عبد الله، ثنا يحيى بن بسطام، ثنا أبو طارق اللبان، قال:
كان عبد العزيز بن سلمان إذا ذكر القيامة صرخ كما تصرخ الثكلى، ويصرخ الخائفون من جوانب المسجد ورفع الميتان من جوانب مجلسه.
٩٢٩ - قال وثنا أبو العباس بن مسروق، حدثني عصمة بن سليمان، حدثني عصمة بن عرفة العنبري قال: سمعت عنبسة الخواص قال:
كان عتبة الغلام يزورني فربّما بات عندي، قال: فبات عندي ذات ليلة فبكى في السحر بكاءا شديدا، فلما أصبح قلت: لقد فزعت قلبي منذ الليلة ببكائك، فبم ذاك يا أخي؟ فقال: يا عنبسة! والله إنّي إذا تذكرت يوم العرض على الله، ثم مال ليسقط فاحتضنته فجعلت أنظر إلى عينيه يتقلّبان قد اشتدّت حمرتهما (قال ثم أزبد) وجعل يخور فناديته: عتبة! عتبة! حبيبي! قال فلبث ثلاثا لا يجيبني ثم هدأ فناديته: عتبة! عتبة! فأجابني بصوت خفيّ: قطع ذكر العرض على الله أوصال المحبّين.
قال: ثم جعل يحشرج ويردد حشرجة الموت، ويقول: أتراك تعذب محبّيك وأنت الحيّ الكريم! قال: فلم يزل يردّدها حتى والله أبكاني.
٩٣٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابن أمية القرشي، ثنا أبو العباس بن مسروق، حدثني محمد بن داود بن عبد الله، ثنا عبد الله بن الجوزي الأسدي، حدثني محمد بن السماك، قال:
دخلت البصرة فقلت لرجل كنت أعرفه دلّني على عبّادكم فأدخلني على رجل عليه لباس الشعر طويل الصمت لا يرفع رأسه إلى أحد. قال: فجعلت
стр. 513
استنطقه الكلام فلا يكلّمني، قال: فخرجت من عنده. فقال لي صاحبي: ها هنا ابن عجوز هل لك فيه؟ قال: فدخلنا عليه فقالت العجوز لا تذكروا لابني شيئا من أمر جنّة ولا نار فتقتلوه عليّ فليس لي غيره، قال: فلمّا دخلنا عليه فإذا عليه من اللباس مثل ما على صاحبه منكّس الرّأس طويل الصمت فرفع رأسه فنظر إلينا ثم قال أما انّ للنّاس موقفا لا بدّ أن يقفوه. قال قلت: بين يدي من- رحمك الله؟ -قال: فشهق شهقة فمات. قال ابن السماك: فجاءت العجوز فقالت: قتلتم ابني! قال: فكنت فيمن صلّى عليه-رحمه الله تعالى-.
٩٣١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان الحنّاط، قال: حدثني عبد الله بن محمد بن أحمد الهاشمي، حدثني الحسن بن محمد الهاشمي عن محمد بن السماك قال:
كنت أطوف أطلب العبّاد والزهّاد فذكر لي رجل بعبّادان، قد رفض الدنيا، وأقبل على الآخرة جدا واجتهادا فأتيت عبّادان، فسألت عنه، فوصف لي داره، فأتيت إلى باب دار كبيرة ليس عليها إلاّ باب بمصراع صغير، فقرعت الباب، فخرجت إليّ جارية خماسية، فقالت: من الطارق بالباب؟ قلت: أنا يا جارية هذا منزل فلان العابد؟ قالت: نعم، قلت لها استأذني عليه، فإن أنا دخلت عليه وهبت لك درهما، فقالت: يا عبد الله ما رأيت أحدا هو أجهل منك، أدخل فما على أبي من حاجب. وإنما الحجّاب على أبواب الملوك وأبناء الملوك، فبهتّ متعجّبا من قولها، ثم دخلت ودخلت معها وإذا دار قوراء ليس فيها إلاّ بيت صغير، فدخلت البيت، فإذا أنا برجل قد نحل من غير سقم، وقد احتفر قبرا عند رجليه، وقد دلّى رجليه فيه، وفي يده خوص يشقّه وهو يتلو هذه الآية:
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١].
بصوت حزين فسلمّت عليه فردّ عليّ السّلام وقال: أمن أخواني أنت؟ قلت نعم ولست من أهل البصرة ولا من أهل عبّادان. قال: فمن أين أنت؟ قلت من أهل الكوفة، قال: فما اسمك؟ قلت: محمد بن السماك. قال: لعلّك الواعظ؟ قلت: نعم، قال: فأخذ يدي بيديه جميعا ثم قال: لي: مرحبا وحيّاك
стр. 514
الله يا أخي بالسلام، ومتّعنا واياك في الدنيا بالإخوان! يا أخي! ما زالت نفسي متطلّعة إلى لقائك تحبّ أن تعرض داءها على دواءك، أعلّمك يا أخي أنّ بي جرحا قديما قد أعيي المعالجين قبلك، فتأتّاه برفقك، وألصق عليه ما تعلم انه يلائمه من مراهمك، قال: فعلمت انّ الرجل يريد أن أعظه، فقلت: يا أخي وهل يداوي مثلي مثلك؟ وجرحي انغل من جرحك، وذنبي أعظم من ذنبك.
فقال: سألتك بالله إلاّ ما وعظتني! فقلت له: يا أخي! قد عملت انّ ذنبك الذي أذنبت لم يمح، وانّ لذاذتك لم تبق، وأنّ الموت يطلبك صباحا ومساء، وانّك تصير غدا إلى ضيق اللحود وظلمة القبور، ومسألة منكر ونكير، فلما قلت له ذلك شهق شهقة خرّ في قبره يخور كما الثور إذا وجي في منحره، وأقبلت امرأته وابنته تبكيان من وراء الحجاب وتقولان: سألناك بالله لا تزده شيئا فتقتله علينا.
فأفاق فقال: يا أخي قد وافق دواءك دائي، ولصق مرهمك بجرحي، أخي ابن السماك! زدني.
فقلت له: يا أخي! إنّ أهلك وولدك قد حلفوني انّي لا أزيدك شيئا فأقبل عليهم وقال: اعلم يا أخي انّه ليس أحد أشدّ عليّ وبالا ولا أعظم جرما منّي إذا وقفت بين يدي ربّي-من أهلي وولدي.
فقلت: يا أخي! ما بعد ظلمة القبور وضيق اللحود ومسألة منكر ونكير إلاّ الطامّة. قال: وما هي يا ابن السماك؟ فقلت له: إذا أخذ إسرافيل يعني في نفخ الصور، وبعثر ما في القبور، وجئنا نحن بأثقالنا نحمل على الظهور. فكم يا أخي في ذلك اليوم من مناد ينادي بالويل والبثور؟ وأعظم من ذلك أيضا توبيخ الربّ إيانا عند قراءة السيّئات التي قد أحصى عليّ وعليك فيه النقير والفتيل والقطمير؛ وملائكة متّزرون بأزر من نار، غضاب لغضب الرحمن ينتظرون ما يقال لهم بالغضب:
﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠].
قال فشهق شهقة فخرّ في قبره كأنّه ثور قد وجي في منحره وبال فعرفت بالبول ذهاب عقله، فأقبلت ابنته فاجتذبته، وأسندته إلى صدرها ومسحت وجهه بكّمها، وهي تقول بأبي وأمي عينين طال ما سهرتا في طاعة الله! بأبي وأمي
стр. 515
عينين طال ما غضّتا عن محارم الله.
وأفاق فقال لي: عليك السّلام يا ابن السماك أنا أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمدا عبده ورسوله. وشهق الثالثة فظننت أنها مثل الأوليين فحرّكته فإذا الرجل قد فارق الدنيا.
٩٣٢ - حدثنا أبو محمد بن يوسف إملاء، حدثنا أبو بكر الطلحي بالكوفة، ثنا حبيب بن نصر المهلبي، ثنا عبد الله بن محمد، حدثني أحمد بن عاصم، ثنا الفضيل بن عياض الكندي، قال:
مرّ عيسى ابن مريم ﵇ بجبل بين نهرين عن يمينه نهر وعن يساره نهر، ولا يدري من أين يجيء ولا من أين يذهب، فقال عيسى أيها الجبل من أين يجيء هذا الماء وإلى أين يذهب؟ قال: أمّا الذي يجيء عن يميني فهو دموع عيني اليمنى، والذي عن يساري فهو دموع عيني اليسرى، قال: ممّ ذاك؟ قال: من خوف ربّي أن يجعلني من وقود النار، قال عيسى فأنا أدعو أن يهبك منّي، فدعا فوهبه له. فقال عيسى: قد وهبت لي فجاء منه من الماء ما أحتمل عيسى فذهب به فقال عيسى: اسكن بقوّة الله فسكن فقال قد استوهبتك من ربّي فوهبك لي فماذا؟ قال: أمّا البكاء الأوّل فبكاء الخوف وأمّا البكاء الثاني فبكاء الشكر.
٩٣٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا أبو عثمان الحناط، ثنا أحمد بن أبي الحواري، قال:
بينا أنا ذات يوم جالس بالشام في قبّة ليس عليها باب إلاّ كساء مسبل إذ أنا بامرأة تدقّ على الحائط فقلت: من هذا؟ فقالت: امرأة ضالّة دلّني على الطريق-رحمك الله-فقلت: عن أيّ الطريقين تسألين؟ فبكت، ثم قالت: عن طريق النجاة. فقلت هيهات هيهات، لا يقطع ذاك الطريق إلاّ بالسير الحثيث في الجدّ وتصحيح المعاملة، وحذف العلائق الشاغلة من أمر الدنيا والآخرة، فبكت. ثم قالت: أمّا علائق الدنيا ففهمتها، فما علائق الآخرة؛ فقلت: لو
стр. 516
وافيت القيامة بعمل سبعين نبيا، لم يكن لك إلاّ ما كتب لك في اللوح المحفوظ، وإنّ لجهنّم زفرة يوم القيامة لو كان معك عمل سبعين نبيّا ما كان بدّ من أن ترديها. قال: فصرخت، ثم قالت: سبحان من صان عليك جوارحك فلم تقطع؛ سبحان من أمسك عليك قلبك فلم يتصدّع. ثم سقطت مغشيّا عليها.
قال ابن أخي أبي الحواري: وكانت عندنا جارية من المتعبّدات، فقلت لها أخرجي فانظري ما قصّة هذا المرأة. قال فخرجت فنظرت إليها فإذا هي قد فارقت الدنيا، وإذا في جيبها رقعة مكتوب فيها: كفّنوني في أثوابي، فإن يك لي عند ربّي خير فسيبدلني ما هو خير لي منها، وإن يك غير ذلك فبعدا لنفسي وسحقا.
قال ابن أبي الحواري: وإذا خدم قد أحاطوا بالجارية، فقلت لبعضهم ما قصّة هذه الجارية؟ فقالوا: يا أبا الحسن هذه جارية كانت يظهر بها شيء نظنّ انّها مصابة بعقلها وكان الذي بها يمنعها من المطعم والمشرب وكانت تشكو إلينا وجعا في جوفها، فكنّا نعرض عليها الأطباء فكانت تقول: أريد متطبّبا أشكو إليه بعض ما أجد من دائي عسى أن يكون عنده شفائي.
٩٣٤ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي في التفسير، قال: سمعت محمد بن عبد الله، يقول سمعت أبا الحسن بن زرعان، يقول سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول:
بينا أنا في بعض طرقات البصرة إذ سمعت صعقة فأقبلت نحوها فرأيت رجلا قد خرّ مغشيا عليه، فقلت: ما هذا؟ قالوا: كان رجلا حاضر القلب فسمع آية من كتاب الله من رجل فخرّ مغشيا عليه. فقلت وما هي؟ قال قوله:
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾ [الحديد:١٦].
فأفاق الرجل عند سماع كلامنا وأنشأ يقول:
أما آن للهجران أن يتصرّما ... وللغصن غصن البان أن يتبسما
وللعاشق الصّبّ الذي ذاب وانحنى ... ألم يأن أن يبكى عليه ويرحما
كتبت بماء الشوق بين جوانحي ... كتابا حكى نفس الوشي المتيّما
стр. 517
ثم قال اشكال اشكال اشكال وخرّ مغشيا عليه فحرّكناه فإذا هو ميّت.
٩٣٥ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو علي الحسين بن صفوان، ثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثني محمد بن الحسين، حدثني محرز أبو هارون الضبي قال:
كان عندنا رجل بالكوفة يغدو إلى الفرات، فلا يزال يبكي حتى يرتفع النهار، ثم يرجع فيقيل، فإذا صلّى انتصب لله، فلا يزال مصليا إلى العصر، ثم يروح إلى الفرات فيقعد يبكي. قال: فقيل له في ذلك، فقال: هذا مطيع لله أجراه برحمته وصيّره رزقا لعباده وأنا أعصيه غير خائف، ولا متوقع للنقم. قال:
ثم خرّ ميتا. قال: أبو هارون فأنا حضرت جنازته وما علمت أنّ أحدا علم بموته فتخلّف عنه.
٩٣٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، ثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثني محمد بن إسحاق بن حمزة البخاري، حدثني أبي، ثنا عبد الله بن المبارك، ثنا محمد بن مطرف، عن أبي حازم-أظنّه-عن سهل بن سعد أنّ فتى من الأنصار دخلته خشية من النار فكان يبكي عند ذكر النّار حتى حبسه ذلك في البيت وذكر ذلك للنبي ﷺ فجاءه في البيت فلمّا دخل عليه اعتنقه الفتى وخرّ ميتا فقال النبي ﷺ :
«جهّزوا صاحبكم فإنّ الفرق فلذ كبده».
٩٣٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: وأخبرنا أبو عبد الله الصفار على أثره، ثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، ثنا محمد بن إسحاق الثقفي.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى إملاء، ثنا محمد بن إسحاق الثقفي أبو العباس، حدثني أحمد بن منصور
стр. 518
الأنصاري عن منصور بن عمار قال:
حججت حجّة فنزلت سكّة من سكك الكوفة، فخرجت في ليلة مظلمة فإذا بصارخ يصرخ في جوف الليل، وهو يقول: إلهي وعزّتك وجلالك ما أردت بمعصيتي إيّاك مخالفتك ولقد عصيتك، إذ عصيتك وما أنا بنكالك عاقل ولكن خطيئة عرضت أعانني عليها شقائي، وغرّني سترك المرخى عليّ، وقد عصيتك بجهدي، وخالفتك بجهلي، فالآن من عذابك من يستنقذني؟ وبحبل من اتّصل أن أنت قطعت حبلك عنّي؟ واشباباه! واشباباه! فلما فرغ من قوله قرأت من كتاب الله :
﴿ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ﴾ [التحريم:٦] الآية.
فسمعت حركة شديدة لم أسمع بعدها حسا، فمضيت فلما كان الغد، رجعت في مدرجتي فإذا أنا بجنازة قد وضعت، وإذا عجوز كبيرة، فسألتها عن أمر الميّت، ولم تكن عرفتني فقالت مرّ ها هنا رجل لا جزاه الله إلا جزاءه! مرّ بابني البارحة وهو قائم يصلّي فتلا آية من كتاب الله فلما سمعها ابني تقطّعت مرارته فوقع ميّتا.
٩٣٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ. أنا أبو العباس الأصم، أنا العباس بن الوليد، أخبرني أبو شعيب، قال: قال لقمان لابنه:
يا بنيّ لقد وعظتك حتى لو كنت حجرا لانفطرت ماء، فبينا هو يعظه يوما إذ انصدع قلب الغلام ومات.
٩٣٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو عبد الله الصفار، ثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، ثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا عتّاب بن المثنى، حدثني بهز بن حكيم قال:
أمنّا زرارة بن أبي أوفى في مسجد بني قشير فقرأ المدّثّر فلمّا انتهى إلى هذه الآية:
﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ﴾ [المدثر:٨].
خرّ ميتا. قال بهز: فكنت فيمن حمله.
стр. 519
٩٤٠ - أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، أخبرنا أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه، ثنا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، حدثني محمد بن الحسين، حدثني عمار بن عثمان الحلبي، قال: حدثني حصن بن القاسم الورّاق، قال:
كنّا عند عبد الواحد بن زيد وهو يعظ فناداه رجل من ناحية المسجد: كفّ يا أبا عبيدة! لقد كشفت قناع قلبي. فلم يلتفت عبد الواحد إلى ذلك فمرّ في الموعظة فلم يزل الرجل يقول: كفّ يا أبا عبيدة! لقد كشفت قناع قلبي.
وعبد الواحد يعظ، لا يقطع موعظته، حتى والله حشرج الرجل حشرجة الموت وخرجت نفسه، وأنا والله شهدت جنازته يومئذ ما رأيت بالبصرة يوما أكثر باكيا من يومئذ.
٩٤١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر بن محمد الصوفي بمرو، ثنا محمد بن يونس القرشي، ثنا إسماعيل بن نصر العبدي، قال: نادى مناد في مجلس صالح المرّي: ليقم الباكون المشتاقون إلى الجنّة فقام أبو جهث فقال اقرأ يا صالح:
﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً، أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ [الفرقان:٢٣،٢٤].
فقال أبو جهث: أرددها يا صالح! فما فرغ من الآية حتى مات أبو جهث.
٩٤٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا محمد بن عبد الله بن أمية القرشي بالساوة، قال: ثنا أبو العباس بن مسروق، ثنا محمد بن داود، حدثني يحيى بن بسطام، ثنا أبو طارق قال:
شهدت ثلاثة رجال أو نحوهم ماتوا في مجلس الذكر يمشون بأرجلهم صحاحا إلى المجالس وأجوافهم والله قرحة، فإذا سمعوا الموعظة انصدعت قلوبهم فماتوا، قال يحيى: فقلت لأبي طارق مجتمعين؟ قال: لا، بل متفرقين؛ في المجلس الرجل والرجلان ونحو ذلك.
стр. 520
٩٤٣ - أخبرنا أبو سعد الماليني، ثنا أبو أحمد بن عدي الحافظ أنا الساجي، ثنا أحمد بن يحيى الصولي، قال: حدثني جعفر بن محمد بن عبيد الله بن موسى، قال: سمعت جدّي عبيد الله بن موسى قال: كنت أقرأ على علي بن صالح فلما بلغت إلى قوله:
﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ [مريم:٨٤].
سقط الحسن بن صالح يخور كما يخور الثور فقام إليه عليّ فرفعه ومسح على وجهه ورشّ عليه الماء وأسنده إليه.
٩٤٤ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو علي الحسين بن صفوان، ثنا عبد الله بن محمد القرشي، حدثني رجل من قريش وقال إنّه من ولد طلحة بن عبيد الله قال:
كان توبة بن الصمّة بالرقة، وكان محاسبا لنفسه فحسب فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيّامها فإذا هي إحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم، فصرخ وقال: يا ويلتي ألقى المليك بأحد وعشرين ألف ذنب؟ فكيف وفي كلّ يوم عشرة آلاف ذنب! ثم خرّ مغشيا عليه فإذا هو ميّت، فسمعوا قائلا يقول: يا لك ربضه في الفردوس الأعلى.
٩٤٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا العباس بن محمد، ثنا عمار بن عثمان الحلبي، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا المعلي بن زياد، عن الحسن قال:
كان لصفوان سرب يبكي فيه.
٩٤٦ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو حامد بن بلال، ثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال: سمعت أبا بكر بن عياش يقول:
دخلت على أبي حصين أعوده، وهو قاعد هكذا-وخفض أبو بكر رأسه
стр. 521
حتى جعله بين ركبتيه وهو قاعد-فقال لو رأيته لرحمته ثم قرأ:
﴿وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٦].
﴿وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود:١٠١].
٩٤٧ - أخبرنا أبو حفص عمر بن الخضر بمكة، أنا هشام بن محمد بن قرّة، ثنا أبو بشر الدولابي، ثنا أبو محمد عبد الله بن خبيق الأنطاكي قال:
سمعت يوسف بن أسباط يقول:
مكث عبد العزيز بن أبي رواد أربعين سنة لا يرفع طرفه إلى السماء.
٩٤٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، يقول: سمعت محمد بن عبد الوهاب الفراء، يقول سمعت الحسين بن منصور يقول: أنا حفص بن عبد الرحمن قال: أتيت مسعر بن كدام ليحدّثني وكأنه رجل أقيم على شفير قبر ليدفع فيه وقال:-مرّة أخرى-على شفير جهنّم ليلقى فيها.
٩٤٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا محمد بن صالح بن هانئ، ثنا أبو سعيد محمد بن شاذان، ثنا أبو هشام الرفاعي قال: سمعت يحيى بن يمان يقول: لقيني سفيان الثوري عند جبل بني فزارة فقال:
إنّي لأرى الشيء يجب عليّ أن آمر به أو أنهى عنه لا أفعل فأبول دما.
٩٥٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا بكر محمد بن جعفر
стр. 522
ابن يزيد الآدمي القارئ ببغداد، يقول سمعت أبا العيناء محمد بن القاسم، يقول: سمعت عبد الله بن خيبق يقول قال: يوسف بن أسباط: كان سفيان الثوري إذا أخذ من ذكر الآخرة يبول الدم.
٩٥١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا منصور محمد بن أحمد بن بشر الصوفي يقول سمعت محمد بن عمرو بن النضر الحرسي يقول سمعت أيوب بن الحسن الفقيه، يقول: سمعت علي بن عثام العامري، يقول:
سمعت يحيى بن اليمان يقول سمعت سفيان الثوري يقول:
لقد خفت الله خوفا وددت أنّه خفّف عنّي.
٩٥٢ - قال علي: وحدثني داود بن يحيى بن يمان عن أبيه قال: قال الثوري: خفت الله خوفا عجبت لي كيف ما متّ إلاّ أنّ لي أجلا أنا بالغه.
٩٥٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر محمد بن جعفر المزكي، ثنا عبد الله بن سلمة المؤدب، ثنا محمد بن عبد الوهاب، قال: سمعت علي بن عثام يقول: بكى سفيان يوما ثم قال: بلغني أنّ العبد أو الرجل إذا كمل نفاقه ملك عينيه فبكى.
٩٥٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا الفضل محمد بن إبراهيم يقول: سمعت جعفر بن أحمد الشاماتي يقول: سمعت مهنّأ بن يحيى الشامي يقول سمعت زيد بن أبي الزرقاء يقول: حمل ماء سفيان الثوري إلى طبيب في علّته، فلمّا نظر قال: هذا ماء رجل قد أحرق الخوف جوفه.
٩٥٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني، ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا محمد بن يزيد الرفاعي، ثنا يزيد بن هارون، عن عمرو بن حمزة ابن أخت سفيان الثوري قال:
ذهبت ببول سفيان الثوري إلى الديراني فأريته إيّاه، فقال ما هذا ببول
стр. 523
حنيف. قلت: بلى والله من خيارهم وكان لا يخرج من باب الدّير، قال: أنا أجيّ معك إليه. قلت لسفيان: إنّه يأتيك فأتاه فمسّ عرقه فقال: هذا رجل قد قطع الحزن كبده.
٩٥٦ - أخبرنا أبو الحسين بن الفضل، ثنا عبد الله بن جعفر، ثنا يعقوب بن سفيان، حدثني الحسين بن الحسن، عن الهيثم بن جميل، عن ابن أخي سفيان قال:
لما تعبد سفيان سقم وكنّا نعرض تفسرته على المطببين فلا يعرفون ما به، حتى حملناه إلى راهب في ناحية الحيرة. قال: فلمّا نظر إلى تفسرته قال: ليس بصاحبكم مرض، إنّما الّذي به لما دخله من الخوف أو نحو هذا.
٩٥٧ - أخبرنا أبو الحسين بن الفضل، أنا عبد الله بن جعفر، ثنا يعقوب بن سفيان، حدثني سعيد بن أسد، ثنا ضمرة، عن رجاء بن أبي سلمة، عن رشدين بن خبّاب قال:
مرض حازم بن الوليد بن بجير الأزدي فدعوت له طبيبا فنظر إليه فلمّا خرج تبعته، فقال: ما بصاحبكم هذا إلاّ الحزن، فلمّا عدت أخبرته أن الطبيب قال لي: ما بصاحبكم إلاّ الحزن، قال: صدق إنّي ذكرت مواقف يوم القيامة ففزع لذلك قلبي.
٩٥٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا يحيى بن أبي طالب، ثنا خالد بن خداش قال:
كنت أقعد إلى وسيم البلخي ثم قلت وكان أعمى، وكان يحدّث ويقول:
أوّه، القبر وظلمته، واللحد وضيقه، كيف أصنع! ثمّ يغمّ عليه، ثم يعود فيحدث، ويصنع ذا مرّات حتى يقوم.
٩٥٩ - أخبرنا أبو عبد الله إسحاق بن محمد بن يوسف السوسي، ثنا أبو العباس الأصم، قال: سمعت العباس بن الوليد يقول: سمعت أبي يقول سمعت الأوزاعي يقول:
стр. 524
إذا ذكرت جهنّم فليبك من كان باكيا.
٩٦٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا الحسن بن محمد بن إسحاق، أنا أبو عثمان سعيد بن عثمان، ثنا رباح بن الجراح الموصلي، قال:
كانت آمنة بنت المورع من الخائفين وكانت إذا ذكرت النار قالت: أدخلوا النّار، وأكلوا من النّار وشربوا من النّار وعاشوا في النّار، ثم تبكي.
وكان بكاؤها أطول من ذلك. قال: وكانت إذا ذكرت النّار وأهل النّار بكت وأبكت وما رأيت أحدا أشد خوفا منها ولا أكثر بكاء.
٩٦١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان، قال: سمعت السريّ يقول قلت لبعض العبّاد: ما الّذي أنصب العبّاد وأخشاهم؟.
قال: ذكر المقام وخوف الحساب ثم قال لي: يا أبا الحسن ولم لا تذوب أبدان العبّاد والزّهاد والخدّام فزعا والقيامة أمامهم، ولهم في يومها ما قد علموا ثم صاح صيحة أفزعتني ثم قال: يا أبا الحسن من لي في ذلك الموقف؟ ومن لتحسّري تلذذي ولجوعي ولعطشي؟.
ثم قال إليك يا أبا الحسن فقد حرّكت منّي ساكنا وأبرزت منّي غمّا كامنا ثم صاح فقال وأطول وقفتاه! واتحسراه واثقل ظهراه من حمل الذنوب والمظالم والخطايا وأوساخ العيوب! ثم قال: أوّه من حملها! أوّه من ذكرها! أوّه من ثقلها! أوّه من إقراري بها على نفسي! ثمّ استرجع فقال: سيدي! فأين سترك الجميل القديم سيدي؟ وأين حلمك سيدي؟ فأين عفوك سيدي؟ فأين فضلك المعتمد به لعبادك سيدي؟ فاستنقذني وبرحمتك فسلّمني. ثم بكى وأبكانا معه فتركته وهو باك حزين فزع القلب وإنصرفت عنه.
٩٦٢ - أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، أنا عبد الله بن جعفر، ثنا
стр. 525
يعقوب بن سفيان، ثنا الحجاج بن منهال، ثنا مهدي بن ميمون، ثنا غيلان، قال: قال مطرف:
لقد كاد خوف النّار أن يحول بيني وبين أن أسأل الجنّة.
٩٦٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى سمعت أبا عبد الله محمد بن شاذان عبد الله يقول: سمعت علي بن سلمة اللبقي، يقول سمعت سفيان بن عيينة يقول:
أقلّهم ذنبا أخوفهم لربّه لأنّهم أصفاهم قلبا.
٩٦٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو محمد بن أبي حامد المقرئ قالا:
ثنا أبو العباس الأصم، ثنا الخضر بن أبان، ثنا سيار، ثنا جعفر، قال: سمعت مالكا يقول:
يا هؤلاء إنّما المؤمن مثل الشاة المأبورة التي أكلت إبرة فهي تأكل ولا تقطع علّتها-لما قد خالطه من الحزن لما بين يديه.
٩٦٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني علي بن عيسى بن إبراهيم، ثنا أبو يحيى زكريا بن داود الخفاف، حدثني أحمد بن الخليل البغدادي بنيسابور، حدثني يحيى بن أيوب،
قال: دخلت مع زافر بن سليمان على الفضيل بن عياض بالكوفة، فإذا الفضيل وشيخ معه-قال: فدخل زافر، وأقعدني على الباب-قال زافر: فجعل الفضيل ينظر إليّ ثم قال: يا أبا سليمان هؤلاء أصحاب الحديث ليس شيء أحبّ إليهم من قرب الإسناد ألا أخبرك بإسناد لا شكّ فيه رسول الله ﷺ عن جبريل ﵇ عن الله تعالى:
﴿ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ﴾ [التحريم:٦] قرأ الآية.
فأنا وأنت يا أبا سليمان من الناس قال: ثم غشي عليه وعلى الشيخ وجعل
стр. 526
زافر ينظر إليهما، قال: ثم تحرّك الفضيل فخرج زافر وخرجت معه والشيخ مغشيّ عليه.
٩٦٦ - أخبرنا أبو الحسين بن الفضل، أنا عبد الله بن جعفر، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا عمرو بن عاصم، ثنا همام، عن قتادة قال:
سأل عامر بن عبد الله ربّه أن يهوّن عليه الطهور في الشتاء فكان يؤتى بالماء له بخار، وسأل ربّه أن ينزع شهوة النساء من قلبه فكان لا يبالي ذكرا لقي أم أنثى، وسأل ربّه أن يحول بين الشيطان وبين قلبه في الصلاة، فلم يقدر على ذلك وكان إذا غزا فيقال له إنّ هذه الأجمة نخاف عليك فيها الأسد قال:
إنّي لأستحي من ربّي أن أخشى غيره.
٩٦٧ - أخبرنا أبو نصر بن قتادة، ثنا أبو حامد أحمد بن الحسين الهمداني القاضي ببلخ إملاء، ثنا أبو بكر الأنباري، حدثني أبي، ثنا حماد بن الحسن النهشلي الوراق، ثنا محمد بن بشر المكي قال: كنّا يوما ماضين مع علي بن الفضيل فمررنا بمجلس بني الحارث المخزومي ومعلّم يعلّم الصبيان، قال ويقرأ:
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:٣١].
فشهق ابن فضيل شهقة خرّ مغشيا عليه فجاء الفضيل فقال: بأبي قتيل القرآن! ثم حمل فحدثني بعض من حمله أن الفضيل أخبره أن عليا ابنه لم يصلّ ذلك اليوم الظهر ولا العصر ولا المغرب ولا العشاء فلمّا كان في جوف الليل أفاق.
٩٦٨ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنا عبد الله بن محمد الرازي، ثنا إسحاق بن إبراهيم بن أبي حسان الأنماطي، ثنا أحمد بن أبي الحواري، ثنا جعفر بن محمد قال: قيل لفضيل بن عياض ما سبب موت ابنك عليّ؟ قال:
стр. 527
بات يتلو القرآن فأصبح في محرابه ميّتا.
٩٦٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر بن الحسن، وأبو سعيد بن أبي عمرو قالوا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن سليمان البرلّسي، ثنا عباد بن موسى، ثنا أبو إسماعيل المؤدب، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، قال:
غزونا فمررنا بأجمة في مكان مخوف، فإذا رجل نائم عند فرسه قلنا يا عبد الله مالك؟ قال: ومالي؟ قلنا: في مثل هذا المكان تنام؟ قال: إنّي لأستحي من ربّي أن يعلم أنّي أخاف شيئا غيره.
٩٧٠ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا إسحاق بن أحمد الكارزي، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا سفيان بن وكيع، ثنا أبو بكر يعني ابن عياش، عن الأعمش، عن زيد بن وهب قال:
خرجنا في سريّة فإذا رجل في أجمة نائم مغطّى الرأس. قال فأنبهناه وقلنا لأنت في موضع مخيف فما تخاف فيه؟ فكشف عن رأسه وقال: إنّي لأستحي منه أن يراني أخاف أحدا سواه.
رواه أبو معاوية عن الأعمش، عن شقيق قال: خرجنا في ليلة مخوفة فمررنا برجل نائم في أجمة قد قيّد فرسه وهي ترعى عند رأسه فأيقظناه وقلنا له:
تنام في هذا المكان؟ قال: فرفع رأسه وقال: إنّي لأستحي من ذي العرش أن يعلم أنّي أخاف شيئا دونه.
٩٧١ - أخبرنا أبو زكريا بن إسحاق، ثنا أبو محمد يحيى بن منصور الحاكم إملاء، أنا أبو سعيد محمد بن شاذان، ثنا محمد بن المثنى، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن شقيق، فذكره،
٩٧٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأني أبو العباس محمد بن يعقوب، وقرأته من خطه فيما أجازه له محمد بن عبد الوهاب، قال: علي بن عثام قال عمر بن عبد العزيز:
стр. 528
من خاف الله أخاف الله منه كلّ شيء، ومن لم يخف الله خاف من كل شيء.
٩٧٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا جعفر بن محمد، ثنا أحمد بن محمد بن مسروق، قال: سمعت سري بن المغلّس يقول سمعت الفضيل بن عياض يقول:
من خاف الله لم يضرّه أحد، ومن خاف غير الله لم ينفعه أحد.
٩٧٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا عبد الرحمن بن حمدان الهمداني، ثنا أبو حاتم الرازي، ثنا عمران بن موسى الطرسوسي، ثنا فيض بن إسحاق الرقي، قال: قال الفضيل بن عياض:
إن خفت الله لم يضرّك أحد وإن خفت غير الله لم ينفعك أحد.
٩٧٤ - مكرر-وبهذا الإسناد قال: سألت الفضيل بن عياض عن شيء قال: من خاف الله خاف منه كلّ شيء، ومن خاف غير الله خاف من كلّ شيء.
وقد روى هذا اللفظ عن واثلة بن الأسقع مرفوعا غير أنّ إسناده مجهول.
٩٧٥ - سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا الحسين الفارسي، يقول سمعت أحمد بن علي يقول سمعت أبا الخير الديلمي يقول قال: أبو عمرو الدمشقي:
حقيقة الخوف أن لاّ تخاف مع الله أحدا.
٩٧٦ - أخبرنا أبو سعد الماليني، ثنا أحمد بن محمد بن الحسن، أنا أبو العباس بن حمكويه قال: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول: على قدر حبّك لله يحبّك الخلق، وعلى قدر خوفك من الله يهابك الخلق، وعلى قدر شغلك بأمر الله يشغل في أمرك الخلق.
٩٧٧ - أخبرنا أبو الحسين بن الفضل، أنا عبد الله بن جعفر، ثنا
стр. 529
يعقوب بن سفيان، ثنا سليمان بن حرب، ثنا جرير بن حازم، ثنا المغيرة بن حكيم، قال: قالت لي فاطمة بنت عبد الملك-امرأة عمر بن عبد العزيز-:
يا مغيرة! إنّه يكون في النّاس من هو أكثر صلاة وصياما من عمر، وما رأيت أحدا قطّ أشدّ فرقا من ربّه من عمر. كان إذا صلّى العشاء قعد في المسجد ثم يرفع يديه، فلم يزل يبكي حتى تغلبه عينه ثم ينتبه فلم يزل رافعا يديه يبكي حتى تغلبه عينه.
٩٧٨ - أخبرنا أبو الحسين، أنا عبد الله، ثنا يعقوب، ثنا عبد الله بن عثمان، ثنا عبد الله هو ابن المبارك، ثنا محمد بن أبي حميد المدني، عن إبراهيم بن عبيد بن رفاعة،
قال: شهدت عمر بن عبد العزيز ومحمد بن قيس يحدّثه فرأيت عمر يبكي حتى اختلفت أضلاعه.
٩٧٩ - قال: ثنا ابن عثمان، ثنا عبد الله، عن ميمون بن مهران:
أن عمر بن عبد العزيز أتي بسلق وأقراص فأكل ثم اضطجع على فراشه، وغطّى وجهه بطرف ردائه وجعل يبكي ويقول: عبد بطيء بطين يتباطأ ويتمنّى على الله منازل الصّالحين.
٩٨٠ - أخبرنا أبو محمد السكري ببغداد، أنا أبو بكر الشافعي، ثنا جعفر بن محمد بن الأزهر، ثنا المفضّل بن غسّان الغلاّبي، قال: كان عمر بن عبد العزيز ﵀ لا يجفّ دمعه من هذا البيت:
ولا خير في عيش امرئ لم يكن له ... من الله في دار القرار نصيب
٩٨١ - أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن بشران، أنا أبو عمرو بن السماك، ثنا حنبل بن إسحاق، ثنا عفان، ثنا همام، عن قتادة، قال: قال لي العلاء بن زياد:
стр. 530
ما نحن إلاّ كمثل القوم وضعنا أنفسنا في النار وإن شاء الله أن يخرجنا منها برحمته أخرجنا.
٩٨٢ - قال: وقال مورق: ما وجدت للموت مثلا إلاّ كمثل رجل على خشبة في البحر فهو يقول يا ربّ لعلّ الله أن ينجيه.
٩٨٣ - أخبرنا أبو الحسين بن الفضل، أنا عبد الله بن جعفر، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا محمد بن يزيد الكوفي، ثنا سعيد بن عبد الله بن الربيع بن خثيم، عن عمّته قالت:
كنت أقول لأبي يا أبتاه ألا تنام فيقول: يا بنيّة كيف ينام من يخاف البيات.
٩٨٤ - أخبرنا أبو نصر بن قتادة، ثنا أبو أحمد الحسين بن علي، أنا أبو القاسم البغوي، ثنا أحمد بن حنبل، ثنا سيار بن حاتم، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا مالك بن دينار، قال: قالت ابنة الربيع بن خيثم:
يا أبتاه إنّي أرى النّاس ينامون، وأنت لا تنام. قال: يا بنيّة! إنّ أباك يخاف البيات.
٩٨٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا الحسن بن محمد بن إسحاق، قال: سمعت أبا عثمان الحنّاط، قال: سمعت ذا النون وشكا إليه رجل السبات، فقال له:
لو خفت البيات لما غلبك السبات. ثم أنشأ ذو النون يقول: تحلّ لمولاك بالطاعة، والبس له قناع ذلّ الفاقة، يرى اهتمامك ببلوغ رضوانه، فيؤدّيك بذلك منازل الأبرار.
٩٨٥ - مكرر-وبإسناده قال: سمعت ذا النون يقول: ثلاث من أعلام الخوف: الورع عن الشبهات بملاحظة الوعيد، وحفظ اللسان من مراقبة النظر العظيم، ودوام الكمد إشفاقا من غضب الحليم.
стр. 531
٩٨٦ - أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق قال: سمعت أبا الفتح البغدادي وكان من أصحاب جعفر بن محمد بن نصير الصوفي قال:
بتّ ليلة في مسجد الشونيزية فأقلقني النوم فسمعت قائلا أسمع صوته ولا أرى شخصه يقول:
فكيف تنام العين وهي قريرة ... ولم تدر في أي المحلّين تنزل
فذهب عنّي النوم.
٩٨٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس العنزي، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، قال: سمعت نعيم بن حماد يقول:
كان ابن المبارك إذا قرأ كتاب الرقاق يصير كأنّه ثور منحور أو بقرة منحورة من البكاء، لا يجترئ أحد منّا أن يدنو منه، أو يسأله عن شيء إلاّ دفعه.
٩٨٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو بكر الجراحي، ثنا يحيى بن ساسويه، ثنا عبد الكريم السكري، ثنا وهب بن زمعة، قال: أخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن الأشعث قال:
مرض ابن المبارك مرضا، فجزع، حتى رأوه جزعا، فقيل له: إنّه ليس بك كلّ ذلك وأنت تجزع هذا الجزع؟ قال: مرضت وأنا بحال لا أرضاه.
٩٨٩ - قال أبو إسحاق، وقال الفضيل يوما-وذكر عبد الله-وقال: أما إنّي أحبّه لأنّه يخشى الله .
٩٩٠ - قال: أبو إسحاق قيل لابن المبارك: رجلان أحدهما خائف، والآخر قتل في سبيل الله؛ قال: أحبّهما إليّ أخوفهما.
٩٩١ - قال وهب: أخبرني أبو خزيمة العابد قال: دخلت على عبد الله وهو مريض فجعل يتقلّب على فراشه من الغمّ فقلت له: يا أبا عبد الرحمن ما هذا أصبر قال: ومن يصبر على أخذ الله إنّ أخذه أليم شديد.
٩٩٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن
стр. 532
العباس، يقول أنا أحمد بن محمد بن سعيد الحافظ، ثنا أبو جعفر الشامي، ثنا عبد الله بن عاصم الهروي أنّ شيخا دخل على عبد الله بن المبارك فرآه على وسادة خشنة مرقعة قال: فأردت أن أقول له فرأيت به من الخشية حتّى رحمته فإذا هو يقول قال الله :
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ﴾ [النور:٣٠].
قال: لم يرض الله أن ننظر إلى محاسن المرأة فكيف بمن يزني بها.
وقال الله :
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين:١].
في الكيل والوزن فكيف بمن يأخذ المال كلّه؟.
وقال الله :
﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [الحجرات:١٢].
ونحو هذا فكيف بمن يقتله؟ قال: فرحمته وما رأيته فيه فلم أقل له شيئا.
٩٩٣ - أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، أنا أحمد بن سلمان الفقيه، ثنا الحارث بن محمد، ثنا العباس بن أبان، ذكره عن بعض العلماء قال:
ذو الدّين يخاف العقاب، وذو الكرم يخاف العار، وذو العقل يخاف التّبعة.
فصل
قال الحليمي رحمه الله تعالى:
وقد يجد الناس في أنفسهم الخوف من أشياء كثيرة، مثل خوف الوالد من موت ولده، أو ذهاب ماله، أو الغرق، أو الحرق، أو الهدم، أو ذهاب السّمع والبصر، أو الوقوع بيد السلطان الجائر، أو الابتلاء بسبع، أو عدوّ من كان، وما يشبه ما ذكرنا من أصناف المكاره إلاّ أنّ هذا ينقسم إلى محمود ومذموم.
فالمحمود أن يكون الخوف من هذه الأمور لما يمكن أن يكون تحتها من سخط الله- ثناءه-فإنّها قد تكون عقوبات ومؤخذات. فمن خافها،
стр. 533
فامتنع لأجلها من المعاصي ولم يأمن من أن يغير عليه، كانت منزلته منزلة من امتنع من المعاصي خيفة النار وكذلك إن خشي أن يكون أخذ الله منه ما أعطاه ابتلاء له واختبارا، حتى إن صبر واحتسب أثابه، وإن جزع واضطرب ولم يسلم لقضائه زاده سلبا فخاف أنّ ذلك إن كان ذلك لم يملك نفسه، وكان منه بعض ما لا يحبّه الله تعالى جدّه؛ ومن هذا الوجه كان إشفاقه وكراهيته لهذه الأمور فهذا أيضا محمود. وهذا خوف ينشأ عن التعظيم والمحبّة جميعا.
وأمّا المذموم فهو أن يكون خوفه بعض هذه الأمور لحرصه على ماله فيها من المنافع الدنيوية، وشدّة ركونه إليها، وميله إلى التكثّر بماله منها، والتوصل بها إلى ما يريد ويهوى، كان في ذلك رضى الله أو سخطه. وإنّما كان هذا مذموما للغرض الذي عنه ينشأ هذا الخوف ولأنّ جميع نعم الله عند العبد من مال وولد وما يشبههما إنّما هي عوار، والركون إلى العواري ليس من فعل العقلاء والمخلصين والله أعلم.
قال البيهقي ﵀: وقد جاء في الأخبار والآثار ما يؤكد صحّة ما قاله الحليمي ﵀ في هذا الفصل وسياق جميع ذلك ها هنا يطول فمن ذلك ما:
٩٩٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أنا موسى بن الحسن، ثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي-ح.
وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، ثنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا معاذ بن المثنى، ثنا القعنبي، ثنا سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن عطاء بن أبي رباح انّه سمع عائشة زوج النّبي ﷺ تقول:
كان رسول الله ﷺ إذا كان يوم ذا ريح وغيم عرف ذلك في وجه رسول الله ﷺ فأقبل، وأدبر؛ فإذا مطرت سرّي عنه، وذهب عنه ذلك. قالت: فسألته، فقال:
«إنّي خشيت أن يكون عذابا سلّط على أمّتي».
стр. 534
ويقول:-إذا رأى المطر «﵀» -وفي رواية موسى «رحمه» فقط.
وقال: عرف ذلك في وجهه.
رواه مسلم في الصحيح عن عبد الله بن مسلمة القعنبي.
وأخرجه البخاري من حديث ابن جريج عن عطاء.
٩٩٥ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا الكديمي، ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، ثنا ابن عوف، عن ثمامة، عن أنس بن مالك قال:
كنت أصنع خبزة لهم فسمعت نقيض الأرض فخرجت، فإذا الأرض قد تشقّقت، وإذا أصحاب رسول الله ﷺ يبكون ويدعون، حتّى ذهبت.
٩٩٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا العباس الدوري، ثنا يونس بن محمد المؤدب، ثنا عبيد الله يعني ابن النضر، حدثني أبي انّها كانت ظلمة على عهد أنس حتّى كأن النهار مثل الليل، قال: فأتيته بعد ما أنجلت. فقلت يا أبا حمزة هل كان يصيبكم مثل هذا على عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: معاذ الله، إن كانت الريح لتشتدّ فنبتدر إلى المسجد أينا يدخله أوّلا.
٩٩٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا أبو عثمان الحناط، ثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا أبو زكريا الخلقاني الهمداني، قال: كنّا عند علي بن بكار فمرّت سحابة فسألته عن شيء فقال لي، اسكت حتّى تجوز هذه السحابة أما تخشى أن يكون فيها حجارة نرمى بها؟.
٩٩٨ - أخبرنا أبو أسامة محمد بن أحمد بن محمد بن القاسم المقرئ الهروي بمكة، ثنا الحسن بن رشيق، حدثني أبو علي الروذباري، قال: سمعت أبا أحمد الزهيري يقول: سمعت أبا بكر بن هارون الحمّال: يقول: سمعت الحارث المحاسبي يقول:-وذكر البلاء-فقال: هو للمخلّطين عقوبات، وللتائبين طهارات، وللطاهرين درجات.
стр. 535
٩٩٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا علي بن حمشاد قال: سمعت أحمد بن سلمة يقول سمعت الحسين بن منصور يقول كثيرا ما كنت أسمع علي بن عثّام يقول: الّلهمّ لا تبل أخبارنا.
قال البيهقي ﵀: وهذا كقوله تعالى:
﴿وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾
وذلك فيما يبتليهم به في الجهاد وغيره لينظر كيف صبرهم فخاف علي بن عثّام أن لا يقوم بصبره فقال: الّلهمّ لا تبل أخبارنا.
آخر كتاب الخوف
[انتهى الجزء الأول ويليه إن شاء الله الجزء الثاني وأوله الثاني عشر من شعب الإيمان وهو باب في الرجاء من الله تعالى]
стр. 536
[بسم الله الرحمن الرحيم]
(١٢) الثاني عشر من شعب الإيمان
«باب في الرجاء من الله تعالى»
وفيه فصول
قال الحليمي ﵀: وهو على وجوه.
أحدها: رجاء الظفر بالمطلوب، والوصول إلى المحبوب.
والثاني: رجاء دوامه بعد ما حصل.
والثالث: رجاء دفع المكروه وصرفه كي لا يقع.
والرابع: رجاء الدفع والإماطة لما قد وقع.
وكل ذلك قول مجمل على التفصيل الذي سأذكره للدعاء. وإذا استحكم لرجاء حدث عنه من التخشّع والتذلّل نحو ما يحدث عن الخوف إذا استحكم، لأن الخوف والرجاء متناسبان. إذ الخائف في حال خوفه يرجو خلاف ما يخافه، ويدعو الله به، ويسأله إيّاه، والراجي في حال رجائه خائف ما يرجو، ويستعيذ بالله منه، ويسأله صرفه، ولا خائف إلاّ وهو راج، ولا راجي إلاّ وهو خائف-وبسط الكلام فيه إلى أن قال-ولأجل تناسب الأمرين قرن الله تعالى بهما في غير آية من كتابه فقال:
﴿وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:
٥٦].
فالخوف: الإشفاق، والطمع: الرجاء.
وقال في قوم مدحهم وأثنى عليهم:
﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧].
وقال: ﴿وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠].
فالرغبة: الرجاء؛ والرهبة: الخوف.
стр. 537
١٠٠٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر بن إسحاق، أنا يوسف بن يعقوب، ثنا أبو الربيع، ثنا إسماعيل بن جعفر، قال: أخبرني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال:
«لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنّته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنّته أحد».
أخرجه مسلم في الصحيح عن جماعة، عن إسماعيل.
وأخرجه البخاري من حديث المقبري عن أبي هريرة.
١٠٠١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حامد المقرئ وأبو عبد الرحمن السلمي قالوا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا الخضر بن أبان الهاشمي، ثنا سيّار بن حاتم، ثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس:
أنّ النّبي ﷺ دخل على شابّ وهو في الموت فقال:
«كيف تجدك؟» قال: أرجو الله، وأخاف ذنوبي. فقال رسول الله ﷺ «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلاّ أعطاه الله ما يرجو وآمنه ممّا يخاف».
١٠٠٢ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفّار، ثنا محمد بن إسحاق البغوي، ثنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ على رجل يعوده فوجده في الموت، فقال:
«كيف تجدك؟» قال: أجدني أخاف وأرجو. قال:
стр. 538
«لا يجتمعان في قلب مؤمن إلاّ أعطاه الله الذي يرجو منه، وآمنه من الذي يخاف».
كذا قاله جعفر بن سليمان الضبعي.
١٠٠٢ مكرر-ورواه أبو ربيعة، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبيد بن عمير قال: دخل النّبي ﷺ على رجل من أصحابه وهو مريض فقال:
«كيف تجدك؟» قال: أجدني راغبا راهبا قال: «والذي نفسي بيده لا يجتمعان لأحد عند هذا الموضع إلاّ أعطاه ما رجا وآمنه ممّا يخاف».
١٠٠٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر محمد بن عبد الله الحفيد، ثنا عباد بن سعيد الجعفي، ثنا محمد بن عثمان بن بهلول، ثنا بهلول، ثنا إسماعيل بن زياد أبو الحسن، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنّ عمر بن الخطاب ﵁ اشتكى فدخل عليه النّبي ﷺ يعوده فقال:
«كيف تجدك يا عمر؟» فقال: أرجو وأخاف. فقال رسول الله ﷺ : «ما اجتمع الرجاء والخوف في قلب مؤمن إلاّ أعطاه الله الرجاء وآمنه الخوف».
١٠٠٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ومحمد بن موسى بن الفضل، قالا:
ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن منقذ، حدثني إدريس بن يحيى، عن أبي إسحاق الرباحي، عن ابن أبي مالك قال: دخل واثلة بن الأسقع على مريض يعوده فقال له: كيف تجدك؟ قال المريض: لقد خفت الله خوفا خشيت أن لا يقوم لي بعد نظام، ورجوت الله رجاء فرجائي فوق ذلك.
فقال واثلة: الله أكبر سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«أقسم الخوف والرجاء أن لا يجتمعا في أحد في الدنيا فيرح ريح النّار، ولا يفترقا في أحد في الدنيا فيرح ريح الجنة».
١٠٠٥ - أخبرنا أبو عبد الله ومحمد بن موسى قالا: حدثنا أبو العباس، ثنا الربيع بن سليمان، ثنا أيوب بن سويد، حدثني عتبة بن أبي حكيم، قال: عاد
стр. 539
واثلة بن الأسقع يزيد بن الأسود الجرشي وقد نزل به الموت فقال: يا أخي كيف تجدك؟ قال: أجدني أرجو وأخاف. قال: له أيّهما في نفسك أكثر؟ قال:
الرجاء. قال واثلة: الله أكبر سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«قال الله : أنا عند ظنّ عبدي بي».
١٠٠٦ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا الحسين بن صفوان، ثنا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، أنا أبو خيثمة، ثنا شبابة بن سوّار، عن هشام بن الغاز، حدثني حيان أبو النضر قال: قال لي واثلة بن الأسقع:
قدني إلى يزيد بن الأسود فإنّي قد بلغني أنّ ألما نزل به. قال: فقدته فدخل عليه وهو ثقيل وقد وجّه يعني نحو القبلة، وقد ذهب عقله. قال: نادوه، فنادوه فقلت: إنّ هذا واثلة بن الأسقع أخوك. قال: فأبقى الله من عقله أن سمع انّ واثلة قد جاء، فمدّ يده فجعل يلتمس بها. فعلمت ما يريد فأخذت كفّ واثلة فجعلتها في كفّه، وإنّما أراد أن يضع يده في يد واثلة ذلك لموضع يد واثلة من يد رسول الله ﷺ ، وجعل يضعها مرّة على صدره، ومرّة على وجهه، ومرّة على فيه، فقال واثلة: ألا تخبرني عن شيء أسألك عنه، كيف ظنّك بالله؟ قال:
أعجزتني ذنوب لي أشفيت على هلكة، ولكن أرجو رحمة الله. فكبّر واثلة وكبّر أهل البيت بتكبيره وقال: الله أكبر سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«يقول الله : أنا عند ظنّ عبدي بي فليظنّ بي ما شاء».
١٠٠٧ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا الحسين بن صفوان، ثنا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، ثنا عمرو بن محمد، ثنا خلف بن خليفة، عن حصين، عن إبراهيم قال:
стр. 540
كانوا يستحبّون أن يلقّنوا العبد محاسن عمله عند موته لكي يحسن ظنّه بربّه.
١٠٠٨ - قال وحدثنا عبد الله، ثنا سوار بن عبد الله العنبري، ثنا المعتمر بن سليمان قال: قال لي أبي-حين حضرته الوفاة:
يا معتمر حدّثني بالرّخص لعلّي ألقى الله، وأنا حسن الظنّ به.
١٠٠٩ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران حدثنا الحسين بن صفوان، حدثنا عبد الله بن أبي الدنيا، حدثنا محمد بن الحسين حدثنا خالد بن يزيد الكاهلي، ثنا أبو سلمة التيمي قال: سمعت عبد الأعلى التيمي يقول: لجار له قد حضره الموت: أبا فلان ليكن جزعك لما بعد الموت أكثر من جزعك من الموت، وأعدّ لعظيم الأمور حسن الظن بالله .
١٠١٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا الحسن بن محمد الأسفراييني، ثنا سعيد بن عثمان، قال: سمعت السريّ بن المغلس يقول:
الخوف أفضل من الرجاء ما كان الرجل صحيحا، فإذا نزل به الموت فالرّجاء أفضل من الخوف.
فقال له رجل كيف يا أبا الحسن؟.
قال: لأنّه إذا كان في صحّته محسنا عظم رجاءه عند الموت وحسن ظنّه بربّه، وإذا كان في صحّته مسيئا ساء ظنّه عند الموت ولم يعظم رجاءه.
قال البيهقي ﵁: وإنّما أراد به خوفا يمنعه من معصية الله ، ويحمله على طاعته حتّى إذا حضره الموت عظم رجاءه في رحمة ربّه، وكثر طمعه في إحسان الله ثقة منه بوعد الله .
١٠١١ - أخبرنا أبو محمد جناح بن نذير التاجر بالكوفة، ثنا أبو جعفر بن
стр. 541
دحيم، ثنا أحمد بن حازم، أنا يعلى بن عبيد، ثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:-قبل أن يموت بثلاث-:
«لا يموتنّ أحدكم إلاّ وهو يحسن الظّنّ بالله ».
أخرجه مسلم في الصحيح من حديث الأعمش.
قال البيهقي ﵀: وأفضل الرجاء ما تولّد من مجاهدة النفس ومجانبة الهوى قال: الله :
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:٢١٨].
١٠١٢ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو حامد بن بلال، ثنا محمد بن يحيى، ثنا هشام بن عمار، ثنا سويد، ثنا ثابت بن عجلان، عن سليم بن عامر، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ :
«يا أيّها النّاس أحسنوا الظنّ بربّ العالمين فإنّ الربّ عند ظنّ عبده».
١٠١٣ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو جعفر الرزاز، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله ﷺ -يعني-:
«يقول الله أنا عند ظنّ عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني ... » وذكر الحديث.
أخرجه مسلم من حديث أبي معاوية.
وأخرجه البخاري من وجه آخر عن الأعمش.
١٠١٤ - أخبرنا أحمد بن الحسن القاضي، ثنا حاجب بن أحمد ثنا محمد بن حماد، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن خيثمة قال: قال عبد الله:
стр. 542
والذّي لا إله غيره ما أعطي عبد مؤمن شيئا قطّ بعد الإيمان بالله أفضل من أن يحسن ظنّه بالله، والله الذي لا إله غيره لا يحسن عبد بالله ظنّه إلاّ أعطاه الله إيّاه، وذلك أنّ الخير بيده.
١٠١٥ - أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنا أبو العباس محمد بن إسحاق بن أيوب الصّبغي، ثنا الحسن بن علي بن زياد، ثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسى، ثنا ابن أبي الزناد، أخبرني موسى بن عقبة، عن رجل من ولد عبادة بن الصامت، عن أبي هريرة أنّ النّبي ﷺ قال:
«حضر ملك الموت رجلا بموت فشقّ أعضاءه فلم يجده عمل خيرا ثم شقّ قلبه فلم يجد فيه خيرا ثم فكّ عن لحييه فوجد طرف لسانه لا صقا بحنكه يقول لا إله إلاّ الله» قال النّبي ﷺ : «فغفر له بكلمة الإخلاص».
قال: وقال رسول الله ﷺ :
«أمر الله بعبد إلى النّار فلمّا وقف على شفتها التفت فقال: أما والله يا ربّ إن كان ظنّي بك لحسن فقال الله : ردّوه فأنا عند ظنّ عبدى بي».
١٠١٦ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو الحسن علي بن محمد المصري، ثنا جامع بن سوادة، ثنا زياد بن يونس الحضرمي، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن رجل من ولد عبادة بن الصامت، عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال:
«أمر الله بعبدين إلى النّار فلمّا وقف أحدهما على شفتها التفت فقال: أما والله إن كان ظنّي بك لحسن، فقال الله : ردّوه فأنا عند ظنّ عبدي بي فغفر له».
قال البيهقي ﵀:
стр. 543
١٠١٦ مكرر-وقد ذكر في حسن الظنّ بالله تعالى حكايات في باب التوبة في هذا الكتاب.
وفيما قرأت على أبي عبد الرحمن السلمي، عن عبد الله بن خبيق إنّه قال: الرجال ثلاثة: رجل عمل حسنة فهو يرجو ثوابها، ورجل عمل سيّئة ثم تاب فهو يرجو المغفرة. والثالث: الرجل الكذّاب يتمادى في الذنوب، ويقول أرجو المغفرة. ومن عرف نفسه بالأساءة ينبغي أن يكون غالبا على رجائه.
١٠١٧ - وحدثنا أبو عبد الرحمن السلمي، ثنا أبو جعفر محمد بن أحمد ابن سعيد الرازي، قال: سمعت العباس بن حمزة، ثنا أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الدارني يقول:
إذا غلب الرجاء على الخوف فسد القلب.
١٠١٨ - أخبرنا أبو سعيد عبد الرحمن بن شبانة بهمدان، ثنا أبو العباس الفضل بن الفضل الكندي، ثنا أبو خليفة الجمحي، ثنا أبو الوليد، ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن واسع، عن شتير بن نهار، عن أبي هريرة، عن النّبي ﷺ قال:
«حسن الظنّ من حسن العبادة».
رواه صدقة بن موسى، عن محمد بن واسع، عن شمير وسمير أصح، قاله: عبد الرحمن بن مهدي، وعلي بن المديني وغيرهما.
١٠١٩ - أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، أنا أحمد بن سلمان، ثنا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، قال: قال رجل مصاب وكانت تكون منه الكلمة بعد الكلمة:
الرجاء بلا عمل اجتراء على الله .
стр. 544
١٠٢٠ - أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، ثنا أبو سهل بن زياد القطان، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا أبي قال: سمعت ابن السماك يقول: كتبت إلى صديق لي أنّ الرجاء في قلبك، قيد في رجلك. فأخرج الرجاء من قلبك تحلّ القيد من رجلك.
قال البيهقي ﵀: وهذا رجاء غلب على الخوف.
١٠٢١ - أخبرنا أبو حامد أحمد بن أبي خلف الصوفي، ثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن إسماعيل، حدثنا الحسن بن المثنى، ثنا عفان عن همام قال: سمعت قتادة يقول حدثنا مطرف قال: كنّا ناتي زيد بن صوحان فكان يقول:
يا عباد الله أكرموا وأجملوا، فإنّما وسيلة العباد إلى الله خصلتان:
الخوف والطمع.
١٠٢٢ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران المعدّل ببغداد، أخبرنا أبو الحسين إسحاق بن أحمد الكارزي، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني هارون بن معروف، ثنا سيّار، ثنا حماد بن زيد، ثنا علي بن زيد، عن مطرف أنّه تلا هذه الآية:
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ» [الرعد:٦].
فقال فلو يعلم الناس قدر مغفرة الله ورحمة الله وعفو الله وتجاوز الله لقرّت أعينهم، ولو يعلم الناس نكال الله ونقم الله، وبأس الله، وعذاب الله ما رقأ لهم دمع ولا انتفعوا بطعام ولا شراب.
١٠٢٣ - وسمعت أبا محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني يقول: سمعت
стр. 545
أبا بكر محمد بن عبد الله الرازي يقول: سمعت أبا يعقوب النهرجوري يقول:
سمعت أبا يعقوب السّوسي يقول:
العابد يعبد الله تحذيرا، والعارف يعبد الله تشريفا، والعالم يعبد الله خائفا وراجيا.
١٠٢٤ - أخبرنا أبو محمد السكري، أنا أبو بكر الشافعي، ثنا جعفر بن محمد بن الأزهر، ثنا الغلاّبي (١)، حدثنا عفان، ثنا حمّاد، عن ثابت، عن مطرف قال:
لو وزن رجاء المؤمن وخوفه ما رجح أحدهما على صاحبه.
١٠٢٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى، ثنا أبو عمرو الحيري، ثنا علي بن الحسن، ثنا علي بن عثّام، عن الأصمعي قال: قال مطرف:
لو وزن خوف المؤمن ورجاءه بميزان تربص ما كان بينهما نبط شعره.
١٠٢٦ - أخبرنا أبو سعد الماليني، ثنا أبو أحمد بن عدي الحافظ قال:
سمعت حمزة بن داود الثقفي، سمعت الحارث بن الخضر القطان سمعت سفيان بن عيينة سمعت شعبة يقول:
لو وزن خوف المؤمن ورجاءه ما زاد خوفه على رجائه ولا رجاءه على خوفه.
١٠٢٧ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت منصور بن عبد الله، يقول: سمعت أبا علي الروذباري يقول:
الخوف والرجاء هما كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتمّ طيرانه، وإذا نقص واحد منهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا جميعا صار الطائر في حدّ
стр. 546
الموت، لذلك قيل: لو وزن خوف المؤمن ورجاءه لاعتدلا.
١٠٢٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أحمد بن كامل أبو بكر القاضي، ثنا الحسن بن سلام، ثنا قبيصة بن عقبة قال: سمعت سفيان الثوري يقول:
كان مسلم بن يسار قد وقع في ثنيّته الدم كانوا يرون انّه من كثرة سجوده ليلا ونهارا، فدخل عليه بعض جيرانه فوجده قد سقطت ثنيّتاه وهو يدفنهما. فقال له مسلم دخلت عليّ وأنا أدفن بعضي. فقال له الجار: لا أدري الذي أنت فيه إلاّ أنّي أرجو الله وأخافه. قال مسلم: يا أخي ما أدري ما معنى الخوف الذي لا يبعد مّما تخاف، ولا أدري ما معنى الرجاء الذّي لا يقرب مّما ترجو؟.
١٠٢٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أحمد بن كامل القاضي ثنا الحسن بن سلام، ثنا قبيصة بن عقبة قال: سمعت سفيان الثوري يقول: قال رجل لمسلم بن سيار: علّمني كلمة تجمع لي موعظة نافعة قال: فأطرق طويلا ثمّ رفع رأسه فقال:
لا ترد بعملك غير من يملك ضرّك ونفعك قال: زدني، قال: أحمل رجاءك ولا تستعمله، واستشعر الخوف ولا تغفله، قال: زدني قال: يوم العرض على ربّك لا تنسه قال: ثمّ سقط لوجهه مكفا.
١٠٣٠ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أبو الحسين إسحاق بن أحمد الكاذي، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا أبي، ثنا هاشم بن القاسم، ثنا أبو سعيد يعني المؤدب، ثنا مالك بن مغول، عن معاوية بن قرة انّه جلس ورجل من التابعين يتذاكران فقال أحدهما: إنّي لأرجو وأخاف؛ وقال الآخر: إنّه من رجا شيئا طلبه وإنّه من خاف من شيء هرب منه، وما حسب امرئ يرجو شيئا لا يطلبه وما حسب امرئ يرجو شيئا لا يهرب منه؟.
١٠٣١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا الفضل محمد بن
стр. 547
أحمد الكرابيسي، يقول: سمعت أبا عثمان سعيد بن إسماعيل ينشد:
ما بال دينك ترضى أن تدنّسه ... وأنّ ثوبك مغسول من الدّنس
ترجو النّجاة ولم تسلك مسالكها ... إنّ السّفينة لا تجري على اليبس
١٠٣٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت فارس بن عيسى، يقول: سمعت يوسف بن الحسين يقول: ذا النون، يقول:
وجدت حجرا فإذا عليه مكتوب: كلّ مطيع مستأنس، وكل عاص مستوحش، وكلّ راج طالب، وكلّ خائف هارب، وكلّ محبّ ذليل.
١٠٣٣ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت منصور بن عبد الله، يقول: سمعت الحسن بن علويه، يقول: سمعت علي بن عكرمة، يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي، يقول:
الإيمان ثلاثة: الخوف والرجاء والمحبّة، وفي جوف الخوف ترك الذنوب، وفيه النّجاة من النّار، وفي جوف الرجاء الطاعة، وفيه وجوب الجنّة؛ وفي جوف المحبّة احتمال المكروهات، وبه تجد رضا الله .
١٠٣٤ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت الحسن بن سليمان، يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إبراهيم الرازي، يقول: سمعت يحيى بن معاذ يقول:
كيف أخافك وأنت كريم؟ وكيف لا أرجوك وأنت عزيز؟ فأنا بين خوف يقطعني ورجاء يوصلني، فلا رجائي يدعني فأموت خوفا ولا خوفي يتركني فأحيى فرحا.
١٠٣٥ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت عبد الله بن غانم، يقول: سمعت محمد بن الرومي، يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول:
يستقى الخوف من بحر عدله، ويستقى الرجاء من بحر فضله، وقد سبق القضاء أنّ رحمته سبقت غضبه.
١٠٣٦ - أخبرنا أبو سعد الماليني، أنا أبو الحسين علي بن الحسين بن بندار الأزدي، قال: سمعت أبا بكر الشهرزوري، قال: كنت في مجلس أبي
стр. 548
القاسم الجنيد وابن عطاء حاضر ورجل في المجلس قد غلبته شدّة الخوف وهو يرجف فقال له أبو القاسم الجنيد: لا ترع فما هو إلاّ أن تبدو عين من عيون الرحمة فإذا بالمسيء قد لحق بالمحسن. قال ابن عطاء: حتّى تبدو، قال:
فغضب الجنيد وقال: أما والله انّها لبادية أما علمت أنّ رسول الله ﷺ قال:
«يقول الله سبقت رحمتي غضبي» قال: فسكت ابن عطاء.
١٠٣٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه، أنا بشر بن موسى، ثنا الحميدي، ثنا سفيان، ثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
«قال الله تعالى: سبقت رحمتي غضبي».
مخرّج في الصحيح.
١٠٣٨ - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني، أنا أبو سعيد بن الأعرابي، أنا الحسن بن محمد الصباح الزعفراني، ثنا معاذ بن معاذ، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي، قال: قال رسول الله ﷺ :
«إنّ الله خلق مائة رحمة منها رحمة يتراحم بها الخلق وتسع وتسعون ليوم القيامة».
رواه مسلم عن الحكم بن موسى، عن معاذ بن معاذ.
١٠٣٩ - أخبرنا عبد الخالق بن علي بن عبد الخالق المؤذن، أنا أبو الحسن علي بن الحسن الصالحي بالبصرة، ثنا أبو الحسن مسبح بن حاتم العلكي، ثنا الحسن بن علي الواسطي، ثنا معاذ بن معاذ، ثنا أبي (١)، عن عوف الأعرابي، عن خلاس، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 549
«إنّ لله تعالى مائة رحمة قسم منها رحمة في دار الدنيا فمن ثمّ يعطف الرجل على ولده، والطير على فراخه، فإذا كان يوم القيامة صيّرها مائة رحمة فعاد بها على الخلق».
١٠٣٩ - مكرر-قال أيوب السختياني: إنّ رحمة قسّمها في دار الدنيا، وأصابني منها الإسلام، وأنّي لأرجو من تسعة وتسعين رحمة ما هو أكثر من ذلك.
١٠٤٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ .. أخبرني أبو محمد جعفر بن محمد الخلدي، ثنا أحمد بن علي الخرّاز، حدثنا علي بن الحسين بن خالد السكري، ثنا العلاء بن زيد قال: دخلت على مالك بن دينار في مرضه فرأيت عنده شهر بن حوشب، فلما خرجنا من عنده قلت لشهر: يرحمك الله! زوّدني زوّدك الله! فقال نعم حدثتني أمّ الدرداء، عن أبي الدرداء، عن نبيّ الله ﷺ ، عن جبريل ﵇، عن ربّه ﵎ قال:
«قال ربّكم عبدي ما عبدتني ورجوتني، ولم تشرك بي شيئا غفرت لك على ما كان منك، ولو استقبلتني بملأ الأرض خطايا وذنوبا استقبلتك بملئها مغفرة، اغفر لك ولا أبالي».
١٠٤١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ. أنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أبو محمد الربيع بن سليمان، ثنا أسد بن موسى-ح.
وأخبرنا أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد بن شبانة الشاهد بهمدان ثنا أبو العباس الفضل بن الفضل الكندي، ثنا أبو خليفة، ثنا أبو الوليد الطيالسي قالا:
ثنا عبد الحميد بن بهرام، ثنا شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم أنّ أبا ذر حدّثه أنّ رسول الله ﷺ قال:
«إنّ الله تعالى يقول: يا عبدي! ما عبدتني ورجوتني فإنّي غافر لك ما فيك، ويا عبدي إن لقيتني بقراب الأرض خطيئة لم تشرك بي لقيتك بقرابها مغفرة».
стр. 550
قال البيهقي ﵀: وآخر هذا الحديث يدلّ على أنّ المراد بالعبادة التي يتقرّب بها الرجاء في أوّل الحديث أن لا تشرك بالله شيئا، وقد ذكرنا في كتاب البعث من رواية أبي ذر وأبي الدرداء وغيرهما ما يدلّ على صحة ذلك.
١٠٤٢ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفّار، ثنا معاذ بن المثنى، ثنا عبد الله بن محمد بن اسماء، ثنا مهدي بن ميمون، ثنا غيلان بن جرير، ثنا شهر بن حوشب، عن معدي كرب، عن أبي ذرّ، عن النّبي ﷺ ، يرويه عن ربّه قال:
«يا ابن آدم ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك، يا ابن آدم!
إنّك إن لقيتني بقراب الأرض خطايا بعد أن لا تشرك بي شيئا ألقاك بقرابها مغفرة؛ يا ابن آدم انّك إن تذنب حتّى تبلغ ذنوبك عنان السماء ثمّ تستغفرني غفرت لك ولا أبالي».
وهكذا رواه عامر الأحول والمعلى بن زياد، عن شهر بن حوشب، عن معدي كرب، عن أبي ذرّ وقوله: دعوتني يريد-والله أعلم-دعاءه إيّاه وحده لا يدعو معه إلها آخر.
وقد أخرج مسلم حديث أبي ذرّ من وجه آخر كما:
١٠٤٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا الحسن بن علي بن عفان، ثنا ابن نمير، عن الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : يعني يقول الله :
«من عمل حسنة فجزاءه عشر أمثالها أو أزيد، ومن عمل سيّئة فجزاؤه مثلها أو أغفر له، ومن تقرّب إليّ شبرا تقرّبت منه ذراعا، ومن تقرّب إليّ ذراعا تقرّبت منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطايا لم يشرك بي شيئا جعلت له مثلها مغفرة».
أخرجه مسلم من حديث وكيع وأبي معاوية عن الأعمش.
стр. 551
وقال: وفي رواية وكيع: فله عشر أمثالها وأزيد» وقال: في رواية أبي معاوية «أو أزيد».
١٠٤٤ - وقد أخبرنا أبو الحسين بن بشران، ثنا إسماعيل بن محمد الصفار، أنا أحمد بن منصور، ثنا عبد الرزّاق، أنا معمر، عن قتادة قال سئل ابن عمر عن لا إله إلا الله هل يضرّ معها عمل كما لا ينفع مع تركها عمل قال: ابن عمر:-وذكر كلمة-عش لا تغترّ.
قال البيهقي ﵀: وهذا لأنّه قد يكون المراد بهذه المغفرة في المعاقبة وقد يغفر لمن يشاء العظيم، ويعذّب من يشاء على اليسير، وقد يغفرهما لمن يشاء، وقد يعذبّ عليهما من يشاء، ثم يعفو ويغفر، ولا ينبغي لمسلم أن يكون رجاؤه رحمة الله خاليا عن خوفه عذاب الله ليكون بخوفه منتهيا عن معصية الله، وبرجائه راغبا في طاعة الله.
وقد حكينا عن لقمان الحكيم في حد كلّ واحد منهما ما فيه كفاية كما:
١٠٤٥ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، ثنا أبو علي الحسين بن صفوان، ثنا عبد الله بن محمد القرشي، أخبرني عبد المنعم، عن أبيه: عن وهب بن منبه، قال: قال لقمان لابنه:
يا بنيّ أرج الله رجاء لا يجرّئك على معصيته، وخف الله خوفا لا يؤيسك من رحمته.
١٠٤٦ - أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بن المؤمل، ثنا أبو عثمان البصري-ح.
وحدثنا أبو عبد الله الحافظ، أنا الحسن بن يعقوب العدل، قالا: ثنا محمد بن عبد الوهاب الفراء، أنا جعفر بن عون، ثنا المسعودي، عن عون بن عبد الله قال: قال لقمان لابنه:
يا بنيّ أرج الله رجاء لا تأمن فيه مكره، وخف الله مخافة لا تيأس فيها من رحمته.