المفتتح بثلاثة أحرف، وهي السور الأكثر عددًا بين السور التي افتتحت بهذه الحروف.
طريقة قراءة الحروف المقطعة:
لا تُقرأ هذه الحروف كالأسماء مثل باقي الكلمات، بل تُقرأ واحدة واحدة بصورة متقطعة، ومن أجل ذلك سميت بالحروف المقطعة.
فننطق (الم) بهذه الكيفية: (ألفْ لامْ ميمْ)، وننطق (طسم) بهذه الكيفية:
(طا سينْ ميمْ)، وهكذا بالنسبة للبقية، مع ملاحظة تسكين الأواخر باستمرار، وفي هذا سر من أسرار وجوب أخذ القرآن بالتلقي والمشافهة.
٥ - أقوال العلماء في الحروف المقطعة في بداية السور .
ويتبين للدراسة:
أنه من المناسبة بمكان، الكلام عن الحروف المقطعة المفتتح بها أوائل بعض السور بإيجاز، لأن موضوع البحث متعلق بسورة لقمان وهي من السور المفتتحة ببعض تلك الحروف.
وقبل ذكر أقوال العلماء في الأحرف المقطعة لا بد من ذكر بعض الأمور:
أولًا: أنه لم يثبت عن الرسول ﷺ حديث صحيح مرفوع في معنى هذه الأحرف (١)، ومن ثَمَّ فإن القول في تفسيرها لا سند له من الكتاب أو السنة الصحيحة بالنص.
ثانيًا: أن افتتاح الكلام بالأحرف الهجائية المقطعة أسلوب لم يكن معروفًا
стр. 317
عند العرب ولم يألفوه من قبل، وإنما كان أسلوبًا جديدًا؛ ولذا فلن نجد لها شاهدًا من كلام العرب فيما أعلم.
ثالثًا: أنه إذا لم يكن تفسير هذه الأحرف قد ورد في الكتاب ولا في السنة، وليس له شاهد في لغة العرب؛ فإن الأقوال فيها مَحْضُ تخرصاتٍ، لا يصح أبدًا أن يجزم أحد بمعناها، كما قال الشوكاني -رحمه الله تعالى: «اعلم أن من تكلم في بيان معاني هذه الحروف جازمًا بأن ذلك هو ما أراده الله فقد غلط أقبح الغلط، وركب في فهمه ودعواه أعظم الشطط، فإنه إن كان تفسيره لها بما فسرها به راجعًا إلى لغة العرب وعلومها فهو كذب بحت، فإن العرب لم يتكلموا بشيء من ذلك، وإذا سمعه السامع منهم كان معدودًا عنده من الرطانة .. » (١).
ومع هذا فإن من أقوال المفسرين لها ما هو معقول وقريب ولا عيب فيه إلا عدم الدليل، ومنها ما يفقد الدليل مع البعد والغرابة، والشطط والتكلف (٢).
وهذه الأمور من الأهمية بمكان، فكان لا بد من التنبيه عليها قبل ذكر أقوال العلماء فيها مقتضبة.
أقوال أهل العلم في الحروف المقطعة:
ولقد اختلف العلماء اختلافًا كبيرًا في الحروف المقطعة التي جاءت في أوائل بعض السور، حيث يرى بعضهم أن علمها عند الله، ويرى بعضهم أن فيها وجهًا
стр. 318
من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم، وذكر بعضهم أنها قَسَمٌ، كما جاء عن الأخفش الأوسط الذي علل كونها قسمًا بقوله: إنما أقسم الله بهذه الحروف لشرفها وفضلها، لأنها مباني كتبه المنزلة، ومبادئ أسمائه الحسنى وصفاته العليا وأصول كلام العرب، بها يتعارفون ويذكرون الله تعالى ويوحدونه (١).
ورغم تعدد أقوال المفسرين في تفسير هذه الحروف المفتتح بها أوائل السور؛ إلا أن هناك محلًّا متفقًا عليه بين أهل العلم في هذه الحروف، وهو أن أهل الإسلام أجمعوا على أن لهذه الحروف معنى، وأنها ذُكِرت لحكمة.
يقرر هذا ويوضحه ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن الله أمرنا بتدبر كتابه وتفهمه دون استثناء، فدخلت الحروف المقطعة في هذا الأمر، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾ [المؤمنون: ٦٨].
الأمر الثاني: أن الله -تعالى- قد تحدى عباده من الإنس والجن بأن يأتوا
стр. 319
بسورة من مثل هذا القرآن، وأقصر سورة ثلاث آيات، وقراء الكوفة يعدون الحروف المقطعة آية في كل سورة، و ﴿حم (١) عسق (٢)﴾ [الشورى: ١ - ٢] آيتان.
فلو أتوا بآيتين مكونتين من حروف مقطعة، ثم أتوا بآية من موضع آخر لأدوا ما تحداهم الله به، فلو لم يكن لها معنى لقالوا: كيف يتحدانا بكلام لا نفهمه؟ (١).
الأمر الثالث: أن الله - تعالى - حكيم، وهذا كلامه، فهو كلام حكيم، نزل من لدن حكيم حميد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢]، فإذا كان هذا القرآن تنزيلًا من حكيم حميد، كيف يوجد في كلامه ما لا معنى له، ولم يُذْكَر لحكمة؟، قال الله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١].
قال العلامة السعدي: «وأما الحروف المقطعة في أوائل السور فالأسلم فيها السكوت عن التعرض لمعناها من غير مستند شرعي، مع الجزم بأن الله ـ تعالى ـ لم ينزلها عبثًا، بل لحكمة لا نعلمها (٢)». اهـ.
стр. 320
والحروف المقطعة ليست هي موضوع البحث هنا فلا يناسبها الاستطراد والإطالة في البحث كما تبين لنا آنفًا.
وممن أجمل أقوال العلماء في المسألة (الزركشي)، فقال: اختلف الناس في الحروف المقطعة في أوائل السور، وأنها على قولين:
أحدهما: أن هذا علم مستور، وسر محجوب استأثر الله به.
القول الثاني: أن المراد منها معلوم، وذكروا فيه ما يزيد على عشرين وجهًا؛ منها البعيد ومنها القريب (١).
وقد تعددت أقوال المفسرين في تفسير هذه الحروف حتى وصل بها الحافظ ابن حجر ﵀ إلى ثلاثين قولًا (٢).
ولهذا رُوِي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: «في كل كتاب سر، وسر الله في القرآن أوائل السور» (٣).
ورُوِي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «إن لكل كتاب صفوة، وصفوة
стр. 321
هذا الكتاب حروف التهجي» (١).
- وقال الشعبي: «إنها من المتشابه، نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله ».
- وقال الفخر الرازي: «وقد أنكر المتكلمون هذا القول وقالوا: لا يجوز أن يرد في كتاب الله ما لا يفهمه الخلق، لأن الله تعالى أمر بتدبره والاستنباط منه، وذلك لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه» (٢).
ومن خلال المدارسة والبحث تبين أن أشهر وأظهر ما ورد في الحروف المقطعة قولان:
الأول: أنها مما استأثر الله تعالى بعلمه.
والثاني: أنها للإعجاز والتحدي، والله أعلم.
٦ - عدد كلماتها:
عدد كلمات سورة لقمان:
ذِكْرُ مَن قال: إنها خمسمائة وثمان وأربعون كلمة (٥٤٨):
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّعْلَبيُّ، (ت: ٤٢٧ هـ) (٣)، عُثْمَانُ بنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ (ت: ٤٤٤ هـ) (٤)، عليُّ بنُ محمدٍ الخازنُ (ت: ٧٢٥ هـ) (٥)، نظامُ الدينِ الحسنُ
стр. 322
ابنُ محمدٍ النيسابوريُّ (ت: ٧٢٨ هـ) (١)، محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: ٨٥٥ هـ) (٢)، عمرُ بنُ عليِّ بنِ عادلٍ الدمشقيُّ الحنبليُّ (ت: ٨٨٠ هـ) (٣)، الخطيب محمد بن أحمد الشربيني (ت: ٩٧٧ هـ) (٤)، أحمدُ بنُ عبد الكريمِ بنِ محمَّدٍ الأَشْمُونِيُّ (ت: ق ١١ هـ) نحو (١١٠٠ هـ) (٥)، رِضْوانُ بنُ مُحَمَّدٍ المُخَلِّلاتِيُّ (ت: ١٣١١ هـ) (٦)، محمدُ بنُ عمرَ الجاويُّ (ت: ١٣١٦ هـ) (٧).
٧ - عدد حروفها:
عدد حروف سورة لقمان:
ألفان ومائة وعشرة أحرف (٢١١٠)، ولا خلاف بين العادين أن حروفها (٢١١٠) حرفًا، قاله كلٌّ من:
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّعْلَبيُّ (ت: ٤٢٧ هـ) (٨)، عُثْمَانُ بنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ (ت: ٤٤٤ هـ) (٩)، عليُّ بنُ محمدٍ الخازنُ (ت: ٧٢٥ هـ) (١٠)، نظامُ الدينِ الحسنُ
стр. 323
ابنُ محمدٍ النيسابوريُّ (ت: ٧٢٨ هـ) (١)، محمدُ بنُ يعقوبَ الفيروزَ آباديُّ (ت: ٨١٧ هـ) (٢)، محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: ٨٥٥ هـ) (٣)، عمرُ بنُ عليِّ بنِ عادلٍ الدمشقيُّ الحنبليُّ (ت: ٨٨٠ هـ) (٤)، الخطيب محمد بن أحمد الشربيني (ت: ٩٧٧ هـ) (٥)، أحمدُ بنُ عبد الكريمِ بنِ محمَّدٍ الأَشْمُونِيُّ (ت: ق ١١ هـ) نحو (١١٠٠ هـ) (٦)، رِضْوانُ بنُ مُحَمَّدٍ المُخَلِّلاتِيُّ (ت: ١٣١١ هـ) (٧)، محمدُ بنُ عمرَ الجاويُّ (ت: ١٣١٦ هـ) (٨).
٨ - ترتيبها في النزول:
هي السورة السابعة والخمسون في ترتيب النزول (٥٧)، نزلت بعد سورة الصافات، وقبل سورة سبأ، وهي من المثاني (٩).
стр. 324
بيان لبعض ما ورد في ترتيب نزولها:
- قالَ مَحْمُودُ بْنُ عُمَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي (ت: ٥٣٨ هـ): «نزلت بعد الصافات» (١).
- قالَ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بْنِ جُزَيءٍ الكَلْبِيُّ (ت: ٧٤١ هـ): «نزلت بعد الصافات» (٢).
- قَالَ رِضْوانُ بنُ مُحَمَّدٍ المُخَلِّلاتِيُّ (ت: ١٣١١ هـ): «ونزلت بعد سورة (والصافات)، ونزلت بعدها سورة سبأ» (٣).
- قالَ مُحَمَّد الطَّاهِرُ بْنُ عَاشُورٍ (ت: ١٣٩٣ هـ): «وهذه السّورة هي السّابعة والخمسون في تعداد نزول السّور، نزلت بعد سورة الصّافّات وقبل سورة سبأٍ» (٤).
٩ - مكية السورة أو مدنيتها:
وهي سورة مكية:
بيان من نص على أنها مكية:
- قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: ٢٠٠ هـ): «وهي مكّيّةٌ كلّها» (٥).
بعدها، (لقمان: ٢٧، ٢٨)، وروي عن الحسن أنه قال: إلا آية نزلت بالمدينة وهي قوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [لقمان: ٤]؛ لأن الصلاة والزكاة مدنيتان» (١).
- قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: ٧٧٤ هـ): «وهي مكّيّةٌ» (٢).
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: ٨٥٥ هـ): «وهي مكّيّة وفيها اختلاف في آيتين قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧]، فذكر السّديّ أنّها نزلت بالمدينة، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، نزلت في رجل من محارب بالمدينة، وقال ابن النّقيب: قال ابن عبّاس ﵄: «هي مكّيّة إلّا ثلاث آيات نزلن بالمدينة»، وعن الحسن: إلَّا آية واحدة، وهي قوله : ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [النّمل: ٣، لقمان: ٤]؛ لأن الصّلاة والزّكاة مدنيتان» (٣).
- قالَ جَلالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: ٩١١ هـ): «مكية» (٤).
«أَخْرَج ابن الضريس، وَابن مردويه والبيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس ﵄ قال: أنزلت سورة لقمان بمكة» (٥).
стр. 327
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلَّانيُّ (ت: ٩٢٣ هـ): «مكية، قيل: إلا آية ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [لقمان: ٤]؛ لأن وجوبهما بالمدينة لا ينافي شرعيتهما بمكة» (١).
- قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكَانِيُّ (ت: ١٢٥٠ هـ): «وهي مكّيّةٌ إلّا ثلاث آياتٍ، وهي قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] الآية، إلى الآيات الثّلاث، قاله ابن عبّاسٍ ﵄ فيما أخرجه النّحّاس عنه.
وأخرج ابن الضّريس، وابن مردويه، والبيهقيّ في «الدّلائل» عنه أنّها مكّيّةٌ ولم يستثن، وحكى القرطبيّ عن قتادة أنّها مكّيّةٌ إلّا آيتين» (٢).
- قَالَ رِضْوانُ بنُ مُحَمَّدٍ المُخَلِّلاتِيُّ (ت: ١٣١١ هـ): «مكية» (٣).
- قالَ مُحَمَّد الطَّاهِرُ بْنُ عَاشُورٍ (ت: ١٣٩٣ هـ): «وروى البيهقيّ في «دلائل النّبوّة» عن ابن عبّاس ﵄: أنزلت سورة لقمان بمكّة. وهي مكّيّةٌ كلّها عند ابن عبّاسٍ ﵄ في أشهر قوليه، وعليه إطلاق جمهور المفسّرين».
١٠ - بيان ما ورد في أسباب نزولها:
- قال أبو حيّان: «سبب نزول هذه السّورة أنّ قريشًا سألوا رسول الله ﷺ عن موعظة لقمان مع ابنه، أي: سألوه سؤال تعنّتٍ واختبارٍ. وهذا الّذي ذكره أبو حيّان يؤيّده تصدير السّورة بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾
стр. 328
[لقمان: ٦]» (١).
- قالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت: ٦٤٣ هـ): «وقيل: إن النبي ﷺ لما قدم المدينة أتاه اليهود فقالوا: يا محمد، بلغنا أنك تقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥] أفعنيتنا أم عنيت قومك؟ فقال ﷺ : «عنيت الجميع»، فقالوا: يا محمد، أما تعلم أن الله أنزل التوراة على موسى ﵇، وخلفها موسى فينا، وفي التوراة أنباء كل شيء؟! فقال ﷺ : «التوراة وما فيها من الأنباء قليل في علم الله تعالى». فأنزل الله : ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] إلى آخر الآيات الثلاث، وباقيها مكي» (٢).
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: ٨٥٥ هـ): «وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، نزلت في رجل من محارب بالمدينة» (٣).
- ويرى الباحث: أنه ليس ثَمَّ مانع من تعدد أسباب النزول و النازل واحد.
«فتعدد الأسباب والنازل واحد: قد يحدث في عصر الوحي ما يكون سببًا لنزول آية أو كثر، وهذا السبب نفسه قد يتكرر في أكثر من مكان أو زمان أو من أكثر من شخص أو ظرف، ويستدعي ذلك نزول الوحي بجواب له، وتسمى هذه الحالة تعدد الأسباب والنازل واحد، ومثاله سورة الإخلاص نزلت مرتين:
стр. 329
إحداهما بمكة جوابًا للمشركين من أهلها، والأخرى بالمدينة جوابًا لأهل الكتاب من أهلها» (١).
- ويقول الزركشي: «ونزول الشيء أكثر من مرة قد يكون تعظيمًا لشأنه وتذكيرًا به عند حدوث سببه خوف نسيانه» (٢).
١١ - بيان ما ورد في نزول آياتها:
ما ورد في نزول قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦)﴾ [لقمان: ٦].
- قالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الوَاحِدِيُّ (ت: ٤٦٨ هـ): «قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ الآية.
قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث، وذلك أنه كان يخرج تاجرًا إلى فارس فيشتري أخبار الأعاجم فيرويها ويحدث بها قريشًا ويقول لهم: إن محمدًا يحدثكم بحديث عاد وثمود وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن، فنزلت فيه هذه الآية. وقال مجاهد: نزلت في شراء القيان والمغنيات.
أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم المقرئ قال: أخبرنا محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق أخبرنا ابن خزيمة قال: حدثنا جدي قال: حدثنا عليّ بن حجر قال: حدثنا مشمعل بن ملحان الطائي، عن مطرح بن يزيد، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا
стр. 330
يحل تعليم المغنيات ولا بيعهن وأثمانهن حرام»، وفي مثل هذا نزلت هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] إلى آخر الآية. وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله تعالى عليه شيطانين أحدهما على هذا المنكب والآخر على هذا المنكب فلا يزالان يضربان بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت.
وقال ثوير بن أبي فاختة، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄: نزلت هذه الآية في رجل اشترى جارية تغنيه ليلًا ونهارًا» (١).
- قالَ جَلَالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: ٩١١ هـ): «قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦] أخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦]، قال: نزلت في رجل من قريش اشترى جارية مغنية.
وأخرج جويبر عن ابن عباس ﵄ قال: نزلت في النضر بن الحارث؛ اشترى قينة وكان لا يسمع بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته، فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه، هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه، فنزلت» (٢).
- ما ورد في نزول قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ
стр. 331
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣]
قَالَ مُقْبِلُ بنُ هَادِي الوَادِعِيُّ (ت: ١٤٢٣ هـ): «قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣] الآية حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة ح، قال: وحدثني بشر، قال: حدثنا محمد، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قال أصحاب رسول الله ﵌: أيُّنا لم يظلم نفسه؟ فأنزل الله : ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣]» (١).
تنبيه:
- قال الحافظ في الفتح (٢): «اقتضت رواية شعبة هذه أن هذا السؤال سبب نزول الآية الأخرى التي في لقمان، لكن رواه البخاري ومسلم من طريق أخرى عن الأعمش وهو سليمان المذكور في حديث الباب ففي رواية جرير عنه- فقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال: «ليس بذلك، ألا تسمعون إلى قول لقمان»، وفي رواية وكيع عنه فقال: «ليس كما تظنون» وفي رواية عيسى بن يونس «إنما هو الشرك ألم تسمعوا إلى ما قال لقمان؟» وظاهر هذا أن الآية التي في لقمان كانت معلومة ولذلك نبههم عليها. ويحتمل أن يكون نزولها وقع في الحال فتلاها عليهم ثم نبههم فتلتئم الروايتان» (٣). اهـ.
стр. 332
- ما ورد في نزول قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ [لقمان: ١٥].
- قالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الوَاحِدِيُّ (ت: ٤٦٨ هـ): «قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي﴾ [لقمان: ١٥] الآية. نزلت في سعد بن أبي وقاص ﵁ على ما ذكرناه في سورة العنكبوت» (١).
- قالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الوَاحِدِيُّ (ت: ٤٦٨ هـ): «قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] الآية. نزلت في أبي بكر ﵁ قال عطاء عن ابن عباس ﵃: يريد أبا بكر وذلك أنه حين أسلم أتاه عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعثمان وطلحة والزبير ﵃ أجمعين فقالوا لأبي بكر ﵁: آمنت وصدقت محمدًا؟ فقال أبو بكر ﵁: نعم، فأتوا رسول الله ﷺ فآمنوا وصدقوا فأنزل الله تعالى يقول لسعد: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] يعني: أبا بكر ﵁» (٢).
- ما ورد في نزول قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩)﴾ [لقمان: ٢٧ - ٢٩].
стр. 333
- قَالَ أبو عمرو عُثْمَانُ بنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ (ت: ٤٤٤ هـ): «مكية، قال ابن عباس ﵄: إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة. وقال عطاء: إلا آيتين وذلك أن النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة أتته أحبار اليهود فقالوا: يا محمد، بلغنا أنك تقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥] تعنينا أم قومك؟ قال: «كُلًّا قد عنيت». قالوا: وإنك تتلو أنا قد أوتينا التوراة وفيها بيان كل شيء، فقال: «هنّ في عِلم الله قليل»؛ فأنزل الله جل وعز: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] إلى آخر الآيتين» (١).
- قالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الوَاحِدِيُّ (ت: ٤٦٨ هـ): «قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ الآية.
- قال المفسرون: سألت اليهود رسول الله ﷺ عن الروح، فأنزل الله بمكة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة أتاه أحبار اليهود فقالوا: يا محمد، بلغنا عنك أنك تقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أفتعنينا أم قومك؟ فقال: «كُلًّا قد عنيت»، قالوا: لست تتلو فيما جاءك أنَّا قد أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء؟ فقال رسول الله ﷺ : «هي في علم الله سبحانه قليل وقد آتاكم الله تعالى ما إن عملتم به انتفعتم به»، فقالوا: يا محمد، كيف تزعم هذا وأنت تقول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] فكيف يجتمع هذا؛ علم قليل وخير كثير؟؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧]
стр. 334
الآية» (١).
- قالَ جَلَالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: ٩١١ هـ): «قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧] أخرج ابن جرير عن عكرمة قال: سأل أهل الكتاب رسول الله ﷺ عن الروح، فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] فقالوا: تزعم أنَّا لم نؤت من العلم إلا قليلًا، وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا؟ فنزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] الآية.
وأخرج ابن إسحاق عن عطاء بن يسار قال: نزلت بمكة ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥] فلما هاجر إلى المدينة أتاه أحبار اليهود فقالوا: ألم يبلغنا عنك أنك تقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]، إيانا تريد أم قومك؟ فقال: «كُلًّا عنيت»، قالوا: فإنك تتلو أنَّا قد أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء؟ فقال رسول الله ﷺ : «هي في علم الله قليل»، فأنزل الله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧]. وأخرجه بهذا اللفظ ابن أبي حاتم من طريق سعيد أو عكرمة عن ابن عباس ﵄. وأخرج أبو الشيخ في كتاب العظمة وابن جرير عن قتادة قال: قال المشركون: إنما هذا كلام يوشك أن ينفذ؛ فنزل: ﴿وَلَوْ
стр. 335
أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [لقمان: ٢٧] الآية» (١).
- قَالَ رِضْوانُ بنُ مُحَمَّدٍ المُخَلِّلاتِيُّ (ت: ١٣١١ هـ): «مكية، وعن ابن عباس ﵄: غير ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة؛ وذلك أنه لما قدم النبي ﷺ المدينة أتته أحبار اليهود فقالوا: يا محمد، بلغنا آية ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥] أفينا أو [عَنَيْتَ] قومَك؟ فقال: «عنيت الجميع»، فقالوا: يا محمد، أما تعلم أن الله أنزل التوراة على موسى فينا ومعنا؟ فقال النبي ﷺ لليهود: «التوراة وما فيها من الأنباء قليل في علم الله »؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [لقمان: ٢٧] .. إلى تمام الآيات الثلاث» (٢).
- ما ورد في نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤].
- قالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الوَاحِدِيُّ (ت: ٤٦٨ هـ): «قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآية.
نزلت في الحارث بن عمرو بن حارثة بن محارب بن حفصة، من أهل البادية، أتى النبي ﷺ فسأله عن الساعة ووقتها، وقال: إن أرضنا أجدبت فمتى ينزل الغيث؟ وتركت امرأتي حبلى فماذا تلد؟ وقد علمت بأي أرض ولدت فبأي أرض أموت؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
стр. 336
- أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد المؤذن قال: أخبرنا محمد بن حمدون ابن الفضل، قال: أخبرنا أحمد بن الحسن الحافظ، قال: أخبرنا حمدان السلمي، قال: حدثنا النضر بن محمد، قال: حدثنا عكرمة، قال: حدثنا إياس بن سلمة، قال: حدثني أبي أنه كان مع النبي ﷺ إذ جاء رجل بفرس له يقودها عقوق ومعها مهرة له يتبعها فقال له: من أنت؟ قال: «أنا نبي الله»، قال: ومن نبي الله؟ قال: «رسول الله»، قال: متى تقوم الساعة؟ قال رسول الله ﷺ : «غيب ولا يعلم الغيب إلا الله»، قال: متى تمطر السماء؟ قال: «غيب ولا يعلم الغيب إلا الله»، قال: ما في بطن فرسي هذه؟ قال: «غيب ولا يعلم الغيب إلا الله»، فقال: أرني سيفك فأعطاه النبي ﷺ سيفه فهزه الرجل ثم رده إليه فقال له النبي ﷺ : «أما إنك لم تكن لتستطيع الذي أردت»، قال: وقد كان الرجل قد قال: اذهب إليه فأسأله عن هذه الخصال ثم اضرب عنقه.
أخبرنا أبو عبد الله بن أبي إسحاق قال: أخبرنا أبو عمرو محمد بن جعفر بن مطر، قال: أخبرنا محمد بن عثمان بن أبي سويد، قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا سفيان الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى، لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله» (١)، (٢).
стр. 337
- قالَ جَلَالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: ٩١١ هـ): «قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤] أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: جاء رجل من أهل البادية فقال: إن امرأتي حبلى فأخبرني بما تلد؟ وبلدنا مجدبة فأخبرني متى ينزل الغيث؟ وقد علمت متى ولدت، فأخبرني متى أموت؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]» (١).
стр. 338
المطلب الثالث
الجوانب البلاغية في السورة الكريمة
مما يجب تأكيده لدى الباحثين أهمية اللغة في فهم مراد كلام الله -تعالى-إعرابًا وتصريفًا وبلاغًة -بيانًا وبديعًا ومعانيَ- وأنها تُعد مفتاح فهم الأصلين العظيمين؛ الكتاب والسنة، فهي من أهم وأَجَلِّ الوسائل إلى الموصلة أسرارهما، وفهم دقائقهما.
وفي هذا المبحث محاولة -بإيجاز- بيان أهمية اللغة وبيان مكانتها في هذا الجانب العظيم، ثم التعريج على أهم وأبرز الدلالات البلاغية التي يفهم منها أهم الأوجه الإعجازية التي تدل عليها آيات السورة الكريمة، وإن مما يدلُّ على أهميةِ اللغة في فهمِ كتاب الله تعالى: حرصُ أولي العلم في العصورِ الأولى المتقدمة على التأليفِ والتصنيف في هذا الجانب العظيم، ألا وهو إعراب القرآن ومعانيه، بل إنَّ بعض هذه المصنفات منها ما يُسمى بـ «معاني القرآن»؛ ككتاب الفراء، والزجاج، والأخفش، مما يبين ويوضح جليًّا أهميةَ إعراب القرآن في فهم معانيه والدلالة على مقاصده ومراميه، والدليل على ذلك ما نص عليه الكثير من المشتغلين بعلم التفسير حين عَدُّوا إعراب القرآن علمًا من فروعِ علمِ
стр. 339
التفسير.
قال الشاطبي ﵀: «وعلى النَّاظرِ في الشريعةِ والمتكلم فيها أصولًا وفروعًا أمران؛ أحدهما: ألا يتكلَّمَ في شيء من ذلك حتى يكون عربيًّا أو كالعربي؛ في كونِه عارفًا باللِّسان العربي، بالغًا فيه مبلغ العرب».
قال الشَّافعي ﵀: «فمن جهل هذا من لسانها -وبلسانها نزل الكتاب، وجاءت السنة- فتكلَّفَ القول في علمِها، تكلف ما يجهل بعضه، ومن تكلف ما جهل وما لم تثبتْ معرفتُه، كانت موافقته للصواب -إن وافقه- غيرَ محمودة، والله أعلم، وكان بخطئه غيرَ معذور؛ إذ نطق فيما لا يحيطُ علمه بالفرقِ بين الخطأ والصواب فيها» (١).
وأبان عن هذه الأهميةِ أهلُ اللغة أنفسهم:
يقول الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي: «وذلك أنهم لا يجدون علمًا من العلومِ الإسلامية فقهها وكلامها، وعلمي تفسيرها وأخبارها، إلا وافتقاره إلى العربية بيِّن لا يُدفع، ومكشوفٌ لا يتقنَّع، ويَرَوْن الكلامَ في معظم أبواب أصول الفقه ومسائلها مبنيًّا على علمِ الإعراب» (٢).
وما ذكره الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي صحيحٌ؛ وذلك لتوقُّفِ معرفة دلالات الأدلة اللفظية من الكتابِ والسنة، وأقوالِ أهلِ العقد والحل من الأمة على معرفة موضوعاتها لغة: من جهة الحقيقة والمجاز، والعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، والحذف والإضمار، والمنطوق والمفهوم، والاقتضاء والإشارة، والتنبيه والإيماء، وغير ذلك مما لا يعرفُ في غيرِ علم العربية (٣).
стр. 340
وقال الحسن البصري ﵀: «أهلكتهم العُجْمَةُ؛ يتأولونه على غيرِ تأويله» (١).
وقال شيخُ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: «لا بُدَّ في تفسيرِ القرآن والحديث من أن يُعرَف ما يدلُّ على مرادِ الله ورسوله من الألفاظ، وكيف يُفهَم كلامُه؟ فمعرفةُ العربيةِ التي خُوطبنا بها ممَّا يُعين على أن نفقه مرادَ اللهِ ورسولِه بكلامِه، وكذلك معرفة دلالة الألفاظِ على المعاني؛ فإنَّ عامَّة ضلالِ أهل البدع كان بهذا السبب، فإنَّهم صاروا يحملون كلامَ اللهِ ورسولِه على ما يَدَّعون أنَّه دالٌّ عليه، ولا يكون الأمر كذلك» (٢).
وقال أبو حيان في معرضِ ثنائه على سيبويه ﵀: «فجدير لمن تاقت نفسُه إلى علمِ التفسير، وترقَّتْ إلى التحريرِ والتحبير، أن يعتكفَ على كتابِ سيبويه؛ فهو في هذا الفنِّ المعوَّل عليه، والمستند في حلِّ المشكلات إليه» (٣).
وقال الزركشي: «واعلم أنَّه ليس لغيرِ العالم بحقائقِ اللغة وموضوعاتها تفسير شيء من كلامِ الله، ولا يكفي في حقِّه تعلم اليسير منها؛ فقد يكونُ اللَّفظُ مشتركًا وهو يعلم أحدَ المعنيين والمراد المعنى الآخر» (٤).
ولهذا السبب يقول مالك ﵀: «لا أُوتَى برجلٍ غير عالم بلغةِ العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالًا» (٥).
«ولهذا أيضًا نجد التفاسيرَ مشحونةً بالرِّواياتِ عن سيبويه والأخفش
стр. 341
والكسائي والفراء وغيرهم، فالاستظهارُ لبعضِ معاني القرآن الكريم وأسرارِه نابعٌ من الاستعانةِ بأقاويلهم، والتشبث بأهدابِ فسْرهم وتأويلهم؛ كما قال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي في المفصَّل» (١).
وروى أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائلِ القرآن عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: لأن أعرب آيةً أحب إليَّ من أن أحفظَ آية (٢).
وذلك لأنَّ فهمَ الإعراب يعينُ على فهمِ المعنى، والقرآن نزل للتدبرِ والعمل. فمن هذا يتبين أهمية الحاجة لبيان أهم الجوانب اللغوية في السورة الكريمة.
وقد عرض الباحث لإعراب السورة كاملة، ولكن حذرًا من خشية التطويل الممل اكتفى ببيان أهم الأوجه البلاغية في السورة الكريمة ولعل ما في الإشارة ما يغني عن العبارة.
وقفات مع أهم الأوجه البلاغية في السورة الكريمة:
تضمنت السورة الكريمة وجوهًا من البلاغة والبيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - وضع المصدر للمبالغة: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣)﴾ [لقمان: ٣].
٢ - الإِشارة بالبعيد: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ [لقمان: ٢] عن القريب: (هذه). لبيان علو الرتبة ورفعة القدر والشأن.
٣ - الإِطناب بتكرار الضمير واسم الإِشارة: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ
стр. 342
عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [لقمان: ٤، ٥] لزيادة الثناء عليهم والتكريم لهم، كما أن الجملة تفيد الحصر أي: هم المفلحون لا غيرهم.
٤ - الاستعارة التصريحية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] شبّه حالهم بحال من يشتري سلعة وهو خاسر فيها، واستعار لفظ يشتري لمعنى يستبدل بطريق الاستعارة التصريحية.
٥ - التشبيه المرسل المجمل: ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ [لقمان: ٧] ذكرت أداة التشبيه وحذف الشبه فهو تشبيه «مرسل مجمل».
٦ - أسلوب التهكم: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾ [لقمان: ٧] لأن البشارة إنما تكون في الخير، واستعمالها في الشر سخرية وتهكم.
٧ - الالتفات من الغيبة إِلى التكلم: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [لقمان: ١٠] بعد قوله: (خلق، وألقى، وَبَثَّ). وكلها بضمير الغائب، ثم التفت فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾ [لقمان: ١٠] لشأن الرحمن، وتوفيةً لمقام الامتنان، وهذا من المحسنات البديعية.
٨ - إِطلاق المصدر على اسم المفعول مبالغة: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] أي: مخلوقة.
٩ - الاستفهام للتوبيخ والتبكيت: ﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١]؟
١٠ - وضع الظاهر موضع الضمير لزيادة التوبيخ، وللتسجيل عليهم بغاية الظلم والجهل: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ [لقمان: ١١] وكان الأصل أن يقال: بل هم في ضلالٍ مبين.
١١ - مراعاة الفواصل في الحرف الأخير مثل: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ (٦)﴾ [لقمان: ٦]
стр. 343
ويسمى هذا النوع في علم البديع «سجعًا» وأفضله ما تساوت فقره، وكان سليمًا من التكلف، خاليًا من التكرار، وهو كثير في القرآن الكريم في نهاية الآيات الكريمة.
١٢ - الطباق بين: ﴿يَشْكُرْ﴾ [لقمان: ١٢]، و ﴿كَفَرَ﴾ [لقمان: ١٢].
١٣ - صيغة المبالغة: ﴿غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢)﴾ [لقمان: ١٢] وكذلك: ﴿لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان: ١٦] و: ﴿فَخُورٍ (١٨)﴾ [لقمان: ١٨] لأن فعيلًا وفعولًا من صيغ المبالغة ومعناه كثير الحمد وكثير الفخر.
١٤ - ذكر الخاص بعد العام: ﴿بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ [لقمان: ١٤] وذلك لزيادة العناية والاهتمام بالخاص.
١٥ - تقديم ما حقه التأخير لإِفادة الحصر مثل: ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ [لقمان: ١٤]: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ [لقمان: ١٥] أي: لا إِلى غيري.
١٦ - التمثيل: ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ [لقمان: ١٦] مثَّل ذلك لسعة علم الله وإِحاطته بجميع الأشياء صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرها فإِنه تعالى يعلم أصغر الأشياء في أخفى الأمكنة.
١٧ - التتميم: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ [لقمان: ١٦] تَمم خفاءها في نفسها بخفاء مكانها وهذا من البديع.
١٨ - المقابلة: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [لقمان: ١٧]، ثم قال: ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان: ١٧] فقابل بين اللفظين.
١٩ - الاستعارة التمثيلية: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٩] شبَّه
стр. 344
الرافعين أصواتهم بالحمير، وأصواتهم بالنهيق، ولم يذكر أداة التشبيه بل أخرجه مخرج الاستعارة للمبالغة في الذم، والتنفير عن رفع الصوت.
٢٠ - الطباق بين قوله: ﴿ظَاهِرَةً﴾، ﴿وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠] وكذلك بين لفظ: (الحق، والباطل).
٢١ - الإِنكار والتوبيخ مع الحذف: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ﴾ [لقمان: ٢١] أي: أيتبعونهم ولو كان الشيطان الخ.
٢٢ - المجاز المرسل: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ﴾ [لقمان: ٢٢] أطلق الجزء وأراد الكل ففيه مجاز مرسل.
٢٣ - التشبيه التمثيلي: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: ٢٢] شبه من تمسك بالإِسلام بمن أراد أن يرقى إِلى شاهق جبل فتمسك بأوثق عروة، وحذف أداة التشبيه للمبالغة.
٢٤ - المقابلة بين: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [لقمان: ٢٢] وبين: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ [لقمان: ٢٣] الآية.
٢٥ - الاستعارة: ﴿عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ [لقمان: ٢٤] استعار الغلظ للشدة لأنه إِنما يكون للإجرام فاستعير للمعنى.
٢٦ - تقديم ما حقه التأخير لإِفادة الحصر: ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ [لقمان: ٢٢] أي: إليه لا إلى غيره.
٢٧ - صيغ المبالغة في التالي: ﴿صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١)﴾ [لقمان: ٣١]، و: ﴿خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾ [لقمان: ٣٢]، و: ﴿عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤]، و: ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾
стр. 345
[لقمان: ٢٨] كما أنَّ فيها توافق الفواصل وهو من المحسنات البديعية ويسمى بالسجع (١).
стр. 346
المطلب الرابع
موضوع السورة الكريمة
وفيه بيان ما يلي:
أولاً - مقصود السورة الكريمة:
«إن مقصود السورة هو إثبات الحكمة للكتاب، اللازم منه حكمة منزله سبحانه في أقواله وأفعاله، وموعظة لقمان ـ المسمى به السورة ـ دليل واضح على ذلك» (١).
فالمتأمل في سورة لقمان يجد أن مقصودها وموضوعها الرئيس الذي تدور حوله هو الحكمة ولذا فقد تكرر لفظ الحكمة فيها على النحو التالي:
أ- وصف الله كتابه بأنه حكيم في صدر السورة، قال تعالى: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ [لقمان: ١ - ٢].
وجاء التعبير عن الآيات باسم الإشارة -تلك- للدلالة على ارتفاع مكانتها في بلاغتها ومعناها.
ب- وصف الله نفسه بالحكمة وأنه الحكيم ﵎.
стр. 347
فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾ [لقمان: ٨ - ٩].
فهو الحكيم في أقواله وأفعاله وأقداره التي يجريها على العباد وله الحكمة البالغة سبحانه وبحمده.
ج- وصف الله عبدًا من عباده وهبه وآتاه الحكمة فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢].
ثم جاء بعد ذلك ذكر وصايا لقمان لابنه، ومن تدبر وتفهم هذه الوصايا تبين له حكمته ورجاحة عقله. وحق للمرء أن يغبط الحكيم على عقله، قال ﷺ : «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق و رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها» (١).
«والحكمة لا شك أنها من أَجَلِّ الفوائد التربوية المستنبطة من مقصود السورة الكريمة» (٢).
«ووصفُ الكتاب بالحكمة في هذه السورة الكريمة: (الكتاب الحكيم) مناسبٌ لموضوع السورة الكريمة؛ لأن موضوع الحكمة قد تكرر فيها: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] فناسب أن يختار هذا الوصف من أوصاف الكتاب
стр. 348
المجيد، على طريقة القرآن في التنسيق بين الألفاظ والمواضيع» (١).
ثانيًا: تقسيم آيات السورة الكريمة موضوعيًّا (٢):
تتكون آيات السورة الكريمة من: ثلاث مجموعات.
المجموعة الأولى:
عبارة عن إحدى عشرة آية (١١):
الآيات من الآية الأولى (١): وحتى نهاية آية الآية الحادية عشرة (١١)، وفيها: وصف القرآن الكريم: بأنه حكيم، وأنه هدى ورحمة.
وحديث عن المهتدين المحسنين، وموقفهم من هذا القرآن، وما أعد الله تعالى لهم، وحديث عن الضالين المضلين الكافرين، وموقفهم من هذا القرآن، وما أعد الله لهم.
وحديث عن مظاهر من حكمة الله تعالى، الذي أنزل هذا القرآن، وقدرته وإنعامه، يدلل على أنه الله تعالى وحده. واجب العبادة، وأما غيره. فلا يستحقها.
وفي ذلك: تأكيد لضرورة اتباع كتابه، والتحقق بشروط هذا الاتباع، من: إحسان، وصلاة، وزكاة، ويقين باليوم الآخر.
المجموعة الثانية:
عبارة عن ثمانِ آيات (٨):
стр. 349
الآيات: من الآية (١٢) الآية الثانية عشرة وحتى نهاية الآية (١٩) الآية التاسعة عشرة.
وفيها: موعظة لقمان ﵇، وذكر وصاياه لابنه، وهي نموذج.
ويلاحظ على هذه القصة:
أ - أنها جاءت في سياق الكلام عن القرآن، ووصفه بالحكمة، وبأنه هدى ورحمة للمحسنين.
ب - أنها إشارة على أنه ليس بدعًا أن ينزل الله هذا القرآن، حيث إن من سنته تعالى: أن يختار من يشاء من عباده فيؤتيه الحكمة.
جـ- وإشارة إلى أن من أخذ القرآن الحكيم: فإنه يؤتى الحكمة، كما أوتي لقمان ﵇.
د - أن إيتاء الحكمة: يقتضي شكرًا، ولذلك: فعلينا أن نقابل إنعام الله علينا بإنزال القرآن. بالشكر له .
هـ- أنها برهان على حكمة القرآن، وحكمة مُنَزِّلِهِ حيث يختار لنا الحكمة، كما أن أوامره ونواهيه، وأخباره كلها، هي التي يوصي بها الحكماء.
وإذا تأملنا وصايا لقمان التي جاءت بها هذه المجموعة من الآيات:
فإننا نلاحظ عليها ـ أيضًا ـ ما يلي:
أ - أنها نموذج على الحكمة وأسلوبها.
ومن أَجَلِّ صورة الحكمة في وصايا لقمان - النهي عن الشرك-، الذي من لوازم نبذه وتركه وجحده، تحقيق العبودية لله بتحقيق كمال التوحيد الذي هو
стр. 350
حق الله على جميع العبيد. اهـ.
ب - أنها أوامر ونواهٍ: تعلم الإحسان.
حيث إن: إدخال الوصية بالوالدين، والأمر باتباع سبيل المؤمنين. بين هذه الأوامر والنواهي: يؤكد هذا المعنى.
كما أنه: للعبادة، والعشرة مع الوالدين بالمعروف والإحسان إليهما، والتعامل مع أهل الإيمان، والمراقبة، والأمر بإقام الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحث على الصبر، والتواضع، وترك تصعير الخد، وترك المشي المرح، والقصد في المشي، وغض الصوت في الكلام. لكل ذلك، وكلها آداب: متضمنة للإحسان وهي مظهر من مظاهره، هذا مع ما احتوته وتضمنته من هدايات ودلالات إيمانية وعقدية وأخلاقية واجتماعية.
المجموعة الثالثة:
عبارة عن (١٥) خمس عشرة آية:
الآيات من الآية (٢٠) الآية العشرين، وحتى نهاية الآية (٣٤) الآية الرابعة والثلاثين.
وهي خاتمة آيات السورة الكريمة وفيها:
بيان لضرورة الاهتداء بكتاب الله تعالى .. من خلال لفت نظر العباد إلى نعم الله تعالى، التي تقتضي منهم الشكر له وأن مظهر هذا الشكر يقتضي الإيمان بكتاب الله تعالى، واتباعه.
وتختم المجموعة ـوكذلك السورة الكريمةـ بالدعوة إلى تقوى الله تعالى
стр. 351
وخشيته، وعدم الاغترار بالدنيا وزينتها، والشيطان وفتنته، وتقرير أن الله وحده سبحانه، هو الذي يعلم مفاتح الغيب.
وهذا يقتضي الإيمان بالله، واللجوء إليه، وإسلام الوجه له، والعمل بشرعه، واتباع هدى نبيه محمد ﷺ .
ثالثًا: أبرز موضوعات السورة الكريمة ومجمل ما حوته من الموضوعات:
هو ما يلي (١):
١ - القرآن الكريم هداية ورحمة للمؤمنين.
٢ - قصص من ضل عن سبيل الله بغير علم، واتخذ آيات الله هزوًا.
٣ - وصف العالم العلوي، والعالم السفلي، وما فيهما من العجائب الدالة على وحدانية الله وقدرته.
٤ - قصص لقمان وإيتاؤه الحكمة، وشكره لربه على ذلك، ثم نصائحه لابنه.
٥ - بيان عظم شأن التوحيد وخطورة الشرك.
٦ - الأمر بالإحسان للوالدين وطاعتهما في المعروف.
٧ - النعي على المشركين في ركونهم إلى التقليد إذا دعوا إلى النظر في الكون وعبادة الخلق له .
٨ - لا نجاة للإنسان إلا بالإخبات لله وعمل الصالحات.
٩ - تسلية الرسول ﷺ عن عدم إيمان المشركين.
١٠ - تعجيب رسوله ﷺ من المشركين بأنهم يقرون بأن الله هو الخالق لكل
стр. 352
شيء، ثم هم يعبدون معه غيره ممن هو مخلوق مثلهم.
١١ - نعم الله ومخلوقاته لا حصر لها.
١٢ - الأمر بالنظر إلى الكون وعجائبه لنسترشد بذلك إلى وحدانية الخالق لها .
١٣ - توبيخ وتبكيت وتقريع المشركين بأنهم في الشدائد يدعون الله وحده، وفي الرخاء يشركون معه سواه.
١٤ - الأمر بالخوف من عقاب الله يوم لا يجزي والد عن ولده ولا مولود عن والده شيئًا.
١٥ - مفاتيح الغيب الخمسة التي استأثر الله بعلمها.
١٦ - إحاطة علمه تعالى بجميع الكائنات ظاهرها وباطنها (١).
وختامًا:
فإن سورة لقمان كما تبين معنا تعالج موضوع العقيدة بالتركيز على أصولها الثلاثة:
(الوحدانية، والنبوة، والبعث والنشور).
١ - فقد ابتدأت الآيات بذكر القرآن الكريم الذي جعله الله تعالى هدى وشفاء ورحمة للمحسنين، وذكرت حال السعداء الذين اهتدوا بالقرآن الكريم وحال الأشقياء الذين أعرضوا عنه، كما بينت قدرة الله العظيمة على
стр. 353
خلق السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، من قوله تعالى: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣)﴾ [لقمان: ١ - ٣] إلى قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان: ١١].
٢ - واشتملت على مواعظ لقمان الحكيم ووصاياه لابنه، وقد ذكره تعالى بأحسن الذكر وهو يوصي ولده ويمنحه أفضل ما يعرف من الحكمة والدعوة للرشاد والتحذير من الشرك، من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢] إلى قوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩].
٣ - وختمت السورة ببيان نعم الله تعالى ودلائل قدرته في الكون محذرة المشركين من ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون، مخبرة عن جلال الله وعظمته وكبريائه وجلاله وأسمائه الحسنى وصفاته العلا وعلمه بمفاتيح الغيب، من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [لقمان: ٢٠] إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] (١).
стр. 354
المطلب الخامس
المناسبات في السورة الكريمة
مناسبة السورة بما قبلها (الروم) (١):
١ - لمّا أكمل الله تعالى ما أراد من نفي الشك عن القرآن، وإثبات أنه هدى للمتقين، وذلك من أول سورة، بعد الفاتحة، وهي سورة البقرة، واستدل على ذلك فيما تبعها من السور، حتى آخر «براءة» التي هي سورة غزو الروم .. !!
ولمّا أكمل ـ كذلك ـ ما أراد من إثبات حكمته ، وذلك من أول سورة «يونس» واستدل على ذلك فيما تبعها من السور إلى أن ختم سورة «الروم».!!
فقد ابتدأ - من هناـ دورًا جديدًا على وجه أضخم من الأول.
إذ وصفه من أول هذه التالية للروم، وهي لقمان، بما وصفه به في التالية لغزو الروم، وهي يونس.
وذلك الوصف: هو الحكمة.
وزاد أنه: هدى، وهداية للمحسنين.
فهؤلاء أصحاب النهايات.
стр. 355
والمتقون: أصحاب البدايات.
٢ - أنه قال تعالى فيما قبل: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨].
وقد أشار إلى ذلك في مفتتح هذه السورة.
٣ - أنه تعالى قال في آخر ما قبلها: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ﴾ [الروم: ٥٨].
وقال هنا: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ [لقمان: ٧].
٤ - المؤاخاة بينهما في الافتتاح بـ ﴿الم (١)﴾ [لقمان: ١].
٥ - لما قال تعالى في الروم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ .. ﴾ [الروم: ٥٦].
قال هنا: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ [لقمان: ٣ - ٤]، وهذا: هو عين يقينهم بالآخرة!
كما أنهم المحسنون، الموصوفون بما ذكر.
٦ - وأيضًا ففي كلتا السورتين: جملة من الآيات، وابتداء الخلق.
٧ - وذكر في الروم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾ [الروم: ١٥]، وقد فسر ذلك بالسماع في الجنة، وذكر هنا ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦]، وقد فسر بالغناء وآلات الملاهي، وشتان بين هذا وذاك!! (١).