Полный текст (909 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وكذلك الإمام أحمد -وهو ممن يتمسك في اتصال السند بثبوت السماع- لم ينف اتصال رواية خالد بن أبي الصلت عن عراك، وإنما نفى اتصال رواية عِراك عن عائشة، فقال: إنما هو عراك عن عروة عن عائشة، ولم يسمع عراك منها/ تهذيب التهذيب ٣/ ٩٨، فقوله: إنما هو عِراك عن عروة عن عائشة، يعني موقوفًا، كما مر عن البخاري، وكما سيأتي عن غيره، وبذلك اعتبر الإمام أحمد رواية الحديث عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت عن عائشة مرفوعًا، منقطعة في موضع واحد بين عراك وبين عائشة فقط.
ثم إن ما تقدم عن البخاري يفيد موافقته لأحمد على عدم الاتصال بين عراك وبين عائشة؛ لأنه أورد رواية حماد بن سلمة المصرح فيها بسماع عِراك من عائشة، ضمن روايات الحديث المعلولة، وأيضًا الإمام أحمد قد نفى سماع عِراك منها، مع تخريجه في المسند -كما تقدم- للرواية المصرح فيها بسماعه منها، وذلك من طريق علي بن عاصم، وقد أجاب أحمد عن ذلك في حوار له مع تلميذه ابن هانئ الأثرم، وذلك لما ذكر هذا الحديث من طريق خالد بن أبي الصلت عن عِرَاك بن مالك عن عائشة عن النبي ﷺ ، به قال الأثرم: قال أحمد بن حنبل: أحسن ما في الرخصة حديث عائشة، وإن كان مرسَلا، فإن مَخرَجَه حسن، قال ابن هانئ: قلت له: فإن عِراكًا يرويه مرَة، ويقول: سمعت عائشة، قال ابن هانئ: فأنكره، وقال: عِراك بن مالك من أين سمع عائشة؟ ما لَه ولِعَائشة؟، إنما يروى عن عروة عنها، هذا -يعني ذِكْرَ السماع- خطأ، ثم لم يكتف الإمام أحمد بذلك، بل قال لابن هانئ: من روى هذا؟ -يعني سماعَ عِراك منها- قال ابن هانئ: قلت: حمادُ بن سلمة عن خالد الحذاء.
فقال أحمد: رواه غير واحد عن خالد الحذاء، ليس فيه: "سمعْتُ"، وقال غير واحد أيضًا: عن حماد بن سلمة، ليس فيه: "سَمعْتُ"، وقد نقل ابن أبي حاتم وغيره هذا الحوار بين ابن هانئ وشيخه أحمد، وأقره معظمهم، ومَن عارَضَة سيأتي الجواب عنه/ انظر المراسيل ١٦٢، ١٦٣ وانظر شرح العلل لابن رجب ١/ ٣٦٧ - ٣٧٢، وتهذيب التهذيب ٣/ ٩٨ ونصب الراية - الصلاة - باب =стр. 667
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ما يفسد الصلاة وما يكره فيها ٢/ ١٠٦ حديث ٩٩ والتمهيد ١/ ٣٠٩، ٣١٠.
وبالتأمل في كلام الإمام أحمد هذا نجده قد ضعف الحديث بما أراد غيره تصحيحه به، وذلك أن خلاصة ما تقدم من كلام الدارقطني والبيهقي والحازمي: أن رواية الحديث من طريق حماد بن سلمة متصلة برواية الثقات، وإن تفاوتت درجة توثيقهم - ثم اعتبروا مَن شارك حمادًا في رواية الحديث بسنده المتقدم، متابعين له على وصل رواية عِراك عن عائشة، وبذلك يتجه الحكم بصحة الإسناد أو حسنه مرفوعًا، عند من قال به.
أما الإمام أحمد فيخالفهم في كلا الأمرين، حيث يقرر لابن هانئ أن مَن شاركوا حمادًا في رواية الحديث، ليس كلهم، ولا أكثرهم متابعين له في الواقع؛ بل كثير منهم خالفوه بعدم ذكرهم لما ذكره هو من سماع عِراك لعائشة، الذي هو محل النزاع، وهو النص الصريح في اتصال السند؛ بل ولم يذكروا ما يقوم مقامه، كالتحديث أو الإخبار، وبالتالي يكون ذكر حماد للسماع هو وبعض المشاركين له في الرواية مرجوحًا؛ لمخالفة الكثيرين له، هذا ما يُفهم من قول الإمام أحمد السابق: "رواه غيرُ واحد -[يعني غيرَ حماد]- عن خالد الحذاء، ليس فيه "سَمِعْت" يعني بين عِراك وعائشة، وقبل ذلك قال عن السماع من طريق حماد: هذا خطأ.
ثم أضاف الإمام أحمد أمرًا آخر تضعف به رواية حماد في حَدِّ ذاتها، وهو أن الرواة عن حماد قد اختلفوا عليه، فبعضهم ذكر السماع المتنازع فيه، وغير واحد لم يذكروه، فكأن من ذكره من الرواة عنه، قد شَذَّ بذكره، لمخالفة الكثيرين له، هذا ما يُفهم قول الإمام أحمد: وقال غير واحد أيضًا: عن حماد بن سلمة، ليس فيه: "سَمِعْت"، يعني بين عراك وعائشة، كما تقدم.
أقول: ومن يراجع ما أسلفت في تخريج الحديث، يجد مصداق كلام الإمام أحمد ﵀، فقد وقفتُ على رواية ثلاثةٍ ممن تابعوا حمادًا -غيرِ علي بن عاصم- وهؤلاء الثلاثة هم: =стр. 668
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ١ - عبد العزيز بن المغيرة المِنْقَري، وقد قال فيه أبو حاتم الرازي: صدوق، لا بأس به، وأقره ابن حجر/ تهذيب التهذيب ٦/ ٢٠٣، والتقريب ١/ ٥١٣، وروايته تقدم تخريجها من زوائد أبي الحسن بن سلمة على روايته لسنن ابن ماجه.
٢ - عبد الوهاب الثقفي، وتقدم أنه ثقة تَغيَّر قبل وفاته بثلاث أو أربع سنوات، فَحُجب عن الرواية ص ٦٣٠ ورواية عبد الوهاب تقدم تخريجها من مسند أحمد ومصنف ابن أبي شيبة وغيرهما.
٣ - أبو عبد الله -ولم أهتد لمعرفة اسمه- وقد تقدم تخريجُ روايته من علل الترمذي الكبير.
ولم يَذكر أيٌّ من هؤلاء الثلاثة ما ذَكره حماد بن سلمة من سماع عِراك من عائشة، ولا ما يقوم مقامه في إفادة الاتصال.
أما رواة الحديث عن حماد فيما تقدم تخريجه فعددهم تسعة، وهم: أبو كامل الجَحْدري ووكيع بن الجراح، وبَهز بن أسد، ويزيد بن هارون، وأبو داود الطيالسي، وحجاج بن المنْهال، وأسد بن موسى، ويحيى بن إسحق، وموسى بن إسماعيل.
ولم يُذكَر سماع عِراك من عائشة إلا في رواية موسى بن اسماعيل فقط، وقد أتبعها البخاري برواية أخرى لموسى نَفْسِه عن غير حماد، وفيها ذكر "عَمْرة" بين عِراك وعائشة، كما تقدم، فاختلَفَتْ روايته كما ترى، وقد ضَعَّف البخاري كِلْتا الروايتين بالاضطراب كما تقدم، وقد خالف موسى الأكثرون المشاركون له في رواية الحديث عن حماد، كما ترى، حيث لم يذكروا ما ذكره من سماع عراك لعائشة، وبالتالي يُعد ذِكْرة للسماع شاذًا؛ لمخالفة الأكثرين له.
وأيضًا تقدم أن رواية يزيدَ بنِ هارون قد اختلِفَ عليه فيها، فرواها عَليٌّ بن شيبة عن يزيد عن حماد، وفيها ذكر "عروة" بين عراك وبين عائشة، ورواها الإمام أحمد عن يزيد عن حماد، بدون ذكر "عروة"، وتقدم أن رواية أحمد هي الراجحة. =стр. 669
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وبمقتضى تلك المخالفة في ذكر سماع عِراك لعائشة، سواء ممن شاركوا حمادًا في رواية الحديث عن الحذاء، أو ممن رووه عن حماد نفسِه، رجَّح الإمام أحمد انقطاع إسناد الحديث مرفوعًا على الاتصال والسماع، واعتبر ذِكْرَ السماع خطأ ممن ذكره، ويؤيده ما تقدم عن البخاري وما سيأتي عن غيره.
ولا ينافي هذا ما جاء عن أحمد نفسِه في صدر كلامه السابق، من أن "الحديث من طريق خالد بن أبي الصلت عن عِراك عن عائشة مرفوعًا، "هو أحسن ما رُوِي في الرخصة -وإن كان مُرسلًا- فإن مَخرجَه حسن"، وذلك لأنه قد أبقاه على انقطاعه، وقَصر التحسين على حال رواته فقط كما هو واضح من تقييده الحُسْن بالمَخْرَج، وهُم الرواة، أو مَن عليه مدار الحديث منهم -كما تقدم.
وقد ذكر ابن رجب أن الإمام أحمد يعنى بالإرسال: أن عِراكًا لم يسمع من عائشة، ثم أراد ابن رجب توجيه تحسين أحمد للحديث، فقال: فلعله حَسَّنه؛ لأن عِراكًا قد عُرِف أنه يَروى حديث عائشة عن عروة عنها/ شرح العلل ١/ ٣١٢.
أقول: قول ابن رجب: "لَعله حسنه ... الخ" يُشير إلى عدم جَزمه بذلك، ومقتضى ما ذكره أن أحمد قد حَسَّن الحديث مرفوعًا باعتبار بعض الطرق الأخرى الموصولة بذكر "عروة" بين عِراك وبَين عائشة، أي أنه حسنه لغيره على الاصطلاح؛ لكن هذا يُعكر عليه ما ذكره البخاري آنفًا، وما سيأتي أيضًا عن غيره، من أن الروايات الموصولة بذكر عُروة بين عراك وبين عائشة، الراجحُ منها هو الموقوف على عائشة وليس المرفوع، ومن جهة أخرى فإن أحمد نفسَه قد تقدم ترجيحه لانقطاع المرفوع وتخطئة مَن وَصلَه، فلا يتجه اعتمادُه له في تحسين الحديث، وتقدم أيضًا أن الرواية المرفوعة التي فيها ذِكْر "عروة" تعد شاذَّة، ولهذا فالأولى تفسير الحُسْن في كلام الإمام أحمد بغير الحُسن الاصطلاحي، كما فُسِّر قوله، وقول غيره: "أصح ما في الباب كذا" بغير الصحة الاصطلاحية، فقد سأل أبو داود أحمد: أي حديث أصح في: أفطر الحاجم والمحجوم؟ "، قال: حديث ابن جُريج عن مكحول عن شيخ من الحي عن ثوبان/ الاعتبار للحازمي/ ص ١٤٠، وهذا الإسناد فيه مجهول كما ترى"، فهو ضعيف، فيكون قوله: =стр. 670
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = "أحسن ما رُوي في الرخصة" أي أمثل الضعيف المروي مرفوعًا في هذا أو أقواه، وذلك بالنظر إلى حال رواته، دون اتصال سنده، بدليل قوله: "وإن كان مُرسَلًا، فإن مَخَرجَه حَسن".
وبذلك يتفق قوله بالتحسين للحديث مرفوعًا، مع ترجيحه لانقطاعه، ويلتقي أيضًا مع باقي الآراء المرجحة لوقف الحديث، على رفْعهِ عمومًا، كما سنذكره.
وسيأتي للمؤلف أيضًا صَرْف التحسين في كلام أحمد هذا عن الحُسن الاصطلاحي إلى حُسْن الاستدلال بمتنه؛ لتصريحه بالحكم المتنازَع فيه، وهو التفريق بين الأبنية وبَينَ غيرها/ انظر ص ٦٩١.
ويتفق مع الإمام أحمد والبخاري في تقرير انقطاع رواية عِراك عن عائشة: موسى بن هارون حيث قال: لا نعلم لِعِراك سماعًا من عائشة/ تهذيب التهذيب ٧/ ١٧٤، وكذا رجح انقطاعَه المؤلفُ وغيرُه، كما سيأتي في الأصل ص ٦٨٤، ٦٩٢، ٦٨٥.
لكن الإمام ابن دقيق العيد عارض هُو وغيرُه القولَ بانقطاع الاسناد بين عراك وبين عائشة، فذكر ابن دقيق العيد: أنه وإن كان لِعرِاك أحاديث عديدة عن عروة عن عائشة؛ ولكن لقائل أن يقول: إذا كان الراوي عن [عِراك] قولَه: "سمعْتُ" ثقة، فهو مقدم؛ لاحتمال أنه لقي الشيخَ بعد ذلك فحدَّثه، إذا كان ممن يمكن لقاؤه، وقد ذكروا سماع عِراك من أبي هريرة، ولم ينكروه، وأبو هريرة تُوفي هو وعائشةُ في سنةٍ واحدة، فلا يبعد سماعهُ من عائشة، مع كونهما في بلدة واحدة، ولعل هذا هو الذي أوجب لسلم أن أخرج في صحيحه حديث عِراك عن عائشة من رواية يزيد بن أبي زياد مولى ابن عباس عن عِراك عن عائشة: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها (الحديث) -وسيأتي تخريجه- ثم قال ابن دقيق العيد: وبعد هذا كلِّه، فقد وقعت لنا رواية صريحة بسماعه من غير جهة حماد بن سلمة التي أنكرها أحمد، أخرجها الدارقطني عن علي بن عاصم ... ، وذكر الحديث كما تقدم تخريجه/ انظر نصب الراية - الصلاة ٢/ ١٠٧، ١٠٨ ح ٩٩.
أقول وقد ذكر الشيخ أحمد شاكر ﵀ رواية حماد بن سلمة من تاريخ =стр. 671
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = البخاري كما تقدمَت، ثم حذف إعلال البخاري لها!، ثم ذكر خُلاصة كلام ابن دقيق العيد المتقدم، واعتبر مجموع الأمرين تحقيقًا علميًا نادرًا تَوصل به إلى تصحيح الحديث بسند متصل بالسماع الثابت، وعلى شرط مسلم/ هامش المحلي لابن حزم/ الطهارة ١/ ٢٦١ - ٢٦٤.
وما ذكره ابن دقيق العيد قد سبقه إلى نحوِه الحافظ رشيد الدين أبو الحسين العطار، ما عدا ذكر رواية علي بن عاصم، وقد نَقل المؤلف في الأصل كلامه كما سيأتي قريبًا، ومقصود الرشيد العطار بما ذَكَر الجوابُ عن إيراد مسلم لحديث عِراك بن مالك عن عائشة في صحيحه/ انظر غُرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة، لأبي الحسين يحيى بن علي، المعروف بالرشيد العطار/ ق ١٥ ب، نسخة برلين.
أما الحافظ شهاب الدين البوصيري فإنه قد ذكر ما تقدم من إعلال البخاري لرواية الحديث مرفوعًا، وترجيح رواية الوقف، ثم قال: وهذا الذي علَّل به البخاري، ليس بقادح؛ فالإسناد الأول -يعني إسناد حماد بن سلمة عن الحذاء عن ابن أبي الصلت عن عراك عن عائشة- حَسن، رجالُه ثقات معروفون، وقد أخطأ من زعم أن خالد بن أبي الصلت مجهول، ثم قال: وأقوى ما عُلِّل به هذا الخبر: أن عِراكًا لم يسمع من عائشة، نقلوه عن الإمام أحمد، وقد ثبت سماعه منها عند مسلم/ مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه للبوصيري، بتصحيح الكشناوي - الطهارة - باب الرخصة في ذلك ١/ ٤٧.
ومجموع ما تقدم عن ابن دقيق العيد وأبي الحسين العطار، والبوصيري والشيخ أحمد شاكر ﵏ لا ينهض مُستَندًا لتصحيح الحديث أو تحسينه، ويمكن الجواب عنه من وجوه:
أحدها: أن الاسنادَ المذكور، مدارُه على خالد بن أبي الصلت، وقد تقدم أن حديثه في مرتبة الحسن فقط، لا الصحيح، وقد اقتصر البوصيري كما مر - على تحسين هذا الحديث فقط، وكذا جزم النووي بتحسينه في شرحه لمسلم ٢/ ٢٧٠ بهامش القسطلاني، وأما في شرح المهذب فجمع بين تحسينه والتنبيه على إعلال =стр. 672
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = البخاري له فقال: وإسناده حسن؛ ولكن أشار البخاري في تاريخه، في ترجمة خالد بن أبي الصَّلْت إلى أن فيه عِلة/ المجموع شرح المهذب مع فتح العزيز ٢/ ٧٨ - كتاب الطهارة.
وبهذا لا يُسَلَّم القولُ بصحة الحديث -كما ذكر الشيخ أحمد شاكر- لا على شرط مسلم، ولا على شروط الصحة المذكورة في تعريف الصحيح عند المحدثين، وسيأتي ردُّ القولِ بتحسينه أيضًا.
ثانيها: قول البوصيري: "رجال الحديث ثقات معروفون" يجاب عنه بأن ثقة الرواة لا تستلزم اتصال السند، ولا تغني عنه.
وقول ابن دقيق العيد: "إنه إذا كان الراوي للسماع ثقة فهو مقدَّم" يجاب عن ذلك بأن تقديم ما يثبته الثقة ليس على إطلاقه، ولكنه مقيد بعدم وجود مُعارِض أرجح منه، بكونه أوثق أو أكثر عددًا، أو نحو ذلك من المرجحات؛ فإن وُجِد هذا المعارِض كان هو المعتمد، وكان ذكر السماع من الثقة مرجوحًا أو شاذًا، وهذا ما قرره الإمام أحمد عندما ذُكِر له وُرود السماع من طريق حماد بن سلمة، حيث أثبت معارضته بمن هو أرجح منه، لكثرته، وبالتالي شذوذ أو مرجوحية رواية حماد ومن وافقه قي إثبات السماع، ومن العروف أن من شروط الصحة والحُسن عند جمهور المحدثين السلامةَ من العلة ومن الشذوذ، المُعرَّف بأنه مخالفة الثقة بمن هو أرجح منه/ انظر النكت لابن حجر ١/ ٢٣٦، ٣٨٧ ونزهة النظر له أيضًا - زيادة الثقة/ ٣٤، ٣٥.
ثالثها: ما ذكره البوصيري من أنه ثبت عند مسلم سماع عِراك من عائشة، فهذا غير مُسلَّم أيضًا؛ لأن الذي في صحيح مسلم روايته عنها بالعنعنة، كما سيأتي تخريج الرواية المشار إليها قريبًا، وانظر صحيح مسلم ٤/ ٢٠٢٧ وسلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للشيخ ناصر الدين الألباني ٢/ ٣٥٧.
ولهذا فإن ابن دقيق العبد والرشيد العطار قد وَجَّها إخراج مسلم لحديث عراك عن عائشة بأنه اعتمد على تعاصرهما وإمكان اللقاء، ولم يَذكُرا ثبوت السماع عنده صراحة. =стр. 673
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وقال العلائي أيضًا -بعد ذكر رواية مسلم المشار إليها-: والظاهر أن ذلك على قاعدته المعروفة/ تحفة التحصيل/ ق ١٧٦ أ.
أقول: وينبغي التنبه إلى أن قاعدة مسلم التي أشار إليها العلائي، بجانب اشتراطها المعاصرة الممكن معها اللقاء، وعدم التدليس، تَشترِط أمرًا آخر، وهو عدمُ وجود دلالة بَيِّنة تنفي اللقاء أو السماع، كما سيأتي نقل المؤلف لذلك في كلام أبي الحسين العطار، وانظر أيضًا صحيح مسلم - باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن ١/ ٢٩، ٣٠، ٣٣، وهذا الشرط غير مُتحقق هنا، حيث إن الإِمام أحمد والبخاري وغيرهما -كما تقدم- نفوا سماع عراك عن عائشة،/ ودلَّل الإمام أحمد على ذلك بشذوذ ومرجوحية الروايات التي جاء فيها ذكر السماع صريحًا.
وقد أشار ابن القيم إلى ذلك، فقال: فإن قيل: قد روَى مسلم في صحيحه حديثًا عن عراك عن عائشة، قيل: الجواب: أن أحمد وغيرَه خالفه في ذلك، وبينوا أنه لم يسمع منها/ تهذيب سنن أبي داود، لابن القيم مع معالم السنن ١/ ٢٣.
ومن جهة أخرى يجب التنبيه إلى أن إخراج مسلم لحديث عِراك عنها مع رجحان الانقطاع بينهما ليس بقادح في شرطه -عند التأمل-؛ وذلك لأن مسلمًا أخرج الحديث أولًا من طريقين بسند متصل عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن عروة عن عائشة، ثم أَتْبعه برواية عِراك عن عائشة/ انظر صحيح مسلم - كتاب البر والصلة ٤/ ٢٠٢٧ ح ١٤٧، ١٤٨، فهي متابعة للرواية الأولى، وليست هي الرواية الأصلية التي اعتمد عليها في تصحيح الحديث، والمتابعة والشاهد يُكتفَى فيهما بمثل هذه الرواية، ولا تقدح في صحة أصل الحديث من الطريق أو الطرق الأخرى.
وبمثل هذا أجاب أبو الحسين العطار نفسه عن بعض الأحاديث التي أقر بأن مسلمًا رواها منقطعة في الشواهد، فقال: إذا كان الحديث ثابتًا متصلًا من وجه صحيح ثم رُوى من وجه آخر دونه في الصحة، وفي اتصاله نظر، فلا يؤثر ذلك في ثبوته واتصاله من الوجه الآخر/ المصدر السابق/ ق ١٤ أ. =стр. 674
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وهذا الجواب عن إخراج مسلم لرواية عِراك هذه، أمتنُ من الجواب عنه بإمكان سماع عِراك من عائشة؛ لأنه أمر مرجوح، كما تقدم بيانه.
وأما إثبات سماع عِراك من أبي هريرة فهو مُسوغ فقط لإمكان سماعه من عائشة؛ ولكن لا يستلزمه بالقطع، خاصة مع وجود معارض أقوى بالنفي.
رابعها: وأيضًا ما ذكره ابن دقيق العيد في الرواية المصرحة بسماع عِراك من عائشة، وذلك من طريق علي بن عاصم، فيجاب عنه بما تقدم من تضعيفه من قِبَل حفظه، وقد كان مما انتُقِد عليه، أحاديث عن خالد الحَذَّاء، حتى أنكر الحذاء نفسه عددًا منها لما سُئل عنها، وكذبه فيها وحذَّر منه/ تهذيب التهذيب ٧/ ٣٤٤ - ٣٤٧، ولم نجد لِعَلي هذا متابعةً سالمةً من الانتقاد، حتى يمكن تقويته بها، والاعتماد عليها، كما مرَّ بيانُه، ولم تكن روايته هذه خافيةً على الإمام أحمد الذي رجح الانقطاع؛ لأن عليا من شيوخه الذين عرفهم جيدًا، وقد سئل عن أخطائه فقرر أنها لا تنزل به إلى درجة المتروك؛ فلم ير بالرواية عنه بأسًا، وقد أخرج عنه هذا الحديث فِعلًا في المسند كما تقدم في التخريج، وبه يتعقب ابن معين في قوله: إن أحمد لم يُحدث عن عَلي هذا بشيء/ انظر تهذيب التهذيب ٧/ ٣٤٥، ٣٤٧؛ لكن أحمد مع هذا رجَح انقطاع رواية عِراك عن عائشة كما تقدم، فَدل على عَدم اعتداده برواية على هذه مع وجودها عنده، وهو أخبر بشيخه من غيره.
وكذلك البخاري الذي أخرج رواية حماد بن سلمة التي فيها تصريح عِراك بالسماع من عائشة؛ قد أعلها بترجيحه عليها الرواية الموقوفة على عائشة والتي فيها ذكر عروة بينهما وبين عِراك، كما تقدم.
ولم ينفرد أحمد والبخاري بهذا، بل قرر ذلك أيضًا الحافظ ابنُ عساكر في تاريخه/ انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني ٢/ ٣٥٦، وكذا قرره أبو حاتم الرازي، بعد فحصه وتتبعه بنفسه لطرق الحديث؛ فقد قال ولده: سألت أبي عن حديث رواه حماد بنُ سلمة عن خالد الحَذاء، عن خالد بن أبي الصلت عن عِراك بن مالك قال: سمعت عائشة تقول: سمع النبي =стр. 675
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ﷺ (الحديث) قال أبي: فلم أَزل أقفُو أثرَ هذا الحديث حتى كتبتُ بمصر عن إسحق بن بكر بن مضر (و) غيره عن بكر بن مُضر عن جعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك عن عروة عن عائشة، موقوف -يعني أنها كانت تنكر قولهم: لا تُستَقْبلُ القبلة، ببول أو غائط، كما مر في رواية البخاري- قال أبو حاتم: وهذا أشبه/ علل الحديث لابن أبي حاتم - الطهارة ١/ ٢٩ ح ٥٠.
وجاء في تهذيب التهذيب عنه أيضًا: أن من قال في هذا الحديث: عن عِراك سمعت عائشة، مرفوعًا، وَهِم فيه سندًا ومتنًا/ تهذيب التهذيب ٣/ ٩٨.
وقال ابن القيم أيضًا عن رواية الحديث مرفوعًا: هذا حديث لا يصح، وإنما هو موقوف على عائشة، حكاه الترمذي في كتاب العلل عن البخاري، وقال بعض الحفاظ: هذا حديث لا يصح، وله علة لا يُدركُها إلا المُعْتَنُون بالصناعة، المعانون عليها؛ وذلك أن خالد بن أبي الصلت لم يحفظ متنه، ولا أقام إسناده، خالفه فيه الثقة الثَّبْت، صاحب عِراك بن مالك، المختص به الضابط لحديثه، جعفرُ بن ربيعة الفقيه، فرواه عن عِراك عن عُروة عن عائشة، أنها كانت تُنكر ذلك، فبين أن الحديث لعراك عن عروة، ولم يرفعه، ولا تجاوز به عائشة، وجعفر بن ربيعة هو الحجة في عِراك بين مالك/ تهذيب سنن أبي داود لابن القيم، مع معالم السنن ١/ ٢٢.
الخلاصة: وبهذا كله يتضح أن الصواب انقطاع رواية عِراك عن عائشة، وأن القول بتصحيح أو بتحسين حديث عِراك هذا عن عائشة مرفوعًا، ليس له دليل معتمَد، وأن الصواب هو رواية الحديث موقوفًا على عائشة من الطريق الذي أخرجه به أبو حاتم الرازي عن إسحق بن بكر بن مضر عن بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة، عن عِراك بن مالك عن عروة عن عائشة أنها كانت تُنكر قولهم: إذا خرج أحدكم إلى الخلاء فلا يَستقبِل القبلة، هكذا أورده ابن عبد البر في التمهيد ١/ ٣١١،/ وجاء فيه: "جعفر عن ربيعة" وهو خطأ طباعي أو نسخة، وأورده أيضًا البخاري وابن عساكر كما تقدم وقالا: وهذا أصح.
وعندما نبحث أحوال سند تلك الرواية الموقوفة نجدهم كالتالي: =стр. 676
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ١ - إسحق بن بكر بن مضر بن محمد المصري، قال تلميذه أبو حاتم الرازي: لا بأس به، وقال ابن يونس، ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات/ الجرح والتعديل ٤/ ٢١٢، وتهذيب التهذيب ١/ ٢٢٧، ٢٢٨ وقال الذهبي: ثقة مُفْتٍ / الكاشف ١/ ١٠٨.
٢ - وبكر بن مضر -هو والد إسحق السابق- وهو بكر بن مضر بن محمد بن حكيم المصري، أبو محمد، وأبو عبد الله، ثقة ثَبْت من الثامنة/ التقريب ١/ ١٠٧.
٣ - جعفر بن ربيعة، هو جعفر بن ربيعة بن شُرِحْبِيل بن حَسَنَة، أبو شُرَحْبِيل المصري، ثقة من الخامسة التقريب ١/ ١٣٠ وتقدم قول ابن القيم: إنه صاحبُ عِراك بن مالك المختصُّ به الضابطُ لحديثه الحجةُ فيه، ومقتضى هذا ترجيحه على من يشاركه في الرواية عن عِراك عند الاختلاف، كما في حديثنا هذا.
٤ - وعِراك بن مالك المدني ثقة فاضل من الثالثة/ التقريب ٢/ ١٧.
وعلى ذلك يكون إسناد تلك الرواية الموقوفة صحيحًا؛ لاتصاله وثقة رُواته كما ترى، وسلامته من العلة والشذوذ بشهادة الأئمة الأثبات، وبُرجحان جعفر بن ربيعة على مخالفه ابنِ أبي الصلت.
ومع كونه موقوفًا على عائشة فإنه يعتبر مرفوعًا حكمًا؛ لأنه لا يقال بالرأي حيث إنه لا يتأتى لعائشة أن تنكر على غير واحد من الصحابة أمرًا كهذا، دون وقوفها على ترخيص الرسول ﷺ فيه، وإن لم تُصرح بنسبته إليه، ويشهد له أيضًا حديثُ جابر المتقدم.
لكن ابن القيم ﵀ -بعد ترجيحه لتلك الرواية الموقوفة كما مر، أشار إلى إعلالِها هي الأخرى من جهة ثانية، وهي معارضة الأحاديث الصحيحة المشهورة لها- يعني بذلك أحاديث النهي العام عن الاستقبال والاستدبار للقبلة حال قضاء الحاجة، كما تقدمت/ انظر تهذيب سنن أبي داود، لابن القيم - الطهارة - باب الرخصة في ذلك ١/ ٢٢. =стр. 677
قال أحمد: أحسن ما رُوِي في الرخصة حديث عِراك [عن عائشة] (١) -وإن كان مرسَلًا- فإن مخرَجَه حَسن (٢) الحواشي
(١) ليست بالأصل، وأثبتها لوجودها في المصادر التي نقلت قول أحمد، والآتي الإحالة عليها.(٢) روى ذلك عنه الأثرم ضمن حواره السابق ذكره وشرحه ص ٦٧٣، ٦٧٤ ت وانظر نصب الراية - الصلاة الحديث ٩٩ توابعه ٢/ ١٠٦ وما فيه مطابق للنص هنا، وذكره أيضًا ابن رجب في شرح العلل ١/ ٣١١، ٣١٢، وكذا ابن عبد البر مع اختصار/ التمهيد ١/ ٣٠٩، والمَخرَج: هو الموضع الذي خرج =стр. 678
قال الحافظ ضياء الدين، محمد بن عبد الواحد المقدِسي (١) : سَماه مرسَلًا؛ لأن عراكًا لم يسمع من عائشة (٢) .
قال الحافظ أبو الحسين القرشي ﵀ (٣) : وفي سماع الحواشي
(١) ولد سنة ٥٩٦، وأجيز وسمع ورَحَل ونسخ وصنف وصحَّح وليَّن وجرَّح وعدَّل، وكان المرجوع إليه في هذا الشأن، مع شدة التحري في الرواية والورع والتقوى، وتوفي في جمادي الآخر سنة ٦٤٣ هـ وله عدة مؤلفات في الحديث هي مَظِنَّة هذا النص، ولكن معظم مؤلفاته مخطوطة حسب علمي، وأشهر مؤلفاته: كتاب الأحاديث المختارة -قال الذهبي: عَمِل نصفها في ست مجلدات- أقول: وهي مرتبة على مسانيد الصحابة حسب اطلاعي على قطع منها/ انظر تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٠٥، ١٤٠٦ وسير النبلاء ٢٣/ ١٢٦ - ١٣٠.(٢) لم أقف على مصدر هذا القول من مؤلفات الضياء، ولا على مصدر آخر عزاه إليه، ولكن فسَّر ابن رجب الإرسال في كلام أحمد بهذا/ شرح العلل ١/ ٣١٢، وصرَّح أحمد نفسه بذلك في كلامه للأثرم كما تقدم ص ٦٧٣، ٦٧٤.(٣) هكذا ذكر المؤلف هذا الحافظ، بلقبه وكنيته ونسبته، وهو لا يُعرف بأي منها، ولا يذكر كذلك بأي منها عند النقل عنه، ولا في فهارس الكتب المترجم فيها وإنما يذكر ويعرف "بالرشيد" أو برشيد الدين العطار" وهذه أول مرة ينقل فيها عنه المؤلف في هذا الكتاب فكان يجب ذكره له إما باسمه ونسبه، وإما بما هو معروف =стр. 679
عِراك من عائشة نَظَرَ، فإنه إنما يَروي عن عُروة عن عائشة (١) . وقال موسى بن هارون: لا نعلم له سماعًا من عائشة (٢) وقد أخرج مسلم عن عِراك بن مالك الغفاري عن عائشة أنها قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعَمْتُها ثلاثَ تمرات -الحديث (٣) - قال الحواشي
(١) في الغُرر المجموعة يوجد بين العبارة السابقة والتي تليها زيادة نصها "وقد ذكر الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ أن حديثه عن عائشة مرسل"/ الغرر المجموعة ق ١٥ أنسخة برلين.(٢) تهذيب التهذيب ٧/ ١٧٤.(٣) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب البر والصلة والأدب - باب فضل الإحسان إلى البنات ح ١٤٧، ١٤٨، ٤/ ٢٠٢٧ وذلك من طريقين عن =стр. 680
أبو الفضل الحافظ، حفيد (١) أبي سعد الزاهد -في كلامه على هذا الحديث-: هذا عندنا حديثُ مُرسل، واستدل بقول أحمد، و (٢) موسى بن هارون.
ولم يُخرِج البخاري لعِراك عن عائشة، شيئًا (٣) . الحواشي
(١) بالأصل "حميد" وما أثبته من الغرر/ ق ١٥ أ، وكما ذكر المؤلف صاحبَ الغرر بما لا يعرف به، فكذلك ذكر صاحبُ الغرر أبا الفضل هذا، بما لم أتمكن من معرفته به، وبالتالي لم أقف على قوله إلا عند الرشيد العطار في غُرره/ الموضع السابق.(٢) بالأصل "وهو" ولا يستقيم المعنى عليه، والذي في الغرر: واستبدل بما ذكرناه من قول أحمد بن حنبل، وموسى بن هارون/ انظر الموضع السابق.(٣) الى هنا من كلام الرشيد العطار، وما بعده الى قول المؤلف: "قال أبو الحسين ... الخ" ليس في الغرر/ الموضع السابق.стр. 681
وعِراك بن مالك الغفاري المدني هذا، روى عن عبد الله بن عمر، وأبي هريرة، ونوفل بن معاوية، وغيرهم (١) .
روى عنه: سَلْمان بن يَسار، وجعفر بن ربيعة، وابنُه (٢) خُثَيم بن عِراك، وغيرهم (٣) .
وثقه الرازيَّان (٤) وقال عمر بن عبد العزيز: ما رأيت أكثر صلاة منه (٥) ، وقال عبد العزيز بن عمر: ما كان أبي يَعدِلُ بِعِراك أحدا (٦) وقال الواقدي: توفي بالمدينة (٧) في خلافة يزيد بن الحواشي
(١) انظر تهذيب التهذيب ٧/ ١٧٢.(٢) بالأصل "وأبيه" وهوخطأ التصويب من الثقات لابن حبان ٥/ ٢٨١، وتهذيب الكمال ٢/ ٩٢٥ وفي التهذيب: أنه روى عن عِراك: ابناه: خُثَيم وعبدُ الله ٧/ ١٧٢ وضُبِط "خُثَيم" في المغني بالتصغير/ المغني للفتني/ ٩٠ حرف الخاء.(٣) انظر تهذيب التهذيب ٧/ ١٧٢.(٤) الجرح والتعديل ٧/ ٣٨ وتهذيب التهذيب ٧/ ١٧٢.(٥) تهذيب الكمال ٢/ ٩٢٥.(٦) تهذيب التهذيب ٧/ ١٧٢.(٧) كذا جاء في الخلاصة/ ٢٦٤، ولكن في تهذيب الكمال جاءت نسبة القول بوفاته في المدينة الى ابن سعد وحده ١/ ٩٢٦، ثم جاء في تهذيب التهذيب، نقلًا عن تهذيب الكمال: قال ابن سعد وغيره: مات بالمدينة ... الخ وتعقبه ابن حجر بقوله: ولم أر من صرح بأنه مات بالمدينة غير ابن سعد/ التهذيب ٧/ ١٧٣، فلعله لم يطلع على قول الواقدي هذا، ثم قال ابن حجر: كلهم -يعني المتَرْجِمين لعِراك كما في المصادر السابقة- قالوا: مات في خلافة يزيد بن عبد الملك/ الموضع السابق من تهذيب التهذيب. وذكر المزي أن بداية خلافة يزيد كانت سنة ١٠١ هـ بعد وفاة عمر بن عبد العزيز، واستمرت أربع سنين وشيئًا/ تهذيب الكمال ٢/ ٩٢٦.стр. 682
[عبد الملك] (١) , روى له الجماعة (٢) .
قال أبو الحسين القرشي الحافظ -رحمه الله تعالى-: وحديثه عن رجل عنها، لا يدل على عدم سماعه منها بالكلية، لاسيما وقد جمعهما بلد واحد، وعصر واحد، وهذا ومثله، محمول على السماع عند مسلم -رحمه الله تعالى-، حتى يقوم الدليل على خلافه، كما نص عليه في مقدمة كتابه (٣) فسماع عِراك من عائشة ﵂ الحواشي
(١) بالأصل "عبد الله" وفي الخلاصة "معاوية" ٢٦٤ وما أثبته هو الصواب الموافق لما في مصادر الترجمة/ الطبقات لخليفة بن خياط/ ٢٥٧ والكاشف ٢/ ٢٦٠ تهذيب التهذيب ٧/ ١٧٣ وهامش الخلاصة/ الموضع السابق، والثقات لابن حبان ٥/ ٢٨١.(٢) انظر تهذيب الكمال/ الموضع السابق.(٣) انظر مقدمة صحيح مسلم - باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن ١/ ٢٩، ٣٣، حيث قال: إن القول المتفق علبه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديمًا وحديثًا أن كل رجل ثقة رَوى عن مثله حديثًا، وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة، إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئًا، فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسَّرنا، فالراوية على السماع أبدًا، حتى تكون الدلالة التي بيَّنا، ثم قال بعد ذلك أيضًا: وإنما تفقدَ مَن تفقَّدَ منهم سماع رواة الحديث عمن روى عنهم، إذا كان الراوي ممن عُرف بالتدليس في الحديث وشُهِرَ به، فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته ويتفقدون ذلك منه، فتنزاح عندهم علة التدليس.
أقول: وقول مسلم ﵀ فيما تقدم: إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق مَن روى عنه، ولا سمع منه شيئًا، وكذا قول الرشيد العطار كما في الأصل: "حتى يقوم الدليل على خلافه"، كلاهما صريح في أنه عند ثبوت الدلالة البيِّنةِ على عدم اللُّقِي أو عدم السماع، فيؤخذ بها، وفي سماع عِراك من =стр. 683
جائز ممكن، قد ثبت سماعه من أبي هريرة وغيره من الصحابة [﵃] (١) وقال ابن أبي حاتم: سألتُ أبي عن حديث الحواشي
(١) من الغرر التي نقل المؤلف عنها، فما كان له ﵀ حَذْفُها وهذا آخر كلام الرشيد العطار في الجواب عن إخراج مسلم لحديث عراك المذكور عن عائشة، وقد بينت من قبل أنه لو أجاب الرشيد بما ذكَرْتُ من كون مسلم أخرج الحديث متابعة، فلا ينتقد به، لكان جوابًا أقوى من جوابِه هذا بإمكان الاتصال، الذي عُورِض بما هو أرجح منه، وهو الانقطاع كما تقدم.стр. 684
حماد عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت عن عِراك عن عائشة -الحديث- فقال: إِني لم أزلْ أَقفُوا أثر هذا الحديث حتى كتبتُ [بمصر] (١) : عن إسحق بن بكر (٢) بن مضر (٣) عن بكر بن مضر، عن جعفر بن ربيعة عن عِراك بن مالك عن عُروة عن عائشة، موقوف. وهذا أشبه (٤) .
/ وقول الإمام أحمد، في حديث عِراك عن عائشة: إنه أحسنُ ما رُوي في الرخصة، لعله يريد: أحْسَنُ في الاستدلال، وأصرح في الرخصة (٥) وإلا فحديث ابن عمر مُخَرَّج في الكتب الستة -كما قلنا- الحواشي
(١) ليست بالأصل وأثبتُها من المصدر الذي أخذ منه المؤلف وهو العلل لابن أبي حاتم الرازي - الطهارة - ١/ ٢٩.(٢) بالأصل "بكير" وكذا "بكر" الذي يأتي بعده، وكذا في التاريخ الكبير للبخاري ٣/ ١٥٦ وما أثبته من العلل/ الموضع السابق، والكاشف ١/ ١٠٨ والتقريب ١/ ٥٦ وهو الصواب كما تقدم في دراسة إسناد الحديث.(٣) في العلل زيادة "أو غيره" ويبدو أن صوابها "وغيره" لأن ذكر "أو" يشير إلى الشك بين كون الرواية عن بكر أو عن راوٍ آخر مجهول، وبالتالي لا يستقيم ترجيح أبي حاتم للرواية بأنها أشبه، كما في باقي كلامه بعده، وقد نُسِبَ الحديث في التمهيد لبكر بن مضر عن جعفر، به/ التمهيد ١/ ٣١١.(٤) العلل لابن أبي حاتم/ الموضع السابق، وزاد في تهذيب التهذيب ٣/ ٩٨ في هذا النقل عن أبي حاتم: أن من قال فيه: عن عراك سمعت عائشة، مرفوعًا، وَهِم فيه سندًا ومتنًا، فلعله في نسخة العلل التي اطلع عليها ابن حجر.(٥) هذا التفسير من المؤلف للحَسَن في كلام الإمام أحمد يتعلق بالمتن دون الإسناد، لتصريح أحمد نفسه بإرسال السند، ولكن ابن رجب فَسَّره بالحُسْن الاصطلاحي المتعلق بالسند، فقال: فلعله -أي أحمد- حسَّنه لأن عراكًا قد عُرِف أنه يروي حديث عائشة عن عروة عنها/ شرح العلل لابن رجب ١/ ٣١٢، وقد قدمت =стр. 685
ولا عِلة تلحقه فيما نعلم (١) وفي حديث عِراك ما تقدمَت الإشارة إليه من الخلاف في الاتصال، والراجح عدمُه (٢) .
[ومما] (٣) يُعلَّل به أيضًا - ما ذكره الترمذي في العلل: أنه سأل البخاريَّ عنه فقال: هذا حديث فيه اضطراب، والصحيح: عن عائشة قولُها (٤) .
قلت: وقد رواه حماد بن سلمة، عن خالد الحَذَّاء، عن خالد بن أبي الصلت، عن عراك (٥) ، وغَيرُه يرويه عن خالد الحذاء، الحواشي
(١) مقصود المؤلف بحديث ابن عمر هنا الرواية الراجحة وهي رواية "مستدبر القبلة مستقبل الشام" وما بمعناها، لأنها هي المخرَّجة في الكتب الستة، كما تقدم.
أما رواية "مستقبل القبلة" فقد انفرد بها ابن ماجه عن بقية الستة، مع مشاركة جماعة غير الستة له في تخريجها. منهم ابن خزيمة وابن حبان كما تقدم أيضًا.(٢) انظر ص ٦٨٢ ت، ٦٨٤ أصل، ٦٨٥ أصل وت، ٤٨٦ أصل، ٦٨٩ أصل وتعليق- ٦٨٩؛ ٦٩٠ أصل وت.(٣) بالأصل "من" ولا يستقيم المعنى عليه.(٤) ترتيب العلل الكبير لأبي بكر القاضي/ ل ٣.(٥) تقدم تخريج روايته، وبيان حالها ص ٦٥٨ ت - ٦٦٢، ٦٦٥ ت وما بعدها.стр. 686
عن عِراك، فَسقَط "ابنُ أبي الصلت" منه (١) .
وذكر الترمذي في كتاب العلل -أيضًا- أن حديث جابر عن أبي قتادة، غير محفوظ (٢) .
وقال في حديث جابر -المُخَرَّج عنده هنا-: إنه سأل محمدًا عنه، فقال:
رواه غير واحد، عن محمد بن إسحاق (٣) .
فلعل غرابته عمن فوق محمد بن إسحاق فيه، وهي غرابة لا تنافي الحسن الذي وصفه به: فإنها ترجع إلى بعض الإسناد، وقد ذكر أن في بعض (٤) الحديث الذي وصفه بذلك، أحاديث عن قوم من الصحابة، سماهم (٥) ، فلا يعترض عليه في وصفه بعد بالحسن، فهو الحواشي
(١) تقدم تخريج هذه الرواية أيضًا من طرق، وبيان حالها ص ٦٦٣ ت - ٦٦٦ ت، ٦٧٠ ت، ٦٧١، ٦٧٢.(٢) ترتيب العلل/ الموضع السابق، وقد أخرجه الترمذي في العلل بالإسناد الذي أخرجه به في الجامع، ثم تعقبه بما نقله عنه المؤلف هنا: أنه غير محفوظ، وتعقبه في الجامع بأن حديث جابر السابق تخريجه، أصح منه، لأن في سند حديث أبي قتادة ابنَ لهيعة.(٣) ترتيب العلل الكبير/ ل ٣.(٤) كذا الأصل، والذي يستقيم المعنى عليه أن يقال: "في معنى".(٥) حيث قال: وفي الباب عن أبي قتادة، وعائشة، وعمار، ثم أخرج عقيب ذلك حديث أبي قتادة، وأخرجه أيضًا في العلل الكبير كما ذكرت قبلًا ص ٦٩٢ ت وأما حديث عائشة فتقدم تخريج المؤلف له، ثم زدت في التعليق عليه من جانبي استكمال تخريجه وبيان حاله بما خلاصته: أنه قد صح سنده موقوفًا على عائشة، =стр. 687
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ولكنه مرفوع حكمًا/ انظر ص ٦٥٧ أصل وت إلى ٦٩٢ أصل وت.
وأما حديث عمار فلم يتعرض المؤلف لتخريجه ولا للكلام عنه، وقد أورده الهيثمي فقال: وعن عمار بن ياسر قال: رأيت النبي ﷺ مستقبل القبلة -بعد النهي- لغائط أو بول، وعزاه الهيثمي الى الطبراني في الكبير، ثم قال: وفيه جعفر بن الزبير، وقد اجمعوا على ضعفه/ مجمع الزوائد للهيثمي - الطهارة - باب استقبال القبلة عند الحاجة ١/ ٢٠٦.
وأخرجه ابن عدي في الكامل في ترجمة جعفر المذكور، ضمن المنتقد من حديثه، فقال: حدثنا محمد بن علي بن عمرو الحفار ثنا أبو همام ثنا عيسى بن يونس، ثنا جعفر عن القاسم الشامي عن عمار: رأيت النبي ﷺ بعد النهي- يستقبل القبلة ويستدبرها، ثم قال ابن عدي: ولجعفر هذا أحاديث غير ما ذكرت عن القاسم، وعامتها مما لا يتابع عليه، والضعف على حديثه بين/ الكامل ٢/ ٥٥٨ - ٥٦٠.
أقول: وما ذكره الهيثمي من وصف جعفر هذا بالاتفاق على ضعفه فقط، يعتبر من تساهل الهيثمي ﵀ الذي يلاحظ كثيرًا في حكمه على الرواة في المجمع؛ لأن مقتضى وصفه بالضعف فقط أنه يصلح حديثه للمتابعة والاستشهاد، ولكن الذي يقف على أقوال العلماء فيه يجد أكثرهم على شدة ضعفه من ناحية الضبط، وبالتالي لا يصلح للمتابعة ولا للاستشهاد عند الجمهور، وقد نقل ابن الجوزي الإجماع على أنه متروك، وقال ابن حبان كان ممن غلب عليه التقشف حتى صار وهمه شبيهًا بالوضع انظر تهذيب التهذيب ٢/ ٩٠ - ٩٢.
أقول: ولعل هذا محمل قول شعبة بنسبته صراحة إلى وضع الحديث، وقد نص البخاري على ترك روايته عن القاسم خاصة، ويلاحظ أن الحديث هنا عنه/ انظر الكامل وتهذيب التهذيب الموضعين السابقين، وعليه فالحديث من طريق جعفر هذا ليس ضعيفًا فقط كما ذكر الهيثمي، ولكنه ضعيف جدًّا، كما هو مقتضى قول جمهور العلماء فيه.стр. 688
حسن لمحل محمد بن إسحاق (١) .
وأما "أبان بن صالح"، فشيخ مكي، يروي عن أنس، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد وغيرهم (٢) .
روى عنه: ابن عجلان، وابن إسحاق، والحارث بن يعقوب، وابن جُريج، وغير واحد (٣) وثقه الرازيان (٤) ، ويعقوب بن شيبة (٥) ولم يخرج له مسلم (٦) ، ولا البخاري، في الأصول، ولكن البخاري أخرج له استشهادًا، في باب "هل على من لا يشهد الجمعة غسل، من النساء والصبيان؟ " عن مجاهد (٧) . الحواشي
(١) هذه العبارة كما ترى تفيد أن المؤلف يعتبر ابن إسحاق حديثه في مرتبة الحسن لذاته مطلقًا، وسيأتي بعد قليل ذكره لذلك أيضًا بعبارة مقاربة، لكنه سيتبع ذلك بتفاصيل عن درجة حديث ابن إسحاق عند الترمذي وعند غيره مخالفة لهذا، ثم إنه في غير هذا الباب مما سيأتي من شرحه هذا، وفي بعض مؤلفاته السابقة عليه قد قرر أن ابن إسحاق حديثه صحيح لذاته، وحرص على الجواب عما يخالف هذا، وسيأتي بعد قليل عرض ذلك ومناقشته وبيان الراجح بمشيئة الله.(٢) انظر تهذيب الكمال للمزي ١/ ٤٧.(٣) انظر المصدر السابق.(٤) يعني أبا حاتم الرازي وأبو زرعة الرازي، وكذا ابن معين/ انظر الجرح والتعديل ٢/ ٢٩٧.(٥) وغيرهم، انظر تهذيب التهذيب ١/ ٩٤، ٩٥.(٦) يعني مطلقًا، فليس من رجاله كلية/ تهذيب الكمال ١/ ٤٧ وتقريب التهذيب/ ٨٧، وقد تحرف الرمز على ترجمته في الكاشف إلى رمز الكتب الستة، وهو خطأ.(٧) تعليقًا مجزومًا، بلفظ: "رواه أبان بن صالح .. إلخ" البخاري مع الفتح ٢/ ٣٨٢ ح ٨٩٨.стр. 689
وفي "الجنائز" عن الحسن بن مسلم (١) توفي سنة تسع (٢) عشرة الحواشي
(١) تعليقًا مجزومًا بلفظ: "قال أبان بن صالح .. " البخاري مع الفتح - باب الإذخر والحشيش في القبر/ البخاري مع الفتح ٣/ ٢١٣.(٢) كذا الأصل، والذي في أغلب مصادر الترجمة التي ذكرت وفاته "بضع"، وهو أولى من التحديد بتسع، لأن "البضع" يشمل التسع فما دونها، وقد قرر ابن سعد ومن تبعه أن "أبان" ولد سنة ٦٠ هـ وعاش خمسًا وخمسين سنة، ثم قرروا وفاته سنة بضع عشرة ومائة/ طبقات ابن سعد ٦/ ٢٣٤، ٢٣٥ وتهذيب الكمال ١/ ٤٧ وتقريب التهذيب/ ٨٧، ولعل السبب في عدم تحديد ابن سعد سنة الوفاة بالضبط هو عدم تأكده من الشهر الذي ولد فيه "أبان" من سنة ٦٠ هـ، فأصبح الأمر يحتمل ولادته في بداية السنة المذكورة، وبالتالي تكون الوفاة في نهاية سنة ١١٤ هـ أو بداية سنة ١١٥ هـ، ويحتمل ولادته في آخر السنة، وبالتالي تكون الوفاة في نهاية سنة ١١٥ هـ أو بداية سنة ١١٦ هـ على الأكثر، وسيجيء تحديد الذهبي بذلك، أما قول صاحب تراجم الأحبار إنه بناء على جزم ابن سعد بسنة الولادة وبمدة عمر أبان يتعين أنه مات سنة ١١٤ هـ فلا وجه لهذا التعيين، طالما لم نقف على شهر المولد من سنة ٦٠ هـ / انظر تراجم الأحبار ١/ ١١١، وقد جاء في الخلاصة/ ١٥ نقلًا عن طبقات ابن سعد تحديد الوفاة بسنة ١١٥ هـ، وهذا خلاف ما وجدته في المطبوع من طبقات ابن سعد كما تقدم، ومخالف أيضًا لما في أصل الخلاصة وهو تذهيب تهذيب الكمال ١ / ق ٣٠، فقد اتفق الكل على ذكر "البضع" لكن الذهبي ذكر أن أبان مات كهلًا مع قتادة/ الكاشف ١/ ٧٤، ثم في ترجمة قتادة ذكر أنه مات سنة ١١٨ أو سنة ١١٦ هـ الكاشف ٢/ ٣٩٦، وتحرَّف سنة ١١٦ هـ في المطبوع إلى سنة ١١٧ هـ، وما أثبته من مخطوطة الكاشف، ومع أن الذهبي صدر تحديد وفاة قتادة بسنة ١١٨ هـ ثم ذكر التحديد سنة ١١٦ هـ بلفظ "قيل"، مما يشير إلى عدم ترجيحه له، إلا أنه يبدو أنه هو الراجح في وفاة كل من قتادة وأبان، لاتفاقه مع تحديد عمر أبان، وسنة ميلاده، على تقدير أنه ولد آواخر سنة ٦٠ هـ كما قدمت، وعليه يكون التحديد الذي في الأصل هنا بـ "سنة ١١٦ هـ" غير راجح ومحتمل للتحريف من "بضع" إلى "تسع"، والله أعلم.стр. 690
ومائة، بعسقلان، وكان مولده سنة ستين. وقد ذكره الحافظ عبد الغني المقدسي، فقال: روى له البخاري. وأطلق (١) وذلك في العرف، محمول على الاحتجاج، ولم يقع حديثه عند البخاري كذلك، فليعلم (٢) .
وزعم أبو عمر: أن حديث جابر لا يحتج به؛ لضعف أبان بن صالح، وعلله أيضًا، بما خالف فيه ابن لهيعة، من سنده ومتنه (٣) ، وليس ذلك بطائل:
أما أبان، فليس مضطربًا، فقد قلنا بتوثيقه عن غير واحد. وأما الاضطراب، فقد رجح الترمذي حديث أبان، على حديث ابن لهيعة، والله أعلم.
وذكر أبو محمد بن حزم: أن عبد الرزاق، أخطأ فيه، فرواه عن خالد الحَذَّاء عن كثير بن الصلت؛ لأن الحذَّاء لِم يدرك "كثيرًا" قط (٤) ، وقد نبهنا على كون الحديث حسنًا، وكونه غريبًا، وعلى أن الجمع بينهما الحواشي
(١) الكمال للمقدسي ١/ ١٨٩ أ، ب ونص عبارته: "روى له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه".(٢) قد علم هذا، وانظر كيفية روايتي البخاري عنه وتحديد موضعيهما فيما قدمته قريبًا، ولكن سيأتي للمؤلف في هذا الشرح/ ق ١٥٢ أإقرار إطلاق تلك العبارة على خلاف هذا العرف، وانظر ص ٧٠٦، ٧٠٧ ت.(٣) انظر التمهيد له ١/ ٢ / ٣، وقد تقدم نقل كلامه هذا والجواب عنه ص ٦٥٥ ت، ص ٦٥٦ ت بنحو ما ذكر المؤلف هنا.(٤) انظر المحلى ١/ ٢٦٥، وقد ذكر المؤلف كلام ابن حزم، ولم يجب عنه كما ترى، ولكن تقدم جوابنا عنه ص ٦٦٨ ت.стр. 691
على هذه الصورة، لا يتنافى، لكن فيما ذكرته، من كونه حسنًا، أنه من رواية محمد بن إسحاق (١) وليس التحسين من عمل الترمذي، في أحاديث ابن إسحاق مطردًا؛ فإنه تارة يصححها (٢) ، وتارة يحسنها (٣) ، فيحتاج إلى التنبيه على ما صححه منها في مواضعه، لم كان صحيحًا؟ وعلى ما حسنه في موضعه، وهو أولى بالتنبيه، ما الذي قصر به عن التصحيح؟ وهو ربما صحح حديثه في غير ذلك الموضع.
فنقول: هنا قد حصل فيه، مع رواية ابن إسحاق، تفرُّد أبان بن صالح به، الذي كان لأجله غريبًا، كما ذكر أبو عيسى، وقد تبيَّن مِن حال أبان: أن أقصى ما يتفرد به، أنه يكون حسنًا - على ما سبق بيانه، فانضم إلى رواية ابن إسحاق مِن تَفرُّد أبان، ما قصر به عن الصحة، وفيه الحواشي
(١) هذه إشارة ثانية من المؤلف لما قرره قبل قليل، من أن محمد بن إسحاق حسن الحديث مطلقًا، وبالتالي كان حديثه هذا حسنًا، لكنه سيأتي بعد قليل تقريره أنه ليس وجود ابن إسحاق في السند هو السبب الوحيد لتحسين هذا الحديث، ولكن لانضمام سبب آخر معه وهو أن شيخ ابن إسحاق قد انفرد به، وغاية ما ينفرد به أن يكون حسنًا، إلا أن هذا السبب الذي ذكره يعتبر وحده كافيًا في تحسين الحديث ولو لم يوجد معه سبب غيره، ومن ثم سنناقش عبارته في ذلك عند موضعها الآتي إن شاء الله.(٢) وأوَّل ما صححه له في هذا الجامع حديث زيد بن خالد: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، وسيأتي ذكر أمثلة أخرى في التعليق التالي لهذا.(٣) اقتصر المؤلف هنا على ذكر التصحيح والتحسين، ولكنه قد زاد فيما بعد في موضعين آتيين قسمًا ثالثًا وهو ما سكت الترمذي عنه، وذكر أمثلة له، وزاد =стр. 692
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الموضوع بحثًا وتفصيلًا وتحقيقًا، وضح فيه موقفه من حال محمد بن إسحاق ودرجة أحاديثه في جامع الترمذي وفي غيره بصفة عامة. ثم إن هناك قسمًا رابعًا لم ينبه المؤلف عليه، وهو ما أخرجه الترمذي مما دلَّسه ابن إسحاق عن بعض شيوخه الضعفاء، ثم بين الترمذي ذلك وأعل الحديث بمن دلَّسه ابن إسحاق، كما سيأتي.
لذا رأيت من المفيد هنا ذكر خلاصة ما سيذكره المؤلف في الموضعين الآتيين، ليتضح منذ البداية حال ابن إسحاق، ودرجة أحاديثه في جامع الترمذي وفي غيره، ولتكتمل جوانب الكلام عنه في موضع واحد، ثم يحال على هذا الموضع بما سيأتي بعده.
فأول حديث صححه الترمذي في هذا الجامع من رواية ابن إسحاق، هو حديث زيد بن خالد ﵁ في السواك، كما أشرت من قبل، فقد علقه بقوله: وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم (يعني التيمي) عن أبي سلمة عن زيد بن خالد عن النبي ﷺ ، ثم أخرجه مسندًا من نفس الطريق وقال عقبة: هذا حديث حسن صحيح/ جامع الترمذي - الطهارة - باب السواك ١/ ٣٤، ٣٥ ط شاكر.
وفي شرح المؤلف لهذا الحديث علَّق على تصحيح الترمذي للحديث ببيان عدد من أقوال المُوَثِّقِين وعدد من أقوال المجرحين لابن إسحاق بما في ذلك من نسبه إلى الكذب، كما سيأتي، ومن ثم أشار إلى اختلاف العلماء في قبول حديثه ورده، لا سيما في الأحكام، وبين المؤلف بعض الأجوبة الإجمالية والتفصيلية من عدد من العلماء عما انتقد به ابن إسحاق، كما سيأتي ذكر خلاصته.
ثم ذكر المؤلف أن ممن يصحح حديث ابن إسحاق كل من الترمذي وابن حبان، وأعقب ذلك بقوله: أما الترمذي فإنه مع تصحيحه حديثه في بعض المواضع، ربما اقتصر في بعضها على تحسين حديثه، وربما سكت في بعضها فلم يَحكُم بشيء.
ثم ذكر أمثلة لما صححه فقال: فمما صحح فيه حديثه: حديث هذا الباب - =стр. 693
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = يعني حديث السواك المتقدم، وحديث: المذي يصيب الثوب (الطهارة - باب المذي يصيب الثوب ١/ ١٩٧، ١٩٨ ط شاكر) وقال عنه الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ولا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق، في المذي مثل هذا/ شرح المؤلف/ ق ٦٢ أ - ٦٣ ب.
أقول: ورواية ابن إسحاق لحديث المَذْي معنعنة ولكنه صرح بالتحديث عند غير الترمذي كما في مسند أحمد ٣/ ٤٨٥، والحديث أصله المتعلق بالسواك متفق عليه من حديث أبي هريرة/ البخاري مع الفتح - الجمعة - باب السواك لها ٢/ ٣٧٤ ومسلم - الطهارة - السواك ١/ ٢٢٠ ح ٤٢، لكني لم أجد لآخره المتعلق بتأخير العشاء ما يُرقّيه إلى الصحة: انظر مجمع الزوائد - الطهارة - باب المذي ١/ ٢٨٤، وقد دار سند الحديث عند الترمذي وأبى داود وابن ماجه وأحمد والدارمي على ابن إسحاق/ تحفة الأشراف ٤/ ١٠١، ومسند أحمد الموضع السابق، وسنن الدارمي - الطهارة - باب في المذي ١/ ١٥٠.
ثم قال المؤلف: وحديث أوَّل ما بديء به رسول الله ﷺ من النبوة (الرؤيا الصالحة)،/ الشرح/ الموضع السابق، أقول: وقد قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب/ المناقب - باب ٥/ ٢٥٧ ط عبد الرحمن عثمان. وقد صرح ابن إسحاق هنا بالتحديث عند الترمذي، كما أنه لم ينفرد بالحديث بل تابعه عليه غيره من الثقات/ انظر عمدة القاري - باب بدء الوحي ١/ ٤٨.
قال المؤلف: وحديث: يمين الله ملأى (سَحَّاء) / الموضع السابق.
أقول: وهذا الحديث أخرجه الترمذي في التفسير - سورة المائدة، وقال: هذا حديث حسن صحيح ٤/ ٣١٧ وهو معنعن عنده، ولكن لم ينفرد به ابن إسحاق، بل تابعه عليه غيره من الثقات عند البخاري وغيره/ تحفة الأشراف ١٠/ ١٧٦.
وقال المؤلف: وحديث: لم يكذب إبراهيم في شيء قط إلا في ثلاث/ الموضع السابق من الشرح.
أقول: وقد أخرجه الترمذي في التفسير - سورة الأنبياء، وقال: هذا حديث =стр. 694
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = حسن صحيح ٥/ ٤، ورواية ابن إسحاق هنا معنعنة أيضًا، ولكنه لم ينفرد بالحديث/ انظر البخاري مع الفتح ٦/ ٣٨٨، والفتح فقط ٣٩١ ومسلم - الفضائل حديث ١٥٤ جـ ٤/ ١٨٤٠.
قال المؤلف: وحديث: لما توفي عبدُ الله بن أُبي دُعي رسول الله ﷺ إلى الصلاة عليه/ الموضع السابق من الشرح.
أقول: وقد أخرج الترمذي الحديث في التفسير - سورة التوبة - وقال هذا حديث حسن غريب صحيح ٤/ ٣٤٢، ٣٤٣ وفي التحفة: حسن صحيح ٨/ ٤٩ وروايته معنعنة ولم ينفرد به ابن إسحاق أيضًا/ التحفة الموضع السابق.
قال المؤلف: وحديث: لا يحتكر إلا خاطيء/ الموضع السابق من الشرح.
أقول: وقد قال عنه الترمذي: هذا حديث حسن صحيح/ البيوع - باب ما جاء في الاحتكار ٢/ ٣٦٩، ورواية ابن إسحاق هنا معنعنة، ولكن الترمذي أشار إلى وجود أحاديث أخرى في الباب، كما أن ابن إسحاق لم ينفرد بالحديث، بل تابعه عليه غير واحد في الصحيح وغيره/ انظر تحفة الأشراف ٨/ ٤٦٧.
وبهذا نجد أن تلك الأمثلة التي ذكرها المصنف لا يسلم الجزم فيها بأن الترمذي صحح فيها حديث ابن إسحاق لذاته، طالما أنه ليس منفردًا بتلك الأحاديث كما رأيت، وأيضًا فإن الترمذي قد أقر البخاري على إعلاله بعض أحاديث ابن إسحاق بوهمه فيها، أو بمخالفته للأكثرين/ ترتيب العلل الكبير للترمذي، للقاضي أبي طالب ٢/ ٦٧٤، ٦٧٥، ٨٦١، ٨٦٢، وجامع الترمذي - السير - باب منه برقم ٢٠ / جـ ٣/ ٦٧ ط عبد الرحمن عثمان، وأما في علله الصغير فقد ذكر ابن إسحاق ضمن مَن تُكُلِّم فيهم لضعف حفظهم لبعض ما رووا، ووثقهم البعض لجلالتهم وصدقهم/ جامع الترمذي - كتاب العلل ٥/ ٣٩٩، ٤٠٠ والعلل مع شرحه للحافظ ابن رجب ١/ ١٠٣، ١٢٠، وصنيع الترمذي هذا يفيد إقراره لكون ابن إسحاق عدل خف ضبطه، وهذا حد الحديث الحسن لذاته عند الجمهور مع السلامة من الشذوذ والعلة القادحة/ التدريب ١/ ١٥٩، ١٦٠، =стр. 695
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وسيأتي ذكر ما أخرجه الترمذي وأعله، مما دلسه إسحاق عن بعض شيوخه الضعفاء، فيستخلص من مجموع ذلك أنه عند الترمذي في مرتبة من يحسن حديثه لذاته، ما عدا المنتقد عليه بسبب معين كالوهم والتدليس والشذوذ، وما صححه من حديثه فهو لما يعضده من متابع أو شاهد أو تعلقه بالمغازي ونحوها.
ثم قال المؤلف: وحسن من أخباره -يعني حَسَّن الترمذي من أخبار ابن إسحاق: حديثَ: نَتْفِ الشيب/ الشرح الموضع السابق.
أقول: والحديث أخرجه الترمذي في الاستئذان والآداب - ما جاء في نتف الشيب، وقال: هذا حديث حسن، ثم أشار إلى متابعة غير واحد لابن إسحاق في روايته لهذا الحديث عن شيخه فيه، وهو عمرو بن شعيب/ جامع الترمذي ٤/ ٢٠٧ ط عبد الرحمن عثمان.
وقال المؤلف: ومما حسن الترمذي من حديث ابن اسحق: "قدم زيد بن حارثة المدينة، وحديث" ما من مسلم يموت فيصلى عليه ثلاث صفوف من المسلمين"/ الشرح ٦٣ ب.
أقول: وحديث "قدوم زيد بن حارثة المدينة" قال عنه الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث الزهري، إلا من هذا الوجه/ جامع الترمذي - الاستئذان - باب المعانقة ٤/ ١٧٤. ورواية ابن اسحق للحديث بالعنعنة، لكن يفهم من صنيع الترمذي في علله الكبير، أنه كان يتحرى سماع ابن اسحق/ ترتيب العلل لأبي طالب ٢/ ٧١٢ وسيأتي كذلك إعلاله لما دلسه عن الضعفاء من شيوخه.
وحديث "ما من مسلم يموت" أخرجه الترمذي من حديث مالك بن هبيرة وقال: حديث مالك بن هبيرة حديث حسن/ جامع الترمذي - الجنائز - باب كيف الصلاة على الميت والشفاعة له؟ ٢/ ٢٤٦ ط عبد الرحمن عثمان، ورواية ابن اسحق لهذا الحديث معنعنة، وقد استشكل العراقي تحسين الترمذي له، مع عنعنة ابن اسحق واتصافه بالتدليس/ تكملة العراقي لشرح الترمذي مجلد رقم =стр. 696
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ٥٠٩، ورقة ٩٢ ب، وسيأتي تفصيل آخر للعراقي في تدليس ابن اسحق، ولكن المؤلف ذكر الحديث كما ترى مثالًا لتحسين الترمذي لحديث ابن اسحق وأقره، وسيأتي له أيضًا ما يدل على أنه لا يرى تدليس ابن اسحق قادحًا في روايته، وهناك سأحقق الأمر بمشيئة الله تعالى. أما ما سكت عنه الترمذي، فلم يحكم عليه بشيء، فقد قرر المؤلف أن الترمذي قصد بذلك ترك باب النظر في هذا مفتوحًا، حيث أعقب أمثلة التحسين السابقة بقوله: ومما سكت عنه وترك باب النظر فيه مفتوحًا لمن أراده حديث: سأل عثمان بن عفان ﵁ قباب بن أشيم: أنت أكبر أم رسول الله ﷺ ؟ / شرح المؤلف/ ٦٣ ب.
أقول: وهذا الحديث لم يسكت عنه الترمذي، بل أنه يعتبر من أوضح الأمثلة على تحسين الترمذي لحديث محمد بن اسحق لذاته، كما تدل عليه عبارته السابقة، وذلك بحسب الطبعات التي بأيدينا، وتحفة الأشراف، فقد قال الترمذي عنه: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن اسحق/ جامع الترمذي/ المناقب - ما جاء في ميلاد الرسول ﷺ ٥/ ٢٤٩، ٢٥٠ ط عبد الرحمن عثمان، والترمذي مع العارضة ١٣/ ١٠٥ , ١٠٦ وتحفة الأشراف ٨/ ٢٧٣، ٢٧٤ ح ١١٠٦٤.
ثم إن المؤلف ذكر نفس هذا الحديث مرة أخرى، وقرر سكوت الترمذي عنه أيضًا كما سياتي، ولعله بنى ذلك على نسخته من جامع الترمذي، وسيأتي ذكره حديثًا آخر سكت عنه الترمذي، وشرحه المؤلف بنفسه، فكان الواجب تمثيله به.
ثم إن المؤلف بعد ذكره الأمثلة السابقة مما صححه الترمذي أو حسنه أو سكت عنه من روايات ابن إسحق، عاد إلى تقرير رأيه هو في درجة حديث ابن إسحق عمومًا فقال: وسيأتي الكلام على الأحاديث التي حسنها -أي الترمذي- أو سكت عنها من أحاديثه -يعني ابن إسحق-، حديثًا حديثًا في مواضعها إن شاء الله تعالى/ شرح المؤلف/ ق ٦٣ ب.
أقول: وهذه العبارة تفيد أن ما يصححه الترمذي من حديث ابن إسحق، يرى =стр. 697
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = المؤلف عدم حاجته الى كلام في بيان وجه تصحيحه، لأنه هو الأصل في نظر المؤلف، ويؤيد هذا قوله في شرح هذا الباب -كما تقدم في الأصل ص ٦٩٨.
وما حسنه الترمذي أولى بالتنبيه، ما الذي قصر به عن التصحيح؟ ولكنه لا يكتفي بهذا المفهوم من كلامه، بل يقرر صراحة أنه يرى تصحيح حديث ابن اسحق مطلقًا ويردّ القول بتحسين حديثه فقط، وذلك أنه عقب عبارته الأولى قال: وإلى تحسين أخباره يذهب أبو الحسن بن القطان، وهي أخلق بالتصحيح إن شاء الله/ شرح المؤلف/ ٦٤ أ.
أقول: وسيأتي ذكر المؤلف لوجهة نظر ابن القطان في الاقتصار على تحسين حديث ابن إسحق وهي أنه مختلف فيه، فبعض العلماء جرحه وبعضهم وثقه، ولم يترجح توثيقه المطلق، وقد تقدم في هذا الشرح موافقة المؤلف لابن القطان على تحسين حديث من اختُلِف فيه هكذا ص ٣٨٨ ت وما بعدها ولكنه في القول بتصحيح حديث ابن إسحق يعتبر مخالفًا له، ومقتضاه أنه لا يرى رجحان توثيقه فقط؛ بل يرى أنه في المرتبة العليا من الثقة والعدالة والحفظ، كما سيأتي توضيحه قريبًا، ولما كان المؤلف يعلم أن قوله هذا بتصحيح حديث ابن إسحق مطلقًا وما يترتب عليه من علو توثيقه معارض بالانتقادات المجملة والمفسرة الموجهة لابن إسحق، فإنه أتبع القول بالتصحيح المطلق لحديثه بقوله: وقد بسطت القول في ترجمته والاعتذار عن طعن الطاعنين عليه في كتابي المسمى: عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير/ الشرح ق ٦٤ أ.
أقول: وقد راجعت في كتابه هذا ما بسطه فيه فوجدته فعلًا من أوفى ما كتب عن ابن إسحق، فتتبع أكثر وأشدّ الطعون المفسرة ووفق في الجواب عن معظمها، وفي نهاية هذا قال: وما عدا ذلك من الطعن، فأمور غير مفسرة، ومعارضة -في الأكثر- من قائلها بما يقتضي التعديل، ثم قال: وممن يصحح حديثه ويحتج به في الأحكام: أبو عيسى الترمذي ﵀، وأبو حاتم ابن حبان، ثم ختم الترجمة بنقل كلام ابن حبان في كتابه الثقات من الجواب عن أهم ما رمي به ابن اسحق، وعدَّه تعبيرًا عما في نفسه هو بالنسبة لحال ابن إسحق/ انظر عيون الأثر =стр. 698
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ١/ ٨ - ١٧، وسيأتي ذكر خلاصة كلام ابن حبان وغيره بعد قليل ضمن استعراض وتحقيق الأقوال في ابن إسحق.
أما الموضع الثاني الذي تكلم فيه المؤلف عن ابن إسحق فهو شرحه لثاني حديث صححه الترمذي في جامعه من طريق محمد بن إسحق، وهو حديث المذي المتقدم ذكره، فإنه في شرحه له قال: ومدار هذا الحديث على ابن إسحق، وقد تقدم -يعني في حديث السواك السابق- التعريفُ بحاله، وأن من الأئمة من صحح حديثه، ومنهم من يقف (عن) الاحتجاج به في الأحكام، وأما الترمذي فيصحح حديثه تارة، ويحسنه تارة. وساق نفس الأمثلة السابقة لما صححه الترمذي ولما حسنه، ثم قال: وربما ذكر من حديثه ما سكت عنه ولم يعرض له بتصحيح ولا تحسين، وترك باب النظر فيه مفتوحًا لمن أراده ... ثم ذكر نفس الحديث السابق أيضًا الذي مثل به لما سكت عنه الترمذي/ شرح الترمذي للمؤلف ١ / ق ٢٤٧ ب، ٢٤٨ أ.
أقول: وقد قدمت أن هذا الحديث قد مثل به المؤلف في الموضعين لما سكت عنه الترمذي بناء على نسخته هو، ولكن الذي تبين لي أنه غير مسكوت عنه؛ بل صرح الترمذي بتحسينه مشيرًا إلى تقييد ذلك بطريق ابن إسحق التي أخرجه منها كما أسلفت ذكره ص ٧٠٣.
وهناك حديث آخر يصلح مثالًا، حيث أخرجه الترمذي من طريق ابن إسحق وسكت عنه، وشرحه المؤلف، وقرر سكوت الترمذي عنه، فلو مثّل به لصح تمثيله، خاصة وأن موضعه في جامع الترمذي مقدم على هذا الموضع الثاني الذي أعاد المؤلف فيه التمثيلَ لما سكت عنه الترمذي بنفس المثال الأول.
وهذا الحديث الذي سكت عنه الترمذي -بحسب نسخة المؤلف والنسخ الحالية- هو حديث القُلَّتَيْن، فقد أخرجه الترمذي من طريق ابن إسحق معنعنًا وسكت عنه - الطهارة - باب منه برقم ١٥٠/ ٩٧ ح ٦٧ ط شاكر، وانظر تحفة الأشراف ٦/ ٣ ح ٧٣٠٥. =стр. 699
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ومن المفيد هنا أن ننبه على أن الشيخ أحمد شاكر ﵀ اعتبر سكوت الترمذي هذا عن الحديث وإتباعه بذكر أقوال العلماء الأخذين به، يعد إشارة إلى صحة الحديث عند الترمذي وعند من ذكرهم من الآخذين به، وهم الشافعي وأحمد وإسحق بن راهويه، واعتمد الشيخ بدوره تصحيح الحديث، وذلك أنه علق عليه بقوله: لم يتكلم الترمذي على هذا الحديث، وإنما ذكر أقوال العلماء الذين أخذوا به وهذا يشير إلى صحته عندهم وعنده، وهو حديث صحيح، أطال العلماء القول في تعليله، لاختلاف طرقه ورواته، وليس الاختلاف فيه مما يؤثر في صحته/ تعليق الشيخ شاكر على جامع الترمذي ١/ ٩٨ هامش.
أما المؤلف، فإنه استهل شرح الحديث بقوله: هذا حديث سكت عنه الترمذي، ولم يحكم عليه بشيء، ثم ذكر من صححه غير الترمذي واعتمد تصحيحهم له/ شرح الترمذي للمؤلف ١/ ١٤٩ ب - ١٥٣ أ.
وما سلكه المؤلف من إثبات سكوت الترمذي عن الحديث كما هو، ثم الانتقال إلى معرفة درجة الحديث عند غيره، هو المسلك الصحيح، وهكذا سلكه مِنْ بَعدِه العراقي في تكملته لشرح المؤلف/ انظر تكملة العراقي - أبواب الوتر - باب لا وتران في ليلة، مجلد رقم ٥١٠ ج ١٧ ق ١٦ أ، ولم أجد من سبق الشيخ شاكر ﵀ أو وافقه على اعتبار سكوت الترمذي عن الحديث السابق أو غيره تصحيحًا له، وقوله: إن سكوت الترمذي عن الحديث ونقله لقول الآخذين به يشير إلى تصحيح الحديث عنده وعندهم، أقرب ما يُردُّ به أمران:
أولهما: إن الترمذي أصلُ جامعه وميزته المعروف بها تصريحه في الغالب بدرجة الحديث، فالسكوت خلاف الأصل، فيحتاج إلى بيان صاحبه لمراده بالسكوت، وأين البيان؟
الأمر الثاني: إن الأخذ بالحديث ممن ذكرهم الترمذي لا يستلزم الصحة، بل الحَسن أيضًا محتج ومأخوذ به، عند جمهور العلماء، ومنهم الأئمة المذكورون. ومع تقريرنا صحة مسلك المؤلف بالنسبة لسكوت الترمذي عن الحديث، إلا أننا ننبه =стр. 700
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = إلى أن المؤلف نقل عن ابن منده في تأييده لتصحيح الحديث السابق أن محمد بن إسحق أخرج عنه مسلم وأبو داود ... الخ، وقد أقر المؤلف ابن منده على هذا واعتمد تصحيحه للحديث/ شرح المؤلف/ ق ١٥٢ أ، ومن المقرر والمعروف أن مسلمًا لم يخرج لابن إسحق احتجاجًا، بل أخرج له متابعة فقط/ انظر المدخل للصحيحين للحاكم بتحقيق د. إبراهيم الكليب مع تعليقه عليه/ ٥٥٨ أصل وهامش، والميزان للذهبي ٣/ ٤٧٥ وتكملة العراقي لهذا الشرح مجلد رقم ٥١٠ ج ١ / ق ٢٦ أ - ٢٧ ب وهدي الساري لابن حجر/ ٤٥٨، وقد سبق للمؤلف في شرح هذا الباب/ ص ٦٩٧ تعقب الحافظ عبد الغني المقدسي في قوله: "إن أبان بن صالح روى له البخاري "بأنه أطلق القول برواية البخاري له، وأن ذلك في العرف محمول على الاحتجاج، ولم يقع حديثه في البخاري كذلك، أقول: فلعل إقراره المذكور لابن مندة على إطلاق القول بأن مسلمًا أخرج لابن إسحق، سهو منه عن تعقبه المشار إليه للمقدسي، مع أنه تعقب وجيه وموافق لما تعارف عليه العلماء في كتب الرجال، وغيرها من التمييز بين من أخرج له الشيخان، أو أحدهما، احتجاجًا، أو استشهادًا ومتابعة.
ويجدر التنبيه هنا أيضًا إلى أن ابن خلكان في ترجمته لابن إسحق قد ذكر أن مسلمًا لم يخرج لابن إسحق إلا حديثًا واحدًا في الرجم/ وفيات الأعيان ٤/ ٢٧٦، وهذا أيضًا غير مُسلَّم لابن خلكان من وجهين، أحدهما: إطلاقه تخريج مسلم هذا على خلاف العرف المصطلح عليه، وهو الاحتجاج، حيث إن هذا الحديث الذي ذكره وهو حديث الرجم قد أخرجه مسلم لابن إسحق متابعًا لغيره وليس احتجاجًا به وحده/ انظر صحيح مسلم - الحدود - باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا ٣/ ١٣٢٨، ١٣٢٩ ح ٣١ مكررًا.
الوجه الثاني: إن مسلمًا قد أخرج لابن إسحق غير هذا الحديث أربعة أحاديث أخرى وكلها في المتابعات مثل هذا الحديث/ انظر المدخل إلى معرفة الصحيحين للحاكم مع تعليق د. إبراهيم الكليب عليه ٢/ ٥٥٨ وقد خَرَّج د. إبراهيم تلك الأحاديث بهامش الكتاب من مواضعها في صحيح مسلم، فَلْيَتَنبَّه لهذا الوهم =стр. 701
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = المذكور في وفيات الأعيان.
وعمومًا فإن ابن إسحق قد كثر الكلام فيه نظرًا لاتساع مروياته في السير والمغازي والأحكام، حتى قال البخاري: ينبغي أن يكون له ألف حديث ينفرد بها، وروى البخاري عن إبراهيم بن حمزة قال: كان عند إبراهيم بن سعد عن ابن إسحق نحو من سبعة عشر ألف حديث في الأحكام سوى المغازي/ تهذيب التهذيب ٩/ ٤١ والقراءة خلف الإمام للبخاري/ ٣٦، قال الذهبي: يعني بتكرار طرق الأحاديث، فأما المتون الأحكامية التي رواها فما تبلغ عشر ذلك/ السير ٧/ ٣٩، ٤٠، وقال الذهبي أيضًا: وهو أول من دوّن العلم بالمدينة، وذلك قبل مالك وذويه، وكان في العلم بحرًا عجاجًا، ولكنه ليس بالمُجوِّد كما ينبغي/ المصدر السابق ٧/ ٣٥، ولقد كتب بعض المستشرقين عن ابن إسحق باعتباره أحد الرواد الأوائل في التأليف في المغازي/ المغازي الأولى ومؤلفوها ليوسف هورفتس/ ٧٥ وما بعدها.
كما ان الزميل الدكتور مروان شاهين قد جعل رسالته للعالمية (الدكتوراه) سنة ١٣٩٩ هـ من كلية أصول الدين بالأزهر، موضوعها "محمد بن إسحق وجهوده الحديثية" وانتهى فيها إلى تصحيح حديثه كما هو رأي ابن سيد الناس فيما تقدم.
والذي تبين لي خلاف ذلك؛ لأن ابن إسحق قد اجتمع فيه من أقوال النقاد ما يمثل معظم مناهج النقد ومدارسه، فجاء من أقوال النقاد فيه: الجرح والتعديل، مطلقين ومقيّدين ومجملين ومفسرين، ومن الجرح له المفسر، ما هو قاح وما ليس بقادح، ومنه ما صدر من بعض الأقران، ومنه ما صدر من غيرهم، ومن توثيقه ما هو أعلا التوثيق، ومنه ما هو أوسطه، ومنه ما هو أدناه، والجرح كذلك، ومن الجرح والتعديل له ما صدر من متشدد، وما صدر من معتدل، وما صدر من متساهل، وما صدر عن سبر مروياته وفحصها، وما صدر عن شهادة الغير، ومن النقاد أيضًا من تعدد قوله فيه جرحًا وتعديلًا، ومنهم من أشار إلى الخلاف فيه دون ترجيح، ومنهم من رجّح، وتصدي غير واحد من المحققين للجواب عن أكثر ما انتقد به ابن إسحق مع التسليم ببعض الانتقادات =стр. 702
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = المقيدة، ومن ثم الجمع بينها وبين التوثيق المطلق، وذلك في تقديري هو الأولى بالاعتماد، كما سيأتي، ولكن المؤلف بعد تصريحه في هذا الباب بتحسين حديثه، كما مر، أشار في شرح الباب نفسه وفيما بعده بأبواب، وهو باب السواك، الى أن الأصل تصحيح حديثه، ثم اتبع الإشارة بتصريحه بتصحيح حديثه مطلقًا، وقد أدى به هذا الى تكلف في رد بعض الانتقاد المفسر الموجه لابن اسحق وإلى مخالفته لما قرره بنفسه فيما تقدم من هذا الشرح فضلًا عن غيره، فمن ذلك ما تقدم ذكره من سكوته عن قول ابن منده: ان ابن إسحق أخرج له مسلم، وعدم تنبيهه على أن رواية مسلم له استشهادًا لا احتجاجًا، مع تعقبه للمقدسي في مثل ذلك كما مر في الأصل قريبًا، وسيأتي بقية ما أشرت إليه، خلال عرضي لمجمل الأقوال في ابن إسحق، ومحاولة تحقيق الأمر فيها بمشيئة الله.
فبمراجعة كتب الرجال نجد وصف ابن إسحق بأعلا مراتب التوثيق، حيث وصفه يزيد بن هارون وسفيان بن عيينة وشعبة بأنه: أمير المؤمنين في الحديث/ الثقات لابن حبان ٧/ ٣٨٣، والمدخل إلى معرفة الصحيحين للحاكم ٢/ ٥٥٩، وستأتي لسفيان بعض الأقوال الأخرى أيضًا، بعضها في دفع تهمة الكذب عنه، وبعضها في شأن اتهامه ببدعة القدرية، وكذا سيأتي لشعبة أقوال بتوثيقه. ويبدو أن يزيد بن هارون استمر على توثيقه العالي لابن إسحق حيث روى الخطيب بسنده عن زكريا بن يحيى قال: حُدثت عن مفضل (الغلابي) أنه حضر يزيد بن هارون سنة ١٩٣ هـ بالمدينة يحدث بالبقيع وعنده ناس من أهل المدينة يسمعون منه شيئًا بأَخرَة، حتى حدثهم عن محمد بن إسحق فأمسكوا، وقالوا: لا تحدثنا عنه، نحن أعلم به، فذهب يزيد يحاولهم فلم يقبلوا، فأمسك يزيد/ الخطيب ١/ ٢٢٦، أقول وقد توفي يزيد في غرة ربيع الآخر سنة ٢٠٦ هـ تهذيب التهذيب ١١/ ٣٦٨، وقال أبو معاوية -محمد بن حازم- كان ابن إسحق من أحفظ الناس، وكان إذا كان عند الرجل خمسة أحاديث أو أكثر، جاء فاستودعها محمدَ بن اسحق، وقال: احفظها علَيَّ، فإن نسيتُها كنتَ قد حفظتَها عَليّ/ الخطيب ١/ ٢٢٠، وذكر الحاكم عن البوشنجي أنه قال في ابن إسحق: هو عندنا ثقة ثقة/ تهذيب التهذيب ٩/ ٤٦، وقال الطبري: كان من أهل العلم بالمغازي، =стр. 703
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = مغازي رسول الله ﷺ وبأيام العرب وأخبارهم وأنسابهم، راوية لأشعارهم، كثير الحديث غزير العلم، طلابة له، مقدمًا في العلم، بكل ذلك ثقة/ المنتخب من ذيل المذيل للطبري، مع تاريخه ١١/ ٦٥٤.
وفي مقابل هذا وُصف ابن إسحق بأشد أنواع الجرح، سواء مع بيان السبب أو بدونه، فقد أخرج العقيلي وابن عدي بسنديهما عن سليمان بن داود -يعني الشاذكُونِي- قال: قال لي يحيى بن سعيد القطان: أشهد أن محمد بن إسحق كذاب، قال: قلت وما يدريك؟ قال: قال لي وُهَيب بن خالد: إنه كذاب، قال: قلت لوهيب: وما يدريك؟ قال: قال لي مالك بن أنس: أشهد أنه كذاب، قلت لمالك: ما يدريك؟ قال: قال لي هشام بن عروة: أشهد أنه كذاب، قلت لهشام: ما يدريك؟ قال: حدث عن امرأتي فاطمة بنت المنذر، وأُدخلَتْ عَليَّ، وهي بنت تسع سنين، وما رآها أحد حتى لقيت الله/ الضعفاء للعقيلي ٤/ ٢٤ والكامل لابن عدي ٦/ ٢١٧ والميزان ٣/ ٤٧١ والسير ٧/ ٤٩، ٥٠.
وقد عقب الذهبي على تلك الرواية بقوله: معاذ الله أن يكون يحيى وهؤلاء بدا منهم هذا بناء على أصل فاسد واه، -يعني ترتيب الرؤية لفاطمة على تحديثه عنها-، قال: ولكن هذه خرافة من صنعة سليمان -وهو الشاذكوني- لا صبحه الله بخير، فإنه مع تقدمه في الحفظ، متهم عندهم بالكذب، وانظر كيف سلسل الحكاية؟ ثم أضاف الذهبي قائلًا: ويبين لك بطلانها أن فاطمة بنت المنذر لما كانت بنت تسع سنين، لم يكن زوجها هشام خُلِق بعد، فهي أكبر منه بنيف عشرة سنة، وأسند منه -يعني أعلا سندًا، لسبقها له في التلقي، ثم أيد الذهبي ذلك بأن فاطمة روت عن أسماء بنت أبي بكر، ثم قال: وصح ان ابن إسحق سمع منها -يعني فاطمة- وما عَرف بذلك هشام، أفَبمثل هذا القول الواهي يكذب الصادق؟ كلا والله، نعوذ بالله من الهوى والمكابرة/ السير ٧/ ٤٩، ٥٠، وقد أورد الذهبي أيضًا من طريق أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى -يعني القطان- قال: وقال هشام بن عروة: أهو كان يدخل على امرأتي؟ -يعني ابن إسحق- وعقب الذهبي بقوله: وما يدري هشام بن عروة؟ فلعله سمع منها في المسجد، =стр. 704
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = أو سمع منها وهو صبي، أو دخل عليها فحدثته من وراء حجاب، فأي شيء في هذا؟ وقد كانت امرأة قد كبرت وأسنت/ الميزان ٣/ ٤٧٠، ثم أورد الذهبي في الصحيفة التالية لهذا، الرواية المتسلسلة كما نقلتها من السير آنفًا، وعقب عليها بالإشارة إلى جوابه السابق ذكره عقب رواية أحمد، ثم قال: والرجل ما قال إنه رآها، أفبمثل هذا يعتمد على تكذيب رجل من أهل العلم؟ هذا مردود، وأضاف الذهبي قائلًا: ثم قد روى عنها محمد بن سُوقة، ولها رواية عن أم سلمة وجدَّتِها -يعني جدةَ فاطمة وهي أسماءُ بنت أبي بكر ﵄/ الميزان ٣/ ٤٧١، ومقصود الذهبي بهذا، كما يبدو: أنه إذا كانت روايتها لغيرها أو عن غيرها تستلزم الرؤية لها عيانًا، فقد روى عنها رجل آخر وهو محمد بن سوقة، ولم يُنكَر عليه ذلك، مع أنه من الغرباء/ تهذيب التهذيب ٩/ ٤٦. وروت هي أيضًا عن أم سلمة وأسماء، فكيف يصح مع هذا قول هشام: إنه ما رآها مخلوق منذ زفت إليه في التاسعة من عمرها وحتى ماتت؟ وقال الذهبي أيضًا عقب كلامه السابق: ثم ما قيل من أنها دخلت عليه وهي بنت تسع، غلط بَيّن، ما أدري ممن وقع من رواة الحكاية؟ فإنها أكبر من هشام بثلاث عشرة سنة، ولعلها ما زفت إليه إلا وقد قاربت بضعًا وعشرين سنة، وأخذ عنها ابن إسحق وهي بنت بضع وخمسين سنة، أو أكثر/ الميزان ٣/ ٤٧١، أقول: فلعل توقف الذهبي هذا في تحديد الراوي الذي وقع منه الخطأ في تلك الحكاية كان قبل أن يبدو له ما جزم به في السير من أن سليمان بن داود الراوي لتلك الحكاية هو الشاذكوني، وأنه هو المتهم بها كما مر، لكن ينبغي التنبه إلى أن الروايات لتلك الحكاية مسلسلة يرد في سندها "سليمان بن داود" فقط دون ذكر نسبته "الشاذكوني" ولا كنيته المعروف بها وهي "أبو أيوب" بل جاء في الموضع السابق من الميزان تكنيته "بأبي داود" فلعله خطأ طباعة أو نسخ، لأن كنية الشاذكوني المعروفة "أبو أيوب" / تاريخ بغداد ٩/ ٤٠ وما بعدها، والكامل لابن عدي ١/ ١٣٦، وما ذكره الذهبي من نسبة الشاذكوني إلى الكذب هو قول أكثر النقاد ومن نفى عنه الكذب قرر أن كتبه ذهبت فكان يحدث من حفظه فيغلط/ اللسان ٣/ ٨٤ - ٨٦ , وأيضًا فإن شيخه في تلك الرواية هو: أبو قلابة عبد الملك بن =стр. 705
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = محمد الرقاشي، وقد وصف بأنه صدوق يخطيء، تغير حفظه لما قدم بغداد، كما في التقريب/ ٣٦٥ ط عوامة، وعليه تكون الرواية على أي حال غير معتمدة؛ لحال الشاذكوني وشيخه.
هذا وقد مشي ابن عبد البر وأبو الحسن بن القطان وابن سيد الناس وابن حجر على مقتضى ثبوت تلك الرواية بتسلسلها السابق، فاعتبر ابن عبد البر أن مالكًا قلّد هشامًا في هذا الطعن/ جامع بيان العلم ٢/ ١٥٦، واعتبر ابن القطان مالكًا والقطان مُقلدَيْن لهشام/ عيون الأثر ١/ ١٣، واعتبر ابن سيد الناس وابن حجر: أن مَن فوق هشام في المسند وهم: مالك ووهيب ويحيى القطان، كلهم مُقلدِين وتابعين لهشام في تكذيبه ابن إسحق/ عيون الأثر ١/ ١٤، ١٦، وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٥، ولم يتعرض أي من الأربعة لنقد تلك الحكاية لا سندًا ولا متنًا كما تقدم عن الذهبي نقدها.
لكن إبطال الذهبي لتلك الرواية من ناحية سندها ومتنها لا يعني نَفيَهُ لثبوت وصف كل من هشام ويحيى القطان ومالك، لابن إسحق بالكذب مطلقًا؛ لأن ذلك قد ثبت عن كل منهم من غير طريق الشاذكوني هذه، وبغير هذا السياق المشتمل على الخطأ التاريخي، وقد أورد الذهبي نفسُه عددًا من تلك الروايات المعتمدة عن كل منهم، وتصدى أيضًا للجواب عنها؛ إما بنفسه واما بالنقل عن غيره، كما سنذكره بعد قليل.
فقد أخرج الخطيب من طريق أبي داود الطيالسي عمَّن سمع هشام بن عروة وقيل له: إن ابن إسحق يحدث بكذا وكذا عن فاطمة، فقال: كَذبَ الخبيث/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٢، وعيون الأثر ١/ ١١، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الطيالسي أيضًا قال: نا عمر بن حبيب، قال: قلت لهشام بن عروة: حدثنا محمد بن إسحق. قال: ذاك كذاب/ الجرح ٧/ ١٩٣، أقول: فلعل المبهم في سند الخطيب هو عمر بن حبيب هذا المصرح به في سند ابن أبي حاتم، ويؤيّد ذلك ما في سؤالات البرذعي لأبي زرعة الرازي، حيث قال أبو داود: سمعت عمر بن حبيب القاضي قال: كنا عند هشام بن عروة فقيل له: إن محمد بن =следующие страницы →