب نسبة القول لشعبة، ما جاء في ترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر، فقد روى بسنده عن ابن المديني قال: سمعت يحيى بن سعيد يذكر عن شعبة قال: يحيى بن أبي كثير أحسن حديثًا من الزهري قال: وقال علي: ما لِشُعبة وحديث الزهري؟ لو لقي شعبة الزهري؟! ما رأيت مثل الزهري في زمانه، ولو قُلت في غير زمانه، لو كان رجل =стр. 543
وسمعْتُ شيخنا الحافظَ، أبا الفتح، محمدَ بنَ عَلي القُشَيري (١) يقول: ذُكِر للزهري: أن رجلًا -يعني سلمَةَ بن دينار-[أبو حازم] (٢) يروي عن سهل بن سعد، فقال: عن أبي حازم هذا: الحواشي
(١) هو المعروف بابن دقيق العيد، تقدم التعريف به ص ٣٤٥ ت.(٢) ليست بالأصل، وأثبتها من مصادر الترجمة ليتضح بذكرها بقية الكلام التالي، وقد لُقب أبو حازم هذا بالقاص، لأنه كان يَعظُ الناس ويذَكِّرهُم بمسجد المدينة المنورة، كما وُصِف بأنه كان كثير الحديث، ووثقه كافة العلماء، رَوى عن سهل بن سعد الساعدي، وأيي أمامة بن سهل بن حُنَيف وغيرِهما، ورَوَى عنه الزهري والسفيانان، وغيرهم وتوفي سنة خمس وثلاثين ومائة، وقيل أربعين، وقيل غير ذلك، وقد حَدَثت بينه وبين الزهري مواقف أنتجَت جفوة بينهما، وتَكلم كل منهما في الآخر، كما يظهر من العبارة التي حكاها المؤلف عن شيخه =стр. 544
لا أعرفه، فَذُكِر ذلك لأبي حازم، فقال (١) . الحواشي
(١) هكذا جاءت العبارة في الأصل، ومن الواضح أنه ساقط منها جواب أبي حازم، ويمكن الاستدلال عليه مما جاء في الحلية، فقد قال أبو حازم للزهري في أحد المواقف بينهما: أما إني لو كنتُ غَنِيًا عَرَفْتَني/ الحلية لأبي نعيم ٣/ ٢٣٤.
وعمومًا فإن هذه العبارة التي حكاها المؤلف عن شيخه ابن دقيق العيد، أصلُها في ترجمة أبي حازم في الحلية، مع بقية مواقفه من الزهري.
ومقصودُ المؤلف بالعبارة ذِكر بعض غرائب الجَرح الموجه للزهري، ويتضح ذلك بما خلاصته: أن أبا حازم هذا كان جارًا للزهري بالمدينة المنورة، ولكنهما اختلفا في الرأي والمَسْلَك، مما أدى إلى وقوع جفوة بينهما، وتَكلُّم كل منهما في الآخر كما قدمت، فأبو حازم جاء عنه التصريح بأن بني أمية مغتصبين للخلافة، وأنه لا يجوز للعلماء أصلًا الدخول في بطانة ولاة الأمور، ولا طلب أعطياتهم أو قبول صِلاتهم، معللًا ذلك بخشية وقوع العلماء في مخالفات شرعية، منها: مجاراة وُلاة الأمر في باطلهم، والرضا بظلمهم للرعية، والتماس الرُّخَص لهم، وغير ذلك مما سيأتي في كلامه.
أما الزهري فإن علاقته بأمراء الأموين دلت على أنه كان مُقِرًا بالخلافة لمن تولاها منهم، وأنه يرى جواز الانضمام لبطانة ولاة الأمر وطلب العطاء، والصلة منهم عند الحاجة، وتَولي الوظائف منهم، طالما أن ذلك كله ليس فيه وقوع العاِلم فعلًا فيما عَلل به أبو حازم المنع، وهو عمل المخالفات الشرعية، فالفرق بينهما أَخْذُ أبي حازم بمبدأ الورع، وأَخْذُ الزهري بالجائز، مع عدم الوقوع فِي المحظور، =стр. 545
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وكلاهما مسلكان جائزان.
ولذا نجد الزهري لمَّا نشأ ووجد نفسه فقيرًا معدَمًا والمدينة كلها في مجاعة عامة، سافر من المدينة إلى الشام طلبًا للرزق، فلما سنحت له الفرصة بالدخول على عبد الملك بن مروان ليروي له حديثًا كان يحتاجه، دخل عليه، وروى له الحديث، ثم تطرق من ذلك إلى شكاية حاجته، وطلب أن يفرض له حقه في العطاء الدائم من بيت مال المسلمين أسوة ببقية أهل بيته من قُريش، كما طلب سداد دين كان عليه، وخادمًا لحاجة أسْرتِه إليه، فاستجاب عبد الملك لذلك كله، وزاد عليه، وخرج قبيصة بن ذُؤيب -أمينُ سِرِّ عبد الملك- فقال للزهري: إن أمير المؤمنين قد أَمر أن تُثْبَت في صحابته، وأن يُجرَى عليك رزقُ الصحابة، وأن تُرفع فريضتك إلى أرفع منها، فالزم باب أمير المؤمنين، .. قال الزهري: ولزِمْت عسكر عبد الملك، وكنت أدخل عليه كثيرًا/ ترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر ١٢ / - ٣٥، ٧١ والمعرفة والتاريخ للفَسَوِي ١/ ٦٢٦ - ٦٣٠ وطبقات ابن سعد - القسم المحقق / ١٥٧ - ١٦٢، قال الزهري: وتُوفي عبد الملك بنْ مروان، فلزمتُ الوليدَ بن عبد الملك حتى تُوفي، ثم سليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، ويزيدَ بن عبد الملك، قال الراوي للخبر: فاستقضى يزيدُ بنُ عبد الملك على قضائه الزهري وسليمانَ بنَ حبيب المحاربي، جميعًا - قال (الزهري): ثم لزمتُ هشام بن عبد الملك/ طبقات ابن سعد/ الموضع السابق، وترجمة الزهري من تاريخ ابن عساكر ٧١، ٧٢.
وفي أيام سليمان بن عبد الملك بَدتْ مظاهر الجفوة بين الزهري وبين أبي حازم، حتى أحس الزهري بأن في كلام أبي حازم تعريضًا به، وشَتْمًا له، فقد أرسل سليمان بن عبد الملك، الزهري إلى أبي حازم بالمدينة يطلب منه الحضور إلى الشام ليكون في صحبة سليمان، فقال له الزهري: أَجِب الأمير، فقال: ما لي إليه حاجة، فإن كان له حاجة فَلْيأتِني/ الثقات لابن حبان ٤/ ٣١٦.
وروى أبو نعيم بسنده عن يحيى بن أبي كثير أن سليمان بن عبد الملك دخل المدينة المنورة حاجًّا، وبصحبته الزهري، فسأل سليمان: هل بالمدينة رجل أَدرك =стр. 546
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = عِدة من الصحابة؟ قالوا: أبو حازم، فأرسل إليه، فأتاه، فلما جاء عاتبةُ سليمان على عدم مجيئه إليه بنفسه، مع أن وجوه الناس أَتوه، وعَدَّ ذلك جفاءً منه، فقال له أبو حازم: ما عَرفْتَني قبل هذا، ولا أنا رأيتُك، فأي جفاء رأيتَ مني؟ فالتفت سليمان إلى الزهري، فقال: أصاب الشيخ وأخطأت أنا، وطلب من سليمان الموعظة، فوعظه موعظة علا منها نَحيبُه واشتد بكاؤه، ثم قال له: يا أبا حازم، هل لك أن تصحَبنا وتصيبَ مِنَا ونُصيبَ منك؟ قال: كلا، قال: ولِمَ؟ قال: إني أخاف أنْ أَرْكن إليكم شيئًا قليلا، فيذيقني الله ضِعفَ الممات، ثم لا يكون لي منه نصير، ثم قال له: يا أبا حازم، ما تقول فيما نحن فيه؟ قال: أَوْتعفيني يا أمير المؤمنين، قال: بل نصيحة تُلقيها إليَّ، قال: إن آباءك غصبوا الناس هذا الأمر، فأخذوه عَنْوة بالسيف، من غير مشورة ولا اجتماع من الناس، وقد قتلوا فيه مَقْتلةً عظيمة، وارتحلوا، فلو شعرت ما قالوا وقيل لهم، فقال رجل من جلسائه: بئسما قلْتَ، قال أبو حازم: كَذَبْتَ، إن الله تعالى أخذ على العلماء الميثاق لَيبَيِّنُنَّه للناس ولا يكتمونه، ... وفي آخر اللقاء قال سليمان: يا أبا حازم، هذه مائة دينار، أَنفِقْها، ولك عندي أمثالها كثير، فرمى بها، وقال: والله ما أرضاها لك فكيف أرضاها لنفسي؟ ... ثم قال له: فإن كانت هذه المائة دينار عِوَضًا عما حدَّثْتُك به فالميتة والدمُ ولحم الخنزير -في حال الاضطرار- أحلُّ منه، وإن كان من مال المسلمين فلي فيها شركاء ونظراء، إن وازيتهم، وإلا فلا حاجة لي فيها، إن بني إسرائيل لم يزالوا على الهُدَى والتقى حيث كان أمراؤهم يأتون إلى علمائهم رغبة في علمهم، فلما نكسوا ونفسوا وسقطوا من عين الله تعالى وآمنوا بالجِبْتِ والطاغوت، كان علماؤهم يأتون إلى أمرائهم ويشاركونهم في دنْيَاهم، وشَرَكوا معهم في قتلهم، قال ابن شهاب: يا أبا حازم إيَّايَ تعني؟ أَوْ بي تُعرِّض؟ قال: ما إياك اعتمدت، ولكنْ هو ما تسمع. قال سليمان: يا ابن شهاب، تَعْرِفه؟ قال: نعم، جاري منذ ثلاثين سنة، ما كَلَّمتُه كلمة قط، قال أبو حازم: إنك نسيتَ الله فنسيتني، ولو أحببتَ الله تعالى لأحْبَبتني، قال ابن شهاب: يا أبا حازم تَشْتُمني؟ قال سليمان: ما شَتَمَك، ولكن شَتَمتْك نفسك، أَما علمتَ أن للجار على الجار حقًا كحق القرابة؟ فلما ذهب أبو حازم، قال رجل من جلساء سليمان: =стр. 547
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = يا أمير المؤمنين، تُحب أن يكون الناس كلهم مثل أبي حازم؟ قال: لا،/ الحلية ٣/ ٢٣٤ - ٢٣٧.
وأخرج أبو نعيم بسنده عن زمعة بن صالح قال: قال الزهري لسليمان: ألا تسأل أبا حازم ما قال في العلماء؟ قال: وما عَسَيْتُ أن أقول في العلماء إلا خيرًا، إني أدركت العلماء وقد استغنوا بعلمهم عن أهل الدنيا، ولم يستغنِ أهلُ الدنيا بدنياهم عن علمهم، فلما رأوا ذلك قدموا بعلمهم إلى أهل الدنيا، ولم يُنلْهم أهل الدنيا من دنياهم شيئًا، إن هذا -يعني الزهري- وأصحابَه ليسوا علماء، إنما هم رُواة، فقال الزهري: وإنه لجاري، وما علمت أن هذا عنده، قال: صدق، أَمَا إني لو كنتُ غنيًا عرفتني/ الحلية ٣/ ٢٣٣، ٢٣٤.
وأخرج أبو نعيم بسند فيه مجهول، أن بعض الأمراء أرسل إلى أبي حازم، فأتاه وعنده الإفريقي والزهري وغيرهما، فقال أبو حازم: إن خير الأمراء من أحب العلماء، وإن شر العلماء من أحب الأمراء، وإنه كان فيما مضى، إذا بعث الأمراء الى العلماء لم يأتوهم، وإذا أعطوهم لم يقبلوا منهم، وإذا سألوهم لم يُرَخِّصوا لهم، وكان الأمراء يأتون العلماء في بيوتهم فيسألونهم، فكان في ذلك صلاح للأمراء وصلاح للعلماء، فلما رأى ذلك ناس من الناس، قالوا: ما لنا لا نطلب العلم حتى نكون مثل هؤلاء؟ فطلبوا العلم فأتوا الأمراء فحدثوهم، فَرَخَّصوا لهم، وأعطوهم فقبلوا منهم، فَجَرِئَتْ الأمراء على العلماء، وجَرِئَتْ العلماء على الأمراء/ الحلية ٣/ ٢٤٣، ٢٤٤.
وروى أبو نعيم بسند فيه مقال، عن الذيال بن عباد قال: كتب أبو حازم الى الزهري ... وساق رسالة طويلة في أزيد من ثلاث صفحات، ومع أنه قال له فيها: لا تحسبن أني أردت توبيخك أو تَعْيِيرك وتَعنيفِك، ولكني أردت أن تُنْعِش ما فات من رأيك، وترد عليك ما عَزُب، عنك من حلمك، ... وشهد له فيها بغزارة العلم وجودة الفقه في الدين والفهم للسنة، مع هذا كله، فإنه وجه إليه عبارات قاسية، فقال: ولا تحسبَن الله راضيًا منك بالتعزير، ولا قابلًا منك التقصير، ... اعلم أن أدق ما ارتكبتَ، وأعظمَ ما احْتَقَبْت أن أَنِسْتَ للظالم، =стр. 548
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وسهَّلْتَ له طريق الغَي بدُنُوِّكَ حين أُدْنِيت، وإجابتك حين دُعِيت، فما أخلقك أن تبوء (بإثمك) غدًا مع الجَرَمَة وأن تُسأل عما أردت بإغْضاءِك عن ظُلْم الظلَمة ... جعلوك قُطْبًا تدور رَحى باطلهم عليك، وجسرًا يعبرون بك إلى بلائهم، وسُلَّمًا الى ضلالتهم، وداعيًا إلى غَيِّهم، سالكًا سبيلهم، ما لَكَ لا تَنْتَبِه من نعستك، وتَستقِيل من عَثْرتِك فتقول: والله ما قمتُ لله مقامًا واحدًا أُحْيِي له فيه دينًا، ولا أُميتُ له فيه باطلًا ... أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغيرة؟ ... نحتسب عند الله مُصِيبَتَنا ونشكو اليه بَثَّنا وما نرى منك، ونحمد الله الذي عافانا مما ابتلاك به، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته/ الحلية ٣/ ٢٤٦ - ٢٤٩.
ويلاحظ جَلِيًا أن تلك الرسالة قد اشتملت على التجريح والنقد الموجَّهَيْن صراحة من أبي حازم للزهري، ولكنه قد جاء في سندها أن أحد رجال الإسناد وهو هارون بن حميد الدهكي قال: حدثنا الفضل بن عنبسة عن رجل قد سماه -أُراه عبد الحميد بن سليمان-/ الحلية ٣/ ٢٤٦، فيكون تحديد هذا الراوي غير مجزوم به، وهذا يجعل السند ضعيفًا، وعليه تكون الرسالة بهذا الإسناد ضعيفة، ولو قلنا إن في بقية الروايات السابقة ما يصلح شاهدًا مقويًا لها، فيحتج بمضمونها فإنه يمكن الجواب عن مضمونها ومضمون الشواهد المقوية لها، وذلك من غير وجه:
أولًا: أن هذه الانتقادات الموجهة للزهري من أبي حازم يعارضُها تعديل الجمهور للزهري تعديلًا كاملًا مطلقًا، كما تقدم في كلام المؤلف ونقوله في الأصل، فيكون الراجح ما عليه الجمهور، وقول أبي حازم يعتبر مرجوحًا لا يُعوَّل عليه.
ثانيًا: أن انتقاد أبي حازم للزهري متركز في صحبته للحكام الفاسدين في نظر أبي حازم، ومجاراتهم في مفاسدهم، وهذا مردود بما تقدم من شهادة الأوزاعي تلميذ الزهري ومعاصِرُه بأنه ما داهَن قط ملكًا دخل عليه، وبما تقدم من رده على هشام والوليد بشدة في قولهما: إن عليًا ﵁ هو المقصود بقوله تعالى: "والذي تولى كِبَره منهم له عذاب أليم". =стр. 549
وأبو الوليد المكي الذي رَوَى عن (١) الشافعي، اسمه: موسى، ويُعرفُ بالجارُودِي (٢) وكأنها نسبة إلى أبيه، فإنه ابن أبي الجارود (٣) .
[قوله: بغائط]: (٤) والأصل في الغائط، المُطْمَئِنُّ (٥) من الأرض، كانوا يَنْتَابُونه (٦) . لقضاء الحاجة، ثم كَنَوا به عن الخارج (٧) . الحواشي
(١) بالأصل "عنه" وما أثبته هو المطابق لما في ترجمة أبي الوليد، أنه روى عن الشافعي ﵁/ تهذيب التهذيب ١٠/ ٣٣٩.(٢) بفتح الجيم وضم الراء، وفي آخرها الدال المهملة- نِسْبة إلى الجارود، وهو اسم لبعض أجداد المنتَسِب إليه/ اللباب ١/ ٢٤٩ والأنساب المتفقة، لابن القيسراني/ ٢٨.(٣) المكي الفقيه، روى عن ابن عيينة والشافعي والبُوَيْطِي وغيرهم، وروى عنه الترمذي، والربيع بن سليمان المرادي وغيرهما، وذكره ابن حبان في الثقات/ تهذيب التهذيب ١٠/ ٣٣٩ واعتمد الذهبي توثيقه/ الكاشف ٣/ ١٨٢.(٤) ليست بالأصل وأثبتها من عندي ليتضح السياق.(٥) أي المنخفض/ لسان العرب/ مادة طمن ١٣٨/ ١٧.(٦) أي يأتونه مرة بعد مرة/ لسان العرب/ مادة "نوب".(٧) من قوله: "والأصل"، إلى هنا، هذه عبارة الخطابي مع تصرف يسير وتناقلها عنه شراح الحديث معزوة إليه، وفي بقيتها يقول: إن ذلك كراهية لذكره بخاص =стр. 550
"والشام": إقليم مشهور، يُذكَّر ويُؤنَّث، ويقال بالهمزة (١) وبغير همز (٢) وأما "شَأم" بفتح الهمزة (٣) فأباه أكثرهم، إلا في النّسب، وقيل سُميت الشام، بـ "سام" بن نوح، وذلك أنه أولُ من نَزَلَها (٤) فجُعِلَت "السين" شينًا لتغيير (٥) اللفظ الأعجمي، وقيل سُميت بذلك، لكثرة الحواشي
(١) مع سكونها/ معجم البلدان ٣/ ٣١١.(٢) قال ياقوت: من غير الهمز: كذا يزعم اللغويون/ معجم البلدان ٣/ ٣١١.(٣) مع المد/ انظر معجم البلدان ٣/ ٣١١ ومراصد الاطلاع ٢/ ٧٧٥ وذكر كلاهما أنها جاءت هكذا بهمزة ممدودة في شعر عربي قديم، وذكر ياقوت منه ثلاثة أمثلة، وأجاب صاحب المراصد بقوله: لعله لضرورة الشعر، وقال ياقوت: وما جاء من ضرورة الشعر فمحمول على أنه اقتصر من النسبة على ذكر البلد/ مُعجم البلدان ٣/ ٣١٢ وكذا في اللسان مادة "شأم".(٤) نسب ياقوت هذا القول لبعض أهل الأثر وذكر منهم: الشرقي/ معجم البلدان ٣/ ٣١٢، وقد مشى على هذا مِنْ بَعْد ياقوت، صاحب مراصد الاطلاع ٢/ ٧٧٥، ولكن أبا عبيد البكري -وهو متقدم عنهما، وعليه اعتمد ياقوت كثيرًا- قد تعقب هذا القول، فقال: ولم يَدْخُلْها سام بن نوح قط، كما قال بعض الناس: إنه أول من اختطها، فَسُمِّيت به/ معجم ما استعجم لأبي عبيد البكري - بتحقيق الأستاذ مصطفى السقا ٣/ ٧٧٣.(٥) بالأصل "تعبير" وما أثبته من معجم البلدان ٣/ ٣١٢.стр. 551
قُراها، وتَداني بَعْضِها من بعض، فشبهت بـ "الشامات" (١) وقيل: باب الكعبة مُستَقْبَل المطلع، فمن قابل طلوع الشمس، كانت اليمن عن يمينه، والشام عن يده الشُّومَى (٢) وقيل: هو مأخوذ من اليد الشُّومَى (٣) أو من الشُّؤْم (٤) .
"والمراحيض" جَمع مِرْحاض، قال ابن سِيدَه: والمِرْحضَةُ، والمِرْحَاضُ: المغتَسَل، والمِرْحاض: موضع الخلاء، وهو منه، والمِرْحاض: خشبةُ يُضرَب بها الثوبُ إذا غُسِل، والرُّحضَاء: العَرق، والرُّحضاء: الحُمَّى بِعرَق (٥) . الحواشي
(١) جمع "شامَة" وهي الخال في الجسد/ لسان العرب مادة "شام" وذكر هذا القول ياقوت/ معجم البلدان ٣/ ٣١٢ وقال أبو عبيد البكري: قيل: إنه سُمي بشامات هناك حُمْر وسُود/ معجم ما استعجم ٣/ ٧٧٣.(٢) أشار لهذا القول صاحب اللسان/ مادة "شأم" والحافظ ابن حجر في هدى الساري ١/ ١٥٦ ط مصطفى الحلبي، ولكن ياقوتًا تعقب هذا القول بأنه فاسد، لأن القِبْلةَ لا شامة لها ولا يَمين، لأنها مَقصِد من كل وجه، يَمْنَة لِقَوم، وشامة لآخرين/ معجم البلدان ٣/ ٣١٢.(٣) أي اليُسرى/ معجم البلدان ٣/ ٣١٢.(٤) معجم البلدان ٣/ ٣١٢، وقد علق ياقوت على الأقوال المذكورة بأنها حسنة، ما عدا القول بشأمة الكعبة، فعدَّهُ فاسدًا كما تقدم في التعليق السابق، وانظر معجم البلدان ٣/ ٣١٢.(٥) المحكم ٣/ ٨٩ نهر/ ٢ ونحوه في اللسان عن الأزهري/ اللسان، مادة "رَحَض" وذكر الأزهري أيضًا وغيره ممن شرح الحديث، أن المراد بالمراحيض في هذا الحديث المواضع التي بنيت للغائط، أي مواضع الاغتسال/ اللسان مادة "رحض"، وانظر عارضة الأحوذي ١/ ٢٤ ومعالم السنن للخطابي ١/ ٢٠ وشرح السنة للبغوي ١/ ٣٥٩.стр. 552
وفي الحديث دليل على منع في استقبال القبلة واستدبارها، وقد اختلف العلماء في ذلك:
١ - فمنهم من منع ذلك مطلقًا، أخذًا بظاهر هذا الحديث، وبما رَوى مسلم عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: إذا جلس أحدكم على حاجته، فلا يستقبل القبلة، ولا يستدْبِرْها (١) وبما رَوى مسلم -أيضًا- من حديث سلمان الفارسي قال: أَجَلْ إنه نهانا أن يَسْتَنْجِي أحدنا بيمينه، أو يستقبل القبلة (٢) . وبما رَوى الإمام أحمد، وابن ماجه، عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء (٣) الزُّبَيدي (٤) -وهو آخر من مات من الصحابة بمصر (٥) - لا يبولَنَّ أحدكم مستقبِلَ القبلة (٦) وحديثَ معْقِل: أن الحواشي
(١) صحيح مسلم كتاب الطهارة - باب الاستطابة ١/ ٢٢٤ ح ٢٦٥.(٢) بالأصل رواية الحديث هكذا "انتهانا أن نستقبل القبلة وأن يَسْتَنْجِي أحدُنا بيمينه" وما أثبته إحدى روايتي مسلم لحديث سلمان، والثانية لفظها: "أَجَلْ لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين"، وبذلك نجد أن اللفظ الذي ذكره الشارح غير مطابق للفظ روايتي الحديث في مسلم، كما أن الصريح في الاستدلال للمسألة، الرواية الثانية التي لم يذكرها، مع أنها المذكورة أولًا في صحيح مسلم/ انظر مسلم كتاب الطهارة باب الاستطابة ١/ ٢٢٣، ٢٢٤ ح ٢٦٢ بروايتيه.(٣) بفتح الجيم وسكون الزاي، بعدها همزة/ التقريب ١/ ٤٠٧.(٤) بضم الزاي/ المصدر السابق.(٥) وذلك سنة ست وثمانين، على الأصح/ تقريب التهذيب ٢/ ٤٠٧ والإصابة ٤/ ٤٦ ط النهضة.(٦) تقدم تخريج الحديث، وبيان صحته ص ٤٥٢ ت.стр. 553
النبي- ﷺ نهى أن نَستَقبِل القِبلَتين ببول أو غائط. وقد تقدمت الإشارة إلى هذه الأحاديث (١) .
وإليه ذهب أبو أيوب (٢) وممن نَحَى هذا المنحَى: مُجاهد بن الحواشي
(١) وتقدم تخريجُها ص ٤٥٣ ت وما بعدها.(٢) فقد أخرج البيهقي عنه موقوفًا: لا تَستقبِلُوا القِبلَة لغائط ولا بول، ولا تَستدْبِرُوها/ سنن البيهقي - كتاب الطهارة - جِماع أبواب الاستطابة ١/ ٩١.
وفي آخر حديثه في النهي العام عن الاستقبال والاستدبار للقبلة قال: فَقدِمْنا الشامَ، فوجدنا مراحيض بُنِيَتْ قِبَل القِبْلَة، فننحرف عنها ونستغفر الله تَعالى - البخاري - كتاب الصلاة - باب قِبْلة أَهل المدينة والشام ١/ ١٠٣ ومسلم - كتاب الطهارة - باب الاستطابة ١/ ٢٢٤ ح ٥٩.
والشافعي في اختلاف الحديث - باب استقبال القِبْلة للغائط والبول ٧/ ٢٦٩ بهامش كتاب الأم.
ومن طريقه البيهقي في معرفة السُّنن والآثار - باب الاستطابة ١/ ٢٦٣.
والبيهقي في السنن - كتاب الطهارة - جماع أبواب الاستطابة ١/ ٩١.
وروى مالك بسنده عن رافع بن إسحق أنه سمع أبا أيوب الأنصاري -وهو بمصر- يقول: والله ما أدري كيف أصنع بهذه الكرابيس؟ -يعني المراحيض- وقال رسول الله ﷺ : إذا ذهب أحدكم الغائط أو البول، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بِفَرْجه/ الموطأ -كتاب القِبلة- باب النهي عن استقبال القبلة والإنسان على حاجته/ ١٣٧ ح ١ ط الشعب.
وأخرجه البيهقي من طريق الشافعي عن مالك به/ معرفة السنن والآثار - باب الاستطابة ١/ ٢٦٤.
وأخرجه النسائي من طريق مالك، به، لكن بدون ذكر الفَرْج - سنن النسائي =стр. 554
جَبر (١) ، وإبراهيم بن يزيد الحواشي
(١) بالأصل "جُبَيْر" مُصغر، مع ضبط الجيم بالضم، والصواب أنه مكبَّر كما أَثبتُّه من الخُلاصة/ ٣٦٩ والتقريب ٢/ ٢٢٩ وضَبَطه فيه بالحروف، فقال: بضم الجيم وإسكان المُوحَّدة.
وقوله هذا أخرجه ابن أبي شيبة قال: حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد، قال: كان يكره أن يستقبل القبلة ببول، ونقل المحقق عن نسخة أخرى "القِبْلتين" بدل "القبلة"/ مصنف ابن أبي سيبة - كتاب الطهارة - باب في استقبال القبلة بالغائط والبول ١/ ١٥٠ أصل وهامش.
وعلى رواية "القبلتين" مشى ابنُ حَزم، فنسب إلى مجاهد أنه كان يَكرهُ أن يُستقبلَ القبلتان بالفروج. المُحلى - كتاب الطهارة مسألة ١٤٦ - ١/ ٢٥٩، ونَسب إليه ابن عبد البر القول بكراهة استدبار إحدى القبلتين أو استقبالها بغائط أو بول/ التمهيد ١/ ٣٠٥.
ونسب النووي إليه القولَ بحرمة استقبال القبلة أو استدبارها مطلقًا/ المجموع ٢/ ٨١.
ونَسب العَيْني إليه القولَ بعدم جواز ذلك/ عمدة القاري ٢/ ٢٦٠ ط مصطفى الحلبي.стр. 555
النَّخَعِي (١) وسفيان/ بنُ سعيد الثوري (٢) وأهل الكوفة (٣) وأبو ثَوْر (٤) الحواشي
(١) أخرج ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير بن منصور عن إبراهيم قال: كانوا يَكرهُون أن يستقبلوا بغائط أو بول، أو يستدبروها، ولكن عن يمينها أو يسارها/ مصنف ابن أبي شيبة - كتاب الطهارات - باب استقبال القبلة بالغائط أو البول ١/ ١٥٠، ١٥١.
ونسب إليه ذلك ابن حَزْم/ المحلَّى ١/ ٢٥٨ والعيني/ عمدة القاري ٢/ ٢٦١ ط مصطفى الحلبي.
ونسب إليه النووي القولَ بحرمة الاستقبال والاستدبار للقبلة/ المجموع ٢/ ٨١.
ونسب إليه ابن عبد البر القولَ بكراهة استقبال أو استدبار إحدى القبلتين ببول أو غائط/ التمهيد ١/ ٣٠٥ وسيأتي ذكر المؤلف له على أنه قول مستقل في المسألة.(٢) نسب إليه القول بعدم جواز ذلك ابن حزم/ المحلَّى ١/ ٢٥٨ والعيني/ عمدة القاري ٢/ ٢٦١ وابن قدامة/ المغْنِي ١/ ٢٦١ وابن عبد البر/ التمهيد ١/ ٣٠٩.
ونسب إليه النووي القولَ بالحرمة/ المجموع ٢/ ٨١.(٣) يعني أبا حنيفة ومن تبعه، وقد نسب ابن عبد البر والحازمي إلى الكوفيين القول بعدم الجواز/ التمهيد ١/ ٣٠٩ والاعتبار/ ٣٨، وكذا نسبه العيني وابن قدامة الى أبي حنيفة/ العمدة ٢/ ٢٦١، والمغني ١/ ١٦٢، ونسب إليه ابن حزم القولَ بالمنْع/ المُحلَّى ١/ ٢٥٩ ونسب النووي إليه القول بالحرمة/ المجموع ٢/ ٨١ وقال ابن حجر إنه المشهور عن أبي حنيفة/ فتح الباري ١/ ٢٥٩ ط مصطفى الحلبي.(٤) هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان، الكَلْبي، البغدادي و"أبو ثور" لقبه، وهو صاحب الإمام الشافعي، وروى عنه وعن سفيان الثوري وغيرهما، وروى عنه مسلم =стр. 556
وأحمد - في إحدى الروايتين عنه (١) - وقالوا: إنما كان المنع لِحُرْمة الحواشي
(١) نسب ابن عبد البر لأحمدَ القولَ بعدم الجواز/ التمهيد ١/ ٣٠٩ ومِنْ بَعْدِه الحازمي/ الاعتبار/ ٣٨ وكذا العيني/ العمدة ٢/ ٢٦١.
وذكر ابن قدامة أن هذه إحدى الروايتين عن أحمد/ المُغْني ١/ ١٦٢، وذكر النووي أن القولَ بحرمة الاستقبال والاستدبار مطلقًا رواية عن أحمد/ المجموع ٢/ ٨١ وقال ابن حجر: إنه المشهور عن أحمد/ فتح الباري ١/ ٢٥٦؛ ولكن في الإفصاح لابن هُبَيْرَة ١/ ٧٦ أن الرواية الثانية هي المشهورة، وقال ابن قدامة إنها الصحيح، وهي أنه يجوز الاستقبال والاستدبار للقبلة في البنيان فقط دون القضاء/ المُغْني ١/ ١٦٢ وسيأتي في الأصل الإشارة لتلك الرواية، وممن اختار القول بالمنع ورجَّحه على غيره: ابنُ حزم، وابنُ العربي، والشوكاني، والمبارَكفُورِي، وأجابوا عما يُخالِف ذلك من الأقوال بما يَرونَه كافيًا في رَدِّها/ انظر المحلَّى ١/ ٢٥٨ - ٢٦٦ وعارضة الأحوذِي ١/ ٢٧ ونيل الأوطار ١/ ٩٤ - ٩٦، ١٠١ وتحفة الأحْوذِي ١/ ٥٨، ٥٩ / ولكن ستأتي إشارة المؤلف إلى ترجيح =стр. 557
القِبْلَة، وهذا المعنى موجود في البنيان والصحراء؛ ولأنه لو كان الحائلُ كافيًا، لجاز في الصحراء (١) ، لأن بيننا وبين الكعبة جبالًا وأودية، وغير ذلك من أنواع الحائل (٢) وتَعلِيلُ ذلك باحترام الفِنَاء، ظاهر؛ لأنه معنى مناسب، وَرَد الحُكْم على وَفْقهِ فيكونُ عِلَّة لَهُ (٣) .
وأقوى من هذا في التعليل بذلك (٤) ، ما رُوي من حديث الحواشي
(١) بالأصل "ولأن"، ولا يستقيم المعنى عليه، وما أثبته من شرح النووي لصحيح مسلم - كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة ٣/ ١٥٤ ط المطبعة المصرية، وفي المجموع للنووي أيضًا "فإن" ٢/ ٨١.(٢) من قول المؤلف: وقالوا: إنما كان المنع ... إلى هنا، هو نص عبارة النووي في شرح مسلم/ الموضع السابق، ونص عبارته في المجموع أيضًا، مع تصرف يسير، ونحوه في عمدة القاري ٢/ ٢٦١ وذكر النووي: أن هذا هو التعليل الصحيح، كما حَكَى عن ثلاثة غيرِه من أئمة الشافعية: أنه هو المعتمد، وذكر أن الترخيص في البنيان لأجل المشقة، ويبقى عند انعدامها أيضًا، لأن الرخصة تَرِدُ لسبب ثم تَعُم كقصر الصلاة/ المجموع ٢/ ٨١، ٨٢.(٣) من قول المؤلف: "وتعليل ذلك" إلى هنا، هو كلام شيخه ابن دقيق العيد، مع تصرف يسير جدًّا / انظر إحكام الأحكام لابن دقيق العيد، شرح عمدة الأحكام لعبد الغني المقدسي ١/ ٥٣.(٤) عبارة ابن دقيق العيد: "في الدلالة على هذا التعليل" / إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ١/ ٥٣.стр. 558
سُراقة بن مالك، عن رسول الله ﷺ : إِذا أتى أحدُكم البُراز فلْيكرِم قبلة الله ، ولا تستقبلوا القبلة (١) .
وهذا ظاهر قوي في التعليل (٢) . الحواشي
(١) عزاه السيوطي إلى الطبري في تهذيبه، وإلى حرب بن إسماعيل الكرماني في مسائله، كلاهما عن سراقة بن مالك، وقال: ضُعِّف يعني الحديث/ الكنز - الطهارة - النهي عن استقبال القبلة في الخلاء ٩/ ٣٦١ ح ٢٦٤٦٤ (الأقوال) وعزاه أيضًا إلى عبد الرزاق، ولم يتكلم عنه/ الكنز - الطهارة/ من الأفعال ٩/ ٥١١ ح ٧٢٠١.
وقال في نصب الراية: أخرجه أبو جعفر الطبري في تهذيب الآثار عن سماك بن الفضل عن (أبي) رِشدِين الجَنَدي عن سراقة بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أتى أحدُكم الغائطَ فليكرم قبلة الله فلا يستقبل القبلة، وأخرج (الطبري) أيضًا عن عمرو بن جميع عن عبد الله بن الحسن عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ من جلس يبول قُبالة القبلة فذكر فتحرَّف عنها إجلالًا لها، لم يقم من مجلسه حتى يُغفَر له/ نصب الراية - الصلاة حديث ٩٩ جـ ٢/ ١٠٣.
أقول: وفي سند الرواية الأولى أبو رِشْدِين، وهو زياد، أبو رشدين الجَنَدي، ذكره مسلم في الكني ١/ ٣٢٣، باب أبو رِشْدين، وبيض له ابن أبي حاتم/ الجرح والتعديل ٢/ ٥٥٠، فلعل السيوطي ضعف هذه الرواية لجهالة حال أبي رِشدين هذا، وأما الرواية الثانية ففي سندها عمرو بن جميع، وقد وصفه الدارقطني وجماعة: بأنه متروك، وقال البخاري فيه نظر: وقال ابن عدي: كان متهمًا بالوضع، وكذبه ابن معين/ انظر الميزان ٣/ ٢٥١ والكامل ٥/ ١٧٦٤، ١٧٦٥. وعليه فالحديث من طريقه موضوع أو شديد الضعف؛ لكن سيأتي التعليق بعد التالي ذكر رواية بمعناه، من حديث أبي هريرة، صالحة للاحتجاج، وكان الأولى ذكر المؤلف لها، لتظهر قوة هذا التعليل، وهو إكرام القبلة.(٢) انظر المصدر السابق، وفيه بَعد: "في التعليل" زيادة: "لما ذكرنا".стр. 559
وحديث سُراقة هذا، ذكرِ ابن أبي حاتم أنه سأل أباه عن حديث رواه أحمد بن ثابت، [فرْخُوَيه] (١) عن عبد الرزاق، عن مَعمر، عن سِمَاك [بن الفضل، عن أبي رشدين الجَنَدِي] (٢) عن سراقة [بن مالك عن النبي ﷺ : إذا أَتى أحدُكم الغائط فَلْيكرم قِبلة الله فلا يستقبل القبلة ... (الحديث)، قال أبي: إن ما يروونه موقوف، وأسنده عبد الرزاق بأخَرة] (٢) . الحواشي
(١) أثبتها من عند ابن أبي حاتم/ علل الحديث - كتاب الطهارة ١/ ٣٦ /، الجرح وِالتعديل له ٢/ ٥٤٤ وهو أحمد بن ثابت بن عَتْاب الرازي، المعروف بفَرخُويَه، روى عن عبد الرزاق وعمرو بن عثمان الرقي، وغيرهما، وقال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي، ثم روى عن أبي العباس الطهراني قوله: كانوا لا يشكُّون أن فرخويَه كذاب/ الجرح والتعديل/ الموضع السابق، ولسان الميزان ١/ ١٤٣ وعليه فالحديث من طريق "فَرخُويَه" موضوع، وقد أخرجه الدارقطني بمعناه مع زيادة، وذلك من طريق مُبشر بن عبيد -بسنده- عن عائشة قالت: مر سراقة بن مالك المُدلِجي على رسول الله ﷺ فسأله عن التغوط، فأمره أن يتنكب القِبلة، ولا يستقبلها، ولا يستدبرها" (الحديث) ثم قال الدارقطني: لم يروه غير مبشر بن عبيد، وهو متروك الحديث/ سنن الدارقطني - كتاب الطهارة ١/ ٥٧٥٥٦، ح ١١، وقال ابن حجر: رماه أحمد بالوضع/ التقريب ٢/ ٢٢٨، وعليه فالحديث بهذا الإسناد، إما شديد الضعف وإما موضوع أيضًا لحال "مبشر" هذا والله أعلم.(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، وأثبته من المصدر الذي أشار اليه المؤلف وهو علل الحديث لابن أبي حاتم - كتاب الطهارة ١/ ٣٧، ومن نصب الراية ٢/ ١٠٣، وقوله: بأخَرة، أي أخيرًا، كذا فسرها الرافعي، وضبطها بفتح الخاء المعجمة/ التدوين في أخبار قزوين للرافعي ١/ ١٢، وقال ابن حجر عن الحديث: أخرجه الدارمي، وغيره، وإسناده ضعيف/ التلخيص الحبير ١/ ١٠٥. =стр. 560
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = أقول: ولم أجده في مَظِنَّتهِ في سنن الدارمي.
وكل من الرواية الموقوفة التي أشار ابن أبي حاتم إليها، والمسندة التي نسبها أيضًا لعبد الرزاق، قد أخرجهما الدارقطني في سننه، ومن طريقه البيهقي في المعرفة، وأخرج ابن أبي شيبة الموقوفة فقط؛ ولكن كل هذه الروايات ليست عن سراقة بن مالك، ولا عن عائشة، كالروايتين السابق ذكرهما، وإنما هذه الروايات جميعها من رواية سلمة بن وهرام عن طاوس، ومنها رواية موقوفة عليه، وثلاثة يرفعها هو للرسول ﷺ فتكون مرسلة لعدم ذكره الصحابي فيها، ومرفوعة لرفعها للرسول ﷺ .
وقد رَوى المرسلة المرفوعة عبد الرزاق، ووكيع وعبد الله بن وهب، ثلاثتهم عن زَمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن طاوس عن النبي ﷺ ، قال: إذا أتى أحدكم البراز فليكرم قبلة الله، فلا يستقبلْها ولا يستدبِرْها (الحديث).
وأما الموقوفة فرواها سفيان بن عيينة عن سلمة بن وَهرام أنه سمع طاوسًا يقول: نحوه، ولم يرفعه.
قال علي بن المديني: قلت لسفيان: أكان زمعة يرفعه؟ قال: نعم، فسألت سلمة عنه فلم يعرفه، يعني لم يرفعه/ سنن الدارقطني - الطهارة ١/ ٥٧ - أحاديث ١٢ - ١٥، ومعرفة السنن والآثار للبيهقي - باب الاستطابة ١/ ٢٦٧، ٢٦٨، والمصنف لابن أبي شيبة - كتاب الطهارة - باب في استقبال القبلة بالغائط والبول ١/ ١٥١.
ولعل هذا ما جعل أبا حاتم يُرجح كون الحديث موقوفًا، حيث قال: "إن ما يروونه موقوف، وأسنده عبد الرزاق بأخَرة، لكن يلاحظ مما تقدم أنه قد شارك عبد الرزاق في رفعه كل من: ابن وهب ووكيع، بل أشار الدارقطني إلى مشاركة غيرهم لهم في رفعه/ سنن الدارقطني ١/ ٥٧.
أما الشافعي فقد أورد الحديث معلقًا موقوفًا على طاوس، ثم أعله بالإرسال، =стр. 561
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = فقال: فإن قيل: فقد روى سلمة بن وهرام عن طاوس: حق على كل مسلم أن يُكرم قبلة الله، أن يستقبلها لغائط أو بول، قيل له: هذا مرسل وأهل الحديث لا يثبتونه.
ثم أجاب عنه من وجه آخر فقال: ولو ثبت، كان كحديث أبي أيوب، ثم قال: فإن كان قال طاووس: حق على كل مسلم أن يكرم قبلة الله أن يستقبلها، فإنما سمع -والله أعلم- حديث أبي أيوب عن النبي ﷺ فأنزل ذلك على إكرام القبلة، وهي أهل أن تُكرم/ اختلاف الحديث للشافعي، بهامش الأم ٧/ ٢٧١، ٢٧٢، ورواه البيهقي عنه في معرفة السنن والآثار، وأقره ١/ ٢٦٨.
ويضاف لما قرره كل من أبي حاتم والشافعي بشأن هذا الحديث: أن مدار روايته المرفوعة، على زمعة بن صالح الجَنَدي، وقد ضعفه الأكثرون/ الكاشف ١/ ٣٢٥، والمغني ١/ ٢٤٠، كلاهما للذهبي، وتهذيب التهذيب ٣/ ٣٣٨، ٣٣٩، وتقريب التهذيب ١/ ٢٦٣، وقد أيده ابن العربي أيضًا بحديث آخر، فذكر أن النبي ﷺ علل المنع بحرمة القبلة ثم قال: فَرُوِي أنه ﷺ قال: من جلس لبول قُبالة القبلة فذكر فانحرف عنها إجلالًا لها لم يقم من مجلسه حتى يغفر له، أخرجه البزار العارضة ١/ ٢٥، ويلاحظ أنه لم يذكر سند الحديث ولا راويه ولا درجته. وقد أورده السيوطي بنحوه، وعزاه الى الطبري في تهذيب الآثار، عن الحسن مرسل، وعقب عليه بقوله: وفيه كذاب/ جمع الجوامع ١/ ٧٧٠ حرف الميم. وعليه فهذه الروايات لا تنهض وحدها للحجة؛ لكن أخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة مرفوعًا: "مَن لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها في الغائط كتبت له حسنة، ومحي عنه سيئة"، قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح إلّا شيخ الطبراني وشيخ شيخه، وهما ثقتان/ مجمع الزوائد ١/ ٢٠٦، وقرر الألباني تصحيحه/ انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/ ٨٨، ٨٩، ح ١٥٩٨ وصحيح الترغيب والترهيب ١/ ٦٣ ح ١٤٦، وقال السيوطي: حُسِّن/ الكنز ٩/ ٣٦٣.стр. 562
٢ - ومنهم مَن أجاز (١) ذلك مطلقًا في الصحراء، والبنيان.
واحتجوا بحديث ابن عمر الآتي في الباب بعد هذا (٢) وحديث جابر الآتي فيه أيضًا (٣) وقوله فيه: [فرأَيتُه] (٤) قبل أن يُقْبَضَ بعام، يستقبلها، وبحديث عائشة: لما بِلغ رسول الله ﷺ قولُ الناس في ذلك، أمر بِمقْعدتِه، فاستقبل بها القَبلِة (٥) .
وَرأَوا هذه الأحاديث وما أشبهَها، ناسخةً للأحاديث المتقدمة (٦) . الحواشي
(١) بالأصل "اختار" ولا يستقيم المعنى عليه، وما أثبته من الصادر التي اعتمد عليها المؤلف، وإن لم يصرح بذلك، مع تطابُق أغلب عباراته لهم، كما قدمت في توثيق بعضها، وانظر عبارة "أجازه مطلقًا" في إحكام الأحكام لابن دقيق العيد ١/ ٢٣١ مع حاشية الصنعاني عليه.(٢) يعني في متن الترمذي، وهو باب الرخصة في الاستقبال والاستدبار ص ٦٢٠.(٣) ص ٦١٩.(٤) ليست بالأصل، وأثبتها من روايات الحديث كما سيأتي في الأصل ص ٦١٩.(٥) سيأتي تخريجُ الحديث في الباب التالي، حيث أشار الترمذي إليه فيه، وتكلم عنه الشارح ص ٦٥٧ وما بعدها.(٦) ذكر هذا التوجيه الحازمي/ الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الأخبار للحازمي/ ٣٨، ٣٩، والشوكاني/ نيل الأوطار ١/ ٩٥، ٩٨، ١٠١ والتمهيد ١/ ٣١٠.
وهذا أحَدُ توجيهين للقائِلينْ بالجواز المطلق، والتوجيه الثاني: أن منهم من قال: إن الأخبار في الباب جاءت مختلفة يعني بالجواز والمنع فيجب إيقافُها، وتَرْكُ الأشياء على الإباحةِ التي كانت، حكى ذلك ابنُ المُنذِر/ الاعتبار للحازمي/ ٣٨، وقال في التمهيد: قالوا: لما تعارضت الآثار في هذا الباب لم يجب العمل بشيء منها، لتَهاتُرِها، كالبَيِّنَتَينْ المتعارِضَتَينْ، قالوا: والأصل أن لا حَظْر، =стр. 563
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = إلَّا ما يَرِدُ به عن الله أو عن رسوله، مما لا مُعارِض له/ التمهيد ١/ ٣١١.
ونحوه في الفتح باختصار/ فتح الباري ١/ ٢٥٦ ط الحلبي، وفي المجموع للنووي ٢/ ٨٢.
لكن المُحققين من العلماء ردُّوا كِلَا هذين التوجيهين، وبالتالي يُرَدُّ هذا القولَ بالجواز المطلق.
فابن عبد البر وابن دقيق العيد اعتبرا القول بنسخ النهي الوارد في حديث أبي أيوب، بحديث جابر ﵄ زَعْمًا/ التمهيد ١/ ٣١١ وإحكام الأحكام ١/ ٥١، ٥٢، وكذا ذكر العيني/ عمدة القاري ٢/ ٢٦٢ وعَدَّهُ ابن خزيمةَ تَوَهُّمًا/ صحيح ابن خزيمة ١/ ٣٤، وقال ابن حجر: والحق أنه (أي حديث جابر) ليس بناسخ لحديث النهي، خلافًا لمن زعمه. فتح الباري ١/ ٢٥٦، ط. الحلبي، وقال العيني: إن دعوى النسخ المذكور ليست بظاهرة، بل هو استدلال ضعيف؛ لأنه لا يُصارُ إليه إلا عند تعذر الجمع، وهو ممكن، كما سيجيء بيانُه إن شاء الله/ عمدة القاري ٢/ ٢٦٢، ٢٦٥، ونحوه في التمهيد ١/ ٣٠٧، ٣١٢، وذكر النووي: أن القول بالنسخ خطأ؛ لإمكان الجمع/ المجموع له ٢/ ٨٣.
ثم إن ابن العربي نَفَى معارضةَ حديثِ جابر لحديث أبي أيوب لوجوه أربعة، منها: أن حديث جابر فِعْل، وحديث أبي أيوب قَوْلٌ، ولا معارضة بين القولِ والفِعْل/ عارضة الأحوذِي ١/ ٢٧، وأيَّدهُ ابنُ القَيِّم/ تهذيب سنن أبي داود له ١/ ٢٢ مع مختصر السنن للمنذري، والحافظ ابن حجر/ التلخيص الحبير ١/ ١٠٤، وقال الشوكاني: الأولى في الجواب عنه (أي عن حديث جابر) أنَّ فِعْلَه ﷺ لا يعارض القولَ الخاصِ بنَا، كما تقرر في الأصول/ نيل الأوطار ١/ ٩٥، ٩٦، ٩٩.
وقال ابن قُدامة في المغني ١/ ١٦٢: إن حديث جابر يَحْتمِل أنه رآه في البنيان أو مستترًا بشيء، والنسخ لا يثبت بالاحتمال.
وهناك من ردَّ المعارضة والنسخ بحديث جابر لتضعيفه، كابن حزم/ المُحلَّى =стр. 564
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ١/ ٢٦٥، وأحمد/ التمهيد ١/ ٣٠٩ وابن عبد البر/ المرجع السابق ١/ ٣١٢ وعُمدة القاري ٢/ ٢٦٢.
ولكنه قد أُجِيبَ عن تضعيفه كما سيأتي في الباب التالي، وجُعِلَ الحديثُ بعد ثبوته، محمولًا على أن جابرًا رأى النبي ﷺ في بناء ونحوه؛ لأن ذلك هو المعهود من حاله ﷺ لمبالغته في التستر/ التلخيص الحبير ١/ ١٠٤ وفتح الباري ١/ ٢٥٦ ط الحلبي وعمدة القاري ٢/ ٢٦٢ ط الحلبي، وبالتالي أُخِذَ بحديث جابر في جواز الاستقبال في البنيان مع أن لفظه عام.
وأما النسخ بحديث ابن عمر فقال ابن العربي: هذا باطل، وعَلَّل ذلك بعدم توافر شروط الناسخ فيه/ عارضة الأحوذي ١/ ٢٧، وقال ابن حزم، وغيرُه مِنْ بَعدِه: إنه ليس في الحديث بيانُ تأخره عن النهي/ المحلَّى ١/ ٢٦١ ونيل الأوطار ١/ ١٠٠، وحقق الحافظ ابن حجر وُرودَ بعضِ رواياته الصحيحة مقيدةً بأن ابن عمر رأى الرسول ﷺ في بنيان/ الفتح ١/ ٢٥٨، فلا يَنْسخُ النهيَ العام/ نيل الأوطار ١/ ٩٨، ٩٩.
وذكر ابنُ العربي أَن حديث ابن عمر لا يُعارِض حديث أبي أيوب في النهي، لأربعة أوجه، منها: أنه فِعْلٌ فلا يُعارض القول/ عارضة الأحوذِي ١/ ٢٧ وأقره الشوكاني/ نيل الأوطار ١/ ٩٨، ٩٩، ١٠١ والمباركفُوري/ تحفة الأحوذِي ١/ ٥٩.
وأما المعارضةُ والنسخ بحديث عائشة، فمنهم من رده بتضعيفه مرفوعًا، وتصحيح وقفه على عائشة ﵂، وبالتالي لا يُعارِض ولا يَنسخُ النهي المرفوع، وسيأتي ترجيح تصحيحه موقوفًا، وأنه مرفوع حكمًا، ولو سُلِّم تصحيحُ المرفوع؛ فإن لفظَه خاص بالاستقبال فقط، فلا يَنسخُ النهي العام، ثم إن نَصه يُبين أنه كان قبل النهي لا بَعدَه، فكيف ينسخه؟ انظر المحل ١/ ٢٦١، ٢٦٤ أصل وهامش، ونيل الأوطار ١/ ١٠٠، ١٠١ وعمدة القاري ٢/ ٢٦٥، ٢٦٦ وتحفة الأحوذي ١/ ٥٨ وتعليقَ ابنِ القيم على سنن أبي داود ١/ ٢٢، ٢٣ مع مختصر =стр. 565
وهذا يُحكَى عن عروة بنِ الزبير (١) وربيعة بن أبي عبد الرحمن (٢) وأَبِي سليمان داود بن علي الأصبهاني (٣) . الحواشي
(١) انظر عَزْوه إليه في التمهيد ١/ ٣١١ والمحلى ١/ ٢٥٩ والاعتبار للحازمي/ ٣٨ وشرح مسلم للنووي ٣/ ١٥٤ وإحكام الأحكام لابن دقيق العيد ١/ ٥٢ وفتح الباري ١/ ٢٥٦ وعمدة القاري ٢/ ٢٦٢ وتحفة الأحْوذِي ١/ ٥٦.(٢) هو المعروف بربيعة الرأي، مع حفظه للسنة وثقته في الحديث، وشهرته في الفقه؛ لكن قال ابن سعد: كانوا يتَقونَه لموضع الرأي، وقد تُوفي على الصحيح سنة ١٣٦ هـ، وعنه أخذ الإمام مالك وغيره/ تقريب التهذيب ١/ ٢٤٧ والتهذيب ٣/ ٢٥٨، ٢٥٩، وقد حكى عنه القول بهذا الرأي أبو صالح عن الليث عنه/ التمهيد ١/ ٣١١ وانظر عزوه إليه في بقية المصادر المذكورة في التعليق الذي قبل هذا، وفي المجموع للنووي ٢/ ٨١ والمغنى لابن قدامة ١/ ١٦٢ وإحكام الأحكام ١/ ٥٢.(٣) وهو المعروف بداود الظاهري، إمام أهل الظاهر وفقيههم، كان بصيرًا بصحيح الحديث وسقيمه، وصنف التصانيف، وأودع فيها حديثًا كثيرًا، لكن الرواية عنه عزيزة، وبدعه الإمام أحمد؛ لكونه قال: القرآن مُحدَث، وتوفي في رمضان سنة ٢٧٠ هـ/ تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٧٢ ترجمة ٥٩٧.
وانظر عزو هذا القول اليه في المصادر المذكورة في التعليقين السابقين على هذا التعليق.следующие страницы →