[علة وجوب تقديم منصوب الأحرف المشبهة على مرفوعها]
فإن قيل: فَلِمَ وجب تقديم المنصوب على المرفوع؟ قيل لوجهين:
أحدهما: أن هذه الحروف، تشبه الفعل لفظًا ومعنى؛ فلو قُدِّم المرفوع على المنصوب، لم يعلم هل هي حروف، أو أفعال؟
فإن قيل: الأفعال تتصرَّف، والحروف لا تتصرَّف، قيل: عدم التصرف، لا يدل على أنها حروف؛ لأنه قد يوجد أفعال لا تتصرف؛ وهي: نعم، وبئس، وعسى، وليس، وفعل التعجب، وحبَّذا، فلما كان ذلك يؤدي إلى الالتباس بالأفعال، وجب تقديم المنصوب على المرفوع رفعًا لهذا الالتباس.
والوجه الثاني: أن هذه الحروف لما أشبهت الفعل الحقيقيّ لفظًا ومعنى، حملت عليه في العمل، فكانت فرعًا عليه في العمل، وتقديم١ المنصوب على المرفوع فرع؛ فألزموا الفرع الفرع، وتخرج على هذا "ما" فإنَّها ما أشبهت الفعل من جهة اللفظ، وإنما أشبهته من جهة المعنى، ثم الفعل الذي أشبهته ليس فعلاً حقيقيًّا وفي فعليته خلاف، بخلاف هذه الحروف، فإنها أشبهت الفعل الحقيقيّ من جهة اللفظ والمعنى من الخمسة الأوجه التي بيناها، فبان الفرق بينهما. وقد ذهب الكوفيون إلى أن "إن" وأخواتها /إنما/٢ تنصب الاسم، ولا ترفع الخبر وإنما الخبر يرتفع بما كان يرتفع به قبل دخولها؛ لأنها فرع على الفعل في العمل، فلا تعمل عمله؛ لأن الفرع -أبدًا- أضعف من الأصل، فينبغي ألا تعمل في الخبر؛ وهذا ليس بصحيح؛ لأن كونه فرعًا على الفعل في العمل، لا يوجب ألا يعمل عمله، فإن اسم الفاعل فرع على الفعل في العمل، ويعمل عمله، على أنَّا قد عملنا بمقتضى كونه فرعًا، فإنَّا ألزمناه طريقة واحدة، وأوجبنا فيه تقديم المنصوب على المرفوع، ولم نُجَوِّز فيه الوجهين، كما جاز ذلك مع الفعل؛ لئلا٣ يجري مجرى الأصل، فلمّا أوجبنا فيه تقديم المنصوب على المرفوع، بان ضعف هذه الحروف (عن رتبة الفعل) ٤، وانحطاطها عن رتبة الفعل؛ فوقع الفرق بين الفرع والأصل؛ ثم لو كان الأمر كما زعموا، وأنه باقٍ على رفعه؛ لكان الاسم المبتدأ أولى بذلك، فلما وجب نصب المبتدأ بها؛ وجب رفع
стр. 107
الخبر بها؛ لأنه ليس في كلام العرب عامل يعمل في الأسماء النصب، ولا يعمل الرفع، فما ذهبوا إليه يؤدي إلى ترك القياس، ومخالفة الأصول لغير فائدة، وذلك لا يجوز.
[علة جواز العطف على موضع إنَّ ولكنَّ]
فإن قيل: فَلِمَ جاز العطف على موضع "إن ولكن" دون سائر أخواتها؟ قيل: لأنهما لم يغيِّرا معنى الابتداء، بخلاف سائر الحروف؛ لأنها غيَّرت معنى الابتداء؛ لأن: "كأن" أفادت معنى التشبيه، و"ليت" أفادت معنى التمني، و"لعل" /أفادت/١ معنى التَّرجي.
[خلافهم في العطف على الموضع قبل ذكر الخبر]
فإن قيل: فهل يجوز العطف على الموضع قبل ذكر الخبر؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب أهل البصرة٢ إلى أنه لا يجوز ذلك على الإطلاق، وذلك لأنك إذا قلت: "إنك وزيد قائمان" وجب أن يكون /زيد/٣ مرفوعًا بالابتداء، ووجب أن يكون عاملاً في خبر زيد، وتكون "إن" عاملة في خبر الكاف، وقد اجتمعا معًا، وذلك لا يجوز؛ وأمّا الكوفيون فاختلفوا /في ذلك/٤؛ فذهب الكسائي إلى أنه يجوز ذلك على الإطلاق؛ سواء تبين فيه عمل "إن" أو لم يتبين؛ نحو: "إن زيدًا وعمرو قائمان، وإنك وبكر منطلقان". وذهب الفراء إلى أنه لا يجوز ذلك إلا في ما لم٥ يتبين فيه عمل "إن" واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ ٦ فعطف الصابئين على موضع إن قبل تمام الخبر؛ وهو قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ومما حكي عن بعض العرب أنه قال: "إنك وزيد ذاهبان"، وقد ذكره سيبويه في الكتاب.
والصحيح: ما ذهب إليه البصريون. وما استدل٧ به الكوفيون، فلا حُجَّة
стр. 108
لهم فيه، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ فلا حُجَّة لهم فيه من وجهين:
أحدهما: أنَّا نقول: في الآية تقديم وتأخير؛ والتقدير فيه١: إن الذين آمنوا والذين هادوا ومن آمن بالله واليوم الآخر، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصابئون والنصارى كذلك.
والوجه الثاني: أن تجعل٢ قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ خبر الصابئين والنصارى، وتضمر للذين آمنوا والذين هادوا /خبرًا/٣ مثل الذي أظهرت للصابئين والنصارى، ألا ترى أنك تقول: "زيد وعمرو قائم" فتجعل: قائمًا خبرًا لعمرو، وتضمر لزيد خبرًا آخر مثل الذي أظهرتَ لعمرو، وإن شئت جعلته خبرًا لزيد، وأضمرت لعمرو خبرًا؛ كما قال الشاعر٤: [الوافر]
وإلا فاعلموا أنَّا وأنتم ... بُغَاةٌ ما بقينا في شقاق٥
وإن شئت جعلت قوله "بغاة" خبرًا للثاني، وأضمرت للأول خبرًا، وإن شئت جعلته خبرًا للأول، وأضمرت للثاني خبرًا على ما بينّا.
وأما قول بعض العرب "إنك وزيد ذاهبان" فقد ذكره ٦ سيبويه أنه غلط من بعض العرب، وجعله بمنزلة قول الشاعر٧: [الطويل]
بَدَا لِي أَنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ مَا مَضَى ... وَلاَ سَابِقٍ شَيئًا إِذَا كَانَ جَائِيا
стр. 109
فقال: "سابق" بالجر على العطف، وإن كان المعطوف عليه منصوبًا لتوهم١ حرف الجر فيه؛ وكذلك قول الآخر٢: [الطويل]
مَشَائِيمُ لَيسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً ... ولا نَاعِبٍ إلا بِبَينٍ غُرَابُهَا٣
فقال: "ناعب" /بالجر/٤ بالعطف على "مصلحين"؛ لأنه توهم أن الباء في مصلحين موجودة، ثم عطف عليه مجرورًا وإن كان منصوبًا، ولا خلاف أن هذا نادر، ولا يقاس عليه، فكذلك ههنا؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.
стр. 110
الباب العشرون: باب ظننت وأخواتها
[استعمالات ظن وأخواتها]
إن قال قائل: على كم ضرابًا تستعمل /فيه/١ هذه الأفعال؟ قيل: أمّا ظننت فتستعمل على ثلاثة أوجه:
أحدهما: بمعنى الظن وهو ترجيح أحد الاحتمالين على الآخر.
والثاني: بمعنى اليقين؛ قال الله : ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ٢ /أي: يوقنون/٣ وقال الله تعالى: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ ٤. وقال الشاعر٥: [الطويل]
فقلت لهم: ظنوا بألفي مُدَجَّجٍ ... سَرَاتُهُم في الفارسي المسرَّدِ٦
وهذان يتعديان إلى مفعولين.
والثالث: بمعنى التهمة؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ٧ في قراءة من قرأ بالظاء؛ أي: بمتهم، وهذا يتعدى ٨ إلى مفعول واحد.
стр. 111
[استعمال خال وحسب]
وأما: "خلت، وحسبت" فتستعملان بمعنى الظن. وأما "زعمت" فتستعمل في القول عن غير صحة، قال الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ ١.
[استعمال علم]
وأما "علمت" فتستعمل على أصلها، فتتعدى إلى مفعولين، وتستعمل بمعنى: "عرفت" فتتعدّى إلى مفعول واحد؛ قال الله تعالى: ﴿لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ ٢.
[استعمال رأى]
وأما "رأيت" فتكون من رؤية القلب، فتتعدى إلى مفعولين؛ نحو: "رأيت الله غالبًا"، وتكون من رؤية البصر، فتتعدى إلى مفعول واحد؛ نحو: "رأيت زيدًا" أي: أبصرت زيدًا.
[استعمال وجدت]
وأما "وجدت" فتكون بمعنى: علمت، فتتعدّى إلى مفعولين؛ نحو: "وجدت زيدًا عالِمًا" وتكون بمعنى: أصبت، فتتعدى إلى مفعول واحد؛ نحو: "وجدت الضالة وجدانًا"، وقد تكون لازمة في نحو قولهم: "وجدت في الحزن وجدًا، ووجدت في المال وجدًا، ووجدت في الغضب موجدة" وحكى بعضهم: "وجدانًا" قال الشاعر٣: [الوافر]
كِلانَا رَدَّ صَاحِبَه بِغَيظٍ ... عَلَى حَنَق وَوِجْدَانٍ شَدِيدِ٤
[علَّة إعمال هذه الأفعال]
فإن قيل: لِمَ أعلمت٥ هذه الأفعال، وليست مؤثرة في المفعول؟ قيل:
стр. 112
لأن هذه الأفعال، وإن لم تكن مؤثرة، إلا أن لها تعلقًا بما عملت فيه، ألا ترى أن قولك: "ظننت" يدل على الظن، والظن يتعلق بمظنون؟ وكذلك سائرها؛ ثم ليس التأثير شرطًا في عمل الفعل، وإنما شرط عمله أن يكون له تعلق بالمفعول، فإذا تعلق بالمفعول، تعدّى إليه؛ سواء كان مؤثرًا، أو لم يكن مؤثرًا، ألا ترى أنك تقول: ذكرت زيدًا فيتعدَّى إلى زيد، وإن لم يكن مؤثرًا فيه، إلا أنه لَمّا كان له به تعلق عَمِل؛ لأن "ذكرت" تدل على الذكر، والذكر لا بد له من مذكور، يتعدّى١ إليه، فكذلك ههنا.
[علة تعدي أفعال الظن إلى مفعولين]
فإن قيل: فَلِمَ تعدّت إلى مفعولين؟ قيل: لأنَّها لما كانت تدخل على المبتدأ والخبر بعد استغنائها بالفاعل، وكل واحد من المبتدأ والخبر، لا بد له من الآخر، وجب أن تتعدى إليهما.
[خلافهم في جواز اقتصار هذه الأفعال على الفاعل]
فإن قيل: فهل يجوز الاقتصار فيها على الفعل والفاعل؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب البعض٢ إلى أنه يجوز، واستدل عليه بالمثل السائر، وهو قولهم: "من يَسْمَع يَخَل"، فاقتصر على "يَخل" وفيه ضمير الفاعل٣. وذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز، واستدل على ذلك من وجهين:
أحدهما: أنَّ هذه الأفعال، تجاب بما يُجاب به القسم؛ كقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ ٤ فكما لا يجوز الاقتصار على القسم دون المقسم عليه؛ فكذلك لا يجوز الاقتصار على هذه الأفعال مع فاعليها دون مفعوليها.
والثاني: أنَّا نعلم أن العاقل لا يخلو من ظن أو علم أوشك، فإذ قلت: ظننت، أو علمت، أو حسبت، لم تكن فيه فائدة، لأنه لا يَخلو٥ عن ذلك.
[عدم جواز استغناء هذه الأفعال على أحد مفعوليها وعلة ذلك]
فإن قيل: فهل يجوز الاقتصار على أحد المفعولين؟ قيل: لا يجوز؛ لأن
стр. 113
هذه الأفعال داخلة على المبتدأ والخبر، وكما١ أن المبتدأ، لا بد له من الخبر, والخبر لا بد له من المبتدأ، فكذلك لا بد لأحد المفعولين من الآخر.
[وجوب إعمال هذه الأفعال حال تقدمها وجواز إلغائها عند توسطها وتأخرها]
فإن قيل: فَلِمَ وجب إعمال هذه الأفعال إذا تقدمت، وجاز إلغاؤها إذا توسطت وتأخرت؟ قيل: إنما وجب إعمالها إذا تقدمت لوجهين:
أحدهما: أنها إذا تقدمت، فقد وقعت في أعلى مراتبها؛ فوجب إعمالها، ولم يجز إلغاؤها.
والثاني: أنها إذا تقدمت، دل ذلك على قوة العناية /بها/٢؛ وإلغاؤها يدل على اطِّراحها، وقلة الاهتمام بها؛ فلذلك، لم يجز إلغاؤها مع التقديم؛ لأن الشيء لا يكون معنيًّا به مُطَّرحًا؛ وأما إذا توسطت أو تأخرت، فإنما جاز إلغاؤها؛ لأن هذه الأفعال لما كانت ضعيفة في العمل، وقد مر صدر الكلام على اليقين، لم يغير الكلام عما اعتمد عليه، وجعلت /في/٣ تعلقها بما قبلها بمنزلة الظرف، فإذا قال: "زيد منطلق ظننت" فكأنه قال: "زيد منطلق في ظني" وكما٤ أن قولك: "في ظني" لا يعمل في ما قبله، فكذلك ما نزل بمنزلته. وأما من أعملها إذا تأخرت٥، فجعلها٦ متقدمة في التقدير، وإن كانت متأخرة في اللفظ مجازًا وتوسعًا؛ غير أن الإعمال مع التوسط أحسن من الإعمال مع التأخر، وذلك؛ لأنها إذا توسطت، كانت متقدمة من وجه، /و/٧ متأخرة من وجه؛ لأنها متأخرة عن أحد الجزأين، متقدمة على الآخر، ولا يتم أحد الجزأين إلا بصاحبه، فكانت متقدمة من وجه، ومتأخرة من وجه، فحسن إعمالها، كما حَسُنَ إلغاؤها؛ وإذا تأخرت عن الجزأين جميعًا، كانت متأخرة من كل وجه، فكان إلغاؤها أَحْسَنَ من إعمالها؛ لتأخرها، وضعف عملها؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.
стр. 114
الباب الحادي والعشرون: باب الإغراء
[علة قيام بعض الظروف والحروف مقام الفعل]
إن قال قائل: لِمَ أقيم بعض الظروف والحروف مُقام الفعل؟ قيل: طلبًا للتخفيف؛ لأن الأسماء، والحروف أخف من الأفعال، فاستعملوها١ بدلاً عنها طلبًا للتخفيف.
فإن قيل: فَلِمَ كثر في "عليك وعندك ودونك" خاصة؟ قيل: لأن الفعل إنما يضمر إذا كان عليه دليل من مشاهدة حال، أو غير ذلك، فلما٢ كانت "على" للاستعلاء، والمستعلي يُشاهد من تحته، و"عند" للحضرة، ومن بحضرتك تشاهده، و"دون" للقرب، ومن بقربك٣ تشاهده؛ فصار٤ هذا بمنزلة مشاهدة حال تدل عليه، فلهذا أقيمت مُقامَ الفعل.
[علة كون الإغراء للمخاطب دون الغائب والمتكلم]
فإن قيل: فَلِمَ خُصَّ به المخاطب دون الغائب والمتكلم؟ قيل: لأن المخاطب يقع الأمر له بالفعل من غير لام الأمر؛ نحو: قم، واذهب؛ فلا يفتقر إلى لام الأمر، وأما الغائب والمتكلم فلا يقع الأمر لهما إلا باللام؛ نحو: "ليقم زيد، ولأقم معه" فيفتقر إلى لام الأمر؛ فلما أقاموها مقام الفعل؛ كرهوا أن يستعملوها للغائب والمتكلم؛ لأنها تصير قائمة مقام شيئين؛ اللام والفعل، ولم يكرهوا ذلك في المخاطب؛ لأنها تقوم مقام شيء واحد، وهو الفعل؛ وأما قوله ﵇: "ومن لم يستطع /منكم/٥ الباءة فعليه بالصوم٦، فإنه له
стр. 115
الباب الحادي والعشرون: باب الإغراء
[علة قيام بعض الظروف والحروف مقام الفعل]
إن قال قائل: لِمَ أقيم بعض الظروف والحروف مُقام الفعل؟ قيل: طلبًا للتخفيف؛ لأن الأسماء، والحروف أخف من الأفعال، فاستعملوها١ بدلاً عنها طلبًا للتخفيف.
فإن قيل: فَلِمَ كثر في "عليك وعندك ودونك" خاصة؟ قيل: لأن الفعل إنما يضمر إذا كان عليه دليل من مشاهدة حال، أو غير ذلك، فلما٢ كانت "على" للاستعلاء، والمستعلي يُشاهد من تحته، و"عند" للحضرة، ومن بحضرتك تشاهده، و"دون" للقرب، ومن بقربك٣ تشاهده؛ فصار٤ هذا بمنزلة مشاهدة حال تدل عليه، فلهذا أقيمت مُقامَ الفعل.
[علة كون الإغراء للمخاطب دون الغائب والمتكلم]
فإن قيل: فَلِمَ خُصَّ به المخاطب دون الغائب والمتكلم؟ قيل: لأن المخاطب يقع الأمر له بالفعل من غير لام الأمر؛ نحو: قم، واذهب؛ فلا يفتقر إلى لام الأمر، وأما الغائب والمتكلم فلا يقع الأمر لهما إلا باللام؛ نحو: "ليقم زيد، ولأقم معه" فيفتقر إلى لام الأمر؛ فلما أقاموها مقام الفعل؛ كرهوا أن يستعملوها للغائب والمتكلم؛ لأنها تصير قائمة مقام شيئين؛ اللام والفعل، ولم يكرهوا ذلك في المخاطب؛ لأنها تقوم مقام شيء واحد، وهو الفعل؛ وأما قوله ﵇: "ومن لم يستطع /منكم/٥ الباءة فعليه بالصوم٦، فإنه له
стр. 116
الفعل، ولم يظهر لدلالة ما تقدم عليه من قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ ١ الآية٢.
لأن في ذلك دلالة على أن ذلك مكتوب٣ عليهم، فنصب "كتاب /الله/"٤ على المصدر؛ كقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ﴾ ٥ فنصب: "صنع الله" على المصدر بفعل مقدر، دل عليه ما قبله٦؛ /ونحو ذلك قول/٧ الشاعر٨: [الطويل]
دَأَبْتُ إلى أن ينبت الظّل بَعْدَمَا ... تَقَاصَر حتّى كَادَ في الآلِ يَمْصَحُ
وَجيفَ المطايا، ثُمّ قُلتُ لِصُحْبَتِي ... وَلَمْ ينزلوا: أبردتم فتروّحوا٩
فنصب "وجيف" بفعل دلّ عليه ما تقدم. وأما البيت الذي أنشدوه، فلا حُجَّة /لهم/١٠ فيه من وجهين:
أحدهما: أن قوله "دلوي دونكا" في موضع رفع؛ لأنه خبر مبتدأ مقدر؛ والتقدير فيه؛ هذا دلوي دونكا، والثاني: أنّا نسلم أنه في موضع
стр. 117
نصب، /و/١ لكن بإضمار فعل؛ والتقدير فيه: "خذ دلوي دونك" ودونك تفسير لذلك /الفعل المقدر/٢؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.
стр. 118
الباب الثاني والعشرون: باب التحذير
[علة التكرار في التحذير]
إن قال قائل: ما وجه التكرير إذا أرادوا التحذير في نحو قولهم: "الأسد الأسد"؟ قيل: لأنهم أرادوا أن يجعلوا أحد الاسمين قائمًا مُقام الفعل الذي هو "احذر" ولهذا، إذا كرَّروا، لم يجز إظهار الفعل، وإذا حذفوا أحد الاسمين؛ جاز إظهار الفعل؛ فدل على أن أحد الاسمين قائم مقام الفعل.
[الاسم الأول يقوم مقام الفعل]
فإن قيل: فأيّ الاسمين أولى بأن يقوم مقام الفعل؟ قيل: أولى الاسمين بأن يقوم مقام الفعل هو الأول؛ لأن الفعل يجب أن يكون مقدّمًا على الاسم الثاني؛ لأنه مفعول، فكذلك الاسم الذي يقوم مقام الفعل، ينبغي أن يكون مقدَّمًا.
[علة انتصاب الاسم في التحذير]
فإن قيل: فَلِمَ انتصب قولهم: "إياكَ والشرَّ" قيل: لأن التقدير فيه: ("إياك احذر" فإياك: منصوب باحذر، والشر معطوف عليه، وقيل: أصله) ١: "إياك٢ احذر من الشر" فموضع الجار والمجرور النصب، فلما حذف حرف الجرِّ٣، صار النصب في ما بعده.
[علَّة تقدير الفعل بعد إياك]
فإن قيل: فَلِمَ قدروا الفعل بعد "إياك" ولم يقدروه قبله؟ قيل: لأن "إياك"
стр. 119
ضمير المنصوب المنفصل، فلا١ يجوز أن يقع الفعل قبله؛ لأنك لو أتيت به قبله؛ لم يجز أن تأتي به بلفظه؛ لأنك تقدر على ضمير المنصوب المتصل؛ وهو الكاف؛ ألا ترى أنك لو قلت: "ضربت إياك" لم يجز؟ لأنك تقدر على أن تقول: "ضربتك"؛ فأما قول الشاعر٢: [الرجز]
إليكَ حتّى بَلَغَتْ إيَّاكَا
فشاذٌ، لا يقاس عليه.
[علة عدم استعمال الفعل مع إياك]
فإن قيل: فَلِمَ لم يستعملوا لفظ الفعل مع "إياك" كما استعملوه٣ مع غيره؟ قيل: إنما خصت "إياك" بهذا؛ ٤ لأنها لا تكون إلا في موضع نصب؛ لأنها ضمير المنصوب المنفصل، فصارت٥ بنية لفظه، تدل على كونه مفعولاً، فلم يستعملوا معه لفظ الفعل، بخلاف غيره من الأسماء؛ فإنه يجوز أن يقع مرفوعًا، ومنصوبًا، ومجرورًا، إذ ليس في بنية لفظه ما يدل على كونه مفعولاً، فاستعملوا معه لفظ الفعل؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.
стр. 120
الباب الثالث والعشرون: باب المصدر
[علَّة انتصاب المصدر]
إن قال قائل: لِمَ كان المصدر منصوبًا؟ قيل: لوقوع الفعل عليه؛ وهو المفعول المطلق.
[اشتقاق الفعل من المصدر أو العكس وخلافهم في ذلك]
فإن قيل: هل الفعل مشتق من المصدر، أو المصدر مشتق من الفعل؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب البصريون إلى أن الفعل مشتق من المصدر، واستدلوا على ذلك من سبعة أوجه:
[أدلة البصريين في كون الفعل مشتق من المصدر]
الوجه الأول: أنه يُسمَّى مصدرًا؛ والمصدر هو الموضع الذي تصدر عنه الإبل؛ فلَمَّا سُمّي مصدرًا؛ دل على أنه قد صدر عنه الفعل.
والوجه الثاني: أن المصدر يدل على زمان مطلق؛ والفعل يدل على زمان معين، فكما١ أن المطلق أصل للمقيد، فكذلك المصدر أصل للفعل.
والوجه الثالث: أن الفعل يدلّ على شيئين؛ والمصدر يدل على شيء واحد، قبل الاثنين؛ فكذلك يجب أن يكون المصدر قبل الفعل.
والوجه الرّابع: أن المصدر اسم، وهو يستغني عن الفعل، والفعل لا بد له من الاسم، وما يكون مفتقرًا إلى غيره، ولا يقوم بنفسه، أولى بأن يكون فرعًا مما لا يكون مفتقرًا إلى غيره.
والوجه الخامس: أن المصدر لو كان مشتقًّا من الفعل؛ لوجب أن يدلَّ على ما في الفعل من الحدث والزمان ومعنى ثالث، كما دلت أسماء الفاعلين
стр. 121
والمفعولين على الحدث، وعلى ذات الفاعل، والمفعول به، فلمّا لم يكن المصدر كذلك؛ دلّ على أنه ليس مشتقًّا من الفعل.
والوجه السادس: أن المصدر لو كان مشتقًّا من الفعل؛ لوجب أن يجري على سنن واحد، ولم يختلف، كما لم تختلف أسماء الفاعلين والمفعولين؛ فلمّا اختلف المصدر اختلاف سائر الأجناس؛ دلّ على أن الفعل مشتق منه.
والوجه السابع: أن الفعل يتضمّن المصدر، والمصدر لا يتضمّن الفعل، ألا ترى أن "ضَرَبَ" يدل على ما يدل عليه "الضَّرْب"؛ و"الضَّرْب" لا يدل على ما يدل عليه "ضَرَبَ"١ وإذا كان كذلك؛ دل على أن المصدر أصل، والفعل فرع /عليه/٢، وصار هذا كما نقول في الأواني المصوغة من الفِضَّة؛ فإنها فرع عليها، ومأخوذة منها؛ وفيها زيادة ليست في الفضة، فدل على أن الفعل مأخوذ من المصدر، كما كانت الأواني مأخوذة من الفضة.
[أدّلة الكوفيين في كون المصدر مأخوذ من الفعل]
وأما الكوفيون فذهبوا إلى أن المصدر مأخوذ من الفعل، واستدلوا على ذلك من ثلاثة أوجه:
/ الوجه /٣ الأول: أن المصدر يعتل لاعتلال٤ الفعل، ويصح لصحته؛ تقول: "قمت قيامًا" فيعتل المصدر لاعتلال الفعل، وتقول: "قاوم قوامًا" فيصح المصدر لصحة الفعل؛ فدل على أنه فرع عليه.
والوجه الثاني: أن الفعل يعمل في المصدر، ولا شك أن رتبة العامل قبل رتبة المعمول.
والوجه الثالث: أن المصدر يذكر توكيدًا للفعل، ولا شك أن رتبة المؤكَّد قبل رتبة المؤكِّد؛ فدل على أن المصدر مأخوذ من الفعل.
[تفنيد مزاعم الكوفيين]
والصحيح: ما ذهب إليه البصريون، وأما٥ ما استدل به الكوفيون ففاسد. أما قولهم: إنه يَصِحّ لِصِحَّةِ الفعل، ويعتل لاعتلاله؛ فنقول: إنما صح لصحته، واعتل لاعتلاله، طلبًا للتشاكل؛ ليجري الباب على سنن واحد؛
стр. 122
لئلا تختلف طرق تصاريف الكلمة، وهذا لا يدل على الأصل والفرع، ألا ترى أنهم قالوا: "يَعِدُ" والأصل /فيه/١: "يَوْعِدُ" فحذفوا الواو؛ لوقوعها بين ياء وكسرة، وقالوا: "أَعِدُ، ونَعِدُ، وتَعِدُ" فحذفوا الواو -وإن لم تقع بين ياء وكسرة حملاً على "يَعِدُ" لئلا تختلف طرق تصاريف الكلمة، وكذلك قالوا: "أُكْرِمُ" والأصل فيه "أُأَكْرِمُ" إلا أنهم حذفوا إحدى الهمزتين استثقالاً لاجتماعهما، ثم قالو: "يُكرم، وتُكرم، ونُكرم" فحذفوا الهمزة، وإن لم تجتمع٢ همزتان حملاً على "أكرم" ليجري الباب على سنن واحد؟ فكذلك٣ ههنا. وأما قولهم: إن الفعل يعمل في المصدر، فنقول: هذا لا يدل على أنه أصل له، فإنَّاأجمعنا على أن الحروف تعمل في الأسماء، والأفعال، ولا شك أن الحروف ليست أصلاً للأسماء، والأفعال؛ فكذلك ههنا. وأما قولهم: إن المصدر يذكر تأكيدًا للفعل، فنقول: هذا لا يدل على أنه فرع عليه، ألا ترى أنك تقول: "جاءني زيد /زيد/٤، ورأيت زيدًا زيدًا" ولا يدل هذا على أن زيدًا الثاني فرع على الأول؛ فكذلك ههنا، وقد بيّنا هذا مستوفىً في المسائل الخلافيّة٥.
[علة انتصاب أفعل المضاف إلى المصدر]
فإن قيل: فَلِمَ٦ كان قولهم: "سرت أشد السير" منصوبًا على المصدر؟ قيل: لأن "أفعل" لا يضاف إلا إلى ما هو بعض له، وقد أضيف إلى المصدر الذي هو السير، فلما أضيف إلى المصدر، كان مصدرًا؛ فانتصب انتصاب المصادر كلها.
[انتصاب المصدر القرفصاء ونحوه]
فإن قيل: فعلى ماذا ينتصب قولهم: "قَعَدَ القُرفصاءَ" ونحوه؟ قيل: ينتصب على المصدر بالفعل الذي /هو/٧ قبله؛ لأن القرفصاء لما كانت نوعًا من القعود، والفعل الذي هو "قعد" يتعدى إلى جنس القعود الذي يشتمل على القرفصاء؛ وغيرها؛ تعدّى إلى القرفصاء الذي هو٨ نوع منه؛ لأنه إذا عمل في
стр. 123
الجنس، عمل في النَّوع، إذا كان داخلاً تحته؛ هذا مذهب سيبويه، وذهب أبو بكر بن السَّرَّاج إلى أنه صفة لمصدر /موصوف/١ محذوف؛ والتقدير فيه: "قَعَدَ القعدةَ القرفصاء" إلا أنه حذف الموصوف، وأقام الصفة مقامه؛ والذي عليه الأكثرون مذهب سيبويه؛ لأنه لا يفتقر إلى تقدير موصوف، (وما ذهب إليه ابن السَّراج يفتقر إلى تقدير موصوف) ٢، وما لا يفتقر إلى تقدير /موصوف/٣ أولى مما يفتقر إلى تقدير /موصوف/٣، فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.
стр. 124
الباب الرابع والعشرون: باب المفعول فيه
[تعريف المفعول فيه]
إن قال قائل: ما المفعول فيه؟ قيل: هو الظرف، وهو كلُ اسم من أسماء المكان، أو الزمان، يُراد فيه معنى "في" /و/١ ذلك نحو: "صمت اليوم، وقمت الليلة، وجلست مكانك" والتقدير فيه: "صمت في اليوم، وقمت في الليلة، وجلست في مكانك" وما أشبه ذلك.
[علة تسمية المفعول فيه ظرفًا]
فإن قيل: فَلِمَ سُمّي ظرفًا؟ قيل: لأنه لما كان محلاً للأفعال، سُمّي ظرفًا، تشبيهًا بالأواني التي تحلُ الأشياء فيها؛ ولهذا، سَمَّى الكوفيُون الظروف "محالّ"؛ لحلول الأشياء٢ فيها.
[علّة عدم بناء الظُروف]
فإن قيل: فلِمَ ٣ لم يبنوا الظروف لتضمنها معنى الحرف؟ قيل: لأن الظروف وإن نابت عن الحرف، إلا أنها لم تتضمن معناه، والذي يدل على ذلك، أنه يجوز إظهاره مع لفظها، ولو كانت متضمنة للحرف، لم يجز إظهاره، ألا ترى أن "متى، وأين، وكيف" لَمّا تضمنت معنى همزة الاستفهام؛ لم يجز إظهار الهمزة معها؟ فلمّا جاز إظهاره ههنا؛ دل على أنها لم تتضمن معناه، وإذا لم تتضمن معناه؛ وجب أن تكون مُعربة على أصلها.
[علة تعدي الفعل اللازم إلى جميع ظروف الزمان دون المكان]
فإن قيل: فلِمَ تعدّى الفعل اللازم إلى جميع ظروف الزمان، ولم يتعدَّ إلى
стр. 125
جميع ظروف المكان؟ قيل: لأن الفعل يدُل على جميع ظروف الزمان بصيغته، كما يدلُّ على/ جميع/ ١ ضروب المصادر، وكما أن الفعل يتعدّى إلى جميع ضروب المصادر، فكذلك يتعدَّى إلى جميع ظروف الزمان، وأما ظروف المكان، فلم يدل عليها الفعل بصيغته، ألا ترى أنك إذا قلت: ضرب، أو سيضرب، لم يدل على مكانٍ دون مكان، كما يكون فيه٢ دلالة على زمان دون زمان، فلمّا لم يدل الفعل على ظروف المكان بصيغته؛ صار الفعل اللازم منه بمنزلته من زيد وعمرو، وكما أن الفعل اللازم، لا يتعدَّى بنفسه إلى زيد وعمرو، فكذلك لا يتعدَّى إلى ظروف ٣ المكان.
[علة تعدي اللازم إلى الجهات الست ونحوها]
فإن قيل: فلِمَ تعدي إلى الجهات الست، ونحوها من ظروف المكان؟ قيل: لأنها أشبهت ظروف الزمان من وجهين:
أحدهما: أنها مبهمة غير محدودة، وكان هذا اللفظ مشتملاً على جميع ما يقابل ظهره ٤ إلى أن تنقطع الأرض؟ (كما أنك إذا قلت: "أمامَ زيد" كان أيضًا غير محدود، وكان هذا اللفظ مشتملاً على جميع ما يقابل وجهه إلى أن تنقطع الأرض) ٥، كما أنك إذا قلت: "قام" دل على كل زمان ماضٍ من أول ما خلق الله الدُنيا إلى وقت حديثك، وإذا ٦ قلت: "يقوم" دلّ على كل زمان مستقبل.
والوجه الثاني: أن هذه الظروف لا تتقدّر على وجه واحدٍ، لأن فوقًا يصير تحتًا، وتحتًا يصير فوقًا، كما أن الزمان المستقبل يصير حاضرًا، الحاضر يصير ماضيًا، فلما أشبهت ظروف الزمان، تعدي الفعل إليها، كما يتعدّى إلى ظروف الزمان.
[حذف حرف الجرّ اتساعًا]
فإن قيل: فكيف قالوا: "زيد منِّي معقِدَ الإزار، ومقْعَدَ القابلة، ومَنَاطَ الثُّريَّا، وهما خطان جانبي أنفها" يعني الخطين اللذين يكتنفان أنف الظَّبية، وهي
стр. 126
كلها مخطوطة ١؟ قيل: الأصل فيها كلها أن تُستعمل بحرف الجر، إلا أنهم حذفوا حرف الجر في هذه المواضع اتساعًا؛ كقول الشاعر٢: [الكامل]
فلأبغينَّكم قنًا وعوارضًا ... ولأُقبلَنَّ الخيل لابةَ ضرغد٣
وقال الآخر٤: [الكامل]
لَدْنٌ بهزِّ الكَفِّ يعسلُ متْنُه ... فيه كَمَا عسل الطَّريقَ الثَّعْلَبُ٥
أراد في الطريق، ومن حقها أن تُحفظ ٦، ولا يُقاس عليها. فأما قولهم: دخلت البيت؛ فذهب أبو عمر الْجَرميُّ٧ إلى أنَّ "دخلت": فعل متعدٍ تعدَّى إلى البيت، فنصبه؛ كقولك: "بنيت البيت" وما أشبه ذلك. وذهب الأكثرون إلى أنَّ "دخلت": فعل لازم/ وقد/ ٨ كان الأصل فيه أن يُستعمل مع حرف الجرّ،
стр. 127
(إلا أنه حُذف حرف الجر) ١ اتِّساعًا على ما بيّنَّا؛ وهذا هو الصحيح، والذي يدلُ على أنَّ "دخلت" فعل لازم من وجهين:
أحدهما: أن مصدره/ يجيء/ ٢ على "فُعُول" وهو من مصادر الأفعال اللازمة، كقعد قعودًا، وجلس جلوسًا، وأشباه ذلك.
والثاني: /أنَّ/٣ نظيره فعل لازم، وهو "غرت" ونقيضه فعل لازم، وهو "خرجت" فيقتضي أن يكون لازمًا (حملاً على نظيره) ٤، ونقيضه؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.
стр. 128
الباب الخامس والعشرون: باب المفعول معه
[عامل النصب في المفعول معه وخلافهم في ذلك]
إن قال قائل: ما العامل للنصب١ في المفعول معه؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب البصريون إلى أن العامل فيه هو الفعل، وذلك؛ لأن الأصل في/ نحو/٢ قولهم: "استوى الماءُ والخشبة" أي: مع الخشبة، إلا أنهم أقاموا الواو مُقام "مع" توسعًا في كلامهم؛ فقوي الفعل بالواو، فتعدّى إلى الاسم٣ فنصبه، كما قوي بالهمزة في قولك: "أخرجت٤ زيدًا"، ونظير هذا نصبهم الاسم في باب الاستثناء بالفعل المتقدم بتقوية "إلا" نحو: "قام القوم إلا زيدًا" فكذلك -ههنا- المفعول معه منصوب بالفعل المتقدم بتقوية الواو. وذهب الكوفيون إلى أن المفعول معه منصوب على الخلاف، وذلك؛ لأنه إذا قال استوى الماءُ والخشبة لا يحسن تكرار٥ الفعل، فيقال: "استوى الماء، واستوت الخشبة"؛ لأن الخشبة لم تكن معوجّة حتى تستوى٦، فلما لم يحسن تكرير الفعل، كما يحسن في "جاء زيد وعمرو" فقد خالف الثاني الأول، فانتصب على الخلاف. وذهب أبو إسحاق الزَّجاج إلى أنه منصوب بعاملٍ مُقدر؛ والتقدير فيه: "استوى الماءُ، ولابسَ الخشبة"؛ وزعم أن الفعل لا يعمل في المفعول، وبينهما الواو. والصحيح: هو الأول؛ وأما قول الكوفيين: إنه منصوب على الخلاف؛ لأنه لا يحسن تكرير الفعل؛ فقلنا ٧: هذا هو الموجب؛ لكون الواو غير عاملة، وأن الفعل هو العامل بتقويتها لا بنفس المخالفة، ولو جاز أن يقال مثل ذلك؛ لجاز أن
стр. 129
يقال: إن "زيدًا" في قولك: "ضربت زيدًا" منصوب؛ لكونه مفعولاً لا بالفعل، وذلك محال؛ لأن كونه مفعولاً..١ يوجب أن يكون: "ضربت" هو العامل فيه النَّصب، فكذلك ههنا. وأما قول الزَّجَّاج٢: إنه٣ ينتصب بتقدير عامل؛ لأن الفعل لا يعمل في المفعول وبينهما الواو، فليس بصحيح أيضًا؛ لأنَّ الفعل يعمل في المفعول على الوجه الذي يتصل به المفعول، فإن كان الفعل لا يفتقر إلى تقوية تعدَّى إلى المفعول بنفسه، وإن كان يفتقر إلى تقوية بحرف الجر، أو غيره، عمل بتوسُطه، ألا ترى أنك تقول: "أكرمت زيدًا وعمرًا" فتنصب "عمرًا" بـ "أكرمت" كما تنصب "زيدًا" به، فلم تمنع ٤ الواو من وقوع "أكرمت" على ما بعدها، فكذلك ههنا.
[علة حذف مع وإقامة الواو مُقامها]
فإن قيل: لِمَ حذفت "مع" وأُقيمت "الواو" مقامها. قيل: حُذفت "مع" وأُقيمت "الواو" مُقامها، توسعًا في كلامهم، /و/٥ طلبًا للتخفيف والاختصار.
[علة كون الواو أولى من غيرها من الحروف في النيابة]
فإن قيل: فَلِمَ كانت "الواو" أولى من غيرها /من الحروف/٦؟ قيل: إنما كانت /الواو/٧ أولى من غيرها؛ لأن "الواو" في معنى "مع" ولأن معنى "مع" المصاحبة، ومعنى "الواو" الجمع، فلما كانت في معنى "مع" كانت أولى من غيرها.
[علة عدم تقدم المنصوب على الناصب في المفعول معه]
فإن قيل: فهل يجوز تقديم المنصوب -ههنا- على الناصب؟ قيل: لا يجوز ذلك؛ لأن حكم "الواو" ألا تتقدم على ما قبلها، وهذا الباب من النحويين/مَنْ/٨ يُجري فيه القياس، ومنهم من يقصره على السَّماع، والأكثرون على القول الأوّل؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.
стр. 130
الباب السادس والعشرون: باب المفعول له
[عامل النصب في المفعول له]
إن قال قائل: ما العاملُ في المفعول له النَّصب؟ قيل: العامل في المفعول له، الفعلُ الذي قبله؛ نحو: "جئتك طمعًا في بِرِّك، وقصدتك ابتغاء١ معروفك" وكان الأصل فيه: "جئتك للطمع ٢ في بِرِّك، وقصدتك للابتغاء في معروفك"٣، إلا أنه حذف اللام، فاتصل الفعل به، فنصبه.
[عِلَّة تعدِّي الفعل اللازم إلى المفعول له]
فإن قيل: فَلِمَ تعدَّى إليه الفعل اللازم كالمتعدي؟ قيل: لأن العاقل لَمّا كان لا يفعل شيئًا إلا لِعِلّة؛ وهي٤ علة للفعل، وعذر لوقوعه؛ كان في الفعل دلالة عليه، فلمّا كان/ فيه/٥ دلالة عليه؛ تعدَّى إليه.
[جواز كون المفعول له معرفة أو نكرة]
فإن قيل: فهل يجوز أن يكون معرفة ونكرة؟ قيل: نعم، يجوز أن يكون معرفة ونكرةً؛ والدليل على ذلك، قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ ٦، فـ "ابتغاء مرضاة الله" معرفة بالإضافة، و"تثبيتًا" نكرة؛ قال الشاعر٧: [الطويل]
وأَغفِرُ عَوْرَاء الكريم ادِّخَارَهُ ... وأُعْرِضُ عن شَتمِ اللَّئِيمِ تَكَرُّمَا٨
стр. 131
"فادِّخاره" معرفة بالإضافة، و"تَكَرُّما" نكرة؛ وقال الآخر١: [الرجز]
يركبُ كل عاقرٍ جمهور
مَخَافَةً وزعل المحبور٢
والهول من تهول الهبور٣
وذهب أبو عمر الْجَرَمِيُّ إلى أنه لا يجوز أن يكون إلا نكرةً، وتقدرُ بالإضافة٤ في هذه المواضع في نية الانفصال، فلا يكتسبُ التعريف من المضاف إليه؛ كقولهم: "مررت برجل ضارب زيدًا غدًا"، قال الله تعالى: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ ٥ وقال الشاعر٦: [الكامل]
سلِّ الهمومَ بكل مُعطِي رَأْسِه ... ناجٍ مُخَالط صَهبة مُتعيِّس٧
والذي عليه الجمهور، والمذهب المشهور هو الأول، والذي ادَّعاه
стр. 132
الجرميُّ من كون الإضافة في نية الانفصال، يفتقر إلى دليل، ثم لو صح هذا في الإضافة، فكيف يصح له مع لام التعريف في قول الشاعر١: [الرَّجز]
"والهولَ من تهوُّل الهبور"، وأشباهه؟
فإن قيل: فهل يجوز تقديم المنصوب -ههنا- على الناصب؟ قيل: /نعم/٢، يجوز ذلك؛ لأن العامل فيه يتصرَّفُ، ولم يوجد ما يمنع من جواز تقديمه، كما وجد في المفعول معه، فكان جائزًا على الأصل؛ وهذا الباب إنما يُتَرْجِمَهُ٣ البصريون، وأما الكوفيون فلا يترجمونه، ويجعلونه من باب المصدر، فلا يفردون له بابًا؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.
стр. 133
الباب السابع والعشرون: باب الحال
[تعريف الحال]
إن قال قائل: ما الحال؟ قيل: هيئة الفاعل/أ/١ والمفعول، ألا ترى أنك إذا قلت: "جائني زيد راكبًا" كان الركوب هيئة زيد عند وقوع المجيء منه، وإذا قلت: "ضربته مشدودًا"؛ كان الشَّدُّ هيئته عند وقوع الضرب له.
[مجيء الحال من الفاعل والمفعول معًا بلفظ واحد]
فإن قيل: فهل تقع الحال من الفاعل والمفعول معًا بلفظ واحد؟ قيل يجوز ذلك؛ والدليل عليه قول الشاعر٢:
تعلَّقت ليلي وهي ذات مؤصد؟ ... ولم يبدُ للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نَرْعَي البَهْمَ يا ليت أنَّنَا ... إلى اليوم لم نكبر ولم تكبرِ البَهْمُ٣
فنصب "صغيرين" على الحال من التاء في "تعلقت" وهي فاعلهُ، ومن "ليلى" وهي مفعوله؛ وقال الآخر٤:
متى ما تلقني فردين تَرجُفْ ... روانفُ أليتيكَ وتُسْتَطَارَا٥
стр. 134
فنصب "فردين" على الحال من ضمير الفاعل والمفعول في تلقني؛ وهذا كثير في كلامهم.
[عامل النصب في الحال]
فإن قيل: فما العامل في الحال النَّصب؟ قيل: ما قبلها من العامل، وهو١ على ضربين؛ فعل، ومعنى فعل؛ فإن كان فعلاً؛ نحو: "جاء زيد راكبًا"؛ جاز أن يتقدم الحال/ عليه/٢ نحو: "راكبًا جاء زيد"؛ لأن العامل/فيه/٣ لَمّا كان مُتصرِّفًا، تصرف عمله، فجاز تقديم معموله عليه؛ وإن كان العامل فيه معنى فعل نحو: "هذا زيد قائمًا" لم يجز تقديم الحال عليه، فلو قلت: "قائمًا هذا زيد" لم يجز؛ لأن معنى الفعل لا يتصرَّفُ تصرُّفَهُ؛ فلم يجز تقديم معموله عليه. وذهب الفرَّاء إلى أنه لا يجوز تقديم الحال على العامل/ في الحال/٤؛ سواء كان العامل فيه فعلاً، أو معنى فعل، وذلك؛ لأنه يؤدي إلى أن يتقدم المضمر على المظهر، فإنه إذا قال: "راكبًا جاء زيد" ففي "راكب" ضمير "زيد"، وقد تقدم عليه، وتقديم المضمر على المظهر لا يجوز؛ وهذا ليس بشيء؛ لأن "راكبًا" وإن كان مُقدمًا في اللفظ، إلا أنه مؤخر في المعنى في٥ التقدير، وإذا كان مُؤخرًا في التقدير؛ جاز في التقديم، قال الله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ ٦ فالهاء في "نفسه" عائدة إلى "موسى" إلا أنه لَمّا كان في تقدير التقديم، والهاء: في تقدير التأخير؛ جاز التقديم، وهذا كثير في كلامهم؛ فكذلك ههنا.
[علة عمل الفعل اللازم في الحال]
فإن قيل: فَلِمَ عمل الفعل اللازم في الحال؟ قيل: لأن الفاعل لَمّا كان لا يفعل الفعل إلا في حالةٍ، كان في الفعل دلالة على الحال، فتعدَّى إليها، كما تعدَّى إلى ظرف الزمان لَمّا كان في الفعل دلالة عليه.
стр. 135
فإن قيل: فَلِمَ١ وجب أن يكون٢ الحال نكرة؟ قيل: لأن الحال جرى٣ مجرى الصفة للفعل، ولهذا سماها سيبويه: نعتًا للفعل، والمراد بالفعل: المصدر الذي يدلُ الفعل عليه، وإن لم تذكره٤، ألا ترى أنَّ "جاء" يدل على "مجيء" وإذا قلت: "جاء راكبًا" دل على "مجيء" موصوف بركوب، فإذا كان الحال يجري مجرى الصفة للفعل -وهو نكرة- فكذلك وصفة يجب أن يكون نكرةً، وأما قولهم: "أرسلها العراكَ٥، وطلبته جهدك وطاقتك، ورجع عودَه على بدئه"٦ فهي مصادر، أُقيمت مُقام الحال؛ لأن التقدير "أرسلها تعترك٧، وطلبته تجتهد" و"تعترك" و"تجتهد" جملة من الفعل والفاعل في موضع الحال، كأنك قلت: "أرسلها معتركةٌ، وطلبته مجتهدًا" إلا أنه أضمر، وجعل المصدر دليلاً عليه، وهذا كثير في كلامهم. وذهب بعض النحويين إلى أن قولهم: "رجع عودَه على بدئه" منصوب؛ لأنه مفعول "رجع" لأنه يكون متعديًا، كما يكون لازمًا؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ ٨ فأعمل "رجع" في الكاف التي للخطاب، فقال: رَجَعَكَ/ الله/٩؛ فدل على أنه يكون مُتعديًا. ومما يدلُ على أن الحال لا يجوز أن يكون معرفةً أنها لا يجوز أن تقوم مُقام الفاعل في ما لم يُسمَّ فاعله؛ لأن الفاعل قد يُضمر، فيكون معرفةً، فلو جاز أن يكون الحال معرفةً؛ لما امتنع ذلك، كما لم يمتنع في ظرف الزمان والمكان، والجار والمجرور، والمصدر على ما بينا؛ فافهمه تصب، إن شاء الله تعالى.
стр. 136
الباب الثامن والعشرون: باب التمييز
[تعريف التمييز]
إن قال قائل: ما التمييز؟ قيل: تبيين النكرة المفسرة للمبهم.
[عامل النصب في التمييز]
فإن قيل: فما العامل فيه النَّصب؟ قيل: فعل، وغير فعل، فأما ما كان العامل فيه فعلاً؛ فنحو: "تصبَّبَ زيد عرقًا، وتفقأ الكبش شحمًا" فعرقًا وشحمًا، كل واحدٍ منهما انتصب١ بالفعل الذي قبله.
[خلافهم في تقديم هذا النوع على العامل فيه]
فإن قيل: فهل يجوز تقديم هذا النوع على العامل فيه؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب سيبويه إلى أنه لا يجوز تقديم هذا النوع على عامله وذلك؛ لأن المنصوب -ههنا- هو الفاعل في المعنى، ألا ترى أنك إذا قلت: "تصبب زيد عرقًا" كان الفعل للعرق في المعنى لا لزيد؟ فلما كان هو الفاعل في المعنى؛ لم يجز تقديمه، كما لو كان فاعلاً لفظًا؛ وذهب أبو عثمان المازنيّ وأبو العباس المبرد ومن وافقهما٢، إلى أنه يجوز تقديمه على العامل فيه، واستدلوا على ذلك بقول الشاعر٣: [الطويل]
أتهجرُ سَلمى بالفراقِ حبيبها ... وَمَا كَادَ نفسًا بالفراقِ تطيبُ
стр. 137
ولأن هذا العامل فعل متصرِّف؛ فجاز تقديم معموله عليه، كما جاز تقديم الحال على العامل فيها؛ نحو: "راكبًا جاء زيد"؛ لأنه/من/١ فعل متصرّف، فكذلك ههنا. والصحيح: ما ذهب إليه سيبويه، وأما ما استدل به المازني والمبرّد من البيت؛ فإن الرواية الصحيحة فيه:
وما كاد٢ نفسي بالفراقِ تطيب
وذلك لا حُجة/ لهم/٣ فيه، ولئن صحَّت تلك الرواية؛ فنقول: نصب "نفسًا" بفعل مقدر، كأنه قال: "أعني نفسًا". وأما قولهم: إنه فعل متصرف، فجاز تقديم معموله عليه، كالحال؛ قلنا: هذا العامل -وإن كان فعلاً متصرفًا- إلا أن هذا المنصوب هو الفاعل في المعنى، فلا يجوز تقديمه على ما بيّنَّا، وأما تقديم الحال على العامل فيها، فإنما جاز ذلك؛ لأنك إذا قلت: "جاء زيد راكبًا" كان "زيد" هو الفاعل لفظًا ومعنى، وإذا استوفى الفعل فاعله تنزل٤ "راكبًا" منزلة المفعول المحض، فجاز تقديمه كالمفعول؛ نحو: "عمرًا ضرب زيد" بخلاف التمييز، فإنك إذا قلت: "تصبب زيد عرقًا" لم يكن "زيد" هو الفاعل في المعنى، وكان الفاعل في المعنى هو "العرق" فلم يكن "عرقًا" في حكم المفعول من هذا الوجه؛ لأن الفعل قد استوفى فاعله لفظًا لا معنى، فلم يجز تقديمه، كما لا يجوز تقديم الفاعل.
[ما كان العامل فيه غير فعل]
وأما ما كان العامل فيه غير فعل؛ فنحو: "عندي عشرون رجلاً، وخمسة عشر درهمًا" وما أشبه ذلك، فالعامل فيه هو العدد؛ لأنه مُشبه بالصفة المشبّهة باسم الفاعل؛ نحو: "حسن وشديد" وما أشبه ذلك، ووجه المشابهة بينهما أن العدد يُوصَف به، كما يوصف بالصفة المشبهة باسم الفاعل، وإذا٥ كان في العدد نون نحو: "عشرون" أو تنوين مُقدر؛ نحو: "خمسةَ عشرَ" صار النون والتنوين مانعين من الإضافة؛ كالفاعل الذي يمنع المفعول من الرفع، فصار التمييز فضلةً كالمفعول، وكذلك٦ حكم ما كان منصوبًا على التمييز في ما كان
стр. 138
قبله حائل؛ نحو: "لي مثله غلامًا، ولله دره رجلاً" فإن الهاء منعت الاسم بعدها أن ينجر بإضافة ما قبلها إليه، كالفاعل الذي يمنع المفعول من الرفع، فنصب على التمييز لما ذكرناه.
[علة كون التمييز نكرة]
فإن قيل: فَلِمَ وجب أن يكون التمييز نكرة؟ قيل: لأنه يبين ما قبله، كما أن الحال يُبين ما قبله، ولَمّا١ أشبه الحال، وجب أن يكون نكرةً، كما أن الحال نكرة؛ فأما قول الشاعر٢: [الخفيف]
ولقد أَغْتَدِي وَمَا صَقَع الدِّيـ ... ـكُ على أَدْهَمَ أجشّ الصَّهيلا٣
وقال الآخر٤: [الوافر]
[ونأخذ بعده بذناب عيش] ... أَجَبَّ الظَّهرَ لَيسَ لَه سِنَامُ ٥
فبنصب "الصهيل، والظهر" والصحيح: أنه منصوب على التشبيه بالمفعول، كالضارب الرجل؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.
стр. 139
الباب التاسع والعشرون: باب الاستثناء
[معنى الاستثناء]
إن قال قائل: ما الاستثناء؟ قيل: إخراج بعضٍ من كل بمعنى إلا نحو: جاءني القوم إلا زيدًا.
[العامل في المستثنى الموجب النصب]
فإن قيل: فما العامل في المستثنى من الموجب النصب؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب البصريون إلى أن العامل هو الفعل بتوسط "إلا"، وذلك؛ لأن هذا الفعل، وإن كان لازمًا في الأصل، إلا أنه قوي بـ "إلا" فتعدى إلى المستثنى، كما تعدّى الفعل بالحروف المعدّية؛ ونظيره نصبهم الاسم في باب المفعول معه؛ نحو: "استوى الماء والخشبة" فإن الاسم منصوب بالفعل المتقدم بتقوية الواو؛ فكذلك ههنا. وذهب بعض النحويين إلى أن العامل هو "إلا" بمعنى "استثني" وهو قول الزَّجَّاج من البصريين. وذهب الفراء من الكوفيين إلى أن "إلا" مركبة من "إنَّ ولا" ثم خففت "إنَّ" وأدغمت في "لا" فهي تنصب في الإيجاب اعتبارًا بـ "إنَّ" وترفع في النفي اعتبارًا بـ "لا"؛ والصحيح: ما ذهب إليه البصريون١، وأما قول بعض النحويين والزجاج: إن العامل هو "إلا" بمعنى "أستثني"، ففاسد من خمسة أوجه:
الوجه الأول: أنه لو كان الأمر كما زعموا؛ لوجب ألَّا يجوز في المستثنى إلا النصب، ولا خلاف في جواز الرفع والجر في النفي على البدل في قولك٢: "ما جاءني أحدٌ إلا زيدٌ، وما مررت بأحدٍ إلا زيدٍ".
والوجه الثاني: أن هذا يؤدي إلى إعمال معاني الحروف، وإعمال معاني
стр. 140
الحروف لا يجوز، ألا ترى أنك تقول: "ما زيد قائمًا"، ولو قلت: "ما زيدٌ/ إلا/١ قائمًا" بمعنى٢: "نفيت زيدًا قائمًا" لم يجز ذلك؛ فكذلك ههنا.
والوجه الثالث: أنه يبطل بقولهم: "قام القوم غير زيد" فإن "غير" منصوب، فلا يخلو إمَّا أن يكون منصوبًا بتقدير "إلا"، وإمَّا أن يكون منصوبًا بنفسه، وإما أن يكون منصوبًا بالفعل الذي قبله؛ بطل أن يقال إنه منصوب بتقدير "إلا" لأنَّا لو قدرنا "إلا" لفسد المعنى؛ لأنهُ يصير التقدير فيه: "قام القوم إلا غير زيد" وهذا فاسد؛ وبطل/أيضًا/٣ أن يقال: إنه يعمل في نفسه؛ لأن الشيء لا يعمل في نفسه؛ فوجب أن يكون العامل/ فيه٤ هو الفعل المتقدم، وإنما جاز أن يعمل فيه، وإن كان لازمًا؛ لأن "غير" موضوعة على الإبهام /المفرط/٥، ألا ترى أنك تقول: "مررت برجل غيرك"، فيكون كلُ من عدا المخاطب داخلاً تحت "غير"؟ فلمَّا كان فيه هذا الإبهام المفرط، أشبه الظروف المبهمة؛ نحو: "خلف، وأمام، ووراء، وقُدَّام" وما أشبه ذلك؛ وكما أن الفعل يتعدّى إلى هذه الظُروف من غير واسطة، فكذلك ههنا.
والوجه الرابع: أنَّا نقول: لماذا قدَّرتم "أستثني زيدًا"، وهلا قدَّرتم "امتنع زيد" كما حكي عن أبي على الفارسي أنه كان مع عضد الدولة في الميدان، فسأله عضد الدولة عن المستثنى بماذا انتصب ٦؟ فقال أبو علي الفارسي٧:/ينتصب/٨ لأن التقدير: "أستثني زيدًا" فقال /له/٩ عضد الدولة، وهلا قدرت: امتنع/زيد/ ١٠ فرفعته؟ فقال له أبو علي: هذا الجواب الذي ذكرته لك / جواب/ ١١ ميداني، وإذا رجعنا، ذكرت لك الجواب الصحيح، إن شاء الله تعالى.
والوجه الخامس: أنَّا إذا أعملنا معنى "إلا" كان الكلام جملتين، وإذا
стр. 141
أعملنا الفعل بتقوية "إلَّا" كان الكلام جملة واحدةً، والكلام متى كان جملة واحدة، كان أولى من تقدير جملتين.
وأما قول الفراء /إنَّ/١ "إلا" مركبة من "إنَّ ولا" فدعوى تفتقر إلى دليل، ولو قدرنا ذلك، فنقول: الحرف إذا رُكب مع حرف آخر تغيَّر عما كان عليه في الأصل قبل التركيب، ألا ترى أن "لو" حرف يمتنع به ٢ الشيءُ؛ لامتناع غيره، فإذا رُكّب٣ مع "ما" تغير ذلك المعنى، وصارت بمعنى "هلَّا"؛ وكذلك -أيضًا- إذا رُكبت مع "لا"؛ كقوله٤: "لولا الكميَّ المقنَّعا"٥، وما أشبه ذلك؛ فكذلك ههنا.
[ارتفاع المستثنى في النفي]
فإن قيل: فبماذا يرتفع. المستثنى في النفي؟ قيل: يرتفع على البدل، ويجوز النصب على أصل الباب.
فإن قيل: فَلِمَ كان البدل أولى؟ قيل: لوجهين:
أحدهما: الموافقة للفظ، فإنه إذا كان المعنى واحدًا /فَكَون/٦ اللفظ موافقًا أولى؛ لأن اختلاف اللفظ يشعر باختلاف المعنى، وإذا اتفقا، كان موافقة اللفظ أولى.
والوجه الثاني: أن البدل يجري في تعلُق العامل به كمجراه لو ولِي العامل، والنصب في الاستثناء على التشبيه بالمفعول، فلما كان البدل أقوى في حكم العامل، كان الرفع أولى من النصب على ما بيّنَّا.
стр. 142
[علة جواز البدل في المستثنى المنفي]
فإن قيل: فَلِمَ جاز البدل في النفي، ولم يجز في الإيجاب؟ قيل: لأنَّ البدل في الإيجاب يؤدي إلى محال، وذلك لأن المبدل منه يجوز أن يقدر كأنَّه ليس في الكلام، فإذا قدرنا هذا في الإيجاب، صار محالاً؛ لأنه يصير التقدير: "جاءني إلا زيد" وصار١ المعنى: إن جميع الناس جاؤوني غير زيد، وهذا لا يستحيل في النفي، كما يستحيل في الإيجاب؛ لأنه يجوز ألا يجيئه أحد سوى زيد، فبان الفرق بينهما؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.
стр. 143
الباب الثلاثون: باب ما يُجرُّ به في الاستثناء
[علة إعراب "غير" إعراب الاسم بعد إلا]
إن قال قائل: لم أُعربت "غير" إعراب الاسم الواقع بعد "إلا" دون "سوى وسواء"؟
قيل: لأن "غير" لَمّا أُقيمت -ههنا- مُقام "إلا" وكان مابعدها مجرورًا بالإضافة، ولا بدَّ لها في نفسها من إعراب، أُعرِبت إعرابَ الاسم الواقع بعد "إلا" ليدل بذلك على ما كان يستحق الاسم الذي بعد "إلا" من الإعراب، ويبقى حكم الاستثناء، وأما "سوى، وسواء" فلزمهما النصب؛ لأنهما لا يكونان (إلا ظرفين، فلم يجز نقل الإعراب إليهما، كما جاز في "غير" لأن ذلك يؤدي إلى تمكنهما، وهما لا يكونان متمكنين) ١ فلذلك، لم يجز أن يُعربا إعراب الاسم الواقع بعد "إلا" وأما "حاشا" فاختلف النحويون فيها٢؛ فذهب سيبويه ومن تابعه من البصريين إلى أنه حرف جر، وليس بفعل، والدليل على ذلك: أنه لو كان فعلاً؛ لجاز أن تدخل٣ عليه "ما" كما /يجوز أن/٤ تدخل على الأفعال؛ فيقال: "ما حاشا زيدًا" كما يقال: "ما خلا زيدًا" فلما لم يقل، دل على أنه ليس بفعل، فوجب أن يكون حرفًا. وذهب الكوفيون: إلى أنه فعل، ووافقهم أبو العباس المبرد من البصريين، واستدلوا على ذلك من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أنَّه يتصرف، والتَّصرف من خصائص الأفعال؛ قال النَّابغة٥: [البسيط]
ولا أرى فاعلاً في الناس يُشبِهُهُ ... وما أُحاشي مِنَ الأقوام مِنْ أَحدِ٦
стр. 144
فإذا ثبت أن يكون متصرفًا؛ وجب أن يكون فعلاً.
والوجه الثاني: أنه يدخله الحذف، والحذف إنما يكون في الفعل لا في الحرف، ألا ترى أنهم قالوا في حاشا لله: حاشَ لله؛ ولهذا، قرأ أكثر القرَّاء بإسقاط الألف: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ ١.
والوجه الثالث: أنَّ لام الجر يتعلق به في قولهم: "حاشا الله" وحرف الجر إنما يتعلق بالفعل لا بالحرف؛ لأن الحرف لا يتعلق بالحرف.
والصحيح: ما ذهب إليه البصريون؛ وأما قول الكوفيين: إنه يتصرف بدليل قوله: "وما أحاشي" فليس فيه حُجة؛ لأن قوله "أحاشي" مأخوذ من لفظ "حاشى" وليس مُتصرفًا/منه/٢، كما يقال: بسمل، وهلل، وحمدل، وسبحل، وحَوقَل، إذا قال: بسم الله، ولا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا٣ كانت هذه الأشياءُ لا تتصرف، فكذلك ههنا. وقولهم: إنه يدخله الحذف، والحذف لا يدخل الحرف؛ قلنا: لا نُسلِّم، بل الحذف قد يدخل الحرف، ألا ترى/ أنهم/٤ قالوا في رُبَّ: رُبَ؟ وقد قُرئ بهما؛ قال الله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ٥ /قرئ/٦ بالتشديد والتخفيف؛ وفي "رُبَّ" أربع لغات: بضم الراء وتشديد الباء وتخفيفها، وبفتح الراء وتشديد الباء وتخفيفها، وكذلك حكيتم عن العرب أنهم قالوا في: "سوف أفعل: سو أفعل" وهو حرف، وزعمتم أن الأصل في سأفعل: سوف أفعل؛ فحذفت الفاء والواو معًا، فدل على أن الحذف يدخل الحرف، وأما قولهم: إن لام الجر تتعلق به؛ قلنا: لا نُسلِّم، فإن اللام في قولهم: "حاشَ لله" زائدة، فلا تتعلق بشيءٍ؛ كقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ
стр. 145
لَكُمْ﴾ ١ أي: "ردِفَكم"؛ /و/٢ كقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ ٣ وما أشبه ذلك، وإنَّما زيدت اللام مع هذا الحرف تقوية له، لِما كان يدخله من الحذف؛ فدل على أنه ليس فعلاً٤، وأنَّه حرف.
[جواز مجيء خلا فعلاً وحرفًا]
وأما "خلا" فإنها تكون فعلاً وحرفًا، فإذا كانت فعلاً؛ كان ما بعدها منصوبًا، وتتضمن ضمير الفاعل، وإذا كانت حرفًا؛ كان ما بعدها مجرورًا؛ لأنها حرف جر، فإن دخل عليها: "ما" كانت فعلاً، ولم يجز أن تكون حرفًا؛ لأنها مع "ما" بمنزلة المصدر، وإذا كانت فعلاً؛ كان ما بعدها منصوبًا لا غير؛ قال الشاعر٥: [الطويل]
ألا كل شيءٍ ما خَلا اللهَ باطلُ ... وكلُ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ
وسنذكر هذا ٦ في باب ما ينصب به في الاستثناء.