Полный текст (909 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = فقال: فإن قيل: فقد روى سلمة بن وهرام عن طاوس: حق على كل مسلم أن يُكرم قبلة الله، أن يستقبلها لغائط أو بول، قيل له: هذا مرسل وأهل الحديث لا يثبتونه.
ثم أجاب عنه من وجه آخر فقال: ولو ثبت، كان كحديث أبي أيوب، ثم قال: فإن كان قال طاووس: حق على كل مسلم أن يكرم قبلة الله أن يستقبلها، فإنما سمع -والله أعلم- حديث أبي أيوب عن النبي ﷺ فأنزل ذلك على إكرام القبلة، وهي أهل أن تُكرم/ اختلاف الحديث للشافعي، بهامش الأم ٧/ ٢٧١، ٢٧٢، ورواه البيهقي عنه في معرفة السنن والآثار، وأقره ١/ ٢٦٨.
ويضاف لما قرره كل من أبي حاتم والشافعي بشأن هذا الحديث: أن مدار روايته المرفوعة، على زمعة بن صالح الجَنَدي، وقد ضعفه الأكثرون/ الكاشف ١/ ٣٢٥، والمغني ١/ ٢٤٠، كلاهما للذهبي، وتهذيب التهذيب ٣/ ٣٣٨، ٣٣٩، وتقريب التهذيب ١/ ٢٦٣، وقد أيده ابن العربي أيضًا بحديث آخر، فذكر أن النبي ﷺ علل المنع بحرمة القبلة ثم قال: فَرُوِي أنه ﷺ قال: من جلس لبول قُبالة القبلة فذكر فانحرف عنها إجلالًا لها لم يقم من مجلسه حتى يغفر له، أخرجه البزار العارضة ١/ ٢٥، ويلاحظ أنه لم يذكر سند الحديث ولا راويه ولا درجته. وقد أورده السيوطي بنحوه، وعزاه الى الطبري في تهذيب الآثار، عن الحسن مرسل، وعقب عليه بقوله: وفيه كذاب/ جمع الجوامع ١/ ٧٧٠ حرف الميم. وعليه فهذه الروايات لا تنهض وحدها للحجة؛ لكن أخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة مرفوعًا: "مَن لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها في الغائط كتبت له حسنة، ومحي عنه سيئة"، قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح إلّا شيخ الطبراني وشيخ شيخه، وهما ثقتان/ مجمع الزوائد ١/ ٢٠٦، وقرر الألباني تصحيحه/ انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/ ٨٨، ٨٩، ح ١٥٩٨ وصحيح الترغيب والترهيب ١/ ٦٣ ح ١٤٦، وقال السيوطي: حُسِّن/ الكنز ٩/ ٣٦٣.стр. 562
٢ - ومنهم مَن أجاز (١) ذلك مطلقًا في الصحراء، والبنيان.
واحتجوا بحديث ابن عمر الآتي في الباب بعد هذا (٢) وحديث جابر الآتي فيه أيضًا (٣) وقوله فيه: [فرأَيتُه] (٤) قبل أن يُقْبَضَ بعام، يستقبلها، وبحديث عائشة: لما بِلغ رسول الله ﷺ قولُ الناس في ذلك، أمر بِمقْعدتِه، فاستقبل بها القَبلِة (٥) .
وَرأَوا هذه الأحاديث وما أشبهَها، ناسخةً للأحاديث المتقدمة (٦) . الحواشي
(١) بالأصل "اختار" ولا يستقيم المعنى عليه، وما أثبته من الصادر التي اعتمد عليها المؤلف، وإن لم يصرح بذلك، مع تطابُق أغلب عباراته لهم، كما قدمت في توثيق بعضها، وانظر عبارة "أجازه مطلقًا" في إحكام الأحكام لابن دقيق العيد ١/ ٢٣١ مع حاشية الصنعاني عليه.(٢) يعني في متن الترمذي، وهو باب الرخصة في الاستقبال والاستدبار ص ٦٢٠.(٣) ص ٦١٩.(٤) ليست بالأصل، وأثبتها من روايات الحديث كما سيأتي في الأصل ص ٦١٩.(٥) سيأتي تخريجُ الحديث في الباب التالي، حيث أشار الترمذي إليه فيه، وتكلم عنه الشارح ص ٦٥٧ وما بعدها.(٦) ذكر هذا التوجيه الحازمي/ الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الأخبار للحازمي/ ٣٨، ٣٩، والشوكاني/ نيل الأوطار ١/ ٩٥، ٩٨، ١٠١ والتمهيد ١/ ٣١٠.
وهذا أحَدُ توجيهين للقائِلينْ بالجواز المطلق، والتوجيه الثاني: أن منهم من قال: إن الأخبار في الباب جاءت مختلفة يعني بالجواز والمنع فيجب إيقافُها، وتَرْكُ الأشياء على الإباحةِ التي كانت، حكى ذلك ابنُ المُنذِر/ الاعتبار للحازمي/ ٣٨، وقال في التمهيد: قالوا: لما تعارضت الآثار في هذا الباب لم يجب العمل بشيء منها، لتَهاتُرِها، كالبَيِّنَتَينْ المتعارِضَتَينْ، قالوا: والأصل أن لا حَظْر، =стр. 563
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = إلَّا ما يَرِدُ به عن الله أو عن رسوله، مما لا مُعارِض له/ التمهيد ١/ ٣١١.
ونحوه في الفتح باختصار/ فتح الباري ١/ ٢٥٦ ط الحلبي، وفي المجموع للنووي ٢/ ٨٢.
لكن المُحققين من العلماء ردُّوا كِلَا هذين التوجيهين، وبالتالي يُرَدُّ هذا القولَ بالجواز المطلق.
فابن عبد البر وابن دقيق العيد اعتبرا القول بنسخ النهي الوارد في حديث أبي أيوب، بحديث جابر ﵄ زَعْمًا/ التمهيد ١/ ٣١١ وإحكام الأحكام ١/ ٥١، ٥٢، وكذا ذكر العيني/ عمدة القاري ٢/ ٢٦٢ وعَدَّهُ ابن خزيمةَ تَوَهُّمًا/ صحيح ابن خزيمة ١/ ٣٤، وقال ابن حجر: والحق أنه (أي حديث جابر) ليس بناسخ لحديث النهي، خلافًا لمن زعمه. فتح الباري ١/ ٢٥٦، ط. الحلبي، وقال العيني: إن دعوى النسخ المذكور ليست بظاهرة، بل هو استدلال ضعيف؛ لأنه لا يُصارُ إليه إلا عند تعذر الجمع، وهو ممكن، كما سيجيء بيانُه إن شاء الله/ عمدة القاري ٢/ ٢٦٢، ٢٦٥، ونحوه في التمهيد ١/ ٣٠٧، ٣١٢، وذكر النووي: أن القول بالنسخ خطأ؛ لإمكان الجمع/ المجموع له ٢/ ٨٣.
ثم إن ابن العربي نَفَى معارضةَ حديثِ جابر لحديث أبي أيوب لوجوه أربعة، منها: أن حديث جابر فِعْل، وحديث أبي أيوب قَوْلٌ، ولا معارضة بين القولِ والفِعْل/ عارضة الأحوذِي ١/ ٢٧، وأيَّدهُ ابنُ القَيِّم/ تهذيب سنن أبي داود له ١/ ٢٢ مع مختصر السنن للمنذري، والحافظ ابن حجر/ التلخيص الحبير ١/ ١٠٤، وقال الشوكاني: الأولى في الجواب عنه (أي عن حديث جابر) أنَّ فِعْلَه ﷺ لا يعارض القولَ الخاصِ بنَا، كما تقرر في الأصول/ نيل الأوطار ١/ ٩٥، ٩٦، ٩٩.
وقال ابن قُدامة في المغني ١/ ١٦٢: إن حديث جابر يَحْتمِل أنه رآه في البنيان أو مستترًا بشيء، والنسخ لا يثبت بالاحتمال.
وهناك من ردَّ المعارضة والنسخ بحديث جابر لتضعيفه، كابن حزم/ المُحلَّى =стр. 564
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ١/ ٢٦٥، وأحمد/ التمهيد ١/ ٣٠٩ وابن عبد البر/ المرجع السابق ١/ ٣١٢ وعُمدة القاري ٢/ ٢٦٢.
ولكنه قد أُجِيبَ عن تضعيفه كما سيأتي في الباب التالي، وجُعِلَ الحديثُ بعد ثبوته، محمولًا على أن جابرًا رأى النبي ﷺ في بناء ونحوه؛ لأن ذلك هو المعهود من حاله ﷺ لمبالغته في التستر/ التلخيص الحبير ١/ ١٠٤ وفتح الباري ١/ ٢٥٦ ط الحلبي وعمدة القاري ٢/ ٢٦٢ ط الحلبي، وبالتالي أُخِذَ بحديث جابر في جواز الاستقبال في البنيان مع أن لفظه عام.
وأما النسخ بحديث ابن عمر فقال ابن العربي: هذا باطل، وعَلَّل ذلك بعدم توافر شروط الناسخ فيه/ عارضة الأحوذي ١/ ٢٧، وقال ابن حزم، وغيرُه مِنْ بَعدِه: إنه ليس في الحديث بيانُ تأخره عن النهي/ المحلَّى ١/ ٢٦١ ونيل الأوطار ١/ ١٠٠، وحقق الحافظ ابن حجر وُرودَ بعضِ رواياته الصحيحة مقيدةً بأن ابن عمر رأى الرسول ﷺ في بنيان/ الفتح ١/ ٢٥٨، فلا يَنْسخُ النهيَ العام/ نيل الأوطار ١/ ٩٨، ٩٩.
وذكر ابنُ العربي أَن حديث ابن عمر لا يُعارِض حديث أبي أيوب في النهي، لأربعة أوجه، منها: أنه فِعْلٌ فلا يُعارض القول/ عارضة الأحوذِي ١/ ٢٧ وأقره الشوكاني/ نيل الأوطار ١/ ٩٨، ٩٩، ١٠١ والمباركفُوري/ تحفة الأحوذِي ١/ ٥٩.
وأما المعارضةُ والنسخ بحديث عائشة، فمنهم من رده بتضعيفه مرفوعًا، وتصحيح وقفه على عائشة ﵂، وبالتالي لا يُعارِض ولا يَنسخُ النهي المرفوع، وسيأتي ترجيح تصحيحه موقوفًا، وأنه مرفوع حكمًا، ولو سُلِّم تصحيحُ المرفوع؛ فإن لفظَه خاص بالاستقبال فقط، فلا يَنسخُ النهي العام، ثم إن نَصه يُبين أنه كان قبل النهي لا بَعدَه، فكيف ينسخه؟ انظر المحل ١/ ٢٦١، ٢٦٤ أصل وهامش، ونيل الأوطار ١/ ١٠٠، ١٠١ وعمدة القاري ٢/ ٢٦٥، ٢٦٦ وتحفة الأحوذي ١/ ٥٨ وتعليقَ ابنِ القيم على سنن أبي داود ١/ ٢٢، ٢٣ مع مختصر =стр. 565
وهذا يُحكَى عن عروة بنِ الزبير (١) وربيعة بن أبي عبد الرحمن (٢) وأَبِي سليمان داود بن علي الأصبهاني (٣) . الحواشي
(١) انظر عَزْوه إليه في التمهيد ١/ ٣١١ والمحلى ١/ ٢٥٩ والاعتبار للحازمي/ ٣٨ وشرح مسلم للنووي ٣/ ١٥٤ وإحكام الأحكام لابن دقيق العيد ١/ ٥٢ وفتح الباري ١/ ٢٥٦ وعمدة القاري ٢/ ٢٦٢ وتحفة الأحْوذِي ١/ ٥٦.(٢) هو المعروف بربيعة الرأي، مع حفظه للسنة وثقته في الحديث، وشهرته في الفقه؛ لكن قال ابن سعد: كانوا يتَقونَه لموضع الرأي، وقد تُوفي على الصحيح سنة ١٣٦ هـ، وعنه أخذ الإمام مالك وغيره/ تقريب التهذيب ١/ ٢٤٧ والتهذيب ٣/ ٢٥٨، ٢٥٩، وقد حكى عنه القول بهذا الرأي أبو صالح عن الليث عنه/ التمهيد ١/ ٣١١ وانظر عزوه إليه في بقية المصادر المذكورة في التعليق الذي قبل هذا، وفي المجموع للنووي ٢/ ٨١ والمغنى لابن قدامة ١/ ١٦٢ وإحكام الأحكام ١/ ٥٢.(٣) وهو المعروف بداود الظاهري، إمام أهل الظاهر وفقيههم، كان بصيرًا بصحيح الحديث وسقيمه، وصنف التصانيف، وأودع فيها حديثًا كثيرًا، لكن الرواية عنه عزيزة، وبدعه الإمام أحمد؛ لكونه قال: القرآن مُحدَث، وتوفي في رمضان سنة ٢٧٠ هـ/ تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٧٢ ترجمة ٥٩٧.
وانظر عزو هذا القول اليه في المصادر المذكورة في التعليقين السابقين على هذا التعليق.стр. 566
٣ - ومنهم من أجاز (١) ذلك في البنيان، ورآه (٢) في الصحراء مُحرمًا، وحَمَل حديث ابنَ عمر وجابر، وما في معناهما، على التخصيص لحديث أبي أيوب (٣) ، لا على النسخ.
والحمل على التخصيص أولى؛ إذ إعمال الحديثين أولى من إلغاء أحدهما، ولأنه لا يُصار إلى النسخ إلّا إذا تعذر التخصيص، وليس هو هاهنا متعذرًا. قالوا: الرخصة في استقبال القبلة للغائط والبول، في المنازل، والمنع من ذلك في الصحارى (٤) الحواشي
(١) بالأصل "اختار" وما أثبته هو الوارد في المصادر التي ذكرت هذا الرأي، كما سيأتي ذكرها بعد.(٢) بالأصل "ورواه" والصواب ما أثبته لاستقامة المعنى والسياق عليه.(٣) الأولى أن يقول: لحديث أبي أيوب وما في معناه، كما سيأتي في بقية كلامه، وكما قال أولًا: حديث ابن عمر وجابر وما في معناهما؛ وذلك لأنه قد ثبت في النهي عن استقبال القبلة واستدبارها أحاديث كثيرة، غير حديث أبي أيوب رواها جماعة من الصحابة منهم: أبو هريرة وابن مسعود، وسهل بن حُنيف وعبد الله بن الحارث بن جَزْء، وسلمان الفارسي، وقد تقدمت إشارة الترمذي في أول الباب لبعضها، وخرّجها الشارح فيما تقدم، كما تقدم تخريجي هناك لأحاديث أخرى عن غير هؤلاء الصحابة، وقد قرر ذلك ابن عبد البر أيضًا/ انظر التمهيد ١/ ٣٠٩، والعيني في عمدة القاري ٢/ ٢٦١ ط الحلبي.(٤) من قول المؤلف: "قالوا (أي أصحاب هذا القول الثالث): الرخصة في استقبال القبلة" ... إلى هنا، هو بيان لكيفية التخصيص، فتحمل أحاديث الترخيص على أن المراد بها البنيان والمنازل، حيث ورد التقييد بالبنيان صراحة في بعض ألفاظها، كما قدمت ذكره فتخرُج من عموم أحاديث النهي، ويحمل النهي على الصحارى والفضاء، كما سيشير المؤلف في الأصل قريبًا، وبهذا يحصل إعمال كُل من أدلة الترخيص والنهي، وقد عبر بعض العلماء عن هذا بالجمع بين تلك =стр. 567
وهذا المذهب يروى عن العباس بن عبد المطلب (١) وعبد الله الحواشي
(١) وانظر عزوه إليه في شرح مسلم للنووي ٣/ ١٥٤ والمجموع له ٢/ ٨١ والمغني لابن قدامة ١/ ١٦٢ ونيل الأوطار ١/ ٩٤.стр. 568
الحواشي
(١) أخرج ذلك عنه أبو داود والحاكم والبيهقي والدارقطني والحازمي وابن خزيمة، جميعهم من طريق الحسن بن ذكوان عن مروان الأصفر، قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن: أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بلى، إنما نهى عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس/ سنن أبي داود - كتاب الطهارة - باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة ١/ ٢٨ مع عون المعبود، وسنن البيهقي كتاب الطهارة - باب الرخصة في استقبال القبلة واستدبارها في الأبنية ١/ ٩٢ - والمستدرك - كتاب الطهارة، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري فقد احتج بالحسن بن ذكوان، ولم يخرجاه، وقد أقره الذهبي على ذلك/ المستدرك وبهامشه تلخيص الذهبي/ ١/ ١٥٤، وقال ابن حجر: إن هذا إسناد لا بأس به/ فتح الباري ١/ ٢٥٨ ط الحلبي. وقال الدارقطني عقب إخراج الحديث: هذا صحيح، كلهم ثقات/ سنن الدارقطني - كتاب الطهارة - باب استقبال القبلة في الخلاء ١/ ٥٨، وقال الحازمي: هذا حديث حسن/ الاعتبار للحازمي/ ٤٠، وأخرجه أيضًا ابن خزيمة في صحيحه - كتاب الطهارة - باب ١٤٤/ ٣٥ ح ٦٠.
لكن في سند الحديث عند الجميع "الحسن بن ذكوان" وقد ضعفه غير واحد، تضعيفًا مجملًا، وفسره بعضهم برميه ببدعة القدر، وبعضهم بالتدليس، وبعضهم بوجود بعض مناكير في حديثه/ تهذيب التهذيب ٢/ ٢٧٦، ٢٧٧ وهدى الساري ١/ ١٥٨، ١٥٩ ط الحلبي، والكامل لابن عدي ٢/ ٧٣٠، ٧٣١ ونسخة الظاهرية ل/ ٩٠.
ولكنه قد وُثق أيضًا من غير واحد، فقد أخرج له البخاري في صحيحه، حديثًا واحدًا محتجًا به، وذلك في كتاب الرقائق - باب صفة الجنة والنار/ البخاري مع الفتح ١١/ ٤٨١ ح ٦٥٦٦ ط السلفية وهدى الساري ١/ ١٥٨، ١٥٩ ط الحلبي وطبقات المدلسين لابن حجر/ ٨٥. كما أخرج له ابن خزيمة أثر ابن عمر هذا في صحيحه، كما تقدم فيعتبر هذا توثيقًا فعليًا منهما له/ انظرا =стр. 569
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الاقترح لابن دقيق العيد/ ٣٢٦، ٣٢٧ ط بغداد.
وذكره ابن حيان في الثقات، ولقبه بـ "المعلم"/ الثقات ٦/ ١٦٣، والمعروف بهذا اللقب هو الحسين بن ذكوان/ تهذيب التهذيب ٢/ ٣٣٨، وذكره أيضًا ابن شاهين في الثقات وقال: بصري ثقة، ليس بينه وبين الحسين بن ذكوان قرابة/ الثقات لابن شاهين، بتحقيق الشيخ صبحي السامرائي/ ٥٩.
وقال ابن عدي: على أن يحيى القطان وابن المبارك رويا عنه، وناهيك به للحسن بن ذكوان من الجلالة أن يرويا عنه، وأرجو أنه لا بأس به/ الكامل لابن عدي ٢/ ٧٣١ ونسخة الظاهرية ل ٩٠ / وتهذيب التهذيب ٢/ ٢٧٦.
وقال الدارقطني عن رواة أثر ابن عمر هذا بما فيهم الحسن: "كلهم ثقات/ السنن للدارقطني ١/ ٥٨ فيكون ذلك توثيقًا له.
وبتوثيق هؤلاء الأئمة له قوليًا وفعليًا يندفع جرحه المجمل بأنه ضعيف، أو ليس بالقوي، وبالنسبة للتدليس، فقد ذكره ابن حجر في الطبقة الثالثة، وهم من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقًا، ومنهم من قبلهم/ طبقات المدلسين لابن حجر/ ٢٣ ووصَفَ الحسن بأنه مختلف في الاحتجاج به/ طبقات المدلسين/ ٨٥.
أما جرحه بأن له بعض أحاديث مناكير فإن ابن عَدِي قد ذكر من أحاديثه المتكلم فيها ستة أحاديث ثم قال: وللحسن ابن ذكوان أحاديث غير ما ذكرت وليس بكثير، وفي بعض ما ذكرت ما لا يرويه غيره/ الكامل/ الموضع السابق، فهذا يفيد قلة مناكيره التي ينفرد بها، وهذا يدل على خفة ضبطه فقط، فينزل بذلك توثيقه إلى مرتبة الحسن لذاته فيما ينفرد به، ما لم يُدلِّسه، ولم يكن مؤيدًا لبدعة القدر التي نُسِبَت إليه، مع ملاحظة أن في نسبتها إليه خِلافًا؛ حيث إن أبا داود لما قال عنه: كان قَدريًا، قال له الآجري: زَعم قوم أنه كان فاضلًا جدًّا، فقال أبو داود: ما بلغني عنه فضل، كان صديقًا لأبي جعفر الخليفة/ سؤالات الآجري لأبي داود/ ٢٦٥ وتهذيب التهذيب ٢/ ٢٧٧، أقول: وكون أبي داود لم يبلغه عنه فضل، لا ينفي ثوت فضله الكبير عند غيره وسلامته من البدعة عند =стр. 570
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = من أشار الآجري إليهم.
وبالتأمل في سند قول ابن عمر الذي معناه في عامة المصادر التي أخرجته والتي قدمت ذكرها، فإننا نجد أن الحسن بن ذكوان قد رواه عن شيخه بالعنعنة، فمَن قَبِل عنعنة أصحاب الطبقة الثالثة من المدلّسين التي ذُكِر فيها الحسن بن ذكوان، قَبِل هذا الأثر، وعليه جرى كل من ابن خزيمة والدارقطني والحاكم حيث حكموا بصحته، وكذا الحازمي حيث حسَّنه. وقد تقدم نقل ذلك عنهم.
أما ما نقله صاحب بذل المجهود عن ابن حجر أنه وصف إسناد هذا الأثر في الفتح بالحُسْن فلم أجده فيه، ولكن الموجود في الفتح ١/ ٢٤٧ الطبعة السلفية و ١/ ٢٨٥ ط الحلبي قول ابن حجر: رواه أبو داود والحاكم بسند لا بأس به، فلعل هذا مقصود صاحب البذل بالحُسن، وانظر بذل المجهود في حل أبي داود للشيخ خليل أحمد السهارَنْفُوري ١/ ٢٩.
وأما من شَرَط لقبول أصحاب هذه الطبقة من المدلّسين أن يصرحوا بالتحديث ونحوه، فإن هذا الأثر يعتبر عندهم ضعيفًا بهذا الإسناد، لأنه يكون منقطعًا بعنعنة الحسن عن شيخه، ولعل مما يؤيد هذا أن الحديث الذي أخرجه البخاري في الصحيح عن الحسن محتجًا به كما تقدم، إذا تأملنا سنده نجد الحسن مصرِّحًا فيه بتحديث شيخه له، وليس معنعنًا، كما في أثر ابن عمر الذي معنا.
لكن هناك ما يجبر ضعف إسناده هذا، وذلك هو وجود شاهد صحيح لقول ابن عمر من المرفوع، ومن رواية ابن عمر نفسه، كما سيأتي ذكره قريبًا.
وقد عَزا القول المذكور الى ابن عمر كلٌّ من ابن عبد البر/ التمهيد ١/ ٣٠٧، والخطَّابي/ معالم السنن ١/ ٢٠، والبغوي شرح السنة ١/ ٣٥٩، وأورد رواية أبي داود له ابن دقيق العيد/ إحكام الأحكام ١/ ٥٢، والنووي/ شرح مسلم للنووي ٣/ ١٥٤ والمجموع له ٢/ ٨١ وابن حجر/ فتح الباري ١/ ٢٥٨ ط الحلبي، وغير هؤلاء.
لكن ابن حزم قال: ورَوينا من طريق حماد بن سلمة عن أيوب السختياني عن =стр. 571
والشعبي (١) ومالك بن أنس (٢) الحواشي
(١) هو عامر بن شراحيل الشعبي -بفتح الشين المعجمة، وسكون العين المهملة ثقة مشهور فقيه فاضل، مات بعد المائة، وله نحو ثمانين سنة/ تقريب التهذيب ١/ ٣٨٧ وإحكام الأحكام لابن دقيق العيد ١/ ٣٨٧ وقوله هذا أخرجه عنه غير واحد كما سيأتي بيانه قريبًا، حيث ذكره المؤلف في الأصل.
وذكر قوله بغير إسناد كل من ابن حزم/ المحلي ١/ ٢٥٩ وابن دقيق العيد/ إحكام الأحكام ١/ ٥٣ والخطابي/ معالم السنن ١/ ٢٠، والبغوي/ شرح السنة ١/ ٣٥٩ والنووي/ شرح مسلم للنووي ٣/ ١٥٤ والمجموع له ٢/ ٨١، وغير هؤلاء.(٢) عزاه لمالك كل من: ابن القاسم/ المدونة ١/ ٧ والخطابي ورجَّحه/ معالم السنن له ١/ ٢٠ والبغوي/ شرح السنة له ١/ ٣٥٩ وابن عبد البر، وقال: إنه الصحيح/ التمهيد ١/ ٣٠٩، ٣١٢، وابن العربي/ عارضة الأحوذي/ ١/ ٢٦ والنووي/ المجموع له ٢/ ٨١ وابن قدامة، وقال: هو الصحيح/ المغني ١/ ١٦٢ وابن حزم، وشدد العبارة في رده/ المحلي ١/ ٢٥٩، ٢٦٦ والصواب ما قرره غيره من الأئمة المذكورين وغيرهم: أنه الصحيح والأولى؛ لما قدمته، =стр. 572
والشافعي (١) وأحمد - في إحدى الروايتين (٢) عنه، واسحق الحواشي
(١) ذكر الشافعي ذلك في جمعه بين حديث ابن عمر بالترخيص، وحديث أبي أيوب بالمنع، فقال: والحال في الصحاري كما حدّث أبو أيوب، وفي البيوت كما حدث ابن عمر، لا أنهما يختلفان/ اختلاف الحديث للشافعي - باب استقبال القبلة للغائط والبول/ بهامش الأم ٧/ ٢٧٢، ورواه البيهقي بسنده إلى الشافعي/ معرفة السنن والآثار للبيهقي - كتاب الطهارة - باب الاستطابة ١/ ٢٦٨، ٢٦٩، وعزاه إليه الخطابي/ معالم السنن ١/ ٢٠ وابن حزم المحلي ١/ ٢٥٦ / وابن عبد البر، وقال: إنه الصحيح ١/ ٣٠٩ والبغوي/ شرح السنة له ١/ ٣٥٩ وابن العربي/ عارضة الأحوذي ١/ ٢٤ وابن قدامة/ المغني/ ١/ ١٦٢ وغير هؤلاء.(٢) هكذا ذكر النووي في شرح مسلم ٣/ ١٥٤: إن هذه إحدى الروايتين مطلقًا عن أحمد، وذكر صاحب الافصاح: أنها الرواية الثانية المشهورة/ الافصاح لابن هبيرة ١/ ٧٦ فقيد الثنائية بالشهرة، والرواية الأولى عنه هي رواية المنع المطلق للاستقبال والاستدبار كما تقدم.
اما ابن الجوزي وابن قدامة فصرحا بأن هاتين الروايتين عن أحمد في الاستدبار والاستقبال في البنيان وما في حكمه من السواتر فقط/ المغنى ١/ ١٦٢ والتحقيق لابن الجوزي ١/ ٦٨، أما حكم الاستقبال والاستدبار عمومًا فعن أحمد فيه رواية ثالثة، وهي التي حكاها عنه الترمذي في هذا الباب: أنه يجوز الاستدبار فقط للكعبة دون الاستقبال، وكذا ذكرها صاحب المغني ١/ ١٦٣ والافصاح ١/ ٧٦.
وقد راعى النووي نفسه مجموع الروايات عن أحمد مرة ثانية فقال في المجموع عن القول بالاستقبال والاستدبار في البنيان والسواتر وعدمه في غيرهما: إنه رواية عن أحمد، وذكر الروايتين الأخريين أيضًا/ المجموع للنووي ٢/ ٨١ وانظر المغنى ١/ ١٦٢، ١٦٣ والتمهيد ١/ ٣٠٩، ٣١٠. وراعي مجموع الروايات أيضًا =стр. 573
ابن راهُوْيَهْ (١) .
واحتجوا في المنع بحديث أبي أيوب وما في معناه، وفي الإباحة الحواشي
(١) هو إسحق بن ابراهبم بن مخلَد أبو يعقوب الحَنظلي، وعُرف بابن رَاهوَيْه، ومعناه: مَن وُلِدَ في الطريق؛ لأن والده ولد في الطريق، ومذهب أهل النحو والأدب في ضبط رَاهُوَيْه، ونظائره، فتح الواو وما قبلها، وسكون الباء ثم هاء، ومذهب المحدثين سكون الواو، وضم ما قبلها، وفتح الياء، وإسكان الهاء آخره، ومن كتبها "تاءً" فهو خطأ، وللمحدثين في ضبطهم سلف، وإسحق هذا ثقة فقيه مجتهد، كان قرين أحمد بن حنبل، ذكر أبو داود أنه تغير حفظه قبل موته بخمسة أشهر، قال: سمعت منه في تلك الأيام، فَرَميْتُ به، وقال عنه ابن حبان: إنه كان من سادات أهل زمانه فقهًا وعلمًا وحفظًا، وصنف الكتب وفرع على السنن، وذب عنها وقمع من خالفها، وتوفي سنة ٢٣٧ هـ أو سنة ٢٣٨ هـ/ انظر تقريب التهذيب ٤/ ٥١، وتهذيب التهذيب ٦/ ٢١١ - ٢١٩ والثقات لابن حبان ٨/ ١١٥، ١١٦ وتدريب الراوي/ ٢٢٦، ٢٢٨ ط أولى.
وقول إسحق هذا نسبه إليه ابن عبد البر/ التمهيد/ ١/ ٣٠٩ والنووي/ شرح مسلم للنووي ٣/ ١٥٤.
كما نُسب هذا القول أيضًا لعبد الله بن المبارك/ التمهيد/ ١/ ٣٥٩ ولعبد الله بن عباس/ عمدة القاري ٣/ ٢٦٢ ونيل الأوطار ١/ ٥٤ ولابن المنذر/ المغني ١/ ١٦٢ ولأبي حنيفة/ فتح الباري ١/ ٢٥٦.стр. 574
بحديث جابر، وابن عمر (١) وما في معناهما. ومَحْمَل النهي عندهم -حيث وَرد- على حُرمة المصلِّين من الملائكة (٢) .-أي في الحواشي
(١) سيأتي الحديثان في الباب التالي لهذا، حيث أخرجهما الترمذي فيه.(٢) كذا ذكر ابن عبد البر عن بعض المالكية/ التمهيد ١/ ٣١٢ وزاد الخطابي/ معالم السنن للخطابي مع مختصر المنذري لسنن أبي داود ١/ ٢٠ والبغوي/ شرح السنة ١/ ٣١٢ والرافعي/ فتح العزيز ١/ ٤٦٠ ذِكْر "الإنس والجن"، واقتصر البيهقي/ السنن الكبرى ١/ ٩٣ والشيرازي والنووي على ذكر الملائكة والجن/ انظر المهذب للشيرازي مع شرحه المجموعٍ للنووي ٢/ ٧٨، ٨٣، ويؤيد ذكر الجميع عموم الرواية الآتية في الأصل قريبًا عن الشعبي حيث قال: لأن الله خلق خلقًا من عباده يصلون في الصحراء الخ.
وقول المؤلف إن ذلك "محمل النهي عندهم" يجعل الضمير في "عندهم" يرجع إلى من قدم ذكرهم من القائلين بهذا القول الثالث، وذلك يفيد أن كلهم يعللون النهي بحرمة المصلين لا بحُرمة القبلة، وهذا غير مسلَّم، فالإمام الشافعي قد أقر تعليل النهي بحرمة القبلة/ اختلاف الحديث له، بهامش الأم ٧/ ٢٧١، ٢٧٢.
نعم روى هذا التعليل عن الشعبي، كما سيأتي ذكره في الأصل، وعزاه إليه ابن العربي عارضه الأحوذي ١/ ٢٤، والعيني/ عمدة القاري ٢/ ٢٧٧، وعزاه الرافعي والنووي إلى الأصحاب من الشافعية/ فتح العزيز للرافعي ١/ ٤٦٠، ٤٦١ والمجموع ٢/ ٨٣، وعزاه ابن عبد البر إلى بعض أصحابهم - يعني المالكية/ التمهيد ١/ ٣١٢.
وذكره دون تحديد قائله كل من الخطابي/ معالم السنن له ١/ ٢٠ والبغوي/ شرح السنة له ١/ ٣٦٢، وابن حزم/ المحلي ١/ ٢٦٦.
وقد قدمت أن الراجح والمعتمد هو التعليل بحُرمة القبلة، أما هذا التعليل بحرمة المصلين فقد رده، غير واحد، سواء من جهة المعنى أو من جهة ثبوت روايته عن الشعبي.стр. 575
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = فابن حزم بعد ذكره هذا التعليل قال: هذا باطل؛ لأن وقوع الغائط كيفما وقع في الصحراء فموضعه لا بد أن يكون قِبلَة لجهة مَّا، وغيرَ قبلةِ لجهة أخرى/ المحلي ١/ ٢٦٦.
وقال العيني: هو تعليل في مقابلة النص/ عمدة القاري ٢/ ٢٧٧، يعني: النص على أن النهي لِحُرمة القِبلة، كما سيأتي ذكره عن ابن العربي.
وقال ابن العربي: والتعليل بحرمة القبلة أولى بخمسة أوجه:
أحدهما: أن الوجه الأول -يعني حرمة المصلين- قاله الشعبي، فلا يلزم الرجوع إليه.
الثاني: أنه إخبار عن مغيب، فلا يثبت إلا عن الشارع.
الثالث: أنه لو كان لِحُرمة الصلين، لما جاز التغريب والتشريق أيضًا؛ لأن العورة لا تخفي معه أيضًا عن المصلين، وهذا يعرف باختيار المعاينة.
الرابع: أن النبي ﷺ إنما علل بحرمة القبلة فرُوِي عنه أنه قال: من جلس لبول قبالة القبلة فذكر، فانحرف عنها إجلالًا لها، لم يقم من مجلسه حتى يُغفر له، أخرجه البزار.
أقول: وقد قدمت أن لهذا الحديث شاهدًا حسنه السيوطي وصححه غيره ص ٥٦٩ ت.
الخامس: أن ظاهر الأحاديث يقتضي أن الحرمة إنما هي للقبلة؛ لقوله ﷺ "لا تستقبلوا القبلة" فذكرها يلفظها، فأضاف الاحترام لها/ عارضة الأحوذي/ ١/ ٢٤، ٢٥.
وقال النووي: وهو تعليل ضعيف؛ فإنه لو قعد قريبًا من حائط، واستقبله، ووراءه فضاء واسع جاز بلا شك، صرح به إمام الحرمين والبغوي وغيرهما، ويدل عليه ما قدمناه عن ابن عمر: أنه أناخ راحلته، وبال إليها، فهذا يبطل هذا التعليل؛ فإنه لو كان صحيحًا لم يجز في هذه الصورة؛ فإنه مستدبر الفضاء =стр. 576
الصحراء- لا على حُرمة القبلة، وذكروا في ذلك (١) عن عيسى بن أبي عيسى قال: قلت للشعبي: عجبت لقول أبي هريرة ﵁، ونافع عن ابن عمر، قال: وما قالا؟ قلت: قال أبو هريرة: لا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها، وقال نافعٍ عن ابن عمر: رأيت النبي ﷺ / ذهب مذهبًا مُواجه القبلة.
قال: أما قول أبي هريرة، ففي الصحراء، إن لله خلقًا من عباده، يصلون في الصحراء، فلا تستقبلوهم، ولا تستبدروهم، وأما بيوتكم هذه التي تتخذونها للنَّتن، فإنه لا قبلة لها (٢) وذكر الحواشي
(١) أي في الاستدلال لحمل النهي على ذلك، وتعليله به، كما مر في كلام ابن العربي، والنووي، وانظر إحكام الأحكام لابن دقيق العيد ١/ ٥٣.(٢) أخرجه ابن القاسم في المدونة - باب استقبال القبلة - للبول والغائط ١/ ٧، وابن ماجه في طريقين، ذَكَر المتن مختصرًا من الطريق الأولى، وأحال عليه بنحوه من الطريق الثانية/ سنن ابن ماجه - كتاب الطهارة - باب الرخصة في الاستقبال والاستدبار في الكتيف وإباحته، دون الصحارى ١/ ١١٧ ح ٣٢٣ / وأخرجه الدارقطني في سننه - كتاب الطهارة - باب استقبال القبلة في الخلاء ١/ ٦١ ح ١١ ومن طريقه أخرجه الحازمي في الاعتبار/ كتاب الطهارة - باب النهي عن استقبال القبلة والخلاف فيه/ ٤١.
وأخرجه البيهقي في سننه الكبرى - كتاب الطهارة - باب الرخصة في استقبال القبلة واستدبارها في الأبنية ١/ ٩٣. =стр. 577
الدارقطني: أن عيسى بن أبي عيسى الحَنَّاط، وهو عيسى بن مَيسرة، وهو ضعيف (١) الحواشي
(١) ذكر الدارقطني ذلك في سننه عقب إخراج أثر الشعبي هذا من طريق عيسى/ سنن الدارقطني/ الموضع السابق، وأخرج قبل هذا حديثًا آخر من طريقه، وقال عقبه: عيسى بن أبي عيسى الحناط ضعيف/ سنن الدارقطني ١/ ٦٠.
وسمعه البرقاني يصف عيسى هذا أيضًا بأنه "متروك" سؤالات البَرقاني للدارقطني، بتحقيق الدكتور عبد الرحيم القشقري/ ٥٤ ترجمة ٣٨٧.
وقول الدارقطني -كما في الأصل-: إن عيسى بن أبي عيسى، هو عيسى بن ميسرة" فيه رد على من ظنهما اثنين، لتعدد ذكر الأب مرة بالكنية ومرة بالاسم.
وقد ذكر البخاري في تاريخه المطبوع باسم الصغير/ ١٢١ ط الهند، وفي الضعفاء الصغير أيضًا ص ٢٢١ ترجمة واحدة لعيسى هذا، وذكر فيها مثل قول الدارقطني السابق؛ لكنه في تاريخه الكبير ٦/ ٤٠٤، ٤٠٥ ذكر ترجمة مستقلة باسم: عيسى بن ميسرة الغفاري، ثم أعقبها بترجمة ثانية مستقلة باسم "عيسى بن أبي عيسى" وقال فيها: وهو عيسى بن ميسرة المديني الحناط "وهذا واضح في تقريره أن الترجمتين لشخص واحد، وإن كان ذكر في الأولى أنه غِفَاري، ويَروِى عن أبي الزناد، وفي الثانية أنه مديني ويروى عن نافع والشعبي.
لكن الخطيب البغدادي عد هذا وَهْمًا من البخاري، فقال: وقد وَهِم في فصله بين هذا -يعني عيسى بن أبي عيسى- والذي قبله -يعني عيسى بن ميسرة؛ لأنه رجل واحد مديني يروى عن نافع مولى ابن عمر، وأبى الزناد عبد الله بن ذكوان وسمع من الشعبي بالكوفة ... الخ/ موضح أوهام الجمع والتفريق/ للخطيب/ الوهم الثامن والأربعون ١/ ١٤٤. =стр. 578
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ومن قبل الخطيب البغدادي عد ابن أبي حاتم الرازي ذلك أيضًا وَهمًا من البخاري؛ فقد ذكر ترجمتين باسم عيسى بن ميسرة الغفاري، وذكر في أولاهما: أنه هو عيسى بن أبي عيسى الحناط المديني، وذكر في الثانية أنه هو عيسى الحناط، ثم قال: وفرق بينهما محمد بن إسماعيل البخاري، وجعلهما اسمين، وهُما واحد/ الجرح والتعديل ٦/ ٢٨٩، ٢٩٠.
والذي يبدو لي -والله أعلم- أن وَهم البخاري ليس فيما ذكره كل من الخطيب وابن أبي حاتم، لأن البخاري مع ذكره ترجمة مستقلة - باسم عيسى بن ميسرة، وأخرى باسم عيسى بن أبي عيسى الحناط قد نبه في الثانية على أن الترجمتين لشخص واحد ويؤيد هذا اقتصاره في كتابيه الآخرين على ذكر ترجمة واحدة له باسم عيسى بن أبي عيسى، وتقريره فيها أنه هو عيسى بن ميسرة المديني، كما قدمت.
ولكن وَهم البخاري في التاريخ الكبير: أنه ذكر عقب الترجمتين المذكورتين ترجمة ثالثة باسم "عيسى بن ميسرة بن حيان" وذكر أنه يعد في أهل المدينة، ثم ذكر أنه بروى عن أبي الزناد، وهذا موافق لما ذكره في الترجمة الأولى التي ذكرها باسم عيسى بن ميسرة الغفاري/ انظر التاريخ الكبير ٦/ ٤٠٤ ترجمة ٢٧٩٣، ٤٠٥ ترجمة ٢٧٩٥، ولكن البخاري لم يربط بين هاتين الترجمتين: الثالثة والأولى كما ربط بين الثانية والأولى، فوهَمه إذن في عده من يسمى "عيسى بن ميسرة" ويروى عن أبي الزناد، رجلين، والصواب أنهما واحد، وهو أيضًا الذي يقال له "عيسى بن أبي عيسى الحناط" فصار له عند البخاري ثلاث تراجم، والله أعلم.
وقد لقب عيسى هذا بـ "الخياط" بالخاء المعجمة المفتوحة والياء التحتية المشددة، وذلك لاشتغاله بالخياطة، ثم اشتغل ببيع الحِنْطة فلقب بـ "بالحنَّاط" بالحاء المهملة المفتوحة وبعدها نون مشددة، وهذا هو اللقب الذي اشتهر عيسى به، ثم اشتغل ببيع الخَبَط -وهو الوَرق المتساقط من الشجر المستعمل في علف الإبل- ولذا لُقب أيضًا بـ "الخبّاط" بالخاء المعجمة والباء الموحدة المشددة/ انظر تهذيب التهذيب ١/ ٢٢٤، ٢٢٥ ترجمة ٤١٧ والإكمال لابن ماكولا/ ٢٧٥. =стр. 579
وقد عُلل بغير ذلك (١) .
٤ - ومذهب رابع: لا يجوز الاستقبال، لا في الصحراء، ولا في البنيان، ويجوز الاستدبار فيهما (٢) وهو أحد القولين عن الحواشي
(١) وهو حُرمة القبلة، مع الجواب عن جواز استقبالها في البنيان، بأنه للضرورة أو المشقة/ عارضة الأحوذي ١/ ٢٤ والمجموع ٢/ ٨٣ وقد قدمت أن هذا هو التعليل المعتمد/ ص ٥٨٤ ت، وسيأتي نقل المؤلف عن شيخه ابن دقيق العيد ص ٦٠٣، وعن ابن شاس من المالكية ص ٦٠٥ ذكر التعليل بأحد أمرين آخرين؛ وهما: خروج المُسْتَقْذَر، وكشف العورة، وكلاهما يعودان إلى حرمة القبلة، وحرمة المصلي.(٢) اشار ابن دقيق العيد إلى هذا القول، وعزاه إلى بعض العلماء دون تحديد، وذكر في تعليلهم لذلك أن الاستقبال أزيد في القبح من الاستدبار، على ما يشهد به العُرف، فمنعوا الاستقبال دون الاستدبار/ انظر إحكام الأحكام ١/ ٥٨.стр. 580
أبي حنيفة (١) وأحمد (٢) والمحكى عند الترمذي عن الشافعي. واحتج هؤلاء بحديث سلمان، [أنه] ليس فيه أكثر من قوله: أجل، لقد نهانا رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة بغائط أو بول (٣) . الحواشي
(١) والقول الثاني بمنع الاستقبال والاستدبار مطلقًا، وهو المشهور عنه كما تقدم، فيكون هذا القول خلاف المشهور عنه، وقد عزاه إليه ابن العربي/ عارضة الأحوذي ١/ ٢٦، والنووي/ شرح مسلم له ٢/ ٢٧٥ مع إرشاد الساري والمجموع ٢/ ٨١ والأبي/ إكمال إكمال المُعلم بشرح صحيح مسلم له ٢/ ٤١، والعيني/ عمدة القاري ٢/ ٢٧٨.(٢) ذكر هذا الترمذي عنه في صدر الباب ص ٤٥٠ وروى عنه أبو داود منع الاستقبال مطلقًا/ مسائل أبي داود لأحمد/ ٢ باب استقبال القبلة بالبول، ومقتضى ذلك إجازته الاستدبار مطلقًا، وقد صرح بعزو منع الاستقبال مطلقًا، وجواز الاستدبار مطلقًا إلى أحمد في إحدى الروايتين، كل من ابن العربي/ عارضة الأحوذي ١/ ٢٦ والنووي في شرح مسلم ٢/ ٢٧٥ مع القسطلاني، أما في المجموع فذكر أنها رواية عن أحمد/ المجموع ٢/ ٨١ وذكر ابن هبيرة أن هذه رواية ثالثة/ الافصاح لابن هبيرة ١/ ٧٦ وذلك مراعاة لأن مجموع الروايات عن أحمد في كل من الاستقبال والاستدبار زادت على روايتين، ولذا ذكر أبو عمر بن قدامة أن لأحمد في استدبار الكعبة بالبول والغائط ثلاث روايات: إحداها: الجواز المطلق المذكور ضمن هذا القول، وثانيها: المنع المطلق، وثالثها: الجواز في البنيان والمنع في غيره/ الشرح الكبير له ٢/ ٨٨، ٨٩ ويلاحظ أن الأخيرين قد دخلا ضمن ما تقدم نسبته لأحمد من الأقوال في الأصل.(٣) تقدم تخريج الحديث ص ٤٥٦ هامش رقم ٣، وقد ذكر النووي والشوكاني استدلال أصحاب هذا القول عمومًا بحديث سلمان هذا/ شرح النووي على مسلم ٢/ ٢٧٠، ٢٧١ مع ارشاد الساري، ونيل الأوطار ١/ ٩٦، ولكن الأبي عزا الاستدلال به إلى أبي حنيفة فقط، وذكر أن وجه الاستدلال قصره على =стр. 581
قلت لم أقف على هذا القول محكيًا عن مذهب الشافعي، في غير كتاب الترمذي، فقد قال الإمام الرافِعي (١) في كتابه في شرح وجيز الحواشي
(١) بفتح الراء وكسر الفاء بعد الألف وفي آخرها العين المهملة، قيل إنها نسبة إلى "رافعان" بلدة من بلاد قزوين، ورُدَّ هذا بأنه ليس بنواحي قزوين بلدة بهذا الإسم، وإنما رافعان نسبة عند العجم بمعنى "الرافعي" عند العرب، وقد اشتهر الرافعي عند العجم بـ "الإمام رافعان" أي "الرافعي وذلك نسبة إلى أحد أجداده الأعلين، وهو الصحابي الجليل "رافع بن خَدِيج" ﵁، كما كان الرافعي نفسه يكتبه بخطه، ورجحه العلائي.
وهو عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل، إمام الدين، أبو القاسم، القزويني الرافعي، الشافعي، كان إمامًا في الفقه والتفسير والحديث والأصول وغيرها، ولُقب بمجتهد زمانه في مذهب الشافعي، وله مؤلفات، منها: شرح الوجيز المذكور في الأصل، وشرح مسند الشافعي وهو كتاب نفيس، والتدوين في ذكر أهل العلم بقزوين وهما مخطوطان حتى الآن، وقد توفي الرافعي بقزوين في ذي القعدة سنة ٦٢٣ هـ، وقيل أول سنة ٦٢٤ هـ/ انظر الأنساب للسمعاني =стр. 582
الغزالي ﵀ (١) - عندما تكلم على آداب قضاء الحاجة.
الثالث: إن (٢) كان في بناء، أو بين يديه ساتر، فالأولى (٣) أنه لا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها. الحواشي
(١) قد سماه الرافعي في مقدمته "العزيز، شرح الجيز" ولكن بعضًا من العلماء تحرزوا في هذه التسمية، فسموه "الفتح العزيز، شرح الوجيز" أي الذي عز على المتخلفين تحصيل مثله، وعز عند المبرزين قدره، كما أوضح ذلك الرافعي بنفسه، وعلى هذه التسمية جرى ابن الملقن في ترجمته للمؤلف، ولكن غيره سماه "فتح العزيز، شرح الوجيز" وبه طبع الكتاب، ومعناه ما فتح الله العزيز به على المؤلف في شرح كتاب الوجيز.
ويعرف أيضًا بالشرح الكبير؛ نظرًا لأن المؤلف اختصره في كتاب باسم "الشرح الصغير"، وعلى ذلك جرى ابن الملقن في تسمية كتابه في تخريج أحاديث وآثار هذا الشرح. كما سبقت الإحالة عليه، وقد وصف غير واحد من العلماء كتاب الرافعي هذا بأنه لم يُصنف في مذهب الشافعي مثله في التحقيقات، وجمع المقاصد والمهمات، وقد طبع هذا الشرح مع المجموع للنووي/ وانظر فيما ذكرته عنه/ مقدمة البدر المنير، لابن الملقن ١/ ٧ ب، ١١ أ، ١٩ ب، ٢٠ أ، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٢/ ٩٤ - ٩٧ وفتح العزيز للرافعي ١/ ٧٥ أصل وهامش مع المجموع للنووي.(٢) في المطبوع "إذا"/ فتح العزيز ١/ ٤٥٨.(٣) في المطبوع "فالأدب"/ فتح العزيز ١/ ٤٥٨ وكذا ذكر النووي في المجموع ٢/ ٧٩، ولكنه عبر بـ "الأولى" في شرح مسلم ٢/ ٢٧٢ مع القسطلاني، وسيأتي نقله عنه في الأصل.стр. 583
وإن (١) كان في الصحراء ولم يستتر بشيء، حَرُم عليه استقبال القبلة واستدبارها، لما روى أنه ﷺ قال: لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول؛ ولكن شرقوا، أو غربوا (٢) .
وروى أنه ﷺ قال: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط لا يستقبل القبلة (٣) .
ولا يحرم ذلك في البناء -وإن كان الخبر مطلقًا- خلافًا لأبي حنيفة، وذلك لما رُوي عن ابن عمر -[﵄] (٤) - قال: رقيتُ السطح مرة، فرأيت رسول الله ﷺ جالسًا على لَبِنَتين، مستقبلًا بيت المقدس (٥) ، ومن استقبل ببيت المقدس بالمدينة، فقد استدبر الكعبة.
وعن جابر قال: نهانا رسول الله ﷺ أن الحواشي
(١) في المطبوع "إذا"/ فتح العزيز ١/ ٤٥٨.(٢) هذا الحديث في المطبوع متأخر عن الذي بعده/ فتح العزيز ١/ ٤٥٩، وهو حديث الباب في الترمذي، وقد تقدم تخريجه ص ٤٥٠ ت، وانظر التلخيص الحبير لابن حجر ١/ ٤٥٩ بهامش فتح العزيز ١/ ٤٥٩.(٣) تقدم تخريج الحديث ص ٤٥٠ هامش ٨، وانظر التلخيص الحبير/ الموضع السابق.(٤) زيادة من المطبوع ١/ ٤٥٩.(٥) إلى هنا لفظ حديث ابن عمر كما سيأتي في الباب التالي، وما بعده من كلام الرافعي، وذكر مثله الخطابي في تعليل النهي عن استقبال بيت المقدس/ معالم السنن ١/ ٢١.стр. 584
تستقبل القبلة بفروجنا ثم رأيته -قبل موته بعام- مُستقبل القبلة (١) .
٥ - ومذهب خامس: وهو جواز الاستدبار دون الاستقبال، في البنيان خاصة، وهو مروي عن الامام أبي حنيفة (٢) .
٦ - ومذهب سادس: وهو تحريم الاستقبال، والاستدبار للقبلتين: الكعبة، وبيت المقدس. نقل عن النخعي (٣) الحواشي
(١) سيأتي الحديث في الباب التالي عند الترمذي، وانظر النص من أول قول الرافعي: "الثالث" إلى هنا في فتح العزيز ١/ ٤٥٨ - ٤٦٠، ولم ينبه المؤلف على انتهاء نقله عن الرافعي هنا، ولكنه بعد ذكر بقية الآراء عاد إلى ذكر بقية كلام الرافعي هذا كما سيأتي، وهذا يشعر القارئ بأن بقية الأراء ذكرها الرافعي أيضًا وليس الأمر كذلك كما يعرف من مراجعة كلام الرافعي في موضعه.(٢) الذي ذكره ابن حجر، والعيني -وهو من الأحناف العارفين بالمذهب- أن هذا القول مروي عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، لا عن أبي حنيفة نفسه، وذكر أن دليل هذا القول هو ظاهر حديث ابن عمر، حيث صرح فيه بأنه رأى النبي ﷺ مستدبر الكعبة، مستقبل الشام/ انظر فتح الباري ١/ ٢٤٦ وعمدة القاري ٢/ ٢٧٨، ٢٧٩.
وقد نقله الشوكاني عن الفتح، ورده بأن دليله وهو حديث ابن عمر فِعْل للرسول ﷺ فلا يعارِض ولا ينسخ النهي العام كما في حديث أبي أيوب وغيرِه/ انظر نيل الأوطار ١/ ٩٦.(٣) عزاه إلى ابراهيم النخعي، ابن عبد البر/ التمهيد ١/ ٣٠٥ وابن حجر العسقلاني، والعيني، وذكرا أن مستند هذا القول حديث معقل الأسدي السابق ذكره ص ٤٥٣ أصل وت. وانظر الفتح ١/ ٢٤٦ وعمدة القاري ٢/ ٢٧٩، وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن هذا القول من وجهين:
أولهما: أن حديث معقل هذا ضعيف؛ لأن في سنده راويًا مجهول الحال -يعني أبا زيد مولى ثعلبة، الراوي له عن معقل، كما تقدم عند تخرجه ص ٤٥٣ ت هامش رقم ٤. =стр. 585
الحواشي
(١) ذكر منهم ابن عبد البر وابن حجر والعيني: "محمد بن سيرين/ التمهيد ١/ ٣٠٥ فتح الباري وعمدة القاري/ الموضعين السابقين، والذي رواه عنه ابن أبي شيبة. كراهة استقبال إحدى القبلتين فقط، دون الاستدبار/ مصنف ابن أبي شيبة - كتاب الطهارات - باب في استقبال القبلة بالغائط والبول ١/ ١٥١.
وعزاه ابن عبد البر إلى مجاهد/ التمهيد ١/ ٣٠٥ ونقل الشوكاني عن "البحر" عزوه إلى عطاء والزهري والمنصور بالله/ نيل الأوطار ١/ ٩٦ وعزاه ابن حجر أيضًا إلى بعض الشافعية/ الفتح ١/ ٢٤٦.
ولهذا عارض ابن حجر والعيني دعوى الخطابي الإجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس لمن لا يستدبر في استقباله الكعبة، لأن مخالفة هؤلاء تنقض دعوى الإجماع/ انظر فتح الباري ١/ ٢٤٦ وعمدة القاري ٢/ ٢٧٩ وأقر ذلك الشوكاني/ نيل الأوطار ١/ ٩٦.
وقد ذكر ابن حجر والعيني والشوكاني أن أصحاب هذا القول استدلوا بحديث معقل الأسدي في النهي عن استقبال القبلتين ببول أو غائط/ الفتح ١/ ٢٤٦ والعمدة ٢/ ٢٧٩ ونيل الأوطار ١/ ٩٦.
ثم تعقب ابن حجر وتبعه الشوكاني - القول المذكور بأمرين:
أحدهما: أن حديث معقل المستدل له به، ضعيف، ومقتضى ذلك رد هذا القول كلية.
وثانيهما: على فرض صحة الحديث فهو خاص بأهل المدينة ومن على سَمْتِها =стр. 586
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = فقط؛ لأن استقبالهم بيت المقدس يستلزم استدبار الكعبة، والعلة استدبار الكعبة، لا استقبال بيت المقدس/ فتح الباري ١/ ٢٤٦ ونيل الأوطار ١/ ٩٦.
أما النووي فذكر عن الأصحاب من الشافعية أنه لا يَحرُم استقبال أو استدبار بيت المقدس لا في بناء، ولا في صحراء، وإنما يكره ذلك، لكونه كان قبلة لنا، وأجابوا عن حديث معقل بأمريين:
أحدهما: ما تقدم من تخصيصه بأهل المدينة ومَن على سَمْتها ... إلخ.
والثاني: أن الرسول ﷺ نهى عن استقبال بيت المقدس حيث كان قِبْلة، ثم نهى عن الكعبة حين صارت قِبلة فجمعهما الراوي/ المجموع ٢/ ٨٠.
ويمكن الجواب عما ذكره ابن حجر ومن تبعه والأصحاب من الشافعية بما يلي:
١ - إن حديث معقل وإن لم يكن إسناده بذاته جيدًا كما قال النووي، ولا حسنًا كما ذكر غيره، فإن له من الشواهد -كما سيأتي ما يرقيه إلى درجة الحسن لغيره على الأقل/ انظر ٣٩٦، ٣٩٧ والمجموع للنووي ٢/ ٨٠ والتيسير للمناوي شرح الجامع الصغير ٢/ ٤٧٧ وبذلك يمكن الاحتجاج به كغيره من أحاديث النهي، وذلك على التفصيل الآتي ذكره عن النووي.
٢ - أن ما ذكره ابن حجر والأصحاب من تخصيص النهي بالنسبة لبيت المقدس بأهل المدينة وما شابهها.
وما ذكره الأصحاب وحدَهُم من أن الجمع بين القبلتين في النهي من تصرف الراوي، هذان الأمران قال عنهما النووي: هذان تأويلان مشهوران للأصحاب، ولكن في كل منهما ضعف.
ثم قال: والظاهر المختار أن النهي (يعني عن استقبال القبلتين) وقع في وقت واحد، وأنه عام لكلتيهما في كل مكان، ولكنه في الكعبة نهى تحريم في بعض الأحوال على ما سبق (يعني كما في القول الثالث مما ذكره المؤلف) وفي بيت المقدس: كونُه كان قبلة فبقيت له حُرمة الكعبة، وقد اختار الخطابي هذا التأويل، فإن قيل: =стр. 587
٧ - ومذهب سابع: أن تحريم الاستقبال والاستدبار في ذلك لأهل المدينة وما وراءها، من الشام، والمغرب، لأنهم في التشريق، والتغريب، لا يستقبلون القبلة، ولا يستديرونها (١) وإليه ذهب الحواشي
(١) ذكر هذا القول أيضًا الحافظ ابن حجر، والبدر العيني وعزياه إلى أحد الشافعية، وهو أبو عوانة، صاحب المُزَني، وذكرا أنه استدل لذلك بعموم قوله ﷺ كما في حديث أبي أيوب "ولكن شرقوا أو غربوا" / فتح الباري ١/ ٢٤٦ وعمدة القاري ٢/ ٢٧٩. =стр. 588
الحواشي
(١) هكذا عزا المؤلف هذا القول للبخاري وقد ترجم البخاري في صحيحه على حديث أبي أيوب الذي معنا فقال: "باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق، ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة" / البخاري مع الفتح ١/ ٤٩٨، فقوله: "ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة" عام، فَيُفهَم منه حملُه "شرقوا أو غربوا" على عمومها، كما قدمت، في حين أن هذا القول يقتضي حمل الأمر على خصوص أهل المدينة ومن على سمتهم، فلا يستقيم هذا مع ظاهر عبارة البخاري، وعليه فلا يعد قائلًا بهذا القول السابع وفد نُوزع البخاري في عبارته، وتصدى غير واحد من شراح صحيحه لتأويلها على معنى غير التعميم لتتفق مع =стр. 589
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = باقي الترجمة، وتندفع المنازعة للبخاري، فقال ابن حجر بعد ذكر عبارة البخاري السابقة: وقد نُوزع في ذلك؛ لأنه يحمل الأمر في قوله "شرقوا أو غربوا" على عمومه، وإنما هو مخصوص بالمخاطبين، وهم أهل المدينة، ويلحق بهم من كان على مثل سَمتهم، ممن إذا استقبل المشرق أو المغرب لم يستقبل القبلة، ولم يستدبرها، وأما من كان في المشرق، فقبلته في جهة المغرب، وكذلك عكسه، وهذا معقول لا يخفى مثله على البخاري، فيتعين تأويل كلامه بأن يكون مُراده: "ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة"، أي لأهل الدينة والشام ولعل هذا هو السر في تخصيصه المدينة والشام بالذكر/ فتح الباري ١/ ٤٩٨.
وقال ابن التين الصفاقسي: إن البخاري "يريد أن قبلة هؤلاء المسلمين ليست في المشرق منهم، ولا في المغرب، بدليل أن النبي ﷺ أباح لهم قضاء الحاجة في جهة المشرق منهم والمغرب، وقال العيني: قلت: معناه: القبلة ما بينهما، ثم أيد ذلك بحديث الترمذي عن أبي هريرة مرفوعًا ما بين الشرق والمغرب قبلة" وبما روى نحوهُ موقوفًا على عدد من الصحابة، ونقل عن البيهقي وغيره أن المراد به أهل المدينة ومن وافقها في القبلة/ عمدة القاري ٤/ ١٢٨.
وقال ابن بطال: تفسير هذه الترجمة: يعني وقبلة مشرق الأرض كلها إلا ما قابل مشرق مكة من البلاد التي تكون تحت الخط المار عليها من المشرق إلى المغرب، فحكم مشرق الأرض كلها كحكم مشرق أهل المدينة والشام في الأمر بالانحراف عند الغائط؛ لأنهم إذا شرقوا أو غربوا لم يستقبلوا القبلة ولم يستدبروها، قال: وأما ما قابل مشرق مكة من البلاد التي تكون تحت الخط المار عليها من مشرقها إلى مغربها، فلا يجوز لهم استعمال هذا الحديث ولا يصح لهم أن يشرقوا ولا أن يغربوا؛ لأنهم إذا شرقوا استدبروا القبلة، وإذا غربوا استقبلوها، وكذلك من كان موازيًا بمغرب مكة، إن غَرَّب استدبر القبلة، وإن شرق استقبلها، وإنما ينحرف إلى الجنوب أو الشمال، فهذا هو تغريبه وتشريقه، قال: وتقدير الترجمة: باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام، والمشرق والمغرب، ليس في التشريق ولا في التغريب، يعني أنهم عند الانحراف للتشريق والتغريب ليسوا مواجهين للقبلة ولا مستدبرين لها/ عمدة القاري ٤/ ١٢٨. =стр. 590
٨ - وبعضهم يشير إلى أن ذلك ممنوع في البنيان إذا كان للمتبرز عنه مَنْدُوحَة (١) . الحواشي
(١) أي سعة وفسحة/ النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، مادة "ندح" ٥/ ١٣٥.стр. 591
وإن أحوجه البنيان إلى الاستقبال أو عَكْسِه جاز. هذا، أو معناه" (١) .
٩ - ومنهم من تَوقَّف (٢) . الحواشي
(١) ذكر ابن العربي قول ابن عمر والشافعي ومالك بمنع الاستقبال والاستدبار في الصحراء، ثم قال: وروى عن مالك أن ذلك -يعني المنع- في موضع يقدر على الانحراف فيه، فأما المواضع التي قد عُمِلت على ذلك، فلا بأس به/ عارضة الأحوذي ١/ ٢٤، فلعل هذا مقصود المؤلف بقوله: "وبعضهم يشير" إلخ.(٢) من قول المؤلف قبل هذا: "و"مذهب خامس" إلى هنا، ليس من كلام الرافعي، ولم ينبه المؤلف على هذا، والمراد هنا التوقف في الأخذ بأي من أحاديث الباب، لتخالفها، منعًا، وترخيصًا، وهذا التوقف يؤول إلى إباحة الاستقبال والاستدبار مطلقًا، وقد أشار إلى ذلك غير واحد من العلماء، فالحازمي ذكر القول بترخيص الاستقبال والاستدبار مطلقًا، وأتبعه بتفصيل وِجْهة القائلين به فقال: ثم القائلون بالرخصة اختلفوا، فمنهم من قال: الأخبار في هذا الباب جاءت مختلفة فيجب إيقافها، وترك الأشياء على الإباحة التي كانت، حكى ذلك ابن المنذر، ومنهم من قال: الأحاديث الأول التي مر ذكرها -يعني الدالة على المنع- منسوخة/ الاعتبار للحازمي/ ٣٨، ونحو هذا ذكر ابن عبد البر/ التمهيد ١/ ٣١٠، ٣١١.
وذكر النووي القول بالجواز مطلقًا، كما تقدم "في القول الثاني في الأصل، ثم قال: "واحتج من أباح مطلقًا بحديثي جابر وعائشة، قالوا: وهما ناسخان للنهي، قالوا: ولأن الأحاديث تعارضت فرجعنا إلى الأصل/ المجموع ٢/ ٨٢ فتح الباري ١/ ٢٤٦.
أقول: وقد تقدم رد القول بالنسخ، وقال ابن العربي: لا نُسلم أن الأصل الإِباحة/ عارضة الأحوذي ١/ ٢٧.стр. 592
وسبب المنع في الصحراء -فيما ذكره الأصحاب- أن الصحراء لا تخلو من مُصَلِّ من ملك، أو جِني، أو إنسي، وربما (١) وقع بصره على عورته.
وأما في الأبنية، فالحُشُوش (٢) لا يحضرها إلا الشياطين، ومن الحواشي
(١) في المطبوع من شرح الرافعي "فربما" ١/ ٤٦٥.(٢) جمع "حش" بفتح الحاء المهملة في أوله، والمراد به الكنيف وموضع قضاء الحاجة، وأصل الحش "البستان" وأُطلِق على الكنيف ونحوِه لأنهم كانوا كثيرًا ما يتغوطون في البساتين/ النهاية لابن الأثير، مادة "حش" ١/ ٣٩٠.
وقال الحافظ ابن حجر: كأنه أي الرافعي يشير إلى حديث زيد بن أرقم مرفوعًا: إن هذه الحشوش مُحْتَضَرة، فإذا أتى أحدُكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث، أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما/ التلخيص الحبير ١/ ٤٦٤ بهامش المجموع.стр. 593
يصلي يكون خارجًا عنها، فيحول البناء بينه وبين المصلِّي، وليس السببُ مجردَ احترام الكعبة (١) .
وقد نُقِل ما ذكروه عن ابن عمر وعن الشعبي (٢) ﵄ انتهى ما ذكره (٣) .
وليس فيه التفرقة بين الاستقبال مطلقًا والاستدبار مطلقًا (٤) ، وفيه التصريح بالعلة، والتعليل بها لا يناسب هذا المذهب الرابع بوجه (٥) .
وقول الرافعي: "إن كان في بناء أو بين يديه ساتر، فالأولى أنه لا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها". الحواشي
(١) تقدم أن الراجح هو التعليل بحرمة الكعبة، خلافًا لهذا الذي نقله الرافعي عن الأصحاب من الشافعية ص ٥٨٤ ت.(٢) إن كان المراد بـ (ما ذكروه) نفس القول بالجواز في الأبنية والمنع في الصحراء فمسلَّم/ انظر التمهيد ١/ ٣٠٨ وإن كان المراد ما ذكره الأصحاب من التعليل لمنع الاستقبال في الصحراء، فهذا مروي عن الشعبي وحده، كما تقدم تخريجه عنه ص ٥٨٤ ت، وقد نبه على هذا الحافظ ابن حجر/ التلخيص الحبير ١/ ٤٦٠، ٤٦١ بهامش المجموع وفتح العزيز.(٣) يعني الرافعي في فتح العزيز، كما تقدم في بداية النقل ص ٥٨٩، ويلاحظ أن المؤلف قد أدخل ذكر الأقوال من الخاص إلى التاسع في أثناء ما نقله عن الرافعي، كما أشرت من قبل، ومن قوله فيما سبق: و"سبب المنع" الى هنا بقية كلام الرافعي الأول.(٤) يعني كما جاء في هذا القول الرابع الذي عزاه الترمذي إلى الشافعي كما تقدم، لكن فيه التفرقة بين الصحاري بدون ساتر، وبين الأبنية وما في حكمها من السواتر.(٥) لأنه لم يفرق في المنع بين الصحاري، وبين الأبنية والسواتر، كما أشرت.стр. 594
قال الشيخ محيي الدين: قال جماعة من أصحابنا: هو مكروه، ولم يذكر الجمهور الكراهة.
والمختار أنه: إن كان عليه مشقة في تكلُّف (١) التحرف عن القبلة، فلا كراهة، وإن لم تكن مشقة للأولى تجنبُه، للخروج من خلاف العلماء، ولا تطلق عليه الكراهة، للأحاديث الصحيحة [فيه] (٢) والله أعلم.
قوله (٣) : "إن كان عليه مشقة فلا كراهة"، يقتضي ثبوت الكراهة حيث لا مشقة، ثم قوله: "وإن لم تكن مشقة فالأولى تجنبه" لا يقتضي ثبوت الكراهة حيث لا مشقة، ليفرق بين أولوية الفعل، وثبوت الكراهة في الترك، لا سيما وقد أتبع التجنب المطلوب، كونَه مسببًا عن الخروج من خلاف العلماء. وربما يقتضي ذلك [أن] (٤) لا كراهة عنده لذاته فتأمَّلْه. الحواشي
(١) بالأصل "تكليف" وما أثبته من شرح النووي على مسلم ٢/ ٢٧٢ مع القسطلاني.(٢) ليست بالأصل وأثبتها من شرح النووي على مسلم/ الموضع السابق، وقد حدد في المجموع أن القائل بالكراهة صراحة هو "المتولى" وأن إمام الحرمين قال: الأدب أن يَتَوقَّى الاستقبالَ والاستدبار، ثم قرر النووي: أن المختار عدم الكراهة كما هنا، وأن الأدب والأفضل الميلُ عن القبلة إذا أمكن بلا مشقة/ المجموع ٢/ ٧٩.(٣) يعني قول الشيخ محيي الدين (النووي) كما تقدم ذكره له.(٤) ليست بالأصل وتوضيح المعنى يَقْتضَيها.стр. 595
والحديث دلّ على المنع من استقبال القبلة لغائط أو بول (١) .
قال شيخنا الإِمام أبو الفتح القُشيري -يرحمه الله-: هذه الحالة تتضمن أمرين:
أحدهما: خروج الخارج المُستقذَر (٢) ، والثاني: كشف العورة.
فمن الناس من قال: المنع للخارج؛ لمناسبته لتعظيم القبلة عنده (٣) . الحواشي
(١) والمنع من استدبارها أيضًا كما هو ظاهر لفظه، وقد قرره شيخ المؤلف ابن دقيق العيد الذي سيأتي النقل عنه/ انظر إحكام الأحكام له ١/ ٥١؛ إلا أن المؤلف اقتصر على ذكر المنع من الاستقبال؛ لأنه هو الذي علق به شيخه أيضًا ما سيأتي في الأصل من بيان محل علة النهي عن الاستقبال للقبلة في حالة قضاء الحاجة.(٢) عبارة الأبي "النجس"/ شرح الأبي على مسلم ٢/ ٤٢ وهو أظهر في المنع، وكذا عبر ابن حجر والعيني "بمواجهة القبلة بالنجاسة"/ الفتح ١/ ٢٤٦ والعمدة ٢٥/ ٢٧٩.(٣) في أكثر من طبعة من الإِحكام "عنه" أي عن الخارج المستقذر/ انظر الإحكام ١/ ٤٧ ط الشعب، نشر عالم الفكر بمصر وص ١٥ من الطبعة الهندية، وقد أيد ابن حجر هذا بما في بعض روايات حديث أبي أيوب وغيره من تقييد النهي عن الاستقبال والاستدبار بالبول والغائط، وبحديث جابر بلفظ "كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا الماء" فدل ذلك على اختصاص النهي بخروج الخارج من العورة، لإِكرام القبلة عن المواجهة بالنجاسة/ الفتح ١/ ٢٤٦، أقول: لكن حديث جابر نهى عن الاستدبار أيضًا بذلك، مع عدم وجود المواجهة.стр. 596
ومنهم من قال: المنع لكشف العورة (١) .
وينبني على هذا الخلافِ، الخلافُ (٢) ، في جواز الوطء مُسقبَل القبلة، مع كشف العورة؛ فمن عَلل بالخارج، أباحه، إذ لا خارج (٣) ، ومَن عَلل بالعورة منعه (٤) . انتهى ما قاله (٥) .
وهو حَسن، لو كان المعلِّل بكشف العورة موافِقًا له على الحكم الذي أشار إليه؛ لكن ليس كذلك؛ فقد قال الشيخ محيي الدين الحواشي
(١) قال ابن حجر: وكان قائله تمسك برواية في الموطأ "لا تستقبلوا القبلة بفروجكم"، ولكنها محمولة على المعنى الأول، أي حال قضاء الحاجة، جمعًا بين الروايتين، والله أعلم/ فتح الباري ١/ ٢٤٦، والموطأ - كتاب القبلة - باب النهي عن استقبال القبلة والإنسان يريد حاجته ٤/ ٨٥ مع أوجز المسالك، ولفظ الرواية "بفرجه".
قال الكاندَهْلَوِي: الأوجه عندي، أن زيادة "بفرجه" ليست للإشارة إلى مثار النهي ليُحتاج إلى الجمع بين الروايات، بل إشارة إلى أن المعتبر هاهنا الاستقبال بالفرج، بخلاف الصلاة، فإن المعتبر فيها الاستقبال بالصدر، فلو استقبل القبلة بصدره، وحول ذكره عنها وبال لم يُكره، بخلاف عكسه، فالمعتبر الاستقبال بالفرج/ انظر أوجز المسالك للكاندهْلَوِي ٤/ ٨٦.(٢) في الإحكام "خلافهم"/ انظر الموضع السابق في الطبعتين، ولكن الناسخ للأصل وضع فوق ما فيه علامة "صح" هكذا، للإشارة إلى تأكده منها في الأصل الذي نقل عنه.(٣) عبارة الأُبي "لعدم ظهور الخارج" وهو الصواب، لأن الوطء من لوازمه خروج المنى، وإن لم يكن ظاهرًا خارج الفرج/ شرح الأُبي على مسلم ٢/ ٤١.(٤) وكذا غيره مما تظهر فيه العورة كالختان، والأستحداد/ انظر الفتح ١/ ٢٤٦ وأوجز المسالك ٤/ ٨٥.(٥) إحكام الأحكام ١/ ٤٧.стр. 597
-﵀: يجوز الجماع في الصحراء، والبنيان مستقبلَ القبلة (١) ، هذا مذهبنا، ومذهب أبي حنيفة، وأحمد، وداود [الظاهري] (٢) واختلف فيه أصحاب مالك: فجوزه ابن القاسم، وكرهه ابنُ حبيب.
والصواب: الجواز، فإن التحريم إنما يَثبُت بالشرع، ولم يرد فيه نهي، والله أعلم (٣) .
وكذلك/ أيضًا قالوا (٤) : إذا تجنب استقبال القبلة واستدبارَها، حالة خروج البول والغائط، ثم أراد الاستقبال، أو الاستدبار حال الاستنجاء جاز (٥) .
فهؤلاء المبيحون للوطء هم المعللون بكشف العورة، كما حكى الرافعي عنهم (٦) ، فلا يَحْسُن أن يُورَد هذا نقلًا، ولكن يَحسن أن يُورَد إلزامًا في المسألتين.
وأما ما حكاه الشيخ محيي الدين، من مذهب مالك، فيحتاج إلى تنقيح: قال ابن شاس (٧) : وفي جواز الاستقبال والاستدبار -مع الحواشي
(١) في شرح النووي المطبوع "مستقبل القبلة" فقدمة، حيث ذُكِرت بعد كلمة "الجماع" ٢/ ٢٧٢ مع القسطلاني.(٢) ليست بالأصل، وأثبتها من شرح النووي/ الموضع السابق.(٣) شرح النووي على مسلم/ الموضع السابق.(٤) أي الشافعية/ انظر شرح النووي على مسلم/ الموضع السابق.(٥) المصدر السابق.(٦) انظر ص ٦٠٠ أصل.(٧) انظر الأُبي ٢/ ٤١.стр. 598
وجود الساتر -وإن لم تكن مراحيض- ومَنعِهما روايتان، سببهما: هل النهي لحُرمة المصلِّين، أو لِحَق أو لحق القبلة؟
وهل ينزل الوطء منزلة قضاء الحاجة، أو يجوز مطلقًا، مستقبلًا ومستدبرًا؛ قولان، مثارهما: هل النهي للعورة، فيستويان؛ أو للخَارج، فيفترقان؟ وحكى ابن سابق عن ابن حبيب: أنه لا يجوز في صحراء، ولا بنيان.
وهذا هو المسلك الذي سلكه شيخنا القشيري -رحمه الله تعالى (١) -؛ ولكنه أطلق في موضع التقييد، وفيما حكاه النووي عن ابن حبيب: الكراهة (٢) ، وابن شاس، يحكي عن ابن سابق عنه عدم الجواز.
وفي الأحاديث السابقة في الباب، حديث مَعقِل: "أن النبي ﷺ نهي أن نَستقبِل القبلتين" (٣) .
قيل: أراد "بالقبلتين: الكعبة وبيت المقدس" (٤) . الحواشي
(١) في كلامه السابق نقل المؤلف له.(٢) المجموع ٢/ ٨٠.(٣) تقدم الحديث وتخريجه وبيانُ ضعف إسناده، لجهالة حال راويه عن مَعقِل، كلما سيأتي في كلام المؤلف بعد سطور؛ لكن سيأتي قريبًا أيضًا ذكره شاهدًا له من حديث عمرو العجلاني، كما أني سأذكر متابعًا لهذا الشاهد في التعليق عليه، ثم أذكر شاهدًا آخر، وأبين أن الحديث بمجموع الطرق يكون حسنًا على الأقل، فيُحتَج به في النهي عن استقبال القبلتين؛ على التفصيل الذي اختاره النووي كما قدمته ص ٥٩٥ ت.(٤) ذكر ذلك الخطابي/ معالم/ السنن ١/ ٢٠.стр. 599
ويُحتَمل أن يكون احترام البيت المقدس (١) ، إذ كان قبلة لنا مَرة (٢) . أو يكون ذلك من أجل استدبار الكعبة؛ لأن من استقبله بالمدينة استدبر الكعبة (٣) .
وقد قال أصحابنا (٤) : لا يَحرم استقبال بيت المقدس، ولا استدباره بالبول والغائط؛ لكن يكره.
فلو ثبت الحديث (٥) طولبوا بالفَرق على التأويل الأول (٦) ؛ لكن الحواشي
(١) كذا الأصل، وعبارة الخطابي: "هذا يحتمل أن يكون على معنى الاحترام لبيت المقدس ... الخ"، المعالم/ الموضع السابق، وهي أوضح، ويظهر منها مدى اعتماد المؤلف عليه وإن لم يصرح.(٢) فبقيت له حُرمة الكعبة، كذا زاده النووي، وأقر هذا التأويل وذكر اختيار الخطابي له/ المجموع ٢/ ٨١.(٣) من قوله: "أو يكون ذلك ... " إلى هنا هي عبارة الخطابي مع تصرف يسير/ المعالم ١/ ٢١.
وقد قال النووي عن هذا التأويل: إن فيه ضعفًا/ المجموع ٢/ ٨١.(٤) يعني من الشافعية، والعبارة إلى قوله: "لكن يكره" في شرح النووي على مسلم، مع اختلاف يسير/ شرح النووي على مسلم ٢/ ٢٧٢ وذكرها مع تفصيل أكثر في المجموع ٢/ ٨٠.(٥) هذا وما بعده ليس من كلام النووي، ولكنه من كلام المؤلف، وسيأتي تقرير ثبوت الحديث، وصلاحيته للحجة كما أشرت قبل قليل.(٦) وهو أن سبب النهي عن استقبال بيت المقدس كونُه كان قبلة لنا، فبقيت له حرمة الكعبة، فيقال للأصحاب؛ ما الفرق إذَن بينه وبين الكعبة، حتى جعلتم استقبالَها مُحرَّمًا في بعض الأحوال، واستقبال بيت المقدس مكروهًا فقط؟.
وقد أجاب النووي عن ذلك كما قدمته ص ٥٩٥ ت بإجماع من يعتد به على هذا التفريق في الحكم بين استقبالهما، وانظر المجموع ٢/ ٨١.стр. 600
في إسناده أبو زيد، مولى بَني ثعلبة، راويه (١) عَن مَعقل، ولا نَعرف له حالًا.
وفي معناه ما ذكره ابن عدي من حديث عَمرو بنُ [أبي عَمرو] (٢) العَجَلاني، ومداره أيضًا على: عبد الله بن نافع الحواشي
(١) بالأصل "رواية" والمعنى مستقيم على ما أثبته.(٢) ليست بالأصل وأثبتها من مصادر الترجمة الآتي ذكرها، وهو عَمرو بن أبي عَمرو الأنصاري ثم العَجلاني -بفتح العين المهملة وسكون الجيم، وبنون-، نسبة إلى عَجلان بن زَيد الأنصاري، يكنى بأبي عبد الرحمن، وقيل عبد الله، وقد ذكره ابن أبي عاصم في الصحابة الأنصاريين، وذكر تصريحه بالسماع من النبي ﷺ لحديث النهي عن استقبال القبلتين عند قضاء الحاجة، وكذا ذكر في الصحابة غيرُ واحد من بعد ابن أبي عاصم، ولم أجد من ذكر اسم والد عمرو هذا، وقد قال الحافظ ابن حجر: إنه جرت عادة ابن مَندة إذا لم يُسَمَّ والد الصحابي يَكْنيه باسم ولده، وقد ذكر له أبو نعيم ترجمتين: أُولاهما باسم: عمرو بن أبي عمرو العَجلاني، والثانية باسم: عمرو العجلاني الأنصاري، وذكر فيها نفس الحديث الذي ذكره في الأولى لإثبات الصحبة، وبنفس الإسناد/ معرفة الصحابة لأبي نعيم ٢ / ل ٨٥، ٩٤، ولذا نبه ابن الأثير والذهبي على أنهما ترجمتين لشخص واحد/ أسد الغابة ٤/ ١٢١، ١٢٢ وتجريد أسماء الصحابة للذهبي ١/ ٤١٣، ٤١٤ وانظر الإصابة ٣/ ٨ مع الاستيعاب أيضًا ٢/ ٥٤٢ والمعجم الكبير للطبراني ١٧/ ١٢ والآحاد والمثاني لابن أبي عاصم ل ٢٢٦ والمغنى للفتني/ ١٨٤.
وقد تقدم ذكر المؤلف لهذا الحديث ضمن ما ورد في الباب مما لم يذكره الترمذي، وذكرت هناك تخريجه من الكامل لابن عدي الذي عزاه إليه المؤلف ص ٤٥٧، ٤٥٨، وأضيف هنا: أن ابن عدي قد أخرج هذا الحديث في ترجمة عبد الله بن نافع مولى ابن عمر، ضمن أحاديثه المنتقدة من روايته عن أبيه، وسياق إسناده: قال ابن عدي: حدثنا عبد الرحمن بن ابراهيم، [دُحَيم] ثنا ابن أبي فُديَك =следующие страницы →