← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 749

عناية الإسلام بتربية الأبناء كما بينتها سورة لقمان

عرفة بن طنطاوي

Полный текст (624 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

زوجها، أما إذا اتصفت بالمزاج النكد والنفسية المعقدة المتعكرة المتبرمة من أدنى شيء، والوجه العبوس الذي لا يعرف التبسم، والشخصية المنطوية التي لا تألف ولا تؤلف، فإن ذلك كله من شأنه أن تعيش الأسرة في حياة ملؤها الهم والغم والنكد والشحناء والبغضاء؛ لذا قال ﷺ لجابر (١) ﵁: «هلَّا جارية؛ تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك» (٢)، فجعل الملاعبة والمضاحكة بين الزوجين جميعًا. وقد جعل ﷺ جزاء المرأة الودود: الجنة، حيث قال ﷺ : « .. ونساؤكم من أهل الجنة: الودود .. الولود» «الودود» أي: المتحببة إلى زوجها. «الولود» أي: كثيرة الولادة (٣). وقال ﷺ : «ثلاثة من السعادة و ثلاثة من الشقاء، فمن السعادة: المرأة الصالحة تراها فتعجبك .. و من الشقاء: المرأة تراها فتسوؤُك .. » (٤).

стр. 142

وعن أبي هريرة ﵁ قال: سُئِلَ رسولُ ﷺ أي النساء خير؟ قال: «التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا في ماله بما يكره» (١). وفي رواية أخرى: عن عبد الله بن سلام ﵁، عن النبي ﷺ قال: «خير النساء من تسرك إذا أبصرت، وتطيعك إذا أمرت، وتحفظ غيبتك في نفسها ومالك» (٢)، والإعجاب والسرور في تلك الأحاديث يشمل كل ما يسر النفس المؤمنة من الأخلاق الحسنة الكريمة والطباعة الطيبة السليمة. ثالثًا: تفضيل الزوجة الولود: عن معقل بن يسار قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أصبت امرأةً ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد أفأتزوجها؟ قال: «لا» ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال: «تزوجوا الودود الولود فإِنِّي مكاثرٌ بكم الأمم» (٣). ومعنى «الولود»: كثيرة الولادة، ويعرف ذلك: بسلامة بدنها وبالنظر إلى نسل أمها وأخواتها وخالاتها وقريباتها … وفي ذلك تكثير لسواد الأمة المسلمة، وسبب في عزتها ومضاعفة قوتها ومنعتها. وليس كما يتصور بعض الجهلة أن كثرة الأمة سبب لفقرها وجوعها ونقص وضعف وقلة مواردها، ومؤدٍ إلى ما يسمونه بـ «التفجير السكاني»! والله سبحانه يقول: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، ويقول سبحانه: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٢].

стр. 143

رابعًا: تقديم ذوات الأبكار: ويقدم اختيار البكر على الثيب؛ استجابة لتوجيه النبي الكريم ﷺ أولًا، ولما لها من خصال ليست للثيب ثانيًا، وفي ذلك يقول النبي ﷺ : «عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواهًا، وأنتق أرحامًا، وأرضى باليسير» (١). وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «أتزوجت؟» قلت: نعم، قال: «بكرًا أم ثيبًا؟» فقلت: ثيبًا، قال: «أفلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك؟» (٢). ب-أسس اختيار الزوج: الخلق والدين أولًا: وإذا كان اختيار الزوجة الصالحة من أهم عناصر بناء الأسرة المسلمة، فإن اختيار الرجل الصالح أكثر أهمية؛ لما يترتب على سوء اختيار الرجل من معاناةٍ للمرأة الضعيفة وهضمٍ لحقوقها، وضياعٍ للأولاد الذين يصبغون بصبغة آبائهم غالبًا، ويفهم هذا من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٢١]، ففي هذه الآية الكريمة بيانُ أن التفاضل يكون في الإسلام أولًا، وفي الآية التالية في سورة الحجرات بيانُ أنّ التفاضل بين المسلمين يكون بالقرب من الله والتقوى، يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣].

стр. 144

وقد حثّ النبي ﷺ المرأة المسلمة ووليها إذا خطبها الرجل الصالح أن يزوجوه، استجابة لأمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ ، فقال ﷺ : «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفسادٌ عريض» (١)، وإنَّ رفض الرجل مع كونه صالحًا يدلُّ على تغير الموازين والقيم التي أراد الإسلام إرساءها في المجتمع المسلم، وهو ما عبر عنه النبي ﷺ بقوله: «إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض». إن صلاح الرجل هو سياج للمرأة في كل حالها، فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها، وهو في كلا الحالتين لا تجنح نفسه إلى حرام فيبقيها كالمعلقة، استجابة لقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].

стр. 145

المظهر الثاني المعاشرة بالمعروف بيان معناها ومدلولاتها: قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]. إن الأسرة المسلمة تتكون أصولها من الأبوين المسلمين الصالحين ثم تأتي الذرية الصالحة لتصبح نواة لمجتمع مسلم، وهذا لا يتم إلا إذا تحققت المعاشرة بالمعروف بين الزوجين؛ وذلك بأن يؤدي كل واحد منهما واجبه تجاه صاحبه. فللزوج على زوجته طاعته بالمعروف وتمكينه مما أباح الله له من الاستمتاع والقرار في البيت وعدم الخروج منه إلا بإذنه، والقيام على شؤون بيتها وتربية أبنائها، ولها عليها من الحقوق مثل الذي له عليه، إلا ما خصَّ الله به الأزواج دون الزوجات. قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فلها على زوجها السكنى والنفقة والكسوة بالمعروف، ولها عليه معاشرتها بالمعروف، ويشمل ذلك البيتوتة عندها وإعفافها وتوجيهها لكل خير وإعانتها عليه.

стр. 146

هذا الإجمال وسيأتي التفصيل بإذن الله تعالى. ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]. فالمعاشرة بالمعروف قاعدة قرآنية محكمة جاءت ضمن سياق توجيه رباني عظيم، يقول الله تعالى فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [النساء: ١٩]. ومما يعين على فهم هذه القاعدة، أن نُذَكِّرَ بسبب نزول هذه الآية الكريمة، فقد روى البخاري في «صحيحه»، عن ابن عباس ﵄ قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضُهم تزوجها، وإن شاؤوا زَوَّجُوها، وإن شاؤوا لم يُزَوِّجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك (١). إن من تأمل وتدبر دلالات هذه القاعدة العظيمة: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] أدرك أن الله تعالى ردّ أمر المعاشرة إلى العرف، لم يحدده بشيء معين؛ لاختلاف الأعراف والعادات بين البلدان كما هو معروف وظاهر، ولاختلاف مكانة الأزواج من الناحية المالية والاجتماعية، إلى غير ذلك من صور التفاوت التي هي من سنن الله في خلقه، ولعظيم موقع هذه المعاني التي دلت عليها هذه القاعدة القرآنية: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]. أكّد النبي ﵌ هذه الحقوق في أعظم مجمع عرفته الدنيا في ذلك الوقت. حين خطب الناس في يوم عرفة في حجة الوداع، فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال ﷺ :

стр. 147

«فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه؛ فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (١). والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدًّا، والمقصود التنبيه على عظيم موقع هذه القاعدة الشرعية، والتي يتألم المؤمن من كثرة ما يرى من هتك لحرمتها، وعدم مراعاة لحدودها! فترى بعض الرجال لا يحسن إلا حفظ وترديد الآيات والحقوق التي تخصه، ولا يتحدث عن النصوص التي تؤكد حقوق زوجته، فـ ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ [المطففين: ١] (٢). ومن هنا يتأكد: وجوب بيان حقي الزوجين أحدهما على الآخر، وذلك إعذارًا إلى الله في وجوب البيان من جهة، ومن جهة أخرى ليصبح كل من الزوجين على بينة من أمره. حقوق الزوجين وواجباتهما: أولًا: حقوق الزوج على زوجته: وحقوق الزوج على زوجته من أَجَلِّ الحقوق وأعظمها؛ بل إن حقه عليها أعظم من حقها عليه، لذا فبه نبدأ. يقول الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].

стр. 148

ومن أخص تلك الحقوق: أولاً - وجوب الطاعة: لأن الله جعل الرجال قوَّامين على النساء، وقيامهم على شؤونهن ورعايتهن يكون بالتعليم والتوجيه للخير والإعانة عليه، كما يقوم الوالي على رعيته، وبما خص الله به الرجل من خصائص عقلية وبدنية، وبما أوجب عليه لها من النفقات، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤] قال ابن كثير ﵀: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] يعني: أمراء عليهن، أي: تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة لأهله حافظة لماله. وكذا قال مقاتل والسدي والضحاك (١). ثانيًا- تسليم نفسها لزوجها وتمكينه من حق الاستمتاع بها: ويتم ذلك بمجرد العقد والدخول بها وعدم الامتناع عنه إلا لعذر شرعي، لأن امتناعها عنه دون عذر شرعي كبيرة توجب سخط الله وعقابه. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح» (٢)، والملائكة لاتلعن إلا على كبيرة. ثالثًا- ألا تُدخل أحدًا بيته إلا بإذنه: فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل للمرأة أن تصوم

стр. 149

وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه .. » (١). وقال ﷺ : «ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه» (٢)، وقد سبق الحديث معنا بطوله وتمامه. رابعًا- عدم الخروج من بيتها إلا بإذنه: من حق الزوج على زوجته ألا تخرج من بيتها إلا بإذنه؛ لأنه سيدها ووليها وقيمها. خامسًا- تعليمها أمر دينها، وتأديبها إذا دعت الحاجة: من واجبات الزوج تجاه زوجته المحافظ على أمر دينها، ويعلمها ما جهلت من شرع ربها سواء بنفسه إذا كان ذا علم، أو ييسر لها سبل التعلم، وبهذا تستطيع أن تعبد الله على بصيرة، كما أن تعليمها هو أساس تعليم أفراد الأسرة، لأنها إذا تعلمت، علمت أبناءها بالقول والقدوة الحسنة، وبذلك يقي الزوج أهله شقاء الدنيا والآخرة. يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦]. فليس من الأمانة تجاهل الدين والحلال والحرام، فإن في ذلك شقاء الدارين. وكذلك يجب عليه تأديبها بالمعروف، إذا تعالت وتمردت عليه؛ لأن الله تعالى أمر بتأديب النساء وذلك عند النشوز والعصيان والتمرد وعدم الطاعة.

стр. 150

قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]. وإنما يكون التأديب بالتدرج بالوعظ، وتكراره بالأسلوب الحسن والكلمة الطيبة أولًا، فإن لم يُجْدِ معها، فبالهجر في الفراش ثانيًا، فإن لم يؤثر، فالضرب تأديبًا -لا تشفيًا- ثالثًا، مع مراعاة الضوابط الشرعية، بأن لا يكون الضرب وقت الغضب الشديد، وأن يكون مقصده منه تأديبها وردعها وزجرها وأطرها على الحق أطرًا، وألا يكون ضربًا شديدًا مبرحًا بأن يكسر عظمًا، أو أن يترك أثرًا، وأن يتجنب الوجه والرأس والحواس، وألا يلجأ إليه إلا بعد بذل كل سبيل مشروع في إصلاحها وردها إلى رشدها، فإن لم تستجب فقد أعذر إلى الله، ويستخدم التأديب بالضرب في أضيق الحدود مع ضوابطه الشرعية كما أسلفنا. سادسًا- خدمة زوجها بالمعروف: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وتجب خدمة زوجها بالمعروف من مثلها لمثله ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال فخدمة البدوية ليست كخدمة القروية، وخدمة القوية ليست كخدمة الضعيفة» (١). سابعًا- معاشرتها لزوجها بالمعروف: تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. - قال القرطبي: «عن ابن عباس ﵄ قال: أي: لهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه عليهن لأزواجهن. وقال ابن زيد: تتقون الله فيهن كما عليهن أن يتقين الله

стр. 151

فيكم، والمعنى متقارب والآية تعم جميع ذلك من حقوق الزوجية» (١). والبشرى للزوجة الصالحة: فإن على الزوجة أن تتقي الله في زوجها، وأن تقوم بحقوقه قدر الطاقة، وأن لا يحملها تقصير زوجها في حقها على مقابلة ذلك بالتقصير في حقه، وعليها أن تصبر وتحتسب، فالأجر عند الله عظيم فعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفظتْ فَرجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا، قِيْلَ لَهَا: ادخُلِي منْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ» (٢). وعن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ قال: «أَلَا أُخبِرُكُم بِرِجَالِكُم فِي الجَنَّةِ؟» قُلنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قال: «النَّبِيُّ فِي الجَنَّةِ، وَالصِّدِّيقُ فِي الجَنَّةِ، وَالرَّجُلُ يَزُورُ أَخَاهُ فِي نَاحِيَةِ المِصرِ لَا يَزُورُهُ إِلاَّ لِلَّهِ فِي الجَنَّةِ، أَلَا أُخبِرُكُم بِنِسَائِكُم فِي الجَنَّةِ؟» قُلنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «وَدُودٌ وَلُودٌ إِذَا غَضِبَت أَو أُسِيءَ إِلَيهَا أَو غَضِبَ زَوجُهَا قَالَت: هَذِهِ يَدِي فِي يَدِكَ، لَا أَكتَحِلُ بِغُمضٍ حَتَّى تَرضَى» (٣). ثانيًا: حقوق الزوجة على زوجها: للزوجة على زوجها حقوق عظيمة وجليلة، منها حقوق مادية، وهي: المهر،

стр. 152

والسكنى، والنفقة، وحقوق حسية ومعنوية، من أَجَلِّهَا: المعاشرة بالمعروف والعدل في القسم بين الزوجات وعدم الإضرار بالزوجة. ١ - الحقوق الماليَّة: أ -الصداق: هو المال الذي تستحقه الزوجة على زوجها بالعقد عليها أو بالدخول بها، وهو حق واجب للمرأة على الرجل، قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، أي: عطية واجبة والأمر بإيتاء المرأة صداقها، فيه إكرام لها، وبيان لمكانتها في الإسلام، وفيه إظهار لعظم شأن هذا العقد ومكانته في شريعتنا الغراء. والمهر ليس شرطًا في عقد النكاح ولا ركنًا عند جمهور الفقهاء، وإنما هو أثر من آثاره المترتبة عليه، فإذا تم العقد عليها ولم يسمِّ لها مهرًا صح العقد باتفاق الجمهور، ووجب عليه مهر مثلها، لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فإباحة الطلاق قبل المسيس وقبل فرض صداق يدل على جواز عدم تسمية المهر في العقد باتفاق. ب- النفقة: وقد أجمع علماء الإسلام على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن بشرط تمكين المرأة نفسها لزوجها، فإن امتنعت منه أو نشزت لم تستحق النفقة لأن الناشز لا نفقة لها. والحكمة في وجوب النفقة لها: أن المرأة محبوسة على الزوج بمقتضى عقد الزواج، ممنوعة من الخروج من بيت الزوجية إلا بإذن منه للاكتساب، فكان

стр. 153

عليه أن ينفق عليها، وعليه كفايتها، وكذا هي مقابل الاستمتاع وتمكينه من نفسها. وفي السُّنَّةِ: عن عائشة قالت: دخلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بنيَّ إلا ما أخذت من ماله بغير علمه، فهل عليَّ في ذلك من جناح؟ فقال رسول الله ﷺ : «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك» (١). ولقوله ﷺ في خطبة حجة الوداع: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (٢)، وقد سبق الحديث معنا بطوله وتمامه. ج- السكنى: وهو من حقوق الزوجة، وهو أن يهيئ لها زوجُها مسكنًا على قدر سعته وقدرته، قال الله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]. ٢ - الحقوق الحسية والمعنوية: أ-العدل بين الزوجات: إن من حق الزوجة على زوجها العدل بالتسوية بينها وبين غيرها من زوجاته، إن كان له زوجات، في المبيت والنفقة والكسوة. ب- حسن العشرة: ويجب على الزوج معاشرة زوجته بالمعروف بأن يحسن إليها بكل وجوه الإحسان ولا يؤذيها ولا يوقع بها الضرر؛ بل يصبر عليها ويتحمل منها الأذى،

стр. 154

بل يلاطفها لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وقوله سبحانه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. - قال ابنُ كثير -رحمه الله تعالى: «﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] أي: طَيِّبُوا أقوالكم لهنَّ، وحَسِّنُوا أفعالكم وهَيْئَاتِكُم بحسب قُدرتكم، كما تحبُّ ذلك منها، فافعل أنت مثله» (١). * وفي السُّنَّة: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «استوصوا بالنساء» (٢)، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا، وخيارُكم خيارُكم لنسائِهم» (٣). ففي هذا الحديث يُبَيِّن النبيُّ ﷺ أنَّ مَن كَمُل إيمانه هو من حَسُن خُلُقُه مع جميع الناس، ثم بيَّن أن خير الناس من كان خيرُه لزوجته خاصَّة، وذلك بأن يُعَامِلَها بالحسنى، ويصبر على أخلاقها، ويكُفَّ الأذى عنها، قال الحسنُ البصري ﵀: «حقيقة حُسن الخلق: بذْلُ المعروف، وكفُّ الأذى، وطلاقة الوجه»، وقد كان النبيُّ ﷺ خيرَ الناس؛ ولهذا كان ﷺ أحسنَ الناس معاشرةً لأزواجه، فإنه قد صحَّ عنه ﷺ أنه قال: «خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم

стр. 155

لأهلي» (١). البشارة للزوج الصالح: أما البشارة التي جاءت للزوج الذي يحسن صحبة زوجته، فهي أن النبي ﷺ شهد له بكمال الإيمان الموجب لدخول الجنة، وبالأفضلية على سائر الناس. فعن أبي هُريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يَفْرُك مؤمنٌ مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر- أو قال: غيره» (٢). ومعنى «يَفْرُك»: يبغض. ومعنى ذلك أن يتغاضى عمّا لا يمس الدين أو الخلق مما لا يوافق رغبته نظير الكثير من الأخلاق المرضية فيها. إذ إنه لا تتم السعادة الزوجية إلا بأن يؤدي كل من الزوجين ما يجب عليه نحو الآخر، لكن بعض الأزواج قد يتعسف في استعماله حقه على زوجته فلا يراعي كرامتها وإنسانيتها، فضلًا عن حقها في الإسلام فتجده يهينها ويظلمها ويماطل في أداء حقوقها. وحتى لو كره الرجل من زوجته بعض الطباع التي لا تنتقص من دينها ولا تخدش من عرضها فعليه أن يصبر عليها ويتحمّلها لما في ذلك من العواقب الحميدة. قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا

стр. 156

كَثِيرًا (١٩)﴾ [النساء: ١٩]، وفي المقابل فإن بعض النساء قد تترفَّع وتتعالى على زوجها وتتمنَّع من أداء حقه عليها ولا تخضع لقوامته عليها فينشأ الخلاف ويتصدع بنيان الأسرة المرصوص، وهذا خلق لا يرتضيه الإسلام ولا تتحقق معه المصالح الزوجية ولا تنشأ عنه في الغالب أسر صالحة مستقرة، فالواجب التوبة والأوبة والتزام العشرة بالمعروف بين الزوجين، حتى ينعما جميعًا بحياة هنيئة طيبة مطمئنة ترفرف فيها السعادة بجناحيها في جنبتي البيت. يقول العلامة ابن العربي المالكي (١) ﵀: (١) «وحقيقة «عشر» في اللغة العربية الكمال والتمام، ومنه: العشيرة، فإنه بذلك كمل أمرهم، وصح استبدادهم عن غيرهم، وعشرةٌ تمام العقد في العدد، فأمر الله سبحانه الأزواج إذا عقدوا على النساء أن يكون أَدَمَةُ ما بينهم وصحبتهم على التمام والكمال، فإنه أهدأ للنفس، وأقر للعين، وأهنأ للعيش، وهذا واجب على الزوج، ومن سقوط العشرة تنشأ المخالعة، وبها يقع الشقاق، فيصير الزوج في شق، وهو سبب الخلع» (٢).

стр. 157

ويقول العلامة الجصاص (١) الحنفي: معلقًا على هذه القاعدة ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] «هو أمر للأزواج بعشرة نسائهم، ومن المعروف: أن يوفيها حقها من المهر، والنفقة، والقَسْمِ، وترك أذاها بالكلام الغليظ، والإعراضِ عنها والميل إلى غيرها، وترك العبوس والقطوب في وجهها بغير ذنب» (٢). - وقال الغزالي في الإحياء: «والمعاشرة بالمعروف تكون بِحُسْن الخُلُق معها، وكف الأذى عنها؛ بل احتمال الأذى منها، والحِلْم عن طيشها وغضبها؛ اقتداءً برسول الله ﷺ فقد كانتْ أزواجه تراجعْنَه الكلام؛ بل أن يَزيد على احتمال الأذى منها بالمداعبة، والمزاح والملاعبة، فهي التي تُطَيِّب قلوبَ النساء، وقد كان رسول الله ﷺ يمزح معهنَّ» (٣). وليتدبر كلٍّ من الزوجين ما قصّه الله تعالى في سورة الطلاق من أحكام وتوجيهات عظيمة، فإن الله تعالى -لما ذكر أحكامًا متنوعة في تلك السورة-

стр. 158

عقّبَ على كل حكم بذكر فوائد التقوى التي هي سبب كل خير، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. وقال : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾ [الطلاق: ٤]. وقال تقدس اسمه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾ [الطلاق: ٥]؛ ولعل السر في تتابع هذه التعقيبات: أن أحوال الطلاق عقب الفراق ـ مع وجود الحمل والإرضاع أو بقاء العدة ـ قد تحمل أحد الطرفين على التقصير والبغي، ونحو ذلك من التجاوزات، فجاءت هذه التعقيبات الإلهية لتبشر المتقين، ولتحذير المجانبين للتقوى، بأن أضداد هذه الوعود الإلهية ستحصل إن أنتم فرطتم في تطبيق شرع الله، ويوضح هذا المعنى ختم السورة بهذه الآية المخوفة، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠)﴾ [الطلاق: ٨ - ١٠]. ولقد كان سلف هذه الأمة يفقهون حقًّا معاني هذه النصوص العظيمة، ومن ذلك هذه القاعدة القرآنية المحكمة: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]. فهذا حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس ﵁، يقول: كما رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه»: «إني أحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وما أحب أن أستنطف -أي: (أستوفي) - جميع حقي عليها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلِلرِّجَالِ

стр. 159

عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]» (١). وبعد فهذه هي نظرة الإسلام العميقة للعلاقة الزوجية، اختصرتها هذه القاعدة القرآنية المحكمة: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وكذلك: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فهي علاقة قائمة على المعاشرة بالمعروف، وعلى الصبر على ما قد يبدر من الطرفين من تقصير، فإن كانت العلاقة غير قابلة للاستمرار فيأتي الأمر بالتسريح بالمعروف والإحسان ـ أيضًاـ الذي يحفظ حق الكرامة لكلا الطرفين؛ كلُّ هذا يجعل المؤمن يفخر ويحمد الله على هدايته وانتمائه لهذه الشريعة العظيمة الكاملة من كل وجه، وينظر بعين المقت لتلك الأقلام الهابطة، والدعوات السيئة التي تجرئ المرأة إذا رأت من زوجها ما تكره ـ أو توحي للرجل إذا رأى من زوجته ما يكره ـ أن ينحرف قلبه قليلًا عن مساره الشرعي (٢). وفي نهاية هذا المبحث المهم يجدر بيان أهم آثار المعاشرة بين الزوجين على الأبناء: - إن الانسجام والتآلف والتطاوع والتلاحم بين الأبوين له أثار عظيمة بعد مشيئة الله لدوام العشرة بينهما وحسن رعايتهما لأولادهما، ومن ثَمَّ تربية الأبناء

стр. 160

تربية سوية، وأن الخلاف بينهما، يمزّق كيان الأسرة ويشتتها، كما أنه إذا ظهر الخلاف أمام الأولاد فإنه يدفعهم إلى التمرد والعصيان وعدم القناعة بتوجيهات الوالدين، وأن عدم المعاشرة بين الزوجين بالمعروف قد يصيب الأولاد ببعض العقد والأزمات النفسية، ولذلك جعل الشرع الهجر لتأديب الزوجة في المضجع فقط، حتى لا يطلع عليه الأبناء، فقال : ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤]، فسبحانه من مشرع حكيم عليم. وفي «السنن» و «المسند» عن معاوية بن حيدة القشيري (١) أنه قال: يا رسول الله، ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبّح، ولا تهجر إلا في البيت» (٢). وختامًا: فإذا تحققت المعاشرة بالمعروف بين الزوجين أضحت الأسرة بيئة خصبة

стр. 161

وأرضًا طيبًة مؤهلة لتربية جيل صالح مؤهل للاستخلاف في الأرض، وإذا نشأ الأبناء في مثل هذه البيئة الطيبة وتفتحت أعينهم على أبوين كريمين متحابين متآلفين متفاهمين متعاونين على البرّ والتقوى، وفي أسرة يسود فيها الحب والود والعطف والحنان، والرحمة، ورأى الأبناء بأم أعينهم السعادة ترفرف بجناحيها في هذا البيت، وأحسوا بالسكينة تتنزل بين جنبتي البيت، ترعرعوا وتربوا تربية سوية ونشأوا نشأة صالحة وتأثروا نفسيًّا ووجدانيًّا بهذه البيئة الطيبة الصالحة وبهذا المحضن التربوي الآمن، وخرجوا للمجتمع متكاملي الأخلاق حسني الطباع وقد تهيأوا لأن يكونوا عبادًا صالحين مهيئين للإصلاح وللقيادة والريادة. اللهم كما هديتنا لهذه الشريعة الغراء دون أن نسألك فارزقنا العمل بها، والثبات عليها حتى نلقاك ونحن نسألك، والحمد لله رب العالمين.

стр. 162

المظهر الثالث التربية بالقدوة مفهوم القدوة في اللغة والاصطلاح: مفهوم القدوة لغة: القدوة: هي الأسوة، وتأتي في اللغة بالكسر والضم ويراد بها الاقتداء بالغير ومتابعته والتأسي به (١).

стр. 163

- قال ابن منظور: «يقال: قدوة وقدوة لما يقتدى به، والقدوة الأسوة» (١). - وقال الجوهري: «القدوة: الأسوة يقال: فلان قدوة يقتدى به، وقد تضم فيقال: قدوة وقدوة» (٢). مفهوم القدوة في الاصطلاح: - قال المناويّ: «القدوة: هي الاقتداء بالغير ومتابعته والتّأسّي به» (٣). والقدوة إن كانت حسنة كان الاقتداء حسنًا، وإن كانت فاسدة كان الاقتداء فاسدًا. إذًا فالقدوة على ضربين: حسنة، وسيئة: أولاً القدوة الحسنة: والقدوة الحسنة هي المثال العملي للأخلاق والفضائل المثلى، وهذا المثال العملي قد يكون مثالًا حيًّا مشاهدًا ملموسًا يعيش بين الخلق فيُتأسى به، وقد يكون مثالًا ماثلًا في النفس البشرية، بسيرته الحميدة وأفعاله السديدة وما أشيع ونقل عنه من محامد وشيم كريمة وسيرة حسنة وصفات صالحة وأخلاق فاضلة، وما نقل عنه من الأنباء والأقوال والأعمال المرضية. ثانيًا القدوة السيئة: والقدوة السّيّئة هي: الاقتداء بأهل الباطل ومتابعتهم والتّأسّي بهم في فعل السّيّئات وترك الحسنات (٤). قال تعالى عنهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ [الزخرف: ٢٣]. الحاجة إلى القدوة الحسنة في التربية: أولًا- القدوة الحسنة تشجع على بلوغ الفضائل وتجعل ذلك ممكنًا، فهي تعتبر من أكثر أساليب التربية تأثيرًا في سلوك ونفوس الناشئة، فهي المثال الحي للسلوك التربوي السَّويّ، وهي تولد في نفوس الناشئة القناعة بأن ما يتصف به القدوة من أخلاق وشيم حسنة وصفات طيبة كريمة، أمر ليس بمعجز؛ بل هو

стр. 164

أمر واقع ماثل أمام أعينهم، يمكنهم التأسي به ومحاكاته. - قال الإمام الشاطبي ﵀: «إذا وقع القول بيانًا فالفعل شاهد له ومصدق، وبيانه وتفصيله أن العالم إذا أخبر عن إيجاب عبادة من العبادات أو لزوم فعل من الأفعال ثم فعله هو لم يخل به في مقتضى ما قاله فيه، عند ذلك يقوى اعتقاد إيجابه وينتهض العمل به عند كل من سمعه وأخبر عنه ورآه يفعله» (١). ثانيًا- مهما وضع القائمون على مناهج التربية من برامج ومناهج تربوية متكاملة، محكمة، ومهما وضعوا من أسس تربوية مؤصلة لتربية الناشئة، ومهما يكن من ذلك كله، فإنه لا يغني أبدًا عن وجود أخلاق عملية وصفات حية تتمثل في (القدوة) ليغرس في نفوس الناشئة بصفاته وأخلاقه العملية-وبفعله قبل قوله -كل ما يرمون إليه من مبادئ ومفاهيم وأهداف تربوية سامية. ثالثًا- القدوة الحسنة تثير في نفوس العقلاء والنبلاء الاستحسان والتقدير والإجلال . ومن هنا تحرك في نفوسهم محاولة التقليد،، والبشر قد فُطِرُوا على افتقاد القدوة الحسنة لتكون لهم مشعل هداية، ومثالًا حيًّا يهديهم سبيل الرشاد، لذا كان من حكمته جل في علاه إرسال الرسل ليكون واسطة بين الخالق والمخلوق في إبلاغ الحق للخلق، بلسان المقال بالبلاغ، وبلسان الحال بالاقتداء والتأسي بهم. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٣ - ٤٤].

стр. 165

رابعًا: إن مستوى الإدراك والاستيعاب يتفاوت بين الناس ، ولكن أمام رؤية العين المجردة المثال العملي الحي وهو (القدوة) يتساوى فيه كل البشر، لذا كانت الحاجة ضرورية وملحة لوجود القدوة الحسنة لتستوعب عموم طبقات البشر، فَيُوَلِّد لديهم الحوافز القوية والفعالة لأن يتمثلوا أخلاقه وأفعاله. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. - قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: «هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله; ولهذا أمر الناس بالتأسي بالنبي ﷺ يوم الأحزاب، في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه ، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين; ولهذا قال تعالى للذين تقلقلوا وتضجروا وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، أي: هلا اقتديتم به وتأسيتم بشمائله؟ ولهذا قال: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]». ففي هذا الآية إرشاد عظيم من الله ﵎ لعموم المؤمنين أن يتخذوا من رسول الله ﷺ قدوة وأسوة حسنة لهم، يقتدون به، في أعماله، وأقواله، وأخلاقه، وكلِّ أمره فهو خير أسوة وقدوة يقتدي بها. يقول ابن حزم (١):

стр. 166

«فمن أراد خير الآخرة، وحكمة الدنيا، وعدل السيرة، والاحتواء على محاسن الأخلاق، واستحقاق الفضائل بأسرها، فليقتد بمحمد ﷺ وليستعمل أخلاقه وسيرته ما أمكنه» (١). والله سبحانه يوجه رسوله ﷺ ومعه أمته إلى الاقتداء بالمرسلين الذين اختارهم لنبوته ورسالته وأنزل عليهم كلامه؛ فقال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٨٩ - ٩٠]. - يقول الطبري في تفسيره لهذه الآية: «يقول تعالى ذكره: (أولئك) هؤلاء القوم الذين وكلنا بآياتنا وليسوا بها بكافرين، هم الذين هداهم الله لدينه الحق،

стр. 167

وحفظ ما وكلوا بحفظه من آيات كتابه والقيام بحدوده، واتباع حلاله وحرامه والعمل بما فيه من أمر الله، والانتهاء عما نهى فيه من نهيه، فوفقهم جل ثناؤه لذلك ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] يقول تعالى ذكره: فبالعمل الذي عملوا، والمنهاج الذي سلكوا، وبالهدى الذي هديناهم، والتوفيق الذي وفقناهم اقتده يا محمد، أي: فاعمل وخذ به واسلكه فإنه عمل لله فيه رضًا ومنهاج من سلكه اهتدى» (١). - يقول ابن سعدي ﵀: «أيها الرسول، اتبع ملة هؤلاء الأنبياء الأخيار، وقد امتثل فاهتدى بهدي الرسل من قبله وجمع كل كمال فيهم فاجتمعت لديه فضائل وخصائص فاق بها جميع العالمين» (٢). ولقد اقتدى ﷺ بالقرآن فكان خلقه القرآن، كما وصفته أم المؤمنين عائشة ﵂ بعد صحبة طويلة لمّا سُئِلَت عن خُلُقِهِ ﷺ قالت: «كان خُلُقُهُ القُرآنَ» (٣). واقتدى الصحابة ﵃ برسولهم ﵌ في عبادته، وحلمه، وتواضعه، وزهده، وجوده، وكرمه، ورحمته، وشجاعته، وقوته، وحسن سياسته، وتدبيره، وثباته على المبدأ، والتابعون اقتدوا وتأسوا بالصحابة الكرام ﵃، ولذا يقول ابن مسعود ﵁ للتابعين: «اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كُفِيتُمْ» (٤).

стр. 168

ولئن انتقل الرسول صلوات الله عليه إلى الرفيق الأعلى، فإنَّ سيرته التي تحتوي على جزئيات سلوكه ماثلة لنا، وفيما بلغنا من تراجم أصحابه رضوان الله عليهم ما يكفي لتجسيد القدوة الحسنة للمجتمع المسلم. ثم إنَّ كلَّ عصر من العصور من بعدهم لا يخلو من وجود طائفة من أمة محمد ﷺ تصلح لأن تكون قدوة حسنة، قَلَّت هذه الطائفة، أو كَثُرت فعن الْمُغِيرَةِ بن شعبة ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَنْ يَزَالَ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ» (١). وقد قيل قديمًا: «لا يخلو زمان ليس فيه قائم لله بحجة». وفي محض وصف عباد الرحمن، يقول الحق جل في علاه: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان]. يقول ابن سعدي ﵀: «أوصلنا يا ربنا إلى هذه الدرجة العالية، درجة الإمامة في الدين وأن يكونوا قدوة للمتقين في أقوالهم وأفعالهم، يقتدى بأفعالهم، ويطمأن لأقوالهم، ويسير أهل الخير خلفهم، فيهدون ويهتدون؛ ولهذا لما كانت هِممهم ومطالبهم عالية، كان الجزاء من جنس العمل» (٢). أهم سمات ومقومات المربي القدوة: إن المربي القدوة يجب أن يتحلى بأَجَلِّ الصفات وأعظمها قدرًا عند الله،

стр. 169

حتى يصبح أهلًا لهذه المكانة السامية، وليصبح محل تأثير أبلغ في نفوس المتأسين والمقتدين به وينال الرفعة والمكانة العالية. ومن أهم تلك الصفات ما يلي: أولاً- الصلاح والتقوى: - تعريف التقوى: قال الحافظ ابن رجب الحنبلي (١) ﵀: «أصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه» (٢). قال ابن القيم ﵀ في التقوى: «حقيقتها العمل بطاعة الله إيمانًا واحتسابًا أمرًا ونهيًا، فيفعل ما أمر الله به إيمانًا بالآمر وتصديقًا بوعده، ويترك ما نهى الله عنه إيمانًا بالناهي وخوفًا من وعيده» (٣). والتقوى من أَجَلِّ وأعظم الصفات التي أمر الله تعالى بها أهل الإيمان على أن يتحلوا ويتصفوا بها، لما لها من عظيم الأثر في تطهير قلوبهم واستقامة نفوسهم

стр. 170

وصلاح أحوالهم، وهي من أهم وأسمى وأعظم وأَجَلِّ مقاصد الشريعة الإسلامية، وعليها يدور مدار جميع التكاليف الشرعية في دين رب البرية. والتقوى رتبة من مراتب الإيمان العالية والغالية، ولأهلها عند الله درجة رفيعة ومكانة سامية، لا ينالها المؤمن إلا بالصبر والمصابرة ومجاهدة النفس على طاعة الله ومراقبته وخشيته، وأطرها على لزوم الأمر واجتناب النهي والتقرب إلى الله بما يحب ويرضى من جميع أنواع العبادات الظاهرة والباطنة. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. - قال الإمام ابن كثير ﵀: «يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه وأن يعبدوه عبادة من كأنه يراه وأن يقولوا (قَوْلًا سَدِيدًا). أي: مستقيمًا لا اعوجاج فيه ولا انحراف، ووعدهم أنهم إذا فعلوا ذلك أثابهم عليه بأن يصلح لهم أعمالهم، أي: يوفقهم للأعمال الصالحة، وأن يغفر لهم الذنوب الماضية. وما قد يقع منهم في المستقبل يلهمهم التوبة منها، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١] وذلك أنه يجار من نار الجحيم ويصير إلى النعيم المقيم» (١). وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨]. وبَيَّنَ ربنا ﵎ أن خير الزاد الذي ينفع العبد في الآخرة هو التقوى

стр. 171

فقال سبحانه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧]. والتقوى في القرآن الكريم هي وصية الله للأولين والآخرين، قال -جل وعلا-: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]. - قال الإمام الطبري ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾، يقول: «ولقد أمرنا أهل الكتاب، وهم أهل التوراة والإنجيل «وإياكم»، يقول: وأمرناكم وقلنا لكم ولهم: «اتقوا الله»، يقول: احذروا الله أن تعصوه وتخالفوا أمره ونهيه» (١). وبَيَّنَ ربنا ﵎ أن خير الزاد الذي ينفع العبد في الآخرة هو التقوى فقال سبحانه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧]. ولقد أمر الله تعالى عباده بالتقوى في مواضع شتى من كتابه المجيد، فقال -جل وعلا-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]. - قال ابن مسعود ﵁ في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: «أن يطاع فلا يُعْصَى، وأن يُذْكَرَ فلا يُنْسَى، وأن يُشْكَرَ فلا يُكْفَر». - وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قال: «لم

стр. 172

تنسخ، ولكن ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يجاهدوا في سبيله حق جهاده ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم». وروي عن أنس ﵁ أنه قال: «لا يتقي اللهَ العبدُ حق تقاته حتى يخزن لسانه» (١). وقال الإمام الطبري ﵀: «يعني بذلك جل ثناؤه: يا معشر من صدّق الله ورسوله ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾، خافوا الله ورَاقبوه بطاعته واجتناب معاصيه ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، حقّ خوفه، وهو أن يُطاع فلا يُعْصَى، ويُشْكَرَ فلا يُكْفَر، ويُذْكَرَ فلا يُنْسَى ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ﴾، أيها المؤمنون بالله ورسوله ﴿إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ لربكم، مذعنون له بالطاعة. مخلصون له الألوهيةَ والعبادة» (٢). والتقوى وصية الله تعالى لأتقى الخلق ﷺ ، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب: ١]. ولعظم شأن التقوى: كان ﷺ يسأل ربه ويتزلف إليه بأن يرزقه التقوى فيقول: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى» (٣). فالله أمره بالتقوى فسألها، ولزمها، ودعا أمته لزومها، فعن أبي ذر الغفاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها،

стр. 173

وخالق الناس بخلق حسن» (١)، ويقول ﷺ : «اتق المحارم تكن أعبد الناس» (٢). وختامًا فإن التقوى من أَجَلِّ وصايا الأنبياء ﵈ لأقوامهم: * فهذا نوح ﵇ ينادي قومه: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦)﴾ [الشعراء: ١٠٦]. * وهذا هود ﵇ يأمر قومه: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤)﴾ [الشعراء: ١٢٤]. * وهذا صالح ﵇ يوصي قومه: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢)﴾ [الشعراء: ١٤٢]. * وهذا لوط ﵇ يخوف قومه: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١)﴾ [الشعراء: ١٦١]. * وهذا شعيب ﵇ يحذر قومه: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [الشعراء: ١٧٧]. * وهكذا كان شأن جميع الرسل في دعوتهم لأممهم، وعلى هذا سار الأمراء والمصلحون في كل زمان مع أتباعهم، جعلنا الله وإياكم من عباده المتقين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والتقوى قاعدة من أهم قواعد هذا الدين وأساسه المتين الذي تقوم عليه شرائعه العظام وتوجيهاته وأخلاقه وآدابه الكبار، فيجب أن يكون المربي القدوة صالحًا في نفسه تقيًّا لربه، فالتقوى تؤهله للقيادة والريادة، وأن يصبح قدوة حسنة يصلح أن يتأسى به العباد، ويكون قدوة صالحة يأتم به الحاضر والباد. كما هو شأن عباد الرحمن في دعائهم: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان: ٧٤]. - قال قتادة: «أي: قادة في الخير، ودعاة هدى يؤتم بنا في الخير» (٣).

стр. 174

ولذا يقول الحق جل في علاه: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]. ثمار التقوى: وللتقوى ثمار عظيمة، من أهمها وأَجَلِّهَا: ١ - حصول الهدى، قال تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ٢]. ٢ - معية الله ونصرته للمتقين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [النحل: ١٢٨]. ٣ - تحقيق الولاية للمتقين، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)﴾ [الجاثية: ١٩]. ٤ - نيل المغفرة والمراتب العالية، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩]. ٥ - المخرج من كل ضيق، وسعة الرزق، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]. ٦ - تيسير الأمور، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾ [الطلاق: ٤]. ٧ - عظم الأجور، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾ [الطلاق: ٥]. ٨ - قبول جميع الأعمال، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧]. ٩ - نيل الفلاح، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].

стр. 175

١٠ - نيل البشرى، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [يونس: ٦٣ - ٦٤]. ١١ - الفوز بجنات النعيم، قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤)﴾ [القلم: ٣٤]. ١٢ - النجاة من النار، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢]. ١٣ - نيل العلم، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ١٤ - نيل الكرامة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]. وفي هذا كفاية لمن أراد الانطلاق والبداية. ثانيًا- الإخلاص لله في القول والعمل: تعريف الإخلاص: - قال ابن القيم ﵀: «فإن الْإِخْلاصَ هو تَجْرِيدُ الْقَصْدِ طَاعَةً لِلْمَعْبُودِ» (١). - قال الشنقيطي: «إفراد المعبود بالقصد في كل ما أمر بالتقرب به إليه» (٢). يا مبتغي الحمد والثواب … في عملٍ تبتغي محالا قد خيب الله ذا رياء … وأبطل السعي والكلالا

стр. 176

من كان يرجو لقاء ربه … أخلص من أجله الفعالا الخلد والنار في يديه … فرائه يعطك النوالا (١). يقول أبو محمد سهل بن عبد الله التستري (٢): «نظر الأكياس في تفسير الإخلاص فلم يجدوا غير هذا: أن تكون حركاته وسكناته في سره وعلانيته لله تعالى وحده، لا يمازجه شيء لا هوى ولا نفس، ولا دنيا» (٣). قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]. قال القرطبي في تفسير هذه الآية: «مخلصين له الدين، أي: مخلصين له العبادة، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ [الزمر: ١١]، وفي هذا دليل على وجوب النية في العبادات، فإن الإخلاص من عمل القلب وهو الذي يراد به وجه الله تعالى لا غيره» (٤).

стр. 177

وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ٢]. - قال الفضيل بن عياض: «هو أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إنَّ العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة (١)، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]». يقول النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁: «إنك لن تُخلف فتعمل عملًا تبتغي به وجه الله إلَّا ازددت به درجة ورفعة» (٢). يقول ابن القيِّم ﵀: «لو نفع العمل بلا إخلاص لما ذم الله المنافقين» (٣). ويقول ابن الجوزي: «فمن أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه، فالله الله في إصلاح السرائر؛ فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح الظاهر» (٤). ومن أَجَلِّ علامات الإخلاص: ١ - أن يستوي المدح والذم عند العبد. ٢ - وأن يقصد بعمله وجه الله والدار الآخرة. قال الإمام ابن القيم ﵀: «لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح، والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت،

стр. 178

فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص فأقبل على الطمع أولًا فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص» (١). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فإن المخلص ذاق من حلاوة عبوديته لله ما يمنعه من عبوديته لغيره؛ إذ ليس عند القلب أحلى ولا أنعم من حلاوة الإيمان بالله رب العالمين» (٢). ويقول ابن رجب ﵀: «ما ينظر المرائي إلى الخلق في عمله إلا لجهله بعظمة الخالق» (٣). ويقول ابن القيم ﵀: «أعمال القلوب هي الأصل، وأعمال الجوارح تبعٌ ومكملة، وإن النية بمنزلة الرُّوح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء الذي إذا فارق الروح فموات، فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح» (٤). وكلما كان العمل لوجه خالصًا لله، بعيدًا عن حظوظ النفس ومشتهياتها، كان صاحبه للتوفيق أقرب وللقبول أحرى، فعلى قدر إخلاص المربي (القدوة) في أداء رسالته ومهمته التربوية، يكون التأثر والتأسي به أدعى في نفوس الناشئة وأقوى والاستجابة له أبلغ وأسرع. ويقول ابن القيِّم ﵀: «وعلى قدر نية العبد وهمته ومراده ورغبته يكون

стр. 179

توفيق الله له وإعانته، فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدر هممهم» (١). وقال الرَّبيع بن خُثَيم (٢): «كل ما لا يراد به وجه الله يضمحل» (٣). ثالثًا: الاستقامة على دين الله: تعريف الاستقامة: الاستقامة هي: «سلوك الطريق المستقيم، وهو الدّين القويم من غير تعويج عنه يَمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطَّاعات كلّها الظَّاهرة والباطنة، وترْك المنهيَّات كلّها كذلك» (٤). «وسئل صدّيق الأمّة أبو بكر (٥) ﵁ عن الاستقامة، فقال: «ألّا تشرك بالله

стр. 180

شيئًا. يريد الاستقامة على محض التّوحيد» (١). قال عمر بن الخطّاب ﵁: «ألّا تشرك باللّه شيئًا، ولا تروغ روغان الثّعالب» (٢). قال ابن عبّاس ﵄ في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠]: «استقاموا على أداء الفرائض»، وقال أيضًا: «أخلصوا له الدّين والعمل»، وقال أيضًا: «استقاموا على طاعة الله» (٣). أمر الله تعالى عباده بالاستقامة، وبين لهم عواقبها الحميدة، فقال جل في علاه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. قال الإمام ابن كثير ﵀: «يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
следующие страницы →