وفي رواية: حلق العانة وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط".
وقال أنس ﵁:
"وقت١ لنا وفي رواية: وقت لنا رسول الله في
стр. 142
قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا تترك أكثر من أربعين ليلة"١.
٥- حلق اللحى:
الخامس: ومثلها في القبح - إن لم تكن أقبح منها عند ذوي الفطر السليمة - ما ابتلي به أكثر الرجال من التزين بحلق اللحية بحكم تقليدهم للأوربيين الكفار حتى صار من العار عندهم أن يدخل العروس٢ على عروسه وهو غير حليق! ٣ وفي ذلك عدة مخالفات:
стр. 143
أ- تغيير خلق الله قال تعالى في حق الشيطان:
﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً﴾ .
فهذا نص صريح في أن تغيير خلق الله دون إذن منه تعالى إطاعة لأمر الشيطان وعصيان للرحمن ﷻ فلا جرم أن لعن رسول الله ﷺ المغيرات خلق الله للحسن كما سبق قريبا ولا شك في دخول اللحية للحسن! في اللعن المذكور بجامع الاشتراك في العلة كما لا يخفى وإنما قلت: "دون إذن من الله تعالى" لكي لا يتوهم أنه يدخل في التغيير المذكور مثل حلق العانة ونحوها مما أذن فيه الشارع بل استحبه أو أوجبه.
ب- مخالفة أمره ﷺ وهو قوله:
стр. 144
"أنهكوا١ الشوارب وأعفوا اللحى٢".
ومن المعلوم أن الأمر يفيد الوجوب إلا لقرينة والقرينة هنا مؤكدة للوجوب وهو:
ج- التشبه بالكفار قال ﷺ :
"جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا
стр. 145
المجوس" ١.
ويؤيد الوجوب أيضا:
د- التشبه بالنساء فقد:
"لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال"٢.
ولا يخفى أن في حلق الرجل لحيته - التي ميزه الله بها على المرأة - أكبر تشبه بها فلعل فيما أوردنا من الأدلة ما يقنع المبتلين بهذه المخالفة عافانا الله وإياهم من كل ما لا يحبه ولا يرضاه
٦- خاتم الخطبة:
السادس: لبس بعض الرجال خاتم الذهب الذي يسمونه بـ "خاتم الخطبة" فهذا مع ما فيه من تقليد الكفار أيضا - لأن هذه العادة سرت إليهم من النصارى١
- ففيه مخالفة صريحة لنصوص صحيحة تحرم خاتم الذهب على الرجال وعلى النساء أيضا كما ستعلمه وإليك بعض هذه النصوص:
أولا: "نهى ﷺ عن خاتم الذهب"١.
ثانيا: عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ رأى خاتما من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه وقال:
стр. 150
"يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده؟ " ١.
فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله ﷺ : خذ خاتمك وانتفع به قال: لا والله لا آخذه أبدا وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
ثالثا: عن أبي ثعلبة الخشني أن النبي ﷺ أبصر في يده خاتما من ذهب فجعل يقرعه بقضيب معه فلما غفل النبي ﷺ ألقاه [فنظر النبي ﷺ فلم يره في يده فـ]
стр. 151
قال: "ما أرانا إلا قد أوجعناك وأغرمناك" ١.
стр. 152
رابعا: عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ رأى على بعض أصحابه خاتما من ذهب فأعرض عنه فألقاه واتخذ خاتما من حديد فقال: "هذا شر هذا حلية أهل النار" فألقاه فاتخذ خاتما من ورق١ فسكت عنه٢.
خامسا: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس حريرا ولا ذهبا" ١.
سادسا: "من لبس الذهب من أمتي فمات وهو يلبسه حرم الله عليه ذهب الجنة" ٢.
стр. 158
٣٩- تحريم خاتم الذهب ونحوه على النساء:
واعلم أن النساء يشتركن مع الرجال في تحريم خاتم الذهب عليهن ومثله السوار والطوق من الذهب؛
стр. 159
لأحاديث خاصة وردت فيهن١ فيدخلن لذلك في بعض النصوص المطلقة التي لم تقيد بالرجال مثل الحديث الأول المتقدم آنفا وإليك الآن ما صح من الأحاديث المشار إليها:
الأول: "من أحب أن يحلق حبيبه٢ بحلقة من نار فليحلقه حلقة٣ من ذهب ومن أحب أن يطوق حبيبه طوقا من نار فليطوقه طوقا من ذهب ومن أحب أن يسور حبيبه سوارا من نار فليطوقه طوقا وفي رواية: فليسوره سوارا من ذهب ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها
الثاني: عن ثوبان ﵁ قال:
جاءت بنت هبيرة إلى النبي ﷺ وفي يدها فتخ [من ذهب] [أي خواتيم كبار] فجعل النبي ﷺ يضرب يدها [بعصية معه يقول لها: "أيسرك أن يجعل الله في يدك خواتيم من نار؟! "] فأتت فاطمة تشكو إليها قال ثوبان: فدخل النبي ﷺ على فاطمة وأنا معه وقد أخذت من عنقها سلسلة من ذهب فقالت: هذا أهدى لي أبو حسن تعني زوجها عليا ﵁ وفي يدها السلسلة - فقال النبي ﷺ : "يا فاطمة! أيسرك أن يقول الناس: فاطمة بنت محمد في يدها سلسلة من نار؟ " [ثم عذمها١ عذما شديدا] فخرج ولم يقعد فعمدت فاطمة إلى السلسلة فباعتها فاشترت بها نسمة فأعتقتها فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "الحمد لله الذي نجى فاطمة
стр. 167
من النار" ١.
стр. 168
الثالث: عن عائشة أن النبي ﷺ رأى في يد عائشة قلبين ملويين من ذهب فقال: "ألقيهما عنك واجعلي قلبين من فضة وصفريها بزعفران" ١.
стр. 169
الرابع: عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت:
جعلت شعائر١ من ذهب في رقبتها فدخل النبي ﷺ فأعرض عنها فقلت: ألا تنظر إلى زينتها فقال: "عن زينتك أعرض" [قالت: فقطعتها فأقبل علي بوجهه] . قال٢: زعموا أنه قال: "ما ضر إحداكن لو
وفي حديث أسماء بنت يزيد في قصة أخرى نحوه:
" ... وتتخذ لها جمانتين من فضة فتدرجه بين أناملها بشيء من زعفران فإذا هو كالذهب يبرق" ١.
стр. 173
شبهات حول تحريم الذهب المحلق وجوابها
واعلم أن كثيرا من علماء أعرضوا عن العمل بهذه الأحاديث لشبهات قامت لديهم ظنوها أدلة ولا يزال
стр. 174
كثيرون منهم يتمسكون بها على أنها حجج تسوغ لهم ترك هذه الأحاديث ولذلك رأيت أنه لا بد من حكاية تلك الشبهات والرد عليها كي لا يغتر بها من لا علم عنده بطرق الجمع بين الأحاديث فيقع في مخالفة الأحاديث الصحيحة المحكمة بدون حجة أو بينة فأقول:
دعوى الإجماع على إباحة الذهب مطلقا للنساء وردها
١- ادعى بعضهم الإجماع على إباحة الذهب مطلقا للنساء وهذا مردود من وجوه:
الإجماع الصحيح:
الأول: أنه لا يمكن إثبات صحة الإجماع في هذه المسألة وإن نقله البيهقي في "سننه" ٤ / ١٢٤ وغيره مثل الحافظ ابن حجر في "الفتح" ولكن هذا كأنه أشار لعدم ثبوته حين قال: ١٠ / ٢٦٠ في بحث خاتم الذهب:
"فقد نقل الإجماع على إباحته للنساء" ويأتي قريبا ما يبطل هذا الإجماع وذلك لأنه لا يستطيع أحد
стр. 175
أن يدعي أنه إجماع معلوم من الدين بالضرورة وغير هذا الإجماع مما لا يمكن تصوره فضلا عن وقوعه ولهذا قال الإمام أحمد ﵁:
"من ادعى الإجماع فهو كاذب [وما يدريه؟] لعل الناس اختلفوا".
رواه ابنه عبد الله في "مسائله" ص ٣٩٠.
وتفصيل القول في هذا الموضوع الخطير ليس هذا موضعه فليراجع من شاء التحقيق بعض كتب علم أصول الفقه التي لا يقلد مؤلفوها من قبلهم! مثل: "أصول الأحكام" لابن حزم ٤ / ١٢٨ - ١٤٤ و "إرشاد الفحول" للشوكاني ونحوهما.
استحالة وجود إجماع صحيح على خلاف حديث صحيح دون وجود ناسخ صحيح
الثاني: لو كان يمكن إثبات الإجماع في الجملة لكان ادعاؤه في خصوص هذه المسألة غير صحيح لأنه مناقض للسنة الصحيحة وهذا مما لا يمكن تصوره أيضا لأنه يلزم منه اجتماع الأمة على ضلال وهذا
стр. 176
مستحيل لقوله ﷺ : "لا تجتمع أمتي على ضلالة" ومثل هذا الإجماع لا وجود له إلا في الذهن والخيال ولا أصل له في الوجود والواقع قال أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى في "أصول الأحكام" ٢ / ٧١ - ٧٢:
"وقد أجاز بعض أصحابنا أن يرد حديث صحيح عن النبي ﷺ ويكون الإجماع على خلافه قال: وذلك دليل على أنه منسوخ. وهذا عندنا خطأ فاحش متيقن لوجهين برهانيين ضروريين:
أحدهما: أن ورود حديث صحيح يكون الإجماع على خلافه معدوم لم يكن قط ولا هو في العالم فمن ادعى أنه موجود فليذكره لنا ولا سبيل له - والله - إلى وجوده أبدا.
والثاني: أن الله تعالى قد قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فمضمون عند كل من يؤمن بالله واليوم الآخر أن ما تكفل الله بحفظه فهو غير ضائع أبدا لا يشك في ذلك مسلم وكلام النبي ﷺ كله وحي بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ والوحي ذكر بإجماع الأمة كلها
стр. 177
والذكر محفوظ بالنص فكلامه ﵇ محفوظ بحفظ الله تعالى ضرورة منقول كله إلينا لا بد من ذلك فلو كان هذا الحديث الذي ادعى هذا القائل أنه مجمع على تركه وأنه منسوخ كما ذكر لكان ناسخه الذي اتفقوا عليه قد ضاع ولم يحفظ وهذا تكذيب لله في أنه حافظ للذكر كله ولو كان ذلك لسقط كثير مما بلغ ﵇ عن ربه وقد أبطل ذلك رسول الله ﷺ في قوله في حجة الوداع: "اللهم هل بلغت؟ " قال:
"ولسنا ننكر أن يكون حديث صحيح وآية صحيحة التلاوة منسوخين إما بحديث آخر صحيح وإما بآية متلوة ويكون الاتفاق على النسخ المذكور قد ثبت بل هو موجود عندنا إلا أننا نقول: لا بد أن يكون الناسخ لهما موجودا أيضا عندنا منقولا إلينا محفوظا عندنا مبلغا نحونا بلفظه قائم النص لدينا لا بد من ذلك وإنما الذي منعنا منه فهو أن يكون المنسوخ محفوظا منقولا مبلغا إلينا ويكون الناسخ له قد سقط ولم ينقل إلينا لفظه فهذا باطل عندنا لا سبيل إلى وجوده في العالم أبد الأبد لأنه معدوم البتة قد دخل - بأنه غير
стр. 178
كائن - في باب المحال والممتنع عندنا وبالله تعالى التوفيق".
تقديم السنة على الإجماع الذي ليس معه كتاب أو سنة
وقال العلامة المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى:
"ولم يزل أئمة الإسلام على تقديم الكتاب على السنة والسنة على الإجماع وجعل الإجماع في المرتبة الثالثة. قال الشافعي: الحجة كتاب الله وسنة رسوله واتفاق الأئمة وقال في [كتاب اختلافه مع مالك":
"والعلم طبقات: الأولى الكتاب والسنة الثابتة ثم الإجماع فيما ليس كتابا ولا سنة ... ".
وقال ابن القيم أيضا في صدد بيان أصول فتاوى الإمام أحمد:
"ولم يكن يعني الإمام أحمد يقدم على الحديث الصحيح عملا ولا رأيا ولا قياسا ولا قول صاحب ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعا ويقدمونه على الحديث الصحيح! وقد كذب أحمد من
стр. 179
ادعى هذا الإجماع ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت وكذلك الشافعي ... ونصوص رسول الله ﷺ أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف ولو ساغ لتعطلت النصوص وساغ لكل من لم يعلم مخالفا في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص"١.
قلت: وهذا ما فعله البعض هنا فقدموا ما زعموه إجماعا على النصوص المتقدمة مع أنه لا إجماع في ذلك وبيانه في الوجه التالي:
الثالث: أنه قد ثبت ما ينقض بالإجماع المزعوم وهو ما روى عبد الرزاق في "المصنف" ١١ / ٧٠ / ١٩٩٣٥ وابن صاعد في "حديثه" ٣٥ / ١ - وهو بخط الحافظ ابن عساكر وابن حزم ١٠ / ٨٢ بسند صحيح عن محمد بن سيرين أنه سمع أبا هريرة يقول لابنته:
стр. 180
"لا تلبسي الذهب إني أخشى عليك اللهب".
وروى ابن عساكر ١٩ / ١٢٤ / ٢ من طريقين آخرين أن ابنة لأبي هريرة قالت له: إن الجواري يعيرني يقلن: إن أباك لا يحليك الذهب! فقال:
قولي لهن: إني أبي لا يحليني الذهب يخشى علي من اللهب.
ورواه عبد الرزاق ١٩٩٣٨ نحوه وعلقه البغوي في شرح السنة ٣ / ٢١٠ / ٨٢ وحكى الخلاف في هذه المسألة فإنه بعد أن ذكر إباحة خاتم الذهب للنساء وتحليهن به عند الأكثرين قال:
"وكره ذلك قوم".
ثم ساق حديث أسماء بنت يزيد المتقدم بعضه في المتن ص ٢٣٦ وتمامه في التعليق ٢٣٧.
وما حكاه البغوي ﵀ من الكراهة عن أولئك الذين أشار إليهم من العلماء فهي الكراهة التحريمية لأنه المعروف في اصطلاح السلف تبعا للأسلوب القرآني في عديد من الآيات الكريمة
كقوله تعالى: