← Книги сунны

Книги сунны · id 748

شعب الإيمان - ت زغلول

أبو بكر البيهقي

Полный текст (3 507 стр.). Показаны 302–341 · переход к 307.

стр. 302

وفي رواية إلاّ ما ابتغى به وجهه من الأعمال الصالحة. فإذا مات الأحياء كلهم وجاء وقت النفخة الأخرى فقد جاء في حديث الصور وهو حديث روي عن محمد بن كعب عن رجل عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وفي إسناده مقال فذكر قصة في النفخة الأولى وما بعدها وذكر موت جبريل وميكائيل ثم موت حملة العرش وموت إسرافيل ثم موت ملك الموت، ثم ينزل ماء من تحت العرش كمني الرجال ثم يأمر السماء أن تمطر أربعين يوما، ويأمر الأجساد أن تنبت كنبات الطراثيث أو كنبات البقل، حتى إذا تكاملت أجسادهم قال الله تعالى ليحيى حملة العرش فيحيون ثم يقول ليحيى جبريل وميكائيل أظنّه وذكر معهما غيرهما، فيحيون فيأمر الله إسرافيل فيأخذ الصور فيضعه علي فيه، ثم يدعو الله بالأرواح فيؤتى بها، تتوهّج أرواح المؤمنين نورا والأخرى ظلمة فيلقيها في الصور ثم يأمر الله إسرافيل أن ينفخ فيه نفخة البعث فتخرج الأرواح كأنها النحل، قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول الله وعزّتي وجلالي ليرجعنّ كلّ روح إلى جسده، فتدخل الأرواح في الخياشيم ثم تمشي في الأجساد مشي السّمّ في اللديغ ثمّ تنشقّ الأرض عنهم سراعا. ٣٥٣ - م-وهذا فيما قرئ إسناده على الاستاذ أبي إسحاق الإسفراييني وأنا أسمع أنّ أبا بكر محمد بن عبد الله الشافعي أخبرهم، ثنا أبو قلابة الرقاشي، ثنا أبو عاصم، ثنا إسماعيل بن رافع، عن محمد بن يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن كعب القرظي عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ . وروينا في حديث آخر بإسناد ضعيف عن ابن عباس في صفة القيامة فذكر فيه صفة الصور وعظمه وعظم إسرافيل ثم قال: فإذا بلغ الوقت الذي يريد الله أمر إسرافيل فينفخ في الصور النفخة الأولى، فتهبط النفخة من الصّور إلى السموات فيصعق سكّان السموات بحذافيرها، وسكان البحر بحذافيرها ثمّ تهبط النفخة إلى الأرض، فيصعق سكّان الأرض بحذافيرها، وجميع عالم الله وبريّته فيهنّ من الجنّ والإنس والهوام والأنعام. قال وفي الصّور من الكوى بعدد من يذوق الموت من جميع الخلائق

стр. 303

فإذا صعقوا جميعا، يقول الله يا إسرافيل من بقي؟ فيقول: بقي إسرافيل عبدك الضعيف. فيقول مت يا إسرافيل! فيموت ثمّ يقول الجبار تعالى: لمن الملك اليوم فلا هميس ولا حسيس ولا ناطق يتكلّم، ولا مجيب يفهّم، وقد مات حملة العرش وإسرافيل وملك الموت وكلّ مخلوق فيردّ الجبّار على نفسه ﴿لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ [غافر:١٦]. وذلك حين تمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدّل لكلماته ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فيتم كلمته بإنفاذ قضائه على أهل أرضه وسمائه لقوله تعالى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٢]. فإما إسرافيل فيموت ثم يحيى في طرفة عين وإمّا حملة العرش فيحيون في أسرع من طرفة عين فيأمر الله تعالى إسرافيل بعد النفخة الأولى بأربعين وكذلك هو في التوراة بين النفختين أربعون، لا يدرى ما هو. فإذا انقضت الأربعون نظر الله إلى أهل السموات وإلى أهل الأرضين فيقول وعزّتي لأعيدنّكم كما بدأتكم ولأحيينّكم كما أمتّكم، ثم يأمر إسرافيل فينفخ النفخة الثانية، وقد جمعت الأرواح كلها في الصّور، فإذا نفخ خرج كلّ روح من كوّة معلومة من كوى الصّور، فإذا الأرواح تهوش بين السماء والأرض لها دويّ كدويّ النّحل، فينادي إسرافيل: يا أيّتها الجلود المتمزقة! ويا أيّتها الأعضاء المتهشّمة! ويا أيّتها العظام البالية! ويا أيّتها الأجساد المتفرّقة! ويا أيّتها الأشعار المتمرّطة! قوموا إلى موقف الحساب والعرض الأكبر فيدخل كلّ روح في جسده قال: ويمطر الله طيشا من تحت العرش على جميع الموتى، فيحيون كما تحيى الأرض الميتة بوابل السّماء، فيبعث الله الأجساد التي كانت في الدنيا من حيث كانت بعضها في بطون السباع، وبعضها من حواصل الطير وبنيان البحور وبطون الأرض وظهورها، فيدخل كلّ روح في جسده فإذا هم قيام ينظرون، فيبعث الله نارا من المشارق، فتحشر النّاس إلى المغارب إلى أرض تسمّى السّاهرة من وراء بيت المقدس أرض طاهرة لم يعمل عليها سيئة ولا خطيئة فذلك قوله: ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات:١٣]. ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [المطففين:٦].

стр. 304

﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٧]. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً الَّذِينَ كانَتْ﴾ [الكهف:٩٩] الآية. ٣٥٤ - وهذا فيما أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر محمد بن طلحة ابن منصور القطّان، ثنا إبراهيم بن الحارث البغدادي، ثنا أبو الحسن علي بن قدامة النحوي، ثنا مجاشع بن عمرو، عن ميسرة عن عبد الكريم الجزري، قال: حدثني سعيد بن جبير أنّه سأل ابن عباس عن القيامة وما فيها فحدّثه وذكر ما كتبناه فيه وهذا إسناد ضعيف بمرّة غير أنّا قد روينا في الحديث الثابت عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (بين النفختين أربعون: «قالوا يا أبا هريرة: أربعون يوما؟ قال: أبيت. قالوا أربعون شهرا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال أبيت. قال ثم ينزل الله من السّماء ماء فينبتون كما ينبت البقل. قال: وليس من الإنسان بشيء إلاّ يبلي إلاّ عظما واحدا وهو عجب الذّنب وفيه تركيب الخلق يوم القيامة). ٣٥٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر بن إسحاق، ثنا موسى بن إسحق، ثنا عبد الله بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش بهذا الحديث. رواه مسلم في الصحيح عن أبي كريب عن أبي معاوية. وأخرجه البخاري من وجه آخر عن الأعمش. قال: البيهقي ﵀ وروينا عن أبي غالب عن أنس بن مالك مرفوعا: «يبعث النّاس يوم القيامة والسماء تطشّ عليهم». وروينا بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود في أشراط السّاعة في النّفخة الأولى ثمّ في إرسال الله ماء من تحت العرش منيّا كمنيّ الرّجال، حتّى تنبت

стр. 305

جسمانهم ولحمانهم من ذلك الماء، ثمّ قيام ملك الصّور، نفخه فيه مّرة أخرى، وانطلاق كلّ نفس إلى جسمها ودخولها فيه ثمّ قيامهم لربّ العالمين ما يؤكّد جميع ما نقلنا والله أعلم. ٣٥٦ - أخبرنا أبو عبد الرحمن بن محبوب، أنا الحسين بن محمد بن هارون، ثنا أحمد بن محمد بن نصر، ثنا يوسف بن بلال، ثنا محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﴿وَيَقُولُونَ﴾ يعني أهل مكّة ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ يعني القيامة يقول الله ﴿ما يَنْظُرُونَ﴾ كفّار قريش إذ كذّبوا ﴿إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ لا تثنى ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ يتكلّمون في أسواقهم يتبايعون ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ لا يقدرون ﴿تَوْصِيَةً﴾ كلاما ﴿وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ فيخيرون الكلام إليهم ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ وهي النفخة الآخرة ﴿فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ﴾ يعني القبور ﴿إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ يخرجون من قبورهم ﴿قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ يقول من منامنا يقول هذا بعضهم لبعض إذا خرجوا من القبور، وظنّوا أنّهم كانوا نياما. وذلك أنّه يرفع عنهم العذاب بين النفختين، وبينهما أربعون سنة، نسوا العذاب فقالت لهم الملائكة ﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ يعني وتصديق المرسلين البعث يقول الله : ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ نفخة واحدة، ﴿فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [الآيات ٤٨ - ٥٣ من سورة يس]. الحساب. قال: البيهقي ﵀ وقد روينا عن أسامة بن زيد عن الزهري، عن أنس بن مالك قال: لّما كان يوم أحد مرّ رسول الله ﷺ بحمزة بن عبد المطلب وقد جدّع ومثّل به فقال: «لولا أن تجد صفية لتركته حتى يحشره الله من بطون الطير والسباع». ٣٥٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا عبد الله بن الحسين القاضي، ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا روح، ثنا أسامة فذكره. قال: البيهقي ﵀ وروينا في حديث مقسم عن ابن عباس غير أنّه

стр. 306

قال: (لولا جزع النساء لتركته يحشر من حواصل الطير وبطون السباع). وفي هذا كله دليل على أنّ ما أكله الناس بعضهم من بعض صار غذاء له. فقد زعم الحليمي ﵀ أنّه لا يردّ إلى أصله لكن صاحبه يعرض منه. وقد فرق بينهما بأنّه قد إنقلب من مكلّف إلى مكلّف وردّه يؤدي إلى إدخال جزء من الكافر الجنة أو جزء من المؤمن النار، وليس كذلك في غير المكلف، وإنما هو في معنى ما تأكله الأرض فيعاد وبسط الكلام فيه. وإذا أحي الله ﵎ النّاس كلهم قاموا عجلين ينظرون ما يراد بهم لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]. وقد أخبر الله عن الكفار أنّهم يقولون: ﴿يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ [يس:٥٢]. وأنّهم يقولون: ﴿هذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ فيقول لهم الملائكة: ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات:٢٠،٢١]. ثمّ يحشر النّاس إلى موقف العرض والحساب وهو الساهرة فقال الله : ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات:١٣،١٤]. قال البيهقي ﵀ وروينا عن وهب بن منبه أنّه قرأ هذه الآية وهو يومئذ ببيت المقدس فقال: ها هنا الساهرة يعني بيت المقدس. وروينا عن ابن عباس موقوفا ومرفوعا ما دلّ على أنّ الشام أرض المحشر. وقال الفراء: الساهرة وجه الأرض كأنّها سمّيت بهذا الاسم لأنّ فيه الحيوان نومهم وسهرهم. وروى بإسناده عن ابن عباس قال: الساهرة الأرض.

стр. 307

قال الحليمي ﵀: ومعناه فأذاهم قد صاروا على وجه الأرض بعد أن كانوا في جوفها. وقيل: الساهرة صحراء وقرب شفير جهّنم والله أعلم. وروينا في الحديث الثابت عن سهل بن سعد عن النبي ﷺ قال: «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النّقي-وفي رواية كالقرصة النقيّ-ليس فيها لأحد علم». والنقي: الخبز الحوّاري وقوله «ليس فيها علم» يريد أرضا مستوية ليس فيها جدب ولا بناء. وأما صفة الحشر فقد قال الله : ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ [مريم:٨٥،٨٦]. روينا عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنّه قال: في قوله «وفدا» ركبانا وفي قوله «وردا» عطاشا. وروينا عن النعمان بن سعد عن علي أنّه قال في هذه الآية: أما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم ولا يساقون سوقا، ولكنهم يؤتون بنوق لم تر الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب وأزمّتها الزبرجد، فيركبون عليها، حتى يضربوا أبواب الجنة. ٣٥٨ - أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عبد الوهاب، ثنا يعلى بن عبيد، ثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن

стр. 308

النعمان بن سعد، عن علي ﵁ فذكره. ٣٥٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا إبراهيم بن عصمة بن إبراهيم، ثنا السري بن خزيمة، ثنا معلى بن أسد، ثنا وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «يحشر النّاس على ثلاث طرائق راغبين راهبين، اثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيّتهم النّار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتسمي معهم حيث أمسوا». ورواه البخاري عن معلى بن أسد. وأخرجه مسلم من وجه آخر عن وهيب. قال الحليمي ﵀: فيحتمل أن يكون قول النبي ﷺ : «يحشر الناس على ثلاث طرائق» أشار إلى الأبرار والمخلّطين والكفار، فالأبرار الراغبون إلى الله جلّ ثناءه فيما أعدّ لهم من ثوابه. والراهبين الذين هم بين الخوف والرجاء، فأمّا الأبرار فإنهم يؤتون بالنجائب كما روي في حديث علي، وأمّا المخلطون فهم الذين أريدوا في هذا الحديث أنهم يحملون على الأبعرة. والأشبه أنها لا تكون من نجائب الجنّة لأنّ من هؤلاء من لا يغفر له ذنوبه حتى يعاقب بها بعض العقوبة، ومن أكرم بشيء من نعيم الجنة لم يهن بعده بالنار. قال البيهقي ﵀: وروى علي بن زيد بن جدعان وليس بالقوي عن أوس بن خالد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف ركبانا ومشاة وعلى وجوههم» فقال رجل يا رسول الله! ويمشون على وجوههم؟ قال: «الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم». وهذا إن صحّ فكأنّ بعض المخلّطين من المؤمنين يكون راكبا كما جاء في الحديث الأول، وبعضهم يكون ماشيا كما جاء في الحديث، أو يركب في بعض الطريق، ويمشي في بعض.

стр. 309

وأمّا المشاة على وجوههم فهم الكفار. ويحتمل أن يكون بعضهم أعتى من بعض، فؤلاء يحشرون على وجوههم والذين هم أتباع يمشون على أقدامهم، فإذا سيقوا من موقف الحساب إلى جهنّم، سحبوا على وجوههم قال الله : ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر:٤٨]. وقال: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٣٤]. ويكونون في تلك الحالة عميا وبكما وصما قال الله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [الإسراء:٩٧]. وقبل ذلك يكونون كاملي الحواس والجوارح لقوله تعالى: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس:٤٥]. وقوله: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ عَشْراً﴾ [طه:١٠٣]. وسائر ما أخبر الله عنهم من أقوالهم ونظرهم وسمعهم فإذا أدخلوا النار ردّت إليهم حواسهم، ليشاهدوا النار وما أعدّ لهم فيها من العذاب قال الله تعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا﴾ [الملك:٨،٩]. وسائر ما أخبر الله عنهم من أقوالهم وسمعهم ونظرهم. فإذا نودوا بالخلود سلبوا أسماعهم قال الله : ﴿لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٠]. وقد قيل إنهم يسلبون أيضا الكلام لقوله تعالى: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]. وروينا عن ابن عباس أنّ النبي ﷺ قام في الناس فوعظهم فقال: «أيّها

стр. 310

الناس إنّكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا ثم قرأ: ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤]. وأنّ أوّل من يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇». وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «تحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا» فقلت: يا رسول الله الرجال من النساء؟ «فقال يا عائشة! الأمر يومئذ أشدّ من ذلك». والذي يدلّ عليه ما قدمنا ذكره أنّ ذلك يكون حال خروجهم من قبورهم، ثم يكرم المتّقون، ومن شاء من المخلّطين المؤمنين بالكسوة والركوب كما قدمنا ذكره والله أعلم. والذي روي في حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ «يبعث الميّت في ثيابه التي يموت فيها» يحتمل أن يكون المراد في أعماله التي يموت عليها من خير أو شرّ كقوله ﷺ في رواية جابر «يبعث كلّ عبد على ما مات عليه». وقد يحتمل أن يبعث في ثيابه التي يموت فيها ثم تتناثر عنه أو عن بعضهم، ثم يحشر إلى موقف الحساب عاريا ثم يكسى بعد ذلك من ثياب الجنة والله أعلم. وأما قول الله في صفة الكفار يوم القيامة: ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ﴾ [القلم:٤٣] وقوله: ﴿خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ﴾ [القمر:٧] فإن المراد بذلك والله أعلم حال مضيّهم إلى الموقف وقوله: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣]. وإنّما هو إذا طال القيام عليهم في الموقف، فيصيرون في الحيرة كأنّهم لا قلوب لهم، ويرفعون رؤوسهم فينظرون النظر الطويل الدائم، ولا يرتدّ إليهم طرفهم كأنهم قد نسوا الغمض أو جهلوه، والناس في القيامة لهم أحوال ومواقف، واختلف الأخبار عنهم لاختلاف مواقفهم وأحوالهم، وأمّا قول الله : ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١]. فقد روينا عن ابن عباس أنّه قال: هذا في النفخة الأولى ينفخ في الصّور

стр. 311

فيصعق من في السّموات ومن في الأرض إلاّ من شاء الله ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ ثم إذا نفخ في النفخة الأخرى قاموا ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾. فصل قد روينا عن ابن عباس أنّه قال: في قوله : ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ يقول: عطاشا. والأخبار تدل على أنّ العطاش يعمّ الناس في ذلك اليوم إلاّ أنّ المجرمين لا يسكن عطشهم، ولكنه يزداد حتى يوردوا النار، فيشربون الحميم شرب الهيم نعوذ بالله من عذاب الله، وأمّا المتّقون، ومن شاء الله من المخلّطين المؤمنين فإنهم يسقون من حوض نبينا ﷺ وقد ذكرنا صفة الحوض وصفة مائه في «كتاب البعث والنشور». ٣٦٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو النضر الفقيه، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا أبو غسّان، حدثني أبو حازم، ثنا سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّي فرطكم على الحوض من مرّ عليّ شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا» وذكر الحديث. أخرجاه في الصحيح. قال البيهقي ﵀: ويشبه أن يكون عطش المتقين لكي إذا سقوا من حوض المصطفى ﷺ وجدوا لذّة الماء إذ الرّيّان لا يستلذّ الماء كما يستلّذه العطشان والله أعلم. فصل قال البيهقي ﵀: ذكر الله في كتابه ما يكون في الأرض من زلزالها، وتبديلها، وتغيير هيئتها ومدّها، وما يكون في الجبال وتسييرها ونسفها وما يكون في البحار وتفجيرها وتسجيرها، وما يكون في السماء وتشقيقها وطيّها،

стр. 312

وما يكون في الشمس من تكويرها، وفي القمر من خسفه، وما يكون في النجوم من انكدارها وانتثارها، وما يكون من شغل الوالدة عن ولدها ووضع الحوامل ما في بطونها. واختلف أهل العلم في وقت هذا الكوائن فذهب بعض أهل التفسير إلى أنّ ذلك يكون بعد النفخة الأولى وقبل الثانية، وروي ذلك الحديث الذي ذكرناه بإسناده عن محمد بن كعب عن رجل من الأنصار عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في الصّور. وذهب أكثر أهل العلم إلى أنّ ذلك إنّما يكون بعد النفخة الثانية، وخروج الناس من قبورهم، ووقوفهم يوم القيامة قبلها ينظرون ليكون ذلك رعب لعرضهم وأشدّ لحالهم، وعلى هذا يدلّ سياق أكثر الآيات التي وردت في هذه الكوائن، وكذلك روي عن ابن عباس في الحديث الذي ذكرنا إسناده في صفة القيامة، وقد ذكرنا أحد الحديثين في كتاب «البعث والنشور» آخره. وعلى مثل ذلك يدلّ أكثر الأحاديث فمنها حديث أبي سعيد الخدري وغيره في بعث النار. ٣٦١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب العدل، وأبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني بالكوفة، قالا: ثنا إبراهيم بن عبد الله العبسي، أنبا وكيع-ح. وأخبرنا أبو عبد الله، أخبرني أبو بكر بن عبد الله، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ يقول ﵎ يوم القيامة: «قم يا آدم ابعث بعث النّار، فيقول لبّيك وسعديك والخير في يديك. وما بعث النّار؟ قال: فيقول: من كلّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعون. قال فحينئذ يشيب المولود وتضع كلّ ذات حمل حملها وترى النّاس سكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب شديد». فيقولون وأيّنا ذلك الواحد؟ فقال رسول الله ﷺ «تسعمائة وتسع وتسعون

стр. 313

من يأجوج ومأجوج ومنكم واحد» فقال الناس: الله أكبر. فقال النبي ﷺ «إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة؛ والله إنّي لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، والله أنّي لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة» فكبّر الناس فقال رسول الله ﷺ : «ما أنتم يومئذ في الناس إلاّ كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو الشعرة السوداء في الثور الأبيض». رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع. قال البيهقي ﵀: وأخرجاه من حديث جرير عن الأعمش وفي حديثه «أبشروا فإنّ من يأجوج ومأجوج ألفا ومنكم رجل». وروينا في حديث عمران بن حصين وأنس بن مالك أنّ النبي ﷺ قرأ قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١،٢]. إلى آخر الآيتين. ثم قالا: معنى ما رواه أبو سعيد غير أنّ في حديثهما قال: «اعملوا وأبشروا والّذي نفس محمد بيده إنّ معكم لخليقتين ما كانتا مع أحد قط إلاّ كثّرتاه مع من هلك من بني آدم وبني إبليس». وقالوا: ومن هما قال: «يأجوج ومأجوج». وروينا عن عائشة أنّها قالت يا رسول الله ﷺ أرأيت قول الله : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨]. أين الناس يومئذ؟ قال: «على الصراط». وفي حديث ثوبان عن النبي ﷺ زيادة قال: «هم في الظلمة دون الجسر والجسر هو الصراط» وأمّا قوله: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق:٤]. فمعناه قد ألقت ما فيها. وقوله تعالى:

стр. 314

﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها﴾ [الزلزلة:١،٢]. معناه وقد أخرجت الأرض أثقالها وسياق الآية تدل (خطأ) على ذلك وقوله: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة:١٣]. فمعناه النفخة الآخرة والله أعلم. فصل «في معنى قول الله » ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤]. روينا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في صاحب الكنز إذا لم يؤدّ زكاته جيء به يوم القيامة وبكنزه فيحمى صفائح من نار جهنم فيكوى بها جبهته وجبينه وظهره حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. وروينا عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال في قوله: ﴿يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة:٥]. قال هذا في الدنيا وقوله: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤]. فهذا يوم القيامة جعله الله على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة. وروينا عن أبي هريرة قال: يوم القيامة على المؤمن كقدر ما بين الظهر والعصر. ويروى ذلك مرفوعا. وروي في حديث ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد قال: سئل النبي ﷺ عن يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ما طول هذا اليوم؟ فقال: «والّذي نفسي بيده إنه ليخفّف على المؤمن حتى يكون أهون عليه من الصلوة المكتوبة يصليها في الدنيا» وقد ذكرنا أسانيد هذه الأحاديث في «كتاب البعث».

стр. 315

٣٦٢ - أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنا أبو عمرو بن مطر، أنا حمزة بن محمد بن عيسى الكاتب، أنا نعيم بن حماد، ثنا ابن المبارك، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة أظنّه رفعه إلى النبي ﷺ قال: «إنّ الله يخفّف على من يّشاء من عباده طول يوم القيامة كوقت صلاة مكتوبة». قال البيهقي ﵀: هذا وجدته في فوائد أبي عمرو ولا أدري من القائل «أظنّه» وكذلك رواه أبو سهل الأسفراييني عن حمزة. ٣٦٣ - وذلك فيما أخبرنا به أبو الحسن العلاء بن محمد بن أبي سعيد عنه. أخبرنا أبو إسحاق الأسفراييني الإمام، أنبا عبد الخالق بن الحسن، ثنا عبد الله بن ثابت، حدثني أبي، عن الهذيل، عن مقاتل بن سليمان أنّه قال في هذه الآية: ﴿تَعْرُجُ﴾ يعني تصعد ﴿الْمَلائِكَةُ﴾ من السماء إلى سماء إلى العرش ﴿وَالرُّوحُ﴾ يعني جبريل ﵇ ﴿إِلَيْهِ﴾ من الدنيا ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ﴾ عندكم يا بني آدم ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ يعني بقوله: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ يقول: ولو ولّى حساب الخلائق وعرضهم غيري لم يفرغ منه إلاّ في مقدار خمسين ألف سنة. فإذا أخذ الله في عرضهم يفرغ الله منه في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا فلا ينتصف ذلك اليوم حتى يستقرّ أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النّار وذلك قوله تعالى: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ [الفرقان:٢٤]. يقول: ليس مقيلهم كمقيل أهل النار. وإلى معنى هذا ذهب الكلبي في تفسيره الذي يرويه عن أبي صالح عن ابن عباس، يعني لو ولّى محاسبة العباد غير الله لم يفرغ منه في خمسين ألف سنة. قال البيهقي ﵀: وروينا عن الفراء أنّه قال: في هذه الآية يقول: لو صعد غير الملائكة لصعدوا في قدر خمسين ألف سنة.

стр. 316

وإلى معنى هذا ذهب الحليمي ﵀ وقال: التقدير إنما هو لعروج الملائكة والروح من الأرض يعني إلى العرش. وقد قال في غير هذه الآية: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥]. فيحتمل أن يكون المعنى أنّها تنزل من السماء إلى الأرض، ثم تعرج من الأرض إلى السماء الدنيا من يومها، فتقطع مالو احتاج الناس إلى قطعها من المسافة لم يقطعوها إلاّ في ألف سنة ممّا تعدون؛ وينزل من عند العرش إلى الأرض ثم يعرج منها إليه من يومها، ولو احتاج الناس إلى قطع هذا المقدار من المسافة لم يقطعوها إلاّ في خمسين ألف سنة ممّا تعدّون، وليس هذا من تقدير يوم القيامة بسبيل وإنّما هو من صلة قوله «ذي المعارج» وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً﴾ [المعارج:٧]. عاد إلى ذكر العذاب الذي وصفه في أوّل السورة وأكّد هذا فما حكي عن وهب بن منبه أنه قال: ما بين الأرض والعرش خمسين ألف سنة من أيّامنا وشهورنا وسنينا. قال ويمكن أن يقال أنّ الملائكة كانت تستطيع قبل يوم القيامة أن تنزل إلى الأرض من أعلى مقام لهم في السموات وفوقها، ثمّ يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة فأما يوم القيامة فلا تستطيع ذلك، إمّا لأنّ السموات إذا طويت لم يكن لهم يومئذ مصعد يقرون فيه، وأمّا لما يشاهدون من عظمة الله وشدّة غضبه ذلك اليوم على أهل العناد من عباده، فيفتر قواهم فيحتاجون إلى العروج إلى مدّة أطول مما كانوا يحتاجون إليه منها قبله فقدّر الله ذلك بخمسين ألف سنة، على معنى أنّ غيرهم لو قطعها لم يقطعها إلاّ في خمسين ألف سنة وهكذا كما جاءت به الأخبار من أنّ العرش على كواهل أربعة من الملائكة ثمّ أخبر الله أنّهم يكونون يوم القيامة ثمانية. ويشبه أن يكون ذلك لأنّه يفتر قواهم يومئذ إلى ما ذكرنا فيؤيدون بغيرهم والله أعلم بجميع ذلك نسأل الله خير ذلك اليوم ونعوذ به من شرّ ذلك اليوم.

стр. 317

٣٦٤ - أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا العباس بن الوليد بن مزيد قال: أخبرني أبي قال: سمعت الأوزاعي قال: حدثني هارون بن رئاب قال: حملة العرش يتجاوبون بصوت حسن رخيم يقول الأربعة: (سبحانك وبحمدك على حلمك بعد علمك). ويقول الأربعة الآخرون: (سبحانك وبحمدك على عفوك بعد قدرتك).

стр. 318

(٩) التاسع من شعب الإيمان «وهو باب في أنّ دار المؤمنين ومأواهم الجنّة، ودار الكافرين ومآبهم النّار» قال الله : ﴿بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة:٨١،٨٢]. وقال تعالى في وصفه يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ قرأ إلى قوله تعالى ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٥ - ١٠٨]. وقوله تعالى: ﴿إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾ يريد به-والله أعلم-من وقفهم حيث كانوا فيه إلى أن حوسبوا، ووزنت أعمالهم، وسيق كلّ فريق إلى حيث قضي له به. وقوله: ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾. يريد به التأبيد على ما كانت العرب تعرف من طول مقامها فكأن يعبر عن التأبيد بدوامها. وقيل معناه ما دامت السموات والأرض إلاّ ما شاء ربّك من الزيادة عليها. و «إلاّ» بمعنى سوى، وذلك يحسن إذا كان المستثنى أكثر من المستثنى منه كرجل يقول: «لفلان عليّ ألف درهم إلاّ ألفين التي هي إلى سنة» يريد سوى الألفين وقد بسطنا الكلام في ذلك في كتاب «البعث» عن الفراء وعن الحليمي رحمهما الله تعالى.

стр. 319

٣٦٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن عبد الله، ثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، ثنا قرة بن خالد ح. وأخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو حامد بن بلال، ثنا أبو الأزهر، ثنا يحيى بن أبي الحجاج، ثنا قرة بن خالد. وأخبرنا أبو صالح بن أبي طاهر العنبري، أنا جدّي يحيى بن منصور القاضي، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا أبو عامر العقدي، ثنا قرة بن خالد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ قال: «من لقي الله وهو لا يشرك به شيئا دخل الجنّة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النّار». وذكر الحديث في رواية أبي طاهر وذكر النبي ﷺ قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنّة، ومن لقيه يشرك به دخل النّار». ورواه مسلم في الصحيح عن حجاج بن الشاعر وأبي أيوب سليمان بن عبد الله الغيلاني عن أبي عامر. قال الحليمي ﵀ وإذا ظهر أنّ مآب المسلمين الجنّة، ومآب الكافرين النّار فقد قال الله : ﴿إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين:٧]. و ﴿إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين:١٨]. وكان المعنى ما كتب لهؤلاء ولهؤلاء، علمنا إنّ السجّين خلاف العلّيّين، كما أنّ الفجّار خلاف الأبرار؛ وسمّي الله جلّ ثناءه النّار الهاوية، ووصف الجنّة أنّها عالية، وجاء في الحديث «أنّ أرواح (خطأ) المؤمن تعلى به، وروح الكافر تهوى به» ولم نعلم أحدا قال: إنّ الجنة في الأرض، ثبت أنّ الجنة فوق السموات ودون العرش ويحتمل قول الله : ﴿وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير:١١].

стр. 320

أنّها تكشط عّما وراءها من الجنان ننظر آثارها، وأن يكون ذلك إزلافها في قوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء:٩]. قال البيهقي ﵀. ٣٦٦ - وقد أخبرنا أبو الحسن المقرئ، أنا الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا يوسف بن يعقوب، ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، ثنا مهدي بن ميمون، ثنا محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن بشر بن شغاف، قال كنّا جلوسا مع عبد الله بن سلام فذكر الحديث إلى أن قال: (وإنّ أكرم الخلائق على الله تعالى أبو القاسم ﷺ وإنّ الجنّة في السماء، وإنّ النّار في الأرض؛ فإذا كان يوم القيامة بعث الله الخلائق أمّة أمة ونبيّا ونبيّا، ثم يوضع الجسر على جهنّم، ثم ينادي مناد أين أحمد وأمّته؟ فيقوم وتتبعه أمّته: برّها وفاجرها، فيأخذون الجسر، فيطمس الله أبصار أعدائه، فيتهافتون فيها من يمين وشمال، وينجو النبي ﷺ والصالحون معه، وتتلقّاهم الملائكة وثبا، يرونهم منازلهم من الجنة: على يمينك، على يسارك، ثم ذكر مرور كلّ نبي وأمته). قال: الحليمي ﵀ وفي ورود الأخبار بذكر الصراط وهو جسر جهنّم بيان أنّ الجنة في العلوّ، كما أنّ جهنّم في السفل إذ لو لم يكن كذلك لم يحتج الصائر إليها إلى جسر. قال وروي عن أنس أن النبي ﷺ قال: «إنّ على جهنّم جسرا أدقّ من الشعر من السيف أعلاه نحو الجنة، دحض مزلة، بجنبيه كلاليب، وحسك النار، يحبس الله به من يشاء من عباده، الزالّون والزالاّت يومئذ كثير، والملائكة بجانبيه قيام ينادون: اللهم سلّم، الّلهم سلّم فمن جاء بالحق جاز، ويعطون النّور يومئذ على قدر إيمانهم وأعمالهم، فمنهم من يمضي عليه كلمح البرق، ومنهم من يمضي عليه كمرّ الريح ومنهم من يمضي عليه كمر الفرس السابق ومنهم من يسير عليه، ومنهم من يهرول، ومنهم

стр. 321

من يعطى نورا إلى موضع قدميه، ومنهم من يحبو حبوا، وتأخذ النار منه بذنوب أصابها، وهي تحرق من يشاء الله منهم على قدر ذنوبهم حتّى تنجو، وتنجو أوّل أوّل زمرة سبعون ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب، كأنّ وجوههم القمر ليلة البدر، والّذين يلونهم كأضواء نجم في السماء، حتى يبلغوا إلى الجنة برحمة الله تعالى». قال: البيهقي ﵀ وهذا الحديث فيما: ٣٦٧ - أنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد، ثنا إسماعيل بن محمد، حدثنا مكي بن إبراهيم، ثنا سعيد بن زربّي عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك حدّث عن النبي ﷺ فذكره. قال: البيهقي ﵀ وهذا إسناد ضعيف غير أن معنى بعض ما روي فيه موجود في الأحاديث الصحيحة التي وردت في ذكر الصراط، وقد ذكرناها في كتاب «البعث». قال: الحليمي ﵀: قوله في الصراط إنّه أدقّ من الشّعرة معناه أنّ أمر الصراط والجواز عليه أدقّ من الشعر، أي يكون عسره ويسره على قدر الطاعات والمعاصي، ولا يعلم حدود ذلك إلاّ الله لخفائها وغموضها، وقد جرت العادة بتسمية الغامض الخفي دقيقا، وضرب المثل له بدقة الشعرة، وقوله إنّه «أحدّ من السيف» فقد يكون معناه-والله أعلم-أنّ الأمر الدقيق الذي يصدر من عند الله إلى الملائكة في إجازة الناس على الصراط يكون في نفاذ حدّ السيف، ومضيّه منهم إلى طاعته وامتثاله، ولا يكون له مردّ، كما أنّ السيف إذا نفذ بحدّه وقوة ضاربه في شيء، لم يكن له بعد ذلك مردّ. قال: البيهقي ﵀ وهذا اللفظ من الحديث لم أجده في الروايات الصحيحة. وروي عن زياد النميري عن أنس مرفوعا: «الصراط كحدّ الشفرة أو كحدّ السيف». وهي أيضا رواية ضعيفة. وروي بعض معناه عن عبيد بن عمير عن النبي ﷺ مرسلا وجاء عنه من قوله.

стр. 322

وروى عن عبد الله بن مسعود أنّه قال: (الصراط في سواء جهنّم مدحضة من له (خطأ) كحد السيف المرهف). وروي عن سعيد بن أبي هلال أنه قال: بلغنا أنّ الصراط يوم القيامة وهو الجسر يكون على بعض الناس أدقّ من الشعر وعلى بعضهم مثل الدار والوادي الواسع. فيحتمل أن يكون لشدّة مروره عليه وسقوطه عنه يشبه بذلك والله أعلم. وأمّا ما قيل في رواية أنس من «أن أعلى الجسر نحو الجنة» ففيه بيان أنّ أسفله نحو طرف الأرض وذلك لما مضى بيانه من أنّ جهنّم سافلة والجنة عالية. ٣٦٨ - أخبرنا أبو الحسن المقرئ، أنا الحسن بن محمد بن إسحاق، أنبا محمد بن أحمد بن البراء، أنبا عبد المنعم بن إدريس، حدثني أبي، عن وهب بن منبه، قال: إذا قامت القيامة، وقضي الله بين أهل الدارين، أمر بالفلق، فيكشف عن سقر، وهو غطاؤها فيخرج منه نار، فتحرق جهنم وتأكلها، كما تأكل النار في الدنيا القطن المندوف، فإذا وصلت البحر المطبق على شفير جهنّم-وهو بحر البحور-نسفته أسرع من طرفة العين نسفا فنضب كأن لم يكن مكانه ماء قط، وهو حاجز بين جهنّم والأرضين السبع فإذا انشقت ماء ذلك البحر اشتعلت في الأرضين السبع فتدعها جمرة واحدة. وقد روينا عن علي بن أبي طالب أنّه قال ليهودي: أين جهنّم قال: تحت البحر فقال عليّ: صدق ثم قرأ: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور:٦]. قال: البيهقي ﵀ ويحتمل ما حكيناه عن وهب بن منبه معنى ما قال الله : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ [إبراهيم:٤٨]. ويكون ذلك بعد ركوب الناس الصراط. كما روينا عن عائشة انّها سألت النبي ﷺ عن ذلك وقالت فأين الناس يومئذ؟ قال: «على الصراط».

стр. 323

ثم قد قال بعض العلماء أن الكفار لا يجاوزون على الصراط لأنهم في معدن النار فإذ خلص المؤمنون وخلصوا على الصراط انفرد الكفار بمواقفهم وصار مواقفهم من النار. قال غيرهم إنهم يركبون الصراط ثم قد تكون أبواب جهنم فروجا في الحشر كأبواب السطوح فهم يقذفون منها في جهنّم، ليكون غمّهم أشدّ وأفظع، وإلقاؤهم من الجسر أخوف وأهول، وفرح المؤمنين بالخلاص أكثر وأعظم، ولعلّ قول الله : ﴿وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩]. يكون في هذا الوقت. وما في القرآن من قول الله : ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك:٨]. وقوله: ﴿أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق:٢٤]. كالدليل على هذا، لأن الإلقاء في الشيء أكثر ما يستعمل في الطرح من علّو إلى سفل والله أعلم بكيفية ذلك. وأما المنافقون فالأشبه أنّهم يركبون الجسر مع المؤمنين ليمشوا في نورهم فيظلم الله على المنافقين فيقولون للمؤمنين: ﴿اُنْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً﴾ [الحديد: ١٣]. فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور على قدر إيمانهم وأعمالهم فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم وقد: ضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم الم نكن معكم نصلّي بصلاتكم ونغزو مغازيكم. ﴿قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحديد:١٤]. فيحتمل-والله أعلم-أنّ هذا السّور إنّما يضرب عند انتهاء الصراط ويترك له باب يخلص منه المؤمنون إلى طريق الجنّة، فذلك هو الرحمة التي في باطنه، وأما ظاهره فإنّه يلي النار، وإن كانت النار سافلة عنه لا محاذيه إيّاه. ما

стр. 324

دام لم يجد المنافقون إلى باطن السور سبيلا، فليس إلاّ أن يقذفوا من أعلى الصراط، يهوون إلى الدرك الأسفل من النار. هذا باستهزائهم بالمؤمنين في دار الدنيا كما شرحنا في «كتاب الأسماء والصفات». فصل «في قوله » ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا﴾ إلى قوله: ﴿وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ [مريم:٦٨ - ٧٢]. اختلف أهل التفسير في معنى هذا الورود فذهب عبد الله بن عباس في أصحّ الروايتين عنه إلى انّ المراد به الدخول واستشهدوا بقوله : ﴿أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨،٩٩]. وبقوله: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود:٩٨]. والمراد به في هذا الموضع الدخول، كذلك قوله «إلاّ واردها» والمراد به الدخول وذلك حين جادله نافع بن الأزرق، قال لنافع بن الأزرق: أمّا أنا وأنت فسندخلها فانظر هل نخرج أم لا؟. وروي عن عبد الله بن السائب عّمن سمع ابن عباس يقول هم الكفار ولا يردها مؤمن. وهذا منقطع والرواية الأولى عن ابن عباس أكثر وأشهر، وروينا عن عبد الله بن رواحة أنه بكى وبكت امرأته لبكائه وقال: إنّي أعلم أنّي وارد النار ولا أدري أناج منها أم لا. وروى السدي عن مرّة الهمداني عن عبد الله بن مسعود أنّه حدّثهم عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «يرد الناس النّار ثم يصدرون بأعمالهم». وفي رواية أخرى عنه عن مرّة عن عبد الله قال: يدخلونها أو قال: يلجونها ثم يصدرون منها بأعمالهم. وفي رواية أبي الأحوص عن عبد الله ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ قال:

стр. 325

الصراط على جهنّم مثل حدّ السيف فتمرّ الطائفة الأولى كالبرق والثانية كالريح، والثالثة كأجود الخيل، والرابعة كأجود الإبل والبهائم، يمرّون والملائكة يقولون: ربّ سلّم سلّم. وقد ذكرنا أسانيد هذه الآثار في «كتاب البعث». وروينا عن سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النّار إلاّ تحلّة القسم» ثم قرأ سفيان ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ ٣٦٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، ثنا سفيان بهذا الحديث. قال: البيهقي ﵀ وهو مخرج في الصحيح. وفي رواية مالك عن الزهري في هذا الحديث: «فتمسّه النار إلاّ تحلة القسم». وهذا يؤكد قول من قال: المراد بالورود الدخول. ٣٧٠ - أخبرنا أبو علي بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان البغدادي بها، أنا عبد الله بن جعفر النحوي، قال: يعقوب بن سفيان، ثنا سليمان بن حرب أبو أيوب الواشحي، ثنا أبو صالح غالب بن سليمان، عن كثير بن زياد البرساني، عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود بالبصرة فقال قوم: لا يدخلها مؤمن، وقال: آخرون: يدخلونها جميعا ثم ننجي الذين اتّقوا ونذر الظالمين فيها جثيّا. فلقيت جابر بن عبد الله فسألته فقال: يدخلونها جميعا فقلت إنا اختلفنا فذكر اختلافهم، قال: فأهوى جابر بإصبعه إلى أذنه فقال: صمّت إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الورود: الدخول لا يبقى برّ ولا فاجر إلاّ دخلها، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما، كما كانت على إبراهيم ﵇، حتّى أن النار (خطأ) أو قال

стр. 326

لجهنّم فحيحا من بردهم، ثم ننجي الّذين اتّقوا ونذر الظّالمين فيها جثيّا». قال: البيهقي ﵀ هذا إسناد حسن ذكره البخاري في التاريخ وشاهده الحديث الثابت عن أبي الزبير عن جابر عن أم مبشر عن النبي ﷺ مثله إلاّ أنّه قال: جامدة. قال أبو عبيد: وإنّما أراد تأويل قوله ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾. فيقول وردوها ولم يصبهم من حرّها شيء إلاّ ليبرّ الله قسمه. ٣٧١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، ثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنّه سمع جابر بن عبد الله يقول أخبرتني أم مبشر انّها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: «لا يدخل النّار إن شاء الله من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها». قالت بلى يا رسول الله فانتهرها فقالت حفصة ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] فقال النبي ﷺ : «فقد قال الله : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ [مريم:٧٢]». رواه مسلم في الصحيح عن هارون بن عبد الله عن حجاج بن محمد. قال: البيهقي ﵀ وهذا يحتمل أن يكون النبي ﷺ إنّما نفى عن أصحاب الشجرة دخول النّار دخول البقاء فيها، أو دخولا يمسّهم منها أذى لا أصل الدخول ألا تراه احتجّ بقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ وقد يكون المحفوظ في الحديث الأول رواية سفيان بن عيينة فيكون ذلك ولوجا من غير نار وإصابة أذى. كما روينا عن خالد بن معدان وهو من أكابر التابعين أنّه قال: إذا دخل أهل الجنّة الجنّة قالوا يا ربّ ألم تعدنا أن نرد النار قال: بلى مررتم بها وهي جامدة. وروينا عن مقاتل بن سليمان أنّه قال: يجعل الله النار على المؤمنين يومئذ

стр. 327

بردا وسلاما كما جعلها على إبراهيم ﵇. ٣٧٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر أحمد بن علي بن محمد القاضي، ثنا أحمد بن سلمة بن عبد الله البزار، ثنا عمران بن موسى القزاز، ثنا عبد الوارث، ثنا الجريري، عن أبي السليل، عن عقبة بن عامر، قال تمسك النار يوم القيامة حتى تبيض، كأنها متن أهالة فإذا استوت عليها أقدام الخلائق برّهم وفاجرهم، نادى مناد أن خذي أصحابك، ودعى أصحابي، قال: فلهي أعرف بهم من الرجل بولده قال: فيخسف بهم ويخرج المؤمن منها نديّة ثيابهم. كذا في الكتاب «قال قال» ولم يذكر قائله وهو معروف بكعب الأخبار. ٣٧٣ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي أنبا أبو الحسن الكارزي، أنا علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد، ثنا يزيد، عن الجريري، عن أبي السليل، عن غنيم بن قيس، عن أبي العوام، عن كعب قال: (يجاء بجهنّم يوم القيامة كأنّها متن إهالة حتى إذا استوت عليها أقدام الخلائق، نادى مناد خذي أصحابك ودعى أصحابي قال: فيخسف بأولئك). قال أبو عبيد: «الإهالة»: ما أذيب من الألية والشحم، و «متن الإهالة»: ظهرها إذا سكر (خطأ) الذائب منها في الإناء. فإنما شبّه كعب سكون جهنم قبل أن يصير الكافر في جوفها بذلك. ومّما يبيّنه حديث خالد بن معدان قال أبو عبيد: ثنا مروان بن معاوية؛ ثنا بكار بن أبي مروان، عن خالد بن معدان قال: لمّا أدخل أهل الجنّة قالوا يا ربنا ألم تكن وعدتنا الورود قال: نعم ولكنّكم مررتم بجهنّم وهي جامدة. قال: أبو عبيد وحدثنا الأشجعي عن سفيان، عن ثور، عن خالد بن معدان مثله إلاّ أنّه قال خامدة. قال أبو عبيد: وإنّما أراد تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ فيقول وردوها ولم يصبهم من حرّها شيء إلاّ ليبرّ الله قسمه. قال البيهقي ﵀: وقد يكون هذا الورود من وراء الصراط، كما

стр. 328

قال: أبو الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، وسمّاه باسم النار لأنّه جسر جهنّم، ومنه يلقي فيها من يلقي، ومنه تخطف الكلاليب من تخطف، وعليه الحسك وألوان العذاب ما عليه، إلاّ أنّ الله تعالى ينجّي الذين اتّقوا يعني بالجواز عنه ويذر الظالمين فيها جثيّا أي في جهنم جثيّا على الرّكب بعد ما يلقي فيها من الصراط، والله أعلم. وقد روينا في الحديث الثابت عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في حديث الرؤية قال: فينصب الجسر على جهنّم، ويقولون الّلهمّ سلّم سلّم قيل يا رسول الله وما الجسر قال: «دحض مزلّة عليه خطاطيف وكلاليب وحسك-يكون ويسجر فيه شوك يقال له السعدان-فيمّر المؤمن كطرف العين، وكالبرق، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس في (النار) (خطأ) جهنّم حتى إذا خلص المؤمنون من النار». وفي رواية عبد الله بن مسعود: «فيمرون على قدر أعمالهم حتى يمرّ الذي نوره على إبهام قدمه يجر يد وتعلّق يد ويجر رجل وتصيب جوانبه النار فيخلصون فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد الذي أراناك. وقد ذكرنا إسنادهما مع ما يشهد لهما في الخامس من كتاب «البعث». والله أعلم. وذلك يبيّن ما قلناه في الورود أنّه يحتمل أن يكون المراد به المرور على الصراط. والله أعلم. ٣٧٤ - أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثي، ثنا عبد الرحمن بن أبي حّماد، عن يحيى بن يمان، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد في قول الله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ قال من حمّ من المسلمين فقد وردها. ٣٧٥ - أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، ثنا أبو محمد أحمد بن عبد الله

стр. 329

المزني، ثنا أبو الحسن أحمد بن الحسين الصوفي ثنا، سمعت سليم بن منصور ابن عمار، يقول حدثني أبي، عن الهقل بن زياد، عن (خالد الدريك) (١) عن بشير بن طلحة، عن يعلى بن منية قال: قال النبي ﷺ : «إنّ النّار تقول يوم القيامة: يا مؤمن! جز فقد أطفأ نورك لهبي». تفرّد به سليم بن منصور وهو منكر. فصل «في فداء المؤمن» ٣٧٥ - م-أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي بمرو، ثنا سعيد بن مسعود، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا طلحة بن يحيى-ح. وأخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو حامد بن بلال، ثنا أبو الأزهر، ثنا أبو أسامه، عن طلحة بن يحيى، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان يوم القيامة دفع إلى كلّ مؤمن رجل من أهل الملل فقيل له هذا فداؤك من النّار».

стр. 330

لفظ حديث أبي طاهر رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة. وأخرجه أيضا من حديث عون وسعيد بن أبي بردة عن أبي بردة. ورواه جماعة غير هؤلاء عن أبي بردة. ٣٧٦ - أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم بن حامد البزاز بهمدان، ثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن القاضي، ثنا محمد بن أيوب، ثنا محمد بن سنان العوقي، ثنا همام، عن قتادة، عن سعيد بن أبي بردة، وعن عون بن عبد الله، أنّهما شهدا أبا بردة يحدث عمر بن عبد العزيز عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «لا يموت رجل مسلم إلاّ أدخل الله مكانه النّار يهوديا أو نصرانيّا» -فقال عون ولم ينكر سعيد على عون قوله- «فاستحلفه عمر بالله الذي لا إله إلاّ هو» ثلاث مرات بأنّ أباه حدّثه عن النبي ﷺ فحلف. أخرجه مسلم في الصحيح من حديث عفان عن همام. قال البيهقي ﵀: وروينا في الحديث الثابت عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل أحد الجنّة إلاّ أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا، ولا يدخل النّار أحد إلاّ أري مقعده من الجنّة لو أحسن ليكون عليه حسرة». ٣٧٧ - أخبرنا أبو عمرو الأديب، أنا أبو بكر الإسماعيلي، أنا الحسن بن سفيان، أخبرنا فياض بن زهير، ثنا علي بن عياش، ثنا شعيب، عن أبي الزناد فذكره. رواه البخاري ﵀ في الصحيح عن أبي اليمان عن شعيب بن أبي حمزة. قال البيهقي ﵀: وروي ذلك أيضا من حديث أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا.

стр. 331

وفي رواية أخرى عنه: «ما منكم من رجل إلاّ له منزلان منزل في الجنّة ومنزل في النّار. فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله قال: فذلك قوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠]. ٣٧٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس وهو الأصم، ثنا أحمد بن عبد الجبار، أنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره هذه الرواية الآخرة. قال البيهقي ﵀: ويشبه أن يكون هذا الحديث تفسيرا لحديث الفداء، والكافر إذا أورث على المؤمن مقعده من الجنّة، والمؤمن إذا أورث على الكافر مقعده من النار، يصير في التقدير كأنّه فدى المؤمن بالكافر. والله أعلم. وقد علّل البخاري ﵀ حديث الفداء برواية بريد بن عبد الله وغيره عن أبي بردة عن رجل من الأنصار عن أبيه. وبرواية أبي حصين عنه عن عبد الله بن يزيد. وبرواية حميد عنه عن رجل من أصحاب النبي ﷺ . ثم قال الخبر عن النبي ﷺ في الشفاعة وأنّ قوما يعذّبون ثمّ يخرجون من النار أكثر وأبين. وحديث أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه عن النبي ﷺ قد صحّ عند مسلم بن الحجاج وغيره ﵏ من الأوجه التي أشرنا إليها وغيرها، ووجهه ما ذكرناه، وذلك لا ينافي حديث الشفاعة، فإنّ حديث الفداء وإن ورد مورد العموم في كلّ مؤمن، فيحتمل أن يكون المراد به كلّ مؤمن قد صارت ذنوبه مكفّرة بما أصابه من البلايا في حياته، ففي بعض ألفاظه: «إنّ أمتي أمّة مرحومة جعل الله عذابها بأيديها، فإذا كان يوم القيامة، دفع الله إلى كلّ رجل من المسلمين رجلا من أهل الأديان فكان فداؤه من النّار». وحديث الشفاعة يكون فيمن لم تصر ذنوبه مكفّرة في حياته، ويحتمل أن

стр. 332

يكون هذا القول لهم في حديث الفداء بعد الشفاعة. والله أعلم. وأما حديث شداد أبي طلحة الراسبي عن غيلان بن جرير عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب مثل الجبال يغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى» -فيما أحسب أنا-قاله بعض رواته. فهذا حديث شكّ فيه راويه وشداد أبو طلحة ممّن تكلم أهل العلم بالحديث فيه وإن كان مسلم بن الحجاج استشهد به في كتابه فليس هو ممّن يقبل منه ما يخالف فيه والذين خالفوه في لفظ الحديث عدد، وهو واحد، وكلّ واحد ممّن خالفه أحفظ منه، فلا معنى للاشتغال بتأويل ما رواه مع خلاف ظاهر ما رواه الأصول الصحيحة الممهّدة في ﴿أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [النجم: ٣٨]. والله أعلم. ٣٧٩ - حدثنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني املاء، ثنا أبو بكر بن محمد بن محمد بن إسماعيل القاضي، ثنا جعفر بن محمد بن سوار، ثنا محمد بن رافع، ثنا يحيى بن آدم، قال: قال سفيان بن عيينة لما نزلت هذه الآية: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]. مدّ ابليس عنقه فقال: أنا من الشيء فنزلت: ﴿فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦]. قال: فمد اليهود والنصارى أعناقها، فقالوا: نحن نؤمن بالتوراة والإنجيل، ونؤدّي الزكاة. قال: فاختلسها الله من إبليس واليهود والنصارى فجعلها لهذه الأمّة خاصّة فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف:١٥٧] الآية. ٣٨٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني عمر بن أحمد الزاهد، قال:

стр. 333

سمعت الثقة من أصحابنا يذكر أنّه لما رأى أبا بكر بن الحسين بن مهران ﵀ في المنام في الليلة التي دفن فيها قال فقلت: أيّها الأستاذ ما فعل الله بك؟ فقال إن الله أقام أبا الحسن العامري بحذائي، وقال لي: هذا فداؤك من النار. قال وتوفي في اليوم الذي توفي فيه أبو بكر، أبو الحسن العامري وأشار إلى كونه معروفا بالإلحاد. نعوذ بالله من الكفر والفسوق وسوء العاقبة. فصل «في أصحاب الأعراف» قال البيهقي ﵀: روينا عن ابن عباس أنّه قال الأعراف هو الشيء المشرف. وروينا عن حذيفة بن اليمان أنّه قال: أصحاب الأعراف قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار وقصرت بهم سيّئاتهم عن الجنّة فإذا ﴿صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٧] فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك فقال لهم: قوموا فادخلوا الجنة فإني قد غفرت لكم. وروي ذلك مرفوعا بمعناه. وفي حديث علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ﴾ [الأعراف:٤٦]. قال يعرفون أهل النار بسواد الوجوه وأهل الجنّة ببياض الوجوه، قال: والأعراف هو السور بين الجنة والنار وقوله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. قال: هم رجال كانت لهم ذنوب عظام. وكان جسيم أمرهم لله ، يقومون على الأعراف، فإذا نظروا إلى الجنة طمعوا أن يدخلوها، وإذا نظروا إلى النار تعوّذوا بالله منها فأدخلهم الله الجنّة فذلك قوله: ﴿أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ﴾ يعني أصحاب الأعراف ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف:٤٩].

стр. 334

٣٨١ - أخبرناه أبو زكريا، قال أنا أبو الحسن الطرايفي، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس فذكره. قال البيهقي ﵀: وروينا في حديث مرسل ضعيف أنّه سئل عن أصحاب الأعراف فقال: قوم قتلوا في سبيل الله في معصية آبائهم فمنعهم من الجنّة معصيتهم آباءهم ومنعهم (١) من النار قتلهم في سبيل الله وأمّا قوله: ﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف:٤٨]. فهذا قولهم وهم على السور قبل أن يدخلوا الجنة لرجال من الكفار، ثم ينظرون إلى أهل الجنة فيرون فيها الضعفاء والمساكين، ممّن كان يستهزئ بهم الكفار في الدنيا فينادونهم يعني فينادون الكفار «أهؤلاء» يعني الضعفاء والمساكين «الّذين أقسمتم» يعني حلفتم إذ أنتم في الدنيا ﴿لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ﴾ يعني الجنة ويقول الله لأصحاب الأعراف: ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ هكذا فسّره الكلبي فيما رواه عن أبي صالح عن ابن عباس. وقال مقاتل بن سليمان: هذا قول أصحاب الأعراف لرجال من أهل النار في النار ﴿يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ فأقسم أهل النار أنّ أصحاب الأعراف داخلون النار معهم؛ فقالت الملائكة الذين حبسوا أصحاب الأعراف على الصراط «أهؤلاء» يعني أصحاب الأعراف «الّذين أقسمتم» يا أهل النار «لا ينالهم الله برحمة» وهم داخلون النار معكم «آدخلوا الجنّة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون» بالموت. وهذا القول أشبه بما روينا عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وأمر أصحاب الأعراف على الأصل الذي قدمنا ذكره. وهو أنّ من وافى القيامة مؤمنا، ولسيّئاته وزن في ميزانه، وهو بين أن يغفر له من غير تعذيب وبين

стр. 335

أن يعذّب بقدر ذنوبه، ثم يغفر له، فقد يكون منهم من لا يدخل الجنة في الحال، ولا يدخل النار، ولكن يحبس على الأعراف وهو السور-قال مقاتل: على الصراط-فإذا أراد الله دخولهم الجنة أمرهم بدخولها برحمته أو بشفاعة الشفعاء. والله أعلم. فصل فيما يحق معرفته في هذا الباب أن تعلم أنّ الجنة والنار مخلوقتان معدّتان لأهلهما قال الله في الجنّة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]. وقال في النّار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤]. والمعدّة لا تكون إلاّ مخلوقة موجودة. وقال في الجنة: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران:١٣٣] والمعدوم لا عرض له. ٣٨٢ - أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا الحسن بن عفان، ثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش-ح. قال: وحدثنا أبو العباس، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ يقول الله : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشرثم قرأ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]. أخرجاه في الصحيح من حديث أبي معاوية. وأخرجه مسلم من حديث ابن نمير.

стр. 336

٣٨٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا يحيى بن محمد بن يحيى، ثنا أحمد بن يونس، ثنا الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنّة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النّار فمن أهل النار». رواه البخاري ﵀ في الصحيح عن أحمد بن يونس. وأخرجاه من حديث مالك عن نافع. قال البيهقي ﵀ وفيه من الزيادة: «يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة». وفي رواية سالم عن ابن عمر: «إن كان من أهل الجنة فالجنّة وإن كان من أهل النار فالنار». ٣٨٤ - حدثنا أبو سعد عبد الملك بن أبي عثمان الزاهد إملاء، أنا أبو عمرو بن مطر، ثنا محمود بن محمد الواسطي ثنا وهب بن بقية، أنا خالد بن عبد الله، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «لمّا خلق الله الجنّة والنّار أرسل جبريل ﵇ إلى الجنّة فقال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها وإلى ما أعدّ الله لأهلها فيها، فرجع فقال: وعزّتك لا يسمع بها أحد إلاّ دخلها، فأمر بالجنّة فحفّت بالمكاره، فقال: ارجع فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال فنظر إليها ثمّ رجع فقال: وعزّتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد. قال: ثمّ أرسله إلى النّار قال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها فإذا هي تركّب بعضها بعضا، ثم رجع فقال: وعزّتك لا يدخلها أحد يسمع بها،

стр. 337

فأمر بها فحفّت بالشهوات، ثم قال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فنظر إليها فرجع فقال: وعزّتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلاّ دخلها». قال البيهقي ﵀: وهذا باب كبير، الأخبار فيها كثيرة وقد ذكرناها في الجزء الثامن من كتاب «البعث» وذكرنا في الآخر بعده ما ورد من الآثار والأخبار في صفة الجنة وعددها وصفة النار وعددها فأغنى ذلك عن الإعادة ها هنا. ودلّ الكتاب ثم السّنة على أنّ عدد الجنان أربعة وذلك لأنّه قال في سورة الرحمن: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن:٤٦] ثم وصفهما؛ ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن:٦٢] ثم وصفهما. وروينا عن أبي موسى عن النبي ﷺ أنّه قال: «جنّتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنّتان من فضّة آنيتهما وما فيهما». وفي رواية أخرى: جنتان من ذهب للسابقين، وجنّتان من ورق لأصحاب اليمين. وذكر بعض أهل العلم أنّ «جنّة المأوى» اسم للجميع، وكذلك «جنّة عدن»، و «جنّة النّعيم»، و «دار الخلد»، و «دار السّلام». ويشبه أن يكون الفردوس أيضا اسما للجميع، وقد قيل هي اسم لأعلاهنّ درجة. وأمّا أبواب الجنة فهن ثمانية روينا ذلك في حديث عمر وسهل بن سعد وغيرهما عن النبي ﷺ . وروينا عن عتبة بن عبد السلمي عن النبي ﷺ أنّه قال: وإنّ لها-يعني الجنّة-ثمانية أبواب ولجهنّم سبعة أبواب. وقد قال الله في جهنّم: ﴿لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر:٤٤]. وروينا عن علي ﵁ أنّه قال: أبواب جهنّم هكذا يعني بابا فوق باب.

стр. 338

وروينا في حديث مرسل أنها سبعة أبواب جهنّم، ولظى، والحطمة، والسّعير، وسقر، والجحيم، والهاوية. وقال بعض أهل العلم «جهنّم» اسم لجميع الدركات ودركاتها سبع فذكر هذه وذكر معهنّ «الحريق». وأما إكرام الله المؤمنين بالنظر إليه فقد ذكرناه في كتاب الرؤية مع ما ورد فيه من الكتاب والسنة من أراد معرفته نظر فيه إن شاء الله. وعندي أنّه لو وقف الحليمي ﵀ على حديث أبي هريرة في صفة الإيمان، وتأول اللقاء المذكور فيه على ما تأول عليه أبو سليمان الخطابي ﵀ في جماعة من أصحابنا ﵏ لجعل الإيمان بلقاء الله تعالى-وهو رؤيته والنظر إليه كما وردت به الأخبار الصحيحة مع الآيات التي دلّت عليه من كتاب الله -شعبة من شعب الإيمان وبالله التوفيق. ٣٨٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، ثنا يحيى بن محمد بن يحيى، ثنا مسدد، ثنا إسماعيل بن علية، ثنا أبو حيان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ بارزا يوما للناس فأتاه رجل فقال ما الإيمان؟ فقال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله وتؤمن بالبعث» وذكر الحديث. أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح. قال أبو سليمان قوله: «أن تؤمن بلقائه» فيه إثبات رؤية الله في الدار الآخرة. ٣٨٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا العباس بن محمد الدّوري، ثنا ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، ثنا أبي، عن

стр. 339

صالح بن كيسان، ثنا نافع، أنّ عبد الله بن عمر قال: ان رسول الله ﷺ قال: «يدخل أهل الجنّة الجنّة، ويدخل أهل النّار النّار ثم يقوم مؤذن بينهم يا أهل الجنّة لا موت؛ يا أهل النّار لا موت. كلّ خالد فيما هو فيه». ورواه البخاري عن علي بن عبد الله. وأخرجه مسلم من حديث محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن جدّه وفيه من الزيادة ذبح الموت بين الجنة النار وقد أخرجناه في كتاب «البعث». ٣٨٧ - أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي المؤمّلي، ثنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري، ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب، أنا يعلى بن عبيد، ثنا الأعمش-ح. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو الوليد، ثنا مسدّد بن قطن، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النّار النّار، يجاء بالموت كأنّه كبش أملح، فينادي مناد: يا أهل الجنّة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبّون وينظرون، وكلّهم قد رآه، فيقولون: نعم هذا الموت. ثم يؤخذ، فيذبح ثمّ يقال: يا أهل الجنّة خلود ولا موت، ويا أهل النّار خلود ولا موت». قال وذكر قول الله : ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ [مريم:٣٩]. قال: أهل الدنيا في غفلة. لفظ حديث يعلى. ورواه مسلم في الصحيح عن عثمان بن أبي شيبة. ٣٨٨ - أخبرنا أبو محمد بن يوسف، ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن فراس

стр. 340

المالكي بمكة، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو عبيد القاسم بن سلام، ثنا الأشجعي، عن يحيى بن عبيد الله المديني، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنّه قال: «ما رأيت مثل النّار نام هاربها، ولا رأيت مثل الجنّة نام طالبها». ٣٨٩ - أخبرنا أبو عبد الله، أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، ثنا محمد بن صابر، قال: قلت لأبي شيبة بن أبي بكر بن أبي شيبة أحدّثك. عبد الرحمن بن شريك، ثنا أبي، عن محمد الأنصاري والسدي عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما رأيت مثل الجنّة نام طالبها ولا رأيت مثل النّار نام هاربها؟ فأقرّ به وقال نعم. وروي ذلك أيضا عن عاصم عن زرّ عن عبد الله بن مسعود مرفوعا وروي عنه موقوفا. ٣٩٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله ابن بنت العباس بن حمزة يقول: سمعت جبيرا يقول سمعت أحمد بن حنبل يقول: سبحانك ما أغفل هذا الخلق عمّا أمامهم! الخائف منهم مقصّر، والراجي منهم متوان. ٣٩١ - أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن الساوي بها، أنا أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي، ثنا إسحاق الحربي، ثنا سليم بن منصور بن عمّار، حدثني أبي، ثنا الهقل بن زياد، عن الأوزاعي، عن بلال بن سعد قال: تنادي النار يوم القيامة بأربعة: يا نار خذي، يا نار أنضجي، يا نار انتفي، يا نار كلي ولا تقتلي. قال البيهقي ﵀: وقد ذكرنا في كتاب «البعث والنشور» في صفة الجنة والنار من الكتاب والسنة والآثار ما نكتفي به.

стр. 341

وممّا يحق معرفته في قول الله : ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ﴾ [النساء: ٥٦]. ٣٩٢ - ما أخبرناه أبو الحسين بن بشران، أنا أبو عمر الزاهد، أنا ثعلب، عن سلمة، عن الفراء قال: يقال أبدلت الخاتم بالحلقة إذا نحيّت هذا وجعلت هذا مكانه؛ وبدّلت الحلقة بالخاتم إذا أذبتها وجعلتها خاتما. قالب ثعلب وحقيقة «بدّلت» إذا غيرت الصورة إلى صورة غيرها والجوهرة بعينها، «أبدلت» إذا نحيت الجوهرة وجعلت مكانها جوهرة أخرى. قال أبو عمر فعرضت هذا الكلام على محمد بن يزيد المبرّد فاستحسنه وقال لي: قد بقيت فيه فاصلة أخرى. قلت: وما هي؟ -أعزّك الله-قال: هي أنّ العرب قد جعلت بدّلت بمعنى أبدلت وهو قول الله : ﴿فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان:٧٠]. ألا ترى أنّه تعالى قد أزال السيئات وجعل مكانها الحسنات؛ وأما ما شرط أحمد بن يحيى وهو ثعلب وهو بمعنى قوله : ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها﴾ [النساء:٥٦]. قال: فهذه في الجوهرة، وتبديلها تغيير صورتها إلى غيرها، لأنّها كانت ناعمة فاسودّت بالعذاب فردّت صورة جلودهم الأولى لمّا نضجت تلك الصورة، والجوهرة واحدة، والصور مختلفة. قال البيهقي ﵀: وروينا في كتاب «البعث» عن الحسن البصري أنّه قال في هذه الآية: تأكلهم النّار كلّ يوم سبعين الف مرّة كلّما أكلتهم قيل لهم عودوا فيعودون كما كانوا. ٣٩٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا عيسى بن حامد القاضي، ثنا حامد بن شعيب، ثنا سريج بن يونس، ثنا حميد بن عبد الرحمن، عن
следующие страницы →