فذهب الشافعيّ-﵀-في هذا إلى أنّ الله تعالى خلق المولود لا حكم له في نفسه، وإنما هو تبع لوالديه في الدّين في حكم الدنيا حتى يعرب عن نفسه بعد البلوغ.
وأمّا في الآخرة فمنهم من ألحقهم بآبائهم في حكم الآخرة أيضا؛
ومنهم من ألحق ذراري المسلمين بهم، وزعم أنّ أولاد المشركين خدم أهل الجنة.
ومنهم من توقّف في الجميع، ووكل أمرهم إلى الله .
وهذا أشبه الأقاويل بالسّنن الصحيحة، والله تعالى أعلم.
وقد ذكرنا أقاويل السلف في ذلك، وما احتج به كلّ فريق منهم في آخر «كتاب القدر»، فمن أحبّ الوقوف عليه رجع إليه إن شاء الله تعالى.
ومتى ما أسلم الأبوان أو أحدهما، صار الولد مسلما بإسلام أبويه أو أحدهما.
وقد ذكرنا في «كتاب السنن» إسلم من صار مسلما بإسلام أبويه أو أحدهما من أولاد الصحابة.
وإذا سبي الصغير من دار الحرب، ومعه أبواه، أو أحدهما، فدينه دين من معه من أبويه. وإن سبي وحده فدينه دين السابي لأنه وليّه الذي أولى به منه، فقام في دينه مقام أبويه، كما قام في الولاية والكفالة مقامهما. والله تعالى أعلم.
стр. 93
باب القول فيمن يصحّ إيمانه أو لا يصحّ .
قال الله تعالى:
﴿وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور:٥٩].
فأخبر أنه إنما يثبت عليهم الفرض في إيذانهم في الاستئذان إذا بلغوا.
قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ -إلى قوله- ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٦٤].
وفي موضع آخر ﴿لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ [آل عمران:١٩٠].
وخاطب بالفرائض من عقلها.
٨٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر بن إسحاق، أنبا محمد بن أيوب، ثنا أبو الوليد الطيالسي، وموسى بن إسماعيل قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة عن النبي ﷺ قال:
«رفع القلم عن ثلاثة: عن الصّبيّ حتى يحتلم؛ وعن المعتوه حتى يفيق؛ وعن النّائم حتى يستيقظ».
وأما ما روي من إسلام عليّ، وصلاته مع النبي ﷺ ، فقد قال الحليمي- رحمه الله تعالى-:
لما أمره رسول الله ﷺ بالإسلام والصلاة فهو أحد شيئين:
أما أن يكون خصّه بالخطاب، لما صار من أهل التمييز والمعرفة دون سائر الصغار، ليكون ذلك كرامة له ومنقبة، فلما توجّه عليه الخطاب والدعوة، صحت منه الإجابة، وسائر الصغار لا يتوجه عليهم الخطاب والدعوة فلا يصح منهم الإسلام.
أو يكون خطاب النبي ﷺ إياه بالدعاء إلى الإسلام والصلاة يومئذ على أنه بالغ عنده، لأن البلوغ بالسن ليس مما شرع في أول الإسلام، بل ليس يحفظ
стр. 94
قبل قصة ابن عمر في أحد والخندق في ذلك شيء. فالظاهر أن الناس كانوا يجرون في ذلك على رأيهم وما تعارفوه من أن الصبي من لا يمكن أن يولد له.
والرجل من يمكن أن يولد له وكان علي-﵁-ابن عشر سنين لما أسلم. وظاهر قول من قال إنه ابن عشر: أنه استكمل عشرا ودخل في الحادي عشر. ومن بلغ هذا السن فقد يمكن أن يولد له. فلما شرع البلوغ بعد ذلك بالسن نظر إلى السن التي كل من بلغها جاز أن يولد له دون السن التي يندر ممن بلغها الإيلاد وكان من قصرت سنوه عن ذلك الحد صغيرا في الحكم ولم يجز أن يصح إسلامه والله تعالى أعلم.
وقد ذكرنا في «كتاب السنن» وفي «كتاب الفضائل» سائر ما قيل فيه.
стр. 95
باب الدعاء إلى الإسلام .
٨٨ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ أنبا محمد بن إبراهيم المزكي ... وأخبرنا أبو صالح بن أبي طاهر العنبري، أنبا جدي يحيى بن منصور قالا ثنا أحمد بن سلمة، ثنا إسحاق بن إبراهيم أنبا وكيع ثنا زكريا بن إسحاق المكي. عن يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد، عن ابن عباس:
«أنّ رسول الله ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن قال له رسول الله ﷺ :
إنّك لتأتي قوما أهل كتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أنّ الله افترض عليهم خمس صلوات في كلّ يوم وليلة، فإن هم أجابوك لذلك، فأعلمهم أنّ الله قد افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم فتردّ في فقرائهم، فإن هم أجابوا لذلك، فإيّاك وكرائم أموالهم وإياك ودعوة المظلوم، فإنّها ليس بينها وبين الله حجاب».
رواه البخاري عن يحيى بن موسى عن وكيع.
ورواه مسلم عن إسحاق بن إبراهيم وغيره.
ودعاء من لم تبلغه الدعوة مستحقّ، ودعاء من بلغته الدعوة إذا لم يحتج إلى التثبت في قهرهم مستحبّ.
وقد مضى الكلام وما ورد فيه من الأخبار في «كتاب السنن».
стр. 96
(١) الأوّل من شعب الإيمان.
وهو باب في الإيمان بالله .
٨٩ - قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه أنبا أبو مسلم، ثنا محمد بن كثير، ثنا سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
«الإيمان بضع وستّون، أو بضع وسبعون أفضلها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الاذى عن الطّريق، والحياء شعبة من الإيمان».
قال الحليمي رحمه الله تعالى:
وهذه الشهادة فرض تجمع الاعتقاد بالقلب، والاعتراف باللسان.
والاعتقاد والإقرار وإن كانا عملين يعملان بجارحتين مختلفتين، فإنّ نوع العمل واحد، والمنسوب منه إلى القلب، هو المنسوب إلى اللسان. والمنسوب إلى اللسان، هو المنسوب إلى القلب، كما أنّ المكتوب-مما جمع بين كتبه وقوله- هو المقول، والمقول هو المكتوب.
قال: والعمل الصالح بالاعتقاد والإقرار مجموع عدة أشياء:
١ - أحدها: إثبات البارئ ﷻ ، ليقع به مفارقة التعطيل.
٢ - والثاني: إثبات وحدانيته، لتقع به البراءة من الشرك.
٣ - والثالث: إثبات أنّه ليس بجوهر ولا عرض، ليقع به البراءة من التشبيه.
٤ - والرابع: إثبات أنّ وجود كلّ ما سواه كان معدوما من قبل إبداعه له، واختراعه إياه، ليقع به البراءة من قول من يقول بالعلة والمعلول.
٥ - والخامس: إثبات أنه مدبّر ما أبدع ومصرّفه على ما يشاء ليقع به
стр. 97
البراءة من قول القائلين بالطبائع أو تدبير الكواكب أو تدبير الملائكة.
فأما البراءة بإثبات الباري جلّ ثناؤه والاعتراف له بالوجود من معاني التعطيل، فلأنّ قوما ضلّوا عن معرفة الله جلّ ثناؤه، فكفروا وألحدوا، وزعموا أنه لا فاعل لهذا العالم، وأنه لم يزل على ما هو عليه، ولا موجود إلا المحسوسات، وليس وراءها شيء، وأنّ الكوائن والحوادث إنما تكون، وتحدث من قبل الطّبائع التي في العناصر- وهي الماء والنّار والهواء والأرض.
ولا مدبّر للعالم، يكون ما يكون باختياره وصنعه.
فإذا أثبت المثبت للعالم إلها، ونسب الفعل والصّنع إليه، فقد فارق الإلحاد والتعطيل، وهذا أحسن مذاهب الملحدين، والقائلون به يسميهم غيرهم من أهل الإلحاد: الفرقة المتجاهلة، ويدعونهم غير الفلاسفة.
أما البراءة من الشرك بإثبات الوحدانية فلأنّ قوما ادّعوا فاعلين، فزعموا أن أحدهما يفعل الخير، والآخر يفعل الشرّ.
وزعم قوم أن بدء الخلق كان من النفس، إلا أنه كان يقع منها لا على سبيل السّداد والحكمة، فأخذ الباري على يدها وعمد إلى مادة قديمة كانت موجودة معه لم تزل، فركّب منها هذا العالم على ما هو عليه من السداد والحكمة.
فإذا أثبت المثبت أن لا إله إلا الله، واحد ولا خالق سواه، ولا قديم غيره فقد انتفى عن قول الشريك الذي هو في البطلان ووجوب اسم الكفر لقائله كالإلحاد والتعطيل.
وأما البراءة من التشبيه بإثبات أنه ليس بجوهر ولا عرض، فلأنّ قوما زاغوا عن الحق، فوصفوا الباري-جلّ وعزّ-ببعض صفات المحدثين. فمنهم من قال: إنه جوهر.
ومنهم من قال: إنه جسم.
ومنهم من أجاز أن يكون على العرش قاعدا، كما يكون الملك على سريره.
وكلّ ذلك في وجوب اسم الكفر لقائله كالتعطيل والتشريك.
стр. 98
فإذا أثبت المثبت انه ليس كمثله شيء، وجماع ذلك أنه ليس بجوهر ولا عرض فقد انتفى التشبيه، لأنه لو كان جوهرا أو عرضا لجاز عليه ما يجوز على سائز الجواهر والأعراض. وإذا لم يكن جوهرا ولا عرضا لم يجز عليه ما يجوز على الجواهر من حيث انها جواهر كالتأليف والتجسيم، شغل الأمكنة والحركة والسكون، ولا ما يجوز على الأعراض من حيث انها أعراض كالحدوث وعدم البقاء.
وأما البراءة من التعطيل بإثبات أنه مبدع كلّ شيء سواه فلأنّ قوما من الأوائل خالفوا المعطّلة ثم خذلوا عن بلوغ الحق فقالوا: إنّ الباري موجود غير أنه علّة لسائر الموجودات، وسبب لها بمعنى أن وجوده اقتضى وجودها شيئا فشيئا على ترتيب لهم يذكرونه وأن المعلول إذا كان لا يفارق العلّة، فواجب إذا كان الباري لم يزل أن يكون مادة هذا العالم، لم تزل معه.
فمن أثبت أنه المبدع الموجد المحدث لكلّ ما سواه من جوهر وعرض باختياره وإرادته، المخترع لها لا من أصل فقد انتفى عن قوله التعليل الذي هو في وجوب اسم الكفر لقائله كالتعطيل.
وأما البراءة من الشريك في التدبير بإثبات انه لا مدبّر لشيء من الموجودات إلاّ الله، فلأنّ قوما زعموا أنّ الملائكة تدبر العالم وسمّوها آلهة، وقد قال الله تعالى للملائكة:
﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً﴾ [النازعات:٥].
ومعنى المدبرات: المنفّذات لما دبّر الله على أيديها، كما يقال لمن ينفّذ حكم الله بين الخصوم: حاكم.
وزعم قوم أن الكواكب تدبّر ما تحتها، وأن كل كائنة وحادثة في الأرض، فإنما هي من آثار حركات الكواكب، وافتراقها واقترانها واتصالها وانفصالها وغير ذلك من أحوالها.
فمن أثبت أنّ الله- -هو المدبر لما أبدع، ولا مدبر سواه، فقد انتفى عن قوله التشريك في التدبير الذي هو في وجوب اسم الكفر لقائله كالتشريك في القدم أو في الخلق.
стр. 99
ثم أن الله ثناؤه، ضمّن هذه المعاني كلها كلمة واحدة وهي لا إله إلا الله، وأمر المأمورين بالإيمان أن يعتقدوها ويقولوها فقال جلّ وعزّ:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ [محمد:١٩].
وقال فيما ذمّ مشركي العرب:
﴿إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات:٣٥،٣٦].
والمعنى أنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله، استكبروا ولم يقولوا، بل قالوا مكانها: أئنّا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون».
٩٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو النضر الفقيه، ثنا علي بن محمد بن عيسى الحكّاني أنبا أبو اليمان، أخبرني شعيب، عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله ﷺ قال:
«أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا لا إله إلا الله. فمن قال لا إله إلا الله.
فقد عصم منّي نفسه وماله إلاّ بحقّه، وحسابه على الله».
رواه البخاري في الصحيح عن أبي اليمان.
٩١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنبا الحسن بن يعقوب، ثنا الحسين بن محمد القباني ثنا محمد بن بشار ثنا يحيى، ثنا يزيد بن كيسان، قال حدثني أبو حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لعمّه:
«قل لا إله إلاّ الله، أشهد لك بها يوم القيامة».
فقال: «لولا أن تعيّرني قريش إنّما حمله عليه الجزع، لأقررت بها عينك».
стр. 100
فأنزل الله :
﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [القصص:٥٦].
رواه مسلم في الصحيح عن محمد بن حاتم عن يحيى بن سعيد.
٩٢ - أخبرنا أبو علي الرّوذباري، أنبا أبو محمد بن شوذب الواسطي، ثنا شعيب بن أيوب، ثنا أبو غسّان مالك بن إسماعيل النّهدي، ثنا عبد السّلام بن حرب، عن عبد الله بن بشر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عثمان بن عفان-﵁-قال:
«لما قبض رسول الله ﷺ وسوس ناس من أصحابه، فكنت فيمن وسوس، فمرّ عليّ عمر ﵁، فسلّم عليّ فلم أردّ عليه. فشكاني إلى أبي بكر ﵁ فجاء فقال: سلّم عليك أخوك فلم تسلم عليه؟
فقلت: ما علمت تسليمه، وإنّي عن ذلك لفي شغل.
فقال أبو بكر ﵁: ولم؟
فقلت: قبض رسول الله ﷺ ولم أسأله عن نجاة هذا الأمر.
قال: قد سألته عن ذلك.
قال: فقمت إليه فاعتنقته، فقلت: بأبي أنت وأمي! أنت أحقّ بذلك.
قال: قد سألت رسول الله ﷺ عن نجاة هذا الأمر قال:
«من قبل الكلمة التي عرضتها على عمّي فهي له نجاة».
٩٣ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس بن يعقوب، ثنا العباس
стр. 101
ابن محمد بن حاتم الدّوري، ثنا مالك بن إسماعيل ... فذكره بإسناده مثله غير أنه قال في آخره:
«من قبل الكلمة التي عرضتها على عمّي، فردّها فهي له نجاة».
٩٤ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو عبد الله الصفّار الأصبهاني، ثنا أحمد بن مهدي بن رستم، ثنا أبو عاصم النبيل، ثنا عبد الحميد بن جعفر، حدثني صالح بن أبي عريب، عن كثير بن مرة: عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله ﷺ :
«من كان آخر كلامه لا إله إلاّ الله دخل الجنّة».
٩٥ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنبا أبو طاهر محمد بن الحسن المحمدآبادي، ثنا أبو قلابة ثنا عبد الصمد، ثنا شعبة، عن خالد الحذاء، عن الوليد أبي بشر، عن حمران بن أبان أنه سمع عثمان بن عفان ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ :
«من مات يعلم أنّه لا إله إلا الله، دخل الجنّة».
٩٦ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن
стр. 102
أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا إسماعيل بن علية، عن خالد ... فذكره غير أنه قال:
«من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله، دخل الجنّة».
رواه مسلم عن زهير بن حرب وغيره عن ابن عليّة.
قال البيهقي ﵀:
وقد ذكرنا من فضائل هذه الكلمة في الجزء الخامس من كتاب «الأسماء والصفات» جملة كافية فاقتصرنا ها هنا على ما ذكرنا.
٩٧ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان أنبا أحمد بن عبيد، ثنا البزار-يعني أحمد بن عمرو-ثنا أبو كامل، ثنا أبو عوانة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن الأغر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
«من قال لا إله إلاّ الله، نفعته يوما من دهره، أصابه قبل ذلك ما أصابه».
٩٨ - وأخبرنا علي، أنبا أحمد، ثنا ابن ملحان، ثنا عمرو بن خالد، ثنا
стр. 103
عيسى بن يونس، عن سفيان الثوري، عن منصور ... فذكره بنحوه غير أنه قال:
«أنجته» بدل «نفعته».
٩٩ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه، أنبا أحمد بن إبراهيم بن ملحان ... فذكره بإسناده نحوه.
١٠٠ - أخبرنا عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الله الحرفي إملاء ببغداد،
стр. 104
ثنا حبيب بن الحسن القزّاز، ثنا أبو جعفر أحمد بن يحيى بن إسحاق الحلواني، ثنا يحيى-يعني ابن عبد الحميد-
وأخبرنا أبو سعد أحمد بن محمد الماليني-واللفظ له-، أنبا أبو أحمد بن عدي الحافظ، ثنا محمد بن أبان بن ميمون السراج وأحمد بن محمد بن خالد البرّاثي قالا: حدثنا يحيى الحماني، حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ :
«ليس على أهل لا اله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في نشورهم، وكأنّي بأهل لا إله إلا الله ينفضون عن رؤوسهم يقولون الحمد لله الّذي أذهب عنّا الحزن».
تفرّد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
стр. 105
قال البيهقي-﵀:
وروي من وجه آخر ضعيف عن ابن عمرو قد أخرجناه فى «كتاب البعث والنشور» وذكرنا انتظام هذه الكلمة مع ما أشرنا إليه من العقائد الخمس لأنّ من قال لا إله إلا الله، فقد أثبت الله ونفى غيره، فخرج بإثبات ما أثبت من التعطيل، وبما ضمّ إليه من نفي عن التشريك. وأثبت باسم الإله الإبداع والتدبير، ونفى عنه التشبيه، لأنّ اسم الإله لا يجب إلاّ للمبدع، وإذا وقع الاعتراف بالإبداع، فقد وقع بالتدبير، لأنّ الإيجاد تدبير، وإبقاءه وإحداث الاعراض فيه وإعدامه بعد إيجاده تدبير. ولا يجوز أن يكون له من خلقه شبيه، لأنّه لو كان لوجب أن يجوز عليه من ذلك الوجه ما يجوز على شبيهه. وإذا جاز ذلك عليه لم يستحقّ اسم الإله كما لا يستحقّه خلقه الذي شبّهه به، فدلّ على أنّ اسم الإله والشبيه لا يجتمعان، كما أنّ اسم الإله ونفي الإبداع لا يأتلفان.
وقد ذكر الحليمي-رحمه الله تعالى-حديث الأسامي، وضمّ إليها من الأسامي ما ورد في غير ذلك الحديث وجعلها منقسمة بين العقائد الخمس.
ونحن قد نقلنا جميع ذلك في كتاب «الأسماء والصفات» وأضفنا إليه من الشّواهد ومعرفة الصفات، وتأويل الآيات المشكلات، والأحاديث المشتبهات ما لا بد من معرفته، من أحبّ الوقوف عليه رجع إليه إن شاء الله تعالى.
وقد ذكر الحليمي-رحمه الله تعالى-في إثبات حدث العالم، وما يدلّ على انّ له صانعا، ومدبّرا، لا شبيه له من خلقه، فصولا حسانا، لا يمكن حذف شيء منها، فتركتها على حالها. ونقلت ها هنا من كلام غيره ما لا بدّ منه في هذا الباب.
فصل في معرفة الله ومعرفة صفاته
وأسمائه
حقيقة المعرفة أن تعرفه موجودا قديما. لم يزل ولا يفنى، أحدا، صمدا، شيئا، واحدا لا يتصوّر في الوهم، ولا يتبعّض، ولا يتجزّأ، ليس بجوهر، ولا عرض، ولا جسم، قائما بنفسه، مستغنيا عن غيره، حيّا، قادرا، عالما، مريدا،
стр. 106
سميعا، بصيرا، متكلّما، له الحياة، والقدرة، والعلم، والإرادة، والسّمع، والبصر، والكلام. لم يزل ولا يزال هو بهذه الصفات، ولا يشبه شيء منها شيئا من صفات المصنوعات. ولا يقال فيها: انّها هو ولا غيره، ولا هي هو وغيره. ولا يقال انّها تفارقه، أو تجاوزه أو تخالفه، أو توافقه أو تحلّه، بل هي نعوت له أزلية، وصفات له أبدية تقوم به، موجودة بوجوده، دائمة بدوامه، ليست بأعراض ولا بأغيار، ولا حالّة في أعضاء، غير مكيّفة بالتصوّر في الأذهان، ولا مقدورة بالتمثيل في الأوهام. فقدرته تعمّ المقدورات، وعلمه يعم المعلومات، وإرادته تعمّ المرادات. لا يكون إلا ما يريد، ولا يريد ما لا يكون، وهو المتعالي عن الحدود والجهات، والأقطار، والغايات، المستغني عن الأماكن والأزمان، لا تناله الحاجات، ولا تمسّه المنافع والمضرّات، ولا تلحقه اللّذّات، ولا الدّواعي، ولا الشهوات. ولا يجوز عليه شيء ممّا جاز على المحدثات، فدلّ على حدوثها.
ومعناه أنّه لا يجوز عليه الحركة ولا السكون، والاجتماع والافتراق، والمحاذاة والمقابلة، والمماسّة والمجاورة، ولا قيام شيء حادث به، ولا بطلان صفة أزلية عنه. ولا يصحّ عليه العدم.
ويستحيل أن يكون له ولد، أو زوجة، أو شريك؛ قادر على إماتة كل حيّ غيره، ويجوز منه إفناء كلّ شيء غيره، وإعادته الأجسام بعده، وخلق أمثالها من غير قصر على حدّ. قادر على كلّ شيء يتوهّم على الانفراد حدوثه، له الملك، وله الحكم. كل ما انعم به بفضل منه، وكل ما أكرمه عدل منه، لا يجوز عليه جور ولا يصح منه ظلم.
١٠١ - حدثنا محمد بن عبد الله الحافظ، أنبا أبو عبد الله محمد بن
стр. 107
يعقوب الحافظ، وأبو جعفر محمد بن صالح، قالا: ثنا الحسين بن الفضل، ثنا محمد بن سابق، ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب:
«أنّ المشركين قالوا: يا محمد! انسب لنا ربّك فأنزل الله :
﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ﴾
قال: الصّمد: الذي «لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ»﴾.
لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت. وليس شيء يموت إلا سيورث، وأنّ الله ﵎ لا يموت ولا يورث. ولم يكن لّه كفوا أحد لم يكن له شبيه، ولا عدل، وليس كمثله شيء.
١٠٢ - أخبرنا أبو منصور أحمد بن علي الدامغاني، أنبا أبو بكر الإسماعيلي:
وحدثنا أبو عبد الرحمن السلمي محمد بن الحسين، حدثنا جدّي إسماعيل بن نجيد، وأبو عمرو بن مطر، وعلي بن بندار الصيرفي، وأبو
стр. 108
عمرو بن حمدان، وأبو بكر بن قريش وغيرهم قالوا ثنا الحسن بن سفيان، ثنا صفوان بن صالح، ثنا الوليد بن مسلم ثنا شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ :
«إنّ لله تسعة وتسعين اسما-مائة إلاّ واحدة. إنّه وتر يحبّ الوتر-من أحصاها دخل الجنّة:
هو الله الذي لا إله إلاّ هو الرّحمن، الرّحيم، الملك، القدّوس، السّلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبّار، المتكبّر، الخالق، البارئ، المصوّر، الغفّار، القهّار، الوهّاب، الرزّاق، الفتّاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرّافع، المعزّ، المذلّ، السّميع، البصير، الحكم، العدل، اللّطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشّكور، العليّ، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرّقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشّهيد، الحقّ، الوكيل، القويّ، المتين، الوليّ، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحيّ، القيّوم، الماجد، الواجد، الواحد، الأحد، الصّمد، القادر، المقتدر، المقدّم، المؤخّر، الأول، الآخر، الظّاهر، الباطن، البرّ، التّوّاب، المنتقم، العفوّ، الرّؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، الوالي، المتعالي، المقسط، الجامع، الغنيّ، المغني، الرّافع، الضّارّ، النّافع، النّور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرّشيد، الصّبور، الذي ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير».
وقال غيره: «المانع» بدل قوله «الرافع».
وقال: «الوالي المتعالي» عقب قوله «الباطن».
وقال البيهقي-﵀:
وذكر الأستاذ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الاسفراييني: أن قوله «من أحصاها» يريد «من علمها» وذكر أن من هذه الأسماء ثمانية وعشرين اسما للذات، وثمانية وعشرين اسما لصفات الذّات، وثلاثة وأربعين اسما للفعل.
стр. 109
بيان معاني أسماء الذات
«الله» وله معان:
منها: أنّه القادر على الخلق، وأنّه لا يكون إلا ما يريد، وأنّه الغالب الذي لا يغلب، وأنه القاهر الذي لا يقهر، وأنه لا يصحّ التكليف إلاّ منه.
«الملك»: ومعناه: أنّه يعزّ من يشاء، ويذلّ من يشاء، ويستحيل عليه الاذلال.
وقد قيل: ان معناه أنه المملك، السالب، الممكن، المانع.
وقد قيل: انّ معناه أنه يولي، ويعزل، ولا يتوجه عليه العزل والسلب؛
وقد قيل: انّ معناه أنّه المتفرّد بالعزّ والسلطان، لا يشاركه أحد في معناه.
«القدّوس» وله معان:
أحدها: أنه البريء من المعايب والشركاء، والأنداد والأضداد؛
ومنها: أن له الكمال في كل وصف يختص به.
ومنها: أن تطهير غيره من العيوب إليه.
ومنها: أن الأوهام لا تدركه بالتحديد، والأبصار لا تدركه بالتصوير.
«السّلام» وله معان:
منها: أن السلامة به وفيه؛
ومنها: أن من أطاعه سلم؛
ومنها: أنه سليم من النقائص؛
ومنها: أنه يسلم من عنده على تحقيق المراد.
«المؤمن» وله معان:
منها: أن الهدى والإيمان إليه؛
ومنها: أن التصديق والتكذيب به؛
ومنها: أن الحقائق تنكشف لديه؛
ومنها: أن الأمر يؤخذ منه؛
стр. 110
ومنها: أن القول قوله، لا خلاف عليه؛
ومنها: استحالة الزوال عليه؛
ومنها: تعذر المنازعة له.
«المهيمن» وهو من أسامي الكمال يجمع أوصاف الفضل وينقض أوصاف النقص كأن الكمال الذي لا يصح عليه الزوال، تدخل فيه الشهادة والحفظ، والعطاء والمنع، والاختصاص به عن الغير.
«العزيز» وله معان:
منها: أنه لا يرام؛
ومنها: أنه لا يخالف في المراد؛
ومنها: أنه لا يخوف بالتهديد؛
ومنها: أنه لا يحط عن المنزلة؛
ومنها: أنه يعذّب من أراد؛
ومنها: أنه ملجأ الهاربين؛
ومنها: أن إليه مطالب المريدين؛
ومنها: أن عليه طريق المارقين؛
ومنها: أن عليه ثواب العاملين،
ومنها: أنه لا يوجد له مثل، وأنه لا يحدّ بحدّ، وأنه لا يصح عليه نقص.
«الجبّار» وله معان:
منها: أنه لا يحنو عند التعذيب، ولا يشفق عند البذل، إذا أعطى أعطى عن سعة، وإذا منع منع عن قدرة.
ومنها: أنه لا يكترث بالناكثين، ولا يفرح بالمخلصين؛
ومنها: أنه لا يتمنى ما لا يكون، ولا يتلهّف على ما لم يكن،
ومنها: أنه لا يناقش في الفعل، ولا يطالب بالعلة، ولا يحجر عليه في مقدوره، وأنه لا يجب عليه شيء بتة، وأنه يذلّ عند عزته الأعزّاء، ويشرف عند تقريبه الأذلاّء.
«المتكبّر» وله معان:
стр. 111
منها: أنه لا مقدار لشيء عنده،
ومنها: أنه لا يؤثّر فيه اللوم، ولا يصحّ عليه العقاب،
ومنها: أنه لا يخلق للنفع، ولا يخترع للدفع، وأنه لا يتوجّه عليه المنّة بالطاعة والعبادة، ولا يلزمه الثواب عن المتابعة، وأنه لا يشرف بالاتباع ولا ينحط بالاعتداء، وأنه لا يأمر لفائدة، ولا ينهى لعائدة.
«العليّ» وله معان:
منها: أنه عليّ عن المالك والآمر والناهي والتحديد والرسم والمنع والإيجاب،
ومنها: أنه عليّ عن الحاجة إلى الخلائق والخلق،
ومنها: أنه لا يسأل عما يفعل، ولا يحاسب على ما يقبض.
«العظيم» وله معان:
منها: أنه يستحيل عليه التحديد والمساحة؛
ومنها: نفي الكثافة والرقّة؛
ومنها: وجوب التذلل والخضوع عند الطاعة.
«الجليل» وله معان:
منها أنه يجلّ عن أن يجوز عليه ما دلّ على الحدوث؛
ومنها: أنه يجب الانقياد له؛
ومنها: أنه لا يجلّ إلا من رفعه.
«الكبير» وله معان:
أنه لا يقع عليه المقدار والتقدير، ولا يردّ عليه في التدبير، ولا يخالف في الأمور.
«الحميد» وله معان محمودة، وله صفات المدح والكمال.
«المجيد» وله معان:
منها: أنه لا يساوي فيما له من أوصاف المدح؛
ومنها: أنه المنفرد بالجلال والكبرياء والعزّ؛
стр. 112
ومنها: أن الذي يفيد من أوصاف المدح لغيره لا يكون إلا به.
«الحقّ» وله معان:
منها: أن لا يمكن ردّه، ولا يصح رفعه، ولا يوصف بالقدرة على ما بوجب ذمّه،
ومنها: أن ما لم يكن بأمره من غيره. لم يحمد وصفه؛
ومنها: المبيّن لخلقه ما أرادهم له.
«المبين» وله معان:
منها: أنه بيّن لذوي العقول؛
ومنها: أن الفضل يقع به؛
ومنها: أن التحقيق والتمييز إليه؛
ومنها: أن الهداية به.
«الواحد» وله معان:
منها: أنه لا يجوز عليه التبعيض، ولا يجوز عليه التشبيه، ولا يصح الخروج من ملكه. ولا حدّ لسلطانه.
«الماجد» وله معان:
منها: الارتفاع والعلوّ على المبالغة،
ومنها: التقريب على حسب المشيئة؛
ومنها: الاختصاص بالولاية والتولية.
«الصّمد» وله معان:
منها: أنه لا يتجزأ في الوهم،
ومنها: أن الكون والأحوال منه تطلب.
«الأوّل» وله معان:
منها: أنه لم يزل؛
ومنها: أنه لا يكافأ على النعمة والبلية، ولا يسبق بالفعل.
стр. 113
«الآخر» ومعناه الدائم، فإنه يستحيل عليه العدم.
«الظّاهر» ومعناه أنه يصح إدراكه بالأدلة على القطع واليقين،
«الباطن» ومعناه أنه لا يدرك باللمس والشمّ والذوق، وأنه يقف على الخفيّات.
«المتعال» وله معان:
أحدها: أنه تعالى على أن يطاق؛
والثاني: أنه تعالى عن الزّوال بالذات والصفة؛
والثالث: أنه تعالى عن الحاجة.
«الغنيّ» وله معان:
منها: أنه لا يتعلّق بالقدرة، ولا يحتاج إلى دعامة أو علاقة؛
أنه لا يتوهّم حدوث شيء لا يصحّ منه بما له من الصفات من غير توقف على استحداث حكم.
«النّور» وله معان:
منها: أنه لا يخفى على أوليائه بالدليل، ولا يصحّ ادراكه بالابصار، ويظهر لكل ذي لبّ بالعقل.
«ذو الجلال» ومعناه المختصّ بما ذكرناه من الأوصاف.
وقال: وفي بعض الأخبار أنه «السيّد».
قال الإمام البيهقي-﵀-وقد ذكرت اسناده في كتاب «الأسماء والصفات» واسناد غيره مما ورد به الحديث.
قال الأستاذ معناه: أنه مالك كل مخلوق، وأنه منفرد بالإيجاد.
«المولى» ومعناه أنه يغيّر ما شاء، كيف شاء.
«الأحد» ومعناه أنه لا يصح عليه الاتصال والمماسّة، ولا يجوز عليه النقصان والزيادة.
«الفرد» ومعناه أنه لا تصحّ له الزوجة والولد.
стр. 114
«الوتر» ومعناه أنه لا يعدّ في المعدودات بالمعنى، وتحقيقه أنه لا يوصف بصفة يصحّ وصف غيره بها إلا وله اختصاص ومباينة.
أسامي صفات الذات
فمن أسامي صفات الذات الذي عاد إلى القدرة
«القاهر» ومعناه الغالب.
«القهّار» ومعناه الذي لا يقصد، ولا يغلب.
«القويّ» ومعناه المتمكّن من كل مراد.
«المقتدر» ومعناه الذي لا يردّه شيء عن المراد.
«القادر» ومعناه اثبات القدرة.
«ذو القوّة المتين» ومعناه نفي النهاية في القدرة، وتعميم المقدورات.
قال: وروي في بعض الآثار «الغلاّب» ومعناه يكره على ما يريد، ولا يكره على ما يراد.
ومن أسامي صفات الذات ما هو للعلم ومعناه
فمنها: «العليم» ومعناه تعميم المعلومات. ومنها:
«الخبير» ويختص بأن يعلم ما يكون قبل أن يكون. ومنها:
«الحكيم» ويختص بأن يعلم دقائق الأوصاف. ومنها:
«الشّهيد» ويختص بأن يعلم الغائب والحاضر، ومعناه أنه لا يغيب عنه شيء. ومنها:
«الحافظ» ويختص بأنه لا ينسى ما علم. ومنها:
«المحصي» ويختص بأنه لا يشغله الكثرة عن العلم، وذلك مثل ضوء النور، واشتداد الريح، وتساقط الأوراق، فيعلم عند ذلك عدد أجزاء الحركات في كل ورقة، وكيف لا يعلم وهو الذي خلقها؟ وقد قال:
﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ؟﴾ ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
стр. 115
ومن أسامي صفات الذات ما يعود إلى الإرادة ،
فمنها: «الرّحمن» وهو المريد لرزق كل حيّ في دار البلوى والامتحان.
ومنها:
«الرّحيم» وذلك المريد لانعام أهل الجنة. ومنها:
«الغفّار» وهو المريد لإزالة العقوبة بعد الاستحقاق. ومنها:
«الودود» وهو المريد للإحسان إلى أهل الولاية. ومنها:
«العفوّ» وهو المريد لتسهيل الأمور على أهل المعرفة. ومنها:
«الرؤوف» وهو المريد للتخفيف عن العبادة. ومنها:
«الصّبور» وهو المريد لتأخير العقوبة. ومنها:
«الحليم» وهو المريد لإسقاط العقوبة في الأصل على المعصية. ومنها:
«الكريم» وهو المريد لتكثير الخيرات عند المحتاج. ومنها:
«البرّ» وهو المريد لإعزاز أهل الولاية.
ومن أسامي صفات الذات ما يرجع إلى السمع.
وهو «السّميع».
ومنها ما يرجع إلى البصر.
وهو «البصير».
ومنها ما يرجع إلى الحياة.
وهو «الحيّ».
ومنها ما يرجع إلى البقاء
وهو «الباقي». وفي معناه
«الوارث». الذي يبقى بعد فناء خلقه.
ومنها ما يرجع إلى الكلام
وهو «الشكور».
ومنها ما يرجع إلى العلم والسمع والبصر
وهو «الرقيب».
стр. 116
أسامي صفات الفعل
منها: «الخالق» ويختص باختراع الشيء. ومنها:
«البارئ» ويختص باختراعه على الحسن. ومنها:
«المصوّر» ويختص بأنواع التركيب: ومنها:
«الوهاب» ويختص بكثرة العطية واستحالة ورود ما يحجز عنه، ومنها:
«الرزّاق» ويختص بعطية ما يقوت ويدفع التلف، ومنها:
«الفتّاح» ويختص بتيسير ما عسر. ومنها:
«القابض» ويختصّ بالسلب. ومنها:
«الباسط» ويختص بالتوسعة في المنح. ومنها:
«الخافض» ويختص بإذلال الجاحدين، ومنها:
«الرّافع» ويختص بإعطاء المنازل، ومنها:
«المعزّ» ويختص بتحسين الأحوال. ومنها:
«المذلّ» ويختص بالحطّ، ومنها:
«الحكم» ويختص بفعل ما يريد، ومنها:
«العدل» ويختص بأن لا يقبح منه ما يفعل، ومنها:
«اللّطيف» ويختص بدقائق الأفعال. ومنها:
«الحفيظ» ويختص بأن لا يشغله دفع عن دفع، ومنها:
«المقيت» ويختص بأن لا يشغله فعل بلية عن فعل بلية، ومنها:
«الحسيب» ويختص بأن لا يشغله موافقة عن موافقة. ومنها:
«الرقيب» ويختص بأن لا يشغله شأن عن شأن، ومنها:
«المجيب» ويختص بالبذل عند المسألة. ومنها:
«الواسع» يختص بأن لا يتعذر عليه عطية. ومنها:
«الباعث» ويختص بالحشر، ومنها:
стр. 117
«الوكيل» ويختص بكفالة الخلق، ومنها:
«المبدئ» ويختص بابتداء التفضل، ومنها:
«المعيد» ويختص بالإعادة. ومنها:
«المحيي» ويختص بخلق الحياة، ومنها:
«المميت» ويختص بخلق الموت. ومنها:
«القيّوم» ويختص بادامة الخلق على الأوصاف، ومنها:
«الواجد» ويختص بوجود ما يريد، ومنها:
«المقدّم» ويختص بتقديم ما يريد، ومنها:
«المؤخّر» ويختص بتأخير ما يريد، ومنها:
«الوليّ» ويختص بحفظ أهل الولاية. ومنها:
«التوّاب» ويختص بخلق توبة التائبين. ومنها:
«المنتقم» ويختص بعقاب الناكثين. ومنها:
«المقسط» ويختص بفعل العدل. ومنها:
«الجامع» ويختص بجمع الخصوم والانصاف. ومنها:
«الغني» ويختص بإزالة النقائص والحاجات، ومنها:
«النافع» ويختص بخلق اللذات. ومنها:
«الهادي» ويختص بفعل الطاعات. ومنها:
«المضلّ» ويختص بخلق المعاصي يعني خلقها. ومنها:
«البديع» ويختص باستحالة المشاركة له في الخلق. ومنها:
«الرشيد» ويختص باصابة المقصود، ومنها:
«مالك الملك» ويختص بالتبديل.
قال: ويمكن تأويل بعض هذه العبارات على أسامي الذات.
قال: واعلم أن أسماء الله تعالى على ثلاثة أقسام:
стр. 118
قسم منها للذات؛
وقسم لصفات الذات؛
وقسم لصفات الفعل.
فالقسم الأول الاسم والمسمى واحد وهو مثل «قديم» و «شيء» و «إله» و «مالك».
ومعنى قوله «الاسم والمسمى» أنه لا يثبت بالاسم زيادة صفة للمسمى، بل هو اثبات للمسمى.
الثاني: الاسم صفة قائمة بالمسمى، لا يقال إنها هي المسمى، ولا يقال إنها غير المسمى. وهو مثل «العالم» و «القادر» لأن الاسم هو العلم والقدرة.
القسم الثالث: وهو من صفات الفعل فالاسم فيه غير المسمى وهو مثل الخالق والرازق لأن الخلق والرزق غيره.
فأما التسمية إذا كانت من المخلوق فهي فيها غير الاسم والمسمى، وإذا كانت التسمية من الله فإنها صفة قائمة بذاته وهي كلامه.
ولا يقال: إنها المسمى ولا غير المسمى، ولا يقال إنها العلم والقدرة.
وذهب بعض أصحابنا من أهل الحق في جميع أسماء الله إلى أن الاسم والمسمى واحد.
قال: والاسم في قولنا «عالم» و «خالق» لذات الباري التي لها صفات الذات مثل العلم والقدرة؛ وصفات الفعل مثل الخلق والرزق.
قال: ولا نقول لهذه الصفات إنها أسماء بل الاسم ذات الله الذي له هذه الصفات.
قال البيهقي-﵀-وإلى هذا ذهب الحارث بن أسد المحاسبي فيما حكاه عنه الأستاذ أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك قال: ويصح ذلك عندي بما يشهد له اللسان بذلك. ألا ترى إلى قوله :
﴿بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ [مريم:٧].
فأخبر أن اسمه يحيى قال: «يا يحيى». فخاطب اسمه، فعلم أن
стр. 119
المخاطب يحيى وليس اسمه، وهو اسمه واسمه هو، وكذلك قال:
﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ [يوسف:٤٠].
وأراد المسميات. ولأنه لو كان غيره أو لا هو المسمى لكان للقائل إذا قال:
عبدت الله-والله اسمه-أن يكون عبد اسمه، أما غيره وأمّا لا. يقال: إنه هو وذلك محال.
وقوله «إن لله تسعة وتسعين اسما» معناه تسميات العباد لله لأنه في نفسه واحد، قال الشاعر:
إلى الحول ثم اسم السّلام عليكما
قال أبو عبيد: أراد ثمّ السّلام عليكما، لأن اسم السّلام هو السّلام. ومن أصحابنا من أجرى الأسماء مجرى الصفات. وقد مضى الكلام فيها. والمختار من هذه الأقاويل ما اختاره الشيخ أبو بكر بن فورك-رحمه الله تعالى-.
١٠٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال سمعت أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه يقول سمعت أبا عثمان سعيد بن إسماعيل-وسئل عن قوله تعالى «تبارك» -فقال ارتفع وعلا.
فصل
في الإشارة إلى أطراف الأدلة
في معرفة الله وفي حدث العالم
العالم عبارة عن كل شيء غير الله، هو جملة الأجسام والأعراض، وجميع ذلك موجود عن عدم بايجاد الله واختراعه إياه. قال الله :
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾
стр. 120
وسئل نبينا ﷺ عن بدء هذا الأمر فقال:
«كان الله ولم يكن شيء غيره-ثم ذكر الخلق».
فإن قال قائل: فهل في العقل دليل على حدث الأجسام؟
قيل: نعم، وقد وجدنا الأجسام لا تنفك عن الحوادث المتعاقبة عليها كالاجتماع والافتراق، والسكون والحركة، والألوان، والمطعوم والأرايح وما لم ينفكّ من الحوادث ولم يسبقها، محدث مثلها
وإن قال: وهل فيه دليل على حدث الأعراض؟
قيل: نعم. قد وجدناها تتضاد في الوجود ولا يصح وجود جميعها معا في محلّ، فثبت أن بعضها يبطل ببعض، وما يجوز عليه البطلان لا يكون إلاّ حادثا، لأن القديم لم يزل ولا يصح عليه العدم.
فإن قال: فهل فيه دليل على أن الحوادث لا بد لها من محدث؟
قيل: نعم. حقيقة المحدث ما وجد عن عدم، ولولا أن موجودا أوجده لم يكن وجوده أولى من عدمه؛ وإنه يتقدّم بعضها على بعض، فلولا أن مقدّما قدّم ما تقدم منه، لم يكن حدوثه متقدّما أولى من حدوثه متأخرا، وكذلك وجود بعضه على بعض الهيئات المخصوصة يدل على جاعل خصّه بذلك، لو لاه لم يكن بعض الهيئات بأولى من بعض، ولأنا نشاهد الأجسام يتنقل أسبابها، ويتبدل أحوالها، فلولا أن منقّلا نقلها، لم يكن انتقالها أولى من بقائها. وفي ذلك دليل على أن تعلقها بمن نقلها، وحاجتها إلى من غيّرها، أنّها مصنوعة، وأن لها صانعا غيرها، ونحن نصوّره في الإنسان الذي هو في غاية الكمال والتمام، فإنه كان نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما ولحما ودما وقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال إلى حال، لأنّا نراه في حال كمال قوته وتمام عقله لا يقدر على أن يحدث لنفسه سمعا ولا بصرا، ولا أن يخلق لنفسه جارحة، فدلّ ذلك على أنه قبل تكامله واجتماع قوّته عن ذلك اعجز. وقد رأيناه طفلا ثم شابّا، ثم كهلا ثم شيخا. وقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال إلى حال (فدلّ على أن ناقلا نقله من حال إلى حال) ودبّره على ما هو عليه. ومما يبيّن ذلك أن القطن لا يجوز أن يتحوّل غزلا مفتولا ثم ثوبا منسوجا من غير صانع ولا مدبّر. والطين والماء لا
стр. 121
يجوز أن يصيرا بناء مشيدا من غير بان. وكما لا يجوز صانع لا صنع له. لا يجوز صنع لا من صانع. وقد نبّهنا الله تعالى في غير موضع من كتابه العزيز على ما ذكرناه من العبر، فقال :
﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ* وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ* وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ* وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ* وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ* وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم:٢٠ - ٢٥].
وإن قال قائل: ومن لكم بأن أثر الصّنع موجود في السماوات والأرض؟ قال الحليمي-رحمه الله تعالى-.
قيل له إن السماء جسم محدود متناه، والمحدود المتناهي لا يجوز أن يكون قديما، لأن القديم هو الموجود الذي لا سبب لوجوده، وما لا سبب لوجوده، فلا جائز أن يكون له نهاية، لأنه لا يكون وجوده إلى تلك النهاية أولى به من وجوده دونها أو وراءها. ولأن المتناهي لا يكون خالص الوجود لأنه إلى نهايته يكون موجودا ثم يكون وراء نهايته معدوما، والقديم لا يعدم، فصحّ أن المتناهي لا يجوز أن يكون قديما، والسماء متناهية. فثبت أنها ليست بقديم.
فإن قيل: وما الدليل على أنها متناهية؟
قيل: الدليل على أنها متناهية عيانا من الجهة التي تلينا، فدل ذلك على أنها متناهية من الجهات التي نراها ولا نشاهدها لأن تناهيها من هذه الجهة قد أوجب أن لا يكون ما يلينا منها قديما موجودا إلا لسبب، فصح أن ما لا يلينا منها فهي كذلك أيضا، لأنه لا يجوز أن يكون شيء واحد بعضه قديم وبعضه غير قديم.
وأيضا فإن السماء جسم ذو أجزاء، وكلّ جزء منه محدود متناه، فدلّ ذلك
стр. 122
على أن جميعها محدود متناه.
-ثم ساق الكلام إلى أن قال (١) -
وما قلته في السماء فهو في الأرض مثله وأبين، لأنّ أجزاء الأرض تقبل في العيان أنواعا من الاستحالة، وكذلك الماء والهواء لأنّ أجزاء كل واحد من هذه الأشياء يجتمع مرة ويفترق أخرى، وينتقل من حال إلى حال، فصار حكمها حكم غيرها من الأجسام التي ذكرنا في الحاجة إلى مغيّر غيّرها، وناقل نقلها، وهو الواحد القهار.
قال البيهقي-﵀
فإن قال قائل: وهل في العقل دليل على أنّ محدثها واحد؟
قيل: نعم وهو استغناء الجميع في حدوثه بمحدث واحد، والزيادة عليه لا ينفصل منها عدد من عدد ولأنه لو كان للعالم صانعان لكان لا يجري تدبيرهما على نظم ودلا على أحكام، كما قال الله :
﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهِ﴾ [الأنبياء:٢٢].
ولكان العجز يلحقهما أو أحدهما، وذلك أنّه لو أراد أحدهما أحياء جسم وأراد الآخر إماتته، كان لا يخلو من أن يتمّ مرادهما. وهذا مستحيل، أو لا يتم مرادهما، أو مراد أحدهما دون صاحبه.
ومن لم يتم مراده كان عاجزا. والعاجز لا يكون الها قديما وعبارة أخرى وهي أن حال الاثنين لا يخلو من صحة المخالفة، أو تعذر المنازعة، فإن صحت المخالفة أو تعذرت المنازعة بأن صحت المخالفة كان الممنوع من المراد موصوفا بالقهر، وان تعذرت المنازعة كان كل واحد منهما موصوفا بالنقص والعجز، وذلك يمنع من التثنية. وقد دعانا الله إلى توحيده في غير موضع من كتابه بما أرانا من الآيات، وأوضح لنا من الدلالات فقال عزّ من قائل:
﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ -قرأها إلى قوله- ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٦٣،١٦٤].
стр. 123
إلى سائر ما ورد في الكتاب من الدلالات على صنعه وتوحيده.
١٠٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا أحمد بن الفضل الصائغ، ثنا آدم، ثنا أبو جعفر الرازي، ثنا سعيد بن مسروق، عن أبي الضحى:
﴿وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ﴾
لما نزلت هذه الآية عجب المشركون وقالوا ان محمدا يقول: والهكم إله واحد فليأتنا بآية إن كان من الصادقين. فأنزل الله :
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ .. ﴾. [البقرة:
١٦٤] الآية.
يقول: إن في هذه الآيات ... ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
١٠٥ - حدثنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني محمد بن يوسف الدقيقي قال وجدت في كتابي للشافعي ﵀:
فيا عجبا كيف يعصى الاله ... أم كيف يجحده جاحد؟
ولله في كل تحريكة ... وتسكينة أبدا شاهد
في كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
ويقال إن هذه الأبيات لأبي العتاهية.
стр. 124
١٠٦ - أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، قال سمعت أبا الحسين عبد الواحد بن أبي عبد الرحمن-ناقله أبي القاسم المذكور-يقول حكى جدي في كتبه عن شيوخه أن أبا العتاهية إسماعيل بن القاسم جاء إلى دكان سقيفة الوراق فجلس وتحدث ثم ضرب بيده إلى دفتر فكتب في ظهره:
فيا عجبا كيف يعصى الاله ... أم كيف يجحده الجاحد
ولله في كل تحريكة ... وتسكينة أبدا شاهد
وفي كل شيء له آية ... تدلّ على أنّه واحد
ثم ألقاه ونهض. فلما كان من الغد أو بعد ذلك جاء أبو نواس فجلس وتحدث وضرب بيده إلى ذلك الدفتر فقال:
أحسن، قاتله الله! والله لوددته لي بجميع ما قلته. لمن هي؟
قلنا: لأبي العتاهية.
فقال: هو أحق به.
ثم أخذ أبو نواس الدفتر فكتب:
سبحان من خلق الخلق ... من ضعيف مهين.
يسوقه من قرار ... إلى قرار مكين
يجوز شيئا فشيئا ... في الحجب دون العيون
حتى بدت حركات ... مخلوقة من سكون
فلما عاد أبو العتاهية نظر فيه فقال: أحسن، قاتله الله! والله لوددت أنها لي بجميع ما قلت وما أقول. لمن هي؟
فقلنا لأبي نواس.
فقال: الشيطان، ثم كتب أبو العتاهية:
فإن اك حالكا فالمسك أحوى ... وما لسواد جلدي من بقاء
ولكنّي عن الفحشاء ناء ... كبعد الأرض عن جوّ السماء
стр. 125
١٠٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو جعفر محمد بن صالح بن هاني، ثنا السريّ بن خزيمة، ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ [الأعراف:١١].
قال: خلقوا في أصلاب الرجال، ثم صوّروا في أرحام النساء.
١٠٨ - حدثنا الإمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان، أنبا عبد الله بن محمد بن علي بن زياد الدقيقي، ثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن المديني، ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أنبا بقية بن الوليد، ثنا بحير بن سعيد عن خالد بن معدان قال: قال أبو ذر ﵁ قال رسول الله ﷺ :
«قد أفلح من أخلص الله قلبه للإيمان، وجعل قلبه سليما، ولسانه صادقا، ونفسه مطمئنّة، وخليقته مستقيمة، وجعل أذنه مستمعة وعينه ناظرة. فأما الأذن فقمع، وأما العين فمقرّة لما يوعى القلب، وقد أفلح من جعل الله قلبه واعيا».
١٠٩ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنبا إسماعيل بن محمد الصفّار، ثنا
стр. 126
أحمد بن منصور الرمادي، ثنا عبد الرزاق، أنبا معمر، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال:
القلب ملك، وله جنود، فإذا صلح الملك صلحت جنوده، وإذا فسد الملك فسدت جنوده. والأذنان قمع والعينان مسلحة، واللسان ترجمان، واليدان جناحان، والرّجلان بريد، والكبد رحمة، والطحال ضحك، والكليتان مكر، والرية نفس».
قال البيهقي ﵀:
هكذا جاء موقوفا، ومعناه في القلب جاء في حديث النعمان بن بشير مرفوعا.
وقد رواه عبد الله بن المبارك عن معمر بإسناده وقال رفعه.
١١٠ - أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو سعيد أحمد بن النسوي، ثنا إسماعيل بن إبراهيم النيسابوري قال سئل الحسن بن عيسى عن حديث ابن المبارك، فقال حدثني أبو الأسود، ثنا عبد الله ثنا معمر، عن عاصم بن أبي
стр. 127
النجود، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رفعه فذكره.
ورواه أيضا الحكم بن فضيل عن عطية عن أبي سعيد مرفوعا.
١١١ - أخبرنا أبو علي الروذباري، أنبا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا عباس بن محمد، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن محمد بن المرتفع عن عبد الله بن الزبير ﵄:
﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ، أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١].
قال: سبيل الخلاء والبول.
١١٢ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنبا أبو جعفر الرزاز، أنبا أحمد بن الوليد الفحام، ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير عن ابن الزبير:
﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ، أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾.
قال: سبيل الخلاء والبول. كذا قال.
١١٣ - وأخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنبا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر، ثنا السري بن خزيمة الأبيوردي، ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن ابن جريج عن محمد بن المرتفع عن ابن الزبير فذكره.
١١٤ - أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، حدثني محمد بن محمد بن عبيد الله الأديب، ثنا محمود بن محمد، ثنا عبد الله بن الهيثم، ثنا الأصمعي قال سمعت ابن السمّاك يقول لرجل:
«تبارك من خلقك فجعلك تبصر بشحم، وتسمع بعظم، وتتكلم بلحم».
стр. 128
١١٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في آخرين قالوا ثنا أبو العباس الأصم، ثنا أبو أمية، ثنا أبو عاصم، ثنا صالح الناجي، عن ابن جريج، عن ابن شهاب في قوله تعالى:
﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ [فاطر:١].
قال: حسن الصوت.
١١٦ - قال وحدثنا أبو أمية الطرسوسي، حدثنا محمد بن سليمان البصري، ثنا إبراهيم بن الجنيد، عن عمر بن حفص العسقلاني، عن خليد بن دعلج، عن قتادة في قوله:
«يزيد فى الخلق ما يشاء»
قال: الملاحة في العينين.
١١٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا الحسن بن محمد بن إسحاق قال سمعت أبا عثمان الخياط يقول ثنا ذو النون بن إبراهيم المصري قال:
«إنّ الله خلق القلوب أوعية للعلم، ولولا أنّ الله سبحانه وبحمده أنطق اللسان بالبيان، وافتتحه بالكلام، ما كان الإنسان إلاّ بمنزلة البهيمة، يومئ بالرّأس، ويشير باليد».
١١٨ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنبا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا سعدان بن نصر، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش عن عمرو بن مرة، عن سالم بن
стр. 129
أبي الجعد، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال:
«تفكر ساعة خير من قيام ليلة».
١١٩ - وأخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنبا إسماعيل بن محمد الصفار قال ثنا سعدان بن نصر، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد:
«قيل لأم الدرداء: ما كان أفضل أعمال أبي الدرداء؟
قالت: التفكر».
١٢٠ - أخبرنا حمزة بن عبد العزيز، أنبا أبو الفضل عبدوس بن الحسين بن منصور، حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي، حدثنا محمد بن حاتم الزمّي المؤدب، أنبا علي بن ثابت، عن الوازع بن نافع، (عن سالم)، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ :
«تفكروا في آلاء الله-يعني عظمته-ولا تفكروا في الله».
هذا إسناد فيه نظر.
١٢١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا علي بن محمد المروزي، ثنا محمد بن إبراهيم الرازي، ثنا يحيى بن معاذ قال:
«جملة التوحيد في كلمة واحدة، وهي أن لا تتصور في وهمك شيئا إلا
стр. 130
واعتقدت أن الله هو مالكه من جميع الجهات».
قال البيهقي رحمه الله تعالى:
فإن قال قائل: وايش الدليل على أنه سبحانه موجود؟
قيل: قد بينّا أنه أوجد العالم وأحدثه، والفعل لا يصح وقوعه إلاّ من ذوي قدرة. والقدرة لا تقوم بنفسها، فوجب أنها تقوم بقادر موجود.
ولأن استحالة وقوع الفعل من معدوم كاستحالة وقوعه لا من فاعل. فلما استحال فعل لا من فاعل، استحال فعل من معدوم. وفي ذلك دليل على وجوده.
فإن قال قائل: وما الدليل على أنه سبحانه قديم لم يزل؟
قيل: قد ثبت أنه موجود، ولو كان محدثا لتعلّق بغيره لا إلى نهاية، والموجود لا ينفكّ من أن يكون قديما أو محدثا. فلما فسد كونه محدثا ثبت أنه قديم.
وإن شئت قلت: قد بيّنّا احتياج المحدثات إلى مقدّم يقدّم ما تقدّم منها، ومؤخّر يؤخّر ما تأخّر منها، ومخصّص يخصّص بعضها ببعض الهيئات دون بعض. فلو كان الذي يفعل ذلك بها مشاركا لها في الحدوث لشاركها في الحاجة إلى المقدّم المؤخّر المخصّص. ولو كان بهذا الوصف لاقتضى كلّ محدثا قبله، ويستحيل وجود محدثات واحد قبل واحد لا إلى أوّل لاستحالة الجمع بين الحدوث ونفي الابتداء فثبت أنه قديم لم يزل.
فإن قال قائل: فما الدليل على أنه ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرض؟
قيل: لأنّه لو كان جسما لكان مؤلّفا. والمؤلّف شيئان، وهو سبحانه شيء واحد، لا يحتمل التأليف.
وليس بجوهر، لأن الجوهر هو الحامل للأعراض، المقابل للمتضادّات، ولو كان كذلك، لكان ذلك دليلا على حدوثه، وهو سبحانه تعالى قديم لم يزل.
وليس بعرض لأن العرض لا يصحّ بقاؤه، ولا يقوم بنفسه-وهو-سبحانه قائم بنفسه لم يزل موجودا ولا يصحّ عدمه.
فإن قال قائل: فإذا كان القديم سبحانه شيئا لا كالأشياء، ما انكرتم أن يكون جسما لا كالأجسام؟
стр. 131
قيل له: لو لزم ذلك للزم أن يكون صورة لا كالصّور، وجسدا لا كالأجساد، وجوهرا لا كالجواهر: فلما لم يلزم ذلك، لم يلزم هذا.
وبعد: فإن الشيء سمة لكل موجود، وقد سمى الله- نفسه شيئا قال الله :
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً؟ قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام:١٩].
ولم يسم نفسه جسما ولا سماه به رسول الله ﷺ ، ولا اتفق المسلمون عليه ونحن فلا نسمي الله باسم لم يسم هو به نفسه ولا رسوله ولا اتفق المسلمون عليه، قال الله :
﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها، وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠].
فإن قال قائل: وما الدليل على أنه لا يشبه المصنوعات، ولا يتصور في الوهم؟
قيل: لأنه لو أشبهها لجاز عليه جميع ما يجوز على المصنوعات من سمات النقص وامارات الحدث، والحاجة إلى محدث غيره. وذلك يقتضي نفيه، فوجب أنه كما وصف نفسه:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
ولأنا نجد كل صنعة فيما بيننا لا تشبه صانعها كالكتابة لا تشبه الكاتب، والبناء لا يشبه الباني، فدلّ ما ظهر لنا من ذلك على ما غاب عنّا. وعلمنا أن صنعة الباري لا تشبهه.
فإن قال قائل: وما الدليل على أنه قائم بنفسه، مستغن عن غيره؟
قيل: لأن خالق هذا الوصف يوجب حاجته إلى غيره، والحاجة دليل الحدث، لأنها تكون إلى وقت ثم تبطل بحدوث ضدها. وما جاز دخول الحوادث عليه كان محدثا مثلها. وقد قامت الدلالة على قدمه.
فإن قال قائل: وما الدليل على أنه حيّ عالم قادر؟
قيل: ظهور فعله دليل على حياته وقدرته وعلمه، لأنّ ذلك لا يصحّ وقوعه