Полный текст (909 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وقال الميموني: نبأنا أبو عبد الله بحديث استحْسَنتُه عن محمد بن إسحق، فقلت له: يا أبا عبد الله، ما أحسن هذه القصص التي يجيء بها ابن إسحق، فتبسم إليّ متعجبًا/ تاريخ بغداد ١/ ٢٢٠، والضعفاء للعقيلي ٤/ ٢٧، ٢٨، والذي يفهم من كلام الميموني أنه استحسن السياق القصصي لمتن الحديث، وأراد من شيخه معرفة حال رَاوِيه، وهو ابن إسحق، ويمكن اعتبار تحديث أحمد به، ثم تبسمُه متعجبًا من كلام الميموني، دون إنكار عليه، دليلًا على قبوله لرواية ابن إسحق في المغازي والسير التي تعد القصص من متعلقاتها، وهذا يلتقي مع ما تقدم من تصريح أحمد بالاحتجاج بابن إسحق في المغازي والسير ونحوهما، دون السُّنن والأحكام، لكن ستأتي أكثر من رواية عن أحمد تثبت أن ابن إسحق يحتج به مطلقًا في غير ما ينتقد عليه بتدليس أو شذوذ، أما ما رواه حنبل ابن إسحق عن أحمد قال: ابن إسحق ليس بحجة/ تهذيب الكمال ٣/ ١١٦٨، وسير النبلاء ٧/ ٤٦، فقد جاء عنه أيضًا ما يدل على أن المراد بذلك إنزاله ابن إسحق فقط إلى المرتبة التالية للحجة، وهي الوصف بالثقة، حيث ذكر المنذري أن أحمد قال: لو قال رجل: إن ابن إسحق كان حجة، لما كان مصيبًا، ولكنه ثقة/ رسالة المنذري في الجرح والتعديل/ ٢٢، وعلى هذا فَتُحمل العبارة الأولى على الثانية، وقد تقدم وصف ابن معين له بمثل ذلك.
وجاء عن أحمد أيضًا قوله: هو -أي ابن إسحق- صالح الحديث، وأحتجُّ به أنا أيضًا/ شرح العلل ١/ ١٢٦، فجمعُه هنا بين الوصف بصالح الحديث، وبين الاحتجاج به، يدل على كونه عنده في درجة متوسطة من التوثيق والحجِّية مطلقًا، ويؤيد هذا ما استخلصه البخاري من موقف أحمد عمومًا من ابن إسحق حيث ذكر أن أحمد قد احتمل ابن إسحق/ تهذيب الكمال ٣/ ١١٦٨ والقراءة خلف الإمام للبخاري/ ٣٧، وسيأتي تقييد ذلك فقط بغير المنتقد انتقادًا خاصًا، من تدليس أو شذوذ.
أما ما ذكره الذهبي من أن أحمد قال في ابن إسحق: "حَسن الحديث وليس بحجة"/ المغني ٢/ ٥٥٢، فلعله اختصار من الذهبي، جَمَعه من قولين منفصلين =стр. 772
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = لأحمد، أحدهما: قولُه: "ليس بحجة" كما تقدم، وثانيهما: قولُه: "حسن الحديث" كما سيأتي، ولم أجد هذه العبارة مجتمعة عند غيره، وقد جاءت رواية عن أحمد بتحسين حديث ابن إسحق عمومًا، وذلك في مَعرِض رده على تكذيب مالك له كما تقدم، حيث قال: هو حسن الحديث، ولقد قال مالك -حين ذكره دجَّال من الدجاجِلَة/ انظر تاريخ بغداد ١/ ٢٢٣، وقد اعتبر ابن رجب وغيرُه هذا قولًا لأحمد بتحسين حديث ابن إسحق عمومًا دون أن يُقْرِنُوه بباقي عبارته المشيرة إلى معارضته لتكذيب مالك لابن إسحق/ شرح العلل لابن رجب ١/ ١٢٦ والميزان ٣/ ٤٦٩ وتذكرة الحفاظ ١/ ١٧٣، ولكن جاء عن أحمد أيضًا ما يدل على أن تحسينه لحديثه ليس مطلقًا، بل مقيد بغير المنتقد عليه، بتدليس أو شذوذ أو نكارة ونحو ذلك، فقد تقدم في كلامه عن تدليسه أنه قال: وأحسن حديثه عندي ما قال: أخبرني وسمعت/ الجرح والتعديل ٧/ ١٩٣، ١٩٤، ولما سمع منه الأثرم هذا قال له: فإذا قال: حدثني وأخبرني، فهو ثقة؟ قال: هو يقول: أخبرني ويُخالِف/ الضعفاء للعقيلي ٤/ ٢٧، وفسر ابن رجب ذلك بأن أحمد يشير إلى أن ابن إسحق يصرح بالتحديث، ويُخالِف الناس في حديثه مع ذلك/ شرح العلل ١/ ١٢٧، وأقول: وتلك المخالفة تقتضي الشذوذ أو النكارة، وتشير إلى أن في حفظه شيئًا، فيكون مقتضى قول أحمد هذا، تحسين حديث ابن إسحق فيما لم يدلسه، ولم ينفرد به مخالفًا غيرَه ممن هو أوثق أو أكثر منه.
فيتلخص من استعراضنا للمقبول من أقوال أحمد، ومراعاة فهم البخاري وغيره لها، أنه يمكن الجمع بينها على تحسين حديث ابن إسحق في الأحكام وغيرها، ما لم يكن مما دلسه أو خالف فيه من هو أرجح منه.
وممن اختلف قوله في ابن إسحق، وقرر اختلاف الأئمة أيضًا فيه الدارقطني حيث سأله السُّلَمي عنه فقال: اختلف الأئمة فيه، وأعرفُهم به مالك/ سؤالات السُّلمي للدارقطني بتحقيق الشيخ خليل حمادة/ ٢٥٨، وهذا القول من الدارقطني بمثابة إقراره لتكذيب مالك له، وقد تقدم الرد عليه، كما تقدم قول ابن المديني وغيره من السابقين على الدارقطني: إن مالكًا لم يعرف ابن إسحق، =стр. 773
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ولم يجالسه، لأنه لم تطل مدة إقامته، ولم يكثر تحديثه بالمدينة، وتقدم أيضًا أن كلام مالك في ابن إسحق كان عن عداء شخصي بينهما، أو أنه كان يكذبه في غير الحديث، فلا يقدح في روايته. ثم إن باقي أقوال الدارقطني في ابن إسحق واحتجاجه به يخالف القول بتكذيبه فقد سأله البُرقاني عن رواية ابن إسحق عن أبيه فقال: جميعًا لا يحتج بهما، وإنما يعتبر بهما/ سؤالات البرقاني للدارقطني بتحقيق الشيخ خليل حمادة/ ٣٣٥: فتقريره الاعتبار برواية ابن إسحق يقتضي تضعيفه له تضعيفًا يقبل الانجبار، وذلك بخلاف التكذيب كما لا يخفى، ثم إن هذا التضعيف يُحتَمل كونه خاصًا برواية ابن إسحق عن أبيه فقط، لأن هذا موضوع السؤال كما ترى.
وأخرج الدارقطني حديث أسامة في الضحك في الصلاة من طريق ابن إسحق عن الحسن، ثم قال: وقد اضطرب ابن إسحق في روايته عن الحسن/ سنن الدارقطني - الصلاة - أحاديث القهقهة ١/ ١٦٢، وهذا أيضًا نقد خاص لضبط روايته عن الحسن.
وقد أخرج الدارقطني أيضًا من طريق ابن إسحق حديث جابر المتقدم في شرح هذا الباب في النهي عن استدبار القبلة واستقبالها عند قضاء الحاجة، ثم قال عن رواته: كلهم ثقات/ سنن الدارقطني - الطهارة - باب استقبال القبلة في الخلاء ١/ ٥٨، ٥٩، فهذا توثيق لرجال الإسناد بمن فيهم ابن إسحق، وأخرج أيضًا من طريقه حديث عبادة بن الصامت أنه ﷺ صلى الصبح فثقلت عليه القراءة (الحديث)، وقال الدارقطني: هذا إسناد حسن/ سنن الدارقطني - الصلاة - باب وجوب قراءة أم الكتاب ١/ ٣١٨، وبمراجعتي لتراجم رجال هذا الإسناد وجدت أدناهم توثيقا هو ابن إسحق، وأخرج من طريقه أيضًا حديثًا آخر، مع تصريحه بالتحديث وقال: هذا إسناد حسن متصل - باب وجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد ١/ ٣٥٤، ٣٥٥، فيستخلص من هذا أن الراجح احتجاج الدارقطني بابن إسحق وأن حديثه عنده في مرتبة الحسن لذاته على الأقل، ما لم يوجد انتقاد خاص فيعمل به في موضعه كالتدليس والاضطراب ونحوه في =стр. 774
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = بعض الروايات بخصوصها.
ومن العلماء من أشار إلى اختلاف آراء النقاد في ابن إسحق، ولم يتعرض للترجيح أو الجمع بينهما، وإنما جعل وجود هذا الاختلاف، دون ترجيح للتوثيق التام مُنزِلًا لحديثه عن درجة الصحة إلى درجة الحسن لذاته، وذلك مراعاة لأن الحسن درجة متوسطة بين الصحة والضعف ومن هؤلاء: ابن القطان، والمنذري.
فابن القطان قال ابن سيد الناس عنه: واختار أبو الحسن بن القطان أن يكون حديثه -يعني ابن إسحق- من باب الحَسن؛ لاختلاف الناس فيه/ عيون الأثر ١/ ١٣، وقدمت من قبل ص ٣٨٨ ت هامش وما بعدها أن ابن القطان يرى أن المختلف في توثيقه وتجريحه، يكون حديثه في مرتبة الحسن لذاته، وقد وافقه المؤلف على ذلك في الموضع السابق ولكنه خالفه هنا، فذكر في الأصل تحسينه لحديث ابن إسحق، وتعقبه بتصحيحه مطلقًا كما تقدم، وأما في عيون الأثر فذكر تحسين ابن القطان لحديثه تعقيبًا على ذكر اختلاف العلماء في الاحتجاج به في الأحكام وعدمه، ولم يصرح بتعقبه، ولكن أَتْبعه بذكر الأجوبة عما انتُقِد به ابن إسحق عمومًا/ عيون الأثر ١/ ١٣ - ١٧، ويفهم من أجوبته ترجيحه لتوثيقه وصحة حديثه.
وأما الحافظ المنذري فقال في مختصره لسنن أبي داود بشأن ابن إسحق: وقد اختلف الأئمة في الاحتجاج بحديثه ١/ ٤٠ مع تهذيب السنن لابن القيم، ولم يبين شيئًا عن هذا الاختلاف كما ترى، ولما سئل عما يؤخذ به من الأقوال المختلفة في الراوي مثل محمد بن إسحق وغيره، قال في الجواب عن ذلك بالنسبة لابن إسحق: "وقد أكثر الأئمة الكلام فيه، في الطرفين: الثناء والذم ... ثم ذكر نماذج من الأقوال المختلفة، وعلق عليها بقوله: فمن ترك الاحتجاج بحديث ابن إسحق احتَمل أن يكون تركه للقَدر أو للتشيع أو للتدليس، على رأي من يرى ذلك قادحًا، أو يكون هذا أو غيره من الكلام فيه، وإن لم يقتض عنده حجة في رد حديثه، غير أنه أحدث رِيبةً منعته من الاحتجاج به ... ثم قال: ومن احتج بحديثه احتمل أن يكون لا يرى البدعة مانعة، ولا التدليس. وقصة هشام =стр. 775
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = مع الجواب عنها، وما من الكلام فيه في مفسر، لا يؤثر عنده. وما جاء أيضًا عن واحد -يعني من الجرح- وهو -أي الناقد- يَشْترِط العدد، لا يؤثر عنده، والله أعلم/ رسالة الجرح والتعديل للمنذري ٢١ - ٢٣ و ٤٤. وبهذا أنهى جوابه دون بيان قول معتمد في ابن إسحق، أو بيان لدرجة حديثه، وفي ذكر الرواة المختلف فيهم، ممن ذكر بعض روايتهم في الترغيب والترهيب، صدَّر كلامه عن حال ابن إسحق بقوله: أحد الأئمة الأعلام، حديثه حسن، ثم ذكر بعض أقوال من كذبه، ومن لم يحتج به، ثم قال: ووثقه غير واحد، ووهاه آخرون، وهو صالح الحديث، ما له عندي ذنب إلا ما قد حشاه في السيرة من الأشياء المنكرة المنقطعة والأشعار المكذوبة، ثم واصل بيان باقي أقوال المجرحين والموثقين له، والمصححين لحديثه، ثم قال: وبالجملة فهو ممن اختلف فيه، وهو حسن الحديث كما تقدم -يعني في أول كلامه- والله أعلم/ الترغيب والترهيب - باب ذكر الرواة المختلف فيهم ٤/ ٥٧٧، بتصحيح الشيخ مصطفى محمد عمارة؛ فيلاحظ أن المنذري صدَّر كلامه بتحسين حديث ابن إسحق، وجعل خلاصة حاله أنه مختلف فيه، وأَتْبع ذلك بالقول بتحسين حديثه، وأما انتقاده له بما في سيرته من الأخبار المنكرة والأشعار المكذوبة، فقد تقدم الجواب عنه بأنه لا يقتضي قدحًا في شخصه، ولا في باقي رواياته، وهو الأكثر، فيكون تحسين المنذري لحديثه مقيدًا بغير المنتقد نقدًا خاصًا، كنكارته أو عدم ثبوته، وكذلك يُقَيَّد بغير ما دلسه، حيث وجدته يتوقف فيما لم يصرح فيه ابن إسحق بالتحديث ونحوه مما يدل على الاتصال/ انظر الترغيب والترهيب - الطهارة - الترغيب في السواك ١/ ١٦٨.
ومن العلماء من ذكر اختلاف الأقوال في ابن إسحق، ولكن أشار إلى ترجيح توثيقه وهو محمد بن سعد، حيث ترجم له في موضعين من طبقاته، فقال في الأول: وقد كتَبتْ عنه العلماء، ومنهم من يستضعفه/ الطبقات/ القسم المحقق/ ٤٠٢، ٤٠٣، وفي الموضع الثاني قال: "وكان محمد -يعني ابن إسحق- ثقة، وقد روى عنه الناس". وذكر ممن روى عن شعبة والسفيانَيْن وجماعة من الأئمة، ثم قال: "ومن الناس من تكلم فيه/ الطبقات ج ٧ =стр. 776
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = قسم ٢/ ٦٧ ط الشعب، فنلاحظ مِنْ صدر كلامه في الموضعين ترجيحه لتوثيقه، حيث صدَّر كلامه الأول بكتابة العلماء عنه وفي الموضع الثاني صدر كلامه بتوثيقه صراحة، وأيده برواية الأئمة عنه، ومنهم من وثقه ودافع عنه كشعبة وابن عيينة كما قدمنا - ثم آخر ابن سعد في الموضعين ذكرَ من تكلم فيه وضعفه، وذلك يدل بوضوح، على ترجيحه لتوثيقه مطلقًا، لكن سيظهر لنا بعد استعراض عامة أقوال النقاد فيه ترجُّح نزوله عن مرتبة الثقة إلى تاليتها وهي مرتبة "الصدوق" لما تبين من وقوع أوهام منه اقتضت خِفة ضبطه، وقد تقدم ذكر ابن المديني لبعضها، وإشارة الإمام أحمد وابن عدي كذلك إليها.
ومن العلماء من ذكر اختلاف الأقوال في ابن إسحق، ورد بعضها ثم اختار من باقي الأقوال ما يمكن الجمع به بينها. وهذا في تقديري هو الأولى، وعليه جرى المحققون من العلماء، كما نوضحه فيما يلي:
فمن هؤلاء الإمام ابن عدي، فإنه عرض مجمل أقوال العلماء المختلفة في ابن إسحق، وذكر من أحاديثه المنتقدة أكثر من خمسة وعشرين حديثًا، مع بيان علة عدد منها، ثم أشار إلى كثرة مرويات ابن إسحق، وأثنى على تأليفه في المغازي والسيرة كما قدمت ذكره، ثم عقب على ذلك كله بقوله: وقد فَتَّشتُ أحاديثَه الكثيرة فلم أجد في أحاديثه ما يتهيأ أن يقطع عليه بالضعف، وربما أخطأ أو وَهَم في الشيء بعد الشيء، كما يخطيء غيره، ولم يتخلف عنه في الرواية الثقات والأئمة، وهو لا بأس به/ الكامل ٦/ ٢١١٦ - ٢١٢٥، ويلاحظ أن ابن عدي قد اعتمد في بيان حال ابن إسحق على النظر في الأقوال المختلفة، وسَبْر مروياته لمعرفة مدى مطابقتها لأقوال النقاد فيه، وتقريره في نتيجة الاستقراء: أنه لم يجد من أحاديثه ما يتهيأ القطع بضعفه، إلا ما تبين وهمه فيه أو خطوة، مع قلته، وهذا يعتبر ردًا منه لتكذيب من كذبه، أو ضعفه من غير جهة الضبط، وفيه أيضًا تقييد لتضعيف من ضعفه مطلقًا، أما وصفه حال ابن إسحق عمومًا بأنه: لا بأس به، فهذا توسط منه بين ما وُصِف به من ألفاظ التوثيق المختلفة وبين ما وُصِف به من التجريح بغير الكذب، ووصفُه بهذا اللفظ يجعله في أدق مراتب التوثيق للمحتج بهم من الرواة، مع التسليم بوجود خفة في ضبطه، يُحمَل عليها =стр. 777
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = التضعيف بغير الكذب والبدع وتلك مرتبة الحسن لذاته، وفي ذلك رد على عدم الاحتجاج به في الأحكام كما سبق، فتكون خلاصة حال ابن إسحق المستفادة من كلام ابن عدي القائم على الاستقراء للمرويات والنظر في الأقوال المختلفة للعلماء، أن حديثه في مرتبة الحسن لذاته، ما لم يكن مما ظهر وَهمُه أو خطؤه فيه، أو دلَّسه، وفي ذلك جمع بين أقوال الموثقين، وبين أقوال المجَرِّحين التي لم يردَّها.
ومن هؤلاء أيضًا الإمام الذهبي، وقد ترجم لابن إسحق في عامة كتبه في الرجال، ففي تذكرة الحفاظ استهل ترجمته بوصفه الإمام الحافظ، ثم قال: وكان أحد أوعية العلم، حَبْرًا في معرفة المغازي والسير، وليس بذاك المتقن، فانحط حديثه عن رتبة الصحة، وهو صدوق في نفسه، مَرضِي، ثم ذكر عددًا من الأقوال المختلفة في تجريحه وتعديله، ثم قال: والذي تقرر عليه العمل أن ابن إسحق، إليه المرجع في المغازي والأيام النبوية، مع أنه يشذ بأشياء، وأنه ليس بحجة في الحلال والحرام، نعم ولا بالواهي، بل يستشهد به/ تذكرة الحفاظ ١/ ١٧٢، ١٧٣، فيُسْتَخلَص من هذا أنه يعتبر ابن إسحق حجة في المغازي والسير، ولكن يَنزِل حديثه في ذلك عن درجة الصحة إلى الحسن لذاته، لأنه صدوق في ضبطه شيء، وما يشذ به فهو مردود، وأما في أحاديث الأحكام فيرى نزولَه عن درجة الحسن إلى الضعف غير الشديد، وبذلك لا يُحتج بحديثه في الأحكام، ولكن يُستشهد به فقط. وفي ذلك رد لتكذيب من كذبه، أو ضعفه جدًّا، وجَمْعٌ بين باقي الأقوال بتوثيقه، والأقوال بترجيحه بحَمْل كل منها على جانب من حديثه.
ومع تصريحه -كما ترى- بأن هذا الذي تقرر عليه العمل بالنسبة لحال ابن إسحق، ودرجة أحاديثه، فإن الذي جرى عليه هو في أكثر كتبه الأخرى في الرجال خلاف ذلك، حيث قرر أن حديث ابن إسحق محتج به في الأحكام وغيرها، وإن كان الاحتجاج به في المغازي والسير آكَد، بحيث يُقدّم عند الترجيح، وأنه في مرتبة الحسن لذاته، ما لم يكن شاذًا أو منكرًا. وقد ذكره أيضًا في منظومته في المدلسين، ولكن لم يبين حكم تدليسه كما قدَّمت/ وانظر المنظومة =стр. 778
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = مع شرحها المسمى بالتأنيس لعبد العزيز الغماري ٦١، ٦٤ وما بعدها، لكنه نَقل في السير قول ابن نُمَير في شأن ابن إسحق: إذا حدث عمن سمع منه من المعروفين فهو حسن الحديث صدوق/ السير ٧/ ٤٣، وأقر ذلك، فدل هذا على إقراره لرد ما دلسه ابن إسحق، وهو رأي الجمهور كما قدمته، وانظر الموقِظة/ ٤٥، ٤٧.
وفي كتابه "معرفة الرواة المُتكلَّم فيهم بما لا يوجب الرد" ذكر ابن إسحق، وصدَّر كلامه بقوله: صدوق، فأشار بذلك إلى اختيار وصفه بهذا اللفظ الذي يدل على تحسين حديث الموصوف به، كما سيأتي تصريحه بالتحسين، ثم أَتْبع ذلك بذكر بعض أقوال الأئمة في توثيقه وتجريحه/ معرفة الرواة المتكلَّم فيهم بما لا يوجب الرد/ ١٦٣، ١٦٤ وطُبع الكتاب أيضًا بعنوان: "ذكر أسماء من تُكُلِّم فيه وهو موثق/ ١٥٩، ١٦٠، وقد اختلطت ترجمة ابن إسحق في الطبعتين بترجمة راو آخر، فتنبه لذلك.
وفي الموقظة مَثَّل لأَعلا مراتب الحديث الحسن بثلاثة أسانيد، وثالثها: محمد بن إسحق عن محمد بن إبراهيم التيمي/ الموقظة/ ٣٢، ٣٣ ونقله عنه السيوطي، وأقرَّه/ تدريب الراوي ١/ ١٦٠.
وفي كتابه ديوان الضعفاء، صدَّر الكلام عن ابن إسحق بقوله: ثقة إن شاء الله، صدوق، احتج به خَلْق من الأئمة، ولا سيما في المغازي، ثم أَتْبع ذلك بذكر أبرز الأقوال المختلفة فيه، توثيقًا وتجريحًا/ ديوان الضعفاء - بتصحيح الشيخ حماد الأنصاري/ ٣٦٥، وفي كتاب المغني في الضعفاء - الذي أشار الدكتور نور الدين عز وغيره إلى تأخر تأليفه عن الديوان السابق - صدَّر الذهبي أيضًا الكلام عن ابن إسحق بقوله:/ أحد الأعلام، قوي الحديث، إمام، لا سيما في السير.
ثم ذكر أهم الأقوال المختلفة فيه توثيقًا وتجريحًا/ المغني مقدمة المحقق د. عتر ١ / ص: ن، ع وج ٢/ ٥٥٢، ٥٥٣ وكتاب الذهبي ومنهجه في ميزان =стр. 779
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الاعتدال/ للشيخ قاسم سعد/ ١٥٦٣، وفي ميزان الاعتدال، الذي ذكر الذهبي تأخره على كتاب "المغني" السابق، توسع الذهبي في ترجمة ابن إسحق، فعرض عامة الأقوال فيه على اختلافها، توثيقًا وتجريحًا، ورد على من كذَّب ابن إسحق، أو نسبه إلى ما يقتضي رد حديثه مطلقًا، أو شدة ضعفه -وقد سبق نقل عدد من ردوده وأقواله التفصيلية خلال ما مضى من تحقيق الأقوال في ابن إسحق- وفي نهاية عرضه للآراء وما ذكره من الردود، قال: فالذي يظهر لي، أن ابن إسحق، حسن الحديث، صالح الحال، صدوق، وما انفرد به ففيه نكارة، فإن في حفظه شيئًا، وقد احتج به أئمة فالله أعلم: الميزان ١/ ١ و ٣/ ٤٦٨ - ٤٧٥ والموقظة له/ ٨١ وقوله: "ما انفرد به ففيه نكارة" يعني إذا خولف ممن هو أرجح منه، ولذا عبر عنه فيما سيأتي بالشذوذ، وسيأتي أيضًا تصريح الحافظ ابن حجر بأنه لا يحتج بابن إسحق إذا خولف، وفي كتاب الكاشف الذي يبدو أن الذهبي فرغ منه قبل الفراغ من الميزان قال الذهبي أيضًا في ترجمة ابن إسحق: كان صدوقًا من بحور العلم، وله غرائب في سعة ما روى، تُسْتَنكر، واختُلِف في الاحتجاج به، وحديثه حسن، وقد صححه جماعة/ الكاشف ٣/ ١٩.
أما في سير النبلاء الذي بيضه الذهبي بعد تأليفه للميزان بوقت قصير، فإنه قد ترجم فيه لابن إسحق، على نحو ما في الميزان، وعقب على تبادل النقد بين مالك وبين ابن إسحق فقال: وهذان الرجلان كل منهما قد نال من صاحبه، لكن أثَّر كلام مالك في محمد بعض اللين، ولم يؤثر كلام محمد فيه ولا ذرة، وارتفع مالك وصار كالنجم، والآخر فله ارتفاع بحسبه، ولا سيما في السير، وأما في أحاديث الأحكام فينحط حديثه فيها عن رتبة الصحة إلى رتبة الحَسن، إلا فيما شذ فيه، فإنه يعد منكرًا، هذا الذي عندي في حاله والله أعلم/ مقدمة د. بشار عواد لتحقيق سير النبلاء ١/ ٩٢ والميزان ٤/ ٦١٦، والسير ٧/ ٤١، وكلام الذهبي هنا يشير إلى اختياره تصحيح حديث ابن إسحق في السير ونحوها، وتحسين حديثه في الأحكام، ويَشترِطُ في الحالين عدم الشذوذ، وهذا كما ترى خلاف ما اتفقت عليه المصادر الستة السابقة، وهي الأكثر، ومن بينها الموقظة التي هي موطن بيان =стр. 780
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = القواعد، وقد قرر تحسين حديثه مطلقًا في غير ما شذ به، أو دلسه، دون تفريق بين الأحكام وغيرها، فما اتفقت عليه كلمته في أكثر كتبه هو الْأولى بالاعتماد، وبه يمكن الجمع أيضًا بين أقوال الموثِّقين له، وبين أقوال مخرحيه بغير ما هو مردود من تكذيبه، أو وصفه بما يقتضي شدة ضعفه.
وأما ما جزم به الشيخ عبد العزيز الغماري من أن الذهبي قال في ديوان الضعفاء بشأن ابن إسحق: حديثه عندي صحيح، ولم أجد له إلا حديثين منكرين "ثم قرر أن ذلك هو الصواب في حال ابن إسحق/ التأنيس بشرح منظومة الذهبي في أهل التدليس/ ٦٦، ٦٧ فهذا تصويب بُنِي على خطأ في النقل؛ لأن الذي في الديوان وغيره أيضًا نسبة هذا القول صراحة، وبعبارته المذكورة، إلى علي بن المديني/ انظر ديوان الضعفاء/ ٣٦٥، وقد سبق ذكر هذا القول بنصه ضمن أقوال ابن المديني، نقلًا من المصادر المتعددة لترجمة ابن إسحق، والمحال عليها هناك فليُتَنبه لهذا السهو العجب مَن يَطلع على كتاب الشيخ الغماري المذكور وجَلَّ من لا يسهو.
وممن أشار إلى الاختلاف في ابن إسحق، وحقق القول في حاله بما يعتبر جمعًا بين الأقوال غير المردودة، الحافظ ابن حجر، فقد ذكر حديثًا في الطلاق صححه أبو يعلي من طريق ابن إسحق، ورده غيره، بأن فيه ابن إسحق وشيخه، وهما مختلف فيهما، ثم نقل في الجواب عن ذلك: أنه ليس كل مختلَف فيه مردودًا/ الفتح ٩/ ٣٦٢، وقد أقر هذا الجواب، فدل إقرارة على أن الاختلاف في ابن إسحق لا يَقتضي ردَّه، وفي كتاب العيدين نَقل عن الإسماعيلي قوله: أن ابن إسحق ليس من شرط البخاري/ الفتح ٢/ ٤٤٦ وأقر الإسماعيلي على ذلك؛ لكنه كان قد نبه قبل ذلك في كتاب الأذان على أنه لا يلزم من كون الراوي على غير شرط البخاري أنه لا يصلح عنده للاحتجاج به، بل قد يكون صالحًا للاحتجاج به عنده، وليس هو على شرط صحيحه الذي هو أعلا شروط الصحة/ الفتح ٢/ ٢٠٥، وقد سبق ذكري لهذا في بيان إقرار البخاري للاحتجاج بابن إسحق، وإن لم يَحتجُّ به في صحيحه. =стр. 781
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وذَكره ابن حجر فيمن علق البخاري شيئًا من حديثهم ممن تُكُلِّم فيه، فقال: محمد بن إسحق، الإمام في المغازي، مختلف في الاحتجاج به، والجمهور على قبوله في السير، وقد استُفْسِر من أَطلَقَ عليه الجرح فبان أن سببه غير قادح، وأخرج له مسلم في المتابعات، ثم ذكر رواية البخاري له تعليقًا في مواضع عديدة، كما ذكرتُه آنفًا/ وانظر هدي الساري/ ٤٥٨، وقوله: إن من أطلق عليه الجرح ظهر أن سببه غير قادح، يشير إلى قدح هشام بن عروة وغيرِه بتكذيبه كما مر، وهذا ردٌّ منه لتكذيب من كذبه، أما ما دون ذلك مما يتعلق بضبطه وتدليسه، فسيأتي ما يوضح موقف ابن حجر منه، وقوله هنا: إن الجمهور على قبول ابن إسحق في السير، ليس صريحًا في تحديده درجة حديثه المتعلق بالسير ونحوها؛ لأن القبول يشمل الصحيح والحسن، كما أنه لم يبين درجة حديثه في الأحكام، لكن باقي النقول الآتية عنه توضح هذا، ففي فصل الأحاديث المُنتقدَة على البخاري والجواب عليها، ذَكَر روايةً من طريق ابن إسحق، متعلقة بالمغازي، وعزاها إلى أبي عَوانة في صحيحه (يعني المستخرج على صحيح مسلم)، وعزاها أيضًا إلى عبد الله بن منده في كتاب الإيمان له، وذكر أن هذا الكتاب على شرط الصحة أيضًا، وعلق على تلك الرواية بأنها رواية محمد بن إسحق إمام أهل المغازي، وهو حجة في المغازي، وروايته هنا راجحة على رواية غيره/ الهَدْي ٣٧١، ويلاحظ أنه وصف ابن إسحق بأنه حجة في المغازي، وذلك أيضًا يشمل الصحيح والحسن، مع أنه عزا الحديث لكتابين مُشترَط فيهما الصحة. وفي كتاب الحج ذكر حديثًا خالفَ فيه ابنُ إسحق عددًا من الثقات، ثم عقب عليه بقوله: وابن إسحق حسن الحديث إلا أنه لا يحتج به إذا خُولف/ الفتح ٤/ ٣٢ فهذا تصريح منه بتحسين حديث ابن إسحق، بشرط أن لا يُخالِف من هو أوثق منه، ويلاحظ أن هذا الشرط لا يعتبر خاصًا بابن إسحق وحده من المحتج بهم؛ لكنه نبه عليه لحصول المخالفة في الحديث المذكور، ولهذا ذكر في موضع آخر تحسين حديث ابن إسحق دون تقييده بذلك، فقد ذكر حديثًا في كتاب التوحيد وعزاه إلى ابن خزيمة، في كتاب الزكاة من صحيحه، ثم علق عليه بقوله: وابن إسحق حاله معروفة، وحديثُه في درجة الحسن/ الفتح ١٣/ ٣٥٣، =стр. 782
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وفي كتاب الدعوات، ذكر حديثًا من طريق ابن إسحق، وعزاه إلى أصحاب السنن - ومنهم الترمذي وصححه، وإلى ابن خزيمة والحاكم، وذكر تَفرُّد ابن إسحق بزيادة فيه، وإقرار البيهقي تصحيحه بتلك الزيادة ثم ذكر تعقب ابن التُّركماني للبيهقي بأنه قد قال في موضع آخر: إن الحفاظ يَتوقَّون ما ينفرد به ابن إسحق، وتعقب ابن حجر ذلك بقوله: لكن ما ينفرد به ابن إسحق، وإن لم يبلغ درجة الصحيح، فهو في درجة الحَسن إذا صرح بالتحديث، وهو هنا كذلك، وإنما يُصحِّح له من لا يفرق بين الصحيح والحسن، ويجعل كل ما يصلح للحجة صحيحًا، وهذه طريقة ابن حبان ومن ذُكِر معه/ الفتح ١١/ ١٦٣، وكذا جاءت العبارة: "ابن حبان ومن ذُكر معه" وهذه فيها أمران: أحدهما أنه لم يسبق ذكر ابن حبان، ولكن ذكر ابن خزيمة، فلعل هذا سهو ناسخ، والأمر الثاني أن ممن ذُكر مع ابن خزيمة، الإمام الترمذي، وتفريقه بين الصحيح والحسن لا يخفى، بل نص عليه ابن حجر نفسه/ انظر النكت على ابن الصلاح له ١/ ٢٧٠، ٢٧١، فلا أدري كيف وقع هذا التعبير في الفتح هكذا؟
أما ما يتعلق بابن إسحق فيلاحظ تقييده لتحسين حديثه بما لم يدلسه، وهذا مطابق لرأيه في تدليسه كما قدمته في موضعه، وبهذا يكون المستفاد من كلام ابن حجر في مجموعه أنه يعتبر ابن إسحق حجة في المغازي والسير، وفي الأحكام أيضًا، وأن حديثه عمومًا في مرتبة الحسن لذاته، ما لم يكن مما دلسه أو شذ به، وفي ذلك بالإضافة إلى رد تكذيبه كما قدمت، جَمعٌ بين أقوال الموثقين وبين أقوال المضعفين له مطلقًا، فَيُحمل التوثيق على تحسين حديثه فيما لم يشذ به أو يدلسه، ويُحمَل التضعيف على ما شذ به أو دلسه، أو تَبين وهْمُه فيه لِخفة ضبطه، كما هو حَدُّ الحديث الحسن.
ويجدر بالذكر هنا أن ابن حجر لخص حال ابن إسحق في التقريب بقوله: إمام المغازي، صدوق يدلس، ورُمِي بالتشيع والقدَر/ التقريب/ ٤٦٧، ومقتضى شرطه في التقريب أن هذا أصح وأعدل ما وُصِف به ابن إسحق في نظره/ انظر مقدمة التقريب/ ص ٧٣، لكنه كما ترى لم يُصرِّح في ترجمته بما صرح به في =стр. 783
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الفتح من أن حديثه يعتبر حسنًا لذاته، وكذلك ذكر في مقدمة التقريب مراتب الألفاظ، وذكر في المرتبة الثالثة: لفظ: ثقة وما في حكمها، ثم ذكر في المرتبة الرابعة لفظ: صدوق ولا بأس به، أو ليس به بأس، التقريب/ ٧٤، ولكن لم يصرح بدرجة حديث أهل تلك المرتبة، ولا غيرِها، غير أنه يمكن القول: أن تصريحه في عدة مواضع متباعدة من الفتح بتحسين حديث ابن إسحق، يدلنا على أن من وُصِف من الرواة بلفظ "صدوق" وما في مرتبته، ولم يقترن بما يرفعه عن تلك المرتبة أو بما ينزله إلى الضعف، فيعتبر حديثه حسنًا لذاته، في رأي ابن حجر ومن يوافقه. ما لم تكن هناك علة أخرى والله أعلم.
النتيجة العامة لبحث حال ابن إسحق:
وعندما نستعرض ما مضى جميعه، نجد أن هذا الذي استقر عليه رأي الحافظ ابن حجر، يلتقي مع رأي أغلب العلماء المتقدمين والمتأخرين الذين قَدِّمتُ تحقيق ومقارنة أقوالهم نظريًا، وتطبيقيًا بقدر الإمكان، واستخلاص رأي عام لكل منهم حسبما يَسَّر الله لي فهمُه، سواء من تعددت أقوالهم، وهم: ابن معين والنسائي وابن المديني وأحمد والدارقطني، أو من حَسَّن حديث ابن إسحق نظرًا للاختلاف في حاله دون ترجيح لتوثيقه التام، وهما ابن القطان والمنذري، أو من جعل تحسين حديثه جامعًا بين مختلف الأقوال فيه، وهم: ابن عدي والذهبي، ثم إن رأي هؤلاء جميعًا ومعهم ابن حجر يتفق معه رأي بعض من لم تتعدد أقواله من المتقدمين مثل: محمد بن عبد الله بن نُمير حيث قال كما تقدم، وذَكَر ابن إسحق، إذا حدث عمن سمع منه من المعروفين فهو حسن الحديث، صدوق/ وانظر تاريخ بغداد ١/ ٢٢٧، ومِثْل مُحمد بن يحيى حيث حكى الحاكم عنه قولَه: هو حسن الحديث، عنده غرائب، وروى عن الزهري فأحسن الرواية/ تهذيب التهذيب ٩/ ٤٦.
وقد سبق للبخاري وغيره استخلاص موقف النقاد بصفة عامة من ابن إسحق، بما يتفق مع هذه النتيجة التفصيلية، فالإمام البخاري قد ذكر -كما تقدم- احتجاج ابن المديني بابن إسحق، ثم ذكر توثيق شعبة وسفيان له، ثم رواية غير =стр. 784
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = واحد من الأئمة عنه، ثم قال: وكذلك احتمله أحمد ويحيى بن معين، وعامة أهل العلم/ القراءة خلف الإمام للبخاري/ ٣٦، ٣٧، وعلى ضوء ما تقدم من خلاصة رأي أحمد وابن معين، من كون حديثه في مرتبة الحسن، يُفَسَّر معنى احتمال عامة أهل العلم له، في كلام البخاري هذا، وقال ابن البرقي: لم أرَ أهل الحديث يختلفون في ثقته وحُسن حديثه وروايته، وفي حديثه عن نافع بعضُ الشيء/ تهذيب التهذيب ٩/ ٤٦، وبناء على ما تقدم يكون المراد بأهل الحديث في كلامه: عامَّتَهم، كما عَبر البخاري وليس جميعهم، والعبرة بالأكثر، ومن هذا كله يتضح الآتي:
١ - إن الطعون الموجهة لابن إسحق بما يقتضي رد حديثه، أو شدة ضعفه، مردود عليها، وأما الطعن المفسر بالتدليس، أو بما يقتضي خفة الضبط، فكلاهما مُسلَّم به، وبناء على ذلك يكون ما دلسه أو تبين وهمه فيه، بشذوذ أو نكارة، فهو ضعيف، وما ليس كذلك فهو حسن لذاته، ما لم توجد فيه علة أخرى قادحة.
٢ - إن الأقوال المختلفة في ابن إسحق، سواء كانت من عالم واحدًا، أو من أكثر من عالم، يمكن الجمع بين غير المردود منها على جعل حديثه في مرتبة الحسن لذاته، ما لم يُدلسه، أو يشذ به، سواء في ذلك ما تعلق بالأحكام، أو ما تعلق بالمغازي والسيرة ونحوهما، ولكنه يُقدَّم في المغازي والسيرة عند الترجيح لإمامته فيهما.
٣ - إن أكثر من واحد من العلماء المتقدمين قالوا بتحسين حديث ابن إسحق فقط، ولم يُعرَف لهم فيه قول آخر يخالف ذلك، كما أن أكثر من جاء عنهم وصف ابن إسحق بألفاظ التوثيق العليا، قد جاء عنهم أيضًا وصفه بما يُنزله إلى مرتبة الحديث الحسن.
٤ - إن من يصححوا حديث ابن إسحق، بعضُهم لا يفرق بين الصحيح والحسن كابن خزيمة وابن حبان، وبعضهم يراعي ما يَعضُده من المتابع أو الشاهد كالترمذي. =стр. 785
مع ذلك الخُلف الواقع في إسناده: هل هو من رواية جابر عن النبي ﷺ ، أو من رواية جابر عن أبي قتادة، عن النبي ﷺ ؟.
على أن هذا الخلاف لا يضر، لأمرين:
أحدهما: كون رواية أبي قتادة غير محفوظة، كما تقدم (١) .
الثاني: أن كلًا من جابر، وأبي قتادة، صحابى، فسواء ثَبتَ الثاني، أو سَقط (٢) .
وأما حديث أبي قتادة، فقد أعلَّه (٣) بابن لَهيعة (٤) وقال: ضغفه يحيى القطان، وغيره (٥) . الحواشي
(١) انظر: ص ٦٩٣.(٢) لأن الحديث سيظل مرفوعًا بواسطة الأول وهو جابر، والراوي عنه في الإسناد الأول "مجاهد بن جبر" وفي الثاني "محمد بن مسلم أبو الزبير" وهما معدودان فيمن روى عن جابر/ انظر ترجمتهما في تهذيب الكمال ١٣/ ١٢٦٧، ١٣٠٥.(٣) يعني الترمذي، كما تقدم في صدر الباب.(٤) بفتح اللام وكسر الهاء/ التقريب/ ٣١٩.(٥) بقية كلام الترمذي: من قِبَل حفظه/ جامع الترمذي ١/ ١٦ ط شاكر، ولكنها لم تذكر في بعض نسخ الترمذي كما في النسخة التي مع عارضة الأحوذي ١/ ٢٦، كما أشرت لذلك في صدر الباب ص ٦٢٠ وقد تكرر من الترمذي الجزم بتضعيف ابن لهيعة في غير هذا الحديث أيضًا دون بيان لجهة الضعف، فقد أخرج من طريقه حديث تحريم الجمع بين المرأة وابنتها في النكاح، وقال: هذا حديث لا يصح من قبل إسناده، وإنما رواه ابن لهيعة والمثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب، والمثنى بن الصباح وابن لهيعة يضعّفان في الحديث/ جامع =стр. 786
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الترمذي - النكاح - باب فيمن يتزوج المرأة ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، هل يتزوج ابنتها أم لا؟ ٢/ ٢٩٣ ط عبد الرحمن عثمان فلم يصرح الترمذي هنا ببيان جهة الضعف في ابن لهيعة، لكنه في كتاب العلل الصغير، الذي في نهاية جامعه قد عد ابن لهيعة ممن تُكُلِّم فيهم من جهة حفظهم، وكثرة خطئهم وإن روى عنهم غير واحد من الأئمة ووثقوهم لجلالتهم وصدقهم، ثم قال: فإذا تفرد واحد من هؤلاء بحديث، ولم يتابع عليه، لم يحتج به، كما قال أحمد بن حنبل: ابن أبي ليلى لا يحتج به، إنما عني إذا تفرَّد بالشيء/ جامع الترمذي - كتاب العلل ٥/ ٣٩٩ - ٤٠٢ وشرح العلل لابن رجب ١/ ١٠٣، ١٠٤ - ١٠٦، ١٣٠، أقول: وسيأتي قول أحمد إنه لا يحتج بحديث ابن لهيعة وإنما يكتبه للاعتبار ص ٨٥١ فيحمل مراده بنفي الاحتجاج، على ما ينفرد به، كما أوضحه الترمذي في عبارته السابقة.
وقد ذكرت في صدر الباب ص ٦٢٠ أن بيان جهة التضعيف مهمة؛ لأن من العلماء من انتقد ابن لهيعة من جهة تتعلق بالعدالة، وضعف بعض حديثه بذلك، فقد ذكر الذهبي في الميزان من طريقه حديثًا في فضائل علي ﵁، ثم قال: وقال ابن عدي: لعل البلاء فيه من ابن لهيعة، فإنه مفرط في التشييع/ الميزان ٢/ ٤٨٣ وفي تذهيب تهذيب الكمال نقل قول ابن عدي مع الإشارة إلى أنه قد قاله عقب حديث تذهيب تهذيب الكمال للذهبي ٢ / ل ١٧٧ ترجمة ابن لهيعة، ولم يتعقب الذهبي ذلك بشيء، لا في الميزان ولا في التذهيب، ولكن تعقبه في السير ٨/ ٢٦ بقوله: فما سمعنا بهذا عن ابن لهيعة، بل ولا علمت أنه غير مفرط في التشييع، ولا الرجل متهم بالوضع، ثم أعل الحديث باحتمال أن يكون أدخله بعض الرافضة على راوي الحديث عن ابن لهيعة، وهو كامل بن طلحة، ولم يتفطن لذلك كامل، وإن كان مَحلُّه الصدق. لكني وجدت في أخبار قضاة مصر لأبي عُمر الكندي رواية بسنده إلى أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي - أنه لما أُشير عليه بتولية عبد الله بن لهيعة قضاء مصر قال: (فابن لهيعة على ضعف عَقلِه، وسوء مذهبه)؛ لكنه أخرج عقب تلك الرواية، رواية من طريق راوي الأولى وغَيرِه: أنه لما أُشير على أبي جعفر بابن =стр. 787
فَلْنذكُر ما حضر من ذِكْر ابن لهيعة، لِيُعلَم حالُه (١) وهو الحواشي
(١) وكلام المؤلف هذا يفيد إقراره تضعيف الترمذي للحديث من طريق ابن لهيعة وبسببه، وأنه ساق ما حضره من كلام العلماء فيه، ليُعلَم حالُه من الضعف، من جهة حفظه، كما قرره الترمذي؛ لكنه ساق بعض الأقوال الدالة على توثيقه وتمام ضبطه؛ إما ضمنًا، مثل القول الآتي، قريبًا: إن مالكًا كان يُحسن القول فيه، وأنه هو المقصود بقول مالك في أحد أحاديث الموطأ: (عن الثقة عن عمرو بن شعيب)، وإما صراحة، مثل ما سيأتي أيضًا من قول أحمد: من كان بمصر مثل ابن لهيعة في كثرة حديثه، وضبطه وإتقانه؟، ولذا كان عليه إن يدفع تعارض هذا في ظاهره، مع باقي أقوال التضعيف التي ذكرها، وباقي أقوال أحمد نفسه التي ذُكِرَت في ترجمته في كتب الرجال، ودلت صراحة على تضعيفه له وعدم الاحتجاج بما ينفرد به، كما سيأتي في التعليق على الترجمة، خاصة وأن مِنَ العلماء والباحثين من اعتمد على توثيق الإمام أحمد المتقدم لابن لهيعة، ورد باقي أقوال أحمد المجرحة، وغيره، مثل الشيخ أحمد شاكر يرحمه الله، وغيره، كما سيأتي ذكره والرد عليه.
ولعل المؤلف اكتفى بما سيلحظه القارئ لِمَا أَورده، من أن أكثر الأقوال على تضعيف ابن لهيعة، ومنها ما هو مفسر بأمثلة تفصيلية محددة تفيد سوء حفظه وتساهله في الأداء، خاصة في آخر عمره، لكن كثرة حديث الرجل، مع كثرة الأقوال فيه، بدءًا من تلاميذه الذين خَبروه، وحتى عصرنا هذا، ومعارضة بعضها لبعض حتى بالنسبة لأقوال العالم الواحد، كل ذلك جعلني أقوم ببذل جَهدي في =стр. 788
عبد الله بن لَهيعة بن عُقبة (١) بن فُرْعَان (٢) أبو عبد الرحمن (٣) الحَضرَمِي الحواشي
(١) ونسب في بعض مصادر ترجمته إلى جده فقيل: عبد الله بن عقبة بن لهيعة/ الطبقات لابن سعد ج ٧ ق/ ٢٠٤٢ والمجروحين لابن حبان ٢/ ١٨ ط الهند وتبعه السمعاني/ الأنساب ١٠/ ٦، ٧ وابن الأثير/ اللباب/ ٢/ ٣٧٣ ثم الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على جامع الترمذي ١/ ١٦ وسيأتي في التعليق ص ٧٩٩ أن ابن المبارك كان ربما ينسبه لجده عند الرواية عنه، وقد أشار البخاري إلى الخلاف في نسبته في الضعفاء الصغير فقال: عبد الله بن لهيعة ويقال: ابنُ عُقبة/ الضعفاء/ ٢٦٦ ط الهند فأشار بذلك إلى ترجيح الأول ثم جزم به في الكبير ٥/ ١٨٢ والأوسط المطبوع باسم الصغير/ ١٩٥ ط الهند وهو المشهور.(٢) بضم الفاء، وبالراء، وبالعين المهملة/ الإكمال لابن ماكولا ٧/ ٥٩ والمُشتبِه/ ٥٠٦.(٣) ذكر المزي أن هذا هو الأصح في كنيته، وأنه يُقال له أيضًا (أبو النضر) / تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٧ قال الذهبي: ولم يصح/ سير النبلاء ٨/ ١٢، وذكر في موضع آخر ٨/ ٢٠ ما يشير إلى وجه عدم صجته حيث قال: وتفرد نوح بن حبيب بأن كنيته (أبو النضح وقد اعتمد الإمام مُسلم الكنية الأولى/ الكنى لمسلم ١/ ٥١٩ بتحقيق د. القَشقري، وقد قيل له أيضًا: (أبو خَرِيطَة) وهي الوعاء من الجلْد أو نحوه يُربط على ما فيه من مكتوب/ المعجم الوسيط/ مادة (خرط) ١/ ٢٢٨ وقد ذكر بِشْر بن المنذر سبب ذلك فقال: كان ابن لهيعة يكنى "أبا خريطة"، كانت له خريطة معلقة في عنقه فكان يدور بمصر، فكلما قدم قوم =стр. 789
الأُعْدُولِي (١) ، من أنفسهم، ويقال: الغَافِقِي (٢) المصري قاضى مصر (٣) ، الحواشي
(١) بضم أوله، والدال المهملة، وسكون ثانيه، نسبة إلى "أُعدول" بطن من الحضارمة/ كذا في هامش تهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٣ نقلًا عن لب اللباب، وهو كتاب في الأنساب لجلال الدين السيوطي.(٢) بفتح الغين المعجمة وكسر الفاء والقاف، نسبة إلى غافق بن الشاهد بن عك، بن عدثان بن عبد الله، بطن من الأزد، ينسب إليهم كثير، ومنهم ابن لهيعة هذا، وقد نسب في كل من الأنساب ١٠/ ٧، ٨ واللباب ٢/ ٣٧٣ إلى جده فقيل؛ عبد الله بن عقبة بن لهيعة، وهو خلاف المشهور كما أسلفت.(٣) روى الفسوي عن تلميذ ابن لهيعة وهو يحيى بن عبد الله بن بُكير قال: ولي لهم -أي للعباسيين- ابن لهيعة بيت المال، وولي القلزم، وولي القضاء عشر سنوات في أيام أبي جعفر - يعني المنصور، والقلزم، وبيت المال في أيام المهدي/ المعرفة والتاريخ للفسوي ٢/ ٤٨٦، وحدد أبو عمر الكندي تاريخ تولي ابن لهيعة قضاء مصر بأنه مستهل سنة ١٥٥ هـ، من قبل أمير المؤمنين أبي جعفر، وذكر أنه أول قاض ولي مصر من قبل الخليفة - ولعله يعنى أن من سبقوه كانوا يعينون من قبل أمير مصر فقط، وليس من الخليفة، كما يفهم من تولية القاضي السابق عليه، وهو أبو خزيمة الرعيني، وذكر الكندي أن ابن لهيعة ظل قاضيًا على مصر إلى أن صرف عنها في ربيع الآخر سنة ١٦٤ هـ، وقال: وليها عشر سنين/ تاريخ قاضة مصر لأبي عمر الكندي ٢٧٤، ٧٨، ٢٨٠، فاتفق الفسوي والكندي على أن مدة ولايته القضاء كانت عشر سنوات. واتفق الذهبي مع الفسوي والكندي على تاريخ تولي ابن لهيعة قضاء إقليم مصر من قبل أبي جعفر المنصور، سنة ١٥٥ هـ، واتفق مع الكندي على أن راتب ابن لهيعة كان ثلاثين دينارًا في الشهر، لكنه قرر في موضع من ترجمة ابن لهيعة في السير ٨/ ١٤، أن مدة توليه القضاء =стр. 790
سمع عبد الرحمن بن هرمز، الأعرج (١) وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن هبيرة السبئي (٢) وأبا الزبير المكي، ومحمد بن الحواشي
(١) وقد كان سماعه منه فرصة نادرة سنح له بها لقاء وحيد عاجل، وتفرد بسماعه منه عن قرينه الليث بن سعد، قال إبراهيم بن صالح: قلت لابن لهيعة: كيف سمعت من الأعرج ولم يسمع منه الليث؟ قال: قدم الأعرج -يعني مصر- فنزل على جعفر بن ربيعة، قال: أي ابن لهيعة، وكنت أكف له -يعني للأعرج- حتى أشتري له الشعير لفرسه بالدراهم، قال: وكان يشنف -أي يبغض- الليث وعمرو بن الحارث، فقال لي: إني أريد أن أُسمِّع شيئًا، وقال: حتى تسمعه، ولا تخبر به أحدًا، قال: فسمعنا من الأعرج، وخرج إلى الإسكندرية، وتحدث الناس بذلك، فقالوا: الأعرج بن هرمز بالإسكندرية، قال ابن بُكير فسمعت الليث يقول: رأيته بمصر، عند المنبر، سئل عن حروف القرآن، ولا أعرفه، ولا أدري من هو/ المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٤٢.
وقد ذكر الليث نفسه قصة في تفويته على ابن لهيعة السماع من نافع مولى ابن عمر، وانفراده عنه به، ثم اتبعها ذكر هذه الواقعة باختصار، دون ذكر بغض الأعرج له، ولا رؤيته له، وذكر فيها أن ابن لهيعة لما جلس للتحديث، فقال: حدثني الأعرج عن أبي هريرة، دهش الليث، وقال له: متى رأيت الأعرج؟ فقال له ابن لهيعة: إن أردته، هو بالإسكندرية، فخرج الليث إلى الإسكندرية، فوجد الأعرج قد مات -يعني بها، وذكر أنه صلى عليه/ تهذيب الكمال ٣/ ١١٥٣، وقال الذهبي في ترجمة الأعرج: اتفق أنه خرج إلى الإسكندرية فأدركه أجله بها في سنة ١١٧ هـ/ معرفة القراء الكبار ١/ ٧٧، ٧٨.(٢) بالأصل هكذا "السبابي" وفي الكاشف ٢/ ١٢٩ والكامل لابن عدي ٤/ ١٤٧٠ =стр. 791
المنكدر، وعمارة بن غَزِيَّة (١) ، ويزيد بن أبي حبيب، ومِشْرَح (٢) بن هاعان، وعمرو بن دينار، وعمرو بن شعيب (٣) وأبا قبيل (٤) حُيَي (٥) بن هانئ، والحارث بن يزيد الحضرمي، ويزيد بن عمرو المعافري، وحَبَّان بن واسع، وبُكَير (٦) بن عبد الله بن الأشج، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبا عُشَّانة (٧) المعافري (٨) وأبا الأسود، الحواشي
(١) بفتح المعجمة وكسر الزاي، بعدها تحتانية ثقيلة/ التقريب/ ٤٠٩.(٢) بكسر أوله وسكون ثانيه، وفتح ثالثه، وآخره مهملة/ التقريب/ ٥٣٢، وذكر ابن ماكولا أن ثانيه شين معجمة ٧/ ٢٥٢.(٣) سيأتي خلاف في سماع ابن لهيعة منه، مع ترجيح سماعه منه بعض أحاديث معدودة، ثم إدخال بعض الرواة عن ابن لهيعة أحاديث أخرى لم يسمعها منه، وكذا إسقاط ابن لهيعة الواسطة بينه وبين عمرو نسيانًا/ ص ٨١٤، ٨١٥ ت.(٤) قَبِيل: بفتح القاف وكسر الموحدة، بعدها تحتانية ساكنة/ التقريب/ ١٨٥.(٥) بالأصل "يحيى" والصواب ما أثبته، وهو بضم أوله، وياءين من تحت، الأولى مفتوحة التقريب/ ١٨٥ والخلاصة/ ٩٧.(٦) مصغر/ التقريب / ١٢٧، ١٢٨، والمغني للفتني/ ٤٢.(٧) عُشَّانة: بضم أوله، وتشديد المعجمة، وبعد الألف نون/ التقريب/ ٦٥٨ وذكر أيضًا أن أوله مهملة/ ١٨٥ واسمه: حي -بفتح أوله وتشديد التحتانية- بن يؤمن/ تهذيب الكمال ١/ ٣٤٧ والتقريب/ ١٨٥.(٨) بفتح الميم والعين المهملة، وكسر الفاء والراء، نسبة إلى معافر بن يعفر بن مالك/ الأنساب ١٢/ ٣٢٨، ٣٢٩.стр. 792
محمد بن عبد الرحمن، يتيم عروة، وصالح بن أبي عَرِيب (١) وأبا يونس، مولى أبي هريرة، وأبا السمح، دَرَّاجا، وسالمًا أبا النضر، وعيَّاش (٢) بن عباس (٣) وأبا صخر، حميد بن زياد، وخالد بن أبي عمران، وقال روح بن صلاح (٤) : لقي ابن لهيعة اثنين وسبعين تابعيًا.
روى عنه الأوزاعي (٥) والثوري (٦) ، والليث بن سعد، وعمرو بن الحارث (٧) وعثمان بن حكيم الجذامي، وعبد الله بن المبارك (٨) الحواشي
(١) بفتح المهملة وكسر الراء، وآخره موحدة، واسم أبي عريب: قُلَيب -بالقاف، والموحدة مصغر/ التقريب/ ٢٧٣.(٢) بتشديد التحتانية وآخره معجمة/ التقريب/ ٤٣٦ وتهذيب الكمال ٢/ ١٠٧٥.(٣) بموحدة ومهملة/ التقريب/ ٤٣٧.(٤) هو أحد الرواة عن ابن لهيعة، وبقية كلامه: ولقي الليث بن سعد إثني عشر تابعيًا/ تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨، وبهذه التكملة يظهر معنى صدر كلامه المتعلق بابن لهيعة، وهو أنه يقارن بينه وبين الليث من هذه الناحية، وهي كثرة شيوخ ابن لهيعة من التابعين عن شيوخ الليث، مع أن طبقتهما واحدة، والليث متقدم في الولادة على ابن لهيعة بسنتين تقريبًا على الأقل/ انظر سير النبلاء ٨/ ١٢، ١٣٧، وقد روى عنه الليث كما ترى في بيان تلاميذه، قال المزي: وهو من أقرانه، وولد قبله بسنتين/ تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨.(٥) ومات قبله/ تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨.(٦) ومات قبله أيضًا/ تهذيب الكمال/ الموضع السابق.(٧) ومات قبله/ المصدر السابق.(٨) وكان في روايته عنه ربما نسبه إلى جده/ تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨ فيقول: عبد الله بن عقبة، وذلك خلاف المشهور كما أشرت من قبل.стр. 793
وعبد الله بن وهب، وعبد الله بن يزيد، أبو عبد الرحمن، المُقْرِي، وعبد الله بن مَسْلَمة القَعْنَبِي (١) ، وعبد الله بن صالح -كاتب الحواشي
(١) قال ابن حبان: أصحابنا يقولون: سماع من سمع منه قبل احتراق كتبه مثل العبادلة ... وذكر الأربعة المتقدم ذكرهم - فسماعهم صحيح، ثم ذكر من نتائج سبره لمروياته، ومن انتقاده الخاص لبعض أحاديث أحد هؤلاء العبادلة وهو ابن وهب، ما يدل على أن صحة سماعهم عنه، لا تقتضي صحة ما يروونه عنه، بل يوجد فيه تدليس عن الضعفاء أو شذوذ من جهته أو نكارة/ المجروحين لابن حبان ٢/ ١٨ - ٢١، وسيأتي ذكر المؤلف لتفصيل كلام ابن حبان ص ٨٤٠ - ٨٤٤، وسيأتي أيضاً في التعليق والأصل عن غير واحد من العلماء: أنهم جمعوا في سياق واحد بين تضعيف ابن لهيعة وعدم الاحتجاج به، وبين تقوية رواية بعض هؤلاء العبادلة وأمثالهم عنه ص ٨٢٥ هامش ٥ إلى ٨٢٦، ٨٢٩ هامش ٣، ٨٣٩ هامش ١، وهذا يفيد أن المراد كون رواية هؤلاء وأمثالهم عنه تعتبر أقوى الضعيف؛ لِمَا تميزوا به عن غيرهم، من حيث الثقة والأخذ عنه قبل زيادة سوء حفظه، مع التحري لمروياته، بحيث كان منهم من ينقل من أصوله الخطية بجانب السماع منه، كما سيأتي تفصيله.
ومما يؤكد كون رواية هؤلاء عنه لا تعتبر حجة بمفردها، أن بعضهم قد نقد بنفسه ابن لهيعة من جهة ضبطه، كابن المبارك ص ٨١٢ هامش ٥، وابن وهب، حيث أقسم على صدقه، ثم انتقده من جهة حفظه ص ٨٠٥، أصل وهامش ٢.
ثم جاء من بعدهم من ضعف ابن لهيعة أيضاً، وصرح بعدم الاحتجاج بروايتهم عنه، فقد نقل ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة الرازي أن ابن لهيعة أمره مضطرب، ويكتب حديثه على الاعتبار، قال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: إذا كان من يروي عن ابن لهيعة مثل ابن المبارك وابن وهب يحتج به؟ قال: لا/ الجرح والتعديل ٥/ ١٤٧، وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٩.
وذكر الدارقطني ابن لهيعة في الضعفاء وقال: يعتبر بما يروي عنه العبادلة: ابن =стр. 794
الليث- والوليد بن مسلم، والوليد بن مَزْيد (١) .
وسمع منه قبل احتراق كتبه (٢) : منصور بن عمار (٣) وقتيبة بن الحواشي
(١) بفتح الميم وسكون الزاي، وفتح التحتانية/ التقريب/ ٥٨٣.(٢) لم أجد غير المؤلف من قال: إن هؤلاء الآتي ذكرهم قد رووا عن ابن لهيعة قبل احتراق كتبه، مع مراجعتي لعامة مصادر ترجمته عند المتقدمين والمتأخرين، بل إن أحد من ذكرهم وهو قتيبة بن سعيد قد بحثت ترجمته فوجدت أنه لا يتأتى سماعه من ابن لهيعة قبل احتراق كتبه كما سيأتي في التعليق عليه ص ٨٠٢، إن نصف من ذكرهم من طبقة قتيبة هذا، وهناك أيضًا من ذكر سماعه من ابن لهيعة قبل احتراق كتبه بسنين عديدة ولم يذكرهم، مثل: بشر بن بكر، الذي أخرج العقيلي عنه قوله: لم أسمع من ابن لهيعة بعد سنة ١٥٣ هـ/ الضعفاء للعقيلي ٢/ ٢٩٤ وسيأتي أن الاحتراق كان سنة ١٦٩ هـ أو سنة ١٧٠ هـ ص ٨٢٢ ت - ٨٢٣ أصل، ت، ومنهم من صرح بنفسه بأنه كتب عنه بعد الاحتراق، وهو عثمان بن صالح السهمي، كما سيأتي في التعليق عليه.(٣) هو منصور بن عمار بن كثير، أبو السري السلمي الواعظ، القاص، قدم مصر وجلس يقص على الناس، فسمع كلامه الليث بن سعد، فاستحسن قصصه، وفصاحته، وأقطعه خمسة عشر فدانًا، ثم صار إلى ابن لهيعة فأقطعه خمسة فدادين، ثم =стр. 795
سعيد (١) وعمرو بن خالد، الحراني، وأسد بن موسى، ومحمد بن رُمح (٢) ومحمد بن الحارث، المصري المعروف بـ "صُدْرة" (٣) ، الحواشي
(١) ولد قتيبة سنة ١٥٠ هـ على الراجح وجاء عنه أن أول خروجه في طلب الحديث كان إلى العراق، في سنة ١٧٢ هـ/ تهذيب التهذيب ٨/ ٣٥٩، وقد احترقت كتب ابن لهيعة سنة ١٦٩ هـ أو سنة ١٧٥ هـ/ الميزان ٢/ ٤٧٦، ٤٧٧ والضعفاء للعقيلي ٢/ ٢٦٤ فكيف يتأتى سماعه من ابن لهيعة قبل احتراق كتبه كما ذكر المؤلف؟ ثم إن الإمام أحمد ذكر أن قتيبة هذا آخر من سمع من ابن لهيعة/ تهذيب الكمال ٢/ ١١٢٣، وجاء عن قتيبة ما يدل عل أن المراد بالآخرية في كلام الإمام أحمد، هي آخر حياة ابن لهيعة حيث يقول قتيبة: حضرت موت ابن لهيعة، ومات سنة ١٧٤ هـ وشهدت جنازته/ تهذيب الكمال ٢/ ١١٢٤، وأيضًا عده ابن عدي من الرواة المتأخرين عن ابن لهيعة/ الكامل ٦/ ١٤٦٤.(٢) ووصفه الذهبي/ السير ٨/ ١٣ بأنه خاتمة من روى عن ابن لهيعة، ويبدو أن مراده كونه آخرهم موتًا حيث إنه توفي سنة ٢٤٢ هـ وقيل سنة ٢٤٣ / تهذيب الكمال ٣/ ١١٩٧، ١١٩٨، وهو معدود من الطبقة العاشرة عند ابن حجر، ولم أجد من تأخرت طبقته عنها فيمن روى عن ابن لهيعة/ انظر التقريب/ ٤٧٨.(٣) ذكر الحافظ ابن حجر وغيره أن هذا لقب محمد المذكور، ولكن لم أقف على ضبطه بالحروف، انظر تقريب التهذيب/ ٧٢٢ ونزهة الألباب في الألقاب لابن =стр. 796
وأشهب بن عبد العزيز، وزيد بن الحباب، وعثمان بن صالح السهمي (١) ومروان بن محمد الطَّاطَري (٢) ومُجّاعة (٣) بن ثابت، ومحمد بن معاوية النيسابوري، وكامل/ بن طلحة الجَحدَرِي (٤) وحجاج بن سليمان الرُّعَينِي (٥) . الحواشي
(١) قد جاء عن هذا الرجل تصريحه بالكتابة عن ابن لهيعة بعد الاحتراق، فقد سأله ابنه: متى احترقت دار ابن لهيعة؛ فقال: سنة ١٧٠، فقال له: واحترقت كتبه كما تزعم العامة؟ فقال: معاذ الله، ما كتبت كتاب عمارة بن غزية -أحد شيوخ ابن لهيعة- إلا من أصل كتاب ابن لهيعة بعد احتراق داره، غير أن بعض ما كان يقرأ منه احترق، وبقيت أصوله بحالها/ تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨، أقول: وكتابته كتاب عمارة بن غَزِية هذا بعد الاحتراق، دليل على سماعه له من ابن لهيعة بعد الاحتراق أيضًا، حيث إِن الرواة عنه كانوا يكتبون ثم يسمعون عليه ما كتبوه/ المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٣٤، ٤٣٥ والسير ٨/ ٢١ نعم يمكن أن يكون سمع منه أيضًا قبل الاحتراق، ومع هذا ما يسوغ اقتصار المؤلف على عده ممن سمع منه قبل الاحتراق فقط.(٢) بمهملتين مفتوحتين/ التقريب/ ٢٥٦ بينهما الألف، وفي آخرها الراء، ويقال بمصر ودمشق لمن يبيع الكرابيس والثياب البيض: "طَاطَري" وهذه نسبة إليها، وممن عرف بها، مروان المذكور/ الأنساب ٩/ ٦، ٧.(٣) بضم أوله وتشديد الجيم، كذا ضبطه الحافظ ابن حجر، في ترجمة "مُجاعة بن مرار"/ التقريب/ ٥٠٢.(٤) بفتح الجيم وسكون الحاء، وفتح الدال، المهملتين، وفي آخرها الراء، نسبة إلى "جحدر" وهو اسم رجل/ انظر الأنساب ٣/ ٢٠٦، ٢٠٧، والتعليق عليها.(٥) بضم الراء وفتح العين المهملة، وبعدها الياء المنقوطة باثنتين من تحتها وفي آخرها النون، نسبة إلى "ذِي رُعَين" من أقيال اليمن/ الأنساب ٦/ ١٤٣.стр. 797
وسعيد بن كثير بن عُفير (١) .
ذكر الحسن بن [علي الخلال عن زيد بن الحباب] (٢) عن الثوري: أنه قال: عند ابن لهيعة الأصول، وعندنا الفروع. وقال سفيان (٣) : حججت حججًا، لألقى ابن لهيعة. وقال عبد الرحمن بن مهدي: ودِدت أني سمعت من ابن لهيعة خمسمائة حديث، وأني غرمت [مؤدَّى] (٤) وقال ابن مهدي: ما أعتد بشيء سمعته من ابن لهيعة الحواشي
(١) بالمهملة والفاء، مصغر/ التقريب/ ٢٤٥، ولم يستوعب المؤلف الرواة عن ابن لهيعة، بل ترك منهم من وصف بأنه كان راوية لابن لهيعة - وهو أبو الأسود الذي سيرد ذكره في الكلام عن حال ابن لهيعة/ قريبًا، وهو متقدم الوفاة بكثير من السنين عن عدد ممن ذكرهم المؤلف/ انظر تهذيب التهذيب ١٠/ ٤٤٠، ٤٤١ وانظر باقي شيوخ وتلاميذ ابن لهيعة في تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٧، ٧٢٨.(٢) بالأصل "ابن رشيق" والصواب ما أثبته تبعًا لمصادر الترجمة/ الميزان ٢/ ٤٤٧، وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٦ وفيها قول زيد "سمعت سفيان" بدل "عن" و"يقول" بدل "قال".(٣) قول سفيان هذا أيضًا مما سمعه منه زيد بن الحباب/ تهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٦.(٤) بالأصل "مادا" وهو يمكن أن تقرأ "ماذا" باعتبار أن الناسخ يهمل النقط كثيرًا، ويكون المعنى: "وأني غرمت كثيرًا"، ولكني رجحت ما أثبته بناء على استقامة المعنى أيضًا عليه، وعلى تفسيره المذكور بعده في كل من تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨ والسير ٨/ ١٧ حيث جاء بعدها ما نصه: "كأنه -أي ابن مهدي- يعني دية" فيصبح معنى العبارة: وأني غرمت دية، يعني في سبيل الرحلة إليه، وجاء في تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٢٨٤، "مالًا"، وهو تحريف أيضًا، وهذا القول من ابن مهدي يفيد ثناءه على ابن لهيعة كما لا يخفى، وتؤيده الرواية التالية عنه أيضًا، ولكن سيذكر المؤلف أيضا بعد قليل رواية ثالثة عن ابن مهدي تعارض الروايتين المذكورتين، لإفادتها تركه التحمل عنه مطلقًا، لما تبيَّن له من =стр. 798
إلا سماع ابن المبارك، ونحوه (١) وحدث ابن وهب بحديث، فقيل له: من حدثك بهذا؟ فقال: حدثني به -والله- الصادق البار، عبد الله بن لهيعة (٢) وقال عثمان بن سعيد: قلت ليحيى بن معين: الحواشي
(١) قول ابن مهدي هذا رواه عنه سماعًا، نعيم بن حماد/ تهذيب الكمال ٢/ ٢٧٨، وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٥، والسير ٨/ ١٥، والمراد بمن هو نحو ابن المبارك، من كان مثله، كابن وهب وبقية العبادلة السابق ذكرهم، ومن يماثلهم في الطبقة والثقة، وفي الضبط لمروياتهم عنه بكتابتها من أصوله الخطية أو من فروعها الموثقة، بجانب السماع عليه/ انظر المعرفة والتاريخ ٢/ ١٨٤، ١٨٥، ٤٣٤، ٤٣٥، والسير ٨/ ٢١.
وكلام ابن مهدي المذكور، يحتمل دلالتين: أولاهما أنه يرى أن رواية ابن المبارك ونحوه من الثقات الضابطين عن ابن لهيعة تكشف خطأه من صوابه، وهذا يلتقي مع ما قدمته عن غيره ممن ضعف ابن لهيعة، ولو في رواية الضابطين عنه، وأما الدلالة الثانية لكلامه فهي احتمال الإشارة إلى أن ابن لهيعة في نفسه ثقة عنده، ولكنه يرى أن الخلل في روايته مرجعه إلى الرواة عنه، وهذا يلتقي مع ثنائه عليه كما سبق، وتمنيه الرواية عنه، ولو كلفه ذلك الكثير من المال، ولكن سيأتي عنه بعد قليل ما يعارض هذا، ويوافق الاحتمال الأول كما أشرت اليه في التعليق السابق.(٢) أخرجه ابن عدي في الكامل ٤/ ١٤٦٣ من طريق أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح أنه سمع ابن وهب، به، وفي تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨ والسير ٨/ ١٧ تعقيب من أبي الطاهر على ذلك بقوله: وما سمعته يحلف بمثل هذا قط. أقول: ولعله أراد بهذا الرد على من كان يسيء القول في ابن لهيعة من تلاميذه الآخرين مثل سعيد بن أبي مريم، الآتي كلامه قريبًا في الأصل، مع تعليقي عليه، =стр. 799
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = بالمشيئة، لكن يُلاحَظ أن ابن وهب أكد صدقه في روايته، بما يدفع أي اتهام له بالكذب فيها، أما ضبطه فلم يتعرض له بل جاء عنه ما يفيد انتقاد ضبطه خاصة في آخر حياته، وذلك عن دراية، وخبرة حيث إن ابن وهب، كما أشرت من قبل، وكما سيأتي، كان معنيًا بضبط مروياته عن ابن لهيعة، حيث كان ينقلها من أصوله الخطية إلى آخر حياته، بجانب سماعه منه، ولهذا كان من تلاميذ ابن لهيعة الآخرين من يعتمد بدوره على ما كتبه ابن وهب، كما سيأتي ص ٨٥٠، ٨٥٢ ويبدو أن عناية ابن وهب تلك بضبط رواياته عن ابن لهيعة جعلته يختبر ضبطه على امتداد حياته، فتبين له وجود بعض الخلل في ضبطه، ونبه غيره على هذا، فقد أخرج العقيلي بسنده عن خالد بن خداش قال: قال لي ابن وهب -ورآني لا أكتب حديث ابن لهيعة-: إني لست كغيري في ابن لهيعة، فاكتبها -يعني الأحاديث من طريقه-، ثم قال خالد: وقال لي: حديثه عن عقبة بن عامر: أن رسول الله ﷺ قال: "لو كان القرآن في إهاب ما مسته النار" ما رفعه لنا ابن لهيعة في أول عمره قط/ الضعفاء للعقيلي ٢/ ٢٩٥ والميزان ٢/ ٤٧٦.
فتنبيهه على اختلاف رواية ابن لهيعة للحديث المذكور، بحيث رواه في أول حياته موقوفًا، ثم رواه في أواخرها مرفوعًا، يدلنا على أن ابن وهب كان يكرر السماع من ابن لهيعة، ثم يقارن روايته المتقدمة بروايته المتأخرة، وهذه من طرق اختبار المحدثين لضبط الراوي وحفظه، وقد تبين بذلك لابن وهب وغيره أن ابن لهيعة تغير حفظه في آخر عمره عما كان عليه في أوله، وإن لم يصل به ذلك إلى الاختلاط، كما سيأتي بيانه. وأما قول ابن وهب لخالد: "إني لست كغيري في ابن لهيعة"، فهو يفيد تفاوت تلاميذه في ضبط روايتهم عنه، بل كان منهم من يدخل عليه ما ليس من روايته، كما سيأتي، ولعله يشير بهذه العبارة أيضًا إلى ما عرف عنه من نقله لمروياته عن ابن لهيعة من أصوله الخطية واستمراره على ذلك إلى أن مات ابن لهيعة، كما سيأتي.
ويبدو أن هذا قد مكنه من معرفة ما هو من سماعه، وما ليس من سماعه ممن حدث به عنهم، على سبيل الوهم والتساهل في الأداء، كما في روايته بالسماع =стр. 800
كيف رواية ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر؟ قال: ابن لهيعة ضعيف الحديث (١) وقال ابن أبي مريم (٢) رأيت ابن الحواشي
(١) تاريخ عثمان الدارمي عن ابن معين، بتحقيق د. أحمد نور سيف/ ١٥٢ والجرح والتعديل ٥/ ١٤٧ وقد أخرج ابن عدي من رواية ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر عدة أحاديث وأعل بعضها بابن لهيعة وبتلميذه محمد بن الحارث الملقب بصدرة، وبعضها بابن لهيعة وحده، وقال: ولابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر، نسخة، يحدث بذلك ابن بكير، وقتيبة، وغيرهما من المتأخرين/ الكامل ٤/ ١٤٦٤، ١٤٦٥، وستأتي أقوال أخرى عن ابن معين، ذكرها المؤلف في الأصل، وسنعلق هناك بوجود بعض روايات أخرى عن ابن معين فيها معارضة للرواية المذكورة هنا ولما سيأتي في الأصل.(٢) هو سعيد بن الحكم بن محمد، المعروف بابن أبي مريم، ثقة ثبت فقيه/ التقريب/ ٢٣٤، ٢٤١، وهو من تلاميذ ابن لهيعة/ تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨، وعن ابن الجنيد أنه سمع يحيى بن معين يقول: كان ابن أبي مريم سيء الرأي في ابن لهيعة، فلما كتبوها عنه، وسألوه عنها، أي: كتبوا أحاديث ابن لهيعة برواية ابن أبي مريم عنه -سكت عن ابن لهيعة/ السير ٨/ ١٩، وتهذيب الكمال ٢/ ٧٢٩، ولابن أبي مريم بعض أقوال أخرى في نقد شيخه ابن لهيعة، فلا تُقبل منه إلا بحجة/ انظر بعض انتقاداته في تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨ والسير ٨/ ٢٥ والمعرفة والتاريخ ٢/ ٤٣٥.стр. 801
لهيعة (١) يعرض عليه ناس من الناس (٢) أحاديث من أحاديث العراقيين (٣) ، الحواشي
(١) هذا القول يرويه أبو حاتم الرازي أنه سمع ابن أبي مريم، به، وقد رواه عن أبي حاتم ابنه وموسى بن العباس، فاختلفت الروايتان، فلفظ رواية ابنه جاء هكذا "رأيت ابن لهيعة في آخر عمره، وقوم من أهل بربر يقرأون عليه من حديث منصور والأعمش والعراقيين، فقلت له: يا أبا عبد الرحمن" إلخ ... وعقب ابن أبي مريم على كلام ابن لهيعة قائلًا: فلم أكتب عنه بعد ذلك/ الجرح ٥/ ١٤٦، والميزان ٢/ ٤٧٧، ولفظ رواية موسى بن العباس مطابقة لما هنا في الأصل مع زيادة التمثيل للعراقيين بمنصور والأعمش وأبو إسحق -يعني السبيعي-/ الكامل ٤/ ١٤٦٢، والسير ٨/ ٢١، وأهم خلاف بين الروايتين تحديد زمن هذه الواقعة بأنها كانت في آخر حياة ابن لهيعة، حيث اشتملت رواية ابن أبي حاتم على ذلك، وخلت منه رواية موسى بن العباس، ويبدو أن رواية ابن أبي حاتم هي الراجحة، لمناسبتها للأقوال الأخرى التي ذكرت أنه مع سوء حفظه عمومًا، فإنه كان أسوأ بعد احتراق كتبه في آخر حياته./ انظر السير ١/ ٢٨ والميزان ٢/ ٤٧٧ وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٨، وسيأتي أيضًا في كلام المؤلف في الأصل ما يؤيده.
ويرجح رواية ابن أبي حاتم أيضًا اشتمالها على بيان نتيجة تلك الواقعة، وهي ترك ابن أبي مريم للتحمل عن ابن لهيعة.(٢) في رواية ابن أبي حاتم عن أبيه: أنهم قوم من أهل بربر/ الجرح ٥/ ١٤٦، وهم شعب أكثره قبائل تسكن الجبال قي شمال إفريقية/ المعجم الوسيط/ مادة "بربر" ١/ ٤٦.(٣) الذي في الكامل ٤/ ١٤٦٤ من رواية موسى عن أبي حاتم التمثيل للعراقيين بمنصور -يعني ابن المعتمر- والأعمش، وأبي إسحق -يعني السبيعي/ وثلاثتهم كوفيون وفي رواية ابن أبي حاتم: من حديث منصور والأعمش والعراقيين/ الجرح ٥/ ١٤٦ والميزان ٢/ ٤٧٧، فلعل المقصود: والعراقيين مثل هذين.стр. 802
فأجازه لهم (١) ، فقلت: يا أبا عبد الرحمن: هذه الأحاديث ليست من أحاديثك، فقال: هي أحاديث قد مرت على مسامعي (٢) ، وقال أبو حاتم: سألت أبا الأسود (٣) قلت: كان ابن لهيعة يقرأ ما يُدفع إليه؟ قال: كنا نرى أنه لم يفته من حديث مصر كثير شيء، وكنا نتتبع أحاديث من حديث غيره، عن الشيوخ الذين يروي عنهم، فكنا ندفعها إليه، فيقرؤها (٤) . الحواشي
(١) قوله: فأجازه لهم، ليس في رواية ابن أبي حاتم عن أبيه، والظاهر من سياق الكلام، أن المراد بالإجازة الموافقة على قراءتهم عليه ما ليس من حديثه؛ لأن القراءة على العالم، وتسمى أيضًا العرض، لا يعبر عنها بالإجازة بالمقروء، ولكن نكون إخبارًا منه لهم، وإقرارًا بأن المقروء من روايته.(٢) ذكر الذهبي تعليقًا على هذه العبارة ما نصه: يقول: يكون قد رواها وجادة الميزان ٣/ ٤٧٧، وبهذا يندفع عن ابن لهيعة دعوى سماع ما لم يسمعه، كما قد يتبادر من ظاهر كلام ابن أبي مريم هذا، لكن هذا الصنيع لا شك أنه تساهل واضح في الأداء، ثم إن في رواية ابن أبي حاتم عن أبيه تعقيب لابن أبي مريم على هذه الواقعة بقوله: "فلم أكتب عنه بعد ذلك"/ الجرح ٥/ ١٤٦، وقد نبهت آنفًا على هذا، ومع أن ابن أبي مريم كان سيء الرأي في ابن لهيعة كما قدمت، إلا أنه لم ينفرد بمثل هذا النقد لابن لهيعة، بل جاء نحوه عن غيره مثل قول أبي الأسود الذي ذكره المؤلف بعد قول ابن أبي مريم هذا، وسيأتي عن غيرهما نحو ذلك أيضًا.(٣) هو النضر بن عبد الجبار، أحد تلامذة ابن لهيعة الموثقين عمومًا، وفي الرواية عن ابن لهيعة خصوصًا، كما وصف بكثرة الرواية عن ابن لهيعة/ المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٣٤، ٤٣٥، وتهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨، ٧٢٩.(٤) أخرج ابن عدي هذه الرواية عن موسى بن العباس ثنا أبو حاتم به/ الكامل ٤/ ١٤٦٢ وقد أخرج الفسوي بعض الأحاديث التي رويت عنه مقرونًا بغيره/ المعرفة ١/ ٤٠٠، ٢/ ٥١٣، ٧٤٩، وتلك الرواية عن أبي الأسود، يستفاد منها =стр. 803
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = أنه كان يشارك غيره في إدخال تلك الأحاديث زورًا على ابن لهيعة، ويشارك أيضًا في تحملها عنه، وذلك يعارض ما قدمته من توثيقه عمومًا، وفي روايته عن ابن لهيعة خصوصًا، لاسيما أنه سيأتي وصف من كانوا يفعلون ذلك مع ابن لهيعة بعدم تقوى الله ص ٨٣٦ ت، لكن ما وصف به أبو الأسود من التوثيق يجعلنا نحمل كلامه هذا على أنه كان يشترك مع الفاعلين لذلك بغير قصد التحمل عنه مثلهم، أو الإفساد للحديث، ولكن يقصد اختبار ضبط ابن لهيعة فقط، حيث كان ذلك في أواخر حياته كما سيأتي، ويؤيد ذلك أنه جاء عن أحد تلاميذ أبي الأسود، من النقاد، وهو أحمد بن صالح المصري، ما يفيد أن رواية شيخه أبي الأسود عن ابن لهيعة منضبطة، وخالية مما ليس من حديث ابن لهيعة، فقد ذكر الفسوي سماعه من أبي الأسود، ووصفه بأنه ثقة، ثم قال: وسمعت أحمد بن صالح أبا جعفر -وكان من خيار المتقنين- يثني عليه -يعني على أبي الأسود-، ثم ذكر الفسوي أن أحمد بن صالح قال له: كتبت حديث أبي الأسود في الرق، قال الفسوي: فاستفهمته، -يعني عن المقصود بأنه كتب حديث أبي الأسود في الرق- فقال لي: كنت أكتب عن المصريين وغيرهم ممن يخالجني أمره -يعني أشك في حاله- فإذا ثبت لي، حولته في الرق، وكتبت حديثًا لأبي الأسود في الرِّق، وما أحسن حديثه عن ابن لهيعة/ المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٣٤، وذكر الفسوي الرواية بسياق آخر، فيه توضيح أكثر فقال: وسمعت أحمد بن صالح يقول: كتبت حديث ابن لهيعة عن أبي الأسود في الرق، قال: كنت أكتب عن أصحابنا في القراطيس وأستخير الله فيه، فكتبت حديث ابن لهيعة عن النضر في الرق، ثم قال: وظننت أن أبا الأسود كتب -يعني عن ابن لهيعة- من كتاب صحيح، يشبه حديث أهل العلم/ المعرفة والتاريخ ٢/ ١٨٤، ١٨٥. أقول: وفي المعرفة والتاريخ للفسوي روايات كثيرة يرويها عن أبي الأسود وحده، أو مقرونًا بغيره، عن ابن لهيعة ويوجد عدد من تلك الأحاديث في أحد الصحيحين من غير طريقه، وهذا يؤيد قول أحمد بن صالح: إنه وجد روايات أبي الأسود عن ابن لهيعة تشبه به أحاديث أهل العلم/ انظر المعرفة والتاريخ ١/ ٢٥٢، ٢٥٣، ٢٥٤، ٢٩٩، ٢/ ٤٤٠، ٤٩٠، ٥١٨، =стр. 804
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ٥٣١، وقد وضع المزي أيضًا رمز ابن ماجه على رواية أبي الأسود عن ابن لهيعة/ تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨، وبالمقابل أيضًا فإني لم أجد فيما ذُكر في ترجمة ابن لهيعة من الأحاديث المنتقدة عليه - وخاصة في الكامل لابن عدي، لم أجد حديثًا من رواية أبي الأسود عن ابن لهيعة، فهذا كله يفيد عدم القدح في ثقة أبي الأسود، وبراءته من الرواية عن ابن لهيعة ما ليس من حديثه، لكن هذا لا يقتضي صحة حديث ابن لهيعة نفسه، وإن كان من رواية الضابطين عنه، وإنما يقتضي أن رواية الضابطين عنه كأبي الأسود والعبادلة تكون أقل ضعفًا من رواية غيرهم، كما أشرت من قبل ص ٨٠٠، ٨٠١ ت وبالتالي ترتفع روايتهم إلى الحجية بوجود متابع لها أو شاهد يصلح لذلك، ويؤيد هذا ما ذكره أحمد بن صالح في كلامه السابق من أنه حول أحاديث أبي الأسود عن ابن لهيعة من قراطيس الجمع العام الورقية المؤقتة إلى رقاق الجلد الثابتة، بعد أن ثبت له أن حديثه عن ابن لهيعة يشبه حديث أهل العلم، وهم الثقات. ومعنى ذلك أنه قام بعملية الاعتبار الاصطلاحية فقارن رواياته بروايات الثقات المشاركين له ولشيخه في تلك الأحاديث، ولم يعتمد ثبوت الرواية عن ابن لهيعة وحده، ويؤكد هذا أيضًا أنه بعد أن ذكر توثيق أبي الأسود وتلميذ آخر: هو محمد بن رمح في روايتهما عن ابن لهيعة قال الفسوي: فقلت له في حديث ابن لهيعة، قال: لم تعرف مذهبي في الرجال، إني أذهب إلى أنه لا يترك حديث محدث، حتى يجمع أهل مصره على ترك حديثه/ المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٣٤، ٤٣٥ والسير ٨/ ١٨، فقول الفسوي: "فقلت له في حديث ابن لهيعة، أي سألته عن درجة حديث ابن لهيعة في حد ذاته، إذا ضبطه الرواة الثقات عنه، فأجابه ابن صالح بما يفيد أن ابن لهيعة اختلف أهل بلده وهم الأعرف به في قبول روايته وردها، ولم يتفقوا على ترك حديثه، وهو مذهبه: ألا يُترك حديث الرجل، حتى يجمع أهل بلده على تركه، وأنه لهذا لم يترك حديثه كلية، ولكن انتقى منه ما تبين له ثبوته عنه، ثم وجده أيضًا يشبه حديث الثقات، ومقتضى ذلك أنه يرى حديث ابن لهيعة في حد ذاته، ضعيفًا قابلًا للانجبار بمتابع أو شاهد معتبر، وبذلك توسط في حاله بين الترك المطلق، والقبول المطلق، وستأتي بعض أقوال لأحمد بن صالح صريحة في انتقاد حفظه، وبيان تساهله في الأداء ص ٨٢٠، ٨٢١ ت =стр. 805
وقيل لابن مهدي: تحمل عن عبد الله بن يزيد القصير (١) عن ابن لهيعة؟ قال: لا أحمل عن ابن لهيعة قليلًا ولا كثيرًا، ثم قال عبد الرحمن (٢) : كتب إليّ ابن لهيعة كتابًا فيه: ثنا عمرو بن شعيب. قال عبد الرحمن: فقرأته على ابن المبارك، فأخرج (٣) إليَّ ابنُ المبارك من كتابه، عن ابن لهيعة، فإذا حدثني (٤) إسحق بن أبي فروة (٥) عن عمرو بن شعيب. الحواشي
(١) هو عبد الله بن يزيد القرشي العدوي أبو عبد الرحمن المقري، القصير/ تهذيب الكمال ٢/ ٧٥٧، وهو أحد العبادلة السابق الكلام عن توثيقهم في الرواية عن ابن لهيعة، ووصفهم بأنهم رووا عنه قبل احتراق كتبه، وقد جاء النص في الجرح والتعديل بدون ذكر "عبد الله بن بزيد القصير" ٥/ ١٤٦ فلعله سقط ناسخ أو طابع، لوجوده في باقي المصادر مع اتفاق طريق الرواية في الجرح مع الباقي/ انظر الضعفاء للعقيلي ٢/ ٢٩٣، والكامل ٤/ ١٤٦٢.(٢) وهذا تعليل منه لترك تحمل الحديث مطلقًا عن ابن لهيعة، مهما كانت ثقة الرواة عنه وضبطهم لحديثه.(٣) في الضعفاء للعقيلي ٤/ ٢٩٢، والتهذيب ٥/ ٣٧٤ والميزان ٢/ ٤٧٦ "فأخرجه" والمعنى: كشف لي عن تلك الأحاديث التي في الكتاب، وهذا من أدلة استعمال المتقدمين للتخريج بمعنى الكشف عن الحديث في أحد مصادره للتثبت من روايته.(٤) في ضعفاء العقيلي ٢/ ٢٩٤، والميزان ٢/ ٤٧٦، والسير ٨/ ١٥، وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٤: "أخبرني".(٥) هو إسحق بن عبد الله بن أبي فروة الأموي، متروك، من الرابعة، وتوفي على الصحيح سنة ١٤٠ هـ وهو معدود من شيوخ ابن لهيعة/ تهذيب الكمال ١/ ٨٦ و ٢/ ٧٢٧ والتقريب ١٠٣، وقد تقدم لابن مهدي قولين آخرين في ابن لهيعة: أحدهما: أنه يود السماع منه ولو كثرت كلفة الرحلة إليه، وثانيهما: أنه لا يعتد =стр. 806
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = بما سمع من حديث ابن لهيعة إلا سماع ابن المبارك ونحوه، وقوله هذا الثالث يمكن أن يكون صدر منه قبل القول الثاني، فيكون المعنى: أنه لا يحمل عنه مباشرة، ولا بواسطة ولو كان الواسطة ثقة كعبد الله بن يزيد القصير، وإنما يحمل عنه بواسطة واحدة وهو عبد الله بن المبارك، لأنه هو الذي كشف له ما في رواية ابن لهيعة من خطأ، ويمكن أن يكون قال ذلك بعد قوله باستثناء رواية ابن المبارك، ويكون المعنى: إنه بعدما تبين له بوضوح خطأ ابن لهيعة فيما كتب به إليه، ترك الرواية عنه مطلقًا، سواء مباشرة أو بالواسطة، وهذا ما أشار اليه الإمام مسلم حيث عد ابن مهدي ممن ترك حديث ابن لهيعة مطلقًا/ الكنى لمسلم ١/ ٥١٩، والسير ٨/ ٢٠، وأخرج العقيلي بسنده عن محمد بن المثنى قال: ما سمعت عبد الرحمن -يعني ابن مهدي- يحدث عن ابن لهيعة شيئًا قط/ الضعفاء للعقيلي ٢/ ٢٩٤ ولعل تلك الواقعة هي التي جعلت ابن المبارك يقدح في ابن لهيعة فقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق بعض المراوزة عن ابن المبارك أنه سمع رجلًا يذكر ابن لهيعة، فقال: قد أراب ابن لهيعة، قال ابن أبي حاتم: يعني ظهرت عورته/ الجرح ٥/ ١٤٦، والمراد بالعورة وقوع الخطأ في روايته، وقوله في كتابه إلى ابن مهدي: "حدثنا عمرو بن شعيب" يعتبر من خطئه، ولا يحمل على ادعائه سماع ما لم يسمع؛ لأن ذلك من الكذب في الرواية، وهو لم يوصف بذلك، فيحمل الأمر في هذا على الخطأ والوهم، إما منه ابتداء، إذا كان هو الذي كتب بخطه، وإما ممن كلفه بالكتابة وأقره بالتوقيع على ما كتب، ويؤيد ذلك تقرير غير واحد من لدن عصره فما بعده: أنه لم يكن يكذب، ولكن يخطئ لسوء حفظه؛ فتلميذه الخبير بحاله وبمروياته وهو ابن وهب تقدم أنه أقسم على صدقه زيادة في تأكيده، ومن جهة أخرى انتقده في ضبطه، وخاصة في السماع من عمرو بن شعيب/ ص ٨٠٥، ٨٠٦ ت. وقال الحاكم: لم يقصد الكذب، وإنما حدث من حفظه، بعد احتراق كتبه، فأخطأ/ تهذيب التهذيب ٥/ ٣٧٨، وقال الذهبي: إن الرجل غير متهم بالوضع/ السير ٨/ ٢٦، وسيأتي عن أحمد بن صالح المصري بيان حصول خطأ من تلاميذه في كتابة ما حدثهم به إملاء من أصوله. =стр. 807
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وقد ذكر ابن أبي مريم مثالًا محددًا لما نسي فيه ابن لهيعة الواسطة بينه وبين عمرو بن شعيب، وصار يحدث به عن عمرو بن شعيب مباشرة، وذلك هو حديث التكبير عند رؤية الحريق، فقد حضر ابن أبي مريم سماع ابن لهيعة للحديث من زياد بن يونس الحضرمي عن القاسم بن عبد الله بن عمر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، مرفوعًا، وذكر ابن أبي مريم أن ابن لهيعة كان يحدث به هكذا زمنًا، فلما طال الزمن نسي، فوضع بعض تلاميذه الحديث في جملة حديثه عن عمرو بن شعيب مباشرة، فكان يقرأ عليه فيجيزه، ويحدث به في جملة حديثه عن عمرو بن شعيب/ تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٨ والسير ٥/ ١٨، ١٦ والمعرفة والتاريخ ٢/ ١٨٥، وفي رواية الفسوي عن ابن أبي مريم بعض التفصيل وهو أن الرواة عن ابن لهيعة هم الذين أدخلوا عليه هذا الحديث، فكتبوه ضمن روايته مباشرة عن عمرو بن شعيب، وكان يقرأ عليه من كتبهم هم، قال ابن أبي مريم: فرأيت بعد -يعني بعد سماع ابن لهيعة للحديث من زياد عن القاسم عن عمرو بن شعيب- يجيء الرجل فيسأله: حدثك عمرو بن شعيب؟ فيقول: لا، إنما حدثنا بعض أصحابنا -يسميه- قال ابن أبي مريم: ثم وضعوا في حديثه عن عمرو بن شعيب، فكان يقول -كم شاء الله- إذا مروا بهذا الحديث: هذا حديث بعض أصحابنا عن عمرو، قال: ثم سكت، فكانوا يضعون عليه في حملة حديث عمرو بن شعيب، فغيروها/ المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٣٥، ويتضح من تلك الرواية أن سكوت ابن لهيعة مؤخرًا كان للنسيان بسبب طول الزمن بين التحمل وبين القراءة عليه من كتبهم، وأنه لم يتعمد إسقاط الواسطة بينه وبين عمرو. ثم إن ابن أبي مريم لم ينفرد بذكر هذه الواقعة، بل ذكرها بعده ابن معين، فذكر أن هذا الحديث قد عرض على ابن لهيعة -أي قريء عليه- على أنه من روايته عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فأقر به، فقال له رجل: أنت سمعت هذا؟ فقال: ما أدري قُرئ عَليَّ، فقيل له: إنما هذا عن القاسم بن عبد الله بن عمر -يعني عن عمرو بن شعيب، كما سبق/ يحيى بن معين وتاريخه- برواية الدوري ٢/ ٣٢٧.
وسيأتي عن الإمام أحمد أيضًا مثال آخر ص ٨٥١، ٨٥٢ ت، وانظر الميزان =стр. 808
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ٢/ ٤٧٦، وقد أخرج ابن عدي أيضًا من روايته عن أبي يعلي الموصلي ثنا كامل بن طلحة ثنا ابن لهيعة ثنا عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ (الحديث في الجمع بين المرأة وأمها)، ثم قال: وبهذا الإسناد أخبرنا ابن المثنى -يعني أبا يعلى- بأرجح من ثلاثين حديثًا، لم أذكرها لئلا يطول، وعامتها مما لا يتابع عليه/ الكامل ٤/ ١٤٦٩، وهذا كله يفيد أن ما حدث به ابن لهيعة عن عمرو مباشرة منه ما فيه وهم منه، ونكارة، ومنه ما ثبت سماعه منه فعلًا، وقد تقدم ذكر عمرو بن شعيب ممن سمع منهم ابن لهيعة ص ٧٩٨، وأن ابن لهيعة قد غضب لما قيل له: إن ابن وهب يزعم أنك لم تسمع هذه الأحاديث من عمرو بن شعيب، وأكد سماعه منه، ص ٨٠٧ ت، لكن أبا حاتم الرازي قال: لم يسمع ابن لهيعة من عمرو بن شعيب شيئًا/ المراسيل لابن أبي حاتم/ ١١٤، وأضاف العلائي قائلًا: وقد رَوى عنه كثيرًا، وجاء بهامش نسخة الظاهرية من كتاب العلائي ما نصه: قال أبو داود: إنما سمع ابن لهيعة من عمر بن شعيب ثلاثة أشياء، أو أربعة أشياء/ جامع التحصيل للعلائي بتحقيق الشيخ حمدي السلفي/ ٢١٥، ٢١٦ أصل وهامش، وقال أبو زرعة بن العراقي وجدت بخط الحافظ رشيد الدين العطار: إنه وقع في الجزء الثاني والعشرين من حديث أبي الطيب ابن بنت الشافعي، انتقاء عبد الغني بن سعيد، بالإسناد إلى أحمد بن صالح أنه قال: لم يسمع ابن لهيعة من عمرو بن شعيب إلا حديثين، فأتموها له مائتين. انتهى/ تحفة التحصيل لأبي زرعة ابن العراقي/ ق ١٧١ أ.
أقول: والمراد بمن أتموها له، بعض الرواة غير الثقات عنه، كما مر مثاله في حديث الحريق، وعلى هذا فالراجح أن ابن لهيعة قد سمع من عمرو بن شعيب، وإن كانت مروياته عنه تزيد كثيرًا عن العدد الذي ذكره أبو داود وأحمد بن صالح معًا، ومن تلك الروايات ما تبين وهمه فيه، أو نكارته من طريقه، وقد تقدمت إشارة ابن عدي إلى وجود ما يزيد على ثلاثين حديثًا له عن عمرو بن شعيب لا يتابع على عامتها، وذلك مما يقدح في ضبطه، ولكنه لا يقتضي ترك الرواية عنه =стр. 809
وروى (١) ابن عدي من طريق عثمان بن سعيد، ومن طريق معاوية (٢) عن يحيى تضعيفه (٣) وروى عنه من طريق عباس الدوري: لا يحتج به (٤) وذكر علي بن المديني قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قال لي بِشْر بن السَّرِي: لو رأيتَ ابنَ لهيعة لم تَحمِلْ عنه الحواشي
(١) بالأصل "فروى" ولا يستقيم المعنى عليه.(٢) هو ابن صالح الدمشقي أحد الرواة عن يحيى بن معين/ تهذيب الكمال ٣/ ١٥١٩.(٣) رواية معاوية بن صالح موجودة في الكامل ٤/ ١٤٦٢ وفي الضعفاء للعقيلي ٢/ ٢٩٥، وأما عثمان بن سعيد فقد وجدت في تاريخه عن يحيى رواية واحدة قال فيها: قلت كيف رواية ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر؟ فقال: ابن لهيعة ضعيف الحديث/ تاريخ الدارمي عن ابن معين/ ١٥٣، وهذه تقدم ذكر المؤلف لها ص ٨٠٥، ٨٠٧، ولكن جاء في الكامل عنه رواية ثانية لم أجدها في تاريخه المطبوع، حيث قال ابن عدي بعد ذكر الرواية السابقة: قال عثمان: وفي موضع آخر (قلت): ابن لهيعة كيف حديثه عندك؟ قال: ضعيف/ الكامل لابن عدي ٤/ ١٤٦٢، فتكون تلك الرواية قد وردت في النسخة التي وقعت لابن عدي.(٤) انظر/ يحيى بن معين وكتابه التاريخ، برواية الدوري، تحقيق د. أحمد نور سيف ٢/ ٣٢٧، ومن طريق الدوري أخرجها ابن عدي/ الكامل ٤/ ١٤٦٢، وكذا العقيلي في الضعفاء ٢/ ٢٩٥، وما تقدم من وصف ابن معين له بالضعف المطلق، يفيد أن مراده بقوله "لا يحتج به" يعني إذا انفرد، فإذا توبع احتج به، وستأتي أقوال لابن معين في الأصل وفي التعليق عليه، بعد قليل، ثم بيان الراجح منها إن شاء الله.стр. 810
حرفًا (١) وقال الحميدي: عن يحيى بن سعيد، كان لا يراه شيئًا (٢) ، وذكر عن يحيى بن معين، أنه قيل له: أنكر أهل مصر احتراق كتب الحواشي
(١) أخرجه ابن أبي حاتم/ الجرح ٥/ ١٤٦ وابن عدي/ الكامل ٤/ ١٤٦٢ من طريق صالح بن أحمد (بن حنبل) عن ابن المديني، به وأخرجه ابن حبان في المجروحين ٢/ ٢٠ من طريق ابن أبي شيبة عن ابن المديني، به، وهذا النقد لا يقدح وحده في الموصوف به؛ لاعتماده الأساسي على المظهر الشكلي للراوي، وهو غير كاف في ذلك، وإن كان له دخل في الدلالة على العدالة الباطنة، ولكن لا يتحقق منها إلا بخبرة الباطن، وبشر بن السري صاحب هذا الانتقاد، كان واعظًا ثقة، فلعل انتقاده لابن لهيعة من جهة ترفه، حيث كان من أثرياء مصر ورؤساء أهلها، ولكن الذهبي قد وصفه أيضًا بأنه من ذوي الاحتشام/ السير ٨/ ٣١ وتقدم أن ابن وهب أقسم على أنه كان صادقًا بارًا، وتقدم كذلك أنه أقطع واعظًا آخر وهو منصور بن عمار خمسة أفدنة من أرضه، وذلك كله يدل على أن قول بشر المذكور غير قادح في ابن لهيعة.(٢) أخرجه البخاري في الكبير ٥/ ١٨٢ والأوسط المطبوع باسم الصغير/ ١٩٥ ط الهند والضعفاء الصغير/ ٢٦٦ ط الهند، عن الحميدي به، وجاء في الأوسط "لا يرى به بأسًا" بدل "لا يراه شيئًا" ولعله تحريف، حيث أخرج ابن عدي ٤/ ٤٦٢ الترجمة كلها من طريق التاريخ الأوسط، وبسياقه نصًا، وفيه "لا يراه شيئًا"، وأشار إلى أن رواية البخاري في غير الأوسط بنحو ما في الأوسط.
وأخرجه العقيلي أيضًا من طريق البخاري عن الحميدي به/ الضعفاء للعقيلي ٢/ ٢٩٣، ويلاحظ إقرار البخاري ليحيى بن سعيد القطان على وصف ابن لهيعة بهذا اللفظ الذي يقتضي شدة ضعفه، وكذا ذكر مسلم أن "يحيى" ممن ترك ابن لهيعة ثم لم يتعقبه/ الكنى لمسلم ١/ ٥١٩ لكن هذا معارض بقول عدد من النقاد، ومنهم متشددون أيضًا: بأن ابن لهيعة ضعيف ضعفًا قابلًا للانجبار، وستأتي أقوال عدد منهم في الأصل، وتقدمت أيضًا بعض الأقوال المؤيدة لذلك.следующие страницы →