من كان يرجو لقاء ربه … أخلص من أجله الفعالا
الخلد والنار في يديه … فرائه يعطك النوالا (١).
يقول أبو محمد سهل بن عبد الله التستري (٢): «نظر الأكياس في تفسير الإخلاص فلم يجدوا غير هذا: أن تكون حركاته وسكناته في سره وعلانيته لله تعالى وحده، لا يمازجه شيء لا هوى ولا نفس، ولا دنيا» (٣).
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].
قال القرطبي في تفسير هذه الآية: «مخلصين له الدين، أي: مخلصين له العبادة، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ [الزمر: ١١]، وفي هذا دليل على وجوب النية في العبادات، فإن الإخلاص من عمل القلب وهو الذي يراد به وجه الله تعالى لا غيره» (٤).
стр. 177
وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ٢].
- قال الفضيل بن عياض: «هو أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إنَّ العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة (١)، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]».
يقول النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁: «إنك لن تُخلف فتعمل عملًا تبتغي به وجه الله إلَّا ازددت به درجة ورفعة» (٢).
يقول ابن القيِّم ﵀: «لو نفع العمل بلا إخلاص لما ذم الله المنافقين» (٣).
ويقول ابن الجوزي: «فمن أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه، فالله الله في إصلاح السرائر؛ فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح الظاهر» (٤).
ومن أَجَلِّ علامات الإخلاص:
١ - أن يستوي المدح والذم عند العبد.
٢ - وأن يقصد بعمله وجه الله والدار الآخرة.
قال الإمام ابن القيم ﵀: «لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح، والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت،
стр. 178
فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص فأقبل على الطمع أولًا فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص» (١).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فإن المخلص ذاق من حلاوة عبوديته لله ما يمنعه من عبوديته لغيره؛ إذ ليس عند القلب أحلى ولا أنعم من حلاوة الإيمان بالله رب العالمين» (٢).
ويقول ابن رجب ﵀: «ما ينظر المرائي إلى الخلق في عمله إلا لجهله بعظمة الخالق» (٣).
ويقول ابن القيم ﵀: «أعمال القلوب هي الأصل، وأعمال الجوارح تبعٌ ومكملة، وإن النية بمنزلة الرُّوح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء الذي إذا فارق الروح فموات، فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح» (٤).
وكلما كان العمل لوجه خالصًا لله، بعيدًا عن حظوظ النفس ومشتهياتها، كان صاحبه للتوفيق أقرب وللقبول أحرى، فعلى قدر إخلاص المربي (القدوة) في أداء رسالته ومهمته التربوية، يكون التأثر والتأسي به أدعى في نفوس الناشئة وأقوى والاستجابة له أبلغ وأسرع.
ويقول ابن القيِّم ﵀: «وعلى قدر نية العبد وهمته ومراده ورغبته يكون
стр. 179
توفيق الله له وإعانته، فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدر هممهم» (١).
وقال الرَّبيع بن خُثَيم (٢): «كل ما لا يراد به وجه الله يضمحل» (٣).
ثالثًا: الاستقامة على دين الله:
تعريف الاستقامة:
الاستقامة هي: «سلوك الطريق المستقيم، وهو الدّين القويم من غير تعويج عنه يَمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطَّاعات كلّها الظَّاهرة والباطنة، وترْك المنهيَّات كلّها كذلك» (٤).
«وسئل صدّيق الأمّة أبو بكر (٥) ﵁ عن الاستقامة، فقال: «ألّا تشرك بالله
стр. 180
شيئًا. يريد الاستقامة على محض التّوحيد» (١).
قال عمر بن الخطّاب ﵁: «ألّا تشرك باللّه شيئًا، ولا تروغ روغان الثّعالب» (٢).
قال ابن عبّاس ﵄ في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠]: «استقاموا على أداء الفرائض»، وقال أيضًا: «أخلصوا له الدّين والعمل»، وقال أيضًا: «استقاموا على طاعة الله» (٣).
أمر الله تعالى عباده بالاستقامة، وبين لهم عواقبها الحميدة، فقال جل في علاه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
قال الإمام ابن كثير ﵀: «يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
стр. 181
اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠]: أي: أخلصوا العمل لله وعملوا بطاعة الله تعالى على ما شرع الله لهم» (١).
وقال الإمام الطبري ﵀: «يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [فصلت: ٣٠] وحده لا شريك له، ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] على توحيد الله، ولم يخلطوا توحيد الله بشرك غيره به، وانتهوا إلى طاعته فيما أمر ونهى (٢)، ولعظم شأنها يأمر الله بها نبيه ﷺ ، يقول تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢]».
قال الإمام ابن كثير ﵀: «يأمر تعالى رسوله ﷺ وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة، وذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء ومخالفة الأضداد، ونهى عن الطغيان وهو البغي، فإنه مصرعة حتى ولو كان على مشرك، وأعلم تعالى أنه بصير بأعمال العباد لا يغفل عن شيء ولا يخفى عليه شيء» (٣).
- وعن سفيان بن عبد الله الثقفي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: «قل آمنت بالله، ثم استقم» (٤).
ويقول ابن القيِّم ﵀:
«فالاستقامة كلمة جامعة، آخِذة بمجامع الدين، وهي القيام بين يدَي الله
стр. 182
على حقيقة الصِّدْق والوفاء» (١).
ويقول ﵀ أيضًا: «سمعتُ شيخَ الإسلام ابنَ تيمية -قدس الله روحه- يقول: أعظمُ الكرامة لزوم الاستِقامة» (٢).
ويقول الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀: «أصل الاستِقامة استقامة القلْب على التَّوحيد .. فمتى استقام القلب على معرفة الله وعلى خشيته وإجلاله ومهابته ومحبَّته وإرادته، ورجائه ودعائه والتوكُّل عليه والإعراض عمَّا سواه - استقامت الجوارح كلّها على طاعته، فإنَّ القلب هو ملك الأعضاء، وهي جنوده؛ فإذا استقام الملك استقامت جنوده ورعاياه، وأعظم ما يراعى استقامته بعد القلب من الجوارح: اللِّسان؛ فإنَّه ترجمان القلب والمعبِّر عنه» (٣).
وإن مجاهدة المربي القدوة نفسَهُ في إصلاحها وسياستها وتقويمها وحملها على الاستقامة والسير بها على الصراط المستقيم، وأطرها على الحق أطرًا، وإلزامها أمر الله، له أبلغ الأثر وداعي التأسي به واتخاذه قدوة صالحة.
رابعًا: حسن الخلق:
تعريف حسن الخلق:
عرّفه مسكويه (٤) بأنه: «حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا رويّة»، قال: «وهذه الحال منها ما يكون طبيعيًّا من أصل المزاج، ومنها ما يكون
стр. 183
مستفادًا بالعادة والتدريب» (١).
وعرفه الغزالي فقال: «الخلق عبارة عن هيئة في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلًا وشرعًا سميت تلك الهيئة خلقًا حسنًا، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقًا سيئًا» (٢).
وعرفه ابن منظور فقال: «والخُلُق: بضم اللام وسكونها، وهو الدين والطبع والسجية، وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنة، وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصَّة بها، بمنزلة الخَلْق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة، والثواب والعقاب يتعلَّقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثرَ مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة؛ ولهذا تكرَّرت الأحاديث في مَدْح حُسْن الخُلُق في غير موضِعٍ» (٣).
فإن مكارم الأخلاق صفة من صفات الأنبياء والصديقين والصالحين، بها تُنال الدرجاتُ، وتُرفع المقاماتُ، وقد خص اللّه -جل وعلا- نبيه محمدًا ﷺ بآية جمعت له محامد الأخلاق ومحاسن الآداب، فقال -جل وعلا-: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
стр. 184
قال الإمام الطبري: «يقول - تعالى ذِكْره - لنبيِّه محمد ﷺ : وإنك يا محمد، لعلى أدب عظيم، وذلك أدب القرآن الذي أدَّبه به، وهو الإسلام وشرائعه، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل»، ثم نقَل عن ابن عباس ومجاهد وابن زيد والضحاك قولهم في تفسير: ﴿خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]؛ أي: دين عظيم، وهو الإسلام» (١).
- وقال الماوردي (٢): «أي: إنك على طَبْع كريم» (٣).
وحُسْن الخُلُق هو التخلق بالأخلاق العظام، والتأدب بآداب الإسلام التي أدَّب الله بها عبادَه الكرام، كما جاء وصفهم في كتاب ربنا العلام، و في سنة رسولنا ﷺ سيد الأنام.
стр. 185
قال ﷺ : «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس» (١).
«قال العلماء: البرّ يكون بمعنى الصلة وبمعنى اللطف والمبرة وحسن الصحبة والعشرة، وبمعنى الطاعة، وهذه الأمور هي مجامع حسن الخلق» (٢).
قال ابن دقيق العيد: «قوله ﷺ : «البِرُّ حسن الخلق»، يعني: أن حسن الخلق أعظم خصال البر كما قال ﷺ : «الحج عرفة» (٣) انتهى.
فكما أن الوقوف بعرفة أعظم أركان الحج، فكذلك حسن الخلق أعظم خصال البر.
أما البر:
فهو الذي يبرّ فاعله ويلحقه بالأبرار، وهم المطيعون لله ، والمراد بحسن الخلق: الإنصاف في المعاملة والرفق في المحاولة والعدل في الأحكام والبذل في الإحسان» (٤)، قال ابن رسلان (٥): «الخُلُق: عبارة عن أوصاف الإنسان التي
стр. 186
يُعامِل بها غيره» (١).
وقال أبو عثمان الجاحظ (٢): «إنَّ الخُلُقَ: هو حال النفس، بها يفعل الإنسان أفعاله بلا روية ولا اختيار، والخلق قد يكون في بعض الناس غريزة وطبعًا، وفي بعضهم لا يكون إلا بالرياضة والاجتهاد، كالسخاء قد يوجد في كثير من الناس من غير رياضة ولا تعلُّم، وكالشجاعة والحلم والعفة والعدل وغير ذلك من الأخلاق المحمودة» (٢).
وهذه المعاني في حقيقتها لا تُخالِف الوضعَ اللُّغوي لكلمة الخُلُق، وإن صُبِغت بمعنى شرعي حين يعبِّر حُسْن الخُلُق عن الالتزام بالآداب الشرعية الصادرة عن الأحكام القرآنية والتعاليم النبوية خاصة.
يقول الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣].
هذه آية عامة في الحض على مكارم الأخلاق والحثّ عليها مع عموم البشر، فينبغي للمربي القدوة أن يكون قوله للناس جميًعا حسنًا لينًا، وأن يكون منبسط الوجه منطلق المحيّا، فحين يتمثل أخلاق الإسلام في تعامله، فإنه أدعى لمحبته والسعي في تحقيق التأسي والاقتداء به مع من يأمل فيهم التأسي والاقتداء به،
стр. 187
وهذه السمة الحسنة يجب أن تتجلى بوضوح في علاقة المربي القدوة في تعامله مع الناس جميعًا.
خامسًا- وجوب موافقة القول العمل، وذم من خالف قوله فعله:
لقد تظاهرَتْ دلائل التنزيل (الكِتَاب والسُّنة). على ذمِّ من خالف قولُهُ فعلَه؛ لأنَّ ذلك فيه دلالة على ضعف إيمان صاحبه، وقد يؤدي به إلى النِّفاق، عياذًا بالله تعالى من ذلك، وقد جبلت نفوس أهل الإيمان على محبة وقبول من وافق قولُهُ فعلَه والنفور ممن خالف قولُهُ فعلَه، ولذا فيجب وجوبًا حتميًّا على كل مصلح وداعٍ ومُرَبٍّ حريص على أن يكون قدوة حسنة يُتأسى ويُقتدى به، أن يحرص كل الحرص على موافقة القولِ العملَ، حتى يكون داعيًا بحاله قبل مقاله.
وهذا يلزمه أن تأتي أعمالُهُ موافقة لأقواله؛ لأن هذه السمة الحسنة تكسب المربي والمصلح والداعي والقدوة ثقة وقناعة وإجلالًا وتقديرًا في نفوس المدعوين، فيتأسون بما يقول ويقتدون بما يعمل، كما يندرج تحت هذه السمة العظيمة أن تكون الأقوال الموافقة للأعمال مستمدة من شرع الله، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣].
قال الإمام الطبري: «إنَّ الله -تعالى- قد ذَمَّ بني إسرائيل على عدم إتْباع العِلمِ العملَ؛ فقال سبحانه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]، فإنَّهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله وبِتَقواه وهم يَعصُونه، فعَيَّرهم الله تعالى» (١).
стр. 188
وفي آيةٍ أخرى أخْبَر الله عنهم بقَوْله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
قال مالك بن مغول (١) -رحمه الله تعالى: «تركوا العمل به» (٢).
وفي قول الله تعالى: ﴿نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، وقوله سبحانه: ﴿نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١]، وقوله : ﴿نَسُوا الذِّكْرَ﴾ [الفرقان: ١٨].
- قال المفسِّرون: «ترَكُوا العمل به، فصاروا كالنَّاسين» (٣).
وإنَّ المتأمل في سير الأنبياء الكرام ﵈ وهم رُؤوس المُصْلِحين وقدوات الأنام، يرى أفعالَهم تُوافقها أقوالُهُم، حتَّى إنَّ المكذِّبين بهم من أقوامهم لم يَرْموهم بمخالفة أفعالِهِم أقوالَهم مع حاجتهم لمثل هذه التُّهمة في صَرْف النَّاس عن دَعوتهم وتصديقهم والإيمان بهم، لكنهم لم يَفْعلوا ذلك؛ لِعِلمهم أن الناس لا يصدِّقونهم؛ لأنّه من الكذب الظَّاهر، ومن الأنبياء مَن صرَّح بذلك كما فعَل شُعَيب ﵇ حين وعَظ قومه، فبيَّن لهم أنَّه أوَّل مَن يمتثِلُ ما يدعوهم إليه، حين ذكر الله -تعالى- من خبره مع قومه أنه قال: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا
стр. 189
أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨].
فموافقة القَول العمل فيها تأسٍّ بالأنبياء ﵈.
وأنشد بعضهم:
يا واعظ النّاس قد أصبحت متّهمًا … إذْ عبت منهم أمورًا أنت تأتيها
أصبحت تنصحهم بالوعظ مجتهدًا … فالموبقات لعمري أنت جانيها
تعيب دنيا وناسًا راغبين لها … وأنت أكثر منهم رغبة فيها (١).
يقول الإمام أحمد -رحمه الله تعالى: «ما كتبتُ حديثًا إلَّا وقد عملتُ به» (٢).
ويقول سفيان الثوري -رحمه الله تعالى: «العلم يَهْتف بالعمل، فإنْ أجاب وإلَّا ارتحَل» (٣).
يقول الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤].
قال القرطبي ﵀ في قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]، «اعْلَمْ وَفَّقَكَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ التَّوْبِيخَ فِي الْآيَةِ بِسَبَبِ تَرْكِ فِعْلِ الْبِرِّ، لَا بِسَبَبِ
стр. 190
الْأَمْرِ بِالْبِرِّ» (١).
الوعيد الشديد لمن خالف قولُه فعلَه:
١ - فصاحبه متوعَّدٌ بمقْت الله تعالى وغضبه وسخطه كما في قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢، ٣].
٢ - ومُتوعَّدٌ بالعذاب في النَّار، كما في قول الله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾ [المدثر: ٤٩ - ٥١].
قال الشنقيطي -رحمه الله تعالى: «فيَجب على المذكِّر -بالكسر- والمذكَّر -بالفتح- أن يَعْملا بمُقتضى التَّذكرة، وأن يتحَفَّظا عن عدم المبالاة بها؛ لئلَّا يكونا حِمَارين من حمُر جهنم» (٢).
٣ - وعذابه في النَّار يكون بطريقةٍ بَشِعة منفِّرة، جاء تصويرُها في حديث أسامة ابن زيد ﵄ عن النبي ﷺ قال: «يُجاء بالرَّجل يوْم الْقيامة، فيُلْقى في النار، فتنْدلق أقْتابُه في النار، فيَدُور كما يدور الحمار بِرَحَاه، فيجْتمع أهْل النار عليْه فيقولون: أيْ فلان، ما شأْنُك؟ أليْس كنْتَ تأمُرنا بالمعْروف وتنْهانا عن المنْكر؟ قال: كنْتُ آمركمْ بالمعْروف ولا آتيه، وأنْهاكمْ عن المُنْكَر وآتيه» (٣).
٤ - ومتوعَّدٌ بقرض شفتيه بمقاريضَ منْ نارٍ لما ثبت من حديث أنس بْن مالكٍ
стр. 191
-﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالًا تُقْرض شفاههمْ بمقاريضَ من نارٍ، قلْتُ: مَنْ هؤلاء يا جبْريل؟ قال: هؤلاء خطباء منْ أمَّتك، يأْمرون الناس بالبر، وينْسوْن أنْفسهمْ وهمْ يتْلون الْكتاب، أفلا يعْقلون» (١).
وهذا العذاب لا يخص الخطباء فحسب؛ بل يعم كل آمرٍ وناهٍ يخالف قولُهُ فِعْلَهُ، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما هو معلوم في علم الأصول.
وما أحسن قول أبي الأسود الدؤلي:
يا أَيُّها الر جُلُ المُعَلِّمُ غَيرَهُ … هَلا لِنَفسِكَ كانَ ذا التَعليمُ
تَصِفُ الدَّواءَ لِذي السَّقامِ وَذي … الضَّنَى كيما يَصحّ بِهِ وَأنتَ سَقيمُ
وَتَراكَ تُصلِحُ بالرشادِ عُقولَنا … أَبَدًا وَأَنتَ مِن الرَّشادِ عَديمُ
فابدأ بِنَفسِكَ فانهَها عَن غَيِّها … فَإِذا انْتَهَتْ عَنهُ فأنتَ حَكيمُ
فَهُناكَ يُقبَلُ ما تَقولُ وَيُهتَدى … بِالقَولِ منك وَينفَعُ التعليمُ
لا تَنهَ عَن خُلُقٍ وَتأتيَ مِثلَهُ … عارٌ عَلَيكَ إِذا فعلتَ عَظيمُ (٢).
стр. 192
سادسًا- القدوة شخصيته مستقلة:
إن المربي (القدوة) بحكم اعتصامه بالله وتدينه، له شخصية مستقلة لا تقبل التبعية لكل ناعق، فهي شخصية مستقلة لها مصدر تلقٍّ قوي ومتين؛ ألا وهو دين رب العالمين، وإن هذا الدين هو مصدر قوتها وعزتها وثقتها وثباتها، لذا فهي تؤثر ولا تتأثر وتقود ولا تنقاد، وكذلك لا تميل لأهل الأهواء ولا تتبع أحدًا من السفهاء، ولا تقبل أن تكون إمعة أبدًا فتقلد غيرها تقليدًا أعمى لا يرضاه رب الأرض والسماء.
قال شيخنا العلامة ابن عثيمين (١) ﵀: «الواجب على المسلم أن يعتز بدينه
стр. 193
ويفتخر به، وأن يقتصر على ما حده الله تعالى ورسوله ﷺ في هذا الدين القيم الذي ارتضاه الله تعالى لعباده، فلا يزيد فيه ولا ينقص منه، والذي ينبغي للمسلم أيضًا ألا يكون إمَّعَةً يتبع كلَّ ناعق؛ بل ينبغي أن يُكَوِّن شخصيته بمقتضى شريعة الله
стр. 194
تعالى حتى يكون متبوعًا لا تابعًا، وحتى يكون أسوة لا متأسيًّا، لأن شريعة الله -والحمد لله- كاملة من جميع الوجوه كما قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]» (١).
سابعًا- المعرفة بوسائل التأثير في المجتمع:
لا بدّ للقدوة أن يكون صاحب بصيرة نافذة ونظر ثاقب لمواضع التأثير في المجتمع، فيكون واسع الثقافة، لديه قدرة وبصر على مواضع التأثير في الناس وهذا يتطلب منه معرفة عادات الناس مع اختلاف عقولهم وفهومهم وثقافاتهم وحالاتهم النفسية والاجتماعية والاقتصادية مع اختلاف بلدانهم وقبائلهم وأعمارهم وأحوالهم، فيتعامل مع كل أفراد هذه الفئات كل بما يناسبه، وله -في ذلك كله- في رسول الله ﷺ أسوة حسنة.
ثامنًا- الاعتدال والتوسط في شؤونه كلها:
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] نقل البغوي في تفسيره عن الكلبي أنه قال: ﴿وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]: «يعني: أهل دين وسط، بين الغلو والتقصير، لأنهما مذمومان في الدين» (٢)، وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «والوسط ها هنا الخيار والأجود» (٣).
فكذلك (القدوة) مقتصد في كل شؤون معاشه ومعاده، مهتديًا بهُدَى الإسلام،
стр. 195
متبعًا ومقتفيًا لأثر سيد الأنام ﵊، متبعًا لهديه في العبادات والمعاملات، ومتأسيًّا به في كل الحالات، ويظهر ذلك في علاقاته الاجتماعية وآدابه الشرعية، في مظهره ومخبره، في مطعمه ومشربه وملبسه، وفي جميع سمته وهديه ودله، فهو معتدل لا يأتي بالغرائب ولا بالمتناقضات، فهو معتدل في شؤونه كلها، فتراه عدلًا خيارًا في العبادات والعادات والمعاملات، فلا تؤخذ عليه الهنات ولا الزلات.
ولا شك أن هذا الاعتدال مصدر تأثير يجعل القدوة محل تقدير وإجلال وإكبار ويأخذ بالقلوب إليه، وتتأسى به الأنام.
ويُستَخلص من هذا المبحث المهم أن التربية بالقدوة من أعظم وأَجَلِّ أساليب التربية.
وأن من أَجَلِّ آثارها وأظهرها ما يلي:
* انشراح الصدر وطمأنينة النفس: فالاقتداء بالصالحين سبب من أهم أسباب يقظة القلب وانتباهه من غفلته، ويتأتى ذلك من خلال التأثر بما يراه من سلوك حميد وصفات وعبادات ومعاملات وأحوال، وهذا ولا شك يدفع المتأسي على الإقبال على العمل الصالح بانشراح صدر وطمأنينة نفس.
* القناعة الذاتية لما يدعو إليه القدوة: إن محبة القدوة الحسنة في قلوب الناس وارتياحهم له وثقتهم فيه له أبلغ الأثر في غرس القناعة الذاتية في نفوسهم وقبول ما يدعو إليه، وتلك القناعة إنما هي ناشئة عن أمرين جليلين: هما الثقة والمحبة.
* ترغب المدعوين في الإقبال على الطاعة: إن حرص المدعوين على التأسي
стр. 196
بالقدوة الحسنة له أبلغ الدوافع في إقبالهم على الباقيات الصالحات والحرص على طاعة رب البريات والنفور من سائر المعاصي والموبقات.
* تربي في المدعوين مكارم الأخلاق: إن ما يتمثله القدوة الحسنة من مكارم الأخلاق، له أبلغ الأثر في التربية على محاسن تلك الأخلاق والتأسي بها بدافع التقليد والتأثر اللا إرادي.
* تحقق القدوة أعظم مطلوب وأفضل مرغوب:
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].
وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٦، ١٥٧] (١).
وفي هاتين الآيتين الكريمتين بيان لفضل التأسي بالنبي ﷺ وعظم شأنه واتباع سنته.
التحذير من القدوة السيئة:
القدوة السيئة خطر التأثير وسبل المواجهة:
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ
стр. 197
أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣].
- يقول ابن سعدي في تفسير هذه الآية: «لم تقولون الخير وتحثون عليه، وربما تمدحتم به وأنتم لا تفعلونه، وتنهون عن الشر وربما نزهتم أنفسكم عنه، وأنتم متلوثون به ومتصفون به» (١)، وهذا يدل على التحذير من مخالفة القول الفعل خاصة في حق المربين والدعاة لأن ذلك يؤدي إلى سلب الثقة منهم وتصبح أقوالهم غير مؤثرة في السامعين.
أولاً: دور القدوة السيئة في توجيه الناشئة إلى المفاسد:
الإنسان مخلوق اجتماعي، منفعل ببيئته، متأثر بها ومؤثر فيها، ولا يستطيع أحد أن يدعي أنّه يمكنه العيش في مجتمع فاسد أو بين أناس فاسدين دون أن يتأثَّر بهم بنحو من التأثّر، فقد ورد في القرآن الكريم، على سبيل المثال، قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩].
وفي ذلك إشارة واضحة إلى أنَّ الانحراف الذي أصاب سلوك هذا الظالم تأتَّى من مرافقته لخليل استطاع أن يضلَّه بالرغم من معرفته بكلام الله (الذكر). وبدعوة الرسول ﷺ .
وقد أكَّدت الدِّراسات التربويَّة الحديثة على خطورة النمذجة كعنصر مؤثِّر وفعَّال في تشكيل سلوك الأولاد والناشئة.
стр. 198
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» (١).
فالقرين يمكنه التأثير في قرينه، خاصة إذا كان بمثابة القدوة، ويكون ذلك عن طريق:
١ - الإغواء الفكريُّ: يتأثَّر الإنسان عمومًا بأفكار من يرافقه، كما مرّ في الحديث السابق، وللقرين، المقارب في العمر تأثير مضاعف، يقول تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾ [الصافات: ٥١ - ٥٥].
٢ - الإغواء النفسي والعاطفي: ثمَّة طريق آخر للإغواء وهو الإغواء عبر التأثير في العواطف، يقول تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٥]، ويتمُّ ذلك عبر التزيين، والإغواء النفسي والعاطفي، بإظهار الأمور على غير حقيقتها، بطريقة تميل إليها النفس وتهواها.
٣ - الإغواء السلوكيُّ: يتأثر الإنسان، من حيث يدري أو لا يدري، بسلوك مَن يعاشر، ويتعاظم الإغواء السلوكيِّ عندما يندمج الإنسان في جماعة، تمارس سلوكًا سيئًا.
ومن أظهر الأدلة على ذلك التماهي في الضحك لمجرد رؤية مجموعة
стр. 199
تضحك، وحتى من غير معرفة السبب؛ وكذلك البكاء أو الصراخ أو الهتاف .. لذا شدَّدت وصايا الصلحاء على عدم مصاحبة المنحرفين عن جادَّة الصواب.
ثانيًا: عناصر الجذب في القدوة السيئة:
قد يتساءل بعضنا عن كيفيَّة انجذاب بعض الشباب إلى رفاق السوء بالرغم من معرفتهم بانحرافهم؛ والجواب يكمن في عناصر الجذب.
فقد أثبتت الدِّراسات أنَّ هناك عناصر جذب تضع بعض الأشخاص في موقع جذب للآخرين، فينقادون إلى تقليدهم طوعًا أو كرهًا بحسب الموقف.
وأهم عناصر الجذب هذه ثلاثة:
١ - الشهرة أو ما يُسمَّى بـ (النجوميَّة):
فالناس عامَّة، والصغار خاصَّة، ينجذبون بشكل غير إرادي إلى مَن تُسَلَّط عليهم الأضواء ويحاولون تقليدهم في كلِّ شيء حتى في طريقة اللبس ونوع الطعام وما شابه ذلك.
ويُستعمل حاليًا هذا النوع من الجذب في الإعلانات عن السلع لترويجها عبر إظهار بعض المشاهير يرتدونها أو يستقلونها أو يستعملونها … (بحسب السلعة).
٢ - الاقتدار والسلطة:
ينجذب الناس عمومًا، والصغار منهم خصوصًا، إلى من هم في موقع السلطة أو الاقتدار المالي، وذلك لنيل رضاهم، إمَّا رغبة أو رهبة.
يقول تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧)﴾ [الأحزاب:
стр. 200
٦٧].
٣ - الإيحاء بالمظلوميَّة:
ثمَّة عنصر جذب آخر يجعل بعض الأبناء، والشباب منهم خاصة، يتأثَّرون ببعض رفاق السوء، وهو الإحساس بمظلوميَّتهم، ويقوى تأثير هؤلاء إذا كانوا من الذين لديهم ميول اجتماعية ويقدِّمون الخدمات للرفاق.
ثالثًا: أسباب وقوع الخطأ في تحديد القدوة:
بالرغم من قدرة النفس البشريَّة على التمييز بين الخير والشر بحسب الخلقة، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشمس: ٧ - ٨].
إلَّا أنَّ الكثير من الناس معرّضون للوقوع في الخطأ في مجال تحديد القدوة.
ويعود ذلك لأسباب؛ من أهمها وأبرزها أربعة أسباب:
١ - فساد أحد الوالدين أو كليهما:
يتماهى الأولاد، خاصَّة في مرحلة الطفولة، في سلوك والديهم، حيث يعتبر كلُّ طفل أبويه هما نموذجه الأعلى.
٢ - الفراغ العاطفيّ والروحيّ:
قد يكون الوالدان جيدين ولكنَّهما منشغلان وغير ملمّين بأصول التربية ومستلزماتها فينهمكان في تأمين حاجات أولادهما الماديَّة (مأكل -مشرب - ملبس -طبابة .. ).
متناسيَين حاجاتهم الروحيّة والنفسيّة ما يجعل الأولاد يفتِّشون عن مصدر آخر للتفهم والتعاطف والتواصل؛ ولكنَّهم غالبًا ما يخطئون الاختيار.
٣ - اختلال منظومة القيم:
إنَّ انفتاح المجتمعات التي تحمل ثقافات مختلفة بعضها مع بعض، من
стр. 201
خلال الفضائيَّات وتكنولوجيا الاتِّصالات، وغياب المنظومة الفكريَّة المتينة التي تربط الأحكام الفقهية بأُسسها العقائديَّة والأخلاقيَّة لدى المؤمنين، أدّيا إلى اختلال كبير في منظومة القيم في المجتمعات الدينيَّة وغير الدينيَّة على حدٍّ سواء. الأمر الذي جعل الكثير من الشباب يخطئون في تحديد النموذج القدوة ويتعلَّقون بنماذج غير صالحة، خاصة عندما تتوفَّر في هؤلاء عناصر الجذب، ولا تتوفَّر في غيرهم ممن يفترض فيهم أن يكونوا في موقع القدوة الحسنة كالآباء والمعلِّمين، مثل تلك العناصر.
٤ - انخفاض القدرات العقليَّة:
ثمَّة سبب إضافي لا بدَّ من الانتباه إليه وهو مستوى الذكاء العقلي.
فقد دلَّت الدِّراسات على أنَّ ضعاف العقول ومنخفضي الذكاء معرَّضون أكثر من غيرهم للوقوع في شراك رفاق السوء الذين بدورهم يحسنون استغلالهم.
ومن هنا تتأتَّى مسؤوليَّة الأهل بضرورة إحاطة هذا النوع من الأولاد بعناية خاصة وبضرورة تزويدهم بالمهارات الحياتية اللازمة (١).
стр. 202
المظهر الرابع
التبكير في عملية التربية: (التربية مبكرًا)
ومن واجب الوالدين تربية الأبناء منذ نعومة أظفارهم على حبّ الله وحبّ كتابه وحب رسوله ﷺ وحب سنته وهديه، وحب أصحابه وأزواجه وآل بيته ﵃ أجمعين، ومحبة دين الإسلام عمومًا وتعاليمه السمحة، ويجب وجوبًا حتميًّا على الوالدين إبعاد ذريتهما عن كل ما يفسد عليهم دينهم وأخلاقهم من مراتع الفساد والشر والفحش، ومن مجالس السوء وأصحاب السوء، - وكذلك عدم تمكينهم من مشاهدة القنوات الهابطة، وتطهير البيوت من الموبقات والمهلكات والمفسدات من الأجهزة التي تبث الرذيلة وتنشر الشر، وكذلك يجب إخراج كل وسيلة تستخدم استخدام سوء في إفساد العقائد وهدم القيم والأخلاق ونشر الرذائل والخبث من البيوت، وكذلك عدم تمكين الأبناء من استخدام وسائل التقنية وغيرها، وتقديمها لهم بلا رقابة ولا توجيه، فإن كان الحاجة إليها ضرورية وملحة فمع الضوابط الشرعية، والرقابة الأبوية، والتوجيه والمتابعة الأسرية، وغرس الرقابة الذاتية في نفوس الأبناء بمراقبة ربّ البرية.
فهل يليق بمسلم عاقل وناصح لنفسه وذريته، أن يدخل أجهزة الفساد إلى بيته بمال الله الذي آتاه، ويترك لأبنائه الحبل على الغارب، ويدعهم هملًا بلا رعاية ولا رقابة ولا تربية ولا توجيه ولا نصح ولا إرشاد، ثم بعد ذلك يطالبهم
стр. 203
بالصلاح والتقى، فإن الذي يزرع الشوك لا يحصد العنب، أو كما قال الأول:
ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له … إياك إياك أن تبتل بالماء (١).
ويكون ذلك في الصغر ليسهل عليهم في الكبر وتتعوده أنفسهم ويسهل عليه
стр. 204
أمرهم ونهيهم ويسهل عليهم طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ثم طاعة والديهم في المعروف.
فمما يجب على الوالدين حماية الأبناء من تلك المنكرات، لتبقى لهم فطرهم التي فطرهم الله عليها.
ويعوضهم بخير عوض عن ذلك، فيعلمهم تلاوة القرآن وحفظه وترتيله وتجويده، وكذلك حفظ ما تيسر لهم من سنة النبي ﷺ ، والاطلاع على سيرته العطرة وسيرة أصحابه الكرام وسيرة أمهات المؤمنين ﵃ أجمعين، وقصص الأنبياء والصالحين من علماء الإسلام وأبطاله الفاتحين، ويرويهم السنن الإسلامية والآثار السلفية والحكم والأشعار النافعة، والتاريخ والأخبار الصادقة، ويجلب لهم ما يعينهم على ذلك من الكتب والقصص النافعة والهادفة المقروءة والمسموعة، ويجلب لهم كل ما يدلهم ويحثهم ويرغبهم في كل خير نافع ومفيد.
ومن السبل المعينة والتي تعين الوالدين والمربين في تربية الأولاد استخدام جهاز المسجل أو ما يقوم مقامه من الأجهزة الحديثة لسماع القرآن الكريم مرتلًا ومجودًا لمشاهير القراء، والسيرة النبوية العطرة والقصص النافع والمفيد وكذلك مواعظ وخطب ودروس العلماء والوعاظ وطلاب العلم والمربين المعروفين بسلامة المنهج وصحة المعتقد وهم كُثُر ولله الحمد والمنة، وهي وسيلة مجربة ومفيدة للغاية وهي متوافرة بتنوع وكثرة ولله الحمد.
وكذلك يُرَوِّضُ أجسامهم بالنافع من الرياضة النافعة كالسباحة والرماية وركوب الخيل، وكذلك الزيارة العائلية والطلعات البرية والخلوية، وصلة
стр. 205
الأرحام والأعمال الاجتماعية النافعة، ويجدر بالوالد والقيم على الأسرة أن يوجد البدائل المناسبة -المباحة والمتاحة- سواء كانت من الألعاب، أو غيرها من البرامج الحاسوبية المفيدة علميًّا وثقافيًّا، والمناسبة لعقولهم وأعمارهم والمروحة عن نفوسهم التي تجمع بين المتعة والفائدة، حتى يجدوا عوضًا نافعًا يشغلون به أوقات فراغهم.
ففي ذلك العوض الصالح، ولا أقول البديل عن الفساد؛ بل الأصل الذي ينبغي أن نشغل به الذرية ونربيهم عليه، وكذلك اصطحابهم للجمع والجماعات ومجالس الذكر وحلق العلم، فلهذا خلقنا جميعًا، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
أولاً-التنشئة على العقيدة:
ومما يجب على المربي العناية به في عملية التربية مبكرًا تنشئة الأولاد على مستلزمات العقيدة (منذ الصغر)، فالعقيدة الإسلامية من ثوابت الدين، وهي أسس التربية الإسلامية، ولعل من أهم وأبرز لوازم التربية على الإيمان منذ الصغر ما يُجمل في الفقرات التالية:
أ- الإيمان بالله تعالى:
يرتكز إعداد الولد تربويًّا منذ الصغر على أُسُسٍ يأتي في طليعتها تربيته إيمانيًّا، وتدريبه على معرفة خالقه، والإيمان به، فإنَّ هذا الإيمان هو الدافع له للخير والصارف له عن الشرِّ، فهو الموجِّهُ للسلوك والضابطُ له، وارتباطه وثيق الصلة بالأعمال؛ ذلك لأنَّ الله تعالى جعل العمل مِعْيَارًا حقيقيًّا لصِدق الإيمان، وذمَّ الذين يُجرِّدون العمل عن الإيمان، فقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي
стр. 206
قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، وقال : ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٣]، فالإيمان الحقُّ هو الذي يصدر عنه السلوك الحميد، وينبع منه العمل الصالح، ويخرج منه الخُلُق الكريم ويُظهره، فأولى الأولويات في إعداد الولد -إذن- تعليمه معاني الإيمان الصحيحة، ومقاصدها السامية، وإفهامه لحقائقها، وما تحمله من السعادة الأبدية له، إفهام علمٍ وإدراكٍ منذ الصغر (١).
ب- العمل الصالح:
فمن أصول أهل السنة والجماعة أن العمل الصالح يدخل في مسمى الإيمان فلا بد مع الإيمان من العمل الصالح، وعليه فالإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وعلى هذا المفهوم ينبغي أن تكون تربية الأبناء وتنشئتهم، توخيًا لمنهج السلف في الاعتقاد، ووقاية من الانحراف العقدي.
وتأمل قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه: ٨٢]، وقوله : ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف: ١٩].
ومن أسس التربية الإيمانية التي ينبغي أن تقوم عليها تنشئة الأولاد منذ الصغر، تعميق الوعي بمفاهيم الإيمان وشموليته، ومن ذلك:
* أن الإيمان كما يشمل العمل الصالح على نحو ما سبق تقريره، فإن العمل الصالح يشمل العبادات كما يشمل المعاملات، أما العبادات فكما في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٩]، وأما المعاملات فكما
стр. 207
في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أتدرون من المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: «إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه؛ أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار» (١).
وإن تربية الناشئة على هذا يجعلهم أعضاء صالحين في المجتمع يكثر خيرهم ويقل شرهم ويعم النفع بهم.
ج- حب الله تعالى وحب رسوله ﷺ -:
يجب أن يُربى الولد منذ نعومة أظفاره على حب الله وحب رسوله ﷺ ، كي يكون قوي الإيمان صلب الإرادة لا يتزعزع في الفتن ولا يضطرب إبان المحن، وحب الله وحب رسوله ﷺ الحب الحقيقي يقتضي الاستمساك بالدين، بالإخلاص لله تعالى والاتباع لنبيه ﷺ وهما شرطا قبول العمل والعاصم بإذن الله من الزلل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١].
والاتباع هو اقتفاء هدي القرآن والاقتداء بسيد الأنام ﷺ والحذر من الابتداع في الدين، وفي حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : «من
стр. 208
أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١).
قال ابن حجر: «هذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده، فإن معناه: من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه» (٢).
د- حب السلف الصالح:
وهو من مقتضيات الإيمان، ومحبة السلف من محبة الله ورسوله ﷺ ، لا سيما الصحابة الكرام رضوان الله عليهم الذين شرفهم الله بصحبة نبيه ﷺ ، ولقد زكاهم الله تعالى حيث قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ
стр. 209
تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقال سبحانه في صفاتهم الحميدة وخصالهم الفريدة: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩].
وكما مدح الله ﵎ السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار فقد مدح الخلف الذين اتبعوهم بإحسان فقال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
وإن تربية الولد على حب السلف رضوان الله عليهم جميعًا، لمن واجبات الآباء نحو الأبناء.
هـ - التوسط والاعتدال:
وهو من مستلزمات العقيدة، إذ الإسلام دين الوسطية كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] (وسطًا): أي: عدولًا خيارًا.
ولئن كان الشرع قد نهى عن التشدد في الدين والغلو فيه كما في حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ : «هلك المتنطعون قَالَهَا ثَلَاثًا» (١)، والمسلم المقصر في أمور دينه لا يخرج عن مسمى الإيمان ما لم يأت بما يناقض أصل الإسلام، فلا يكفر بكبيرة، ولا يفسق أو يبدع إلا ببينة وتثبت، وبالطرق المشروعة، فالتدين المشوب بالغلو لا ينتج إلا التطرف والخروج عن منهج الإسلام بتأويلات فاسدة، ومبالغات ممجوجة، وكذلك التهاون والتخاذل لا ينهض مَنْ بُلِيَ به بعزائم الأمور.
و- الولاء والبراء:
المؤمن يوالي ويعادي لله تعالى وفي الله، وعلى هذا المبدأ ينبغي أن تكون تربية الولد.
والدين الحنيف يجعل رابطة الدين مقدمة على رابطة الدم والنسب
стр. 210
والمصالح، وحتى العلاقات بين الآباء والأبناء ليست ترتقي إلى مستوى الرابطة الدينية.
ولنتأمل ذلك في النصوص التالية:
* في قصة نبي الله نوح ﵇ لما دعا ابنه وقد أشرف على الغرق ناداه كما قال تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢)﴾ [هود: ٤٢]، فلما لم يستمع إلى الأب الشفيق وآثر الكفر على الإيمان وكان من المغرقين نادى نوح ربه: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾ [هود: ٤٥ - ٤٦]، فولاية الإيمان فوق كل ولاية.
ذكر الإمام الطبري بسنده عن سعيد بن جبير أنه جاء إليه رجل فسأله فقال: أرأيت ابن نوح ابنه؟! فسبح طويلًا ثم قال: لا إله إلا الله، يحدث الله محمدًا ﷺ : ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود: ٤٢] وتقول ليس منه؟! ولكن خالفه في العمل فليس منه من لم يؤمن.
* قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١].
ففي هذه الآية أن ولاية الكفار لا تجوز، لأن المودة إذا حصلت تبعتها النصرة والموالاة فخرج العبد من الإيمان وصار من جملة أهل الكفران.
стр. 211
كما يقول ابن سعدي: (١)
فليست العقيدة إيمانًا يقر في القلب فحسب؛ بل وعملًا يصدق ما وقر في القلب، ويكون أمارة عليه، وفي حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الإيمان بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»، وفي رواية «والحياء شعبة من الإيمان» (٢).
معالم تربية الأولاد على عقيدة التوحيد:
وتواصل الدراسة التأكيد على أهمية التربية والتنشئة للأولاد منذ الصغر على عقيدة التوحيد، فتُورد فيما يلي أهم معالم «تربية الأولاد على عقيدة التوحيد» مع ضرب الأمثلة من الكتاب والسنة على ذلك، فيقول الباحث مستعينًا بالله تعالى فمنه التوفيق ومنه التسديد:
أ- الاجتهاد في الدعاء بطلب الذرية وبصلاحها: وهذا منهج النبيين ﵈، فهذا أبو الأنبياء إبراهيم ﵇ يدعو ربه ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾ [الصافات: ١٠٠].
وفي وصف دعاءٍ له يقول الله تعالى عنه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ [إبراهيم: ٣٥].
стр. 212
ومن دعائه ﵇ أيضًا: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠].
ومن دعائه وولده إسماعيل ﵇ أيضًا: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨].
وهذا زكريا ﵇ يبتهل إلى الله تعالى ويقول: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: ٣٨].
وقبل ذلك كله عن الأبوين ﵇ أنهما قالا: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩)﴾ [الأعراف: ١٨٩].
وهو مطلب عباد الرحمن عمومًا يصف ربنا دعاءهم فيقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان: ٧٤].
ودعاء الوالدين من جملة الأسباب التي يؤمر بها المسلم لطلب صلاح الأولاد.
ب- تلقين الولد مبادئ التوحيد إذا بلغ سن التمييز، ويكون ذلك بتدريبه على نطق الشهادتين، وإفهامه معناهما بحسب مداركه العقلية وقدراته الفكرية، ويبصر بالأصول الثلاثة وهي معرفة العبد ربه ودينه ونبيه ﷺ في الوقت المناسب وبالأسلوب المناسب الملائم إلى عقله ونفسه، وتكرار ذلك بغير إملال، كي ينطبع ذلك في فؤاده وينغرس في قلبه الغض فيشب سليم الفطرة قويم العقيدة.
ج- العمل التربوي الدائب في تعليم الولد وتلقينه وتبصيره بتوحيد الله تعالى، بمختلف الوسائل والأساليب المشروعة.
стр. 213
ففي أول وصايا لقمان ﵇ لابنه وهو يعظه يقول تعالى: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] فكان أول ما وعظه به، أن نهاه عن الشرك المنافي للتوحيد وحذره منه، لأنه محبط للعمل، وموجب للخلود في النار والعياذ بالله.
وهكذا فإن تربية الأولاد على الإيمان بالله تعالى وعلى إفراده جل وعز بالعبادة دأب المرسلين، وإلى ذلك دعوا أممهم وأقوامهم وعليه ربوا أولادهم وأهليهم ومن أجل نشره بين الناس جاهدوا وصبروا وصابروا حتى الرمق الأخير، ونهج الأنبياء ﵈ هو النهج القويم والصراط المستقيم.
* ومن السنة النبوية المطهرة، ما دأب عليه النبي ﷺ كغيره من الأنبياء الذين سبقوه، من الدعوة إلى عبادة الله وحده وترك كافة صور وأشكال الشرك وأسبابه، وكان صلوات الله وسلامه عليه يدعو قومه إلى التوحيد، رجالهم ونساءهم وصغارهم وكبارهم.
ومن الأمثلة على تربية الأولاد على مبدأ التوحيد حديث معاذ ﵁ قال: كنت رديف النبي ﷺ فقال: «يا معاذ» قلت: لبيك وسعديك، ثم قال مثله ثلاثًا: «هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ؟» قلت: لا. قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا». ثم سار ساعة فقال: «يا معاذ» قلت: لبيك وسعديك، قال: «هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟: أن لا يعذبهم» (١).
стр. 214
ومثال آخر يتبين من خلاله كيف كان صلوات الله وسلامه عليه يغرس التوحيد ولوازمه في عقول وقلوب الناشئة، ويربيهم عليه، ويتعهدهم به.
فعن ابن عباس ﵄ قال: كنت رديف النبي ﷺ يومًا فقال: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلَّا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلَّا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» (١).
هذا، ومن لوازم توحيد الألوهية وهو (توحيد العبادة) مما ينبغي للآباء والمربين غرسه في قلوب الناشئة:
* تجنب كل ما ينافيه من الأعمال الشركية كالحلف بغير الله، والاستعانة والاستغاثة بغير الله، والذبح والنذر والتوكل وطلب المدد واعتقاد أن غير الله يتصرف في الكون كائنًا من كان ملكًا مقربًا أو نبيًّا مرسلًا أو وليًّا صالحًا، وكل ما هو من خصائص الألوهية مما يدخل في مسمى العبادة لا يُصرف إلا لله وحده لا شريك له، لا إله غيره ولا ربّ سواه، ولا معبود بحق إلا هو، بيده ملكوت كل شيء وهو الواحد القهار.
ثانيًا- تربيتهم على الأخلاق الإسلامية والآداب الشرعية:
إن من أهم الجوانب التي يجب أن يُولِيها الأبوان الرعاية والعناية والاهتمام، جانب تربية الأبناء منذ الصغر على مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات عمليًّا.
стр. 215
ذلك لأن الأخلاق الكريمة من لُبِّ الإسلام وجوهره؛ ومن كمال دعوة الإسلام أنه يدعو لصالح الأخلاق، كما ثبت في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إنما بُعِثت لأُتَمِّم صالح الأخلاق» (١).
وتأسيس الأصول الخُلُقية والعقدية والاجتماعية في نفوسهم، كخشية الله ومرقبته وتقواه، وقد ذكر الله وصية لقمان لابنه وهو يرسخ مراقبة الله في سويداء قلبه في أول تنشئته، قال تعالى: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان: ١٦].
- قال ابن كثير: «﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أي: لطيف العلم، فلا تخفى عليه الأشياء وإن دقت ولطفت وتضاءلت، خبير بدبيب النمل في الليل البهيم (٢).
وكذلك يربيهم على الشجاعة والرجولة وصدق الحديث وأداء الأمانة، وإجلال ذي الشيبة المسلم واحترام وتوقير الكبير عمومًا، وحب العلم وتوقير أهله وتبجيل المعلمين وإجلال حملة القرآن والدعاة إلى الله ودينه، وطاعة الولاة في المعروف لأن طاعتهم في المعروف من طاعة الله ورسوله، وهو من دأب السلف الصالح ونهجهم، ويربيهم عمليًّا على الإيثار والمروءة وبذل المعروف والإحسان إلى اليتامى والفقراء والمساكين، ورحمة الضعفاء، وإغاثة الملهوفين، وإعانة المحتاجين، ورحمة الصغار وإكرام الضيفان والإحسان إلى