فالإنسان الذي يريد أن يتحقق فيه معنى العبودية، هو الذي يُخضع أموره كلها لما يحبه الله-تعالى- ويرضاه، سواء في ذلك ما ينتمي إلى مجال الاعتقادات، أو الأقوال، أو الأفعال؛ فهو يكيف حياته وسلوكه جميعًا لهداية الله وشرعه؛ فلا يفتقده الله حيث أمره، ولا يجده حيث نهاه، وإنما يلتزم أوامر الله فيأتي منها ما استطاع، وينزجر عن نواهيه سبحانه فلا يقربها؛ استجابة لأمره ﷺ : «فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فَأْتوا منه ما استطعتم» (١).
فالمسلم دائمًا إذا أمره الله -تعالى- أو نهاه، أو أحل له، أو حرم عليه - كان موقفه في ذلك كله: أن يقول: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
فهذا الذي ينبغي أن يَعْلَمَهُ الآباء والمربون أولًا، ثم يسعَوا لغرسه في نفوس أبنائهم ثانيًا، فيعلمونهم العقيدة الصحيحة ويغرسون في قلوبهم التعلق بالله تعالى والتوكل عليه والالتجاء إليه، والاستسلام والانقياد والإذعان لأمره جل في علاه، وعبادته خوفًا وطمعًا ورغبًا ورهبًا ورجاءً ومحبةً، وذلك لأن توحيد الله تعالى سبيل الفوز برضوانه وجناته، والنجاة من سخطه ونيرانه، وتوحيد العبادة والقصد والطلب هو توحيد الألوهية أصل الدين ومرتكزه الأول الذي عليه وبه تقوم مبانيه العظام من عبادات ومعاملات وأخلاق.
وإن الولد جوهرة نفيسة عند والديه، فهو نواة الأسرة والمجتمع، وأمل الغد والمستقبل، وموئل الإسلام بعد الله تعالى، فتربيته على عقيدة التوحيد أساس تربوي وطيد؛ بل لا تصح التربية ولا تستقيم بغير عقيدة التوحيد الذي هو
стр. 107
أساس الإسلام وأصله الأصيل (١).
قال ابن القيم ﵀: «وكم ممن أشقى ولده وفلذة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله، وترك تأديبه، وإعانته على شهواته، وهو بذلك يزعم أنه يكرمه وقد أهانه، ويرحمه وقد ظلمه، ففاته انتفاعه بولده وفوت على ولده حظه في الدنيا والآخرة»، ثم قال ﵀: «وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد رأيت عامته من قِبَلِ الآباء» (٢).
ويكفي عظمًا لشأن التوحيد قول النبي ﷺ : «لا يوافي عبد يوم القيامة يقول: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله؛ إلا حرم الله عليه النار» (٣).
ومن لوازم تحقيق التوحيد التحذير من الشرك؛ فهذا أول ما بدأ به لقمان في وصيته لابنه كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣]، فينبغي للأب أن يربي أولاده على التوحيد والتحذير من الشرك.
قال ابن عاشور (٤) في تفسير هذه الآية:
стр. 108
«ابتدأ لقمان موعظة ابنه بطلب إقلاعه عن الشرك بالله لأن النفس المعرضة للتزكية والكمال يجب أن يقدم لها قبل ذلك تخليتها عن مبادئ الفساد والضلال، فإن إصلاح الاعتقاد أصل لإصلاح العمل. وكان أصل فساد الاعتقاد أحد أمرين هما الدهرية والإشراك، فكان قوله: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان: ١٣] يفيد إثبات وجود إله وإبطال أن يكون له شريك في إلهيته» (١).
الجانب الثاني: أهمية تربية الأبناء في ضوء حفظ الأمن العام في المجتمع:
لقد جاءت الشريعة الإسلامية من لدن عزيز حكيم، جاءت لإسعاد البشرية
стр. 109
في الدنيا والآخرة تدلهم على طريق الخير والهدى وتحذرهم من طريق الغواية والضلال وخطوات الشياطين وتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر وتحل لهم الطيبات وتحرم عليهم الخبائث، ومن مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ الضرورات الخمس أو الكليات الخمس للإنسان وهي: الدين والنفس والعقل والعرض والمال فمن اعتدى على إحدى هذه الخمس أقيمت عليه الحدود والعقوبات التي تردعه وتزجر غيره من أن يعتدي على حرمات الله وحقوق البشر، ولذا فإن الشريعة الإسلامية جاءت بما يحفظ الأمن ويحقق السعادة للبشرية في الدنيا والآخرة.
والأمن يشمل كل نشاطات الإنسان في حياته، كما يعتبر الأمن في الإسلام ركيزة من ركائز المجتمع المسلم المهمة التي يستمد منها المجتمع استقراره وتقدمه وهو المحور الأساسي في التنمية الشاملة والاستقرار وهو المناخ المناسب للنمو والتقدم.
والأمن نعمة عظيمة من نعم الله التي لا تعد ولا تحصى كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، ولقد امتن الله بهذه النعمة على عباده حيث قال سبحانه: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش: ١ - ٤].
وقد بَيَّنَ المصطفى ﷺ أهمية الأمن بقوله: «من أصبح منكم آمنًا في سربه معافًى في بدنه عنده قوت يومه؛ فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» (١).
стр. 110
ويبين الباحث أهمية حفظ الضروريات الخمس في الشريعة الإسلامية:
وذلك في ضوء التعريف بأمرين عظيمين:
الأمر الأول: المقاصد الشرعية:
التعريف بالمقاصد الشرعية.
- تعريف المقاصد في اللغة:
المقاصد في اللغة: جمع مقصد، وهو مشتق من الفعل (قصد يقصد قصدًا).
وللقصد في اللغة عدة معانٍ، أهمها ما يأتي:
١ - استقامة الطريق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩]، أي: تبيين الطريق الصحيح؛ يقول ابن جرير الطبري: «القصد من الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه» (١).
٢ - الأَمُّ والتوجه، تقول العرب: قصد إلى فلان أي: أمَّه وتوجه إليه (٢). وهذا المعنى أقرب إلى المعنى الاصطلاحي للمقاصد، وهو المتداول في استعمال الفقهاء وعلماء أصول الفقه كقولهم: «المقاصد معتبرة في التصرفات»، وقولهم: «المقاصد تغير أحكام التصرفات»، ويعنون به: الإرادة الباطنة للمكلف (٣).
- تعريف المقاصد الشرعية اصطلاحًا.
رغم ورود مصطلح (المقاصد) في كلام أهل العلم المتقدمين إلا أنه لم
стр. 111
يوجد من صرح بتعريفه كمصطلح، ولعل ذلك بسبب وضوحه (١).
فقد استعمله العلماء بالمعنى اللغوي أو قريبًا منه، وهو الغاية التي يُسار إليها كما في قاعدة: «الأمور بمقاصدها» (٢).
وممن كان له اهتمام بالمقاصد الغزالي الذي يستعمل مصطلح المقاصد بهذا المعنى فيقول: «ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة» (٣).
وبمعنى آخر مماثل: هي المعاني والحكم التي راعاها الشارع في التشريع عمومًا وخصوصًا من أجل تحقيق مصالح العباد (٤).
وهذا التعريف يشمل المقاصد العامة للتشريع والتي يجمعها حفظ مصالح العباد في الدنيا والآخرة، كما يشمل المقاصد الخاصة وهي الحكم والغايات المترتبة على كل حكم من أحكام الشريعة بذاته، وهذه المقاصد الخاصة راجعة
стр. 112
إلى المقاصد العامة ومنتهية إليها؛ لذلك سيكون حديثنا مقصورًا على هذه المقاصد العامة.
الأمر الثاني: التعريف بالضرورات الخمس:
أقسام المقاصد الشرعية.
تنقسم المقاصد الشرعية من حيث ضرورتها وشدة الحاجة إليها إلى ثلاثة أقسام:
- يقول الشاطبي (١) ﵀: تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون ضرورية.
والثاني: أن تكون حاجية.
والثالث: أن تكون تحسينية (٢).
стр. 113
القسم الأول: المقاصد الضرورية .
وهي المقاصد التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا؛ وسميت بذلك لأن الخلق مضطرون إليها اضطرارًا شديدًا، ولا غنى لهم عنها، وتُعرف هذه المقاصد بالضرورات الخمس (١).
القسم الثاني: المقاصد الحاجية .
وهي التي يفتقر الناس إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة، وقد عرفها الآمدي بقوله: «هي تكون من قبيل ما تدعو حاجة الناس إليها» (٢).
ومن ذلك أجاز الشارع الإجارة لسد الحاجة اللازمة للسكن، والانتفاع بملك الآخرين (٣).
القسم الثالث: المقاصد التحسينية .
وهي المقاصد التي تكون على سبيل التكميل والتجميل، وسميت بذلك لأنها تحسن حال الإنسان، وهي مكملة للمقاصد الضرورية والحاجية، ومن ذلك شرع أخذ الزينة عند المساجد، والترغيب بالتحلي بالآداب الإسلامية، وتجنب التبذير والإسراف (٤).
стр. 114
التعريف بالضرورات الخمس (المقاصد الضرورية).
(وهي المعنية بالبحث).
أولاً: حفظ الضروريات:
فأما الضرورية: فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تَجْرِ مصالح الدنيا على استقامة؛ بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين .. ومجموع الضروريات خمس وهي: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل» (١).
حفظ الشرائع للضروريات:
إنَّ حفظ هذه الضروريات الخمس هو مقصد جميع الشرائع الإلهية والمحور الذي تدور أحكامها حوله؛ لأن استقرار حياة النَّاس دينيًّا ودنيويًّا متوقف عليها، ومرهون بحفظها، فإذا ما فُقِدت اختلَّت الحياة في الدنيا، وانعدم النظام في المجتمع، ووجب العقاب بحقِّ كلِّ مفرِّط ومتهاون.
- قال الشاطبي: «قد اتفقت الأمة؛ بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس وهي: الدين والنفس والنسل والمال والعقل، وعلمها عند الأمة كالضروري» (٢).
- وقال الغزالي: «ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم؛ فكل ما يتضمن حفظ هذه
стр. 115
الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ورفعها مصلحة. وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات، فهي أقوى المراتب في المصالح» (١).
ولم يثبت لدى الباحث شيء قاطع معين يحدد ترتيب الضرورات الخمس.
الأدلة على مراعاة الضروريات الخمس:
استقراء أدلة الشرع:
قال الشاطبي: «فقد اتفقت الأمة؛ بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، وعلمها عند الأمة كالضروري، ولم يثبت لنا ذلك بدليل معين ولا شهد لنا أصل معين يمتاز برجوعها إليه؛ بل علمت ملاءمتها للشريعة بمجموع أدلة لا تنحصر في باب واحد» (٢).
ولقد توافرت دلالات الكتاب والسنة على وجوب حفظ هذه الضروريات الخمس، فمن ذلك: قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هَذَا
стр. 116
صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥١ - ١٥٣].
ففي هذه الآيات الكريمات السابقات تظهر العناية بحفظ هذه الضرورات ظهورًا جليًّا واضحًا.
* فقد جاء حفظ الدين في النهي عن الشرك في قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١].
* وجاء حفظ النفس في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١].
* وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١].
* وجاء حفظ النسل في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١].
* وجاء حفظ المال في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ [الأنعام: ١٥٢].
* وأما حفظ العقل: فإنه يؤخذ من مجموع التكليف بحفظ الضرورات الأخرى؛ لأن الذي يفسد عقله لا يمكن أن يقوم بحفظ تلك الضرورات كما أمر الله، ولعل في ختام الآية الأولى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾ [الأنعام: ١٥١] ما يدل على ذلك (١).
* وجاء حفظ النفس في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣].
* وجاء حفظ النسل في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢].
والزنا من أعظم الفواحش و يكفي وصف الله له بأنه فاحشة.
* وأما حفظ العقل: فقد سبق بيانه إثر الدليل السابق، فهذه الآيات نصوص محكمة تدل على عناية الشريعة بهذه الضروريات، وأن حفظها هو مقصد الشارع الحكيم من شريعته.
وقد كان رسول الله ﷺ يأخذ البيعة على الرجال والنساء على حفظ هذه الضروريات، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الممتحنة: ١٢]، فهذه الآيات تدل دلالة واضحة على أن النبي ﷺ كان يأخذ البيعة من النساء على المحافظة على تلك الضروريات، كما أخذها من الرجال أيضًا، كما في حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مجلس فقال: «تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللهُ فَأَمْرُهُ إِلَى
стр. 119
اللهِ، إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ» قال: فبايعناه على ذلك (١).
والضرورات التي في هذا الحديث هي:
* حفظ الدين في قوله: «أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا».
* وحفظ النفس في قوله: «ولا تقتلوا أولادكم».
* وحفظ النسل في قوله: «ولا تزنوا»، وقوله: «ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم».
* وحفظ المال في قوله: «ولا تسرقوا».
* وأما حفظ العقل: فقد سبق بيانه.
- وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» (٢).
ولقد أمر النبي ﷺ أمته بالمحافظة على تلك الضرورات بقوله:» اجتنبوا السبع الموبقات «ولم يعدها من الموبقات المهلكات إلا لأن غشيانها واقترافها فيه هتك لحرمات وضرورات ملحة أمر الشرع بحفظها ولا تستقيم حياة الناس
стр. 120
إلا بها، وصانها بسياج منيع من الحدود والعقوبات الرادعة لمن اقترفها وانتهك حرمتها، والزاجرة لغيره عن غشيانها، حفظًا وصيانة لها.
وقد حفظت الشريعة هذه الضروريات من جانب الوجود، وذلك بشرع التكاليف التي تقيم أركانها وتثبت قواعدها، كما حفظتها من جانب العدم؛ وذلك بشرع ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها (١).
وفيما يلي تفصيل ذلك:
(١) حفظ الدين:
الشريعة هي الدين، وقد اعتنت تكاليفها بحفظه من جانب الوجود ومن جانب العدم؛ فمن جانب الوجود أوجب الله على كل مسلم العمل بأركان هذا الدين واتباع الرسول ﷺ ، وذلك كي يبقى الدين حيّا في النفوس؛ لأنَّ دينًا لا شرائع فيه تضمحل حياته في النفوس مع تقادم العهد وطول الأمد؛ وقد بين الله تعالى أهمية الشرائع في إحياء الدين في النفوس بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦].
وكذلك جاءت التكاليف بحفظ الدين من جانب العدم؛ كالنهي عن كل ما يخل بجناب التوحيد ويوقع في الشرك، قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ الآية [الأنعام ١٥١].
وشَرْعِ العقوبات الزواجر لمن ترك ركنًا من أركان الإسلام؛ والحكم بقتل المرتد.
стр. 121
عن مَسْرُوقٍ، عن عبد اللَّهِ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا الله وَأَنِّي رسول اللهِ إلا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» (١).
والأمر بجهاد الكافرين وفق الضوابط التي استنبطها العلماء من الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾ [التوبة: ٧٣]، ومن الشرائع ما قصد به حفظ الدين من الجانبين؛ بل وحفظ باقي الضروريات؛ كإيجاب اجتماع المسلمين على أمير، كما جاء عن نافع قال: جاء عبد اللَّهِ بن عُمَرَ إلى عبد اللَّهِ بن مُطِيعٍ حين كان من أَمْرِ الْحَرَّةِ ما كان زَمَنَ يَزِيدَ بن مُعَاوِيَةَ، فقال: اطْرَحُوا لِأَبِي عبد الرحمن وِسَادَةً، فقال: إني لم آتِكَ لِأَجْلِسَ، أَتَيْتُكَ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سمعت رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقُولُهُ، سمعت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: «من خَلَعَ يَدًا من طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يوم الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ له، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ في عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» (٢).
وأمر المسلمين بطاعة الأمراء في غير معصية الله كما في قول الباري جل شأنه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾
стр. 122
[النساء: ٥٩]، وذلك لما في إقامة الأمراء وطاعتهم من حفظ الدين بإقامة شعائره وحفظه بتحقيق الأمن الذي لا يستقيم أداء الشعائر إلا به، وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله من المنافع.
(٢) حفظ النفس:
وكذلك النفس يكون حفظها من جانب الوجود ومن جانب العدم.
أما من جانب الوجود:
فمثل ما جاء في الشريعة من الأمر بالمحافظة على النفس بالأكل والشرب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]، وعدم الإلقاء بها في التهلكة كما قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].
وأمَّا من جانب العدم.
فكتحريم الاعتداء عليها، وسد الذرائع المؤدية إلى القتل، وشرع القصاص لما فيه من الزجر عن انتهاك الأنفس وإشاعة القتل؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩].
ولعل ما جاء من استحباب العفو عن القاتل يسير في سياق حفظ الشريعة للنفوس أيضًا، وذلك لأن النفس وإن كانت جانية إلا أن في استحباب العفو عنها إشارة إلى أن الأصل في الشريعة حفظ النفوس واستبقاؤها؛ وعدم تشوف الشارع إلى إزهاقها، وقد بَيَّنَ المولى هذا المعنى بوصفه تخفيفًا ورحمةً، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى
стр. 123
بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].
ومما ورد في حفظ النفس قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣].
ووجه الاستدلال من ناحيتين:
الأولى: صريح النص في النهي عن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق.
الثانية: ما يفهم من شرع قتل النفس التي حرم الله بالحق، فإن في قتل النفس بالحق حفظًا للنفس في باب القصاص، وحفظًا للدين في باب الردة، وحفظًا للنسل في باب الرجم، وهذا هو المقصود من حفظ النفس، ويشمل حفظ جميع الأنفس المعصومة بالإسلام أو الذمة أو الأمان (١).
ومن النصوص الواردة في تحريم الاعتداء على النفس: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣].
* وعن مَسْرُوقٍ، عن عبد اللَّهِ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا الله وَأَنِّي رسول اللهِ إلا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» (٢).
* وقال ﷺ : «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا» (١).
* وقال ﷺ : «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (٢).
* وقال ابن عمر ﵄: «إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها؛ سفك الدم الحرام بغير حله» (٣).
ومن ذلك تحريم قتل المعَاهَدِين:
فقد بلغ من محافظة الشريعة الإسلامية على النفوس والوفاء بالعهود أن حرمت قتل المعاهد، وهو الذي له عهد مع المسلمين بعقد جزية، أو هدنة من سلطان، أو أمان من مسلم، إلا أن ينقض العهد فيكون حلال الدم، فيحل للسلطان قتله، قال ﷺ : «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا» (٤).
стр. 126
(٣) حفظ النسل:
ومما ورد في حفظ النسل: قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾ [الأنعام: ١٥١]، ومن أعظم الفواحش الزنا الذي وصفه الله تعالى بأنه فاحشة كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢].
ولو لم يرد في ذلك إلا هذه الآية لكان كافيًا.
كيف وقد قرنه الله بالشرك وقتل النفس المعصومة في كتابه كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨].
وأوجب الله فيه الحد: من الجلد إن كان الزاني بكرًا، أو الرجم إن كان الزاني محصنًا، وغاية ذلك الموت، وما فدي بالضروري -وهو النفس- أولى أن يكون ضروريًّا، ولهذا حفظ الشارع النسل من جانبين:
من جانب الوجود:
لقد حفظ الشارع هذه الضرورة من جانب الوجود فأمر بالنكاح وحض عليه، قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ [النور: ٣٢].
وقال ﷺ : «يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، من اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فإنه أَغَضُّ لِلْبَصَرِ،
стр. 127
وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لم يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فإنه له وِجَاءٌ» (١).
ومن جانب العدم:
ولقد حفظ الشارع هذه الضرورة من جانب العدم بتحريم كل ما يؤدي إلى ضياع النسل وانتهاك الأعراض، وفرض العقوبات الصارمة عليها، فكانت عقوبة الزنا من أشد العقوبات في الإسلام قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾ [النور: ١٩].
وقال ﷺ : «خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي، قد جَعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» (٢).
وكثيرًا ما يقرن في القرآن والسنة بين النهي عن قتل النفس والزنا والشرك بالله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ [الفرقان: ٦٨].
وكما في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ الذنب أعظم؟ قال: «أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» قلت: ثم أي؟ قال: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ
стр. 128
خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ»، قلت: ثم أي؟ قال: «أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ» (١).
عن مَسْرُوقٍ، عن عبد اللَّهِ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا الله وَأَنِّي رسول اللهِ إلا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» (٢).
قال ابن القيم ﵀: «ولمَّا كانت مفسدة الزنا من أعظم المفاسد، وهي منافية لمصلحة نظام العالم في حفظ الأنساب، وحماية الفروج، وصيانة الحرمات، وتوقي ما يوقع أعظم العداوة والبغضاء بين الناس، من إفساد كل منهم امرأة صاحبه، وبنته، وأخته، وأمه، وفي ذلك خراب العالم: كانت تلي مفسدة القتل في الكبَر، ولهذا قرنها الله سبحانه بها في كتابه، ورسوله ﷺ في سنته، قال الإمام أحمد ﵀: ولا أعلم بعد قتل النفس شيئًا أعظم من الزنا. وقد أكد سبحانه حرمته بقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]، فقرنَ الزنا بالشرك وقتل النفس،
стр. 129
وجعل جزاء ذلك: الخلود في النار في العذاب المضاعف المهين، ما لم يرفع العبد موجب ذلك بالتوبة، والإيمان، والعمل الصالح، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، فأخبر عن فُحشه في نفسه وهو القبيح الذي قد تناهى قبحه حتى استقر فحشه في العقول، حتى عند كثير من الحيوانات» (١).
ومن أجل حفظ الأعراض والنسل حرم الإسلام كل الممارسات التي تنحرف بالفطرة السوية؛ لما في هذه الانحرافات من خطر على وجود النوع الإنساني.
(٤) حفظ المال:
ومما ورد في حفظ المال: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ [النساء: ٥]، وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢].
ومن وسائل حفظ المال: الحث على التكسب؛ وهو حفظ له من جانب الوجود.
стр. 130
أما حفظه من جانب العدم فقد جاء فيه تحريم الاعتداء عليه؛ وتحريم إضاعة الأموال؛ وتحريم السرقة والحرابة؛ وتحريم الغصب وأخذ المال بالحيلة، وشرع الإسلام ما يزجر عن هذه الأفعال من حدود وتعزيرات، وأعطت الشريعة الإنسان الحق في الدفاع عن ماله.
ومن براهين اهتمام الشريعة بالأموال وعظيم عنايتها بحفظها ورعايتها ما يلي:
١ - تحريم الاعتداء عليها، إذ لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه، وبذلك جاءت النصوص من الكتاب والسنة، ومنها:
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].
وقال ﷺ : «كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» (١).
٢ - تحريم إضاعة المال وتبذيره، قال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦)﴾ [الإسراء: ٢٦].
٣ - إقامة الحدود: فقرر قطع اليد في السرقة، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ
стр. 131
فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨].
ومن العقوبات الزاجرة التي بها تحفظ الأموال عقوبة المحاربين، وهم الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء أو في غيرها فيغصبونهم المال مجاهرة، فمن قَتَل منهم وأخذ المال قُتِلَ وصُلِبَ حتى يشتهر- ولو عفا صاحب المال- ومن قتل منهم ولم يأخذ المال قُتِلَ ولم يُصْلَبْ، ومن أخذ المال ولم يقتل قُطِعَتْ يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد، قال ﵎: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣].
(٥) حفظ العقل:
وحفظ العقل مقصود أيضًا؛ لأن الشريعة جاءت بحفظ العقول وصيانتها من جانب الوجود ومن جانب العدم:
أما المحافظة على ضرورة العقل من جانب الوجود:
فمنه ما ورد في نصوص الشريعة من الأمر بالتفكر والتدبر وإعمال العقول.
* قال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾ [يونس: ٢٤].
* وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٣].
стр. 132
* وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩].
وأما المحافظة على ضرورة العقل من جانب العدم.
فمن وجوه حفظ ضرورة العقل من جانب العدم ما يأتي:
أولاً: بيان الحكمة من تحريم مفسدات العقل:
لقد أنعم الله ﵎ على الإنسان بنعم كثيرة، من أَجَلِّهَا وأعظمها نعمة العقل التي ميزه بها عن سائر المخلوقات، ولما كانت الخمر وسائر المسكرات من شأنها أنها:
* تُفْقِد الإنسان نعمة العقل.
* وتثير الشحناء وتوقع العداوة والبغضاء بين المؤمنين.
* وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
حرمها الشارع الحكيم، فالخمر خطرها عظيم، وشرها جسيم، فهي مطية الشيطان التي يركبها للإضرار بالعباد.
ثانيًا: تحريم الخمر ووجوب الحدِّ على شاربه .
ولقد حرّم الشرع ما يضر بالعقل ويضيع ثمرته كالخمر وسائر المسكرات
* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١].
стр. 133
* وقال رسول الله ﷺ : «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» (١).
ولم يقف الأمر على تحريم الخمر فحسب؛ بل حرّم الله الطريق الموصل إليه:
فحرّم تذوق القليل من الخمر لأنه سبيل إلى شرب الكثير منه، قال النبي ﷺ : «ما أسكر كثيره فقليله حرام» (٢)، وقال ﷺ : «مَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرْقُ؛ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ» (٣).
وحرّم الجلوس على مائدة أو مجلس يُشرب فيه الخمر: قال النبي ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يُشرب عليها الخمر» (٤).
وغلظ اللعن في كل متعامل مع الخمر: فلُعِنَ في الخمر عشَرَة، كما صحّ من حديث ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «أتاني جبريل فقال: يا محمد، إن الله لعن الخمر، وعاصرها، ومُعْتَصِرَها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومُبْتاعَها، وساقيها، وَمُسْقاها» (٥).
وأمر الشارع بجلد شارب الخمر، ومقداره: أربعون جلدة، ويجوز أن يبلغ ثمانين جلدة، وذلك راجع لاجتهاد الإمام، يفعل الزيادة عند الحاجة إلى ذلك، خاصة إذا أدمن الناس الخمر ولم يرتدعوا بالأربعين؛ لحديث علي بن أبي
стр. 134
طالب ﵁ في قصة الوليد بن عقبة: «جلد النبي ﷺ أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سنَّةٌ، وهذا أَحَبُّ إليَّ» (١).
وعن السائب بن يزيد (٢) ﵁ قال: «كنا نؤتى بالشارب في عهد رسول الله ﷺ وفي إمرة أبي بكر وصدرًا من إمرة عمر فنقوم إليه نضربه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان صدرًا من إمرة عمر فجلد فيها أربعين، حتى إذا عتوا فيها وفسقوا جلد ثمانين» (٣)، ولحديث أنس ﵁: «أن النبي ﷺ كان يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين» (٤).
والأدلة في ذلك أكثر من أن تحصى. هذا ولقد أجمعت الأمة على تحريم شرب الخمر، وعلى وجوب الحد على شاربها سواء شرب قليلًا أم كثيرًا وسواء أسكر أم لم يسكر.
وقد أوجب الشارع الحد على شارب الخمر حال كونه عالمًا عامدًا مختارًا غير مكره ولا مضطر، وهو الجلد، وذلك تأكيدًا لضرورة حفظ العقل و بيانًا لأهميته ومكانته.
стр. 135
ثالثًا: تحريم المفسدات المعنوية للعقل .
فإذا كان السكر يُزيل العقل، فإن عددًا من المحرمات كسماع الغناء والمعازف والنظر المحرم يؤدي بصاحبه إلى ترك الواجبات وفعل المحرمات، ولهما تأثير في ضعف العقل والطمس والتغطية عليه، وهذا مشاهد في واقع الناس ولا سيما من يتعاطون هذه الموبقات تراهم ذهبت عقولهم وقد أنساهم الشيطان ربهم وخالقهم، وأنساهم العمل لآخرتهم، ولقد حذر الله أهل الإيمان من التشبه بهؤلاء الفسقة الفجرة وسلوك مسالكهم، فقال لهم سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩] (١).
ولعل في هذا كفاية.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 136
المطلب الخامس مظاهر عناية الإسلام بتربية الأبناء
لقد اعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية عظيمة وجليلة وظهرت تلك العناية واضحة جلية في الكتاب والسنة.
ومن أهم تلك المظاهر ما يبينه الباحث في هذا المبحث إجمالًا ثم يفصله شرحًا وبيانًا وذلك في ضوء أربعة مظاهر.
المظهر الأول اختيار الزوجين
المظهر الثاني: المعاشرة بالمعروف.
المظهر الثالث: التربية بالقدوة.
المظهر الرابع: التبكير في عملية التربية.
стр. 137
المظهر الأول: اختيار الزوجين .
إن الأسرة هي الرابطة بين الرجل والمرأة والأولاد وهي أساس بناء المجتمع المسلم.
ولتكوين هذه الأسرة لا بد من زواج مبني على أساس متين ودعائم إيمانية صحيحة لإنشاء جيلٍ واعٍ راشدٍ مستخلف في الأرض. ويبدأ هذا الزواج باختيار الزوجة الصالحة.
والزواج آية من آيات الله تعالى: يقول الله تعالى مبينًا أن حقيقة الرجل والمرأة إنما هي من نفس واحدة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، وإذا كان كلاهما من نفس واحدة فلا بد أن يبحث الرجل عمن يكمله من النساء، وكذلك المرأة تفعل حتى ترتبط بمن يكملها من الرجال، إذ لا يكتمل أيهما إلا بوجود صاحبه، وهذا الارتباط الفطري بين الرجل والمرأة هو من آيات الله في الخلق الدالة على قدرته وعظمته، فبهذا الرباط تستمر الحياة ويجد الإنسان سكينته وطمأنينته في هذه الحياة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الروم: ٢١].
стр. 138
المظهر الأول: أسس اختيار الزوجين:
أ- أسس اختيار الزوجة .
أولاً: أن تكون ذات دين:
يجب أن يقوم اختيار الزوجة على أساس الدين أولًا؛ لقول النبي ﷺ : «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها. فاظفر بذات الدين تَرِبَت يداك» (١).
ففي هذا الحديث، يبيّن ﷺ الخصال الرئيسة التي يقصدها عموم الناس في النكاح مع التأكيد على ضرورة اعتبار عنصر الدين في اختيار الزوجة، حيث يغفل عنه الناس عادة لانشغال النفس بمراعاة الدواعي الأخرى، فمن كان عنده نزعة لحب المال كانت نظرته مادية، فيبحث عن ذات المال طمعًا في مالها فحسب؛ ومن كان راغبًا في الجمال فحسب، أعمته رغبته عن ذات الدين، ومن كان ممن يبحث عن الحسب فحسب؛ وقلد الجهال الذين يقسمون المجتمع إلى طبقات ويبحثون عن الحسب والنسب ولا يولون جانب الدين أي عناية واهتمامٍ؛ بحث عن ذات حسب ونسب ولم يلتفت إلى ذات الدين، يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
ويقول ﷺ : «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة» (٢).
قال الله تعالى في وصف المرأة الصالحة: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ
стр. 139
لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤]، ففي الآية إشارة إلى عنصر الصلاح عند المرأة وما يؤديه ذلك من محافظتها على حق زوجها وماله وعرضه الذي هو عرضها.
ومن أسباب استقامة الفتاة وتدينها: استقامة أهلِها، فإذا كانت من بيئة طيبة كريمة وأسرة صالحة معروفة بالتدين والاستقامة والصلاح والبعد عن الانحراف، فغالبًا ما تكون الفتاة صالحة كذلك؛ لأن الأصل يتفرع عنه الفرع، وبما أنها ترعرعت ونشأت في كنف ورعاية أسرة صالحة كريمة تعظم الله وتعظم شرعه ودينه، فهي فرع منها والفرع يحن إلى الأصل دومًا.
قال الله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]، فالناس معادن كمعادن الذهب والفضة، يقول ﷺ : «خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» (١).
وإن كانت الأسرة غير صالحة نبتت الفتاة منبت سوء غالبًا والعياذ بالله.
فالمال والجمال والحسب خصال يرغب فيها الكثير من الناس، إلا أنه لا يصلح أن تكون هذه الخصال هي الأساس لهذه العلاقة المتينة فحسب؛ إذ لا بد من شيء أقوى من شهوة حب المال والجمال والحسب، يقودها ويوجهها ويهيمن عليها، ألا وهو (الدين)، وإلا انهارت هذه الصلة وأصبحت تلك الخصال بلا دين وبالًا ونكدًا وغمًّا وهمًّا على أربابها.
أما المال:
فامرأة ذات مال وبلا دين، قد يطغيها مالها ويحملها على التعالي على زوجها وأهله فتنغص حياته وتهدم كيانه، وإذا تزوجها لمالها فحسب قد يورثه الله
стр. 140
فقرها، فالمال عرض متداول بين الناس لا يدوم لأحد ولو دام لغيرنا ما وصل إلينا.
وأما الجمال:
إذا تعارض الجمال بأن كانت المرأة ذات جمال ولكن ليست ذات خلق ودين فلا اعتداد بهذا الجمال لأن المرأة إذا كانت ذات جمال لا يصحبه خلق ودين، فإنها تغدو امرأة مغرورة قد يحملها جمال لا يوجهه دين على الغرور والطغيان والتردي.
وأما الحسب:
فذات الجاه والحسب من غير دينٍ؛ امرأة قد يحملها حسبها على ازدراء زوجها واحتقاره فيتهدم بنيان الأسرة المرصوص.
وأما الدين:
أما ذات الدين فقد هذبها دينها، وإن كان معها شيء من تلك الخصال فهي تعلم أن المتفضل عليها بتلك الخصال هو ربها وخالقها، فيحملها دينها على الحمد والشكر، لا على التعالي والتمرد والغرور.
فالدين قاعدة متينة وأساس راسخ يُبْنَى عليه غيرُه، لا تنازل عنه في اختيار الزوجة الصالحة، فالمال والجمال والحسب خصال تحمد إن كانت تحت مظلة الدين، يهذبها ويوجهها ويكون هو الحاكم والمهيمن عليها.
ثانيًا: تفضيل الزوجة الودود:
فأساس السعادة في الأسرة هي: المرأة؛ حيث أنها تجعل من بيتها جنة على الأرض، وذلك إذا كانت متصفة بالود والوفاء والحنان والرحمة والتحبب إلى
стр. 141
زوجها، أما إذا اتصفت بالمزاج النكد والنفسية المعقدة المتعكرة المتبرمة من أدنى شيء، والوجه العبوس الذي لا يعرف التبسم، والشخصية المنطوية التي لا تألف ولا تؤلف، فإن ذلك كله من شأنه أن تعيش الأسرة في حياة ملؤها الهم والغم والنكد والشحناء والبغضاء؛ لذا قال ﷺ لجابر (١) ﵁: «هلَّا جارية؛ تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك» (٢)، فجعل الملاعبة والمضاحكة بين الزوجين جميعًا.
وقد جعل ﷺ جزاء المرأة الودود: الجنة، حيث قال ﷺ : « .. ونساؤكم من أهل الجنة: الودود .. الولود» «الودود» أي: المتحببة إلى زوجها. «الولود» أي: كثيرة الولادة (٣).
وقال ﷺ : «ثلاثة من السعادة و ثلاثة من الشقاء، فمن السعادة: المرأة الصالحة تراها فتعجبك .. و من الشقاء: المرأة تراها فتسوؤُك .. » (٤).
стр. 142
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سُئِلَ رسولُ ﷺ أي النساء خير؟ قال: «التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا في ماله بما يكره» (١).
وفي رواية أخرى: عن عبد الله بن سلام ﵁، عن النبي ﷺ قال: «خير النساء من تسرك إذا أبصرت، وتطيعك إذا أمرت، وتحفظ غيبتك في نفسها ومالك» (٢)، والإعجاب والسرور في تلك الأحاديث يشمل كل ما يسر النفس المؤمنة من الأخلاق الحسنة الكريمة والطباعة الطيبة السليمة.
ثالثًا: تفضيل الزوجة الولود:
عن معقل بن يسار قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أصبت امرأةً ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد أفأتزوجها؟ قال: «لا» ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال: «تزوجوا الودود الولود فإِنِّي مكاثرٌ بكم الأمم» (٣).
ومعنى «الولود»: كثيرة الولادة، ويعرف ذلك: بسلامة بدنها وبالنظر إلى نسل أمها وأخواتها وخالاتها وقريباتها … وفي ذلك تكثير لسواد الأمة المسلمة، وسبب في عزتها ومضاعفة قوتها ومنعتها. وليس كما يتصور بعض الجهلة أن كثرة الأمة سبب لفقرها وجوعها ونقص وضعف وقلة مواردها، ومؤدٍ إلى ما يسمونه بـ «التفجير السكاني»! والله سبحانه يقول: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، ويقول سبحانه: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٢].
стр. 143
رابعًا: تقديم ذوات الأبكار:
ويقدم اختيار البكر على الثيب؛ استجابة لتوجيه النبي الكريم ﷺ أولًا، ولما لها من خصال ليست للثيب ثانيًا، وفي ذلك يقول النبي ﷺ : «عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواهًا، وأنتق أرحامًا، وأرضى باليسير» (١).
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «أتزوجت؟» قلت: نعم، قال: «بكرًا أم ثيبًا؟» فقلت: ثيبًا، قال: «أفلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك؟» (٢).
ب-أسس اختيار الزوج:
الخلق والدين أولًا:
وإذا كان اختيار الزوجة الصالحة من أهم عناصر بناء الأسرة المسلمة، فإن اختيار الرجل الصالح أكثر أهمية؛ لما يترتب على سوء اختيار الرجل من معاناةٍ للمرأة الضعيفة وهضمٍ لحقوقها، وضياعٍ للأولاد الذين يصبغون بصبغة آبائهم غالبًا، ويفهم هذا من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٢١]، ففي هذه الآية الكريمة بيانُ أن التفاضل يكون في الإسلام أولًا، وفي الآية التالية في سورة الحجرات بيانُ أنّ التفاضل بين المسلمين يكون بالقرب من الله والتقوى، يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣].
стр. 144
وقد حثّ النبي ﷺ المرأة المسلمة ووليها إذا خطبها الرجل الصالح أن يزوجوه، استجابة لأمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ ، فقال ﷺ : «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفسادٌ عريض» (١)، وإنَّ رفض الرجل مع كونه صالحًا يدلُّ على تغير الموازين والقيم التي أراد الإسلام إرساءها في المجتمع المسلم، وهو ما عبر عنه النبي ﷺ بقوله: «إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض». إن صلاح الرجل هو سياج للمرأة في كل حالها، فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها، وهو في كلا الحالتين لا تجنح نفسه إلى حرام فيبقيها كالمعلقة، استجابة لقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
стр. 145
المظهر الثاني
المعاشرة بالمعروف
بيان معناها ومدلولاتها:
قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١].
إن الأسرة المسلمة تتكون أصولها من الأبوين المسلمين الصالحين ثم تأتي الذرية الصالحة لتصبح نواة لمجتمع مسلم، وهذا لا يتم إلا إذا تحققت المعاشرة بالمعروف بين الزوجين؛ وذلك بأن يؤدي كل واحد منهما واجبه تجاه صاحبه.
فللزوج على زوجته طاعته بالمعروف وتمكينه مما أباح الله له من الاستمتاع والقرار في البيت وعدم الخروج منه إلا بإذنه، والقيام على شؤون بيتها وتربية أبنائها، ولها عليها من الحقوق مثل الذي له عليه، إلا ما خصَّ الله به الأزواج دون الزوجات.
قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فلها على زوجها السكنى والنفقة والكسوة بالمعروف، ولها عليه معاشرتها بالمعروف، ويشمل ذلك البيتوتة عندها وإعفافها وتوجيهها لكل خير وإعانتها عليه.