وخشيته، وعدم الاغترار بالدنيا وزينتها، والشيطان وفتنته، وتقرير أن الله وحده سبحانه، هو الذي يعلم مفاتح الغيب.
وهذا يقتضي الإيمان بالله، واللجوء إليه، وإسلام الوجه له، والعمل بشرعه، واتباع هدى نبيه محمد ﷺ .
ثالثًا: أبرز موضوعات السورة الكريمة ومجمل ما حوته من الموضوعات:
هو ما يلي (١):
١ - القرآن الكريم هداية ورحمة للمؤمنين.
٢ - قصص من ضل عن سبيل الله بغير علم، واتخذ آيات الله هزوًا.
٣ - وصف العالم العلوي، والعالم السفلي، وما فيهما من العجائب الدالة على وحدانية الله وقدرته.
٤ - قصص لقمان وإيتاؤه الحكمة، وشكره لربه على ذلك، ثم نصائحه لابنه.
٥ - بيان عظم شأن التوحيد وخطورة الشرك.
٦ - الأمر بالإحسان للوالدين وطاعتهما في المعروف.
٧ - النعي على المشركين في ركونهم إلى التقليد إذا دعوا إلى النظر في الكون وعبادة الخلق له .
٨ - لا نجاة للإنسان إلا بالإخبات لله وعمل الصالحات.
٩ - تسلية الرسول ﷺ عن عدم إيمان المشركين.
١٠ - تعجيب رسوله ﷺ من المشركين بأنهم يقرون بأن الله هو الخالق لكل
стр. 352
شيء، ثم هم يعبدون معه غيره ممن هو مخلوق مثلهم.
١١ - نعم الله ومخلوقاته لا حصر لها.
١٢ - الأمر بالنظر إلى الكون وعجائبه لنسترشد بذلك إلى وحدانية الخالق لها .
١٣ - توبيخ وتبكيت وتقريع المشركين بأنهم في الشدائد يدعون الله وحده، وفي الرخاء يشركون معه سواه.
١٤ - الأمر بالخوف من عقاب الله يوم لا يجزي والد عن ولده ولا مولود عن والده شيئًا.
١٥ - مفاتيح الغيب الخمسة التي استأثر الله بعلمها.
١٦ - إحاطة علمه تعالى بجميع الكائنات ظاهرها وباطنها (١).
وختامًا:
فإن سورة لقمان كما تبين معنا تعالج موضوع العقيدة بالتركيز على أصولها الثلاثة:
(الوحدانية، والنبوة، والبعث والنشور).
١ - فقد ابتدأت الآيات بذكر القرآن الكريم الذي جعله الله تعالى هدى وشفاء ورحمة للمحسنين، وذكرت حال السعداء الذين اهتدوا بالقرآن الكريم وحال الأشقياء الذين أعرضوا عنه، كما بينت قدرة الله العظيمة على
стр. 353
خلق السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، من قوله تعالى: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣)﴾ [لقمان: ١ - ٣] إلى قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان: ١١].
٢ - واشتملت على مواعظ لقمان الحكيم ووصاياه لابنه، وقد ذكره تعالى بأحسن الذكر وهو يوصي ولده ويمنحه أفضل ما يعرف من الحكمة والدعوة للرشاد والتحذير من الشرك، من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢] إلى قوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩].
٣ - وختمت السورة ببيان نعم الله تعالى ودلائل قدرته في الكون محذرة المشركين من ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون، مخبرة عن جلال الله وعظمته وكبريائه وجلاله وأسمائه الحسنى وصفاته العلا وعلمه بمفاتيح الغيب، من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [لقمان: ٢٠] إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] (١).
стр. 354
المطلب الخامس
المناسبات في السورة الكريمة
مناسبة السورة بما قبلها (الروم) (١):
١ - لمّا أكمل الله تعالى ما أراد من نفي الشك عن القرآن، وإثبات أنه هدى للمتقين، وذلك من أول سورة، بعد الفاتحة، وهي سورة البقرة، واستدل على ذلك فيما تبعها من السور، حتى آخر «براءة» التي هي سورة غزو الروم .. !!
ولمّا أكمل ـ كذلك ـ ما أراد من إثبات حكمته ، وذلك من أول سورة «يونس» واستدل على ذلك فيما تبعها من السور إلى أن ختم سورة «الروم».!!
فقد ابتدأ - من هناـ دورًا جديدًا على وجه أضخم من الأول.
إذ وصفه من أول هذه التالية للروم، وهي لقمان، بما وصفه به في التالية لغزو الروم، وهي يونس.
وذلك الوصف: هو الحكمة.
وزاد أنه: هدى، وهداية للمحسنين.
فهؤلاء أصحاب النهايات.
стр. 355
والمتقون: أصحاب البدايات.
٢ - أنه قال تعالى فيما قبل: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨].
وقد أشار إلى ذلك في مفتتح هذه السورة.
٣ - أنه تعالى قال في آخر ما قبلها: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ﴾ [الروم: ٥٨].
وقال هنا: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ [لقمان: ٧].
٤ - المؤاخاة بينهما في الافتتاح بـ ﴿الم (١)﴾ [لقمان: ١].
٥ - لما قال تعالى في الروم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ .. ﴾ [الروم: ٥٦].
قال هنا: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ [لقمان: ٣ - ٤]، وهذا: هو عين يقينهم بالآخرة!
كما أنهم المحسنون، الموصوفون بما ذكر.
٦ - وأيضًا ففي كلتا السورتين: جملة من الآيات، وابتداء الخلق.
٧ - وذكر في الروم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾ [الروم: ١٥]، وقد فسر ذلك بالسماع في الجنة، وذكر هنا ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦]، وقد فسر بالغناء وآلات الملاهي، وشتان بين هذا وذاك!! (١).
стр. 356
٨ - في الروم. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧].
وهنا: يقول تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨].
وكلاهما: يفيد سهولة البعث.
٩ - في الروم. قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [الروم: ٣٣].
وقال هنا: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [لقمان: ٣٢].
فقد ذكر سبحانه في كلٍّ من الآيتين قسمًا لم يذكره في الآية الأخرى.
١٠ - في الروم. ذكر مغلوبية الروم وغلبتهم، المبنيتين على المحاربة بين ملكين عظيمين من ملوك الدنيا. تحاربا عليها، وخرج كل منهما بذلك عن مقتضى الحكمة، حيث أن الحكيم لا يحارب على دنيا دنية، لا تعدل عند الله جناح بعوضة.
وذكر في هذه السورة ـ بالمقابل ـ قصة عبد مملوك ـ مقدمة على كثير من الأقوال ـ حكيم زاهد في الدنيا، غير مكترث بها، ولا ملتفت إليها، أوصى ابنه بما يأبى المحاربة، ويقتضي الصبر والمسالمة، وبين الأمرين من التقابل ما لا يخفى (١).
стр. 357
مناسبتها بما بعدها (السجدة) .
قال السيوطي (١): «أقول: وجه اتصالها بما قبلها أنها شرحت مفاتح الغيب
المبحث الثالث التعريف بشخصية لقمان الحكيم ﵇ -
وفيه مطلبان:
المطلب الأول نسبه ونشأته
المطلب الثاني: التحقيق في أمر نبوته إثباتًا ونفيًا ..
стр. 360
المطلب الأول: نسبه ونشأته .
ويشمل ما يلي:
أولاً - اسمه ونسبه:
أ- اسمه: (لقمان) .
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلانِيُّ (ت: ٩٢٣ هـ): «ولقمان اسم أعجمي» (١).
- قال الألوسي (ت: ١٢٧٠ هـ): «ولقمان اسم أعجمي لا عربي مشتق من اللقم» (٢).
- قال الطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ): «ولقمان اسم مادته عربية مشتقة من اللقم، والأظهر أن العرب عربوه بلفظ قريب من لغتهم، ولقمان ممنوع من الصرف لزيادة الألف والنون لا للعجمة» (٣).
- قال أبو حيان (ت: ٧٤٥ هـ): «وعليه: فإن كان لقمان اسم علم، كان
стр. 361
أعجميًّا ومنع من الصرف للعجمة والعلمية، وإن كان عربيًّا منع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون ويكون مشتقًا من اللقم» (١).
- قال الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ): «اخْتُلِفَ فِي لُقْمَانَ هَلْ هُوَ عَجَمِيٌّ أَمْ عَرَبِيٌّ؟ مُشْتَقٌّ مِنَ اللُّقَمِ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ عَجَمِيٌّ؛ مَنَعَهُ لِلتَّعْرِيفِ وَالْعُجْمَةِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ عَرَبِيٌّ؛ مَنَعَهُ لِلتَّعْرِيفِ وَلِزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ» (٢).
- قال صافي (٣) (ت: ١٣٧٦ هـ): «(لقمان) قيل: هو اسم علم أعجميّ، وقيل: هو عربيّ منع من التنوين للعلميّة وزيادة ألف ونون، والأول أظهر» (٤).
يقول الباحث: والذي يظهر أن لقمان: اسم أعجمي لا عربي، فهو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وربما كان من مشترك الأسماء في اللغات السامية الأصل، واستخدمه العرب بعد ذلك، واستخدام العرب للاسم، أو رده للمصدر لا يقلبه ولا ينقله من عجمته إلى العربية، بل يبقى على عجمته، والله أعلى وأعلم بالصواب.
стр. 362
ب- نسبه:
لقد اختُلف في نسب لقمان خاصة لأبيه وجده على أقوال عديدة، توضحها الدراسة وتبينها مع عزو كل قول لقائله فيما يلي: على النحو التالي:
أولاً: اسم أبيه: ورد على ثمانية أقوال .
القول الأول: (بَاعُورَاء) .
١ - قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ): «هو لقمان بن بَاعُورَاء بن ناحور بن تارح، وهو آزر أبو إبراهيم، كذا نسبه محمد بن إسحاق، وقال وهب: كان ابن أخت أيوب، وقال مقاتل: ذُكِرَ أنه كان ابن خالة أيوب، وقيل: كان من أولاد آزر» (١).
٢ - قال البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ): «هو لقمان بن بَاعُورَاء من أولاد آزر ابن أخت أيوب أو خالته» (٢).
٣ - قال الخازن (ت: ٧٤١ هـ): «هو لقمان بن بَاعُورَاء بن ناحور بن تارخ، وهو آزر، وقيل: كان ابن أخت أيوب، وقيل: كان ابن خالته» (٣).
٤ - قال أبو السعود (ت: ٩٨٢ هـ): «وهو لقمان بن بَاعُورَاء من أولاد آزر ابن أخت أيوب ﵇، أو خالته» (٤).
٥ - قال الألوسي (١٢٧٠ هـ): «وهو على ما قيل: ابن بَاعُورَاء قال وهب:
стр. 363
وكان ابن أخت أيوب ﵇، وقال مقاتل: كان ابن خالته، وقيل: كان من أولاد آزر» (١).
القول الثاني: (بَاعُورَا):
١ - قال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي (ت: ٥٣٨ هـ): «هو لقمان بن بَاعُورَا ابن أخت أيوب، أو ابن خالته، وقيل: كان من أولاد آزر» (٢).
٢ - قال النسفي (ت: ٧١٠ هـ): «وهو لقمان بن بَاعُورَا، ابن أخت أيوب أو ابن خالته، وقيل: كان من أولاد آزر وعاش ألف سنة وأدرك داود ﵇» (٣).
٣ - قال أبو حيان (ت: ٧٤٥ هـ): «هو لقمان بن بَاعُورَا. قال وهب: ابن أخت أيوب ﵇. وقال مقاتل: ابن خالته. وقيل: كان من أولاد آزر، وعاش ألف سنة، وأدرك داود ﵇» (٤).
٤ - قال الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ): «وَهُوَ لُقْمَانُ بْنُ بَاعُورَا بْنِ نَاحُورَ بْنِ تَارِخْ، وَهُوَ آزَرُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ» (٥).
القول الثالث: (عاعورا):
- قال إسماعيل حقي (٦) (ت: ١١٢٧ هـ): «قال ابن اسحاق صاحب
стр. 364
المغازي: هو لقمان بن عاعورا بن تارخ، وهو آزر أبو إبراهيم الخليل» (١).
القول الرابع: (باعور):
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: ٨٥٥ هـ): «هو لقمان بن باعور ابن ناخر بن تارخ وهو آزر أبو إبراهيم ﵊» (٢).
القول الخامس: (ناعور) .:
- قال البغوي (ت: ٥١٦ هـ): «قال محمد بن إسحاق: هو لقمان بن ناعور ابن تارخ وهو آزر، وقال وهب: كان ابن أخت أيوب، وقال مقاتل: كان ابن خالة أيوب» (٣).
القول السادس: (عنقاء):
١ - قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ): «وقيل: هو لقمان بن عنقاء بن سرون، وكان نوبيًّا من أهل أيلة (٤)
стр. 365
ذكره السهيلي» (١).
٢ - قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): «هو لقمان بن عنقاء بن سدون» (٢).
القول السابع: (عَنْقَا):
- قال الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ): «وَقِيلَ: هُوَ لُقْمَانُ بْنُ عَنْقَا بْنِ مَرْوَانَ، وَكَانَ نُوبِيًّا مِنْ أَهْلِ أَيْلَةَ ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ» (٣).
القول الثامن: (ثاران):
- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): «وحكى ابن جرير والقتيبي أنه: لقمان بن ثاران» (٤).
ويتلخص من الأقوال سالفة الذكر ما يلي:
١ - اتفقت المصادر قاطبة على اسم لقمان بناءً على ورود اسمه في القرآن الكريم، وذلك بورود سورة تحمل اسمه، وذكر فيها مرتين في آيتين متتاليتين (١٢ - ١٣) من السورة الكريمة.
٢ - اختلفت المصادر في اسم أبيه على ثمانية أقوال:
الأول- باعوراء .. وعليه أكثر المصادر.
стр. 366
الثاني- باعورا .. ويلي القول الأول كثرة.
الثالث- عاعورا.
الرابع- باعور.
الخامس- ناعور.
السادس- عنقاء.
السابع- عنقا.
الثامن- ثاران.
٣ - كما اختلفت المصادر في اسم جده على ستة أقوال:
الأول- ناحور .. وعليه أكثر المصادر.
الثاني- ناخر.
الثالث- تارخ.
الرابع- مروان.
الخامس- سرون.
السادس- سدون.
٤ - كما اتفقت أغلب المصادر على أن لقمان من ذرية آزر، وآزر هو: أبو إبراهيم الخليل ﵇، وقيل: ابن أخت أيوب، وقيل: ابن خالته.
ومما لا مجال للشك فيه، أن في اسمه أبيه تصحيفًا (١) بينًا وواضحًا، وذلك
стр. 367
للتقارب والتشابه الوارد فيه مع اختلاف وتنوع مصادره، وتباعد العهد بينها زمنيًّا، بل بالتأمل في المصدر الواحد تجد تصحيفًا وتحريفًا جليًّا، وبالرجوع لعدة طبعات للمصدر الواحد يتبين التصحيف جليًّا دون أدنى شك، وبالنظر والتأمل في المصادر الخمسة الأولى المتتالية نجد التشابه والتقارب واضحًا وجليًّا، وبالنظر كذلك في المصدرين السادس والسابع يتضح ما ذكرت وما بينت جليًّا دون أدنى ريب أوشك، لذا فقد جمعت أصحاب كل قول ورتبت أقوالهم ترتيبًا زمنيًّا بحسب تاريخ الوفاة لصاحب كل مصدر منها، ذلك ليتأمل المتبصر حقيقة ما ذهبت إليه من وجود تصحيفٍ في اسم أبيه، وكذلك ما يبدو في اسم جده من تصحيف، والمتأمل في المصدرين الأول والثاني، وكذلك في المصدر الرابع وما بعده من اسم جده يتضح له ذلك تمامًا.
وعمومًا- فإن المعنِيَّ بالبحث هو لقمان نفسه وما آتاه الله تعالى من الحكمة، وما يجنيه أهل الإيمان عمومًا والمربون خصوصًا من مواعظه وما حوته من عبر ودروس تربوية وإيمانية في تصحيح وتوجيه وترسيخ الأسس والمفاهيم العقدية والتعبدية والأخلاقية والاجتماعية والتربوية، على وجه من الكمال والتمام، لم لا، وهذا الكتاب كما وصفه ربنا العظيم: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].
ثانيًا- نشأته: وتشمل:
* عمره والزمن الذي عاش فيه:
* موطنه.
* مهنه التي امتهنها.
* أوصافه (صفاته الخِلقية والخُلقية).
стр. 368
عمره والزمن الذي عاش فيه
- قال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي (ت: ٥٣٨ هـ): «إن لقمان عاش ألف سنة وأدرك داود ﵇ وأخذ عنه العلم، وكان يفتي قبل مبعثه، فلما بُعث قطع الفتوى فقيل له عن ذلك فقال: ألا أكتفي إذا كفيت» (١).
- وقال الألوسي (١٢٧٠ هـ): «وقيل كان قاضيًا في بني إسرائيل، ونقل ذلك عن الواقدي إلا أنه قال: وكان زمانه بين زمان عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وقال عكرمة والشعبي: والأكثرون على أنه كان في زمن داود ﵇» (٢).
- قال البيضاوي (٦٨٥ هـ): «وعاش حتى أدرك داود ﵊ وأخذ منه (٣) العلم وكان يفتي قبل مبعثه» (٤).
ومما سلف ذكره يتضح ويتبين ويتأكد أن زمن لقمان كان قبل مبعث داود ﵇، ثم عاصره زمن نبوته، ويُستدلُ على ذلك بتوقفه عن الفتوى لما بُعِثَ داودُ ﵇ بقوله: «ألا أكتفي إذا كفيت»، وهذا القول عليه الأكثرون كما حكاه عن عكرمة والشعبي، وفيه شبه اتفاق بين المصادر التي طالعتها خلال بحثي، وأن
стр. 369
القول بأن زمانه بين زمان عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام قول مرجوح، تفرد به قلة ولا يعول عليه، والله أعلى وأعلم وأَجَلُّ.
موطنه:
- قال الطبري (ت: ٣١٠ هـ): «قال مجاهد: كان لقمان (عبدًا حبشيًّا) (١) غليظ الشفتين، مصفح القدمين» (٢).
- وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): «وكذلك نقل قتادة عن عبد الله بن الزبير ﵁: قلت لجابر بن عبد الله ﵄: ما انتهى إليكم في شأن لقمان؟ قال: كان قصيرًا أفطس الأنف من (النوبة)» (٣).
- قال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي (ت: ٥٣٨ هـ): «رُوي عن سعيد بن المسيب قال: ولقمان الحكيم كان أسود (نوبيًّا) ذا مشافر» (٤).
- وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) -أيضًا: «ورُوي كذلك عن سعيد بن المسيب
стр. 370
قال: كان لقمان من (سودان مصر)» (١).
- وقال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي (ت: ٥٣٨ هـ): «قال الأوزاعي: حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء رجل أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله فقال له سعيد: لا تحزن من أجل أنك أسود فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان (٢): بلال، ومهجع مولى عمر، ولقمان الحكيم كان أسود (نوبيًّا) ذا مشافر» (٣).
- وقال الطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ): «قيل: هو من بلاد النوبة، وقيل: من (الحبشة)» (٤).
- وقال أبو حيان (ت: ٧٤٥ هـ): «قال الفراء وغيره: كان (حبشيًّا)» (٥).
- وقال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ): «فَأَمَّا صِفَتُهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ (عَبْدًا حَبَشِيًّا)».
стр. 371
- قال السيوطي (ت: ٩١١ هـ): «وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد في «الزهد»، وابن أبي الدنيا في كتاب «المملوكين»، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: كان لقمان (عبدًا حبشيًّا) نجارًا» (١).
- وقال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ): «وقال خالد الربعي: كان لقمان (عبدًا حبشيًّا) نجارًا» (٢).
- وقال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) أيضًا: «وكان (نوبيًّا) من أهل أيلة; ذكره السهيلي» (٣).
ولعل ابن المسيب يعني بسودان مصر: (النوبة) (٤) بدليل رواية الزَّمَخْشَرِيُّ
стр. 372
المعتزلي التي هي من رواية الأوزاعي: عن عبد الرحمن بن حرملة عن ابن المسيب فإنها مفسرة ومبينة لرواية ابن كثير عن ابن المسيب أن لقمان كان من (سودان مصر)، وقوله: ثلاثة من (السودان): بلال، ومهجع مولى عمر، ثم أعقبها ولقمان الحكيم كان أسود (نوبيًّا).
وبذلك يمكن الجمع بين قولي ابن المسيب -رحمه الله تعالى: بأنه يعني بسودان مصر (النوبة)، والله أعلى وأعلم وأَجَلُّ.
بما سبق بيانه من أقوال في موطنه يجتمع لدينا عدة روايات تنسبه لأربعة مواطن، وهي:
١ - الحبشة.
٢ - النوبة.
٣ - سودان مصر.
٤ - السودان (١).
стр. 373
ولقد تعددت الروايات الواردة في ذكر موطنه، وأنه من النوبة، وأنه من (سودان مصر)، وأنه كان (حبشيًّا) وعليه الأكثرون، وأنه من (السودان)، فتعدد هذه الروايات لا إشكال فيه أيضًا، فإن المتأمل في صفات لقمان الخِلقية يجد أنها متناسقة ومتطابقة مع الصفات الخِلقية لسكان هذه البقاع المتجاورة والمتلاصقة من الشمال الشرقي للقارة الإفريقية، والتي تجمع أقصى شمال السودان، وهي منطقة (وادي حلفا) وما جاورها، وأقصى جنوب مصر وهي منطقة (النوبة)، ولعله كان له تنقل بين هذه البقاع، والتي تجمعها طبيعة جغرافية وسكانية واحدة، من جهة اللغة والعادات الاجتماعية والأعراف والنشاط السكاني، والروايات التي تذكر أنه من أيلة مع قلتها وندرتها لا تقاس بنسبته إليها مع نسبته إلى القارة الإفريقية، ولعل عمره الطويل كان له تأثير في انتقاله من مكان إلى مكان ومن مهنة إلى مهنة، والله أعلى وأعلم. …
مهنته:
- قال الألوسي (١٢٧٠ هـ): «اختلف فيما كان يعانيه من الأشغال، فقال خالد بن الربيع: كان (نجارًا) بالراء، وفي معاني الزجاج: كان (نجادًا) بالدال، وهي على وزن كتان، كذا هو بخط جماعة من الأئمّة، وهو: من يعالج الفرش والوسائد ويخيطها، وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد في الزهد، وابن المنذر، عن ابن المسيب أنه كان (خياطًا)، وهو أعلم من النجاد» (١).
стр. 374
- وقال البغوي (ت: ٥١٦ هـ): «وقال سعيد بن المسيب: كان (خياطًا)، وقيل: كان راعي غنم، فروي أنه لقيه رجل وهو يتكلم بالحكمة، ألست فلانًا الراعي؟ فبم بلغت ما بلغت؟ قال: بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني» (١).
- وقال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ): «كان (يحتطب) لمولاه حزمة حطب، وقال لرجل ينظر إليه إن كنت تراني غليظ الشفتين فإنه يخرج من بينهما كلام رقيق، وإن كنت تراني أسود فقلبي أبيض» (٢).
- وقال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ): «وَفِي صِنَاعَتِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
أحَدُهَا: أَنَّهُ كَانَ (خَيَّاطًا)، قَالَهُ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ.
وَالثَّانِي: (رَاعِيًا)، قَالَهُ: ابْنُ زَيْدٍ.
وَالثَّالِثُ: (نَجَّارًا)، قَالَهُ: خَالِدٌ الرَّبْعِيُّ» (٣).
- وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): «أنه كان (قاضيًا). في زمن داود ﵇» (٤).
- وقال الطبري (ت: ٣١٠ هـ): «وقال مجاهد: إنه كان (قاضيًا) على بني إسرائيل» (٥).
стр. 375
ومما سبق من الروايات يتبين أنه: عَمِلَ وامتهن مهنًا كثيرة ومتعددة، ومختلفة وهي:
١) نجارًا.
٢) نجادًا.
٣) خياطًا.
٤) راعيًا للغنم.
٥) حطابًا لمولاه قبل أن يُعتَق من الرق.
٦) قاضيًا على بني إسرائيل.
ولا تعارض في أنه امتهن كل هذه الأشغال والمهن، فبعضها متقارب ويمكن الجمع بينها كالنجاد والخياط، وكذلك يمكن الجمع بين مهنتي الرعي وجمع الحطب، وقد يكون تنقل بين هذه الحرف وتلك المهن، من حرفة إلى حرفة ومن مهنة إلى مهنة، لم لا وقد عُمِّر ألف سنة، فما الذي يمنع من تنقله بين هذه الأشغال وتلك المهن والحرف في هذا العمر الطويل والأمد المديد البعيد، والذي يندر مع طوله وتنقله من مكان إلى آخر- الثبات على مهنة أو صنعة أو حرفة واحدة، ولربما خُتم له بالاشتغال بالقضاء بعد أن امتن الله عليه وآتاه الحكمة وظهرت عليه آثارها، والله أعلى وأعلم بالصواب.
أبين أوصافه (صفاته الخِلقية والخُلقية):
صفاته الخِلقية:
أما عن صفاته الخِلقية فقد وردت أقوال متعددة متقاربة، وروايات متشابهة، وردت في جمع من المصادر، ومن أهمها ما يلي:
стр. 376
- قال الطبري (ت: ٣١٠ هـ): «حدثني نصر بن عبد الرحمن وابن حميد قالا: حدثنا حكام عن سعيد الزبيدي عن مجاهد قال: كان لقمان عبدًا حبشيًّا غليظ الشفتين، مصفح القدمين قاضيًا على بني إسرائيل» (١).
- وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): «قال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد ابن المسيب قال: كان لقمان من سودان مصر، ذا مشافر» (٢).
- وقال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي (ت: ٥٣٨ هـ): «قال الأوزاعي: حدثني … عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء رجل أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله فقال له سعيد: لا تحزن من أجل أنك أسود فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان: بلال، ومهجع مولى عمر، ولقمان الحكيم كان أسود نوبيًّا ذا مشافر» (٣).
- وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): «أخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير قال: قلت لجابر بن عبد الله ما انتهى إليكم من شأن لقمان؟ قال: كان قصيرًا أفطس من النوبة» (٤).
- وقال أبو حيان (ت: ٧٤٥ هـ): «قال ابن عباس، وابن المسيب، ومجاهد: كان نوبيًّا مشقق الرجلين ذا مشافر، وقال الفراء وغيره: كان حبشيًّا مجدوع
стр. 377
الأنف ذا مشفر» (١).
- وقالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: ٣١٠ هـ): «وقال مجاهد: كان عبدًا أسود عظيم الشفتين ومشقق القدمين» (٢).
- وقال ابن الجوزي: «فَأَمَّا صِفَتُهُ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا.
- وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّب: كَانَ لُقْمَانُ أَسْوَدَ مَنْ سُودَانِ مِصْر.
- وَقَالَ مُجَاهِد: كَانَ غَلِيظَ الشَّفَتَيْنِ مشَقَّقَ الْقَدَمَيْنِ، وَكَانَ قَاضِيًا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ» (٣).
- وقال السيوطي (ت: ٩١١ هـ): «وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد في «الزهد»، وابن أبي الدنيا في كتاب «المملوكين»، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: كان لقمان عبدًا حبشيًّا نجارًا» (٤).
- وقال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ): «وقال خالد الربعي: كان لقمان عبدًا حبشيًّا نجارًا».
ومما سبق ذكره من الروايات السابقة يتضح ويتبين لنا أنَّ من أهم وأبين وأظهر ما وُصِفَ به لقمان الحكيم ﵇ من الصفات الخِلقية، أنه:
١ - عبد حبشي أسود.
стр. 378
٢ - قصير القامة.
٣ - أفطس ومجدوع الأنف.
٤ - غليظ وعظيم الشفتين.
٥ - وقد وصف بأنه ذو مشافر وأنه ذو مشفر.
٦ - وأنه مصفح ومشقق القدمين.
ولا يُشَكُ في صحة نسب تلك الصفات الخِلقية إلى لقمان مجتمعة، ومما يؤكد ذلك، أنها متناسقة ومتقاربة ومتجانسة، بل أغلبها وأعمها متطابق تمامًا كما هو الحال بين رواية الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي مع إحدى روايتي ابن كثير، وليس ثَمَّ مانع من اجتماعها في إنسان يمكن وصفه بتلك الصفات الخِلقية مجتمعة.
ومما يزيد الأمر تأكيدًا، الاتفاق على تلك الصفات الخِلقية، مع اختلاف مصادرها وتنوعها وتباعدها زمانيًّا، والله ولي التوفيق، وهو سبحانه أعلم بالصواب.
ولا شك أن المعني هو الصفات (الخُلُقية) التي بها علو شأن المؤمن وسموه ورقيه لأعالي درجات الكمال البشري، وبها عزه وكرامته عند خالقه ومولاه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، والتي حبا الله لقمان أحسنها وأكملها وأشملها وأطيبها وأنماها وأزكاها وأعلاها. وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (١).
стр. 379
صفاته الخُلقية:
وأما عن أهم صفاته الخُلُقية فإنه: كان عبدًا صالحًا، ومربيًّا حكيمًا، جليل القدر، عظيم النفع، ومن أظهر ما يدل على ذلك ما وهبه الله وحباه من محاسن الصفات، وما أجراه على لسانه وما أنطقه به من الحكمة، وما تكلم به من المواعظ الجليلة في تربية ابنه على منهج متكامل الأركان تام البنيان، شامل لخيري المعاش والمعاد، شامل لبناء المسلم بناءً صحيحًا، عقديًّا وإيمانيًّا وأخلاقيًّا واجتماعيًّا وتربويًّا.
ولعظم قدر تلك الوصايا التربوية والأبوية الجليلة، خلدها المولى جل في علاه وأصبحت مُسطرة في كتابه المجيد، وأكرم قائلها بإعلاء ذكره في العالمين وشرفه بالذكر في كتابه العزيز بورود سورة في خاتم كتبه على خاتم رسله، ضمن شريعته الغراء الخاتمة، يذكر فيها وتحمل اسمه، لتُصبِح مواعظه الحكيمة والجليلة والبليغة نبراسًا يضيء الطريق للأجيال المؤمنة، ويؤصل لهم معالم الهدى وسبل الرشاد، ويوضح لهم الطريق المستقيم، والسبيل القويم الموصل لرضوان الله في الدنيا، وجنته يوم التناد، إنها سورة كريمة تحمل اسمه، وتتلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يتلوها أهل الإيمان زرافات، ووحدانًا، يتلونها في صلواتهم وهم في محاريبهم وقوفًا بين يدي ربهم، يتلونها في خلواتهم وجلواتهم، نعم، لقد خلد الله تعالى فيها فصوص حكمه البليغة، ومنهجه الأبوي التربوي الأصيل، والذي يُعدُّ منهاجًا تربويًّا متكاملًا شاملًا لكل جوانب العملية التربوية، التي تبين واجب المربي، وتوضح بجلاء تام الأهداف التربوية التي يسعى الأب الشفيق لغرسها في نفس فلذة كبده وثمرة فؤاده، والأسلوب التربوي
стр. 380
التعليمي بالحكمة والموعظة الحسنة، مع روعة البيان، وتناسق العبارات والألفاظ، مراعيًا التدرج فيها ببيان وتقديم الأهم فالمهم، كل ذلك بالخطاب الحسن، والتحبب إليه بالأسلوب الجميل (يا بني) وتكراره بين الموعظة والأخرى، لكسر الحواجز النفسية وتهيئتها لتلقي الموعظة وقبولها، ولتجديد عقد وشيجة المحبة، ولبيان أن الدافع لتلك المواعظ هو واجب الأبوة، المصحوب والمقرون بالشفقة، التي تزينها أَجَلُّ معاني الحب والحنو والعطف، وما يحمله الوالد لولده من حب الخير له، والحرص على إيصال معاني الكمال إليه بمنهجه التربوي الكامل والشامل المؤدي لأسباب الرقي في مدارج تحقيق أعلى مراتب العبودية، الموصل إلى رضوان رب العالمين وإلى سعادة الدارين.
ولقد اكتفى الباحث بالثابت من صفات لقمان وهي ما آتاه الله من (الحكمة)، وتعرض لأسلوبه التربوي في موعظته لابنه، الدال على حكمته ورجاحة عقله وسعة علمه ومكنون فهمه وعلو همته وأمانته وصدقه وشفقته في نصحه وغير ذلك مما يدخل ضمنًا ويستنبط إدراكًا وفهمًا من صفاته وكريم أخلاقه المستوحاة من فحوى خطابه ونصحه ووعظه لولده، مكتفيًا بذلك عن كثير مما لم يثبت من الصفات المنسوبة إليه، وكذلك ما سبق ذكره من نسبه وموطنه ومهنته وصفاته الخِلقية، وكونه حرًّا أو عبدًا، كل ذلك لم يثبت ثبوتًا قطعيًّا بل أكثره وأغلبه من أخبار بني إسرائيل، وإن كانت الدراسة تعرضت له بشيء من البيان، ولا طائلة كبيرة من وراء ذكره، إذ لو كان ثَمَّ نفع أو فائدة من ذكره، لبينه الله أوضح بيان كما بين موعظته وجلاها للناظرين وجعلها باقية نافعة للمربين والدعاة وسائر الهداة المصلحين.
стр. 381
وفي نحو ذلك يقول أبو حيان: «وَهَذَا الِاضْطِرَابُ فِي كَوْنِهِ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَفِي جِنْسِهِ، وَفِيمَا كَانَ يُعَانِيهِ، يُوجِبُ أَنْ لَا يُكْتَبَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يُنْقَلَ، لَكِنِ الْمُفَسِّرُونَ مُولَعُونَ بِنَقْلِ الْمُضْطَرِبَاتِ حَشْوًا وَتَكْثِيرًا، وَالصَّوَابُ تَرْكُه» (١).
وموقف أهل السنة من رواية الإسرائيليات معروف ومشتهر على ألسنة العلماء ومبسوط في كتبهم وأكتفي بقول الشنقيطي:
«ومن المعلوم أن ما يروى عن بني إسرائيل من الأخبار المعروفة بالإسرائيليات له ثلاث حالات في واحدة منها يجب تصديقه وهي ما إذا دل الكتاب أو السنة الثابتة على صدقه، وفي واحدة يجب تكذيبه وهي إذا ما دل القرآن والسنة على كذبه، وفي الثالثة لا يجوز التكذيب ولا التصديق … وهي ما إذا لم يثبت في كتابٍ ولا سنَّة صدقه ولا كذبه» (٢).
وهو ما يعبر عنه العلماء بتقسيم الإسرائيليات إلى ثلاثة أقسام:
الأول: موافق لشريعتنا.
الثاني: مخالف لشريعتنا.
الثالث: مسكوت عنه.
الأول: ما جاء موافقًا لشريعتنا:
فأما «ما جاء موافقا لما في شرعنا، فهذا تجوز روايته، وعليه تُحمل الآيات الدالة على إباحة الرجوع إلى أهل الكتاب، وعليه أيضا يُحمل قوله عليه الصلاة
стр. 382
والسلام: «حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» (١) إذ المعنى: حدِّثوا عنهم بما تعلمون صدقه» (٢).
وفي معنى حديث عبد الله بن عمرو سالف الذكر يقول العظيم آبادي:
قال الخطابي: «ليس معناه إباحة الكذب في أخبار بني إسرائيل ورفع الحرج عمن نقل عنهم الكذب، لكن معناه الرخصة في الحديث عنهم على معنى البلاغ؛ وإن لم يتحقق صحة ذلك بنقل الإسناد؛ وذلك لأنه أمر قد تعذر في أخبارهم؛ لبعد المسافة وطول المدة ووقوع الفترة بين زماني النبوة. وفيه دليل على أن الحديث لا يجوز عن النبي ﷺ إلا بنقل الإسناد والتثبت فيه» (٣). اهـ.
الثاني: ما جاء مخالفًا لشريعتنا:
وأما «ما جاء مخالِفًا لما في شرعنا، أو كان لا يُصدِّقه العقل، فلا تجوز روايته؛ لأن إباحة الله للرجوع إلى أهل الكتاب، وإباحة الرسول ﷺ للحديث عنهم، لا تتناول ما كان كذبًا، إذ لا يعقل أن يبيح الله ولا رسوله ﷺ رواية المكذوب أبدًا» (٤).
- قال الحافظ ابن كثير ﵀: «وما شهد له شرعنا منها بالبطلان فذاك مردود
стр. 383
لا يجوز حكايته، إلا على سبيل الإنكار والإبطال» (١).
الثالث: ما جاء مسكوتًا عنه في شرعنا:
وأما «ما سكت عنه شرعنا، ولم يكن فيه ما يشهد لصدقه ولا لكذبه، وكان محتملًا، فحكمه أن نتوقف في قبوله فلا نصدقه ولا نكذبه»، وعلى هذا يحمل قول النبي ﷺ : «لا تُصدِّقوا أهل الكتاب ولا تُكذِّبوهم» (٢)، أما روايته فجائزة على أنها مجرد حكاية لما عندهم، لأنها تدخل في عموم الإباحة المفهومة من قوله ﵊: «حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» (٣)، (٤).
قال الحافظ ابن كثير: هذا «محمول على الإسرائيليات المسكوت عنها عندنا، فليس عندنا ما يُصدِّقها ولا ما يُكذِّبها، فيجوز روايتها للاعتبار» (٥)، (٦).
يقول الحافظ ابن حجر: «لا حرج؛ أي: لا ضيق عليكم في الحديث عنهم؛ لأنه كان قد تقدم منه ﷺ الزجر عن الأخذ عنهم والنظر في كتبهم، ثم حصل التوسع في ذلك، وكأن النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية والقواعد
стр. 384
الدينية خشية الفتنة، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار .... (١).
стр. 385
المطلب الثاني التحقيق في أمر نبوته إثباتًا ونفيًا وهل كان لقمان نبيًّا أو عبدًا حكيمًا لم تثبت له نبوّة؟ على قولين:
القول الأول: أن لقمان كان عبدًا حكيمًا ولم يكن نبيًّا
- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): «اختلف السلف في لقمان ﵇: هل كان نبيًّا، أو عبدًا صالحًا من غير نبوة؟ على قولين، الأكثرون على الثاني».
ثم قال: «ولهذا كان جمهور السلف على أنه لم يكن نبيًّا» (١).
- وقال البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ): «والجمهورُ على أنَّه حكيمٌ ولم يكن نبيًّا» (٢).
- وقال البغوي (ت: ٥١٦ هـ): «قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] يعني: العقل والعلم والعمل به والإصابة في الأمور».
- واتفق العلماء على أنه كان حكيمًا، ولم يكن نبيًّا، إلا عكرمة فإنه قال: كان
стр. 386
لقمان نبيًّا. وتفرد بهذا القول (١).
- وقال الزَّمَخْشَرِيُّ المعتزلي (ت: ٥٣٨ هـ): «وأكثر الأقاويل أنه كان حكيمًا ولم يكن نبيًّا، ونُقِلَ عن ابن عباس ﵄ قوله: لقمان لم يكن نبيًّا ولا ملكًا ولكن كان راعيًا أسود، فرزقه الله العتق، ورضي قوله ووصيته، فقص أمره في القرآن لتمسكوا بوصيته» (٢).
- وقالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: ٣١٠ هـ): «القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] يقول تعالى ذكره: ولقد آتينا لقمان الفقه في الدّين، والعقل، والإصابة في القول.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
بيان ممن قال بذلك:
حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] قال: الفقه والعقل والإصابة في القول من غير نبوّةٍ» (٣).
- حدّثنا بشر، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]: أي: الفقه في الإسلام. قال قتادة: ولم يكن نبيًّا، ولم يوح إليه.
стр. 387
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا يونس، عن مجاهدٍ، في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] قال: الحكمة: الصّواب.
- حدّثنا ابن المثنّى، حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهدٍ، أنّه قال: كان لقمان رجلًا صالحًا، ولم يكن نبيًّا.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] قال: القرآن (١).
- قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الحكمة: الأمانة (٢).
- وقال البقاعي: «قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] ولقد آتينا بما لنا من العظمة والحكمة -لقمان- وهو عبد من عبيدنا -الحكمة- وهو العلم المؤيد بالعمل، والعمل المحكم بالعلم» (٣).
- وقال الفخر الرازي (ت: ٦٠٦ هـ): «وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]:
الحكمة: عِبَارَةٌ عَنْ تَوْفِيقِ الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ، فَكُلُّ مَنْ أُوتِيَ تَوْفِيقَ الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ فَقَدْ أُوتِيَ الْحِكْمَةَ» (٤).
стр. 388
- وقال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: ٨٥٥ هـ): «وقال سعيد بن المسيب: كان من سودان مصر ذا مشافر، أعطاه الله الحكمة ومنعه النّبوّة» (١).
- وقال ابن قتيبة (٢) (ت: ٢٧٦ هـ): «لم يكن نبيًّا في قول أكثر النّاس وكان رجلًا صالحًا» (٣).
- وقال الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ): «وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هُوَ نَبِيٌّ أَمْ رَجُلٌ صَالِحٌ؟
فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ» (٤).
- وقال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ): «قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] فِيهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْفَهْمُ وَالْعَقْلُ، قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ.
وَالثَّانِي: النُّبُوَّةُ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي نُبُوَّتِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَ حَكِيمًا وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ.
стр. 389
وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا، قَالَهُ الشَّعْبِيُّ، وَعِكْرِمَةُ، وَالسُّدِّيُّ. هَكَذَا حَكَاهُ عَنْهُمُ الْوَاحِدِيُّ، وَلَا يُعْرَفُ، إِلَّا أَنَّ هَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ عِكْرِمَةُ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ» (١).
- وقال ابن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ): «وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ، هَلْ كَانَ لُقْمَانُ نَبِيًّا، أَوْ عَبْدًا صَالِحًا؟ وَاللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ عَنْهُ إِلَّا أَنَّهُ آتَاهُ الْحِكْمَةَ» (٢).
- وقال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ): «وقال سعيد بن المسيب: أعطاه الله تعالى الحكمة ومنعه النبوة; وعلى هذا جمهور أهل التأويل أنه كان وليًّا ولم يكن نبيًّا. وقال بنبوته عكرمة والشعبي; وعلى هذا تكون الحكمة النبوة.
والصواب أنه كان رجلًا حكيمًا بحكمة الله -تعالى- وهي الصواب في المعتقدات والفقه في الدين والعقل» (٣).
- وقال القاسمي (ت: ١٣٣٢ هـ): «على قول الجمهور: أنه حكيم»، و «على قول: عكرمة أنه نبي» (٤).
- وقال أبو حيان (ت: ٧٤٥ هـ): «والأكثرون على أنه لم يكن نبيًّا» (٥).
- وقال الطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ): «وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي أَنَّ لُقْمَانَ الْمَذْكُورَ فِي الْقُرْآنِ كَانَ حَكِيمًا أَوْ (نَبِيئًا) (٦). فَالْجُمْهُورُ قَالُوا: كَانَ حَكِيمًا
стр. 390
صَالِحًا. وَيَظْهَرُ مِنَ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي قِصَّتِهِ هَذِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْتَنَّ عَلَيْهِ بِوَحْيٍ وَلَا بِكَلَامِ الْمَلَائِكَةِ. وَالِاقْتِصَارُ عَلَى أَنَّهُ أُوتِيَ الْحِكْمَةَ يُومِئُ إِلَى أَنَّهُ أُلْهِمَ الْحِكْمَةَ وَنَطَقَ بِهَا، وَلِأَنَّهُ لَمَّا ذُكِرَ تَعْلِيمُهُ لِابْنِهِ قَالَ تَعَالَى وَهُوَ يَعِظُهُ وَذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِأَنَّهُ تَعْلِيمٌ لَا تَبْلِيغَ تَشْرِيعٍ» (١).
وابن عاشور وضع الأمور في نصابها، فبعد أن بَيَّنَ اختلاف السلف في نبوته وذكر رأى الجمهور مرجحًا له، أتى بما يثبت ويؤيد ترجيحه لرأي الجمهور بعدم نبوة لقمان، فقال: لِأَنَّهُ لَمْ يُمْتَنَّ عَلَيْهِ بِوَحْيٍ وَلَا بِكَلَامِ الْمَلَائِكَةِ، وقال: قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ [لقمان: ١٣] وَذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِأَنَّهُ تَعْلِيمٌ لَا تَبْلِيغَ تَشْرِيعٍ، فيكون بذلك قد أتى بحجة دامغة تدلل على ما ذهب إليه، والحمد لله رب العالمين.
وبعد بيان القول الأول القاضي (بنفي النبوة عن لقمان)، يجتمع لدينا روايات كثيرة وأقوال عديدة من أقوال أئمة التفسير، وقد نقلوا أقوال المفسرين من التابعين وغيرهم، ومفادها ومختصرها كالتالي:
- قال ابن كثير: «عبدًا صالحًا من غير نبوة»، وقال أيضًا: «لم يكن نبيًّا» (جمهور السلف).
- وقال البيضاوي: «ولم يكن نبيًّا» (الجمهور)، ووافقه كل من النسفي، والقسطلاني، وأبو السعود.
- وقال البغوي: (الحكمة): يعني: العقل .. الخ، ولم يكن نبيًّا: (واتفق العلماء) إلا عكرمة تفرد بهذا القول.