عليه السّلام فقال: يا محمّد! من هذا الباكي بين يديك؟ قال: «رجل من الحبشة» وأثنى عليه معروفا، قال: فإن الله يقول: وعزّتي وجلالي وارتفاعي فوق عرشي لا تبكي عين عبد في الدّنيا من مخافتي إلاّ أكثرت ضحكه معي في الجنّة.
وبمعناه رواه سهيل بن أبي حزم عن ثابت في الحبشي وبكائه.
٨٠٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ومحمد بن موسى، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن منقذ، ثنا المقرئ، عن المسعودي، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
«لا يلج النّار من بكى من خشية الله حتّى يعود اللّبن في الضّرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان نار جهنّم في منخري عبد مسلم أبدا».
رفعه المسعودي ووقفه مسعر كما:
٨٠١ - أخبرناه أبو زكريا بن أبي إسحاق، ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عبد الوهاب، ثنا جعفر بن عون، عن مسعر، عن محمد بن عبد الرحمن مولى أبي طلحة، عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة قال:
لا يبكي أحد فتطعمه النّار حتى يردّ اللبن في الضّرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنّم في منخري مسلم أبدا.
٨٠٢ - حدثنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي أنا أحمد بن
стр. 478
محمد بن إسحاق القلانسي، ثنا علي بن الحسن بن أبي عيسى، ثنا إسحاق بن عيسى بن ابنة داود بن أبي هند، ثنا محمد بن أبي حميد، عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ :
«ما من مؤمن يخرج من عينيه دمعة من خشية الله، وإن كان مثل رأس الذّباب فتصيب شيئا من حرّ وجهه، إلاّ حرّمه الله على النّار».
ورواه سليمان بن بلال عن محمد بن أبي حميد، ورواه مصعب بن المقدام، عن محمد بن إبراهيم، عن عون بن عبد الله.
٨٠٣ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفّار- ح.
وأخبرنا أبو القاسم أنا حمزة بن يوسف بن إبراهيم السهمي الجرجاني، قدم علينا، أنا أبو الحسن علي بن محمد بن سعيد الرزاز قالا: ثنا أبو شعيب الحرّاني، ثنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا عبد العزيز بن محمد-ح.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر بن الحسن، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالوا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنا محمد بن إسحاق الصغاني، أنا أبو نعيم ضرار بن صرد، عن عبد العزيز ابن محمد-ح.
وأخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن عبد الله من أولاد إبراهيم النخعي بالكوفة، أنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم، ثنا أحمد بن حازم، قال: أنا ضرار بن صرد، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أمّ كلثوم بنت العباس، عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله ﷺ :
«إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتّت عنه ذنوبه كما يتحاتّ عن الشجرة اليابسة ورقها».
стр. 479
٨٠٤ - أخبرنا محمد بن أبي بكر الفقيه، أنا أبو عمرو بن أبي جعفر، أنا أبو يعلى، ثنا موسى بن محمد بن حيان، ثنا محمد بن عمر بن عبد الله الرومي، حدثني جابر بن يزيد بن رفاعة، عن هارون بن أبي الجوزاء، عن العباس قال:
كنا جلوسا مع رسول الله ﷺ تحت شجرة فهاجت ريح فوقع ما كان عليها من ورق نخر، وبقي ما كان من ورق أخضر فقال رسول الله ﷺ :
«ما مثل هذه الشجرة؟ فقال القوم: الله ورسوله أعلم .. قال: «مثلها مثل المؤمن إذا اقشعرّ من خشية الله ، وقعت عنه ذنوبه وبقيت له حسناته».
٨٠٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق، أنا ابن أبي مريم، أنا يحيى بن أيوب-ح.
وأخبرنا عبد الخالق بن علي، أنا علي بن محتاج الكشاني، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو النعمان، ثنا ابن المبارك، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي امامة، عن عقبة بن عامر الجهني، قال قلت: يا نبيّ الله ما النّجاة؟ قال:
«أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك».
стр. 480
وفي رواية أبي عبد الله، قال: لقيت رسول الله ﷺ يوما فقلت: ما النّجاة؟ فقال:
«يا عقبة .... فذكره» وقال: في إسناده: حدثني ابن زحر.
٨٠٦ - أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، أنا أبو عبد الله الشيباني، ثنا محمد بن عبد الوهاب، ثنا جعفر بن عون، أنا مسعر، عن أبي عون، عن عرفجة، قال: أبو بكر ﵁:
من إستطاع أن يّبكي فليبك ومن لم يستطع فليتباك يعني التضرّع.
وروينا في «كتاب فضائل الصديق» عن عائشة ﵂ إنّها قالت:
وكان أبو بكر إذا بكى لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن.
وروينا في كتاب «فضائل عمر الفاروق» إنّه كان في وجهه خطان أسودان من البكاء.
٨٠٧ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن فضل بن نظيف المصري بمكة، ثنا أبو الفضل العباس بن محمد بن نصر الرافقي إملاء، ثنا الحسن بن علي بن زرعة، ثنا عامر بن سيار، ثنا عبد الكريم، عن أبي إسحاق الهمداني، عن الحارث، وعاصم، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال:
إذا دمعت عيناك وسالت دموعك على خدّك، فلا تلقها بثوبك، وامسح بها وجهك حتى تلقى الله بها.
٨٠٨ - حدثنا أبو محمد بن يوسف الأصبهاني، أنا عبد الله بن يحيى أبو بكر الطلحي بالكوفة، ثنا الحسن بن علي التيمي، ثنا أبو الحسن جعفر بن محمد الوارق، عن عبد الرحمن بن أبي حماد، عن عبد الكريم، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال:
إذا بكى أحدكم من خشية الله فلا يمسح دموعه بثوبه، وليدعها تسيل على
стр. 481
خدّيه يلقي الله بها.
٨٠٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا بكر بن محمد الصوفي بمرو، ثنا محمد بن يونس، ثنا عبد الله بن سنان الهروي، ثنا عبد الله بن المبارك، عن وهيب بن الورد قال:
فقد زكريا إبنه يحيى ثلاثة أيّام فخرج يلتمسه بالبريه فإذا هو قد إحتفر قبرا فأقام فيه يبكي على نفسه، فقال: يا بنيّ أنا أطلبك منذ ثلاثة أيّام، وأنت في قبر قد إحتفرته قائم فيه تبكي؟ قال: يا أبه ألست أنت أخبرتني أنّ بين الجنّة والنّار مفازة لا يقطعها إلاّ دموع البكّائين؟ فقال: أبك يا بنيّ! فبكيا جميعا.
٨١٠ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنا محمد بن جعفر البغدادي، ثنا نفطويه، ثنا أحمد بن الوليد الفحام، ثنا عبد الوهاب، ثنا ثور بن يزيد، عن الهيثم بن مالك، قال: خطب رسول الله ﷺ النّاس فبكى رجل بين يديه، فقال النّبي ﷺ :
«لو شهدكم اليوم كلّ مؤمن عليه من الذّنوب كأمثال الجبال الرّواسي، لغفر لهم ببكاء هذا الرّجل، وذلك إنّ الملائكة تبكي وتدعو له وتقول: اللهمّ شفّع البكّائين فيمن لم يبك».
هكذا جاء هذا الحديث مرسلا.
٨١١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو عبد الله الصنعاني، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الرزاق، عن معمر، عن شيخ لهم، عن عمرو بن سعيد، عن مسلم بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ :
«ما أغرورقت عين بمائها إلاّ حرّم الله سائر ذلك الجسد على النّار ولا سالت قطرة على خدّها فيرهق ذلك الوجه قترة ولا ذلّة، ولو أنّ باكيا بكى في أمّة
стр. 482
من الأمم رحموا. وما من شيء إلاّ له مقدار وميزان إلاّ الدّمعة فإنّه يطفأ بها بحار من النّار».
هذا مرسل وقد روي من قول الحسن البصري كما:
٨١٢ - أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الفقيه، ثنا أبو حامد بن بلال البزار، ثنا أبو الأزهر، ثنا عمرو بن محمد، عن سلمة بن جعفر الآجري، عن أبي الحسين، عن الحسن، قال: ما أغرورقت عين بمائها إلاّ حرّم الله جسدها على النّار، فإن سالت على خدّ صاحبها لم يرهق وجهه قتر ولا ذلّة أبدا، وليس من عمل إلاّ وزن وثواب إلاّ الدّمعة فإنّها تطفئ بحورا من النار. ولو أنّ رجلا بكى من خشية الله تعالى في أمّة من الأمم لرجوت أن ترحم تلك الأمّة ببكاء ذلك الرجل.
٨١٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ومحمد بن موسى، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا الخضر بن أبان، ثنا سيار عن جعفر بن سليمان، قال: سمعت عبد الصمد بن معقل بن منبه يقول: سمعت عمي وهب بن منبه يقول:
لّما أصاب داود الخطيئة اعتزل النساء، ولزم العبادة حتّى سقط، ثمّ بكى حتّى خدّت الدموع وجهه.
٨١٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا الخضر بن أبان، ثنا سيار، ثنا جعفر بن سليمان ثنا ثابت قال:
بلغنا انّ داود ﵇ يقول: أوه قبل الوقوع في النّار.
أوه قبل أن لا تنفع أوه.
قال: وسمعت ثابتا يقول: ما شرب داود شرابا بعد المغفرة إلاّ ونصفه ممزوج بدموع عينيه.
٨١٥ - وبإسناده قال: سمعت ثابتا يقول: اتّخذ داود ﵇ سبع
стр. 483
حشايا من شعر ثّم حشاهنّ بالرماد، ثم بكى حتّى أنفذهنّ بدموع عينيه.
٨١٦ - أخبرنا أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد الشاهد بهمدان، ثنا الفضل بن الفضل، ثنا أبو خليفة، ثنا محمد بن عبد الله الخزاعي، ثنا جرير بن حازم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، انّ داود النّبي ﷺ سجد فبكى على خطيئته، فلمّا قيل له: ارفع رأسك فقد غفر لك، رفع رأسه وما في وجهه طاقة من لحم.
٨١٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا سعيد بن عامر، عن هشام بن حسّان قال:
اتّخذ داود ﵇ فراشا حشوه رماد فاضطجع عليه ذات ليلة قال:
فبكى حتّى نشف الرماد ما نشف، واستنفع الماء تحت جنبه.
قال: فلمّا وجد الماء تحت جنبه دخله من ذلك شيء، فقال: هذه خطيئة أخرى. قال: فخرج إلى الجبل يتعبّد فيه حتّى كاد يعرى فرجع.
٨١٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو محمد بن زياد، ثنا عبد الله بن منازل، ثنا حمدون القصّار، ثنا بشر بن الحكم، ثنا علي بن علي، عن عطاء السليمي قال:
وجدوا بين يديه ندوّة قدر ما يتوضّأ الرجل فأخبروه أنّ ذلك من دموعه.
٨١٩ - وبإسناده قال: كان عطاء السليمي يبكي حتّى خشي على عينه فأتي طبيب يداوي عينه، قال: أداوي بشرط أن لا تبكي ثلاثة أيّام، قال: فاستكثر ذلك، وقال: لا حاجة لنا فيك.
٨٢٠ - أخبرنا أبو عبد الله، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا ثنا أبو العباس الأصم، أنا العباس بن الوليد، أخبرني محمد بن شعيب، أخبرني عثمان بن مسلم، انّه سمع بلال بن سعد يقول:
стр. 484
ربّ مسرور مغبون، وربّ مغبون لا يشعر. فويل لمن له الويل ولا يشعر، يأكل، ويشرب ويضحك، وقد حقّ عليه في قضاء الله انّه من أهل النار، فيا ويل لك روحا، ويا ويل لك جسدا، فلتبك ولتبك عليك البواكي لطول الأبد.
٨٢١ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال أنا الحسين بن صفوان البردعي، ثنا أبو بكر القرشي، حدثني محمد بن الحسين، ثنا عبد الله بن محمد التيمي، قال: حدثني زهير السلولي قال:
كان رجل من بلعنبر قد تهيج بالبكاء فكان لا يكاد يرى إلا باكيا، فعاتبه رجل من إخوانه فقال: لم تبكي-رحمك الله-هذا البكاء الطويل؟ فبكى ثمّ قال:
بكيت على الذنوب لعظم جرمي ... وحقّ لكلّ من يعصى البكاء (١)
فلو كان البكاء يردّ همّي ... لا سعدت الدموع مع دماء
قال: ثمّ بكى حتى غشى عليه فقام الرجل عنه وتركه.
٨٢٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا علي بن عيسى، ثنا جعفر بن أحمد الشاماتي، حدثني محمد بن الحسين الهلالي، ثنا علي بن عثام قال: قال كهمس الهلالي:
بكيت على ذنب عشرين سنة قالوا وما هو؟ قال: غدّيت رجلا فأخذت من جدار جار لي قطعة لبنة ليغسل يده.
٨٢٣ - قال: وقال عطاء السليمي: بكيت على ذنب أربعين سنة؛ صدت حمامة، وإنّي أحمد الله إليكم تصدقت بثمنها على المساكين.
قال: البيهقي ﵀: وكأنّه ارتاب بها هل هي مملوكة أو غير مملوكة.
٨٢٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأني أبو العباس محمد بن يعقوب فيما أجاز له محمد بن عبد الوهاب، أنا علي بن عثام، عن أبي خالد الأحمر،
стр. 485
عن جعفر بن سليمان قال: التقى ثابت وعطاء السليمي ثم تفرقا فلمّا كان عند الهاجرة جاء عطاء فخرجت الجارية إليه، ثم دخلت وهو يريد القائلة فقالت:
أخوك عطاء فخرج إليه فقال: يا أخي في هذا الحرّ؟ قال: ظللت صائما فاشتد عليّ الحرّ فذكرت حرّ جهنّم فأحببت أن تعينني على البكاء فبكيا حتّى سقطا.
٨٢٥ - أخبرنا أبو الحسين بن الفضل، ثنا عبد الله بن جعفر، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا أبو سعيد الأشج، ثنا المحاربي قال:
كان ضرار ومحمد بن سوقة إذا كان يوم الجمعة طلب كلّ واحد منهما صاحبه فإذا اجتمعا جلسا يبكيان.
٨٢٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو أحمد محمد بن عيسى الجلودي، ثنا أبو بكر محمد بن زنجويه بن الهيثم بن عيسى بن عبد الله القشيري، ثنا عبد الأعلى بن حماد النرسي، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت عن أنس عن النبي ﷺ مرّ بقوم يضحكون ويمزحون فقال:
«اكثروا ذكر هاذم اللذّات».
٨٢٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو أحمد الجلودي ثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة وأحمد بن إبراهيم بن عبد الله ومحمد بن شادل الأعمى، قالوا ثنا محمد بن أسلم، ثنا مؤمل بن إسماعيل، ثنا حماد بن سلمة. فذكره بإسناده مثله حرفا بحرف وهو بهذا الإسناد غريب وقد.
٨٢٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا علي بن محمد بن سختويه، ثنا محمد بن المغيرة السكري، ثنا القاسم بن الحكم العرني، ثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: دخل رسول الله ﷺ
стр. 486
المسجد فرأى ناسا يكشرون فقال رسول الله ﷺ :
«لو أكثرتم ذكر هاذم اللذّات، فإنّه يشغلكم عن ما أرى. أكثروا ذكر هاذم اللذّات، الموت. فإنه لم يأت على القبر يوم إلاّ وهو يقول: أنا بيت الوحدة والغربة، أنا بيت التراب، أنا بيت الدود».
٨٢٩ - أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنا أبو الحسن السليطي، ثنا محمد بن إسحاق السراج، قال: سمعت أبا إسحاق الباهلي يقول سمعت يوسف بن يوسف الباهلي يقول: سمعت عبد الله بن ثعلبة يقول:
تضحك ولعل كفنك قد خرج من عند القصّار وأنت لا تدري.
٨٣٠ - أخبرنا أبو الفتح هلال بن محمد بن جعفر، ثنا الحسين بن يحيى بن عياش القطان، ثنا إبراهيم بن مجشر، ثنا عبد الله بن المبارك، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان بن داود ﵉ لابنه:
يا بنيّ لا تكثر الغيرة على أهلك ولم تر منها سوءا فترمي بالشر من أهلك وإن كانت بريئة؛ ولا تكثر الضحك فإنّ كثرة الضحك تستخفّ فؤاد الرجل الحكيم.
قال: وعليك بخشية الله فإنّها غاية لكلّ شيء.
٨٣١ - أخبرنا أبو محمد بن يوسف (١)، ثنا أبو الطيب المظفر بن سهيل الخليلي، قال سمعت محمد بن نصر الخزاعي الصائغ، يقول سمعت بشر بن الحارث الحافي-وقد ضحك عنده رجل-فقال: احذر يا ابن الأخ لا يؤاخذك الله على هذا.
стр. 487
٨٣٢ - أخبرنا أبو الحسين بن الفضل، أنا أبو الحسين بن ماتي الكوفي، ثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة، قال: أخبرني أبي حازم، قال: سمعت أمّي حمادة بنت محمد يعني ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى تقول عن أبيها في قول الله :
﴿مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾ [الكهف:
٤٩].
قال: «الصغيرة»: الضحك.
٨٣٣ - أخبرنا أبو محمد بن يوسف، أنا أبو بكر العثماني الأخميمي أنا أبو بكر بن أبي موسى قال: سمعت القاسم الجوعي يقول سمعت منبه بن عثمان الخمي يقول:
قال آدم ﵇: كنّا سبيا من سبي الجنّة فسبانا إبليس بالخطيئة فليس ينبغي لنا إلاّ البكاء والحزن حتّى نرجع إلى الدّار الذي منها سبينا.
٨٣٤ - أخبرنا أبو سعد الماليني وأبو منصور أحمد بن علي الدامغاني قالا: أنا أبو أحمد بن عدي الحافظ، ثنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن عثمان المديني بمصر، ثنا يحيى بن سليمان الجعفي، ثنا أحمد بن بشير، ثنا مسعر، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ :
«لو وزن دموع آدم بجميع دموع ولده لرجح دموعه على دموع ولده».
قال لنا أبو سعد: قال أبو أحمد: لم يأت به عن مسعر موصولا غير أحمد بن بشير وأكبر ظنّي أن الوهم منه.
стр. 488
٨٣٥ - وأخبرنا أبو سعد، ثنا أبو أحمد، ثنا جعفر بن محمد الفريابي، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة-ح.
قال: وحدثنا محمد بن علي الحفار، ثنا أبو همام الوليد بن شجاع، قالا:
ثنا محمد بن بشر، ثنا مسعر، حدثني علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة قال: لو عدل بكاء أهل الأرض ببكاء داود ما عدله، ولو عدل بكاء أهل الأرض ببكاء آدم حين أهبط إلى الأرض ما عدله.
قال: أبو أحمد لم يذكر فيه بريدة ولا النّبي ﷺ وهذه الرواية أصحّ.
قال الإمام أحمد ﵀: وروينا عن أبي علي الحافظ النيسابوري انّه أنكره، وقال: الصحيح من حديث مسعر، عن علقمة بن مرثد، عن عبد الرحمن بن سابط قوله، ليس هذا من كلام النبي ﷺ .
٨٣٦ - أخبرناه أبو عبد الرحمن السلمي عن أبي علي الحافظ فذكره.
٨٣٧ - أخبرنا أبو محمد بن يوسف، أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، ثنا إبراهيم بن الحارث البغدادي، ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس قال:
نزل آدم ﵇ بالحجر الأسود من الجنّة يمسح به دموعه، ولم يرقا دمع آدم من حين خرج من الجنة حتى رجع إليها.
٨٣٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو محمد بن أبي حامد المقرئ، قالا: ثنا أبو العباس هو الأصم، ثنا الخضر بن أبان، حدثني سعيد بن النعمان قال قلت لغفيرة: ما تملّين هذا البكاء؟ قالت: يا سعيد! كيف يملّ ذو داء من شيء يرى أنّ له فيه من دائه شفاء؟!.
٨٣٩ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، ثنا الحسين بن صفوان، ثنا ابن أبي
стр. 489
الدنيا، حدثني محمد بن الحسين، ثنا زيد بن الحباب، ثنا زائدة بن قدامة، قال:
كان منصور بن المعتمر إذا رأيته قلت: رجل أصيب بمصيبة. ولقد قالت له أمّه: ما هذا الذي تصنع بنفسك؟ تبكي اللّيل عامّته، لا تكاد أن تسكت لعلّك يا بنيّ أصبت نفسا. أقتلت قتيلا؟ فقال: يا أمّه أنا أعلم بما صنعت نفسي.
٨٤٠ - أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، قال: سمعت والدي، يقول سمعت أبا العباس الأزهري يقول: سمعت الحسن بن عرفة العبدي يقول:
رأيت يزيد بن هارون بواسط وهو من أحسن الناس عينين، ثم رأيته بعين واحدة، ثم رأيته وقد ذهبت عيناه فقلت له: يا أبا خالد ما فعلت العينان الجميلتان؟ قال: ذهب بهما بكاء الأسحار.
٨٤١ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، ثنا محمد بن النضر الأصبهاني، ثنا بكر بن بكار، ثنا البراء بن عبد الله، ثنا الحسن بن أبي الحسن البصري قال:
لمّا حضرت معاذا الوفاة فجعل يبكي، فقيل له: أتبكي وأنت صاحب رسول الله ﷺ ، وأنت، وأنت؟ فقال: ما أبكي جزعا من الموت أن حلّ بي، ولا دنيا تركتها بعدي، ولكن إنّما هما القبضتان: قبضة في النّار، وقبضة في الجنّة، فلا أدري في أيّ القبضتين أنا.
٨٤٢ - أخبرنا يحيى بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا بحر بن نصر، أنا ابن وهب، حدثني ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة: إنّ عبد الله بن عمرو بن العاص قال:
لأن أدمع دمعة من خشية الله أحبّ إليّ من أن اتصدّق بألف دينار.
٨٤٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو صادق العطار (١)، قالا: ثنا أبو العباس، هو الأصم، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا يحيى بن أبي بكير، أنبأنا شعبة،
стр. 490
قال: أخبرني عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت زياد وكان ذا هبية يحدّث عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان انّه قال:
ربّ يوم لو أتاني الموت لم أشك فأمّا اليوم فقد خالطت أشياء لا أدري على ما أنا فيها.
وأوصى أبا مسعود فقال: عليكم بما تعرفون ولا تألون في أمر الله.
٨٤٤ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، ثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، ثنا إبراهيم بن منصور، ثنا بشر بن القاسم، ثنا الحكم بن هشام، عن عبد الملك بن عمير، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه انه قال:
لعبد الله بن مسعود عند موته: أوصني، قال: أوصيك أن تتّقي الله، وتلزم بيتك، وتحفظ لسانك، وتبكي على خطيئتك.
٨٤٥ - أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، أنا عبد الله بن جعفر، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا سعيد بن منصور، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن الحارث بن سويد، قال: قال عبد الله بن مسعود:
لوددت أنّ الله غفر لي ذنبا من ذنوبي، وأني سمّيت عبد الله بن روثة.
٨٤٦ - وبإسناده ثنا سعيد، ثنا خالد بن عبد الله، عن يونس بن عبيد، عن حميد بن هلال، قال: قال عبد الله بن مسعود:
وددت أني نسبت إلى روثة وانّ الله تعالى تقبّل مني حسنة واحدة من عملي.
٨٤٧ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو محمد بن أبي حامد المقرئ
стр. 491
وغيرهما، قالوا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا بكار بن قتيبة أبو بكرة، ثنا أبو عامر العقدي، ثنا سفيان، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: قال عبد الله:
لو تعلمون بعيوبي ما تبعني منكم رجلان. ولوددت إني دعيت عبد الله بن روثة وان الله غفر لي ذنبا من ذنوبي.
٨٤٨ - أخبرنا أحمد بن الحسن القاضي، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا العباس الدّوري، ثنا محاضر، ثنا الأعمش، عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال:
عبد الله والذّي لا إله غيره لوددت أنّي انقلبت روثة وأنّي دعيت عبد الله بن روثة وأنّ الله غفر لي ذنبا واحدا.
٨٤٩ - أخبرنا أبو سعد سعيد بن محمد الشعيبي قال: سمعت أبا نصر أحمد بن نصر الزعفراني البخاري يقول: سمعت جعفر بن نمير القزويني يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول:
كيف يفرح المؤمن في دار الدنيا؟ إن عمل سيّئة خاف أن يؤخذ بها، وإن عمل حسنة خاف أن لا تقبل منه، وهو إمّا مسيء وإمّا محسن.
٨٥٠ - أخبرنا أبو سعد عبد الملك بن أبي عثمان الواعظ، ثنا أبو علي الحسين بن عبد الوهاب أنا أحمد بن محمد التيمي، ثنا علي بن عبد الله، قال:
قال يحيى بن معاذ الرازي:
كيف ينجيني عملي وأنا بين حسنة وسيّئة؟ فسيّئاتي لا حسنات فيها، وحسناتي مخلوطة بالسيّئات، وأنت لا تقبل إلاّ الإخلاص من العمل فما بقي بعد هذا إلاّ جودك.
٨٥١ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت (محمد بن) عبد الله الرازي يقول: سمعت الجريري (١) يقول: سئل الجنيد: هل يسقط الخوف عن العبد؟ فقال: لا ما كان العبد أعلم بالله كان له أشدّ خوفا، والخائفون على ثلاث طبقات: خائف من الأجرام، وخائف من الحسنات أن لا
стр. 492
تقبل، وخائف من العواقب قال الله تعالى:
﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ [الشمس:١٥].
٨٥٢ - أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، أنا محمد بن عبد الله بن عمرويه، قال: قال لي عبد الله بن أحمد بن حنبل-ح.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابن عمرويه الصفّار ببغداد، قال: قال لي صالح بن أحمد بن حنبل: لمّا حضرت أبي الوفاة فجلست عنده، والخرقة بيدي أشدّ بها لحيته، قال: فجعل يغرق ثمّ يفيق، ويفتح عينيه ويقول بيده: هكذا لا بعد، لا بعد، لا بعد، ففعل هذا مرّة وثانية فلمّا كان في الثالثة، قلت له يا أبه! إيش هذا الذي لهجت به في هذا الوقت؟ فقال: يا بنيّ! أما تدري؟ قلت: لا، فقال: إبليس-لعنه الله-قائم بحذائي عاضّ على أنامله يقول: يا أحمد فتّني. فأقول: لا، حتّى أموت.
قال البيهقي ﵀: ولأحمد بن حنبل ﵀ في ذلك سلف حق وهو فيما:
٨٥٣ - أخبرنا الإمام أبو عثمان، أنا زاهر بن أحمد، ثنا محمد بن معاذ، ثنا الحسين بن الحسن المروزي، ثنا ابن المبارك، أنا سفيان، عن رجل قال:
أراه عن عطاء بن يسار قال:
تبدّى إبليس لرجل عند الموت فقال نجوت. فقال: ما نجوت، وما أمنتك بعد.
٨٥٤ - وأخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا الحسين بن صفوان، ثنا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، ثنا أبي، ثنا أبو خالد القرشي، عن سفيان الثوري، عن رجل، عن عطاء بن يسار قال: تبدّى إبليس لرجل عند الموت، فقال: ما نجوت منك بعد.
٨٥٥ - وأخبرنا أبو الحسين، ثنا الحسين، أخبرنا عبد الله، ثنا عبيد الله بن جرير العتكي، ثنا أبو حذيفة، ثنا سفيان الثوري، عن غسان المديني، عن عطاء بن يسار قال:
стр. 493
أشرق إبليس على رجل في الموت فقال: قد أمنتني فقال: ما أمنتك بعد.
٨٥٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى، قالا: ثنا أبو العباس الأصم، ثنا العباس الدّوري، ثنا عبد العزيز بن السري، عن صالح المرّي، عن هشام بن حسّان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة انّه كان يقول في آخر عمره: اللهم إنّي أعوذ بك أن أزني، أو أعمل بكبيرة في الإسلام [ ..... ] (١) يقول بعض أصحابه: يا أبا هريرة ومثلك يقول هذا، أو يخافه، وقد بلغت من السنّ ما بلغت وانقطعت عنك الشّهوات، وقد شافهت النبي ﷺ وبايعته، وأخذت عنه؟ قال: ويحك! وما يؤمنني، وإبليس حيّ؟.
٨٥٧ - أخبرنا أبو عبد الله بن عبد الله البيهقي، أنا أحمد بن محمد بن الحسين الخسروجردي، ثنا داود بن الحسين، ثنا حميد بن زنجويه، ثنا الحكم بن نافع، ثنا صفوان بن عمرو، عن سليم بن جابر، عن جبير بن نفير قال:
دخلت على أبي الدرداء منزله بحمص، فإذا هو قائم يصلي في مسجده، فلمّا جلس يتشهّد، جعل يتعوّذ بالله من النفاق، فلمّا انصرف قلت: غفر الله لك يا أبا الدرداء! ما أنت والنفاق؟ قال: اللهم غفرا-ثلاثا-من يأمن البلاء؟ من يأمن البلاء؟ والله إنّ الرجل ليفتتن في ساعة فينقلب عن دينه.
٨٥٨ - قال ونا حميد، نا المؤمل، ثنا سفيان، ثنا محمد بن عجلان، حدثني شيخ من أهل الشام قال: قال أبو الدرداء:
مالي لا أرى حلاوة الإيمان تظهر عليكم؟ والّذي نفسي بيده لو أنّ دبّ الغابة وجد طعم الإيمان لظهر عليه حلاوته، ما خاف عبد على إيمانه إلاّ منحه وما أمن عبد على إيمانه إلاّ سلبه.
٨٥٩ - قال وأنا حميد، ثنا مؤمل، ثنا حماد بن زيد، ثنا المعلى بن زياد، قال: سمعت الحسن يقول:
والله ما أصبح على وجه الأرض ولا أمسى على وجه الأرض مؤمن إلاّ وهو يتخوف النفاق على نفسه، وما أمن النفاق إلاّ منافق.
стр. 494
٨٦٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى قالا:، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا ابن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن عبيد الله القرشي، عن عبد الله بن عكيم قال:
صلّيت خلف أبي بكر المغرب فلمّا قعد في الركعة الثانية كأنّما كان على الجمر حتى قام فقرأ فاتحة الكتاب ثم قال:
﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ» [آل عمران:٨].
٨٦١ - أخبرنا أبو عبد الله، أنا أبو بكر محمد بن عبد الله العدل بمرو، ثنا أبو رجاء محمد بن حمدويه السنجي، ثنا أحمد بن علي، قال: سمعت أبا روح يقول قال: ابن المبارك:
انّ البصراء لا يأمنون من أربع خصال: ذنب قد مضى لا يدرى ما يصنع الربّ فيه، وعمر قد بقي لا يدرى ماذا فيه من الهلكات، وفضل قد أعطي لعله مكر واستدراج وضلالة وقد زيّنت له فيراها هدى، ومن زيغ القلب ساعة ساعة أسرع من طرفة عين قد يسلب دينه وهو لا يشعر.
٨٦٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى، قالا: ثنا أبو العباس-وهو الأصم-قال: أخبرنا العباس بن الوليد، أخبرني أبي، ثنا ابن جابر، قال: سمعت بلال بن سعد وهو يقول في دعائه:
اللهم انّي أعوذ بك من زيغ القلوب، وتبعات الذنوب، ومن مرديات الأعمال، ومضلاّت النفس.
٨٦٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني جعفر بن محمد بن نصير، قال: حدثني الجنيد بن محمد، قال: سمعت السريّ يقول:
اللهم مهما عذّبتني به من شيء فلا تعذّبني بذلّ الحجاب.
стр. 495
٨٦٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت عبد الرحمن بن الحسن ابن يعقوب، يقول: سمعت أبي يقول سمعت أبا عثمان يقول: سمعت يحيى بن معاذ يقول:
يا من ذكره عليّ أعزّ من كلّ شيء لا تجعلني بين أعدائك غدا أذلّ من كلّ شيء.
٨٦٥ - أخبرنا الاستاذ أبو بكر بن فورك ﵀. أنا عبد الله بن جعفر الأصبهاني، قال: سمعت أحمد بن عصام بن عبد المجيد يقول: سمعت محسن بن موسى يقول: كنت عديل سفيان الثوري إلى مكّة فرأيته يكثر البكاء فقلت له: يا أبا عبد الله بكاؤك هذا خوفا من الذّنوب؟ قال: فأخذ عودا من المحمل فرمى به فقال: إنّ ذنوبي أهون عليّ من هذا، ولكني أخاف أن أسلب التوحيد.
٨٦٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا جعفر بن محمد بن نصير، قال:
سمعت الجنيد يقول: سمعت السريّ السقطي يقول:
قلوب الأبرار معلّقة بالخواتيم، وقلوب المقرّبين معلّقة بالسوابق، أولئك يقولون: ماذا من الله سبق لنا؟ وهؤلاء يقولون: بما يختم لنا.
٨٦٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو الحسين بن بشران، قالا: أخبرنا أبو محمد جعفر بن محمد بن نصير، ثنا الحسن بن علي بن شبيب المعمري، ثنا أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت إسحاق بن خلف يقول:
ليس شيء أقطع لظهر إبليس من قول ابن آدم ليت شعري بما يختم لي، قال: عندها ييأس منه، ويقول: متى يعجب هذا بعمله؟
٨٦٨ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو علي الحسين بن صفوان، ثنا عبد الله بن محمد القرشي، حدثني محمد بن الحسين، ثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثني أبي قال:
стр. 496
لمّا احتضر عمرو بن قيس الملائي بكى فقال له أصحابه: على ما تبكي من الدنيا؟ فو الله لقد كنت غضيض العيش أيّام حياتك. فقال: والله ما أبكي على الدنيا وإنّما أبكي خوفا من أن أحرم خير الآخرة.
٨٦٩ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أبا بكر الرازي، يقول سمعت الكتاني يقول:
روعة الساعة عند انتباه من غفلة وانقطاع عن خط النفس فيه وارتعاد من خوف قطيعة أفضل من عبادة الثّقلين.
٨٧٠ - سمعت أبا عبد الرحمن السلمي، يقول سمعت أبا أحمد الحافظ، يقول سمعت سعيد بن عبد العزيز يقول سمعت أحمد بن أبي الحواري، يقول:
أفضل البكاء بكاء العبد على ما فاته من أوقاته على غير الموافقة. أو بكاء على ما سبق له من المخالفة.
٨٧١ - سمعت أبا زكريا بن أبي إسحاق، يقول سمعت أبا الفتح أحمد ابن عبد الله البغدادي يقول:
دخلت مرّة البادية فبينا أنا أمشي إذ سمعت بكاء عاليا، فرميت ببصري قدّامي فرأيت شخصا، فمشيت سريعا فإذا هو شابّ لم أر معه آلة السفر، فقلت: ما شأنك يا فتى؟ فأنشأ يقول:
على أيّ باب أطلب الإذن بعد ما ... حجبت عن الباب الّذي أنا حاجبه
فوقع عليّ البكاء لبكائه فلمّا رفعت رأسي لم أر أحدا.
٨٧٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو حامد أحمد بن العباس الخطيب بمرو، ثنا محمود بن والان قال: سمعت عبد الرحمن بن بشر النيسابوري يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول:
غضب الله الداء الّذي لا دواء له.
٨٧٣ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي فيما حكى عن يوسف بن الحسين.
стр. 497
كيف السبيل إلى مرضات من غضبا ... من غير جرم، ولم أعرف له سببا
قال: وبلغني أن يوسف بن الحسين كتب بهذا البيت إلى الجنيد فأجابه الجنيد:
يكفي الحكيم من التنبيه أيسره ... فيعرف الكيف والتكوين والسببا
إنّ السبيل إلى مرضاته نظرك ... فيما عليك له يرضى كما غضبا
قال البيهقي ﵀: كيفية السبيل إلى نظره كيفية السبيل إلى مرضاته والسؤال مع هذا الجواب باق، والسبيل ما بيّنه لعباده من دينه وهو يهدي إليه من يّشاء لا يسئل عمّا يفعل وهم يسألون.
٨٧٤ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، ثنا علي بن حمشاذ العدل، ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، ثنا حيوة، عن سالم بن غيلان، أنّه سمع أبا السمح يحدّث عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري انّه سمع رسول الله ﷺ يقول:
«إنّ الله إذا رضي عن العبد أثنى عليه سبعة أصناف من الخير لم يعلمه، وإذا سخط على العبد أثنى عليه سبعة أصناف من الشرّ لم يعلمه».
قال البيهقي ﵀ في كتابه: لم يعلمه وقال أبو عاصم عن حيوة بن شريح: «لم يعمله».
٨٧٥ - أخبرنا أبو الحسين عفيف بن محمد بن شهيد الخطيب، أنا محمد بن عبد الله الحفيد، ثنا جدي العباس بن حمزة، ثنا أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت أبا سليمان يقول:
стр. 498
أصل كلّ خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله تعالى، ومفتاح الآخرة الجوع، ومفتاح الدنيا الشبع.
٨٧٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا جعفر بن محمد بن نصير، أنا إبراهيم بن نصر، حدثني إبراهيم بن بشار، قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول:
الهوى يردي، وخوف الله يشفي، وأعلم أنّ ما يزيل عن قلبك هواك إذا خفت من تعلم انّه يراك.
٨٧٧ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن علي بمكّة، ثنا محمد بن جعفر الخرائطي، ثنا أحمد بن جعفر، حدثني إبراهيم بن هشام المدائني، عن محمد بن الحسين، عن الفضيل، عن رزين أبي أسماء أنّ رجلا دخل غيضة فقال: لو خلوت ها هنا بمعصية من كان يراني فسمع صوتا ملأ ما بين لابتي الغيضة:
﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
٨٧٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قراءة عليه، قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى: يقول حدثني أبو بكر محمد بن حمدون بن خالد وكتب لي بخطه، ثنا عبد الأكرم بن موسى بن رزق الله القاضي، ثنا الأصمعي، قال:
كنت أطوف بالبيت فرأيت أعرابيا يطوف-فذكر قصة أعرابية قال: قلت فبينك وبين من تهوى شيء؟ قال: لا إلاّ ليلة فإني رمت منها شيئا، فقالت أما تستحي؟ قلت: ومّمن أستحي فلا يرانا إلاّ الكواكب؟ قالت فأين مكوكبها؟
٨٧٩ - أنبأني أبو عبد الله الحافظ إجازة، ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى، ثنا أحمد بن خالد، ثنا محمد بن عبدة النيسابوري، ثنا عبد الله بن عبد الوهاب، ثنا عبد الله بن شبيب، ثنا العتبي قال:
لقي رجل أعرابية فأرادها على نفسها، فأبت وقالت: أي ثكلتك أمّك! أمالك زاجر من كرم؟ أمالك ناه من دين؟ قال: قلت: والله لا يرانا إلاّ الكواكب.
стр. 499
قالت: ها بأبي أنت، وأين مكوكبها؟.
٨٨٠ - أخبرنا أبو سعد الماليني، قال: سمعت أبا الفتح عبد الرحمن بن أحمد، يقول سمعت الشيخ أبا عبد الله بن خفيف، يقول لمّا قدم أبو العباس بن سريج قاضيا على فارس دخلنا عليه فسأله أبو عبد الله النجراني قال: متى يهشّ الرّاعي غنمه بعصا الرعاية عن مراتع الهلكة؟ فقال: إذا علم إنّ عليه رقيبا. ثم قال: يا شيخ هذا علم شريف له مجلس خاصّ إذا شئتم حضرت معكم وأذاكركم.
٨٨١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور، ثنا الحسين بن الفضل، ثنا أبو النضر، ثنا أبو عقيل الثقفي، عن يزيد بن سنان، قال: سمعت بكير يعني ابن فيروز يقول سمعت أبا هريرة يقول:
قال رسول الله ﷺ :
«من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا وإنّ سلعة الله لغالية ألا وإنّ سلعة الله الجنّة».
وأخبرنا به في موضع آخر فقال: عن برد بن سنان.
٨٨٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر أحمد بن إسحاق، أنبا محمد بن يونس، ثنا إبراهيم بن نصر قال: سمعت فضيل بن عياض يقول:
رهبة العبد من الله تعالى على قدر علمه بالله، وزهادته في الدنيا على قدر شوقه إلى الجنّة.
٨٨٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا جعفر بن محمد بن نصير، ثنا
стр. 500
إبراهيم بن نصر المنصوري، ثنا إبراهيم بن بشار الصوفي، قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول:
كان داود الطائي يقول: إنّ للخوف حركات تعرف في الخائفين، ومقامات تعرف في المحبّين، وإزعاجات تعرف في المشتاقين، وأين أولئك؟ أولئك هم الفائزون.
٨٨٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني جعفر بن محمد، قال:
سمعت الجنيد يقول: سمعت السريّ يقول:
شيئان مفقودان: الخوف المزعج، والشوق المفلق.
٨٨٥ - أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسن بن علي الفهري بمكّة، ثنا الحسن بن رشيق، ثنا ذو النون بن أحمد الأخميمي، قال: حدثني عبيد ذي العرش، عن أخيه ذي النون بن إبراهيم قال:
صلاة الفرض مفتاح الخوف، والنافلة مفتاح باب الرجاء، وذكر الله الدائم مفتاح باب الشوق، وليس بالخوف تنال الفرض، ولكن بالفرض تنال الخوف، ولا بالرجاء تنال النافلة، ولكن بالنافلة تنال الرجاء، ومن شغل قلبه ولسانه بالذكر قذف الله في قلبه نور الاشتياق إليه، وهذا سرّ الملكوت فاعقله وأحفظه.
٨٨٦ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أبا بكر الرازي، يقول سمعت إبراهيم بن شيبان يقول:
الخوف إذا سكن القلب أحرق مواضع الشهوات فيه وطرد عنه رغبة الدنيا، وأسكت اللسان عن ذكر الدنيا.
٨٨٧ - أخبرنا أبو حفص عمر بن الخضر بن محمد بن هشام المعروف بالثمانيني من مجاوري مكّة بها، أنا هشام بن محمد بن قرّة، ثنا أبو بشر الدولابي، ثنا أبو محمد عبد الله بن خبيق الأنطاكي، قال: سمعت يوسف بن
стр. 501
أسباط، يقول سمعت محمد بن النضر يقول:
ما من عامل يعمل في الدنيا إلاّ وله من يعمل في الدرجات في الآخرة، فإذا أمسك أمسكوا، فيقال لهم: ما لكم لا تعلمون؟ فيقولون: صاحبنا لاه.
قال: يوسف عجبت لكم كيف تنام عين مع المخافة؟ أو يغفل قلب بعد اليقين بالمحاسبة؟ من عرف وجوب حق الله على عباده لم تشتمل عيناه أبدا إلاّ بإعطاء المجهود من نفسه، خلق الله القلوب مساكن للذكر، فصارت مساكن للشهوات، والشهوات مفسدة للقلوب وتلف للأموال، لا يمحوا الشهوات من القلوب إلاّ خوف مزعج أو شوق مفلق.
٨٨٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو صالح [محمد بن] محمد بن عيسى العارض المروزي، ثنا أبو عبد الله الحسين بن عبيد الله بن الخصيب ببغداد، حدثنا إبراهيم بن سعيد قال: قال لي المأمون يا إبراهيم قال:
لي الرشيد: ما رأت عيناي مثل الفضيل بن عياض، قال: لي-وقد دخلت عليه-يا أمير المؤمنين فرّغ قلبك للحزن والخوف حتى يسكناه، فيقطعاك عن معاصي الله تعالى، ويباعداك من عذاب النار (١).
٨٨٩ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت النصر أباذي، يقول: سمعت ابن أبي حاتم: سمعت علي بن عبد الرحمن يقول: قال لي:
أحمد بن عاصم الأنطاكي:
قلّه الخوف من قلّة الحزن في القلب وإذا قلّ الحزن في القلب خرب كما يخرب البيت، إذا لم يسكن خرب.
٨٩٠ - أخبرنا أبو طاهر الزيادي، أنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري، ثنا محمد بن عبد الوهاب، قال: سمعت علي بن عثام قال: قال مالك بن دينار: يقال إنّ القلب إذا لم يحزن خرب كما أنّ البيت إذا لم يسكن خرب.
стр. 502
٨٩١ - وبإسناده قال: قال مالك بن دينار: الحزن تلقيح العمل الصالح.
وقد روي فيه عن النبي ﷺ ما:
٨٩٢ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه وأبو عبد الله الحافظ قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عوف بن سفيان الحمصي الطائي، ثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، ثنا أبو بكر بن أبي مريم، ثنا ضمرة بن حبيب، عن أبي الدرداء قال: عن رسول الله ﷺ قال:
«إنّ الله يحبّ كلّ قلب حزين».
٨٩٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو عبد الله بن الحسن بن أيوب، ثنا أبو حاتم الرازي، ثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن ضمرة بن حبيب، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ :
«إنّ الله يحبّ كلّ قلب حزين».
وهذا الإسناد أصحّ.
٨٩٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني محمد بن عمر، ثنا محمد بن المنذر، ثنا موسى بن عمر قال: سمعت الحسين، يقول قال ابن المبارك:
من أعظم المصائب للرجل أن يعلم من نفسه تقصيرا، ثمّ لا يبالي ولا يحزن عليه.
٨٩٥ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت سعيد بن أحمد البلخي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت محمد بن (عبيد) (١) يقول: سمعت خالي محمد بن الليث يقول: سمعت حامدا اللفاف يقول: سمعت حاتم الأصم يقول: سمعت شقيقا يقول:
ليس للعبد صاحب خير من الهمّ والخوف: همّ فيما مضى من ذنوبه،
стр. 503
وخوف فيما لا يدري ما ينزل به.
٨٩٦ - أخبرنا أبو عبد الرحمن قال: سمعت محمد بن الحسن الخشاب البغدادي يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول: سمعت الجريري يقول:
سمعت سهلا يقول:
لا يبلغ (أحد) حقيقة الخوف حتى يخاف مواقع علم الله فيه ويحزن على ذلك.
٨٩٧ - حدثنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي، أنا والدي، أنبأني صديقي أبو محمد جعفر بن محمد الصوفي قال: كنت عند الجنيد فدخل الشبلي فقال جنيد: من كان الله همّه طال حزنه.
فقال الشّبلي: لا، يا أبا القاسم! بل من كان الله هّمه زال حزنه.
قال البيهقي ﵀: قول الجنيد محمل على ذكر الدنيا، وقول الشبلي محمول على الآخرة؛ وقول الجنيد محمول على حزنه عند رؤية التقصير من نفسه في القيام بواجباته، وقول الشبلي محمول على سروره بما أعطي من التوفيق في الوقت حتى جعل الهمّ همّا واحدا والله أعلم.
٨٩٨ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سئل الإستاذ أبو سهل الصعلوكي في قوله:
﴿فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس:٥٨].
كيف يفرح من لا يأمن؟ فقال: إذا نظر إلى الفضل فرح، وإذا رجع حزن حتّى يكون فرحا في وقت، محزونا في وقت كحال الخوف والرجاء.
٨٩٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا الحسين أحمد بن محمد بن إسماعيل يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: سمعت أبا سليمان الداراني يقول:
قد أكرمهم وأذلّهم من قبل أن يخلقهم، واسكنهم الجنّة والنّار من قبل أن يوفّقهم لطاعته، ويبتليهم بمعصيته، عدلا منه وتفضلا على أوليائه، فسبحانه من
стр. 504
كريم ما أكرمه! والعجب لمن وجده كيف تركه! والعجب لمن لم يجده كيف لا يطلبه؟
ثم قال: إنّ السحاب يجري بالرياح، وإنّ العباد إنّما يحزنون بالتوفيق، وإن التوفيق على قدر القربة والله المستعان.
٩٠٠ - أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المهرجاني، أنا محمد بن أحمد ابن يوسف، ثنا أحمد بن عثمان، ثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا أبو الحسن بشر بن سالم، عن مسعر، عن بكير، عن إبراهيم قال: ينبغي لمن لم يحزن أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنة لأنّهم قالوا:
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر:٣٤].
وينبغي لمن لم يشفق أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنّة لأنّهم قالوا:
﴿إِنّا كُنّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور:٢٦].
ورواه غيره عن أحمد بن إبراهيم، فقال بشر بن مسلم وقال: عن إبراهيم التيمي.
٩٠١ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو الحسين إسحاق بن أحمد الكاذي، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا أبي، ثنا عبد الصمد، ثنا عبد الله بن بكر قال: سمعت الحسن يقول:
﴿السّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠].
قال: أمّا المقرّبون فقد مضوا هنيئا لهم، ولكن الّلهمّ اجعلنا من أصحاب اليمين.
قال: وأتى على هذه الآية:
﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً﴾ [النبأ:٢١].
قال ألا ان على الباب رصدا فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجئ بجواز حبس.
стр. 505
٩٠٢ - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف، ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن إبراهيم الهروي بها، قال: ثنا الحسن بن سفيان، ثنا أبو ثابت مشرّف بن أبان، حدثني أبو بكر الموصلي، قال:
خرج فتح الموصلي إلى المصلّى يوم الأضحى قال: خرج فنظر إلى القتار ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: إلهي! تقرّب المتقرّبون إليك بقربانهم وإنّي متقرّب إليك بحزني يا محبوب! قال: ثم سقط مغشيا عليه فلمّا أفاق قال: إلى كم تردّدني في أزقّة الدنيا محزونا.
٩٠٣ - أخبرنا أبو سعد الماليني، أنا أبو بكر محمد بن أحمد بن يعقوب ثنا محمد بن يوسف بن عبد الله قال: سمعت أبا ثابت الخطاب يقول: سمعت إبراهيم بن موسى يقول:
رأيت فتح الموصلي في يوم الأضحى، وقد شمّ ريح القتار، فدخل إلى زقاق فسمعته يقول: تقرّب المتقرّبون إليك بقربانهم، وأنا أتقرّب إليك بطول حزني يا محبوب كم تتركني أتردّد في أزقّة الدنيا محزونا! ثم غشى عليه وحمل فدفنّاه بعد ثلاث.
٩٠٤ - أخبرنا أبو منصور الدامغاني نزيل بيهق، أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي، ثنا محمد بن أحمد بن حكيم بجرجان، ثنا إبراهيم بن الجنيد، ثنا محمد بن الحسين، عن شعيب بن محرز قال: حدثتني سلامة العابدة قالت:
بكت عبيدة بنت أبي كلاب أربعين سنة حتّى ذهب بصرها فقيل لها: ما تشتهين؟ قالت: الموت، قيل: ولم ذاك؟ قالت إنّي أخشى كل يوم أصبح أن أجني على نفسي جناية يكون فيها عطبي أيام الآخرة.
٩٠٥ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، ثنا دعلج بن أحمد ثنا إبراهيم بن أبي طالب، ثنا هديّة بن عبد الوهاب، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال:
قلت ليزيد بن مرثد ما لي أرى عينك لا تجفّ؟ قال: وما مسألتك؟ قلت لعلّ الله تعالى ينفع به. قال: أن الله توعّدني إن أنا عصيته أن يسجنني
стр. 506
في النار، والله لو توعّدني أن يسجنني في الحمام كنت حريا أن لا يجفّ لي دمع، فقلت: هكذا في خلواتك قال: والله إنّه لتوضع القصعة بين أيدينا فيعرض لي فأبكي ويبكي أهلي ويبكي صبياننا لا يدرون ما أبكانا؛ والله إنّي لأسكن إلى أهلي فيعرض لي فيحول بيني وبين ما أريد. فيقول أهلي يا ويحها ما خصّت به معك من طول الحزن، ما تقرّ لي معك عين.
٩٠٦ - أخبرنا أبو الحسين بن الفضل، أنا عبد الله بن جعفر، ثنا يعقوب بن سفيان، حدثني عبيد الله بن سعيد، ثنا الوليد بن مسلم فذكره بإسناده ومعناه.
٩٠٧ - أخبرنا أبو القاسم الحرفي، أنا علي بن محمد بن الزبير، ثنا الحسن بن علي بن عفان، ثنا زيد بن الحباب، عن محمد بن عاصم مولى عثمان بن عفان، ثنا حوشب بن مسلم الثقفي، عن الحسن أنه كان يكره ذكر الموت عند الطعام.
٩٠٨ - أخبرنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي، أنا أبو الفضل محمد بن أحمد السلمي، ثنا عبد الله بن محمود، ثنا (محمد بن) عبد الله بن قهزاد قال: قال حفص بن حميد:
رأيت سهل بن علي في المسجد يجول كأنّه أبله من الخوف، وهو يقول:
النّار النّار وترتعد فرائضه حتى أخذني البكاء.
٩٠٩ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي فيما حكى عن السّريّ قال:
الخوف على ثلاثة أوجه: خوف في الدين وهو موجود في العامّة يعلمون انه يجب الخوف من الله ؛ وخوف عارض عند تلاوة القرآن والقصص رقة كرقة النساء لها ثبوت؛ وخوف مزعج مقلق ينحل القلب والبدن، ويذهب بالنوم والطعم ولا يسكن خوف الخائف أبدا حتى يأمن ما يخاف.
стр. 507
٩١٠ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران أنا الحسين بن صفوان، ثنا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، ثنا محمد بن الحسين ثنا محمد بن جعفر بن عون، أخبرني بكر بن محمد العابد، عن الحارث الغنوي قال:
آلى ربيع بن حراش أن لا يفترّ عن أسنانه ضاحكا حتى يعلم أين مصيره فما ضحك إلاّ بعد موته، وآلى أخوه ربعيّ بعده ألاّ يضحك حتى يعلم أفي الجنة هو أو في النّار.
قال الحارث الغنوي: فلقد أخبرني غاسله انّه لم يزل متبسّما على سريره وكنّا نغسله حتى فرغنا منه.
٩١١ - حدثنا أبو سعد الزاهد، حدثنا أبو الحسين عبد الوهاب بن الحسن بدمشق، أنا أحمد بن الحسين القرشي، ثنا مؤمل بن يهاب، ثنا سيار بن حاتم، عن جعفر بن سليمان، ثنا المعلّى بن زياد، عن الحسن قال: قال غزوان الرقاشي:
لله عليّ أن لا يراني ضاحكا حتى أعلم أيّ الدارين داري.
قال الحسن: فعزم، والله ما رؤي ضاحكا حتى لحق بالله .
٩١٢ - أخبرنا أبو الحسين بن الفضل، أنا عبد الله بن جعفر، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا أبو النعمان، ثنا مهدي، ثنا غيلان، قال: سمعت مطرفا يقول:
لو أتاني آت من ربّي فخيّرني بين أن يخبرني أفي الجنّة أنا أم في النار، وبين أن أصير ترابا لاخترت أن أصير ترابا.
قال البيهقي ﵀: مطرف هذا هو ابن عبد الله بن الشخير.
стр. 508
٩١٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ومحمد بن موسى قالا أنا أبو العباس بن يعقوب، ثنا الربيع بن سليمان، عن عبد الله بن وهب، أنا سليمان بن بلال، حدثني عمرو، عن المطلب أنّ رسول الله ﷺ قال: لجبريل ﵇:
«يا جبريل ما لي لا أرى إسرافيل يضحك ولم يأتني أحد من الملائكة إلاّ رأيته يضحك» قال: جبريل ﵇ ما رأينا ذلك الملك ضاحكا منذ خلقت النّار.
٩١٤ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا محمد بن الفرج الأزرق، ثنا السهمي، ثنا عباد، قال: سمعت عدي بن أرطاة وهو على منبر المدائن-وهو يحدث هذا الحديث عن رجل، كان قد سمّاه فنسيت اسمه-يحدّث عن رسول الله ﷺ قال:
«إنّ لله ملائكة ترعد فرائصهم من مخافته، ما منهم ملك يقطر من عينيه دمعة إلاّ وقعت ملكا قائما يسبّح».
٩١٥ - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني أنا أبو بكر عبد الله بن يحيى الطلحي بالكوفة، ثنا الحسين بن جعفر، ثنا عبد الله بن أبي زياد، ثنا سيار بن حاتم، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا أبو عمران قال: بلغني أن جبريل ﵇ جاء إلى النبي ﷺ وهو يبكي فقال:
«ما يبكيك؟» قال: ما جفّت لي عين منذ خلق الله جهنّم مخافة أن أعصيه فيلقيني فيها.
٩١٦ - أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله بن محمد الحرفي ثنا أبو
стр. 509
الحسن علي بن محمد بن الزبير الكوفي، ثنا الحسن بن علي بن عفان، ثنا زيد بن الحباب، ثنا جعفر بن سليمان الضّبعي، ثنا أبو عمران الجوني، عن عبد الله بن رباح الأنصاري، عن كعب:
«إنّ إبراهيم لأوّاه».
قال: كان إذا ذكر النّار قال: أوه.
٩١٧ - أخبرنا أبو سعد الماليني، أنا أبو أحمد بن عدي، ثنا أحمد بن الحسين الكرخي، ثنا الحسن بن شبيب، ثنا أبو يوسف، عن حمزة الزيّات، عن حمران بن أعين، عن أبي حرب بن أبي الأسود، أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يقرأ:
﴿إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ﴾ [المزمل:١٢،١٣] فصعق.
قال أبو أحمد: رواه غير أبي يوسف عن حمزة، عن حمران أن النبي ﷺ سمع ولم يذكر أبا حرب في الإسناد.
قال البيهقي ﵀: وهو مع ذكره فيه مرسل.
٩١٨ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو الحسين إسحاق بن أحمد الكارزي، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا أبي ثنا موسى بن هلال العبدي، ثنا بشر بن منصور قال:
كنت أوقد بين يدي عطاء العبدي-وهو السّليمي-في غداة باردة فقلت له: يا عطاء يسرّك الساعة لو أنّك أمرت أن تلقي نفسك في هذه النّار ولا تبعث إلى الحساب؟ قال فقال: إي وربّ الكعبة. قال ثم قال: والله مع ذلك لو أمرت
стр. 510
بذلك لخشيت أن تخرج نفسي فرحا قبل أن تصل إليها.
٩١٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني جعفر بن محمد بن نصير، قال: سمعت الجنيد بن محمد يقول سمعت السّريّ يقول:
إنّي لأنظر إلى أنفي كل يوم مرارا مخافة أن يكون وجهي قد أسودّ.
٩٢٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني جعفر بن محمد بن نصير حدّثني الجنيد بن محمد، قال: سمعت السريّ يقول:
ما أحبّ أن أموت حيث أعرف، فقيل له: ولم ذاك يا أبا الحسن؟ قال:
أخاف أن لاّ يقبلني قبري فافتضح.
٩٢١ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو الحسين إسحاق بن أحمد الكارزي، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني جعفر بن محمد بن فضيل- من أهل رأس العين-ثنا محمد بن كثير الصنعاني، عن إبراهيم بن أدهم قال:
كان عطاء السليمي-إذا انتبه في جوف (الليل) -يضرب بيده فزعا إلى أعضائه يحسّها مخافة أن تكون قد غيّر خلقته.
٩٢٢ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو عمرو بن السماك، حدثنا الحسن بن عمرو، قال: سمعت بشر بن الحارث، يقول قال أويس:
لا يخطئك هذا الأمر حتى تكون كأنّك قتلت الناس أجمعين.
٩٢٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو العباس السيّاري، ثنا عبد الله بن علي الغزال، ثنا علي بن الحسن بن شقيق، ثنا عبد الله بن المبارك، أنا يزيد بن يزيد البكري، قال: قال أويس القرني:
العرق كن في أمر الله كأنّك قتلت الناس كلّهم.
٩٢٤ - وبهذا الإسناد أخبرنا عبد الله بن المبارك، أنا سفيان الثوري، قال:
стр. 511
كان لأويس القرني رداء إذا جلس مسّ الأرض وكان يقول: الّلهمّ إنّي أعتذر إليك من كبد جائعة وجسد عار وليس لي إلاّ ما على ظهري وفي بطني.
٩٢٥ - أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن محبور الدهان، ثنا أبي، ثنا عبد الملك بن أحمد الدقاق البغدادي، ثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا عباد بن الوليد القرشي قال: قال مالك بن دينار:
لولا أن يقول الناس جنّ مالك للبست المسوح ووضعت الرّماد على رأسي أنادي في الناس: من رأني فلا يعص ربّه.
٩٢٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت إسماعيل بن محمد بن الفضل بن الشعراني، يقول: سمعت جدّي، يقول سمعت الصلت بن مسعود يقول:
خرج الحسن بن صالح بن حيّ يوما من بيتي فنظر إلى جراد يطير فقال:
﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر:٧].
ثم خرّ مغشيا عليه.
٩٢٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني خلف بن محمد البخاري ثنا نصر بن زكريا المروزي، ثنا أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت رابعة تقول:
ما رأيت ثلجا قطّ إلاّ ذكرت تطاير الصّحف، ولا رأيت جرادا قطّ إلاّ ذكرت الحشر، ولا سمعت أذانا قطّ إلاّ ذكرت منادي القيامة. قالت: وقلت لنفسي كوني في الدنيا بمنزلة الطير الواقع حتّى يأتيك قضاءه.
٩٢٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو عبد الله بن أمية القرشي بالساوة، ثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن مسروق، ثنا محمد بن داود بن
стр. 512
عبد الله، ثنا يحيى بن بسطام، ثنا أبو طارق اللبان، قال:
كان عبد العزيز بن سلمان إذا ذكر القيامة صرخ كما تصرخ الثكلى، ويصرخ الخائفون من جوانب المسجد ورفع الميتان من جوانب مجلسه.
٩٢٩ - قال وثنا أبو العباس بن مسروق، حدثني عصمة بن سليمان، حدثني عصمة بن عرفة العنبري قال: سمعت عنبسة الخواص قال:
كان عتبة الغلام يزورني فربّما بات عندي، قال: فبات عندي ذات ليلة فبكى في السحر بكاءا شديدا، فلما أصبح قلت: لقد فزعت قلبي منذ الليلة ببكائك، فبم ذاك يا أخي؟ فقال: يا عنبسة! والله إنّي إذا تذكرت يوم العرض على الله، ثم مال ليسقط فاحتضنته فجعلت أنظر إلى عينيه يتقلّبان قد اشتدّت حمرتهما (قال ثم أزبد) وجعل يخور فناديته: عتبة! عتبة! حبيبي! قال فلبث ثلاثا لا يجيبني ثم هدأ فناديته: عتبة! عتبة! فأجابني بصوت خفيّ: قطع ذكر العرض على الله أوصال المحبّين.
قال: ثم جعل يحشرج ويردد حشرجة الموت، ويقول: أتراك تعذب محبّيك وأنت الحيّ الكريم! قال: فلم يزل يردّدها حتى والله أبكاني.
٩٣٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابن أمية القرشي، ثنا أبو العباس بن مسروق، حدثني محمد بن داود بن عبد الله، ثنا عبد الله بن الجوزي الأسدي، حدثني محمد بن السماك، قال:
دخلت البصرة فقلت لرجل كنت أعرفه دلّني على عبّادكم فأدخلني على رجل عليه لباس الشعر طويل الصمت لا يرفع رأسه إلى أحد. قال: فجعلت
стр. 513
استنطقه الكلام فلا يكلّمني، قال: فخرجت من عنده. فقال لي صاحبي: ها هنا ابن عجوز هل لك فيه؟ قال: فدخلنا عليه فقالت العجوز لا تذكروا لابني شيئا من أمر جنّة ولا نار فتقتلوه عليّ فليس لي غيره، قال: فلمّا دخلنا عليه فإذا عليه من اللباس مثل ما على صاحبه منكّس الرّأس طويل الصمت فرفع رأسه فنظر إلينا ثم قال أما انّ للنّاس موقفا لا بدّ أن يقفوه. قال قلت: بين يدي من- رحمك الله؟ -قال: فشهق شهقة فمات. قال ابن السماك: فجاءت العجوز فقالت: قتلتم ابني! قال: فكنت فيمن صلّى عليه-رحمه الله تعالى-.
٩٣١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان الحنّاط، قال: حدثني عبد الله بن محمد بن أحمد الهاشمي، حدثني الحسن بن محمد الهاشمي عن محمد بن السماك قال:
كنت أطوف أطلب العبّاد والزهّاد فذكر لي رجل بعبّادان، قد رفض الدنيا، وأقبل على الآخرة جدا واجتهادا فأتيت عبّادان، فسألت عنه، فوصف لي داره، فأتيت إلى باب دار كبيرة ليس عليها إلاّ باب بمصراع صغير، فقرعت الباب، فخرجت إليّ جارية خماسية، فقالت: من الطارق بالباب؟ قلت: أنا يا جارية هذا منزل فلان العابد؟ قالت: نعم، قلت لها استأذني عليه، فإن أنا دخلت عليه وهبت لك درهما، فقالت: يا عبد الله ما رأيت أحدا هو أجهل منك، أدخل فما على أبي من حاجب. وإنما الحجّاب على أبواب الملوك وأبناء الملوك، فبهتّ متعجّبا من قولها، ثم دخلت ودخلت معها وإذا دار قوراء ليس فيها إلاّ بيت صغير، فدخلت البيت، فإذا أنا برجل قد نحل من غير سقم، وقد احتفر قبرا عند رجليه، وقد دلّى رجليه فيه، وفي يده خوص يشقّه وهو يتلو هذه الآية:
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١].
بصوت حزين فسلمّت عليه فردّ عليّ السّلام وقال: أمن أخواني أنت؟ قلت نعم ولست من أهل البصرة ولا من أهل عبّادان. قال: فمن أين أنت؟ قلت من أهل الكوفة، قال: فما اسمك؟ قلت: محمد بن السماك. قال: لعلّك الواعظ؟ قلت: نعم، قال: فأخذ يدي بيديه جميعا ثم قال: لي: مرحبا وحيّاك
стр. 514
الله يا أخي بالسلام، ومتّعنا واياك في الدنيا بالإخوان! يا أخي! ما زالت نفسي متطلّعة إلى لقائك تحبّ أن تعرض داءها على دواءك، أعلّمك يا أخي أنّ بي جرحا قديما قد أعيي المعالجين قبلك، فتأتّاه برفقك، وألصق عليه ما تعلم انه يلائمه من مراهمك، قال: فعلمت انّ الرجل يريد أن أعظه، فقلت: يا أخي وهل يداوي مثلي مثلك؟ وجرحي انغل من جرحك، وذنبي أعظم من ذنبك.
فقال: سألتك بالله إلاّ ما وعظتني! فقلت له: يا أخي! قد عملت انّ ذنبك الذي أذنبت لم يمح، وانّ لذاذتك لم تبق، وأنّ الموت يطلبك صباحا ومساء، وانّك تصير غدا إلى ضيق اللحود وظلمة القبور، ومسألة منكر ونكير، فلما قلت له ذلك شهق شهقة خرّ في قبره يخور كما الثور إذا وجي في منحره، وأقبلت امرأته وابنته تبكيان من وراء الحجاب وتقولان: سألناك بالله لا تزده شيئا فتقتله علينا.
فأفاق فقال: يا أخي قد وافق دواءك دائي، ولصق مرهمك بجرحي، أخي ابن السماك! زدني.
فقلت له: يا أخي! إنّ أهلك وولدك قد حلفوني انّي لا أزيدك شيئا فأقبل عليهم وقال: اعلم يا أخي انّه ليس أحد أشدّ عليّ وبالا ولا أعظم جرما منّي إذا وقفت بين يدي ربّي-من أهلي وولدي.
فقلت: يا أخي! ما بعد ظلمة القبور وضيق اللحود ومسألة منكر ونكير إلاّ الطامّة. قال: وما هي يا ابن السماك؟ فقلت له: إذا أخذ إسرافيل يعني في نفخ الصور، وبعثر ما في القبور، وجئنا نحن بأثقالنا نحمل على الظهور. فكم يا أخي في ذلك اليوم من مناد ينادي بالويل والبثور؟ وأعظم من ذلك أيضا توبيخ الربّ إيانا عند قراءة السيّئات التي قد أحصى عليّ وعليك فيه النقير والفتيل والقطمير؛ وملائكة متّزرون بأزر من نار، غضاب لغضب الرحمن ينتظرون ما يقال لهم بالغضب:
﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠].
قال فشهق شهقة فخرّ في قبره كأنّه ثور قد وجي في منحره وبال فعرفت بالبول ذهاب عقله، فأقبلت ابنته فاجتذبته، وأسندته إلى صدرها ومسحت وجهه بكّمها، وهي تقول بأبي وأمي عينين طال ما سهرتا في طاعة الله! بأبي وأمي
стр. 515
عينين طال ما غضّتا عن محارم الله.
وأفاق فقال لي: عليك السّلام يا ابن السماك أنا أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمدا عبده ورسوله. وشهق الثالثة فظننت أنها مثل الأوليين فحرّكته فإذا الرجل قد فارق الدنيا.
٩٣٢ - حدثنا أبو محمد بن يوسف إملاء، حدثنا أبو بكر الطلحي بالكوفة، ثنا حبيب بن نصر المهلبي، ثنا عبد الله بن محمد، حدثني أحمد بن عاصم، ثنا الفضيل بن عياض الكندي، قال:
مرّ عيسى ابن مريم ﵇ بجبل بين نهرين عن يمينه نهر وعن يساره نهر، ولا يدري من أين يجيء ولا من أين يذهب، فقال عيسى أيها الجبل من أين يجيء هذا الماء وإلى أين يذهب؟ قال: أمّا الذي يجيء عن يميني فهو دموع عيني اليمنى، والذي عن يساري فهو دموع عيني اليسرى، قال: ممّ ذاك؟ قال: من خوف ربّي أن يجعلني من وقود النار، قال عيسى فأنا أدعو أن يهبك منّي، فدعا فوهبه له. فقال عيسى: قد وهبت لي فجاء منه من الماء ما أحتمل عيسى فذهب به فقال عيسى: اسكن بقوّة الله فسكن فقال قد استوهبتك من ربّي فوهبك لي فماذا؟ قال: أمّا البكاء الأوّل فبكاء الخوف وأمّا البكاء الثاني فبكاء الشكر.
٩٣٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا أبو عثمان الحناط، ثنا أحمد بن أبي الحواري، قال:
بينا أنا ذات يوم جالس بالشام في قبّة ليس عليها باب إلاّ كساء مسبل إذ أنا بامرأة تدقّ على الحائط فقلت: من هذا؟ فقالت: امرأة ضالّة دلّني على الطريق-رحمك الله-فقلت: عن أيّ الطريقين تسألين؟ فبكت، ثم قالت: عن طريق النجاة. فقلت هيهات هيهات، لا يقطع ذاك الطريق إلاّ بالسير الحثيث في الجدّ وتصحيح المعاملة، وحذف العلائق الشاغلة من أمر الدنيا والآخرة، فبكت. ثم قالت: أمّا علائق الدنيا ففهمتها، فما علائق الآخرة؛ فقلت: لو
стр. 516
وافيت القيامة بعمل سبعين نبيا، لم يكن لك إلاّ ما كتب لك في اللوح المحفوظ، وإنّ لجهنّم زفرة يوم القيامة لو كان معك عمل سبعين نبيّا ما كان بدّ من أن ترديها. قال: فصرخت، ثم قالت: سبحان من صان عليك جوارحك فلم تقطع؛ سبحان من أمسك عليك قلبك فلم يتصدّع. ثم سقطت مغشيّا عليها.
قال ابن أخي أبي الحواري: وكانت عندنا جارية من المتعبّدات، فقلت لها أخرجي فانظري ما قصّة هذا المرأة. قال فخرجت فنظرت إليها فإذا هي قد فارقت الدنيا، وإذا في جيبها رقعة مكتوب فيها: كفّنوني في أثوابي، فإن يك لي عند ربّي خير فسيبدلني ما هو خير لي منها، وإن يك غير ذلك فبعدا لنفسي وسحقا.
قال ابن أبي الحواري: وإذا خدم قد أحاطوا بالجارية، فقلت لبعضهم ما قصّة هذه الجارية؟ فقالوا: يا أبا الحسن هذه جارية كانت يظهر بها شيء نظنّ انّها مصابة بعقلها وكان الذي بها يمنعها من المطعم والمشرب وكانت تشكو إلينا وجعا في جوفها، فكنّا نعرض عليها الأطباء فكانت تقول: أريد متطبّبا أشكو إليه بعض ما أجد من دائي عسى أن يكون عنده شفائي.
٩٣٤ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي في التفسير، قال: سمعت محمد بن عبد الله، يقول سمعت أبا الحسن بن زرعان، يقول سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول:
بينا أنا في بعض طرقات البصرة إذ سمعت صعقة فأقبلت نحوها فرأيت رجلا قد خرّ مغشيا عليه، فقلت: ما هذا؟ قالوا: كان رجلا حاضر القلب فسمع آية من كتاب الله من رجل فخرّ مغشيا عليه. فقلت وما هي؟ قال قوله:
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾ [الحديد:١٦].
فأفاق الرجل عند سماع كلامنا وأنشأ يقول:
أما آن للهجران أن يتصرّما ... وللغصن غصن البان أن يتبسما
وللعاشق الصّبّ الذي ذاب وانحنى ... ألم يأن أن يبكى عليه ويرحما
كتبت بماء الشوق بين جوانحي ... كتابا حكى نفس الوشي المتيّما