ومما يجدر الإشارة إليه ما ثبت في ذلك عن الرعيل الأول من جيل الصحابة الكرام ﵃ بهذا الصدد.
حديث رافع بن خديج ﵁ حيث يقول: «جاءنا ذات يوم رجل من عمومتي، فقال: نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا … » الحديث (١).
٢ - عدم وجود أدنى ضيق أو حرج في النفْس مع التسليم للأمر والنهي .
يقول تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
يقول ابن سعدي: «يُخْبِرُ تَعَالَى خَبَرًا فِي ضِمْنِهِ الْأَمْرُ وَالْحَثُّ عَلَى طَاعَةِ الرَّسُولِ وَالِانْقِيَادِ لَهُ، وَأَنَّ الْغَايَةَ مِنْ إِرْسَالِ الرُّسُلِ أَنْ يَكُونُوا مُطَاعِينَ يَنْقَادُ لَهُمُ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِمْ فِي جَمِيعِ مَا أَمَرُوا بِهِ وَنَهَوْا عَنْهُ، وَأَنْ يَكُونُوا مُعَظَّمِينَ تَعْظِيمَ الْمُطِيعِ لِلْمُطَاعِ» (٢).
وإن من جليل أمر الإذعان والتسليم والانقياد لأمر الله ونهيه، أن الله تعالى بيَّن في محكم آي التنزيل في كتابه المجيد وجوب الانقياد لأوامره واجتناب نواهيه والاستسلام لحكمه وشرعه في نيف وعشرين موضعًا.
لذا يجب على المكلف اعتقاد أن أمر الله ونهيه إنما هو لِحِكَمٍ عظيمة وجليلة، ومن مقتضى الإيمان به سبحانه اعتقاد أنه لا يشرع لعباده إلا ما فيه
стр. 247
الخير والصلاح لشأنهم كله في معاشهم ومعادهم، ظهرت تلك الحكم للمكلف أم لم تظهر، ولا يتوقف انقياد المسلم لأمر لله تعالى على معرفة الحكمة التشريعية من وراء الأمر والنهي؛ بل يكفيه العلم بأمر الله ونهيه، فيسارع إلى الاستجابة والانقياد والتسليم والقبول.
وفي صدد ذلك يقول ابن القيم ﵀ في «الوابل»: «ومن علامات تعظيم الأمر والنهي: أن لا يحمل الأمرَ على عِلّةٍ تُضعِف الانقياد والتسليم لأمر الله ، بل يُسَلِّمُ لأمرِ الله تعالى وحُكمه، ممتثلًا ما أمر به، سواء ظهرت له حكمة الشرع في أمره ونهيه أو لم تظهر، فإن ظهرت له حكمة الشرع في أمره ونهيه: حمله ذلك على مزيد الانقياد بالبذل والتسليم لأمر الله» (١).
ويقول ابن القيم في «المدارج»: «فإنه إذا لم يمتثل الأمر حتى تظهر له علته لم يكن منقادًا للأمر، وأقل درجاته أن يضعف انقياده له، وأيضًا فإنه إذا نظر إلى حكم العبادات والتكاليف مثلًا وجعل العلة فيها هي جمعية القلب والإقبال به على الله فقال: أنا أشتغل بالمقصود عن الوسيلة، فاشتغل بجمعيته وخلوته عن أوراد العبادات فعطلها وترك الانقياد بحمله الأمر على العلة التي أذهبت انقياده، وكل هذا من ترك تعظيم الأمر والنهي، وقد دخل من هذا الفساد على كثير من الطوائف ما لا يعلمه إلا الله، فما يدري ما أوهنت العلل الفاسدة من الانقياد إلا الله، فكم عطلت لله من أمر، وأباحت من نهي، وحرمت من مباح! وهي التي اتفقت كلمة السلف على ذمها .. » (٢).
стр. 248
يوضح الباحث ويقول: لا حرج من البحث عن الحكمة في مظانها، فيما يمكن أن تظهر فيه الحكمة، ومما بينه أهل الاستنباط، دون تكلف مذموم يؤدي إلى استمراء ذلك في كل أمر ونهي والوقوف عنده حتى تظهر له علته، وقد يفتح الشيطان على صاحبه بسبب ذلك بابًا لا يُسَدّ، من اعتراض دائمٍ ليس له حدّ.
ثالثًا: ومن أَجَلِّ آثار تعظيم الأمر والنهي
أنه يورث المؤمن دوام الاستسلام والانقياد لأمر الله ونهيه، ولا شك أن هذا من أهم عوامل الهداية والثبات على الدين والأمن من عذاب رب العالمين، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: ٢٢].
يقول الطبري: «فقد تمسك بالطرف الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه من تمسك به، وهذا مثل، وإنما يعني بذلك: أنه قد تمسك من رضا الله بإسلامه وجهه إليه وهو محسن، ما لا يخاف معه عذاب الله يوم القيامة. أي: فقد أخذ موثقًا من الله متينًا أنه لا يعذبه» (١).
يقول ابن سعدي: «أي: بالعروة التي من تمسك بها توثق ونجا، وسلم من الهلاك، وفاز بكل خير» (٢).
رابعًا وختامًا: الأمر والنهي بين الثواب والعقاب:
إن العاقبة الحميدة للاستجابة للأمر والنهي؛ هي الجنة.
وإن العاقبة الوخيمة لمن لم يستجب للأمر والنهي؛ هي النار.
стр. 249
قال الحق ﵎: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [الرعد: ١٨].
قال البغوي: «قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ﴾: (أجابوا لِرَبِّهِمْ فأطاعوه)، ﴿الْحُسْنَى﴾: (الجنة)، ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ﴾ أي: لبذلوا ذلك يوم القيامة افتداءً من النار، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾.
قال إبراهيم النخعي: ﴿سُوءُ الْحِسَابِ﴾: أن يحاسبَ الرجلُ بذنبه كلّه لا يغفر له من شيء، ﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾ (في الآخرة) ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (الفِراش)، أي: (بئس ما مُهِد لهم) إلى ضلالٍ يسير والعياذ بالله، فنسأل الله السلامة» (١).
والمتأمل في القرآن الكريم يجده مليئًا بالأوامر والنواهي التي تحث العباد وتأمرهم بأعظم الأوامر-ألا وهو توحيد الله وإفراده بالعبادة- وترغبهم إلى كل خير فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة، وتنهاهم عن أعظم المناهي-ألا وهو الشرك في عبادة الله- وتنفرهم منه، ومن كل شر وسوء وضر يوقعهم في طرق الضلال ويسلك بهم مسالك أهل الغواية، لذا فإن أسلوب الأمر والنهي يعد من أنجع الأساليب القرآنية في التربية، التي ينبغي على المربين العناية والأخذ بها واعتمادها في مقدمة الأساليب التربوية المستخدمة في العملية التربوية المتكاملة.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 250
ثانيًا: التربية بأسلوب الترغيب والترهيب
الترغيب والترهيب أحد الأساليب التربوية الوارد استخدامها بكثرة في كتاب الله تعالى، مما يدل على أهميتها وضرورتها في العملية التربوية التي مبناها على الوسطية والاعتدال، والتي تحمل بين جنباتها مبدأ الثواب والعقاب، والذي هو من ثمار ونتاج أسلوب الترغيب والترهيب الذي يجب على المربي استصحابه في الأمر والنهي والأخذ به أسلوبًا فعالًا ومؤثرًا في نجاح العملية التربوية.
وانطلاقًا مما سبق يقوم الباحث بالتعريف بهذين الأسلوبين مبينًا ما يلي:
أولاً: مفهوم الترغيب والترهيب:
أ). مفهوم الترغيب في اللغة والاصطلاح:
١ - تعريف الترغيب لغة:
الترغيب مصدر قولهم: رغبه في الشيء؛ أي: أوجد فيه الرغبة إليه (١).
والرغبة تطلق ويراد بها السؤال، والطمع، والحرص على الشيء، والرغبة فيه، والإرادة له.
стр. 251
قال ابن منظور في مادة رغب: «رَغِبَ يَرغَبُ رَغبةً: إذا حرص على الشيء ورغب فيه: إذا حرص على الشيء ورغب فيه. والرغبة: والرغبة السؤال والطمع. ورغبه أعطاه ما رغب» (١).
وقال ابن زكريا في «معجم مقاييس اللغة»: «الراء والغين والباء أصلان: أحدهما طلب الشيء، والآخر سعة في الشيء، فالأول الرغبة في الشيء: الإرادة له: رَغِبتُ في الشيء. فإذا لم ترده قلت: رغبتُ عنه» (٢).
والرغبة هنا ترجع إلى المعنى الأول وهو الإرادة للشيء.
٢ - تعريف الترغيب في الاصطلاح:
عرفه النحلاوي أنه: «وعد يصحبه تحبيب وإغراء، بمصلحة أو لذة أو متعة آجلة مؤكدة خيرة، خالصة من الشوائب، مقابل القيام بعمل صالح، أو الامتناع عن لذة ضارة، أو عمل سيئ ابتغاء مرضاة الله، وذلك رحمة من الله لعباده» (٣).
ويعرفه الحدري بقوله: «وعد من الله بالجزاء العاجل أو الآجل أوكليهما على فعل مأمور أوترك محظور» (٤).
стр. 252
(ب) مفهوم الترهيب:
١ - تعريف الترهيب في اللغة:
الترهيب مصدر قولهم: رهبه من الشيء بمعنى أخافه منه خوفًا شديدًا، والرهبة مصدر كلمة (رهب) التي تدل على الخوف.
- قال ابن منظور: «رهب بالكسر، يرهب رهبة ورهبًا بالضم، ورهبًا بالتحريك: أي: خاف، ورهب الشيء رهْبًا ورهَبًا ورهبةً: أي خافه» (١).
٢ - تعريف الترهيب في الاصطلاح:
عرف النحلاوي الترهيب بأنه: «وعيد وتهديد بعقوبة تترتب على اقتراف إثم أو ذنب مما نهى الله عنه، أو التهاون في أداء الفريضة مما أمر الله به، أو هو تهديد من الله يقصد به تخويف عباده، وإظهار صفة من صفات الجبروت والعظمة الإلهية، ليكونوا دائمًا على حذرٍ من ارتكاب الهفوات والمعاصي» (٢).
ثانيًا: أهمية التربية بأسلوب الترغيب والترهيب:
التربية الإسلامية تربية متكاملة تنظر إلى الإنسان نظرة شاملة متكاملة من جميع الجوانب لأنها هي التربية «الوحيدة التي تنطلق في أصولها وغاياتها وأهدافها ووسائلها من خلال نظرة صحيحة تجاه الكون والإنسان والحياة. ومن هنا جاءت أساليبها التربوية محققة للأهداف والغايات التي خلق الكون والإنسان والحياة من أجلها» (٣).
стр. 253
ومن جملة الأساليب التي لاقت اهتمامًا كبيرًا في القرآن الكريم أسلوب الترغيب والترهيب؛ وذلك بغية إيجاد الإنسان المسلم الصالح المصلح.
- يقول الجمالي: «وأسلوب الترغيب والترهيب من الأساليب التربوية التي لا يستغني عنها المربي في كل زمان ومكان، ومهما عمل في حقل التربية، فلن يستطيع السير طويلًا ما لم يعرف الطفل والإنسان أن هناك نتائج سارة أو مؤلمة وراء عمله وسلوكه، فإن عمل خيرًا نال السرور والحلاوة، وإن عمل شرًّا نال الألم والمرارة» (١)، ولذا فعلى مربي النشء الذي يريد أن يغرس فيهم الأخلاق الفاضلة ويؤسس فيهم السلوك الحميد أن يستخدم أسلوب الترغيب والترهيب، فمن الناس من يستجيب بالترغيب ومنهم من يستجيب بالترهيب.
ومن هنا شرع الإسلام عبر مصادره أسلوب الترغيب والترهيب، وقدره ليكون أسلوبًا تربويًّا إسلاميًّا. وذلك من خلال كثير من النصوص في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . فالمتتبع لآيات الكتاب الحكيم يجد أن الترغيب والترهيب قرينان لا يكاد ينفك أحدهما عن الآخر، من ذلك ما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤].
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات: ٣٧ - ٤١].
«ولعل السر في ذلك، أن في الفصل بينهما خطورة عظيمة في تربية الشخصية
стр. 254
الإسلامية، فإن المربين حين يطرقون جانب الترغيب في كل توجيه أو تعليم متناسين تمامًا جانب الترهيب، فإنما يفتحون للرجاء بابًا لا يسد، فيظل المؤمن يرجو ما عند الله، معتمدًا على حسن الظن بالله، فيتقاعس عن أداء الواجبات، أو يتجرأ على انتهاك المحرمات، أو يحمل على أثر ذلك عقيدة ضالة. وحين يظل المربي يطرق جانب الترهيب الذي يورث الخوف فحسب متناسيًا جانب الرجاء، فإنه ربما أورث في من يتربى تحت يديه قنوطًا من رحمة الله، ويأسًا من جوده وإحسانه. لكن منهج القرآن والسنة في الترغيب والترهيب ألا يفصل بينهما ليكون المؤمن على جناحين يطير بهما، جناح الخوف، وجناح الرجاء، أو جناح الترغيب وجناح الترهيب، فيسير نحو ربه سيرة متوازنة» (١).
وفي هذا المعنى يقول ابن القيم: «القلب في سيره إلى الله بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر» (٢).
وبناء على ما سبق فإنه يتحتم على المربي الاهتمام بهذا الأسلوب وانتهاجه في العملية التربوية، وعدم الاكتفاء بأسلوب دون آخر، بل عليه أن يوازن بينهما لأن كلًّا منهما مكمل للآخر، وأن يعرف متى ينتهج هذا الأسلوب أو ذلك حسب الشخص الذي أمامه وحسب المواقف التي يمر بها ودواعيها.
стр. 255
أقسام الترغيب والترهيب:
يمكن تقسيم الترغيب والترهيب على أساسين:
الأساس الأول: على أساس نوع الترغيب والترهيب.
الأساس الثاني: على أساس تعجيل أو تأجيل الثواب أو العقاب.
أما الأساس الأول: نوع الترغيب والترهيب:
فينقسم الترغيب والترهيب من حيث نوعه إلى قسمين:
القسم الأول: الترغيب والترهيب المادي الحسي:
وهو ما يطلق عليه التشجيع أو الحوافز في حالة الترغيب، والعقاب البدني في حالة الترهيب ويدخل فيه الضرب.
القسم الثاني: الترغيب والترهيب المعنوي:
ويطلق على الترغيب في هذه الحالة بالتشجيع المعنوي أو الحوافز المعنوية، ومن أمثلتها الشكر والمدح والاستحسان، وما إلى ذلك من صور الإشادة التي تعطي الناشئ ثقة في نفسه وتشجعه على فعل المزيد من الأعمال الجيدة الأخرى.
أما الترهيب المعنوي:
فله عدة صور تمثل درجات العقاب المعنوي، نرتبها في النقاط التالية ابتداءً بأخفها:
* التأنيب والتوبيخ: كما حدث من رسول الله ﷺ لأبي ذر ﵁ حينما عيَّر رجلًا بأمه، فقال له النبي ﷺ : «يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية» (١).
стр. 256
* المقاطعة والهجر: وهذا الأسلوب من العقوبة استخدمه النبي ﷺ مع الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك، فقد نهى النبي ﷺ عن كلامهم وقد سبق بيانه في طيات البحث مفصلًا.
* التهديد والوعيد: وهو يسبق تنفيذ العقوبة، وقد يكون مصاحبًا للترهيب والتخويف بجميع درجاته حتى إيقاع العقوبة (١).
وأما الأساس الثاني: على أساس تعجيل أو تأجيل الثواب أو العقاب:
فيقسم الترغيب والترهيب بناء على الأساس السابق إلى ثلاثة أقسام كما يلي:
القسم الأول: ما كان ثوابه أو عقابه عاجلًا في الدنيا: فإن العبد حين يحسن مع ربه سبحانه أو مع نفسه أو مع الآخرين، فإنه موعود بأن يعجل له الثواب والأجر، سواء كان هذا الثواب ماديًّا أم معنويًّا، وفي المقابل فإن صاحب الإساءة قد تعجل له العقوبة في الدنيا، كآكل الربا تعجل عقوبته بمحق بركة ما جمع من الأموال وزوالها.
القسم الثاني: ما كان ثوابه أو عقابه مؤجلًا للعبد في الآخرة ؛ وكثيرٌ من الأعمال الصالحة وأغلب الذنوب والمعاصي من هذا القسم.
القسم الثالث: ما يجمع الله فيه بين الثواب أو العقاب العاجل والآجل: ومن ذلك صلة الرحم أو قطعها، فالواصل لرحمه يتحقق له خَيْرَا الدنيا والآخرة.
стр. 257
فعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه» (١).
وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رجلًا قال: يا رسول الله، أخبرني عن عمل يدخلني الجنة ويبعدني عن النار، فقال: «تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم» (٢)، أما القاطع لرحمه فهو متوعد بالعقوبة في الدنيا قبل الآخرة، فعن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة: من البغي وقطيعة الرحم» (٣).
الدلالات التربوية لأسلوب الترغيب والترهيب:
لا شك أن التربية الإسلامية تأخذ في الاعتبار ما للثواب والعقاب من أهمية في تشكيل سلوك الفرد، وتستخدم أسلوب الترغيب والترهيب في تنشئة المسلم
стр. 258
تنشئة صالحة، وذلك لكونه من الأساليب المؤثرة تأثيرًا فعالًا على الفرد المسلم، بإثارة وجدانه ونوازع الخير فيه، واستغلال ميوله الفطرية، فيما يفيدها ويحقق سعادتها وسرورها واجتنابها لما يؤذيها، ويكون مصدر شقائها وآلامها، فلا عجب أن يستفيد المنهج التربوي في الإسلام من هاتين النزعتين لدفع الإنسان إلى فعل الخيرات والطاعات واجتناب الشرور والآثام.
وهناك ميزات لأسلوب الترغيب والترهيب جعلت منه أسلوبًا ذا دلالات تربوية واضحة ذكرها النحلاوي (١).
ويمكن إجمال هذه الدلالات التربوية فيما يلي: يعتمد أسلوب الترغيب والترهيب على الإقناع والبرهان، فليس من آية أو حديث نبوي فيه ترغيب أو ترهيب بأمر من أمور الآخرة، إلا ولها علاقة أوفيها إشارة من قريب أو بعيد إلى الإيمان بالله واليوم الآخر على الغالب، أوفيها توجيه خطاب إلى المؤمنين. …
وهذا معناه تربويًّا أن نبدأ بغرس الإيمان والعقيدة الصحيحة في نفوس الناشئة ليتسنى لنا ترغيبهم في الجنة وترهيبهم من عذاب النار وليكون لهذا الترغيب والترهيب ثمرة عملية سلوكية.
يكون أسلوب الترغيب والترهيب مصحوبًا بتصور شائق للجنة ونعيمها أو بأسلوب فيه تخويف وترهيب من النار وعذابها، كل ذلك بأسلوب واضح يفهمه الناس جميعًا، لذلك يجب على المربي أن يستخدم هذا الأسلوب ويقربه إلى أذهان الناشئة بما يناسب عقولهم وأذهانهم.
стр. 259
يعتمد أسلوب الترغيب والترهيب على إثارة الانفعالات وتربية العواطف الربانية، وهذه التربية الوجدانية مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية:
كعاطفة الخوف من الله التي أمر بها في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥].
ومدح عباده الذين يخافونه ووعدهم بالثواب العظيم قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦].
بل أمر أن ندعوه خوفًا من عذابه وطمعًا في ثوابه قال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦].
وعلى تربية هذه العاطفة الربانية بنيت كثير من العبادات والمعاملات، كالنفع في البيع والشراء ورعاية اليتيم، وحسن معاملة الزوجة، والعدل بين الأولاد فكل من خاف ربه كان إنسانًا فاضلًا عادلًا في سلوكه و معاملاته، ومن لم يستحِ من ربه يفعل ما يشاء بلا ضابط ولا وازع.
وكصفة الخشوع: ومعنى الخشوع: التذلل والخضوع والشعور بالانقياد والعبودية لله تعالى، وهو ثمرة الخوف من الله والتي ينبغي أن يستشعرها المربي فتنتقل إلى طلابه، أو أبنائه بالاكتساب والانفعالية، والاقتداء به والمحبة له، وكما أن في النفس عواطف سلبية ترافق التربية بالترهيب كالخوف والخشوع، كذلك في النفس عواطف إيجابية ترافق التربية بالترغيب، ومن أهمها:
أ- المحبة: وقد فطر الإنسان منذ طفولته على الميل إلى أن يحب وأن يكون
стр. 260
محبوبًا، وقد ورد الحب في القرآن في عدد من الآيات، والحب في الأصل كما هو معروف بين الناس تعلق المحب بالمحبوب وتتبع آثاره ودوام تذكره وحضور القلب معه وعمل ما يرضيه ويحقق سروره، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ [البقرة: ١٦٥].
وإذا تتبعنا حياة النبي ﷺ ، نرى أن محبة الله من أهم الدوافع التي تجعل الإنسان حريصًا على تحقيق شريعة الله في سلوكه وحياته دون أن يكون عليه رقيب من البشر، وأن من أهم العوامل التي تؤدي إلى محبة الله الشعور بفضله، والتعرف إلى نعمه وإلى ما أعد من الثواب والأجر العظيم للمتقين في جنات النعيم.
ب- الرجاء: هو الطمع في رحمة الله، والأمل في ثوابه وجزيل الأجر عنده، وقد كان هذا الرجاء دافعًا إلى الجهاد وطلب الموت في سبيل الله فكان الصحابي المجاهد يقول: «بخ .. بخ (١) هل بيني وبين الجنة إلا أن أقاتل فأقتل في سبيل الله؟» ويهجم على الأعداء حتى يستشهد.
وغرس هذا الرجاء في نفوس الناشئة يبنى على الإيمان بالله واليوم الآخر
стр. 261
وعلى الإكثار من وصف الجنة ونعيمها وربطها بضرورة التقيد بأوامر الله وترك نواهيه.
تعتمد التربية بأسلوب الترغيب والترهيب على ضبط الانفعالات والعواطف والموازنة بينهما.
فلا يجوز أن يطغى على قلب الإنسان الرهب والخوف حتى ييأس من روح الله، فلا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ولا يغلب عليه الرجاء والطمع حتى يأمن مكر الله، فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.
واستشعار غضب الله يجب أن لا ينسينا رحمته وإرادته المطلقة ينبغي ألَّا تنسينا حكمته، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٦٧].
ويقول ﷺ فيما رواه عنه أبو هريرة ﵁: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد» (١).
هكذا يجب أن نربي العواطف الربانية عند الناشئة باعتدال واتزان فلا يتمادون في المعاصي، مغترين برحمة الله ومغفرته ولا ييأسون من رحمة الله، فيتركوا العمل بدعوى أن الكثير من الناس منغمس في المعاصي والشهوات.
стр. 262
قوة أسلوب الترغيب والترهيب في الإقناع:
إن التربية بأسلوب الترغيب والترهيب من أقوى أساليب التربية الإسلامية في الإقناع وذلك من عدة نواح؛ منها:
١ - أنه أسلوب يتوافق مع فطرة الإنسان التي فطره الله عليها من الرغبة في جلب المنافع ودفع المضار.
٢ - أنه أسلوب قوي في إثارة الدوافع لدى الإنسان في الحصول على هدف معين.
٣ - أنه طريق مؤثر وفعال جدًّا ومنتج لحافز ذاتي داخل النفس الإنسانية يحقق (١) التوازن بين الترغيب والترهيب.
فمن المهم أن يتوازن الخطان الترغيب والترهيب في قلب المسلم فلا يطغى أحدهما على الآخر.
يقول الغزالي: «فإن غلب عليك الرجاء حتى فقدت الخوف البتة؛ وقعت في طريق الأمن
قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]، وإن غلب عليك الخوف حتى فقدت الرجاء البتة؛ وقعت في طريق اليأس قال تعالى: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]، فإن كنت ركبت بين الخوف والرجاء واعتصمت بهما جميعًا؛ فهو الطريق العدل المستقيم التي
стр. 263
هي سبيل أولياء الله وأصفيائه الذين وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠] (١).
ويقول الأغا (٢): «
إنه ليس بالإمكان استخدام أحد الأسلوبين دون الآخر وذلك للأسباب التالية:
* السبب الأول: تفاوت طباع الناس والاختلاف في امتثالهم للمبادئ وانقيادهم للسلوك واحترامهم للقيم واتباعهم للتعاليم وحرصهم على الالتزام.
* السبب الثاني: هو أن النفس الواحدة تقوى وتضعف كنتيجة لتعرضها لظروف متنوعة وقد يكون سلوك الفرد مقبولًا أو مرفوضًا.
* السبب الثالث: أن النفس قد تضل ضلالًا يختلف من حيث الدرجة فتكون على استعداد للعودة إلى الحق بسرعة أو لا تكون، وهي قد تكون في بداية طريق الضلال والانحراف وقد تكون متوغلة فيه.
* السبب الرابع: هو أن النفس تتوازن بالخوف والرجاء والأمل، وتزداد سرعة توجهها نحو الحق، فالخوف بلا رجاء يؤدي إلى اليأس والقنوط، والرجاء بلا خوف يؤدي إلى التباطؤ والكسل والتراخي في سعادة الفرد إلى ما يرجوه.
стр. 264
* السبب الخامس: هو أن التعليم إعداد للحياة، والحياة فيها ثواب وعقاب، ويترتب على الثواب رغبة، كما أنه يترتب على العقاب رهبة.
* السبب السادس: هو أن الرغبة في تحقيق الأهداف وإشباع الحاجات والرهبة من مواطن الخطر والألم والخسارة هما من المشاعر الفطرية عند الإنسان والحيوان، والفارق بين الإنسان والحيوان في استشعار الألم واللذة حيث إنها في الحيوان تقوم على الارتباط المباشر أو الشرطي، أما عند الإنسان فتعتمد على الإدراك والتمييز، وأما عند الإنسان المتعبد وعند أولي الألباب تقوم على التدبر والتأمل والتفكير والتذكر» (١).
الآثار التربوية لأسلوب الترغيب والترهيب:
لا شك أن انتهاج هذا الأسلوب التربوي الإسلامي يثمر ثمرات وآثارًا تربوية بالغة تؤثر في شخصية الناشئة وتصوغها صياغة متزنة، ولعل من أبرز الآثار التربوية لهذا الأسلوب ما يلي:
١ - غرس العقيدة الصحيحة في قلوب الناشئة، والتي تثمر استقامة حسنة وسلوكًا قويمًا في كل جانب من جوانب الحياة.
٢ - صياغة شخصية الناشئة وصبغها بصبغة إسلامية تقوم على الموازنة بين جناحي الخوف والرجاء، اللذين هما ركنا السير إلى الله تعالى عبر هذه الرحلة الطويلة التي يقطعها الإنسان إلى الدار الآخرة.
стр. 265
٣ - تربية العواطف الربانية التي خلقها الله في هذه النفس كعاطفة الحب والخوف والرجاء والخشوع.
٤ - إثارة الحوافز الذاتية التي تكون سدًّا منيعًا يحول بين العبد وبين مقارفة ما حرم الله عليه، سواء كان ذلك في الجلاء أو الخفاء (١).
٥ - أسلوب الترغيب والترهيب يعالج الطبيعة البشرية التي عبر عنها حنظلة ﵁ بقوله: «نافق حنظلة» (٢)، وهو فتور أثر المواعظ بعد زمن، وهذا من ضعف بني آدم، فجاء أسلوب الترغيب والترهيب يعالج هذا الضعف، يقول ابن الجوزي: «المواعظ كالسياط، لا تؤلم بعد انقضائها، وإيلامها وقت وقوعها .. وهذه حالة تعم الخلق، إلا أن أرباب اليقظة يتفاوتون في بقاء الأثر، فمنهم من يعزم بلا تردد، ويمضي من غير التفات، فلو توقف بهم ركب الطبع، لضجوا، كما قال حنظلة ﵁ عن نفسه: نافق حنظلة» (٣).
٦ - في الترغيب والترهيب تدريب للنفس على المجاهدة وتعويد لها على المصابرة، فإن الإنسان إذا فتر عن القيام بالعمل الصالح تذكر الفضل الذي سيحصله منه، فرغب نفسه للقيام به، وجاهد نفسه على ذلك، وإذا هم بعمل السيئة تذكر العاقبة المترتبة، ورهب نفسه من فعله وجاهدها على تركه.
٧ - وفي الترغيب والترهيب تمهيد طريق الإنابة إلى القلوب.
стр. 266
قال ابن القيم ﵀: «إنما يشتد افتقار العبد إلى العظة وهي الترغيب والترهيب إذا ضعفت إنابته وتذكره، وإلا فمتى قويت إنابته وتفكره، لم تشتد حاجته إلى التذكير والترغيب والترهيب، ولكن تكون الحاجة منه شديدة إلى معرفة الأمر والنهي.
والعظة يراد بها أمران: الأمر والنهي المقرونان بالرغبة والرهبة، ونفس الرغبة والرهبة، فالمنيب المتذكر شديد الحاجة إلى الأمر والنهي والمعرض الغافل شديد الحاجة إلى الترغيب والترهيب» (١).
٨ - في الترغيب والترهيب إدراك لمنافع الاستجابة ومضار المخالفة، وهذا أدعى للقبول وأعظم وقعًا في النفوس وأرسخ في التعلم وأدعى إلى الاستقامة من مجرد المعرفة، فحاجة الإنسان ومصلحته من سلوك معين تدعوه لتلبية الأمر وترك النهي.
٩ - في أسلوب الترغيب والترهيب ثراء تربوي، فهو يتيح للمربي التنويع في الأساليب التربوية، ويغنيه عن الأساليب التي قد تنفر الناشئ أو تتيح للمربي حصرها في حدود ضيقة جدًّا، فإن المسارعة إلى أساليب العقوبة البدنية مضرة بالابن والناشئ الصغير.
- يقول ابن خلدون في بيان أثر أساليب القهر والردع على الفرد؛ بل وعلى المجتمع في تحليل فريد سابق لزمانه: «الشدة على المتعلمين مضرة بهم وذلك بأن إرهاف الحد بالتأليم مضر بالتعليم سيما في أصاغر الولد لأنه من سوء
стр. 267
الملكة. ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين، سطا به القهر وضَيَّقَ عن النفس في انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحمل على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفًا من انبساط الأيدي بالقهر عليه وعلمه المكر والخديعة لذلك وصارت هذه عادة وخلقًا وفسدت معاني الإنسانية لديه» (١).
١٠ - هذا الأسلوب يرسخ السلوك الإيجابي ويحفز المتواني عنه لفعله، ويتأنى بالمخطئ عن السلوك، وفي القرآن الكريم ما يبين الله ذلك ويؤكده، قال تعالى:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، ولولا ذلك لعمّ الظلم وانتشر، لأن الأمن من العقوبة يؤدي إلى السلوك الخاطئ وقديمًا قالوا: (من أمن العقوبة أساء الأدب)، وإذا غاب الثواب قد يتكاسل المحسن، إذن فالترغيب والترهيب يؤديان إلى صحة مسيرة المجتمع والعملية التربوية.
١١ - في استخدام أسلوب الترغيب والترهيب سلامة للناشئ من الآفات النفسية الناشئة عن استخدام الأساليب العقابية غير التربوية، وإن كثرة استخدام العقاب وترك الأساليب غير الجاذبة كأسلوب الترغيب والترهيب، يكسب المعاقب جرأة على الخطأ واستهلاله له، وتزول هيبة ارتكابه وينكسر حاجز الخوف من اقترافه، فكثرة العقاب والاستمرار فيه تجعل المتربي يتنبأ بنوع العقوبة التي ستحل به دون وعي ذاتي بخطأ سلوكه والرغبة في تصحيحه
стр. 268
وتعديله؛ بل إن هذا التكرار يفقد العقاب قيمته في نظر الناشئ (١).
ثالثًا: التربية بأسلوب ضرب الأمثال:
ضرب الأمثال أسلوب عظيم من أساليب التربية ورد استعماله في القرآن الكريم كثيرًا لتوجيه الإنسان وتعليمه وإيصال المعلومات إليه عبر عرضها بصورة ماثلة أمامه يستشعرها ويحس بها ويعايشها فتنقلب الصورة المجردة إلى أشياء محسوسة يدركها ويتفاعل معها، ولا شك أن تشبيه المعاني الذهنية المجردة بالأشياء الحسية والملموسة يؤدي إلى وضوحها، وضرب الأمثال يؤدي إلى تقريب الأفكار من العقل وجعلها مفهومة، كما يؤدي التشبيه والتمثيل إلى إدراك المعنى وتكوين صورة له في المخيلة، ويجعل التأثر بتلك الصورة أشد من الأفكار المجردة، بالإضافة إلى ما في التصوير والتشخيص الحي من الإثارة والمتعة، مما يطرد السأم عن المتعلم ويجعله متقد الذهن حاضر البديهة، ولذلك كثر الاعتماد على هذا الأسلوب في القرآن الكريم.
ضرب الأمثال في القرآن يستفاد منه أمور كثيرة: التذكير، والوعظ، والحث، والزجر، والاعتبار، والتقرير، وترتيب المراد للعقل، وتصويره في صورة المحسوس، وتأتي أمثال القرآن مشتملة على بيان تفاوت الأجر، وعلى المدح
стр. 269
والذم، وعلى الثواب والعقاب، وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره، وعلى تحقيق أمر وإبطال أمر.
قال تعالى: ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥)﴾ [إبراهيم: ٤٥] فامتن علينا بذلك لما تضمنت هذه الفوائد، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] (١).
تسمع قائلًا يقول: الكلمة الطيبة خفيفة الوقع على الأذن، والكلمة الخبيثة شديدة الوقع على الأذن فلا تدرك إلا حقيقة محدودة لا تقف طويلًا عندها، ولا تلتفت كثيرًا لما تحدثه من الأثر. وتسمع قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٦].
فترتسم في مخيلتك صورة واضحة كل الوضوح، حولت المعنى المجرد إلى صورة قريبة منك تراها كل يوم هي صورة شجرة من الأشجار المظلة المثمرة تتملاها العين لما يشيع فيها من الحياة ولما تتميز به من جذور ضاربة تقوي صمودها، وأغصان وأوراق تفرش ظلالًا يتفيؤها الناس، وتخرج ثمارًا يطعمونها، إنها عظيمة الفائدة، باقية الأثر، أو صورة لشجرة تشغل حيزًا، وتعطل مساحة وتتغلغل جذورها هنا وهناك، تشارك النبات غذاءه وماءه فيضعف
стр. 270
عوده، ويقل إنتاجه، وإنها لعقيمة لا تثمر أو تزهر، فلا قيمة لها ولا نفع من وجودها فأولى أن تزول» (١).
إنه تمثيل حي وربط مباشر لحال المؤمن والكافر بشيء محسوس مشاهد تشاهده العيون كل يوم وتعانقه الأبصار كل لحظة فيوقظ في القلب إحساسه ويحرك مشاعره ليندفع في الطريق الصحيح طريق المؤمنين العاملين لأنه الطريق المحمود الممدوح، النافع المفيد، في الدنيا والآخرة، ويحاول بكل ما أوتي من قوة أن يبتعد عن طريق الزائغين الهالكين الذي يشبه شجرة لا نفع فيها ولا فائدة؛ بل كل ما فيها ضرر فالناس تنظر إليها نظرة ازدراء واحتقار وهي في النهاية مقطوعة لعدم نفعها وفائدتها، وبهذا يتربى المسلم من خلال هذا المثل على الخير وحبه وحب أهله والمسارعة إليه والمسابقة فيه ليدخل تحت هذا الثناء الذي ذكره الله للمؤمنين.
ولقد كثرت الأمثال في القرآن الكريم وجاءت على صور مختلفة وذلك لأجل تقريب البعيد، والترهيب من عمل من خلال تشبيهه وتمثيله بصورة تتقزز منها النفوس، ولتسلية النبي ﷺ فمن ذلك -الأمثال في القرآن- قوله -جل وعلا- ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا .. ﴾ [البقرة: ١٧].
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦].
стр. 271
وقوله سبحانه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١].
وقوله سبحانه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥].
وقوله سبحانه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر: ٢٩].
وقوله سبحانه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [النور: ٣٥].
من كل ذلك ندرك أهمية ضرب المثل في التربية، وأن هذا الأسلوب ذو تأثير تربوي مستدام، لأنه يعتمد على عنصر الإمتاع بفضل ما يحمله من تذليل لصعوبات الفهم والإدراك، وتسهيله لعملية الربط بين الواقع والإحساس ولقد كثر الاهتمام في القرآن -كما مرَّ معنا- بهذا الأسلوب العظيم فجاءت آياته تحفل بجملة من الأمثال كان لها ولا يزال إلى يومنا هذا وإلى ما شاء الله الأثر الواضح في التربية وتقويم السلوك للأفراد والجماعات ولا غرابة في ذلك فالقرآن كلام اللطيف الخبير العليم بشؤون عباده وأحوالهم وهو أعلم بما يصلحهم ويصلح لهم، بهذا صفت نفوس المؤمنين واستقامت على منهج الحق وطريق الفلاح
стр. 272
والله الهادي إلى سواء السبيل (١).
ومن خلال الخطوات التالية يتناول الباحث أسلوب ضرب الأمثال من خلال بيان مفهومه وأهميته في تربية الناشئة ثم يختم ببيان آثاره التربوية.
مفهوم الأمثال في اللغة والاصطلاح:
أ- المثل لغة:
«المثل والمثَلُ بالتحريك: له معان؛ منها النظير والمثيل والشبيه، والمثال الذي يتداوله الناس بضرب إشارة لمعنى مشابه للموقف المشار إليه، والتمثيل بالشيء التنكيل» (٢).
ب-المثل اصطلاحًا:
عرف الأصفهاني (٣) المثل بقوله:
«والمثل عبارة عن قول شيء في شيء يشبه قولًا في شيء آخر بينهما مشابهة، ليبين أحدهما الآخر ويصوره. نحو قولهم: «الصيف ضيعت اللبن» فإن هذا القول يشبه قولك: أهملت وقت الإمكان أمرك. وعلى هذا الوجه ما ضرب الله تعالى من الأمثال، فقال سبحانه: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا
стр. 273
مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]، وفي آية أخرى يقول سبحانه: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].
والمثال في الاصطلاح القرآني يطلق على معان عدة:
١ - منها: الكلمة الشائعة على الألسن:
وهو المسمى بالمثل السائر أي: المتداول بين الناس، عند حصول موقف مشابه للموقف الذي أطلق فيه المثال، وهذا المعنى المتبادر للأمثال عند الإطلاق، ومنه الأمثال السائرة كقولهم: «الصيف ضيعت اللبن»، وقد جاء من هذا المثل السائر في القرآن لآلئ منثورة.
ومن نماذجه ما ذكره السيوطي في الإتقان:
قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩٢].
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)﴾ [الحج: ١٠].
وقوله تعالى: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)﴾ [فاطر: ٤٣] (١)، وهذا النوع تبرز فيه الناحية البلاغية أكثر من الناحية التصويرية المؤثرة.
стр. 274
٢ - ومنها: ما يكون فيه تشبيه معقول بمحسوس أكثر وضوحًا:
وهو المعروف بالمثل القياسي وهو سرد وصفي أو قصصي أو صورة بيانية لتوضيح فكرة ما عن طريق التشبيه والتمثيل، ويسميه البلاغيون: بـ (التمثيل والتركيب) فإنه تشبيه شيء بشيء لتقريب المعقول من المحسوس، أو أحد المحسوسين إلى الآخر، أو قياس أحدهما بالآخر لغرض التأديب والتهذيب أو التوضيح والتصوير، أو الإقناع العقلي وإقامة الحجة، وهذا النوع فيه إطناب إذا قورن بسابقه، ويجمع بين عمق الفكرة وجمال التصوير، والمقارنة بين المثل ومثله.
ومن أمثلة هذا النوع في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩)﴾ [النور: ٥٩]، وهي كثيرة في القرآن، وآثار هذا النوع التربوية أظهر وأعم من سابقه، فهي أعمق تأثيرًا وأجلى تصويرًا، ويمكن تقسيم هذا النوع إلى قسمين:
أ- التشبيه التمثيلي: الذي فيه المثل والممثل و الممثل به، وأمثلته ما سبق ذكره من التنزيل الحكيم.
ب- التشبيه الضمني: وهو ما يلمح فيه التشبيه التمثيلي من السياق دون التصريح بذكر المثل والممثل و الممثل به، ومن أمثلته المذكورة في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١].
стр. 275
٣ - ومنها: الأمثال التاريخية:
وهي تمثيل حالة قائمة بصورة تاريخية معروفة لبيان سنة الله في عباده للترغيب والترهيب والوعظ والتذكير، ولتحقيق أهداف تربوية متعددة، ومثال هذا النوع قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣)﴾ [يس: ١٣] فالمعنى المقصود: أن مثلهم كمثل آل فرعون (١).
أهمية أسلوب ضرب المثل:
الأمثال من جميل القول، وحسن الألفاظ، تدل حسن تصرف قائلها في كلامه، وجودة تقريبه للمعاني، وتقرب البعيد، وتجذب نافر القلوب وشارد الذهن.
وقد ذكر السيوطي بعض فوائدها بقوله: «الأمثال حكمة العرب في الإسلام وبها كانت تعارض كلامها فتبلغ بها ما حاولت من حاجاتها في المنطق بكتابة غير تصريح فيجتمع لها بذلك خلال: منها إيجاز اللفظ وإصابة المعنى وحسن التشبيه، وقد ضرب النبي ﷺ بها هو ومن بعده من السلف» (٢).
وكان السلف ﵏ يقرأون القرآن كرسائل توجيهية وتنبيهات، وعظات واعتبار، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].
وكان النبي ﷺ يعلم أصحابه الأمثال بل يكثر منها لجدواها الإيمانية
стр. 276
والتربوية، فقد قال عمرو بن العاص ﵁: «عقلت عن رسول الله ﷺ ألف مثل» (١).
قال ابن كثير: «وهذه منقبة عظيمة لعمرو بن العاص ﵁ حيث يقول الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]» (٢)، بل كان العلماء الربانيون يستشعرون الخذلان عندما يفوتهم الهدف الرسالي من المثل القرآني.
ولذا قال بعض السلف (٣): إذا سمعت المثل في القرآن فلم أفهمه بكيت على نفسي؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].
ومن الممكن إيجاز أهمية أسلوب ضرب المثل في الجوانب التالية:
١ - الجانب اللغوي: وبه تظهر بلاغة المتكلم بإيجاز اللفظ وحسن التشبيه، ووضوح النطق.
٢ - الجانب المعنوي: وتبرز فيه قدرة المتكلم على تقريب المراد وإيضاح الفكرة، وإيصالها إلى ذهن السامع.
٣ - الجانب التربوي: أي: ما يتركه المثل من أثر نفسي أو تربوي عميق،
стр. 277
فيتنبه الغافل، وينزجر المكابر، ويتعظ المعرض (١).
الآثار التربوية لأسلوب ضرب المثل:
ولما يتسم به ضرب المثل من جودة الحديث ونقاء المعنى وإيصال الأفكار بيسر وسهولة، فإن لهذا الأسلوب آثارًا تربوية مهمة تظهر على المربي والناشئة والعملية التربوية كافة، ومن ذلك:
١ - أسلوب ضرب المثل يقرب الفكرة فهو يمهد السبيل للمتعلم، ويقرب إليه المعنى الذي قد يند عن فهمه.
٢ - أسلوب ضرب المثل من أقرب طرق تبكيت المعاندين والمتعنتين والمجادلين.
٣ - في هذا الأسلوب التربوي إبراز للنماذج الصالحة والقدوات النافعة ومآلهم، وبيان أحوالهم للاقتداء بهم والاهتداء بسبيلهم.
٤ - وفي هذا الأسلوب إبراز النماذج السلبية ومآلهم للتحذير من اقتفاء سبيلهم واتباع خطواتهم.
٥ - ضرب المثل سبيل للإقناع والتأثير، بتصوير الحق بصورته الناصعة والترغيب فيه، وذكر الباطل بصورته القبيحة والتنفير منه وتعريته وكشف حقيقته، والإقناع بالمثل نال نصيبًا كبيرًا من الأمثال القرآنية.
ومما ورد في بيان حقيقة كلمة التوحيد وثباتها في قلب المؤمن قوله تعالى:
قال ابن القيم: «أخبر سبحانه أن الرفعة عنده ليست لمجرد العلم وإنما هي باتباع الحق وإيثاره وقصد مرضاة الله ، فإن كان هذا من أعلم أهل زمانه ولم يرفعه الله بعلمه ولم ينفعه به، فنعوذ بالله من علم لا ينفع» (١).
٨ - يفيد هذ الأسلوب أيضًا في تقويم المسالك، وإصلاح النفوس، وصقل الضمائر، وتهذيب الأخلاق، وتنمية الفضائل السامية.
٩ - وفي ضرب الأمثال مجالٌ رحب أيضًا للمكلف فهو يتيح له الغوص في غور الأمثال واستلهام العبر وتنزيلها على ما يعايشه، والاستفادة منها لحاله التي لا يعايشها ويعرف حقائقها أحدٌ مثله من البشر.
١٠ - قد يكون الحديث المباشر في بعض الشؤون أحيانًا يسبب حرجًا أو شيئًا من الحساسية للمتحدث، فإذا اتجه لهذا الأسلوب استطاع الوصول إلى هدفه، وإفادة المُخَاطَبِينَ عن طريق المربين- بضرب الأمثال.
١١ - واستفادة المربي من هذا الأسلوب، يربطه بأحسن الأمثال المضروبة وهي أمثال القرآن والسنة، مما يربط المربي بالقرآن والسنة ويعايشهما «مع فهمها وتدبرها والإدراك الشامل لأهداف القرآن الكريم وأسلوبه في التأثير والتغير» (٢).
رابعًا- أسلوب التربية بالقصص القرآني:
تمثل القصة القرآنية أسلوبًا فعالًا من أساليب التربية الإسلامية بما لها من
стр. 280
التأثير العجيب على النفوس، فهي تشد الانتباه، وتوقظ الوجدان، وتحرك العواطف، ولذا يلاحظ كثرة ورودها في القرآن الكريم وفي السنة النبوية المطهرة.
ومن خلال الخطوات التالية يتناول الباحث أسلوب القصة من خلال بيان مفهومها وأهميتها في تربية الناشئة ثم يختم ببيان آثارها التربوية:
أولاً: مفهوم القصة في اللغة والاصطلاح:
أ-تعريف القصة في اللغة:
القصة مأخوذة من مادة: (قصص) التي تعني تتبع الأثر (١).
قال ابن منظور: «والقصة الخبر، وهو القصص، وهي الأمر والحديث.
والقصص: الخبر المقصوص، والقاص الذي يأتي بالقصة على وجهها، كأنه يتتبع معانيها وألفاظها» (٢).
والقصص: الأثر. قال تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤)﴾ [الكهف: ٦٤]. والقصص: الأخبار المتتبعة. قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] (٣).
وقال الفيومي: «القصة: الشأن والأمر، يقال: ما قصتك؟ أي: ما شأنك؟» (٤).
стр. 281
ب- تعريف القصة في الاصطلاح:
القصة: «حادثة وقعت، لها بداية ونهاية، مرتبطة بأسباب ونتائج، تتخللها دروس وعبر، يهفو إليها السامع، وينجذب إليها الذهن، ويتحرك لها الفؤاد، ويتأثر منها الوجدان» (١)(٢).
أهمية التربية بأسلوب القصص:
تعتبر القصة من الأساليب التربوية في القرآن الكريم والتي اهتمت بها التربية الإسلامية في تربية وتوجيه الناشئة، وخصوصًا المربي إذا تمكن من صياغتها في قالب عاطفي مؤثر، كما يقول الجمالي: «القصة تؤثر في النفس إذا وضعت في قالب عاطفي مؤثر، وهي تجعل القارئ أو السامع يتأثر بما يقرأ أو يسمع، فيميل إلى الخير وينفذه، ويمتعض من الشر فيبتعد عنه (٣)، والقصص القرآني ليس له وجهة مقارنة مع القصص الأدبية، فالأول وحي من عند الله . وأما الثاني فمن صنع البشر».
- يذكر الجعيد: «أن القصة قد احتلت مساحة كبيرة من آيات القرآن الكريم، يمثل ذلك ما ورد حول قصص الأنبياء مع أقوامهم، وقصة آدم ﵇، وقصة
стр. 282
يوسف ﵇، وقصة أصحاب الكهف» (١)(٢).
وانطلاقًا مما سبق فإن المربين في حاجة إلى الإفادة من أسلوب القصة لتحقيق الأهداف التربوية، وغرس القيم الأخلاقية في الأفراد، والتي قد لا تتحقق في كثير من الأساليب التربوية الأخرى، وما ذلك إلَّا «لأنَّ القصة يهفو إليها الكبير والصغير، والذكر والأنثى، والذكي المفرط في الذكاء، والمتوسط في ذكائه وقدراته العقلية، إنهم جميعًا بلا استثناء تستهويهم القصة، وتستثيرهم أحداثها، وتؤثر في نفوسهم مواقفها» (٣).
وتتنوع أغراض القصة في القرآن، فبالإضافة إلى أهدافها التربوية، فهي تهتم بالدعوة الإسلامية.
يقول الخطيب: بأنها «أقوى أجهزة التأثير في قيادة الجماعات البشرية، فلا عجب أن تكون القصة في القرآن الكريم ركيزة قوية من ركائز الدعوة الإسلامية، القائمة على الاقتناع العقلي، والاطمئنان القلبي لما تدعو إليه، من الإيمان بالله،
стр. 283
وكتبه، ورسله، واليوم الآخر» (١).
إن القصة في القرآن الكريم واضحة من خلال سرد أحداث القصة في الآيات القرآنية، ولكن ليس في جميع الآيات، لأن بعضها تحتاج للرجوع إلى سبب نزول الآية، حتى تتم معرفة القصة.
وفي هذا المعنى يقول السيوطي: «قال الواحدي (٢): لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها».
وقال ابن دقيق العيد: «بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن».
وقال ابن تيمية: «معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب» (٣).
إن من مميزات القصة في القرآن الكريم:
أن لها وقعها في النفس، وجذبًا في تتبع الأحداث، وتجعل السامع حريصًا في متابعة عرضها، واستحواذ فكره تجاهها حتى النهاية.
وفي هذا يقول القطان: «الحادثة المرتبطة بالأسباب والنتائج، يهفو إليها السمع، فإذا تخللتها مواطن العبرة في أخبار الماضي، كان حب الاستطلاع
стр. 284
لمعرفتها من أقوى العوامل على رسوخ عبرتها في النفس» (١).
إن أهمية القصص في القرآن الكريم، وباعتباره أسلوبًا من أساليب التربية، تكمن في العديد من الأمور التي يجب إبرازها وأخذ العبرة منها حتى يتم تطبيقها في الجوانب التربوية.
وفي هذا المعنى يقول علوان: «وقد مَنَّ الله على رسوله ﵊، بأن قص عليه أحسن القصص، ونزل عليه أحسن الحديث، ليكون للناس آية وعبرة، وللرسول ﷺ عزمًا وتثبيتًا» (٢).
ومن الأهمية التي لها دور كبير في التربية عند الأخذ بأسلوب القصص، ما يذكره الهاشمي في عدة نقاط:
١ - إثارة الشوق لمتابعة أحداث القصة وما يجري، أو كيف كان ذلك، وما النهاية؟
٢ - إشباع الخيال: فالقصة تنقل السامع إلى الماضي إن كانت كذلك، أو إلى مكان في شرق الأرض أو غربها إن كانت في الوقت الحاضر.
٣ - زيادة المعلومات بطريق حي، فالقصة التربوية لا تهدف إلى سرد الوقائع فحسب، بل قد يكتنفها معلومات وحكم، من عقيدة سليمة. كما تتضمن عدة وسائل تربوية ونفسية (٣).
стр. 285
وتتضح أهمية أسلوب القصص ليست في جوانب محددة فقط، إنما تشمل المجتمع بأكمله، وتعكس الفوائد عليه.
وفي هذا المعنى يقول الخالدي: «ومسلمو هذا الزمان أحوج ما يكونون لتحقيق هذا الهدف القرآني من قصصه، نحن أحوج ما نكون إلى أنْ نُثَبِّتَ بقصص القرآن أفئدتنا، ونحقق الطمأنينة لقلوبنا، ونرسخ على طريق الحق مواقعنا، وتثبت عليها أقدامنا، نحن أحوج الناس إلى هذا، لكثرة المثبطات والمعوقات والمغريات، التي تميز بها هذا العصر، واشتداد المعركة بين الحق والباطل .. » (١).
إن أسلوب القصص من الأساليب القرآنية التي تميزت بأنها الصلة ما بين الفرد المسلم وما بين القيم والمبادئ الإسلامية.
وهذا ما أشار إليه ابن حميد حينما قال: «وجملة القول: أن القرآن الكريم يشتمل على كثير من القصص التربوية، التي تسهم إسهامًا فعالًا في تحقيق أهداف التربية الإسلامية، وذلك لأنها تضع المثل أمام المتعلمين، مما يساعد على غرس كثير من القيم التربوية السامية في نفوسهم، وتتميز القصة في القرآن أنها تمد القراء والجماعات بالقيم الإسلامية الصادقة النابعة منه» (٢).
مما تقدم تتضح أهمية أسلوب القصة، والتي وردت في القرآن الكريم في الكثير من السور والآيات، والتي تسرد قصص الأمم السابقة، وتحكي أحوال