وأخيرًا؛ أذكر مجموعة من التوجيهات التربوية الموجزة:
١ - تخصيص وقت كافٍ للجلوس مع الأبناء، وتبادل الأحاديث الودية المتنوعة عن: السيرة النبوية والأخبار الاجتماعية والعائلية والدراسية والمسابقات الثقافية والعلمية وغيرها.
٢ - التركيز على التربية الأخلاقية والمُثُل الطيبة، وأن يكون الوالدان قدوة حسنة لأبنائهما.
٣ - احترام الأبناء عن طريق الحب والاحترام المتبادل، وتنمية الوعي، والصراحة، والوضوح.
٤ - فهم نفسية الأولاد، وإعطاؤهم الثقة في أنفسهم.
٥ - إشراك الأولاد في القيام بأدوار اجتماعية وأعمال نافعة تناسب أعمارهم وقدراتهم.
٦ - التشجيع الدائم للأولاد والاستحسان والمدح؛ بل وتقديم الهدايا والمكافآت التشجيعية كلما قَدَّموا أعمالًا نبيلة ونجاحًا في حياتهم.
٧ - عدم السخرية والتهديد بالعقاب الدائم للأبناء، متى ما أخفقوا في دراستهم أو وقعوا في أخطاء من غير قصد منهم؛ بل يتم تلمس المشكلة بهدوء، ومحاولة التغلب على الخطأ بالحكمة، والترغيب والترهيب.
٨ - عدم إظهار المخالفات والنزاعات التي تحدث بين الوالدين أمام سمع أبنائهم.
٩ - الصبر الجميل في تربية الأبناء، وتحمل ما يحدث منهم من عناد أو عصيان، والدعاء بصلاحهم وتوفيقهم.
стр. 73
ومن هنا أود التأكيد مرة أخرى، على أن دور الأسرة في رعاية الأولاد؛ هو أقوى دعائم المجتمعِ تأثيرًا في تكوينِ شخصيةِ الأبناء، وتوجيهِ سلوكِهمِ، وإعدادهم للمستقبل (١).
стр. 74
ثانيًا: المسجد
يُعدُّ المسجد أبرز وأهم المؤسسات الاجتماعية التربوية التي ارتبطت بالتربية الإسلامية ارتباطًا وثيقًا منذ صدر الإسلام نظرًا لعددٍ من العوامل التي أدت في مجموعها إلى ذلك الارتباط والتلازم؛ لا سيما وأن المسجد لم يكن في المجتمع المسلم الأول مجرد مكان لأداء العبادات المختلفة فحسب؛ بل كان أشمل من ذلك، فالمسجد يتميز بأنه بيت من بيوت الله ، وقد أضاف الله المساجد إليه سبحانه إضافة تشريف وتكريم، وفي ذلك إشارة إلى أهميتها ومكانتها، وأهمية دورها التربوي في ضوء منهج الله، وفي التعرف على الله وفي الحثّ على السير إلى رضوانه وسلوك طريقه -جل وعلا- فالله يقول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨].
وللمسجد دور كبير في جميع مجالات الحياة في العبادة، والعلم، والدعوة، والأخلاق، والمعاملات، والفتوى، والسلم، والحرب، واستقبال الوفود، وإعلان السياسة العامة للدولة.
فقد كانت رسالة المسجد مهمة وخالدة، وسامية، لأنها رسالة الإسلام، فقد اقترن بناء الدولة الإسلامية ببناء المسجد، لأنه يتمتع بمكانة رفيعة في نفوس المسلمين، لقد كان مسجد رسول الله في المدينة هو النواة الأولى والمركز الرئيس لإقامة الدولة الإسلامية، فقد جعل رسول الله ﷺ بناءه وتأسيسه إيذانًا
стр. 75
بإقامة دولة إسلامية انطلاقها من أشرف البقاع وأطهرها، فكان المسجد مدرسة وجامعة إسلامية، معلِّمه رسول الله ﷺ ، وتلامذته أصحابه الكرام ﵃، وكان المسلمون الأوائل إذا فتحوا مصرًا من الأمصار أسسوا فيه مسجدًا جامعًا تأسيًا برسولهم الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وإيذانًا وإعلانًا للدنيا بأن هذا البلد أصبح جزءًا من الدولة الإسلامية، وإعلانًا لسيادة دين الله في الأرض.
وذلك بعكس المحتل الحديث والمعاصر الذين يرفع راية أو علمًا فوق عاصمة البلد الذي احتله دليلًا على نصره وسيادته، وسيادة الظالمين المتجبرين على المظلومين المستضعفين.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وكانت مواضع الأئمة، ومجامع الأمة، هي المساجد، فإن النبي ﷺ أسس مسجده المبارك على التقوى، ففيه الصلاة والقراءة والذكر وتعليم العلم والخطب، وفيه السياسة وعقد الألوية والرايات، وتأمير الأمراء، وتعريف العرفاء، وفيه يجتمع المسلمون عنده لما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم» (١).
والمسجد أحب البقاع إلى الله ، فهو قلعة الإيمان، وحصن الفضيلة، وهو المدرسة التي يتعلم ويتربى فيها الناشئة، فيتخرج منهم العلماء والخلفاء والأمراء والفقهاء والقادة والمصلحون والأعلام في كل ميدان.
стр. 76
لقد كان المسجد في عهد رسول الله ﷺ جامعًا لأداء العبادات ومقرًّا للدولة، وجامعةً للتعليم ومعهدًا لطلب العلم ونشر الدعوة في المجتمع ومركزًا للتربية ومركزًا للقضاء والفتوى، ودارًا للشورى وتبادل الآراء، ومنبرًا إعلاميًّا لإذاعة الأخبار وتبليغها، ومنزلًا للضيافة وإيواء الغرباء، ومكانًا لعقد الألوية وانطلاق الجيوش للجهاد في سبيل الله تعالى، ومنتدى للثقافة ونشر الوعي بين الناس، ومكانًا لاستقبال الوفود التي قصدت المدينة لمبايعة الرسول الكريم ﷺ والدخول في دين الله أفواجًا معلنة الإذعان والانقياد والاستسلام لله ﵎.
إلى غير ذلك من الوظائف الاجتماعية المختلفة.
وللمسجد أثر عظيم في بناء المجتمع الإسلامي وتوجيهه إلى ما فيه خير وسعادة أفراده في أمور الدين والدنيا، فقد أدى المسجد في الإسلام دورًا عظيمًا في التوجيه والإرشاد والدعوة وإصلاح البشر وتربيتهم، وتقوية الشعور الديني والحفاظ على الوحدة الإسلامية حقيقة ومظهرًا، والأمة المسلمة مؤهلة اليوم وفي كل يوم إذا ما عرفت كيف تعيد إلى هذا المنطلق قوته وتأثيره في قيادة وريادة البشرية قاطبة.
إن الوظيفة الحقيقية للمسجد في الإسلام، هي إعداد المسلم المتكامل البناء في خلقه وسلوكه وعمله وعبادته، في علاقته بربه وبنفسه وبأخيه المسلم وبالناس جميعًا، ووظيفة المسجد في صورتها الاجتماعية الشاملة هي أن يكون مركز إشعاع وتوجيه وتربية للناشئة خاصة ولجماعة المسلمين عامة، فالمسجد يكمل بناء المجتمع ويدعمه ويقوي أركانه ويعمق في نفوس الناشئة الإحساس
стр. 77
بالفضائل التي غرستها الأسرة والمدرسة؛ بل يغذيها وينميها ويتعاون معهما في بناء المجتمع الراشد المتجه نحو الصلاح والفلاح بهداية من الله ، وبالتردد على المساجد يتعلم النشء النظام والدقة والنظافة والاستواء، وينمو شعور التآلف بينهم وبين أقرانهم، فتتكون العلاقات الاجتماعية الطيبة ويشبون عليها فتتحقق لهم معاني الأخوة الإيمانية الممتزجة بالحب المفعم في ذات الله.
هكذا نظر المسلمون الأولون إلى المسجد على أنه مدرسة تحمل كل هذه المعاني، فأقاموا صلتهم به على أساسها، فكان له من الأثر في تكوينهم ما لم يعرف التاريخ له مثيلًا في أيّ عمل تربوي بنَّاءٍ، حتى أصبح المسجد بحق المدرسة التي يتعلم فيها المسلم من المهد إلى اللحد كل ما يعوزه من مبادئ الحياة، فمن واجب المسلمين أن يعيدوا إلى المسجد وظيفته ومهابته وحيويته حتى يصبح مصدر إشعاع يرشد فيعلِّم، ويهدي فيقوِّم؛ لأن المسجد مؤسسة ذات مركز عظيم، وله دور كبير وفعَّال في تربية وتوجيه وتعليم الناشئة، فالمسجد يُعدُّ أبرز وأهم المؤسسات الاجتماعية التربوية التي ارتبطت بالتربية الإسلامية ارتباطًا وثيقًا نظرًا لعددٍ من العوامل التي أدت في مجموعها إلى ذلك الارتباط والتلازم؛ لا سيما وأن المسجد لم يكن في المجتمع المسلم الأول مجرد مكان لأداء العبادات المختلفة فحسب؛ بل كان أشمل من ذلك، وبذلك يمكن القول بأن المسجد في الإسلام يُعد جامعًا وجامعةً، ومركزًا لنشر الوعي في المجتمع، ومكانًا لاجتماع المسلمين، ولم شملهم، وتوحيد صفهم، وهو بحق أفضل مكانٍ، وأطهر بقعةٍ، وأقدس محلٍّ يمكن أن تتم فيه تربية الإنسان المسلم وتنشئته، ليكون بإذن الله تعالى فردًا صالحًا في مجتمعٍ صالحٍ.
стр. 78
ولعل من أهم ما يُميز رسالة المسجد التربوية في المجتمع المسلم أنه يُعطي التربية الإسلامية هويةً مميزةً لها عن غيرها، وأنه مكانٌ للتعليم والتوعية الشاملة، التي يُفيد منها جميع أفراد المجتمع على اختلاف مستوياتهم، وأعمارهم، وثقافاتهم، وأجناسهم؛ إضافةً إلى فضل التعلم في المسجد، وما يترتب على ذلك من عظيم الأجر وجزيل الثواب.
* ثبت عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة، ونزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده» (١).
وللمسجد أثر كبير على النشء وخاصة إذا تعودوا منذ صغرهم على ارتياد المساجد بصحبة آبائهم، فالمسجد محضن تربوي ذو أثر عظيم يحافظ على الفطرة وينمي الموهبة ويربط النشء بربه من أول ظهور الإدراك وعلامات التمييز، ويطبع فيه المثل والقيم والصلاح بتأثير من الصالحين والأخيار ورواد المساجد من خلال المشاهدة والقدوة.
كما يقوم المسجد بتدريب الناشئ على النظام ويعلمه كيف يتعامل مع الآخرين من خلال المشاركة الاجتماعية والاختلاط بفئات المجتمع، فينشأ على الأخلاق الفاضلة والمبادئ السامية والشجاعة، لأنه يختلط بالكبار ولا يهابهم ويتعلم الاطمئنان النفسي ويتربى على النظام من خلال الصفوف المتراصة للصلاة، فيكون انطباعًا في نفسه على حبّ الترتيب والنظام، ويشهد
стр. 79
طاعة المأموم لإمامه، ويرى احترام الصغير للكبير، فتكبر هذه المفاهيم وتشب معه، وكانت صلة الأطفال الصغار بالمسجد في عهد رسول الله ﷺ . صلة قوية وثيقة نماها رسول الله ﷺ . ونماها الخلفاء الراشدون من بعده وأصحابه من خلال أفعالهم وتوجيهاتهم ﵃ أجمعين. وعندما يأخذ المسجد مكانه الملائم الذي بُنِيَ من أجله وأراده الله له، يصبح من أعظم المؤثرات التربوية في تربية الأطفال والناشئين وتكوينهم، حيث يرون الراشدين مجتمعين على طاعة الله وعبادته، فينمو في نفوسهم الشعور بالمجتمع المسلم والاعتزاز بالجماعة المسلمة، وفيه يسمعون الخطب والدروس العلمية فيبدأون بوعي العقيدة الإسلامية، وفهم هدفهم من الحياة وما أعدهم الله له في الدنيا والآخرة، وفيه يتعلمون القرآن ويرتلونه فيجمعون بين النمو العقلي والفكري بتعلم القرآن الكريم والنمو الروحي والارتباط بخالقهم، وفيه يتعلمون الحديث والفقه وكل ما يحتاجونه من نظم الحياة الاجتماعية، كما أراد الله أن ينظمها للإنسان. فالمسجد يعلم الناشئين أن كل أمور الحياة تابعة للارتباط بالله وإخلاص العبودية له وينغرس هذا المعنى في نفوسهم عفوًا من غير قصد ولا تكلف، وفي الصلاة تتجسد كثير من مزايا الأخلاق التي تصوغ شخصية المسلم السوية، ومن ذلك قيمة العزة التي تجسد أسمى معاني الأخلاق، وكذلك صفة الرحمة، وهي الصفة التي اختارها الله لعباده دون سائر صفاته في فاتحة الكتاب (الرحمن الرحيم)، فيبتعد النشء عن الرياء والسمعة والكذب وتناقض الفعل والقول، وقد بقي تعلم القرآن الكريم في الكتاتيب والمساجد إلى عهد قريب هو الوسيلة لتعلم القراءة والكتابة في كثير من البلاد الإسلامية، فكان الناشئة قبل
стр. 80
انتشار المدارس الحديثة يتقنون قراءة القرآن الكريم، فيتعلمون القراءة من خلال تعرفهم إلى صور الكلمات المكتوبة مقترنة بألفاظها المنطوقة، وكانوا بعد هذه القراءة الأولى، يكتبون القسم الذي قرأوه على ألواح خشبية يحاكون رسمه في المصحف وكلما كتبوا جزءًا يناسب مقدرتهم عادوا فأتقنوا تلاوته وحفظه ثم ينتقلون إلى غيره وهكذا حتى يتموا حفظ جميع القرآن الكريم عن ظهر قلب، فالمسجد يؤدي وظيفتي العبادة والتربية دون تمييز واضح بينهما.
ومما يذكر أنه ضاقت المساجد بالصبيان، حتى اضطر الضحاك بن مزاحم معلمهم ومؤدبهم أن يطوف عليهم بدابته ليشرف عليهم وقد بلغ عددهم ثلاثة آلاف صبي وكان لا يأخذ أجرًا على عمله.
إن تردد الناشئ على المساجد منذ نعومة أظفاره يجعله ينمو نموًّا لا مشاكل فيه ولا تعقيد أمامه ولا اضطراب في نفسه ويثبت قلبه على الإيمان لأن مرحلة التربية في الصغر من أخطر المراحل في حياته، وعند بلوغه يكون قد حُصن فؤادُهُ وثبت يقينُهُ فلا قلق ولا اختلال ولا أوهام لأنه في المسجد يجد المناخ الطيب والجو الديني والمجتمع الطاهر، فتتأصل في نفسه أمور العبادة وآداب التعامل وشدة المراقبة لله فيكون عضوًا سليمًا في مجتمعه وتصدق فيه بشارة النبي ﷺ فيما رواه عنه أبو هريرة ﵁: عن النبي ﷺ قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه» فذكر منهم: «شاب
стр. 81
نشأ في عبادة الله» (١).
إن خير القلوب وأوعاها للخير ما لم يسبق الشر إليه، وأولى ما عني به الناصحون ورغب في أجره الراغبون إيصال الخير إلى قلوب أبناء المؤمنين لكي يرسخ فيها، وقد حرص الإسلام على رعاية الناشئة رعاية منقطعة النظير، إيمانًا بأنهم رجال المستقبل وعدة الغد، فلا يجوز تركهم مشردين في الطرقات محرومين من نعمة المسجد الذي هو بيت الله، ومأوى المؤمن ومدرسته العملية، والناشئ إذا شبّ على شيء شاب عليه، ولقد كان الناشئة يأتون المسجد في عهد رسول الله ﷺ يرعى شئونهم ويتلطف بهم، ولم يمنعهم من المساجد حتى إنه ﷺ نزل من فوق المنبر في أثناء الخطبة لما رأى الحسن والحسين ﵄ وقبلهما، ثم عاد إلى خطبته، وحمل أمامة بنت ابنته زينب كذلك في المسجد.
وحديث أبي بكرة (٢) المشهور ﵁ الذي جاء فيه: أن رسول الله ﷺ كان
стр. 82
يصلي ويجيء الحسن بن علي ﵄ وهو صغير فكلما سجد النبي ﷺ وثب على ظهره، ويرفع النبي ﵊ رأسه رفعًا رفيقًا حتى يضعه على الأرض (١).
ومن هنا فالواجب أن نستعين بكل وسيلة متاحة ومباحة شرعًا من شأنها أن تشوق الناشئ إلى المسجد وتحببه إليه، ونحذر من كل أسلوب من أساليب التنفير من المسجد.
ومما يتأكد شرعًا في حق الجهات المعنية في بلاد الإسلام: أن تولي هذا الجانب العظيم العناية والأهمية الكبرى من إعداد الكفاءات العلمية والتربوية التي تقوم علي هذا الجانب العظيم والخطير في حياة المجتمع المسلم والأمة الإسلامية قاطبة، والتي تقوم بإعداد دراسات ودورات تربوية علمية وعملية لتقوم على ربط الناشئة ببيوت الله، وتضع خطط تنفيذية وتطبيقية لهذه الدراسات وتكون شاملة لجميع المراحل العمرية للناشئة من قِبَلِ المختصين، وتضع كذلك حلولًا عملية للصعوبات والتحديات والمشكلات والمعضلات
стр. 83
والعراقيل التي تواجه هذه الرسالة النبيلة السامية والغاية الغالية النفيسة والمهمة الجليلة الجسيمة، وتوضع في خطة كل دولة مسلمة ميزانية مالية ضخمة تليق بهذه المهمة التربوية العظيمة، وتحفز القائمين على هذا العمل الجلل تحفيزًا يليق بمكانة المسجد في الإسلام ومهمته ولا سيما فيما يتعلق بشأن الناشئة، فهم رجال الغد وأمل الأمة المنشود، وكذلك تحفيز الناشئة أنفسهم بالتشجيع المستمر والعطاء الدائم ماديًّا ومعنويًّا.
فالدول مثلًا تحفز الطب والأطباء وكل ما من شأنه يتعلق بالطب، من إنشاء لكليات الطب بجمع فروعه وأقسامه، وتوفر له أمهر الأساتذة من الداخل والخارج بأعلى الرواتب والحوافز المادية والمعنوية وتوفر الأجهزة والمعامل والمختبرات وكل الإمكانات المادية والبشرية، ولا يلتحق بكليات الطب إلا أفضل الطلاب والحاصلين على أعلى الدرجات، وبمجرد تخرجه يحصل على مكانة اجتماعية مرموقة، من أعلى الرواتب والحوافز المادية والمعنوية، علاوة على ما يحصل عليه من لقب طبيب (دكتور)، وهذا كله لا نكارة فيه، وذلك لأن موضوع الطب هو جسم الإنسان وصحته، وهذا لا ينكره عاقل، مدى حاجة البشرية الضرورية لهذا الشأن العظيم، وشريعة الإسلام الغراء لم تغفل هذا الجانب؛ بل أولته عناية كبيرة لا تخفى على ذي لب، فهو يندرج تحت حفظ النفس التي أمرت الشريعة بحفظها، وتعلمه من فروض الكفايات، لكن هذا للأبدان الفانية، فماذا للقلوب والأرواح الغالية؟.
- من هنا يتبين لنا أهمية: ما يجب أن تُوليه الأمة المسلمة العناية الكبرى والأهمية العظمى من جانب العناية بالمساجد والعناية برأس مالها وأملها
стр. 84
المنشود وهم الناشئة، والعناية بتربيتهم وربطهم ببيوت الله فيما يتعلق بجميع الجوانب، من جانب الشعائر التعبدية والتعليمية والتربوية، ومن كل ما من شأنه تعبيد الناشئة لخالقهم جل في علاه والرقي بهم في مدارج التربية الإيمانية العلمية والعملية، الأخلاقية والسلوكية، وتفتح عيونهم وقلوبهم وقد نشأوا وترعرعوا في بيوت الله التي وصفها ربنا بقول سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٨].
وتنطلق تربية الناشئة من بيوت الله كما انطلق المسلمون الأوائل من بيوت الله فسادوا الدنيا وفتحوا البلاد، فذلوا الأكاسرة وخضعت لهم رقاب القياصرة وحرروا الإنسان من رقِّ الدنيا وعبوديتها ونقلوه من عبودية البشر إلى عبودية رب البشر، ومن الذل والقهر لغير الله، إلى عدل الإسلام ورحمته ووسطيته، كما قال ربعي بن عامر (١) ﵁ لرستم: «الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا
стр. 85
منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبدًا حتى نفضي إلى موعود الله» (١).
стр. 86
وإن لم يقم بهذا الواجب العظيم الجهات المعنية لأيِّ سببٍ من الأسباب فلا يترك هذا الجانب العظيم بالكلية أبدًا؛ بل يقوم به أهل الحسبة من جماعة المسجد وأهل الحي بالتعاون مع إمام المسجد وخطيبه ومؤذنه، وذلك عملًا بقوله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وعملًا بقوله ﷺ : «وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١)، والعمل بالإمكانات المتاحة والمباحة.
- وحتى تتحقق مصلحة تربية الناشئة وتكوينهم من خلال المساجد، لا بد من اتخاذ بعض الإجراءات من القائمين على المساجد، ومنها:
١ - أن يقوم إمام المسجد وخطيب الجامع ومؤذنه ومعهم جماعة المسجد وأهل الحي بالتعاون على هذا الأمر العظيم كما أسلفنا.
ويُقال ذلك سدًّا للذرائع وبيان من كل ما من شأنه أن يلامس الواقع، فلا تكون معالجة هذا الأمر العظيم بعيدة عن الواقع، فتكون معالجة شكلية نظرية غير عملية، وأقول ذلك تحدثًا بفضل الله عن تجارب عملية واقعية وملموسة وكثيرة (موفقة ومسددة) رأيناها وعايشناها في كثير من بلدان المسلمين، وعملًا بقاعدة: «ما لا يدرك كله لا يترك كله»، والفقهاء يعبرون عنها بقولهم: «الميسور لا يسقط بالمعسور»، وقد ذكرها بهذه الصيغة العز بن عبد السلام في قواعد
стр. 87
الأحكام، وابن السبكي في الأشباه والنظائر، والسيوطي في الأشباه والنظائر، والزركشي في المنثور، وصاغها الزركشي بلفظ آخر وهو: «البعض المقدور عليه هل يجب؟»، وصاغها القرافي بلفظ: «المتعذر يسقط اعتباره والممكن يستصحب فيه التكليف»، وصاغها الجويني في الغياثي بلفظ: «المقدور عليه لا يسقط بسقوط المعجوز عنه»، وصاغها ابن رجب بقوله: «من قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها هل يلزمه الإتيان بما قدر عليه منها أم لا؟» (١).
٢ - أن يشجعوا الآباء لاصطحاب أبنائهم إلى المساجد وتعليمهم الطهارة والنظافة والنظام وأن يراقبوهم ويوجهوهم لما فيه صلاحهم.
٣ ـ أن يجد الناشئة والصغار من يرشدهم وينظم جلوسهم ويقيم لهم المناشط العلمية والدعوية والتربوية والتي تتفق وأعمارهم من تعلم القرآن الكريم والسنة المطهرة وحفظ المتون العلمية والمسابقات الثقافية، وتعلم الوضوء والصلاة وأحكامهما وغير ذلك مما هم في أَمَسِّ الحاجة إليه من مبادئ العقيدة والعبادات ومكارم الأخلاق.
٤ ـ أن يتحبب الكبار إلى الصغار وأبناء المسلمين المصلين بالتبسم والبشاشة ورحابة الصدر وأن يجذبوهم للمساجد ولا ينفروهم منها.
وإن الهدف من تربية الناشئة التربية الإسلامية الصحيحة ليس تزويدهم بالمعلومات والآداب الإسلامية فحسب؛ بل إِطْلَاعِهِمْ على المعنى الأعمق للحياة والعالم من حولهم، والأخذ بأيديهم إلى الطريق الذي يؤدي إلى تنمية
стр. 88
متكاملة لكافة جوانب الشخصية الإسلامية علمًا، ومساعدتهم على التصدي لمشكلات الحياة الشخصية والاجتماعية ليتأهلوا لحمل رسالة الإسلام الخالدة وتحمل تكاليف إبلاغ الحق للخلق ليقولوا للدنيا مقالة النبي ﷺ : «يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا» (١).
стр. 89
ثالثًا: المدرسة
المدرسة من أهم المؤسسات التربوية والاجتماعية التي أنشأها المجتمع للعناية بالتنشئة الاجتماعية لأبنائه، وتربيتهم، وتهيئتهم، وإعدادهم للحياة، وهي مؤسسة منظمة لها قواعد ومنطلقات تربوية وتكمل تربية النشء إلى جانب التربية في المنزل، وهذه المدارس تختلف في قوتها وضعفها باختلاف أنظمتها والطاقم التربوي الذي يتولى إدارة دفة العمل، وتؤثر في المدرسة البيئة المحيطة بها. من الطلاب الذين يشكلون تلك البيئة.
والواجب على المربي داخل الأسرة أن يختار لأبنائه المدرسة الطيبة ذات السمعة الطيبة الحسنة والتي تُعنى بالتربية الرشيدة، وتعنى باختيار المعلم القوي الأمين الصالح في نفسه المصلح لغيره، وتختار الثقات من المربين والإداريين ومن يقومون على أداء هذه الرسالة السامية، فإن انتقاء المدرسة والمدرس والمتابعة للولد في المدارس هي أمور في غاية الأهمية لما يترتب عليها من مصالح عظيمة ومنافع جليلة تعود على الأبناء وعلى أسرهم ومجتمعاتهم وأمتهم نفعها وثمارها. والمسلمون الأوائل كانوا يوصون مؤدبي أبنائهم بالعناية بهم، ويبذلون في ذلك كل غالٍ ونفيس لأجل تأديب أبنائهم، وكانت سنَّة المؤدبين في المجتمع الإسلامي الماضي سنة قائمة، وخصوصًا عند ذوي اليسار، يتخذون المؤدبين لأبنائهم.
стр. 90
ولعل من أبرز وأهم وظائف المدرسة ما يلي:
* أنها تعمل على تبسيط ونقل التُراث المعرفي والثقافي ونحو ذلك من جيل الكبار إلى جيل الصغار، أو من المعلمين إلى الطلاب تبعًا لما يتناسب واستعداداتهم وقدراتهم المختلفة؛ فينتج عن ذلك جيلٌ متعلمٌ ومُثقف.
* أنها تعمل على استكمال ما كان قد بدئ فيه من تربيةٍ منزلية للفرد، ثم تتولى تصحيح المفاهيم المغلوطة، وتعديل السلوك الخاطئ، إضافةً إلى قيامها بمهمة التنسيق والتنظيم بين مختلف المؤسسات الاجتماعية ذات الأثر التربوي في حياة الفرد فلا يحدث نوع من التضارب أو التصادم أو العشوائية.
* أنها تقوم بدورٍ كبيرٍ في عصرنا الحاضر حينما تكون في معظم الأحيان بديلًا للأُسرة، إذ يتشرب الصغار فيها عادات مجتمعهم الذي يعيشون فيه وقيمه وأخلاقه وسلوكياته.
* أنها بمثابة مركز الإشعاع المعرفي في البيئة التي توجد فيها؛ إذ إنها تُقدم للمجتمع كله خدماتٍ كثيرة ومنافع عديدة من خلال نشر الوعي الصحيح بمختلف القضايا، وكيفية التعامل السليم مع من حول الإنسان وما حوله.
* أنها تعمل على إشاعة الوعي الإيجابي عند أبناء المجتمع تجاه مختلف القضايا الفردية أو الجماعية سواءً كان ذلك بطريقٍ مُباشرٍ أم غير مُباشر.
وتعتبر المدرسة أداة مكملة للأسرة، لذلك لا بد من إقامة تعاون بين الأسرة والمدرسة، ومعرفة ما يمكن معرفته من الظروف التي يربى فيها الناشئة في منازلهم، وأساليب تربيتهم لتصحيح الخاطئ منها، وإكمال الصالح، والتعاون مع أولياء الأمور على إصلاح الناشئة وحسن تربيتهم ليكمل كل من المنزل والمدرسة ما
стр. 91
بدأ به الآخر، ومن أجل أن لا يحدث تعارض وتناقض بين أسلوب الأسرة التربوي، وأسلوب المدرسة، فيصبح الأطفال والناشئة ضحية هذا التعارض.
- فالمطلوب من المدرسة إذن: أن تكون أداة تأهيل وتكييف اجتماعي، لا أداة اضطراب وإخلال بالتوازن بين الفرد والجماعة، على أن تصاغ جميع العلوم على أسس إسلامية، ويصاغ منهج تربوي إسلامي متكامل لتربية الأجيال على أساسه.
وكذلك إعادة تصنيف وتأليف مناهج وكتب لسائر المعارف والعلوم من منطلق إسلامي، والقيام بدورات تربوية إسلامية تدرِّب المعلمين والمربين على تحقيق هذا المنطلق من جميع جوانب التربية والتعليم.
والمدرسة عندما تقدم العقيدة الصحيحة والعلم النافع إلى الناشئين، تَعمِد إلى تصفية الحقائق، وتنقيتها من كل الشوائب والأخطاء، والمبالغات والأكاذيب؛ لتبقى عقيدة الناشئة سليمةً، وعقولهم قويمة، ومعارفهم صحيحة (١).
ولكي تصبح عملية التربية والتعليم في المدرسة عملية متكاملة مستمرة، تنصهر في برامج روافد التربية (الأسرة والمسجد والإعلام)، فتؤدي دورها التربوي والتعليمي بحيث تصبح وحدة مترابطة مع تلك الروافد مجتمعة، فلا بدَّ أن نعي أن المدرسة مجتمع مصغر يجب أن تتوفر فيه جميع عناصر الاتصال البشري والعلاقات الإنسانية، وهي صورة مصغرة للحياة الاجتماعية الراقية.
ويجب أن نأخذ بعين الاعتبار الحقائق التالية:
١ - أنه ينبغي أن تكون المدرسة بحق مجتمعًا إسلاميًّا مشبعًا بالعواطف
стр. 92
والتراحم والتعاون على البر والتقوى والتلاحم والتفاهم بين الرئيس والمرؤوسين، في ظل العلاقات الأخوية والاحترام المتبادل والتواصي بالحق والصبر، لأن المردود الإيجابي لهذا العمل مردوده يعود على الجميع ولا سيما الطلاب الذين هم أهم محور من محاور العملية التربوية والتعليمية.
٢ - وأن يجد الطالب في المدرسة المثل الأخلاقية الراقية، والمثل الإيمانية العليا، في كل ما يقع عليه سمعه وبصره وفي كل من يتلقى منهم ويتعامل معهم.
٣ - وأن تكون المدرسة مجتمعًا إسلاميًّا قويًّا متماسكًا متحد الهدف والفكر، أساسه الحق والعدل والتراحم.
٤ - وأن تضع المدرسة أهدافها بغية السعي في الوصول إليها، لإعداد جيل مسلم صالح في نفسه مصلح لغيره وقوي وفعال.
٥ - وأن تربي المدرسة الناشئة تربية إسلامية صحيحة، وعقلية ناضجة، وتنمية بدنية قوية، واجتماعية منسجمة مع روح المجتمع المسلم ومتطلباته وتطلعاته.
٦ - وأن تربي المدرسة تلاميذها تربية إسلامية استقلالية فيها روح الاعتماد على النفس، حتى لا يصبحوا عالة على مجتمعاتهم في كل ما يعوزهم من حاجات، ويعملوا لخير إخوانهم كما يعملون لخير أنفسهم، ويقبلوا من تلقاء أنفسهم على البذل والعطاء حتى تتأصل فيهم روح التكافل والعمل الاجتماعي بروح الجسد الواحد، عملًا بقول رسول الله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه» (١).
стр. 93
٧ - وأن تحدد المدرسة أهداف التربية والتعليم للمعلم قبل المتعلم، وتعليم الطلاب الحياة الاجتماعية السليمة، بحيث يخرجون إلى المجتمع وهم مزودون ومدعمون بكافة المؤهلات التي تجعل الطالب فردًا مسلمًا صالحًا قادرًا على مواجهة الصعاب بثقة كبيرة، وتصبح شخصيته شخصية مسلمة متكاملة الأركان، تامة البنيان، قوية الإيمان، متزنة الوجدان، بعيدة كل البعد عن الجنوح والخور والضعف، مصونة عن الانحراف بكل صوره وأشكاله وأنماطه.
التعاون بين الأسرة والمدرسة:
وهناك العديد من المسوغات (الحوافز) لضرورة التعاون بين الأسرة والمدرسة في مجال تربية الناشئة نذكر منها ما يلي:
أولًا- أن التعاون بينهما يحقق الفهم المتبادل لدور كل منهما في مجال تربية الناشئة، مما يؤدي إلى زيادة التنسيق وعدم التعارض بينهما، إذ كثيرًا ما يؤدي التعارض والتناقض في أدوارهما إلى تكوين صراع نفسي لدى التلميذ.
ثانيًا- أن التعاون بينهما يؤدي إلى التخلص من غالبية المشكلات التي قد يواجهها الطلاب الناشئة وإلى التكيف مع المجتمع والمدرسة.
ثالثًا- أن التعاون بينهما يؤدي إلى الراحة النفسية للناشئة وزيادة تحصيلهم الدراسي، وإقبالهم على العلم، وإلى زيادة حبهم للمدرسة وانتمائهم إليها.
رابعًا- أن التعاون بينهما يجعل خطة العمل التربوي مشتركة بينهما في ضوء اعتماد أهداف مشتركة توجه العملية التربوية فيهما.
стр. 94
رابعًا: الإعلام
وسائل الإعلام: وهي مؤسسات اجتماعية تربوية إعلامية تكون في العادة مرئيةً، أو مسموعةً، أو مقروءة، وتُعد هذه الوسائل على اختلاف أنواعها من أهم الوسائط التربوية وأبرزها في عصرنا الحاضر، وأكثرها تأثيرًا على تربية وثقافة ووعي الإنسان؛ حيث تُقدم برامج مختلفة وثقافات متنوعة من خلال وسائلها الجماهيرية المختلفة التي تُخاطب جميع الفئات، ومختلف الأعمار، وتدخل كل بيت، وتصل إلى كل مكان.
وتتميز وسائل الإعلام بقدرتها الفائقة على جذب اهتمام الناس من مختلف الأعمار؛ والثقافات؛ والبيئات، كما تتميز بأن لها تأثيرًا قويًّا على الرأي العام في مختلف الظروف، وأن تأثيرها يصل إلى قطاعاتٍ عريضةٍ من فئات المجتمع؛ وهذا يعني أنه من المهم جدًّا استثمارها، والإفادة منها، وتعبيدها لله تعالى، والعمل على تسخيرها بشتى الطرق والكيفيات لخدمة أهداف وأغراض التربية الإسلامية؛ عن طريق التنسيق المستمر بين هذه الوسائل وغيرها من المؤسسات التربوية الأُخرى في المجتمع، وعن طريق إسناد مهمة الإشراف عليها لمن تتوافر فيه الكفاءة الدينية والخُلقية والعلمية والمهارية (١).
ولا ريب أن الإعلام يؤدي دورًا كبيرًا وبارزًا في تشكيل خلق الإنسان
стр. 95
وتوجيهه عمومًا والناشئة خصوصًا، ويختلف تأثيره باختلاف وسائله وطرائقه، ولا سيما في الزمن الحاضر حيث ازداد تأثيره بصورة لم يسبق لها مثيل، وذلك لتعدد وسائله وسبله وطرائقه، وللإعلام دور فعال في تربية الأفراد بوجه عام والصغار بوجه خاص. والعلاقة بين الإعلام والتربية علاقة قوية متبادلة؛ لذا يجب حسن استغلال وسائل الإعلام في غرس العقيدة الصحيحة والسلوك القويم والأخلاق الحميدة في نفوس الناشئة، ويزداد تأثير وسائل الإعلام على النشء بصفة خاصة؛ لأنها حين تركز على أحد الجوانب ينطبع ويترسخ هذا الجانب في عقول الصغار بحيث يصعب انتزاعه من أذهانهم في المستقبل.
وللإعلام بمختلف مؤسساته ومصادره دور في تنمية المسؤولية الاجتماعية لدى أفراد المجتمع كافة من خلال هدفه العام المتلخص في: (توجيه الأفراد عن طريق تزويدهم بالمعلومات والحقائق والأخبار لمساعدتهم في تكوين رأي محدد في واقعة معينة أو مشكلة محددة).
وللإعلام دور كبير في تعزيز مكانة الناشئة في المجتمع.
فعلى وسائل الإعلام أن تعمل على:
أولًا-غرس القيم والمبادئ والمفاهيم الإسلامية والتربوية في نفوس النشء.
ثانيًا- نشر وتعميق الانتماء للدين بين أفراد المجتمع عمومًا والناشئة خصوصًا.
ثالثًا- غرس الثقة الكاملة بمقومات الأمة الإسلامية وأنها خير أمة أخرجت للناس والإيمان بوحدتها على اختلاف أجناسها وألوانها وتباين ديارها، لترد بذلك الهجمة الشرسة من أعداء الملة على ثوابت الدين ومقوماته العقدية والأخلاقية.
стр. 96
رابعًا- تجسيد قيم الدين ومبادئه وإيضاحها والعمل على تثبيتها والمحافظة عليها.
خامسًا- المساهمة في التوعية العامة التي تمهد لتحقيق الأهداف والسياسات العامة في الأمور التربوية والتعليمية والثقافية والاجتماعية والعمل على إيصالها بصورة تليق بمستوى الناشئة عقليًّا وفكريًّا.
سادسًا- محاولة ملء أوقات الفراغ ببرامج هادفة تعزز الانتماء للدين لدى الناشئة وتخاطب اهتماماتهم، وتهتم بإيقاظ هممهم للعمل الصالح.
سابعًا- توثيق العلاقة بين مؤسسات المجتمع فكريًّا وثقافيًّا حتى تصب روافد التربية كلها في مصب واحد، ولا يصبح بينها تنافر وتضاد.
ثامنًا- طرح القضايا والمشاكل التي تواجه الناشئة ومناقشتها وتقديم الحلول المناسبة، فهي بمثابة حلقة الوصل المكملة والمتممة لدور وأهداف روابط التربية مجتمعة.
تاسعًا- التغطية الإعلامية المتوازنة لجميع القضايا والأحداث التي تخص الناشئة والمجتمع وفق أسس إسلامية وتربوية.
عاشرًا- إبراز نماذج وقدوات صالحة للناشئة من خلال برامج إعلامية متنوعة تقص عليهم قصص الأنبياء والمرسلين ﵈، وحياة الصحابة وأمهات المؤمنين ﵃، وسير علماء وأبطال الإسلام.
стр. 97
خامسًا: دور روافد التربية مجتمعة
الترابط والتعاضد بين دور الأسرة في الرعاية والتوجيه والتربية والتنشئة الحسنة للأبناء، ودور المسجد في متابعة وإتمام ما تقوم به الأسرة من دور بناء وفعال تجاه رعاية وتربية الأبناء وإتمام ما تعجز عنه الأسرة، ودور المدرسة في التربية والتعليم على نحو ما تقوم به الأسرة والمسجد له آثار حميدة، وكذلك وسائل الإعلام التي يتابعها الأبناء في المنزل أو في محيط المدرسة يجب تعبيدها لله ووضع برامج هادفة ونافعة ومتابعة بدقة تامة من جميع الجهات المعنية، ولذا يجب مد جسور التعاون بين هذه الروافد مجتمعة، وإيجاد جَوٍّ من الثقة والتفاهم والتعاون وتبادل التناصح ووجهات النظر، وذلك كله في سبيل تحقيق غاية حميدة ألا وهي تعبيد الناشئة لله ، واستقامتهم على دينه، كما بين الله سبحانه في محكم التنزيل فقال جل في علاه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
والرقي بالأولاد قدمًا نحو مدارج العبودية للخالق العظيم جل في علاه، وبذلك يصبح الأبناء في ظل إطار منظومة تربوية متكاملة قادرين على البناء والعطاء لأمتهم الإسلامية ولمجتمعاتهم ولأسرهم.
وتحمل مؤسسات المجتمع على كاهلها مسئولية بناء الناشئة وتشكيلهم لأنَّ
стр. 98
التربية بمفهومها الشامل هي العملية التي يشترك في إحداثها وتفاعلاتها مؤسسات المجتمع ومنظماته المختلفة، والتي من بينها وأهمها (الأسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام).
قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣]، وقال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات: ٢٤].
فكل عمل أنت مكلف به شرعًا أو التزمت بالقيام به وكان فيه مصلحة لك أو لغيرك فهو مسؤولية ينبغي عليك القيام بها على أحسن حال؛ فالمسؤولية فردية؛ لأن التكليف فردي والحساب كذلك يوم القيامة، قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥].
وأخيرًا ليتم التوثيق والارتباط بين روافد التربية يجب مراعاة ما يلي:
أولًاـ وجوب اهتمام الأسرة بأبنائها ورعايتهم من جميع النواحي لأن البيت هو الأساس في عملية التربية، وأنه هو المصدر الأساسي لإمداد الطفل بالقيم وتزويده بالصفات الحميدة والأخلاق الصالحة الرشيدة، فعلى الوالدين الاهتمام بأبنائهم ومتابعتهم في البيت والمدرسة وربطهم بالمسجد منذ نعومة أظفارهم وتشجيعهم على أداء الصلاة فيه جماعة، وكذلك تحفيزهم على حفظ كتاب الله تعالى، وارتباطهم بالأنشطة المقامة فيه، كما أن المدرسة ذات دور مؤثر وفعال في التربية، حيث إن الناشئة يعايشون معلميهم وأقرانهم فترة طويلة، فيجب على الأسرة اختيار المدارس الطيبة والمحاضن الصالحة الآمنة لأبنائهم
стр. 99
مع متابعتهم بصفة مستديمة، وعلى القائمين على التعليم إصلاح المناهج الدراسية ومراجعتها بين الفينة والفينة، وإصلاح الأنشطة المدرسية وتوجيهها بالقدر الذي يحقق الهدف من التربية الإسلامية، وكذلك الاهتمام بتوجيه الوسائل الإعلامية المقدمة لهم وصبغها بالصبغة الشرعية لتصبح روافد التربية منظومة متكاملة تأخذ جميعها بيد الناشئة نحو الهدف المنشود، ألا وهو تربيتهم التربية الإسلامية الصحيحة التي تعود على المجتمع بالخير والصلاح.
ثانيًا ـ أن تكون المدرسة مؤسسة رائدة في تعميم التربية والمعرفة، وتؤدي رسالتها السامية في إيجاد المسلم الصالح، وذلك بأن يكون هناك تفاعل إيجابي بين المدرسة والمجتمع، وأن تستقي المدرسة مناهجها ومقرراتها ونشاطها من صميم عقيدة الأمة وتاريخها وأهدافها وآلامها وآمالها …
ثالثًا - من واجب المسلمين أن يعيدوا إحياء رسالة المسجد ومهابته ورسالته كي يبقى مصدر نور وإرشاد وإشعاع علمي وتربوي وثقافي واجتماعي، لأن المسجد مؤسسة ذات شأن عظيم، وله دور كبير وهام وفعَّال في إصلاح الناشئة وتوجيههم.
رابعًا - ترشيد أجهزة الإعلام ووسائله، لتكون سبيلًا إلى غرس القيم الإسلامية السامية والفاضلة، ووضع برامج للتوعية الاجتماعية والنفسية والتعليمية والأخلاقية، في ضوء خطط علمية وتربوية وثقافية واجتماعية مدروسة من قِبَلِ لجان مختصة وموثوقة ومؤتمنة على هذا الأمر الجلل، وذلك وفق منهج الشريعة الإسلامية السمحة.
وكذلك الحذر والتحذير من الاستسلام لكل ما يقدمه الإعلام الغربي الكافر
стр. 100
الحاقد للناشئة من نشر العقائد الباطلة والسحر والشعوذة ونشر الرذيلة والفواحش والفساد والانحراف والجريمة بكل صورها وأشكالها في صور برامج تعليمية أو ترفيهية أو ألعاب أطفال أو برامج ثقافية أو غير ذلك من المسميات.
خامسًا ـ بناء الناشئة في المجتمع الإسلامي بناءً صالحًا من النواحي العلمية والاجتماعية والخلقية والروحية، والإكثار من الحديث عن ذلك في وسائل الإعلام المختلفة: ليصبح للإعلام دور قويٌّ وفعَّال في نشر الوعي بين طبقات المجتمع كافة على جميع مستويات ثقافاتهم وإدراكهم، مساهمًا بذلك في حل قضايا المجتمع بتقديم النصح والإرشادات والتوجيهات لكل طبقات المجتمع بما فيهم الناشئة.
وعلى الرغم من تعدد أنواع هذه المؤسسات الاجتماعية وتعدد وظائفها وواجباتها إلا أن علاقة الناشئ المسلم بالمؤسسات التربوية في المجتمع تنطلق من كون التربية الإسلامية عمليةً تمتاز بخاصية الشمول والاستمرارية والتجدد؛ إذ إنه لا حدَّ نهائيًّا لتربية الناشئ المسلم.
والخلاصة: أن للمؤسسات التربوية المختلفة في المجتمع المسلم أهميةً بالغةً؛ وأثرًا بارزًا في العملية التربوية بعامة والتعليمية بخاصة؛ الأمر الذي يفرض على المهتمين في الميدان التربوي والتعليمي مزيدًا من العناية والاهتمام بها، والحرص على أن تكون مُتميزة في المجتمع المسلم، ومُختلفًة عن مثيلاتها في المجتمعات الكافرة؛ نظرًا لكون المجتمع المسلم ينفرد عن غيره من المجتمعات الكافرة بمصادره، وأهدافه وغاياته، وخصائصه التي تفرض على
стр. 101
مؤسساته التربوية المُختلفة في المجتمع المُسلم أن تكون فريدةً هي الأُخرى، ومُتميزةً، وقادرةً على تحقيق ما هو مرجوٌّ منها؛ لأنها هي المسؤولة عن تربية الناشئ المسلم، وإعداده لممارسة أدواره ووظائفه الاجتماعية المختلفة في الحياة، لذا فإنه من الواجب الحتمي التنسيق والترابط والتكامل بين هذه المؤسسات لتؤدي دورها التربوي الرائد في إعداد جيل مؤهل للاستخلاف في الأرض وحمل مشعل النور والهداية للعالمين.
والحمد لله رب العالمين (١).
стр. 102
المطلب الرابع
أهمية تربية الأبناء
أهمية التربية عمومًا:
إن التربية من أفضل الأعمال وأقرب القربات، فهي دعوةٌ، وتعليمٌ، ونصحٌ، وإرشادٌ، وعملٌ، وقدوةٌ، ونفعٌ للفرد والمجتمع والأمة بأسرها، وكيف لا تكون من أعظم الأعمال وأجلِّها وهي مهمة الأنبياء والرسل، وقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢] (١).
وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]، فأمرنا ربنا أن نقي أهلنا -أزواجًا وذرية- من نار الآخرة وأن نجعل بينهم وبينها حاجزًا واقيًا، وإنما تكون هذه الوقاية بالتربية على العقائد الصحيحة والأخلاق الفاضلة.
قال مجاهد في تفسير الآية: «اتقوا الله وأوصوا أهليكم بتقوى الله».
وقال قتادة: «تأمرهم بطاعة الله وتنهاهم عن معصية الله وأن تقوم عليهم بأمر
стр. 103
الله وتأمرهم به وتساعدهم عليه فإذا رأيت لله معصية قذعتهم عنها وزجرتهم عنها» (١).
وقال ابن القيم ﵀: «فوصية الله للآباء بأولادهم سابقة على وصية الأولاد بآبائهم … فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قِبَلِ الآباء وإهمالهم لهم وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغارًا فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كبارًا، كما عاتب بعضهم ولده على العقوق فقال: يا أبت، إنك عققتني صغيرًا فعققتك كبيرًا، وأضعتني وليدًا فأضعتك شيخًا» (٢).
وإن المربي مستأمن على عقيدة ولده وعلى أخلاقه قبل أي شيء آخر، وقد نهانا الله تعالى عن تضييع الأمانة، فقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ [الأنفال: ٢٧].
وتبرز أهمية تربية الأبناء خصوصًا من جانبين عظيمين:
الجانب الأول: تحقيق العبودية الصحيحة لله تعالى، وهي الغاية من وجود الخلق .
وإن للتربية الإسلامية أهدافًا تسعى إلى تحقيقها، ولا شك أن الهدف الأسمى من تلك الأهداف هو تحقيق العبودية الخالصة لله تعالى، ولا بد أن يكون جانب تحقيق العبودية مقرونًا بالتنشئة العقدية الصحيحة لأبناء المجتمع المسلم؛ وذلك لإعداد جيل مسلم صالح يعبد الله على نور وبصيرة، ليصبح جيلًا مسلمًا صالحًا راشدًا مهيَّأً للاستخلاف في الأرض، وذلك هو غاية التربية
стр. 104
الإسلامية، تلك الغاية التي من أجلها خُلِقَ الإنسانُ، فليس لله غرض من الخلْق إلا تحقيق العبودية له وحده لا شريك له.
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
وترسيخ العقيدة وتحقيق العبودية في كل أمر من أمور الحياة، يُعدُّ أهم أهداف التربية الإسلامية كما أسلفنا، وإذا تحققت العبودية تحققت أهداف التربية جميعًا تبعًا لها، ذلك لأن كل الأهداف تنبثق منها، إذ إن مفهوم العبادة في التربية الإسلامية شامل كامل، يشمل العبادات الظاهرة والباطنة، والمعاملات كلها، معاملة المخلوق لخالقه، وحسن معاملة الخلق للخلق، وقد جبل الله النفوس على التوحيد الخالص من شوائب الشرك، ولكنها تحتاج أن تتعلم أصول الإيمان وجزئياته، ولا شك أن أصْلَح أوقات غرس العقيدة الصحيحة في نفوس الأبناء هي السنواتُ الأولى من حياتهم؛ لأنهم يصغون إلى الآباء والمربين بكل جوارحهم وحواسهم، ويقبلون ما يتلقونه منهم دون أدنى تردد أو جدال، ولا شك أن عامل الفطرة معين للمربي على تقوية وتنمية هذا الجانب الفطري، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠].
وترسيخ العقيدة يكون عن طريق التدبر: بأن يلفت نظر الصغير إلى مظاهر الكون وارتباطها بالتوحيد، وهذا الربط يشعره بالتوازن النفسي، ويحس بأنه جزء من أجزاء الكون المتناسقة، ويبين له أن هذا الكون بكل ما فيه يسبِّح لله، ويرشده إلى التسبيح ليكون مع الركب المسبِّح، كما أن المربي يستطيع تعليم الصغير أسماء الله وصفاته عن طريق التدبر في جمال الكون وعظمة المخلوقات ونظامها.
стр. 105
وينبغي أن يقدم المربي للصغير محفوظات في العقيدة في أول نشوئه ليحفظها حفظًا، ثم لا يزال ينكشف له معناها في كبره شيئًا فشيئًا، فابتداؤه الحفظ، ثم الفهم، ثم الاعتقاد والإيمان والتصديق به، وذلك مما يحصل في الصبي بغير برهان قَالَ ﷺ : «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» (١).
قال الغزالي: «الصبيُّ أمانةٌ عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرةٌ نفيسةٌ خاليةٌ عن كل نقشٍ وصورة، وهو قابلٌ لكل نقش، ومائلٌ إلى كل ما يُمالُ إليه، فإن عُوِّد الخيرَ نشأ عليه، وسَعِدَ في الدنيا والآخرة أبواه، وإن عُوِّد الشر وأُهْمِل إهمال البهائم، شَقِيَ وهَلَكَ، وكان الوزر في رقبة القيِّم عليه، وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملًا، وإنما يكمل ويقوى بالغذاء، فكذلك النفس تخلق ناقصة قابلة للكمال، وإنما تكمل بالتربية، وتهذيب الأخلاق، والتغذية بالعلم» (٢).
والعبودية لله-تعالى- لا تقتصر على مجرد أداء شعائر ومناسك معينة: كالصلاة، والصيام، والحج -مثلًا- وإنما كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: هي «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة» (٣).
стр. 106
فالإنسان الذي يريد أن يتحقق فيه معنى العبودية، هو الذي يُخضع أموره كلها لما يحبه الله-تعالى- ويرضاه، سواء في ذلك ما ينتمي إلى مجال الاعتقادات، أو الأقوال، أو الأفعال؛ فهو يكيف حياته وسلوكه جميعًا لهداية الله وشرعه؛ فلا يفتقده الله حيث أمره، ولا يجده حيث نهاه، وإنما يلتزم أوامر الله فيأتي منها ما استطاع، وينزجر عن نواهيه سبحانه فلا يقربها؛ استجابة لأمره ﷺ : «فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فَأْتوا منه ما استطعتم» (١).
فالمسلم دائمًا إذا أمره الله -تعالى- أو نهاه، أو أحل له، أو حرم عليه - كان موقفه في ذلك كله: أن يقول: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
فهذا الذي ينبغي أن يَعْلَمَهُ الآباء والمربون أولًا، ثم يسعَوا لغرسه في نفوس أبنائهم ثانيًا، فيعلمونهم العقيدة الصحيحة ويغرسون في قلوبهم التعلق بالله تعالى والتوكل عليه والالتجاء إليه، والاستسلام والانقياد والإذعان لأمره جل في علاه، وعبادته خوفًا وطمعًا ورغبًا ورهبًا ورجاءً ومحبةً، وذلك لأن توحيد الله تعالى سبيل الفوز برضوانه وجناته، والنجاة من سخطه ونيرانه، وتوحيد العبادة والقصد والطلب هو توحيد الألوهية أصل الدين ومرتكزه الأول الذي عليه وبه تقوم مبانيه العظام من عبادات ومعاملات وأخلاق.
وإن الولد جوهرة نفيسة عند والديه، فهو نواة الأسرة والمجتمع، وأمل الغد والمستقبل، وموئل الإسلام بعد الله تعالى، فتربيته على عقيدة التوحيد أساس تربوي وطيد؛ بل لا تصح التربية ولا تستقيم بغير عقيدة التوحيد الذي هو
стр. 107
أساس الإسلام وأصله الأصيل (١).
قال ابن القيم ﵀: «وكم ممن أشقى ولده وفلذة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله، وترك تأديبه، وإعانته على شهواته، وهو بذلك يزعم أنه يكرمه وقد أهانه، ويرحمه وقد ظلمه، ففاته انتفاعه بولده وفوت على ولده حظه في الدنيا والآخرة»، ثم قال ﵀: «وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد رأيت عامته من قِبَلِ الآباء» (٢).
ويكفي عظمًا لشأن التوحيد قول النبي ﷺ : «لا يوافي عبد يوم القيامة يقول: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله؛ إلا حرم الله عليه النار» (٣).
ومن لوازم تحقيق التوحيد التحذير من الشرك؛ فهذا أول ما بدأ به لقمان في وصيته لابنه كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣]، فينبغي للأب أن يربي أولاده على التوحيد والتحذير من الشرك.
قال ابن عاشور (٤) في تفسير هذه الآية:
стр. 108
«ابتدأ لقمان موعظة ابنه بطلب إقلاعه عن الشرك بالله لأن النفس المعرضة للتزكية والكمال يجب أن يقدم لها قبل ذلك تخليتها عن مبادئ الفساد والضلال، فإن إصلاح الاعتقاد أصل لإصلاح العمل. وكان أصل فساد الاعتقاد أحد أمرين هما الدهرية والإشراك، فكان قوله: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان: ١٣] يفيد إثبات وجود إله وإبطال أن يكون له شريك في إلهيته» (١).
الجانب الثاني: أهمية تربية الأبناء في ضوء حفظ الأمن العام في المجتمع:
لقد جاءت الشريعة الإسلامية من لدن عزيز حكيم، جاءت لإسعاد البشرية
стр. 109
في الدنيا والآخرة تدلهم على طريق الخير والهدى وتحذرهم من طريق الغواية والضلال وخطوات الشياطين وتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر وتحل لهم الطيبات وتحرم عليهم الخبائث، ومن مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ الضرورات الخمس أو الكليات الخمس للإنسان وهي: الدين والنفس والعقل والعرض والمال فمن اعتدى على إحدى هذه الخمس أقيمت عليه الحدود والعقوبات التي تردعه وتزجر غيره من أن يعتدي على حرمات الله وحقوق البشر، ولذا فإن الشريعة الإسلامية جاءت بما يحفظ الأمن ويحقق السعادة للبشرية في الدنيا والآخرة.
والأمن يشمل كل نشاطات الإنسان في حياته، كما يعتبر الأمن في الإسلام ركيزة من ركائز المجتمع المسلم المهمة التي يستمد منها المجتمع استقراره وتقدمه وهو المحور الأساسي في التنمية الشاملة والاستقرار وهو المناخ المناسب للنمو والتقدم.
والأمن نعمة عظيمة من نعم الله التي لا تعد ولا تحصى كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، ولقد امتن الله بهذه النعمة على عباده حيث قال سبحانه: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش: ١ - ٤].
وقد بَيَّنَ المصطفى ﷺ أهمية الأمن بقوله: «من أصبح منكم آمنًا في سربه معافًى في بدنه عنده قوت يومه؛ فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» (١).
стр. 110
ويبين الباحث أهمية حفظ الضروريات الخمس في الشريعة الإسلامية:
وذلك في ضوء التعريف بأمرين عظيمين:
الأمر الأول: المقاصد الشرعية:
التعريف بالمقاصد الشرعية.
- تعريف المقاصد في اللغة:
المقاصد في اللغة: جمع مقصد، وهو مشتق من الفعل (قصد يقصد قصدًا).
وللقصد في اللغة عدة معانٍ، أهمها ما يأتي:
١ - استقامة الطريق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩]، أي: تبيين الطريق الصحيح؛ يقول ابن جرير الطبري: «القصد من الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه» (١).
٢ - الأَمُّ والتوجه، تقول العرب: قصد إلى فلان أي: أمَّه وتوجه إليه (٢). وهذا المعنى أقرب إلى المعنى الاصطلاحي للمقاصد، وهو المتداول في استعمال الفقهاء وعلماء أصول الفقه كقولهم: «المقاصد معتبرة في التصرفات»، وقولهم: «المقاصد تغير أحكام التصرفات»، ويعنون به: الإرادة الباطنة للمكلف (٣).
- تعريف المقاصد الشرعية اصطلاحًا.
رغم ورود مصطلح (المقاصد) في كلام أهل العلم المتقدمين إلا أنه لم