كما يقول ابن سعدي: (١)
فليست العقيدة إيمانًا يقر في القلب فحسب؛ بل وعملًا يصدق ما وقر في القلب، ويكون أمارة عليه، وفي حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الإيمان بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»، وفي رواية «والحياء شعبة من الإيمان» (٢).
معالم تربية الأولاد على عقيدة التوحيد:
وتواصل الدراسة التأكيد على أهمية التربية والتنشئة للأولاد منذ الصغر على عقيدة التوحيد، فتُورد فيما يلي أهم معالم «تربية الأولاد على عقيدة التوحيد» مع ضرب الأمثلة من الكتاب والسنة على ذلك، فيقول الباحث مستعينًا بالله تعالى فمنه التوفيق ومنه التسديد:
أ- الاجتهاد في الدعاء بطلب الذرية وبصلاحها: وهذا منهج النبيين ﵈، فهذا أبو الأنبياء إبراهيم ﵇ يدعو ربه ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾ [الصافات: ١٠٠].
وفي وصف دعاءٍ له يقول الله تعالى عنه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ [إبراهيم: ٣٥].
стр. 212
ومن دعائه ﵇ أيضًا: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠].
ومن دعائه وولده إسماعيل ﵇ أيضًا: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨].
وهذا زكريا ﵇ يبتهل إلى الله تعالى ويقول: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: ٣٨].
وقبل ذلك كله عن الأبوين ﵇ أنهما قالا: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩)﴾ [الأعراف: ١٨٩].
وهو مطلب عباد الرحمن عمومًا يصف ربنا دعاءهم فيقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان: ٧٤].
ودعاء الوالدين من جملة الأسباب التي يؤمر بها المسلم لطلب صلاح الأولاد.
ب- تلقين الولد مبادئ التوحيد إذا بلغ سن التمييز، ويكون ذلك بتدريبه على نطق الشهادتين، وإفهامه معناهما بحسب مداركه العقلية وقدراته الفكرية، ويبصر بالأصول الثلاثة وهي معرفة العبد ربه ودينه ونبيه ﷺ في الوقت المناسب وبالأسلوب المناسب الملائم إلى عقله ونفسه، وتكرار ذلك بغير إملال، كي ينطبع ذلك في فؤاده وينغرس في قلبه الغض فيشب سليم الفطرة قويم العقيدة.
ج- العمل التربوي الدائب في تعليم الولد وتلقينه وتبصيره بتوحيد الله تعالى، بمختلف الوسائل والأساليب المشروعة.
стр. 213
ففي أول وصايا لقمان ﵇ لابنه وهو يعظه يقول تعالى: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] فكان أول ما وعظه به، أن نهاه عن الشرك المنافي للتوحيد وحذره منه، لأنه محبط للعمل، وموجب للخلود في النار والعياذ بالله.
وهكذا فإن تربية الأولاد على الإيمان بالله تعالى وعلى إفراده جل وعز بالعبادة دأب المرسلين، وإلى ذلك دعوا أممهم وأقوامهم وعليه ربوا أولادهم وأهليهم ومن أجل نشره بين الناس جاهدوا وصبروا وصابروا حتى الرمق الأخير، ونهج الأنبياء ﵈ هو النهج القويم والصراط المستقيم.
* ومن السنة النبوية المطهرة، ما دأب عليه النبي ﷺ كغيره من الأنبياء الذين سبقوه، من الدعوة إلى عبادة الله وحده وترك كافة صور وأشكال الشرك وأسبابه، وكان صلوات الله وسلامه عليه يدعو قومه إلى التوحيد، رجالهم ونساءهم وصغارهم وكبارهم.
ومن الأمثلة على تربية الأولاد على مبدأ التوحيد حديث معاذ ﵁ قال: كنت رديف النبي ﷺ فقال: «يا معاذ» قلت: لبيك وسعديك، ثم قال مثله ثلاثًا: «هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ؟» قلت: لا. قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا». ثم سار ساعة فقال: «يا معاذ» قلت: لبيك وسعديك، قال: «هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟: أن لا يعذبهم» (١).
стр. 214
ومثال آخر يتبين من خلاله كيف كان صلوات الله وسلامه عليه يغرس التوحيد ولوازمه في عقول وقلوب الناشئة، ويربيهم عليه، ويتعهدهم به.
فعن ابن عباس ﵄ قال: كنت رديف النبي ﷺ يومًا فقال: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلَّا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلَّا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» (١).
هذا، ومن لوازم توحيد الألوهية وهو (توحيد العبادة) مما ينبغي للآباء والمربين غرسه في قلوب الناشئة:
* تجنب كل ما ينافيه من الأعمال الشركية كالحلف بغير الله، والاستعانة والاستغاثة بغير الله، والذبح والنذر والتوكل وطلب المدد واعتقاد أن غير الله يتصرف في الكون كائنًا من كان ملكًا مقربًا أو نبيًّا مرسلًا أو وليًّا صالحًا، وكل ما هو من خصائص الألوهية مما يدخل في مسمى العبادة لا يُصرف إلا لله وحده لا شريك له، لا إله غيره ولا ربّ سواه، ولا معبود بحق إلا هو، بيده ملكوت كل شيء وهو الواحد القهار.
ثانيًا- تربيتهم على الأخلاق الإسلامية والآداب الشرعية:
إن من أهم الجوانب التي يجب أن يُولِيها الأبوان الرعاية والعناية والاهتمام، جانب تربية الأبناء منذ الصغر على مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات عمليًّا.
стр. 215
ذلك لأن الأخلاق الكريمة من لُبِّ الإسلام وجوهره؛ ومن كمال دعوة الإسلام أنه يدعو لصالح الأخلاق، كما ثبت في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إنما بُعِثت لأُتَمِّم صالح الأخلاق» (١).
وتأسيس الأصول الخُلُقية والعقدية والاجتماعية في نفوسهم، كخشية الله ومرقبته وتقواه، وقد ذكر الله وصية لقمان لابنه وهو يرسخ مراقبة الله في سويداء قلبه في أول تنشئته، قال تعالى: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان: ١٦].
- قال ابن كثير: «﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أي: لطيف العلم، فلا تخفى عليه الأشياء وإن دقت ولطفت وتضاءلت، خبير بدبيب النمل في الليل البهيم (٢).
وكذلك يربيهم على الشجاعة والرجولة وصدق الحديث وأداء الأمانة، وإجلال ذي الشيبة المسلم واحترام وتوقير الكبير عمومًا، وحب العلم وتوقير أهله وتبجيل المعلمين وإجلال حملة القرآن والدعاة إلى الله ودينه، وطاعة الولاة في المعروف لأن طاعتهم في المعروف من طاعة الله ورسوله، وهو من دأب السلف الصالح ونهجهم، ويربيهم عمليًّا على الإيثار والمروءة وبذل المعروف والإحسان إلى اليتامى والفقراء والمساكين، ورحمة الضعفاء، وإغاثة الملهوفين، وإعانة المحتاجين، ورحمة الصغار وإكرام الضيفان والإحسان إلى
стр. 216
الأقارب وذوي الأرحام والجيران، ومعاشرة عموم الخلق بالمعروف والإحسان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والصبر على المكاره، كما وصى لقمان ولده بذلك، قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾ [لقمان: ١٧]، كما ينبغي أن يحرص الأبوان على تعليم الأبناء هدي النبي ﷺ في شأنه كله ولا سيما هديه ﷺ في الأدعية المأثورة والأذكار الموظفة، كأذكار طرفي النهار (أذكار الصباح والمساء) في وقتها، والأذكار الواردة في السنة، كل ذكر في وقته، وفي هذا حفظ لهم وتعويذ من الشيطان وحزبه، ويحبذ الاستعانة بأحد الكتب المعتمدة والمحققة والتي تعتمد الثابت والوارد في السنة من الأدعية والأذكار، وهي متوافرة بكثرة ولله الحمد.
وبالمقابل ينبغي تحذيره منذ الصغر من الصفات السيئة كالكذب والسِّباب، والشتائم والسرقة، والتشبه بالكفار، والتشبه بالنساء، والميوعة والانحلال، والاختلاط الآثم، والتدخين والمسكرات والمخدرات، والأضرار الناجمة عنها جميعًا، وكذلك تحذيره من كل أنواع الفساد المتفشِّية في المجتمعات، وتخويفه من عواقب اقتراف المحارم وركوبها.
واختيار الرفقة الصالحة له ليكتسب منها الخُلُق الحسن، والأدب الرفيع، والعادات الفاضلة، مع مراقبته -خاصة في سِنِّ التمييز والبلوغ- من الخلطة الفاسدة ورفاق السوء، ومصاحبة الأشرار لئلَّا يكتسب منهم أقبح الأخلاق وأحطَّ العادات وأسوأ الصفات.
ومن واجبات تربية الولد منذ الصغر أيضًا: الرِّفق به، وملاطفته، ومعاملته باللِّين والرحمة والرأفة من غير شِدَّة، لا سِيَّما من الوالدين أو من يقوم مقامهما
стр. 217
كالجَدِّ والعمِّ؛ لأنَّ الشِّدة في التربية لا تولِّد إلَّا شِدَّةً في السلوك، وقد صَحَّ عن البراء بن عازب ﵁ أنَّه قال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَالحَسَنُ عَلَى عَاتِقِهِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ» (١).
- قال النووي (٢):
стр. 218
«وفيه ملاطفة الصبيان ورحمتهم، ومماستهم» (١).
والولد يحتاج من والديه أمرًا محسوسًا حتى يشعر بما يجول في قلبيهما من محبَّةٍ وعَطْفٍ ورحمةٍ، وقد يتجسَّد ذلك الإحساس في تقبيله، وحمله، ومداعبته، أو المسح على رأسه، أو وجهه، أو ضمه إلى أحضانهما، فعن أبي هريرة ﵁ أَنَّه ﷺ قَبَّلَ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ -وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ ابْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ (٢) جَالِسًا- فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» (٣).
وقد صَحَّ -أيضًا- أَنَّه جاء أعرابي إلى النبيِّ ﷺ فقال: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ، فَقَالَ النَّبي ﷺ : «أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ» (٤).
стр. 219
وتقريرًا لهذا المعنى فقد روى البخاري عن أسامة بن زيد ﵄ قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ، وَيُقْعِدُ الحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ الأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا» (١).
ومن مظاهر الإحساس للولد بما في قلبي والديه من عناية وشفقةٍ ومحبَّةٍ: مدحه والثناء عليه إذا أحسن وقام بالمطلوب وحقق المرغوب، وبالمقابل تنبيهه إذا أساء أو أخطأ في أداء المطلوب ولم يحقق المرغوب، ثمَّ يعلمه العادة الصالحة والصفة الحسنة التي يفتقدها، وقد بيَّن النبي ﷺ هذا الأسلوب التربوي في حديث عُمَرَ بن أبي سلمة ﵄ قال: كُنْتُ غُلَامًا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا غُلَامُ، سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» (٢).
- قال الإمام ابن القيِّم ﵀: «ومما يحتاج إليه الطفل غايةَ الاحتياج: الاعتناء بأمر خُلقه؛ فإنه ينشَأ على ما عوَّده المربي في صغره من حَرَدٍ (٣) وغضَبٍ ولَجاجٍ،
стр. 220
وعجَلة وخِفةٍ مع هواه، وطيشٍ وحِدَّة وجَشعٍ، فيصعُب عليه في كِبَره تلافي ذلك، وتصير هذه الأخلاق صفاتٍ وهيئاتٍ راسخةً له، فلو تحرَّز منها غاية التحرُّز، فضَحته ولا بدَّ يومًا ما؛ ولهذا تجد الكثير من الناس مُنحرفة أخلاقُهم، وذلك من قِبَل التربية التي نشأوا عليها، وكذلك يجب أن يتجنَّب الصبي -إذا عقَل- مجالسَ اللهو والباطل، والغناء وسماع الفُحش والبدع، ومنطق السوء، فإذا علِق بسمعه، عَسِر عليه مفارقته في الكِبَر، وعزَّ على وليِّه استنقاذُه منه، فتغيير العوائد من أصعب الأمور، يحتاج صاحبها إلى استجداد طبيعة ثانية، والخروج على حُكم الطبيعة المعتادة عَسِرٌ جدًّا.
وينبغي لوليِّه أن يُجنِّبه الأخذ من غيره غاية التجنُّب، فإنه متى اعتاد الأخذ، صار له طبيعة، ونشأ بأن يأخذ لا بأن يُعطي، ويُعوِّده البذل والإعطاء، وإذا أراد الوليُّ أن يعطي أحدًا شيئًا، أعطاه إيَّاه على يده ليَذوق حلاوة الإعطاء!
ويُجنِّبه الكذب والخيانة أعظم مما يُجنِّبه السُّمَّ الناقع؛ فإنه متى سهَّلَ له سبيلَ الكذب والخيانة، أفسد عليه سعادة الدنيا والآخرة، وحرَمه كلَّ خيرٍ.
ويُجنِّبه الكسل والبطالة، والدَّعة والراحة؛ بل يأخذه بأضدادها، ولا يُريحه إلا مما يُجِمُّ نفسه وبدنه للشغل؛ فإن للكسل والبطالة عواقبَ سوءٍ ومَغبَّة ندمٍ، وللجد والتعب عواقب حميدة؛ إما في الدنيا، وإما في العُقبى، وإما فيهما، فأروحُ الناس أتعبُ الناس، وأتعبُ الناس أروح الناس؛ فالسيادة في الدنيا والسعادة في العقبى، لا يُوصَل إليهما إلا على جِسرٍ من التعب، ويُعوِّده الانتباه آخر الليل؛ فإنه وقت قَسْم الغنائم وتفريق الجوائز، فمستقلٌّ، ومستكثر، ومحروم، فمتى اعتاد ذلك صغيرًا، سهُل عليه كبيرًا» (١).
стр. 221
وقال: «ويُجنِّبه فضول الطعام والكلام، والمنام ومخالطة الأنام، فإن الخسارة في هذه الفضلات تُفوِّتُ على العبد خير دنياه وآخرته، ويُجنبه مضارَّ الشهوات المتعلقة بالبطن والفرْج غاية التجنُّب، فإن تمكينه من أسبابها والفَسْح له فيها، يُفسده فسادًا يَعِزُّ عليه بعده صلاحُه، وكم ممن أشقى ولدَه وفِلذة كبده في الدنيا والآخرة، بإهماله وترْك تأديبه، وإعانته له على شهواته، ويزعُم أنه يُكرمه وقد أهانَه، وأنه يَرحَمه وقد ظلَمه! ففاته انتفاعه بولده، وفوَّت عليه حظَّه في الدنيا والآخرة، وإذا اعتبرت الفسادَ في الأولاد، رأيت عامَّته من قِبَل الآباء».
ثالثًا- إلزام الأولاد أداء العبادات المفروضة والمسنونة بدءًا بأركان الإسلام:
وتؤكد الدراسة على أهمية عناية الإسلام بالتبكير في العملية التربوية وتبين أهمية العناية بالجانب التعبدي ومكانته في الإسلام، وما ينبغي وما يجب على المربي تجاه الأبناء في شأن هذا الجانب العظيم مبكرًا، فالإسلام دين الله الخالد الذي لا يَقبل دينًا غيره، وهو في مفهومه الأشمل يتضمَّن الإيمان والعمل، العقيدة والشريعة، الأخلاق والمعاملات، وأحكامه كما بيَّنها العلماء متنوعةٌ بين الوجوب والاستحباب في جانب الطاعات، وبين التحريم والكراهة في جانب المَنهيات.
والأبوان من حيث ولايتُهما على الأولاد دون سن البلوغ -لا سيما الأب باعتبار قوامته على مَن في البيت- من واجباتهما الشرعية: إلزامُ الأولاد بالعبادات؛ تعويدًا وتعليمًا، ترغيبًا وترهيبًا، وتربيةً وتقويمًا، تعاونًا وتعاضُدًا، أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، أداءً للأمانة وقيامًا بالواجب.
وهنا تفرد الدراسة الحديث عن واجب الآباء في هذا المضمار من حيث
стр. 222
(الإلزام)، وتبين ما أعطاه الإسلام للآباء من مُقومات الإلزام من منطلق الولاية والرعاية التي يتحمَّلونها تُجاه الأولاد؛ فالأولاد أمانة في أعناق الوالدين، والأمانة حقُّها الأداء لا الإضاعة!
ومن الأداء للأمانة: إلزامُ الولد بأداء فرائض الدين، وأداء الحقوق لأهلها؛ تربية وتقويمًا، وتعليمًا وتهذيبًا، يتبيَّن ذلك من خلال النصوص الآتية:
* قول الباري جل ذكره: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢].
* وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾ [مريم: ٥٤، ٥٥].
* وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١].
وليتأمل الآباء عظم شأن هذا الحديث: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال الرسول ﷺ : «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» (١).
يؤخَذ من هذه النصوص وأمثالها في مضمار إلزامِ الأولاد أداءَ العبادات:
أ- أن المسلم يَحرص على ألا يَفوتَه الخيرُ والفضيلة، مما يُعَدُّ من الفروض التي لا يَصِح التفريط فيها، ولا التكاسُل عنها؛ فهو يحافظ على شعائر الدين
стр. 223
في نفسه وولده، ومَن تحت رعايته وولايته، وأن المسلم يُلزِم أولادَه ذكورًا وإناثًا
-كل بحسبه- بالعبادات، لا سيما أصولها، وهي: الصلاة والصيام، كما يعلمهم القرآن.
ب- أن الغلام والجارية يُؤدَّبان على الصلاة والطهارة إذا تمَّت لهما عشر سنوات.
قال ابن قدامة:
يجب على وَليِّ الصبي أن يُعلِّمَه الطهارة إذا بلغ سبع سنين، ويأمُره بها ويؤدِّبه عليها إذا بلغ عشر سنين، والأصل في ذلك حديث سَبْرة الجُهَني عن أبيه عن جدِّه ﵁ أن النبي ﷺ قال: «علِّموا الصَّبِيَّ الصلاة ابن سبع سنين، واضْرِبوه عليها ابن عشرٍ» (١).
وسِنُّ الإلزام هو سن العاشرة؛ إذ يَبتَدِئ بتعليمه الصلاةَ وغيرها من العبادات في سن السابعة، ويؤدِّبه عليها في سن العاشرة؛ قال ابن القيِّم ﵀: فإذا صار ابن عشرٍ، ازداد قوة وعقلًا واحتمالًا للعبادات، فيُضرَب على ترْك الصلاة؛ كما أمر به النبيُّ ﷺ وهذا ضربُ تأديبٍ وتمرينٍ، وعند بلوغ العاشرة يتجدَّد له حال أخرى، يقوى فيها تمييزُه ومعرفتُه؛ ولذلك ذهب كثيرٌ من الفقهاء إلى وجوب الإيمان عليه في هذه الحال، وأنه يعاقَب على ترْكه، وهذا اختيار أبي الخطاب وغيره، وهو قول قوي جدًّا، وإن رُفِع عنه قلمُ التكليف بالفروع، فإنه قد أُعطي
стр. 224
آلةَ معرفة الصانع والإقرار بتوحيده، وصِدق رُسله، وتمكَّن من نظر مثله واستدلاله، كما هو متمكِّن من فَهم العلوم والصنائع، ومصالح دنياه، فلا عُذر له في الكفر بالله ورسوله، مع أن أدلة الإيمان بالله ورسوله أظهرُ من كلِّ علمٍ وصناعة يتعلَّمها (١).
وإذا بلغ الفتى أو الفتاة سنَّ الخامسة عشْرة، أو قريبًا منها، أو ظهرت عليهما أمَارات البلوغ - فقد بلَغا مبلغ المكلفين من الرجال والنساء، وصار إلزامهما بالفرائض آكَد، وجَرت عليهما أحكام البالغين الراشدين.
وقد بُسِطَ البيانُ في هذا البحث لأهميته ومكانته ولعظم شأنه وخطورة ما يترتب على إهماله أو التقصير في جانبه (٢).
وينبغي على المؤدب أن يكون رحيمًا حليمًا سهلًا قريبًا هينًا لينًا غير فاحش ولا متفحش، يجادل بالتي هي أحسن بعيدًا كل البعد عن القبح والشتائم والتوبيخ والضرب، إلا أن يكون الولد ممن نشز عن الطاعة واستعلى على أمر أبيه وترك المأمور وقارف المحظور، فعندئذٍ يفضَّل أن يستعمل معه الشدة من غير غلظة ولا ضرر:
قال المناوي (٣): «لأن يؤدب الرجل ولده عندما يبلغ من السن والعقل مبلغًا
стр. 225
يحتمل ذلك بأن ينشئه على أخلاق صلحاء المؤمنين، ويصونه عن مخالطة المفسدين، ويعلمه القرآن والأدب ولسان العرب، ويسمعه السنن وأقاويل السلف، ويعلمه من أحكام الدين ما لا غنى عنه، ويهدده ثم يضربه على نحو الصلاة وغير ذلك: خير له من أن يتصدق بصاع؛ لأنه إذا أدبه صارت أفعاله من صدقاته الجارية، وصدقة الصاع ينقطع ثوابها، وهذا يدوم بدوام الولد، والأدب غذاء النفوس وتربيتها للآخرة، كما أمرنا : ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]. فوقايتك نفسك وولدك منها أن تعظها وتزجرها بورودها النار وتقيم أودهم بأنواع التأديب، فمن الأدب الموعظة والوعيد والتهديد والضرب والحبس والعطية والنوال والبر، فتأديب النفس الزكية الكريمة غير تأديب النفس الكريهة اللئيمة» (١).
ومن هذا المنطلق تبين الدراسة صفة التعامل مع الأبناء حال التمرد والعصيان:
أولًا-الابن الصغير:
أما الصغير: فيأخذه بالحزم والشِّدة إذا لم يُجْدِ معه اللين والرِّفق والتلطف والنصح والتوجيه والمعاملة بالتي هي أحسن، ويكون ذلك باللوم والعتاب والتوبيخ وبإظهار عدم الرضا عن سيئ فعاله، بتقطيب الوجه أمامه أحيانًا، ومخاطبته بلهجة ونبرة صوت مختلفة عن حال الرضا، والإعراض عنه أحيانًا،
стр. 226
تلك هي مظاهر الشدة مع الصغير، وقد تصل إلى ضربه أحيانًا ضربًا غير مُبَرِّحٍ إذا بلغ سنًّا كمل فيها تمييزه وتحمله وهي سن عشر سنين.
ثانيًا- الابن الكبير:
أمَّا طريقة التعامل في استصلاح الكبير فتختلف تمامًا عن طريقة الصغير في إصلاحه وتأديبه، فالكبير إن كان أسلوب الإقناع والمجادلة بالحسنى والوعظ والتوجيه والإرشاد والمصاحبة لا يثمر ولا يجدي معه، ولا يؤثر فيه ولا يغيره، لجأ الوالد معه إلى الهجران، إنْ ظل الولد مُصِرًّا على ما هو عليه من التعنت وسلوك سبيل الأشرار، سبيل أهل الغي والضلالة سبيل الفجار، مجتنبًا سبيل أهل الخير والاستقامة والهدى، سبيل عباد الله الأبرار، قال النووي ﵀: «الهجر: الترك والإعراض» (١). اهـ.
مشروعية التأديب بالهجر:
دل على مشروعية هذا النوع من التأديب، الكتاب، والسنة، وعمل الصحابة ﵃، والمعنى الصحيح:
أولًا: دليل الكتاب على مشروعية التأديب بالهجر:
قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤].
وجه الاستدلال من الآية: أن الله ذكر الهجر ضمن العقوبات التأديبية التي تعاقب بها الزوجة الناشز، حيث أباح للزوج أن يعاقب زوجته بالهجر إذا لم يُفِدْ معها الوعظ، متى أقدمت على مخالفته وعدم طاعته.
стр. 227
وإذا كان الأمر كذلك، كان في الآية دلالة على مشروعية التأديب بالهجر المفيد للاستصلاح والتهذيب.
ثانيًا: دليل السنة على مشروعية التأديب بالهجر:
١ - ما ورد في قصة الثلاثة الذين تخلَّفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك (١)، حيث هجرهم رسول الله ﷺ والمسلمون.
يقول كعب بن مالك ﵁ وهو راوي القصة-: « .. ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيُّها الثلاثة من بين مَن تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكَّرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلَدهم، فكنت أخرجُ فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد .. » (٢).
стр. 228
وجه الاستدلال من هذه القصة على مشروعية التأديب بالهجر:
أن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ هجروا هؤلاء النفر الثلاثة، وقاطعوهم مدة خمسين ليلة حتى نزلت توبتهم من السماء؛ لأجل أنهم خافوا منهم النفاق (١).
فدل ذلك على جواز هذا النوع من التأديب.
قال ابن عبد البر ﵀: «وفي حديث كعب هذا، دليل على أنه جائز أن يهجر المرء أخاه، إذا بدت منه بدعة أو فاحشة، يرجو أن يكون هجرانه تأديبًا له، وزجرًا عنها» (٢). اهـ.
والعلة نفسها تتحقق في محل ولاية التأديب الخاصة، فيجوز للأب والزوج والمعلم والسيد، أن يهجروا من يؤدبونهم زجرًا لهم وإصلاحًا كالتعزير في الولاية العامة.
٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اطَّلَعَ على أحدٍ من أهل بيته كذب كذبةً، لم يزل مُعْرِضًا عنه حتى يُحدث لله توبة» (٣).
стр. 229
ثالثًا - دليل التأديب بالهجر من عمل الصحابة ﵃ -:
١ - ومن ذلك: «أن أبا سعيد الخدري (١) ﵁ لقي رجلًا، فأخبره عن رسول الله ﷺ شيئًا، فذكر الرجل خبرًا يخالفه، فقال أبو سعيد: والله لا آواني وإياك سقف بيت أبدًا» (٢).
ففي هذا الفعل من أبي سعيد ﵁ دليل على «مجانبة من ابتدع وهجرته، وقطع الكلام معه» (٣).
٢ - وعن سعيد بن جبير ﵀ أن قريبًا لعبد الله بن مغَفَّل ﵁ خَذَفَ (٤)، قال فنهاه، وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عن الخَذْف، وقال: «إنها لا تصيد صيدًا، ولا تنكأُ عدوًا، ولكنها تكسر السن وتفقأ العين»، قال: فعاد، فقال: أحدثك أن رسول الله ﷺ نهى عنه ثم تخذِف، لا أكلمك أبدًا (٥).
стр. 230
هجر الولد والتلميذ:
إذا رأى الولي أو المعلم عدم جدوى نفع تأديب الولد بوسيلتي الوعظ والتوبيخ، فإنه يحق له -حينئذٍ- هجر الصبي بالإعراض عنه، وعدم الكلام معه، إذا ظن أن الهجر يصلحه.
فمن الصبيان من يتأثر بإعراض الولي أو المعلم عنه تأثرًا بالغًا (١) أكثر من تأثره بالتوبيخ والتعنيف، وذلك حينما يرى والده أو معلمه يبش في وجه إخوته ويعبس في وجهه، ويخاطب زملاءه ويعرض عنه، فيكون ذلك رادعًا له عن الاستمرار في الخطأ.
- قال ابن جماعة (٢) ﵀ في شأن تأديب الصبي المتعلم: «فإن لم ينته
стр. 231
-أي: بعد وعظه وتوبيخه- فلا بأس حينئذٍ بطرده والإعراض عنه إلى أن يرجع، ولا سيما إذا خاف على بعض رفقائه وأصحابه من الطلبة موافقته» (١). اهـ.
- وقال ابن القيم ﵀: «ويكون هجران الوالد والمعلم للولد؛ دواء له، بحيث لا يضعُف عن حصول الشفاء به، ولا يزيد في الكمية والكيفية عليه فيهلكه، إذ المراد تأديبه لا إتلافه» (٢). اهـ.
شروط الهجر:
اشترط الفقهاء لجواز التأديب بالهجر عدة شروط، ومن أهمها:
١ - أنه لا يصار إلى مرحلة التأديب بالهجر إلا بعد العلم بعدم جدوى نفع المرحلتين السابقتين -أعني: الوعظ والتوبيخ- طردًا للأصل المتقدم في التدرج في استعمال سبل التأديب (٣).
٢ - لا يستعمل المؤدِّب التأديب بالهجر إلا في حالة علمه بصلاحه لزجر
стр. 232
وردع المؤدَّب عما أقدم عليه من العصيان وأقوى في نفسية الفاعل (١).
٣ - أن يكون قصد التأديب بالهجر علاج المؤدَّب وإصلاحه، فإن خرج عن هذا المقصد إلى التشهير أو إذلال المؤدَّب أو إهانة كرامته، ونحو ذلك، فإنه يمنع لمضادة ذلك للمقصود من تشريع التأديب بالهجر (٢).
٤ - أن يكون إيقاع الهجر في المدة المحددة من الشارع -ثلاثة أيام-، فيما إذا تعلق الأمر بسبب حظ النفس.
وأما إذا كان الهجر لحق الله تعالى، فهو غير موقت بوقت، وإنما هو معلَّق على وجود سببه، فمتى زال السبب زال الهجر (٣).
وأما الضرب فهو وسيلة لاستقامة الولد، لا أنه مرادٌ لذاته؛ بل يصار إليه حال عنت الولد وتمرده وعصيانه، وفي مثل هذا جاءت الوصية عن الرسول ﷺ معلمًا الأب ردع الولد: عن ابن عباس ﵄ عن الرسول ﷺ قال: «علقوا السوط حيث يراه أهل البيت، فإنه أدب لهم» (٤).
стр. 233
وتبين الدراسة أهم القواعد التربوية عند استخدام عقوبة الضرب:
١ - أن يكون الضرب بعد استخدام الأساليب التربوية المتبعة:
من الكلمة الطيبة، والأسلوب الحسن، من النصح المصحوب بالبشاشة، والتعليم المصحوب بالتوجيه، وتكراره بأساليب تربوية متنوعة ومختلفة.
٢ - وألا يكون ضرب الولد إلا بعد بلوغه سنًّا يكمل فيه تمييزه وتحمله وهو سن العاشرة كما أسلفنا.
٣ - وألا يكون وقت الغضب الشديد فيقع تشفيًا لا تأديبًا وتربيًة.
٤ - وألا يوقع الضرر بالابن نفسيًّا أو بدنيًّا: بأن يكون أمام أقرانه وزملائه أو أقاربه أو جيرانه، أو يكون الضرب على مكان يتوقع منه الضرر كالوجه والرأس أو الحواس مثلًا أو بأن يترك أثرًا أو يكسر عظمًا أو يسيل دمًا.
٥ - وألا يزيد الضرب على عشرة أسواط، لحديث أبي بردة الأنصاري (١) ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا يُجلد أحدٌ فوق عشرة أسواط إلا في حدٍّ من حدود الله» (٢).
стр. 234
وفي رواية للبخاري: «لا عقوبة فوق عشر ضربات إلا في حدٍّ من حدود الله» (١).
- قال ابن القيم ﵀: «فقوله ﷺ : «لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حدٍّ من حدود الله» يريد به الجناية التي هي حق لله.
فإن قيل: فأين تكون العشرة فما دونها إذ كان المراد بالحد الجناية؟.
قيل: في ضرب الرجل امرأته وعبده وولده وأجيره، للتأديب ونحوه، فإنه لا يجوز أن يزيد على عشرة أسواط; فهذا أحسن ما خُرِّج عليه الحديث» (٢). اهـ.
٦ - وأن يشعر الأبُ ابنَه أنه يحبه ويريد له الخير والفلاح والصلاح، وما لجأ لضربه إلا من أجل أن يصلحه ويقومه ويأخذ بناصيته للبر والتقوى.
٧ - وألا يلجأ الأب إلى الضرب إلا كما يلجأ لآخر الدواء وهو الكي.
فتربية الأولاد تكون ما بين الترغيب والترهيب، وأهم ذلك كله إصلاح البيئة التي يعيش فيها الأولاد بتوفير أسباب الهداية والصلاح لهم وذلك بالتزام المؤدبين المسؤولين وهما الأبوان أولًا، ثم من يقوم بواجب التربية والتعليم من المعلمين والمربين ثانيًا، وذلك باختيار المدارس الطيبة ذات السمعة الحسنة والتي تعتني باختيار المعلمين والمربين الصالحين عقيدة وسلوكًا ومنهاجًا، وكذلك اختيار حلق تحفيظ القرآن الكريم التي يقوم عليها الأخيار الفضلاء المشهود لهم بالعلم والفضل والديانة مع صحة العقيدة وسلامة المنهج، وهكذا في كل المحاضن التربوية والتعليمية والاجتماعية التي هي مصادر تَلَقِّي
стр. 235
وتعليم وتربية، والتي يتلقى منها الناشئة العلم والسلوك والتهذيب والأخلاق وقد سبق بيان ذلك مفصلًا في مبحث روافد التربية فليرجع إليه.
وبهذا ينتهي الكلام عن التبكير بالتربية.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 236
المطلب السادس أساليب القرآن الكريم في التربية
ويشتمل على أربعة أساليب:
١ - الأمر والنهي.
٢ - الترغيب والترهيب.
٣ - ضرب المثل.
٤ - القصص القرآني.
بعد أن بينت الدراسة مظاهر عناية الإسلام بتربية الأبناء وفصلت تلك المظاهر من اختيار الزوجين ثم المعاشرة بينهما بالمعروف، ثم بينت أهمية التربية بالقدوة وبينت مكانتها في العملية التربوية، ثم ختمت بمبحث التبكير في عملية التربية وفصلت فيه وبينت أهمية العناية به، وحتى تكتمل تلك المظاهر فمن الأهمية بمكان بيان أهمية إبراز أهم الأساليب القرآنية في التربية.
ولا يخفى على أيّ مربٍّ حكيمٍ أهمية الأسلوب في العملية التربوية؛ فأيّ عملٍ تربوي لا يمكن أن يترجم عن ذاته ويحقق أهدافه دون أسلوبٍ يعرضه أو وسيلة تمكنه من التجسد في سلوك الأفراد، إذا تقرر ذلك فما هي أهم أساليب القرآن في العملية التربوية؟ هذا ما ستتعرض له الدراسة من خلال هذا المبحث.
стр. 237
وقبل الخوض والبحث في تلك الأساليب لا بد لنا من وقفةٍ يسيرة على مفهوم الأساليب التربوية للتعرف على معناها في اللغة والاصطلاح.
تعريف الأساليب التربوية في اللغة والاصطلاح:
أولاً: المعنى اللغوي:
تعريف الأساليب لغة:
الأساليب: جمع أُسْلُوب، وهو مشتق من: سَلَبَ، يَسْلبُ، سَلْبًا، وسَلُوبًا (١).
و (سلب): السين واللام والباء أصلٌ واحدٌ، وهو أَخْذُ الشَّيء بخفّةٍ واختطاف (٢).
ومن معاني الأسلوب لغة:
- الطريق الممتدّ (٣).
- الوجهُ، والمَذْهَبُ؛ يقال: أَنتم في أُسْلُوبِ سُوءٍ.
- الفَنُّ؛ يقال: أَخَذ فلانٌ في أَسالِيبَ من القول أَي: أَفانِينَ منه (٤).
- والأساليب: الفنون المختلفة، وأصل الكلمة يرجع للثلاثي «سلب» وهو نزع الشيء من الغير على سبيل القهر (٥)، والقهر الغلبة (٦).
стр. 238
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
يعرف أبو العينين الأسلوب التربوي بقوله: «الأسلوب التربوي هو الإجراء المحدد لنقل المعلومات والمعارف أو المهارات أو الاتجاهات والقيم بهدف تحقيق هدف تربوي مرغوب فيه» (١).
وقيل: «الأساليب: هي القوالب والتراكيب التي تصاغ فيها المعاني» (٢).
وطريقة الإنشاء واختيار الألفاظ وتأليفها للتعبير بها عن المعاني، قصد الإيضاح والتأثير (٣).
و أساليب التربية الإسلامية: هي مجموعة الطرق المعينة على تحقيق مقاصد هذه الرسالة في المجالات المختلفة (٤).
стр. 239
أولاً: أسلوب التربية بالأمر والنهي
معنى الأمر في اللغة:
- قال ابن فارس: «الهمزة والميم والراء أصول خمسة: الأمر من الأمور، والأمر: ضد النهي، والأمر: النماء والبركة بفتح الميم، والمعْلم، والعجب» (١).
أما الواحد من الأمور: فمنه قولك: أمرٌ رضيتُه، أمرُ فلانٍ مستقيمٌ.
وأما الأمر ضد النهي: فمنه قولك: افعل كذا، وقولهم: لي عليك إمرةٌ مطاعةٌ، أي: لي عليك أن آمُرَكَ مرةً واحدةً فتُطِيعَنِي.
والأمرُ: النماءُ والبركةُ، ومنه أَمِرَ بنو فلان، أي: كَثروا، وامرأة أمِرَةٌ، أي: مباركةٌ على زوجها، ومهرةٌ مأمورةٌ، أي: نَتُوجٌ ولودٌ.
والأمر بمعنى المَعْلم: ومنه أمارةٌ بيني وبينك، أي: علامةٌ.
والأمر بمعنى العَجَب، فيقال: أمْر وإمَر، أي: عجب منكر (٢).
ويطلق لفظ الأمر على شيئين:
الأول: على طلب الفعل، كقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢].
стр. 240
الثاني: يطلق على الفعل والحال والشأن، كقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وهذا يجمع على أوامر (١).
معنى الأمر في الاصطلاح:
جاء في تعريف الأمر كما ذكره ابن زيدان: وهو اللفظ الموضح لطلب الفعل على سبيل الاستعلاء، ويتحقق الفعل بصيغة الأمر المعروفة (افعل)، أو بصيغة المضارع المقترن بلام الأمر، أو بالجملة التي يقصد بها الأمر والطلب لا الإخبار، وبأساليب ومعايير أخرى (٢).
معنى النهي في اللغة:
النهي لغة المنع: وهو مصدر نهى يَنهَى ضد الأمرِ وقِيلَ خِلافَه.
يقال: نهاه عن كذا، أي: منعه عنه، وفيه سمي العقل نهية لأنه ينهى صاحبه عن الوقوع فيما يخالف الصواب، ويمنعه عنه (٣).
معنى النهي في الاصطلاح:
يعرفه زيدان بأنه: «طلب الكف عن الفعل على جهة الاستعلاء بالصيغة الدالة عليه» (٤).
أهمية التربية بأسلوب الأمر والنهي:
إن المتأمل في القرآن الكريم يتبين له استخدام أسلوب الأمر والنهي في الآيات القرآنية بكثرة، وصيغة الأمر ترد لمعان كثيرة، منها: الوجوب، والندب،
стр. 241
والإباحة، والتهديد، والتأديب، والتعجيز، والدعاء، وغير ذلك من المعان (١).
وإن للأمر أشكالًا عديدة وصيغًا، فكذلك للنهي صيغ عديدة تستخدم في بيان معنى النهي، منها: التحريم، والكراهة، والدعاء، والتأسيس، والإرشاد، وغيرها (٢).
وجوب تعظيم الأمر والنهي وعلاقته بالإيمان بالله تعالى:
«إنّ الإيمان بالله تعالى مبني على التعظيم والإجلال له » (٣)، وهو الدافع الذاتي والفعال في امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وإن العبد المؤمن صادق الإيمان يتلقى أوامر الله ونواهيه بالرضا والقبول والتسليم والانقياد والسمع والطاعة، إجلالًا لله وتوقيرًا، وتعظيمًا له سبحانه وتبجيلًا، لأن تعظيم الأمر والنهي إنما هو تعظيم وإجلال لمن أمر ونهى، وإن تعظيمه لا يتم إلا بلزوم أمره فعلًا، ونهيه تركًا، فمن هنا كان لزومًا حتميًّا على كل مؤمن الاستجابة لله تعالى بفعل المأمور وترك المحظور، وأطر نفسه على لزوم ذلك الأمر أطرًا.
تمهيد حول تعظيم الأمر والنهي:
وفي محض الكلام عن تعظيم أوامر الله تعالى يقول ابن القيم:
وما أحسن ما قال شيخ الإسلام في تعظيم الأمر والنهي:
هو ألَّا يُعَارَضَا بترخّصٍ جافٍ، ولا يُعَرَّضَا لتشديدٍ غالٍ، ولا يُحْمَلا على علةٍ توهنُ الانقيادَ.
стр. 242
«يريد: ألَّا يتأول في الأمر والنهي علة تعود عليهما بالإبطال، كما تأول بعضهم تحريم الخمر بأنه معلل بإيقاع العداوة والبغضاء والتعرض للفساد، فإذا أمن من هذا المحذور منه جاز شربه، ومن العلل التي توهن الانقياد: أن يعلل الحكم بعلة ضعيفة لم تكن هي الباعثة عليه في نفس الأمر فيضعف انقياد العبد إذا قام عنده أن هذه هي علة الحكم، ولهذا كانت طريقة القوم عدم التعرض لعلل التكاليف خشية هذا المحذور، وفي بعض الآثار القديمة: يا بني إسرائيل، لا تقولوا: لم أمر ربنا؟ ولكن قولوا: بم أمر ربنا» (١).
ومعنى كلامه:
أن أَوْلُ مَراتِبِ تَعْظيمِ الحَقِّ : تَعْظيمُ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ المؤمِنَ يَعْرِفُ رَبَّهُ بِرِسالَتِهِ التَّي أَرْسَلَ بِهَا رَسُولَه ﷺ إِلَى كَافَّةِ النَّاس. وَمُقْتَضاهَا: الانْقِيادُ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَإنْمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِتَعْظيمِ أَمْرِ اللهِ واتِّباعِهِ، وَتَعْظيمِ نَهْيِهِ واجْتِنابِهِ؛ فَيَكُونُ تَعْظيمُ المؤْمِنِ لِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى وَنَهْيهِ: دَالًّا عَلَى تَعْظيمِهِ لِصَاحِبِ الأَمْرِ وَالنَّهي، وَيْكُونُ بِحَسَبِ هَذا التَّعْظيمِ مِنْ الأَبْرارِ المَشْهودِ لَهُم بِالإيمانِ وَالتَّصْديقِ وَصِحّةِ العَقيدَةِ وَالْبراءَةِ مِنْ النِّفَاقِ الأَكْبَرِ.
والأمر الثاني: الذي يستقيم به القلب، تعظيم الأمر والنهي، وهو ناشئ عن تعظيم الآمر الناهي، فإن الله تعالى ذم من لا يعظمه ولا يعظم أمره ونهيه، قال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ [نوح: ١٣]، قالوا في تفسيرها: ما لكم لا تخافون لله تعالى عظمة! انْتَهى المُرادُ مِنْ كَلامِهِ -رحمه الله تَعَالَى- (٢).
стр. 243
فإنَّ إجلال الرَّبِّ تبارك تَعَالَى وتَعْظيمَه وتوقيره وتبجيله وَتَمْجيدَهُ مُسْتَلْزِمٌ لِتَعْظيمِ أمره ونهيه ولزوم أَحْكَامِهِ الشرعية وَمُراعَاةِ حُدودِهِ، والمسارعة في الاستجابة لأمره بفعل المأمور، وفي نهيه بترك المحظور.
الأمر والنهي بين: (الدلائل، واللوازم، والآثار، والثواب والعقاب):
أولاً: علامات ودلائل تعظيم الأوامر والمناهي:
أ- من علامات ودلائل تعظيم الأوامر:
يقول ابن القيم: «أن يراعي العبد أوقاتها وحدودها، ويأتي بأركانها وواجباتها وسننها، ويحرص على كمالها ويسارع إليها عند وجوبها فرحًا بها، ويحزن عند فواتها كمن فاتته صلاة الجماعة ونحوها، وأن يغضب للهِ إذا انتهكت محارمه، ويحزن عند معصيته، ويفرح بطاعته، ولا يسترسل مع الرخص، ولا يكون دأبه البحث عن علل الأحكام، فإن ظهرت له الحكمة حمله ذلك على مزيد الانقياد والعمل».
ب- من علامات ودلائل تعظيم المناهي:
«وأما علامات تعظيم المناهي فالحرص على التباعد من مظانها وأسبابها وما يدعو إليها، ومجانبة كل وسيلة تقرب منها، كمن يهرب من الأماكن التي فيها الصور التي تقع بها الفتنة خشية الافتتان بها، وأن يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس، وأن يجانب الفضول من المباحات خشية الوقوع في المكروه، ومجانبة من يجاهد بارتكابها ويحسنها ويدعو إليها ويتهاون بها ولا يبالي ما ركب منها، فإن مخالطة مثل هذا داعية إلى سخط الله تعالى وغضبه، ولا يخالطه إلا من سقط من قلبه تعظيم الله تعالى وحرماته، ومن علامات تعظيم النهي أن يغضب
стр. 244
لله إذا انتهكت محارمه وأن يجد في قلبه حزنًا وكسرةً إذا عُصِيَ اللهُ تعالى في أرضه ولم يضطلع (١) بإقامة حدوده وأوامره ولم يستطع هو أن يغير ذلك» (٢).
ثانيًا: من لوازم تعظيم أمر الله ونهيه:
إن تعظيم الأمر والنهي له لوازم لا تفارقه كالظل لصاحبه، فإن فارقته لا يصبح صاحبها معظمًا للأمر والنهي، وبقدر ضعف تلك اللوازم يضعف تعظيم الأمر والنهي في نفس العبد.
ومن أهم تلك اللوازم:
١ - الانقياد التام والإذعان لأمر الله ونهيه، دون أي اختيار أو تردد:
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦].
يقول الطبري: «يَقُولُ -تَعَالَى ذِكْرُهُ-: لَمْ يَكُنْ لِمُؤْمِنٍ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِي أَنْفُسِهِمْ قَضَاءً أَنْ يَتَخَيَّرُوا مِنْ أَمْرِهِمْ غَيْرَ الَّذِي قَضَى فِيهِمْ، وَيُخَالِفُوا أَمْرَ اللَّهِ وَأَمْرَ رَسُولِهِ وَقَضَاءَهُمَا فَيَعْصُوهُمَا، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِيمَا أَمَرَا أَوْ نَهَيَا ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ يَقُولُ: فَقَدْ جَارَ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، وَسَلَكَ غَيْرَ سَبِيلِ الْهُدَى وَالرَّشَادِ» (٣).
ويقول الشوكاني: «ومعنى الآية: أنه لا يحل لمن يؤمن بالله إذا قضى الله أمرًا أن يختار من أمر نفسه ما شاء؛ بل يجب عليه أن يذعن للقضاء ويوقف نفسه
стр. 245
تحت ما قضاه الله واختاره له» (١).
ويقول ابن سعدي: «أي: لا ينبغي ولا يليق بمن اتصف بالإيمان، إلا الإسراع في مرضاة الله ورسوله، والهرب من سخط الله ورسوله، وامتثال أمرهما، واجتناب نهيهما، فلا يليق بمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا من الأمور وحتما به وألزما به أن يكون لهم الخيرة من أمرهم أي: الخيار، هل يفعلونه أم لا؟ بل يعلم المؤمن والمؤمنة، أن الرسول أولى به من نفسه، فلا يجعل بعض أهواء نفسه حجابًا بينه وبين أمر الله ورسوله.
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ أي: بينًا، لأنه ترك الصراط المستقيم الموصلة إلى كرامة الله، إلى غيرها من الطرق الموصلة للعذاب الأليم، فذكر أولًا السبب الموجب لعدم معارضة أمر الله ورسوله ﷺ ، وهو الإيمان، ثم ذكر المانع من ذلك، وهو التخويف بالضلال، الدال على العقوبة والنكال» (٢).
ويؤكد هذه المعاني مختصرًا ما رواه الإمام البخاري معلَّقًا عن الإمام الزهري حيث يقول: «من الله الرسالة، وعلى رسول الله ﷺ البلاغ، وعلينا التسليم» (٣).
ذلك لأن اختيار الله لعبده أصلح وأجدى وأنفع من اختياره لنفسه، وإن هذا من الدوافع التي تورث العبد إحسان الظن بالله رب العالمين، وتفويضه لأمره سبحانه في شأنه كله، وذلك عين العبودية الدافعة للانقياد والتسليم لأمر الله تعالى ونهيه.
стр. 246
ومما يجدر الإشارة إليه ما ثبت في ذلك عن الرعيل الأول من جيل الصحابة الكرام ﵃ بهذا الصدد.
حديث رافع بن خديج ﵁ حيث يقول: «جاءنا ذات يوم رجل من عمومتي، فقال: نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا … » الحديث (١).
٢ - عدم وجود أدنى ضيق أو حرج في النفْس مع التسليم للأمر والنهي .
يقول تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
يقول ابن سعدي: «يُخْبِرُ تَعَالَى خَبَرًا فِي ضِمْنِهِ الْأَمْرُ وَالْحَثُّ عَلَى طَاعَةِ الرَّسُولِ وَالِانْقِيَادِ لَهُ، وَأَنَّ الْغَايَةَ مِنْ إِرْسَالِ الرُّسُلِ أَنْ يَكُونُوا مُطَاعِينَ يَنْقَادُ لَهُمُ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِمْ فِي جَمِيعِ مَا أَمَرُوا بِهِ وَنَهَوْا عَنْهُ، وَأَنْ يَكُونُوا مُعَظَّمِينَ تَعْظِيمَ الْمُطِيعِ لِلْمُطَاعِ» (٢).
وإن من جليل أمر الإذعان والتسليم والانقياد لأمر الله ونهيه، أن الله تعالى بيَّن في محكم آي التنزيل في كتابه المجيد وجوب الانقياد لأوامره واجتناب نواهيه والاستسلام لحكمه وشرعه في نيف وعشرين موضعًا.
لذا يجب على المكلف اعتقاد أن أمر الله ونهيه إنما هو لِحِكَمٍ عظيمة وجليلة، ومن مقتضى الإيمان به سبحانه اعتقاد أنه لا يشرع لعباده إلا ما فيه
стр. 247
الخير والصلاح لشأنهم كله في معاشهم ومعادهم، ظهرت تلك الحكم للمكلف أم لم تظهر، ولا يتوقف انقياد المسلم لأمر لله تعالى على معرفة الحكمة التشريعية من وراء الأمر والنهي؛ بل يكفيه العلم بأمر الله ونهيه، فيسارع إلى الاستجابة والانقياد والتسليم والقبول.
وفي صدد ذلك يقول ابن القيم ﵀ في «الوابل»: «ومن علامات تعظيم الأمر والنهي: أن لا يحمل الأمرَ على عِلّةٍ تُضعِف الانقياد والتسليم لأمر الله ، بل يُسَلِّمُ لأمرِ الله تعالى وحُكمه، ممتثلًا ما أمر به، سواء ظهرت له حكمة الشرع في أمره ونهيه أو لم تظهر، فإن ظهرت له حكمة الشرع في أمره ونهيه: حمله ذلك على مزيد الانقياد بالبذل والتسليم لأمر الله» (١).
ويقول ابن القيم في «المدارج»: «فإنه إذا لم يمتثل الأمر حتى تظهر له علته لم يكن منقادًا للأمر، وأقل درجاته أن يضعف انقياده له، وأيضًا فإنه إذا نظر إلى حكم العبادات والتكاليف مثلًا وجعل العلة فيها هي جمعية القلب والإقبال به على الله فقال: أنا أشتغل بالمقصود عن الوسيلة، فاشتغل بجمعيته وخلوته عن أوراد العبادات فعطلها وترك الانقياد بحمله الأمر على العلة التي أذهبت انقياده، وكل هذا من ترك تعظيم الأمر والنهي، وقد دخل من هذا الفساد على كثير من الطوائف ما لا يعلمه إلا الله، فما يدري ما أوهنت العلل الفاسدة من الانقياد إلا الله، فكم عطلت لله من أمر، وأباحت من نهي، وحرمت من مباح! وهي التي اتفقت كلمة السلف على ذمها .. » (٢).
стр. 248
يوضح الباحث ويقول: لا حرج من البحث عن الحكمة في مظانها، فيما يمكن أن تظهر فيه الحكمة، ومما بينه أهل الاستنباط، دون تكلف مذموم يؤدي إلى استمراء ذلك في كل أمر ونهي والوقوف عنده حتى تظهر له علته، وقد يفتح الشيطان على صاحبه بسبب ذلك بابًا لا يُسَدّ، من اعتراض دائمٍ ليس له حدّ.
ثالثًا: ومن أَجَلِّ آثار تعظيم الأمر والنهي
أنه يورث المؤمن دوام الاستسلام والانقياد لأمر الله ونهيه، ولا شك أن هذا من أهم عوامل الهداية والثبات على الدين والأمن من عذاب رب العالمين، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: ٢٢].
يقول الطبري: «فقد تمسك بالطرف الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه من تمسك به، وهذا مثل، وإنما يعني بذلك: أنه قد تمسك من رضا الله بإسلامه وجهه إليه وهو محسن، ما لا يخاف معه عذاب الله يوم القيامة. أي: فقد أخذ موثقًا من الله متينًا أنه لا يعذبه» (١).
يقول ابن سعدي: «أي: بالعروة التي من تمسك بها توثق ونجا، وسلم من الهلاك، وفاز بكل خير» (٢).
رابعًا وختامًا: الأمر والنهي بين الثواب والعقاب:
إن العاقبة الحميدة للاستجابة للأمر والنهي؛ هي الجنة.
وإن العاقبة الوخيمة لمن لم يستجب للأمر والنهي؛ هي النار.
стр. 249
قال الحق ﵎: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [الرعد: ١٨].
قال البغوي: «قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ﴾: (أجابوا لِرَبِّهِمْ فأطاعوه)، ﴿الْحُسْنَى﴾: (الجنة)، ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ﴾ أي: لبذلوا ذلك يوم القيامة افتداءً من النار، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾.
قال إبراهيم النخعي: ﴿سُوءُ الْحِسَابِ﴾: أن يحاسبَ الرجلُ بذنبه كلّه لا يغفر له من شيء، ﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾ (في الآخرة) ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (الفِراش)، أي: (بئس ما مُهِد لهم) إلى ضلالٍ يسير والعياذ بالله، فنسأل الله السلامة» (١).
والمتأمل في القرآن الكريم يجده مليئًا بالأوامر والنواهي التي تحث العباد وتأمرهم بأعظم الأوامر-ألا وهو توحيد الله وإفراده بالعبادة- وترغبهم إلى كل خير فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة، وتنهاهم عن أعظم المناهي-ألا وهو الشرك في عبادة الله- وتنفرهم منه، ومن كل شر وسوء وضر يوقعهم في طرق الضلال ويسلك بهم مسالك أهل الغواية، لذا فإن أسلوب الأمر والنهي يعد من أنجع الأساليب القرآنية في التربية، التي ينبغي على المربين العناية والأخذ بها واعتمادها في مقدمة الأساليب التربوية المستخدمة في العملية التربوية المتكاملة.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 250
ثانيًا: التربية بأسلوب الترغيب والترهيب
الترغيب والترهيب أحد الأساليب التربوية الوارد استخدامها بكثرة في كتاب الله تعالى، مما يدل على أهميتها وضرورتها في العملية التربوية التي مبناها على الوسطية والاعتدال، والتي تحمل بين جنباتها مبدأ الثواب والعقاب، والذي هو من ثمار ونتاج أسلوب الترغيب والترهيب الذي يجب على المربي استصحابه في الأمر والنهي والأخذ به أسلوبًا فعالًا ومؤثرًا في نجاح العملية التربوية.
وانطلاقًا مما سبق يقوم الباحث بالتعريف بهذين الأسلوبين مبينًا ما يلي:
أولاً: مفهوم الترغيب والترهيب:
أ). مفهوم الترغيب في اللغة والاصطلاح:
١ - تعريف الترغيب لغة:
الترغيب مصدر قولهم: رغبه في الشيء؛ أي: أوجد فيه الرغبة إليه (١).
والرغبة تطلق ويراد بها السؤال، والطمع، والحرص على الشيء، والرغبة فيه، والإرادة له.