← Язык

Язык · id 7502

أسرار العربية

أبو البركات الأنباري

Полный текст (276 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أعملنا الفعل بتقوية "إلَّا" كان الكلام جملة واحدةً، والكلام متى كان جملة واحدة، كان أولى من تقدير جملتين. وأما قول الفراء /إنَّ/١ "إلا" مركبة من "إنَّ ولا" فدعوى تفتقر إلى دليل، ولو قدرنا ذلك، فنقول: الحرف إذا رُكب مع حرف آخر تغيَّر عما كان عليه في الأصل قبل التركيب، ألا ترى أن "لو" حرف يمتنع به ٢ الشيءُ؛ لامتناع غيره، فإذا رُكّب٣ مع "ما" تغير ذلك المعنى، وصارت بمعنى "هلَّا"؛ وكذلك -أيضًا- إذا رُكبت مع "لا"؛ كقوله٤: "لولا الكميَّ المقنَّعا"٥، وما أشبه ذلك؛ فكذلك ههنا. [ارتفاع المستثنى في النفي] فإن قيل: فبماذا يرتفع. المستثنى في النفي؟ قيل: يرتفع على البدل، ويجوز النصب على أصل الباب. فإن قيل: فَلِمَ كان البدل أولى؟ قيل: لوجهين: أحدهما: الموافقة للفظ، فإنه إذا كان المعنى واحدًا /فَكَون/٦ اللفظ موافقًا أولى؛ لأن اختلاف اللفظ يشعر باختلاف المعنى، وإذا اتفقا، كان موافقة اللفظ أولى. والوجه الثاني: أن البدل يجري في تعلُق العامل به كمجراه لو ولِي العامل، والنصب في الاستثناء على التشبيه بالمفعول، فلما كان البدل أقوى في حكم العامل، كان الرفع أولى من النصب على ما بيّنَّا.

стр. 142

[علة جواز البدل في المستثنى المنفي] فإن قيل: فَلِمَ جاز البدل في النفي، ولم يجز في الإيجاب؟ قيل: لأنَّ البدل في الإيجاب يؤدي إلى محال، وذلك لأن المبدل منه يجوز أن يقدر كأنَّه ليس في الكلام، فإذا قدرنا هذا في الإيجاب، صار محالاً؛ لأنه يصير التقدير: "جاءني إلا زيد" وصار١ المعنى: إن جميع الناس جاؤوني غير زيد، وهذا لا يستحيل في النفي، كما يستحيل في الإيجاب؛ لأنه يجوز ألا يجيئه أحد سوى زيد، فبان الفرق بينهما؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 143

الباب الثلاثون: باب ما يُجرُّ به في الاستثناء [علة إعراب "غير" إعراب الاسم بعد إلا] إن قال قائل: لم أُعربت "غير" إعراب الاسم الواقع بعد "إلا" دون "سوى وسواء"؟ قيل: لأن "غير" لَمّا أُقيمت -ههنا- مُقام "إلا" وكان مابعدها مجرورًا بالإضافة، ولا بدَّ لها في نفسها من إعراب، أُعرِبت إعرابَ الاسم الواقع بعد "إلا" ليدل بذلك على ما كان يستحق الاسم الذي بعد "إلا" من الإعراب، ويبقى حكم الاستثناء، وأما "سوى، وسواء" فلزمهما النصب؛ لأنهما لا يكونان (إلا ظرفين، فلم يجز نقل الإعراب إليهما، كما جاز في "غير" لأن ذلك يؤدي إلى تمكنهما، وهما لا يكونان متمكنين) ١ فلذلك، لم يجز أن يُعربا إعراب الاسم الواقع بعد "إلا" وأما "حاشا" فاختلف النحويون فيها٢؛ فذهب سيبويه ومن تابعه من البصريين إلى أنه حرف جر، وليس بفعل، والدليل على ذلك: أنه لو كان فعلاً؛ لجاز أن تدخل٣ عليه "ما" كما /يجوز أن/٤ تدخل على الأفعال؛ فيقال: "ما حاشا زيدًا" كما يقال: "ما خلا زيدًا" فلما لم يقل، دل على أنه ليس بفعل، فوجب أن يكون حرفًا. وذهب الكوفيون: إلى أنه فعل، ووافقهم أبو العباس المبرد من البصريين، واستدلوا على ذلك من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنَّه يتصرف، والتَّصرف من خصائص الأفعال؛ قال النَّابغة٥: [البسيط] ولا أرى فاعلاً في الناس يُشبِهُهُ ... وما أُحاشي مِنَ الأقوام مِنْ أَحدِ٦

стр. 144

فإذا ثبت أن يكون متصرفًا؛ وجب أن يكون فعلاً. والوجه الثاني: أنه يدخله الحذف، والحذف إنما يكون في الفعل لا في الحرف، ألا ترى أنهم قالوا في حاشا لله: حاشَ لله؛ ولهذا، قرأ أكثر القرَّاء بإسقاط الألف: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ ١. والوجه الثالث: أنَّ لام الجر يتعلق به في قولهم: "حاشا الله" وحرف الجر إنما يتعلق بالفعل لا بالحرف؛ لأن الحرف لا يتعلق بالحرف. والصحيح: ما ذهب إليه البصريون؛ وأما قول الكوفيين: إنه يتصرف بدليل قوله: "وما أحاشي" فليس فيه حُجة؛ لأن قوله "أحاشي" مأخوذ من لفظ "حاشى" وليس مُتصرفًا/منه/٢، كما يقال: بسمل، وهلل، وحمدل، وسبحل، وحَوقَل، إذا قال: بسم الله، ولا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا٣ كانت هذه الأشياءُ لا تتصرف، فكذلك ههنا. وقولهم: إنه يدخله الحذف، والحذف لا يدخل الحرف؛ قلنا: لا نُسلِّم، بل الحذف قد يدخل الحرف، ألا ترى/ أنهم/٤ قالوا في رُبَّ: رُبَ؟ وقد قُرئ بهما؛ قال الله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ٥ /قرئ/٦ بالتشديد والتخفيف؛ وفي "رُبَّ" أربع لغات: بضم الراء وتشديد الباء وتخفيفها، وبفتح الراء وتشديد الباء وتخفيفها، وكذلك حكيتم عن العرب أنهم قالوا في: "سوف أفعل: سو أفعل" وهو حرف، وزعمتم أن الأصل في سأفعل: سوف أفعل؛ فحذفت الفاء والواو معًا، فدل على أن الحذف يدخل الحرف، وأما قولهم: إن لام الجر تتعلق به؛ قلنا: لا نُسلِّم، فإن اللام في قولهم: "حاشَ لله" زائدة، فلا تتعلق بشيءٍ؛ كقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ

стр. 145

لَكُمْ﴾ ١ أي: "ردِفَكم"؛ /و/٢ كقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ ٣ وما أشبه ذلك، وإنَّما زيدت اللام مع هذا الحرف تقوية له، لِما كان يدخله من الحذف؛ فدل على أنه ليس فعلاً٤، وأنَّه حرف. [جواز مجيء خلا فعلاً وحرفًا] وأما "خلا" فإنها تكون فعلاً وحرفًا، فإذا كانت فعلاً؛ كان ما بعدها منصوبًا، وتتضمن ضمير الفاعل، وإذا كانت حرفًا؛ كان ما بعدها مجرورًا؛ لأنها حرف جر، فإن دخل عليها: "ما" كانت فعلاً، ولم يجز أن تكون حرفًا؛ لأنها مع "ما" بمنزلة المصدر، وإذا كانت فعلاً؛ كان ما بعدها منصوبًا لا غير؛ قال الشاعر٥: [الطويل] ألا كل شيءٍ ما خَلا اللهَ باطلُ ... وكلُ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ وسنذكر هذا ٦ في باب ما ينصب به في الاستثناء.

стр. 146

الباب الحادي والثلاثون: باب ما يُنْصَب به في الاستثناء [علة إعمال أفعال الاستثناء النصب] إن قال قائل: لِمَ عملت١: "ما خلا، وما عدا، وليس، ولا يكون" النَّصبَ؟ قيل: لأنها أفعال، أما "ما خلا، وما عدا" فهما فعلان؛ لأن ما إذا دخلت عليهما، كانا معها٢ بمنزلة المصدر، وإذا كانا/ معها/٣ بمنزلة المصدر، انتفت عنهما الحرفية، ووجبت لهما الفعلية، وكان فيهما ضمير الفاعل، فكان ما بعدهما منصوبًا، وحُكي عن بعض العرب، أنه كان يَجرُّ بهما إذا لم يكن معهما "ما" فيجريهما مُجرى "خلا"؛ لأنَّ "خلا" تارةً تكون فعلاً، فيكون ما بعدها منصوبًا، وتارةً تكون حرفًا، فيكون ما بعدها مجرورًا؛ وأمَّا سيبويه، فلم يذكر بعد "عدا" إلا النصب لا غير. وأما "ليس، ولا يكون" فإنما وجب أن يكون ما بعدهما منصوبًا؛ لأنه خبر لهما؛ لأن التقدير في قولك: "جاءني القوم ليس زيدًا، ولا يكون عمرًا" / أي/٤: "ليس بعضهم زيدًا، ولا يكون بعضهم عمرًا" فـ"بعضهم" الاسم، وما بعده الخبر؛ وخبر "ليس ولا٥ يكون" منصوب٦ كما لو لم يكونا في/ باب/٧ الاستثناء. [علَّة لزوم ليس ولا يكون صيغة واحدة بعد الاستثناء] فإن قيل: فَلِمَ لزما ٨ لفظًا واحدًا في التثنية والجمع والتأنيث؟ قيل: لأنهما لَمَّا استعملا في الاستثناء، قاما مُقام "إلا"، و"إلا" لا يغيّر لفظه، فكذلك ما قام مُقامه؛ ليدلوا على أنه قائم مُقامه.

стр. 147

[عدم العطف على ليس ولا يكون بـ و"لا" وعلة ذلك] فإن قيل: فلِمَ لا يجوز أن يُعطف عليهما بالواو و"لا" فيقال: "ضربت القوم ليس زيدًا ولا عمرًا، وأكرمت القوم لا يكون زيدًا ولا عمرًا"؟ قيل: لأن العطف "بالواو ولا" لا يكون إلا بعد النفي، فلما أُقيما -ههنا- مقام "إلا" غُيِّرا عن أصلهما في النفي، فلم يجز العطف عليهما "بالواو ولا"؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 148

الباب الثاني والثلاثون: باب كم [بناء كم على السكون وعلة ذلك] إن قال قائل: لم بُنيتت "كم" على السكون؟ قيل: إنما بُنيت؛ لأنها لا تخلو إما أن تكون استفهامية، أو خبرية، فإن كانت استفهامية، فقد تضمنت معنى حرف الاستفهام، وإن كانت خبرية، فهي نقيضة "رُبَّ" لأنَّ "رُبَّ" للتقليل، و"كم" للتكثير، وهم يحملون الشيء على ضده كما يحملونه على نظيره، فبنيت/كم/١ حملاً على "رُبَّ". وإنما بُنيت على السُكون؛ لأنه الأصل في البناء. [وجوب مجيء كم في صدر الكلام وعلة ذلك] فإن قيل: فَلِمَ٢ وجب أن تقع "كم" في صدر الكلام؟ قيل: لأنَّها إن كانت استفهامية، فالاستفهام له صدر الكلام، وإن كانت خبرية، فهي نقيضة "رُبَّ"، و"رُبَّ" معناها التقليل، والتقليل مضارع٣ للنفي؛ والنفي له صدر الكلام كالاستفهام. فإن قيل: فَلِمَ كان ما بعدها في الاستفهام منصوبًا، وفي الخبر مجرورًا؟ قيل: للفرق بينهما، فجعلت في الاستفهام بمنزلة عدد ينصب ما بعده، وفي الخبر بمنزلة عدد يجرُ ما بعده، وإنما جُعلت في الاستفهام بمنزلة عدد (ينصب ما بعده، لأنَّها في الاستفهام بمنزلة عدد) ٤ يصلح للعدد القليل والكثير؛ لأنَّ المستفهم يسأل عن عددٍ قليل٥ وكثير، ولا يعلم مقدار ما يستفهم عنه، فجعلت في الاستفهام بمنزلة العدد المتوسط بين القليل والكثير، وهو من أحد

стр. 149

عشر إلى تسعة وتسعين، وهو ينصب ما بعده؛ فلهذا، كان ما بعدها١ في الاستفهام منصوبًا؛ وأما في الخبر فلا تكون إلا للتكثير، فجُعلت بمنزلة العدد الكثير، وهو يجرُّ ما بعده؛ ولهذا٢، كان ما بعدها مجرروًا في الخبر، لأنها نقيضة "رُبَّ" و"رُبَّ" تجر ما بعدها، وكذلك٣ ما حُمل عليها. [جواز النصب مع الفصل في الخبر وعِلَّة ذلك] فإن قيل: فَلِمَ جاز النصب مع الفصل في الخبر؟ قيل: إنما جاز النصب عدولاً عن الفصل بين الجار والمجرور؛ لأنَّ الجار والمجرور بمنزلة الشيء الواحد، وليس الناصب مع المنصوب بمنزلة الشيء الواحد، على أن بعض العرب ينصب بها في الخبر من غير فصل، ويجرُّ بها في الاستفهام حملاً لإحداهما ٤ على الأخرى. فإن قيل: فَلِمَ إذا كانت استفهامية، لم تبين إلا بالمفرد النكرة، وإذا كانت خبرية جاز أن تبين بالمفرد والجمع؟ قيل: لأنها إذا كانت استفهامية، حُمِلَت على عددٍ ينصب ما بعده؛ وذلك لا يُبين إلا بالمفرد النكرة؛ نحو: أحدَ عشرَ رجلاً، وتسع وتسعون جارية؛ فلذلك، لم يجز أن تُبين إلا بالمفرد النكرة، وإذا كانت خبرية، حُملت على عددٍ يَجُرُّ ما بعده، والعدد الذي يَجُرُّ ما بعده، يجوز أن يُبين بالمفردم والنكرة/٥ كـ "مائة درهم" وبالجمع كـ "ثلاثة أثواب" فلهذا، جاز أن يُتَبَيَّنَ بالمفرد والجمع، وأما اختصاصهما بالتنكير فيهما جميعًا؛ فلأن "كم" لَمَّا كانت للتكثير، والتكثير والتقليل لا يصح إلا في النكرة لا في المعرفة؛ لأن المعرفة تدل على شيءٍ مختص، فلا يصح فيه التقليل، ولا التكثير؛ ولهذا، كانت "رُبَّ" تختص بالنكرة؛ لأنها لَمَّا كانت للتقليل، والتقليل إنَّما يصح في النكرة لا في المعرفة، كما بيّنَّا في "كم" فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 150

الباب الثالث والثلاثون: باب العدد [علَّة دخول الهاء على العدد المذكّر] إن قال قائل: لِمَ أدخلت الهاء من الثلاثة إلى العشرة في المذكر؛ نحو: "خمسة رجال" ولم تدخل في المؤنث؛ نحو: "خمس نسوة"؟ قيل: إنما فعلوا ذلك للفرق بينهما فإن قيل: فهلَّا عكسوا، وكان الفرق حاصلاً؟ قيل: لأربعة أوجه: الوجه الأوَّل: أن الأصل في العدد أن يكون مؤنثًا، والأصل في المؤنث أن يكون بالهاء، والمذكر هو الأصل، فأخذ الأصل الهاء؛ فبقي المؤنث بغير هاء. والوجه الثاني: أن المذكر أخف من المؤنث، فلما كان المذكر أخف من المؤنث، احتمل الزيادة، والمؤنث لَمّا كان أثقل، لم يحتمل الزيادة. والوجه الثالث: أن "الهاء" زيدت للمبالغة، كما زيدت في: علامة، ونسابة، والمذكر أفضل من المؤنث، فكان أولى بزيادتها. والوجه الرَّابع: أنهم لَمَّا كانوا يجمعون ما كان على مثال "فُعَال" في المذكر بالهاء؛ نحو: "غُراب وأغربة" ويجمعون ما كان على هذا المثال في المؤنث بغير هاء؛ نحو: "عُقاب وأعقُب" حملوا العدد على الجمع؛ فأدخلوا الهاء في المذكر، وأسقطوها في٢ المؤنث، وكذلك حكمها بعد التركيب/ إلى العشرة/٣، إلا العشرة فإنها تتغير؛ لأنها تكون في حال التركيب في المذكر بغير هاء، والمؤنث بالهاء، لأنَّهم لَمَّا ركبوا الآحاد مع العشرة، صارت٤ معها بمنزلة اسم واحد؛ كرهوا أن يثبتوا الهاء في العشرة، لئلا يصير بمنزلة الجمع بين تأنيثين في اسم واحدٍ على لفظ واحد.

стр. 151

[علة بناء الأعداد المركبة على الفتح] فإن قيل: فَلِمَ بُني ما زاد على العشرة، من أحدَ عشرَ إلى تسعة عشر؟ قيل: لأن الأصل في "أحدَ عشرَ: أحد وعشر" فلما حذف حرف العطف وهو الواو١، ضُمنا معنى حرف العطف، فلما تضمنا معنى الحرف؛ وجب أن يُبنيا، وبُنيا على حركة؛ لأن لهما حالة تمكن قبل البناء، وكان الفتح أولى؛ لأنه أخف الحركات؛ وكذلك سائرها. [علة عدم بناء اثنين في اثني عَشَر] فإن قيل: فَلِمَ لم يبنوا اثنين في اثني عشر؟ قيل: لوجهين: أحدهما: أن علم التثنية فيه، هو علم الإعراب، فلو نزعوا منه الإعراب؛ لسقط معنى التثنية. والثاني: أن إعرابه في وسطه، وفي حال التركيب، لم يخرج عن ذلك؛ فوجب أن يبقى على ما كان عليه. وبُني "عشر" لوجهين: أحدهما: أن يكون بُني على قياس أخواته؛ لتضمنه معنى حرف العطف. والثاني: أن يكون بُني؛ لأنه قام مُقام النُون من "اثنين" فلما قام مُقام الحرف، وجب أن يُبنى، وليس هو كالمضاف، والمضاف إليه؛ لأن كل واحدٍ من المضاف والمضاف إليه، له حكم في نفسه، بخلاف "اثني عشر" ألا ترى أنك إذا قلت: "ضربت اثني عشر رجلاً" كان الضرب واقعًا بالعشر والاثنين، كما لو قلت: "ضربت اثنين" ولو قلت: "ضربت غلام زيد" لكان الضرب واقعًا بالغلام دون زيد؟ فلهذا، قلنا: إن العشر قام مُقام النون، وخالف المضاف إليه. [علة حذف الواو من الأعداد المركبة] فإن قيل: فَلِمَ حُذفت الواو من أحَدَ عَشَرَ إلى تسعةَ عشَرَ وجُعل الاسمان اسمًا واحدًا؟ قيل: إنما فعلوا ذلك حملاً على العشرة وما قبلها من الآحاد؛ لقربها منها؛ لتكون على لفظ الأعداد المفردة، وإن كان الأصل هو العطف، والذي يدل على ذلك أنهم إذا بلغوا /إلى/٢ العشرين ردُّوها إلى العطف؛ لأنه الأصل، وإنما ردوها إذا بلغوا إلى العشرين؛ لبعدها عن الآحاد.

стр. 152

[علة عدم اشتقاقهم من لفظ الاثنين] فإن قيل: فهلَّا اشتقوا من لفظ الاثنين كما اشتقوا من لفظ الثلاثة والأربعة؛ نحو: "الثلاثين والأربعين"؟ قيل: لأنهم لو اشتقوا من لفظ الاثنين لما كان يتم معناه إلا بزيادة واوٍ ونون، أو ياء ونون، وكان يُؤدي إلى أن يكون له إعرابان، وذلك لا يجوز، فلم يبقَ من الآحاد شيءٌ يُشتقُ منه إلا العشرة، فاشتقوا من لفظها عددًا/ عوضًا/١ عن اشتقاقهم من لفظ الاثنين؛ فقالوا: "عشرون". [علة كسر العين من عشرين] فإن قيل: فَلِمَ كسروا العين من "عِشرين"؟ قيل: لأنه لَمَّا كان الأصل أن يشتق من لفظ الاثنين، وأول الاثنين مكسور، كسروا أول العشرين ليدلوا بالكسر على الأصل. [علة كون تمييز الأعداد من أحد عشر إلى تسعة وتسعين مفردًا نكرة منصوبة] فإن قيل: فَلِمَ وجب أن يكون ما بعد أحد عشر إلى تسعة وتسعين واحدًا نكرةً منصوبة؟ قيل: إنما كان واحدًا نكرة؛ لأن المقصود من ذكر النوع تبيين المعدود من أي نوع هو، وهذا يحصل بالواحد النكرة، (وكان الواحد النكرة) ٢ أولى من الواحد المعرفة؛ لأن الواحد النكرة أخف من الواحدة المعرفة، ولا يلزم فيه ما يلزم في العدد الذي يُضاف إلى ما بعده، /و/٣ لأنه ليس بمضاف، فيتوهم أنه جزءٌ مما بينته، كما يلزم بالمضاف٤؛ فلذلك وجب أن يكون واحدًا نكرةً. وإنما وجب أن يكون منصوبًا؛ لأنه من أحد عشرَ إلى تسعة عشرَ؛ أصله التنوين، وإنما حُذف للبناء، وكأنه٥ موجود في اللفظ؛ لأنه لم يقم مُقامة شيءٌ يبطل حكمه، فكان باقيًا في الحكم، فمنع من الإضافة. وأما العشرون إلى التسعين، ففيه النون موجودة، فمنعت من الإضافة، وانتصب على التمييز على ما بيناه في بابه.

стр. 153

[علة إضافة تمييز المائة] فإن قيل: فَلِمَ إذا بلغت إلى الماء، أُضيفت إلى الواحد؟ قيل: لأنَّ المائة حُملت على العشرة من وجهٍ؛ لأنَّها عقد مثلها، وحملت على التسعين؛ لأنَّها تليها؛ فأُلزمت الإضافة، تشبيهًا بالعشرة، وَبُيِّنت١ بالواحد تشبيهًا بالتسعين. [عِلَّة قولهم ثلاثمائة] فإن قيل: فَلِمَ قالوا "ثلاثمائة" ولم يقولوا "ثلاث مئين"؟ قيل: كان القياس أن يُقال: /ثلاث/٢ مئين إلا أنهم اكتفوا بلفظ المائة؛ لأنهم تدل على الجمع، وهم يكتفون بلفظ الواحد عن الجمع؛ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ ٣؛ أي: أطفالاً /و/٤ قال الشاعر٥: [الوافر] كلوا في بعض بطنكم تعفّوا ... فإن زمانكم زَمَنٌ خَميصُ٦ أي في /بعض/٧ بطونكم؛ والشَّواهد على هذا النحو كثيرة. [علة إجراء الألف مجرى المائة في الإضافة إلى الواحد] فإن قيل: فَلِمَ أُجري الألف مُجرى المائة في الإضافة إلى الواحد؟ قيل: لأنَّ الألف عقد، كما أنَّ المائة عقد. [علة جمع الألف إذا دخل على الآحاد] فإن قيل: فَلِمَ يجمع الألف إذا دخل على الآحاد، ولم يفرد مع الآحاد كالمائة؟ قيل: لأن الألف طرف كما أن الواحد طرف؛ لأن الواحد أوّل، والألف آخر، ثم تتكرر الأعداد؛ فلذلك، أُجري مُجرى ما يضاف إلى الآحاد؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 154

الباب الرابع والثلاثون: باب النِّداء [علة بناء المنادى المفرد المعرفة] إن قال قائل: لِمَ بُني المنادى المفرد المعرفة؟ قيل: لوجهين: أحدهما: أنه أشبه كاف الخطاب، وذلك من ثلاثة أوجه؛ الخطاب، والتعريف، والإفراد؛ لأَّن كل واحدٍ منهما يتصف بهذه الثلاثة، فلمَّا أشبه كاف الخطاب من هذه الأوجه، بُني كما أن كاف الخطاب مبنية. والوجه الثاني: أنه أشبه الأصوات؛ لأنه صار غاية، ينقطع عندها الصوت، والأصوات مبنية؛ فكذلك ما أشبهها. [علة بنائه على حركة] فإن قيل: فَلِمَ بُني على حركة؟ قيل: لأنَّ له حالة تمكن قبل النداء، فبني على حركةٍ، تفضيلاً على ما بُني، وليس له حالة تمكُّن. [علة كون حركته ضمًّا] فإن قيل: فَلِمَ كانت الحركة ضمة؟ قيل: لثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنه لو بُني على الفتح؛ لالتبس بما لا ينصرف، ولو بُني على الكسرِ؛ لالتبس بالمضاف إلى النفس، وإذا بطل بناؤه على الكسر والفتح؛ تعين بناؤه على الضم. والوجه الثاني: أنه بُني على الضَّمِّ فرقًا بينه وبين المضاف؛ لأنه إن كان /المضاف/١ مضافًا إلى النفس، كان مكسورًا، وإن كان مضافًا إلى غيرك، كان مفتوحًا٢، فبني على الضم لئلا يلتبس بالمضاف؛ لأن الضَّمَّ، لا يدخل المضاف.

стр. 155

والوجه الثالث: أنه بُني على الضم؛ لأنه لَمّا كان غاية يتمّ بها الكلام، وينقطع عندها، أشبه "قبلُ وبعدُ" فبنوه على الضَّمِّ كما بنوهما على الضَّمِّ. [علة مجيء صفته مرفوعة أو منصوبة] فإن قيل: فَلِمَ جاز في وصفه الرفع والنصب؛ نحو: "يا يزيدُ الظريفُ والظريفَ"؟ قيل: جاز الرفع حملاً على اللفظ، والنصب حملاً على الموضع، والاختيار عندي، هو النصب؛ لأن الأصل في وصف المبنيّ هو الحمل على الموضع، لا على اللفظ. فإن قيل: فلِمَ جاز الحمل -ههنا- على اللفظ، وضمَّةُ زيد ضمة بناء، وضمة الصفة ضمة إعراب؟ قيل: لأن الضَّمَّ لَمَّا اطَّرد في كل اسم مُنادى /مفرد/١ أشبه الرفع للفاعل؛ لاطِّراده فيه، فلمّا أشبه الرفع؛ جاز أن يتبعه الرّفعُ، غير أن هذا الشبه لم يخرجها عن كونها ضمَّة بناء، وأن الاسم مبنيّ؛ فلهذا، كان الأقيس هو النصب، ويجوز الرفع عندي على تقدير: مبتدأ محذوف؛ والتقدير فيه: "أنت الظريف" ويجوز النصب على تقدير فعل /محذوف/٢؛ والتقدير فيه: "أعني الظريف"، ويؤيد الرفع فيه بتقدير المبتدأ، والنصب له بتقدير الفعل أنَّ المنادى أشبه الأسماء المضمرة، والأسماء المضمرة لا تُوصف. [علة جواز العطف بالرفع والنصب على المنادى المفرد] فإن قيل: فَلِمَ جاز في العطف -أيضًا- الرفع والنصب؛ نحو: "يا زيدُ والحارثُ /والحارثَ/٣"؟ قيل: إنما جاز الرفع والنصب على ما بينا في الوصف من الحمل تارةً على اللفظ، وتارةً على الموضع؛ قال الله تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ ٤ و"الطير" بالرفع والنصب، فمن قرأ بالرفع، حمله على اللفظ، ومن قرأ بالنصب، حمله على الموضع. [علة كون المضاف والنكرة منصوبين] فإن قيل: فلِمَ كان المضاف والنكرة منصوبين؟ قيل: لأنَّ الأصل في كل منادى أن يكون منصوبًا؛ لأنه مفعول؛ إلا أنه عرض في المفرد المعرفة ما يوُجب بناءه؛ فبقي ما سواه على الأصل.

стр. 156

[عامل النصب في المنادى وخلافهم فيه] فإن قيل: فما العامل فيه النصب؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب بعضهم١ إلى أن العامل فيه النصب فعل مُقدر؛ والتقدير فيه: "أدعو زيدًا، أو أنادي زيدًا". وذهب آخرون إلى أنه منصوب بـ "يا" لأنها نابت عن: "أدعو /أ/ و٢ أنادي" والذي يدل على ذلك، أنه تجوز فيه الإمالة؛ نحو: "يا زيد" والإمالة لا تجوز في الحروف، إلا أنَّه لَمَّا قام مُقام الفعل، جازت الإمالة فيه٣. [علة عدم بناء المنادى المضاف والنكرة] فإن قيل: أليس المضاف والنكرة مخاطبين، فهلا بُنيا لوقوعهما موقع أسماء الخطاب كما بُني المفرد؟ قيل لوجهين: أحدهما: أنَّ المفرد وقع بنفسه موقع أسماء الخطاب، وأمّا المضاف فيتعرَّف٤ بالمضاف إليه، فلم يقع موقع أسماء الخطاب كالمفرد، وأما النكرة فبعيدة الشبه من أسماء الخطاب، ولم يجز بناؤها٥. (والوجه الثاني: أنا لو سلمنا أنَّ المضاف والنكرة وقعا موقع أسماء الخطاب، إلا أنه لم يلزم بناؤهما) ٦؛ لأنَّه عرض فيهما ما منع من البناء٧، أمّا المضاف: فوجود المضاف إليه؛ لأنَّه حل محل التنوين، ووجود التنوين يمنع /من/٨ البناء، فكذلك ما يقوم مقامه، وأما النكرة، فنُصبت؛ ليفصل بينهما وبين النكرة التي يقصد قصدها، وكانت النكرة التي يُقصد قصدها أولى بالتغيير؛ لأنها هي المخرجة عن بابها، فكانت أولى بالتغيير. [جواز حذف حرف النداء إلا مع النكرة والمبهم] فإن قيل: فهل يجوز حذف حرف النداء؟ قيل: يجوز حذف /حرف/٩ النِّداء إلا مع النكرة والمبهم؛ لأنّ الأصل فيهما النداء بـ "أي"؛ نحو: "يا أيُها الرجل، ويا أيُهذا الرجل" فلما اطرحوا "أيًّا" والألف واللام، لم يطرحوا حرف النداء، لئلا يؤدي ذلك إلى الإجحاف بالاسم.

стр. 157

[خلافهم في وصف أي] فإن قيل: فهل يجوز في وصف "أي" ههنا ما جاز في وصف زيد؛ نحو: "يا زيدُ الظريفُ والظريف"؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب جماهير النحويين إلى أنه لا يجوز فيه إلا الرفع؛ لأن الرجل -ههنا- هو المنادى في الحقيقة، إلا أنهم أدخلوا "أيّا" ههنا١ توصلاً إلى نداء ما فيه الألف واللام، فلمّا كان /هو/٢ المنادى في الحقيقة، لم يجز فيه إلا الرفع مع كونه صفة، إيذانًا بأنه المقصود في النداء٣. وذهب أبو عثمان المازني إلى أنه يجوز فيه النصب؛ نحو: "يا أيها الرجل" كما يجوز "يا زيد الظريف" وهو -عندي- القياس، لو ساعده الاستعمال. [علة عدم جمعهم بين يا وأل التعريف] فإن قيل: فَلِمَ لم يجمعوا بين: "يا" و"الألف واللام"؟ قيل: لأنَّ "يا" تفيد التعريف، والألف واللام تفيدد التعريف، فلم يجمعوا بين علامتي تعريف، إذ لا٤ يجتمع علامتا تعريف في كلمة واحدة. فإن قيل: قولهم "يا زيدُ" هل تعرّف بالنداء، أو بالعلمية؟ قيل: في ذلك وجهان: أحدهما: أنّا نقول: إنَّ تعريف العلمية زال منه، وحدث فيه تعريف النداء والقصد، فلم يجتمع فيه تعريفان. والثاني: المسلَّم أنَّ تعريف العلمية والنداء اجتمعا فيه، ولكن جاز ذلك؛ لأنَّا /إنما/٥ منعنا عن الجمع بين التَّعريفين إذا كان بعلامة لفظية كـ "يا" مع "الألف واللام" والعلمية ليست بعلامة لفظية؛ فبان الفرق بينهما. فإن قيل: أليس قد قال الشاعر: فديتكِ يا التي تيَّمت قلبي وقال الآخر: فيا الغلامان اللذان فَرّا

стр. 158

فكيف جاز الجمع بين "يا" و"الألف واللام"؟ قيل: إنما قوله١: [الوافر] فديتُكِ يا التي تيمت قلبي ... وأنت بخيلةٌ بالود عني فإنّما جمع بين "يا" و"الألف واللام"؛ لأنَّ الألف واللام في الاسم الموصول ليستا للتعريف؛ لأنه إنما يتعرّف بصلته لا بالألف واللام، فلما كان فيه زائدين لغير التعريف؛ جاز أن يجمع بين "يا" وبينهما؛ وأما قول الآخر٢: [الرجز] فيا الغلامان اللذان فرَّا ... إياكُما أن تُكسباني شرًّا٣ فالتقدير فيه: فيا أيها الغلامان، فحذف الموصوف، وأقام الصفة مقامه؛ لضرورة الشعر، وما جاء لضرورة الشعر٤ لا يورد نقضًا. [علة جمعهم بين يا ولفظ الجلالة "الله"] فإن قيل: قد٥ قالوا "يا الله" فجمعوا بين "يا" و"الألف واللام"؟ قيل: إنما جاز أن يجمعوا بينهما لوجهين: أحدهما: أن الألف واللام عوض عن حرف سقط من نفس الاسم، فإن أصله: "إله" فأسقطوا الهمزة من أوله، وجعلوا الألف واللام عوضًا منها٦؛

стр. 159

والذي يدلُ على ذلك أنهم جوزوا قطع الهمزة؛ ليدلوا على أنها قد صارت عوضًا عن همزة /القطع/١، فلما كانت عوضًا عن همزة القطع، وهي حرف من نفس الاسم، لم يمتنعوا٢ من أن يجمعوا بينهما. والوجه الثاني: أنه إنما جاز في هذا الاسم خاصةً؛ لأنه كثر في استعمالهم؛ فخص على ألسنتهم، فجوزوا فيه ما لا يجوز في غيره. [علة إلحاق الميم المشددة في لفظ الجلالة] فإن قيل: فَلِمَ أُلحقت الميم المشددة في آخر هذا الاسم، نحو "اللهمَّ"؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب البصريون إلى أنها عوض من "يا" التي للتنبيه، والهاء مضمومة لأنه نداء؛ ولهذا، لا يجوز أن يجمعوا بينهما /فلا/٣ يقولون "يا اللهمَّ" لئلا يجمعوا بين العوض والمعوض. وذهب الكوفيون إلى أنها ليست عوضًا من "يا" وإنما الأصل فيه "يا الله أُمَّنا بخير" إلا أنه لَمّا كثر في كلامهم، وجرى على ألسنتهم، حذفوا بعض الكلام تخفيفًا، كما قالوا: "ايش" والأصل فيه: "أي شيء"، وقالوا: "ويْلُمِّه" والأصل فيه: "ويل أُمه"، وهذا كثير في كلامهم، فكذلك ههنا. قالوا: والذي يدلُ على أنها ليست عوضًا /عنها/٤ أنهم يجمعون بينهما، قال الشاعر٥: [الرجز] إني إِذَا ما حَدَثٌ أَلَمَّا ... أقولُ يا اللهمَّ يا اللَّهمَّا

стр. 160

وقال الآخر١: [الرجز] وَمَا عَليكِ أَنْ تَقُولي كُلَّمَا صلَّيتِ أو سبَّحتِ يا اللَّهمَّا اردد علينا شيخنا مُسَلَّمَا فجمع بين "الميم" و"يا"، ولو كانت عِوضًا عنها، لم يجمع بينهما؛ لأنَّ العوض والمعوض لا يجتمعان. والصحيح: ما ذهب إليه البصريون، وأما قول الكوفيين: إن أصله "يا الله أُمَّنا بخير" فهو فاسد؛ لأنه لو كان الأمر على ما /ذكروا/٢ وذهبوا إليه، لما جاز أن يستعمل هذا اللفظ إلا في ما يؤدي إلى٣ هذا المعنى، ولا شكَّ أنه يجوز أن يقال: "اللهم العنه، اللهم أخزه" وما أشبه ذلك؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٤، ولو كان الأمر على ما ذهبوا إليه؛ لكان التقدير فيه: "أُمَّنا بخير إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارةً من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم" ولا شك أن هذا التقدير ظاهر الفساد، إذ لا يكون أمّهم بالخير أن يمطر عليهم حجارة من السماء؛ أو يُؤتَوا بعذاب أليم؛ وقولهم: إنه يجوز أن يجمع بين "الميم" و"يا" بدليل ما أنشدوه، فلا حُجَّة فيه؛ لأنه إنما جُمع بينهما لضرورة الشعر، ولم يقع الكلام في حال الضرورة، وإنما سهَّل الجمع بينهما للضرورة، أن العِوضَ في آخر الكلمة، والجمع بين العِوض والمعوَّض جائز في ضرورة الشعر؛ /كما/٥ قال الشاعر٦: [الطويل] هُمَا نَفَثَا في فِيَّ مِنْ فَمَوَيهِمَا ... [على النابح العاوي أشد رجام] ٧ فجمع بين "الميم" و"الواو" وهي عِوَض منها، فكذلك ههنا؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 161

الباب الخامس والثلاثون: باب الترخيم [تعريف الترخيم] إن قال قائل: ما الترخيم؟ قيل: حذف آخر الاسم في النِّداء. [عِلَّة اختصاص الترخيم بالنِّداء] فإن قيل: فَلِمَ خُصَّ الترخيم في النداء١؟ قيل: لكثرة دوره في الكلام؛ فحُذف طلبًا للتخفيف، وهو باب تغيير، ألا تَرى أنه عرض فيه حذف الإعراب والتنوين، وهما من باب تغيير، والتغيير يؤنس بالتغيير. [خلافهم في ترخيم الثلاثي] فإن قيل: فهل يجوز ترخيم ما كان على ثلاثة أحرف؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب البصريون إلى أنه لا يجوز ترخيمه، وذلك؛ لأنه الترخيم إنما دخل في الكلام لأجل التخفيف٢، وما كان على ثلاثة أحرف، فهو على٣ غاية الخفة، فلا يحتمل الحذف؛ لأنَّ الحذف منه يُؤَّدِّي إلى الإجحاف به. وذهب الكوفيون إلى أنه يجوز ترخيمه إذا كان أوسطه متحرِّكًا، وذلك؛ نحو قولك في "عنقُ": "يا عنُ" وفي "كتف": "يا كَتِ" وما أشبه ذلك؛ /وذلك/٤ لأنَّ في الأسماء ما /يماثله/٥ ويضاهيه؛ نحو: "يد، وغد، ودم" والأصل فيه: "يدي، وغدو، ودمو" بدليل قولهم: "دموان" وقيل: "دميان" أيضًا، فنقصوها للتَّخفيف، فبقيت "يد، وغد، ودم" فكذلك ههنا؛ وهذا فاسد من وجهين: أحدهما٦: أنَّ الحذف في هذه الأسماء قليل في الاستعمال، بعيد عن القياس، أمَّا قِلَّته في الاستعمال فظاهر؛ لأنَّها كلمات يسيرة معدودة، وأمَّا بعده

стр. 162

عن القياس؛ فلأَ القياس يقتضي أنَّ حرف العلة إذا تحرَّك، وانفتح ما قبله، يقلب ألِفًا ولا يحذف، فلمّا /حُذف/١ ههنا من "دمو" دل على أنه على خلاف القياس. والوجه الثاني: أنهم إنما حذفوا "الياء والواو" من "يد، وغد، ودم" لاستثقال الحركات عليها؛ لأن الأصل فيها "يَدَيٌ، وغَدَوٌ، ودَمَوٌ"؛ /و/٢ أما في باب الترخيم، فإنما وقع الحذف فيه على خلاف القياس؛ لتخفيف الاسم الذي كثرت حروفه، ولم يوجد -ههنا- لأنه في غاية الخفة، فلا حاجة بنا إلى تخفيفه بالحذف. [علة ترخيم ما فيه علامة التأنيث] فإن قيل: فَلِمَ جاز ترخيص ما فيه علامة التأنيث٣؛ نحو قولك في سنة "يا سن"٤،وما أشبه ذلك؟ قيل: لأنَّ هاء التأنيث بمنزلة اسم ضُمَّ إلى اسم، وليست من بناء الاسم، فجاز حذفها كما يحذف الاسم الثاني من الاسم المركب؛ تقول في ترخيم حضرموت: "يا حَضْرَ" وفي بعلبك: "يا بَعْلَ"، وما أشبه ذلك. [خلافهم في جواز ترخيم المضاف إليه] فإن قيل: فهل يجوز ترخيم المضاف إليه؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب البصريون إلى أنه لا يجوز ترخيمه، [لأن الترخيم إنما يكون في ما يؤثر النداء فيه بـ "يا" والمضاف إليه، لم يؤثر في النداء بـ "ياء" فكذلك لا يجوز ترخيمه] ٥. وذهب الكوفيون إلى أنه يجوز ترخيمه، واحتجوا بقول زهير بن أبي سلمى٦ /وهو/٧: [الطويل] خذوا حَظَّكم يا آل عِكْرِمَ واحفظوا ... أَوَاصِرَنا والرَّحم بالغيب تُذْكَرُ٨

стр. 163

أراد يا آل عكرمة؛ فحذف التاء للترخيم، وهو عكرمة بن خصفة بن قيس غيلان١، واحتجّوا -أيضًا- بقول الشاعر٢: [الطويل] أبا عُرْو لا تبعد فكل ابنِ حُرَّةٍ ... سَيَدعوهُ دَاعِي مِيتَةً فيجيبُ٣ أراد: أبا عروة إلا أنه حذف التاء للترخيم، واحتجوا -أيضًا- بقول الآخر٤: [الرجز] أما ترين اليوم أم حَمْزَ قاربت بين عَنَقِي وجَمْزِي٥ أراد أم حمزة، فحذف التاء للترخيم؛ فيدل٦ على جوازه. وما أنشدوه لا حُجَّة /لهم/٧ فيه؛ لأنه رخَّمه للضرورة، وترخيم المضاف إليه يجوز في ضرورة الشعر، كما يجوز الترخيم في غير النداء لضرورة الشعر؛ قال الشاعر٨: [الوافر] أَلا أَضْحَت حَبَائِلُكُم رِمَامَا ... وأضحتْ منك شاسعة أُمَامَا٩

стр. 164

يريد: أُمامة. وقال الآخر١: [البسيط] إنَّ ابنَ حارثَ إن أَشتقْ لرؤيتِهِ ... أو أمتدحهُ فإن الناس قد عَلِمُوا٢ يريد: ابن حارثة، وهذا كثير في كلامهم. [خلافهم في ترخيم الاسم المفرد الذي قبل آخره حرف ساكن] فإن قيل: فهل يجوز ترخيم الاسم المفرد الذي قبل آخره حرف ساكن بحذف آخره مع حذف السَّاكن؛ نحو أن تقول في "سِبْطَر: يا سِبَ" أو لا؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب البصريون إلى أنه لا يجوز ذلك؛ لأنه كما بقيت حركة الاسم المرخم بعد دخول الترخيم، كما كانت قبل /دخول/٣ الترخيم، فكذلك السكون؛ لأنه موجود في الساكن حسب وجود الحركة في المتحرّك، (فكما بقيت الحركة في المتحرّك) ٤، فكذلك السكون في الساكن. وذهب الكوفيون إلى أن ترخيمه بحذف /الحرف/٥ الأخير منه، وحذف الحرف الساكن الذي قبله، وذلك؛ لأن الحرف إذا سقط من هذا النحو، بقي آخره ساكنًا، فلو قلنا: إنه لا يحذف؛ لأدَّى ذلك إلى أن يشابه الأدوات، وما أشبهها من الأسماء، وذلك لا يجوز. وهذا ليس بصحيح؛ لأنه لو كان هذا مُعتبرًا؛ لكان ينبغي أن يُحذف الحرف المكسور، لئلا يؤدي ذلك إلى أن يُشَابه المضاف إلى المتكلِّم، ولا قائل به؛ فدل على فساد ما ذهبوا إليه.

стр. 165

[علة بناء المرخم على الضم] فإن قيل: فَلِمَ جاز أن يُبْنَى المرخَّمُ على الضَّمِّ في أحد القولين، كما جاز أن يبقى١ على حركته وسكونه؟ قيل: لأنهم لو قدّروا بقيّة الاسم المرخم بمنزلة اسم، لم يحذف منه شيء، فبنوه على الضَّمِّ؛ نحو: "يا حارُ ويا مال" كما لو لم يحذف منه شيء؛ فاعرفه تُصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 166

الباب السادس والثلاثون: باب الندبة [تعريف النُّدبة] إن قال قائل: ما النُّدبة؟ قيل: تفجُّع يلحق النَّادبَ عند فقد المندوب، وأكثر ما يلحق ذلك النساء لضعفهن عن تحمل المصائب. [علامة الندبة] فإن قيل: فما علامة النُّدبة؟ قيل: "وا" ١ أو "يا" في أوّله، و"ألف وهاء" في آخره، وإنما زيدت "وا" أو "يا" في أوله، و"ألف وهاء" في آخره؛ ليمدَّ بها الصوت، ليكون المندوب بين صوتين مديدين، وزيدت الهاء بعد الألف؛ لأن الألف خفيَّة٢، والوقف عليها يزيدها خفاء٣، فزيدت الهاء عليها في الوقف؛ لتظهر الألف بزيادتها بعدها في الوقف. [عِلَّة نداء المندوب بأعراف أسمائه] فإن قيل: فَلِمَ وجب ألا يندب إلا بأعرف أسمائه وأشهرها؟ قيل: ليكون ذلك، عذرًا للنادب عند السامعين؛ لأنهم إذا عذروه؛ شاركوه في التفجع /والرَّزية/٤، فإذا شاركوه في التَّفجُّع؛ هانت عليه المصيبة. [عِلَّة لحاق ألف الندبة آخر المضاف إليه] فإن قيل: فَلِمَ لحقت ألف الندبة آخر المضاف إليه؛ نحو: "يا عبد الملكاه" ولم تلحق آخر الصفة؛ نحو: "يا زيد الظريفاه"؟ قيل: لأن ألف الندبة إنما تلحق ما يلحقه تنبيه النداء، والمضاف والمضاف إليه بمنزلة شيء واحدٍ، والدليل على ذلك: أنه لا يتم المضاف إلا بذكر المضاف إليه، ولا بُدَّ

стр. 167

مع ذكر المضاف من ذكر المضاف إليه، ألا ترى أنك لو قلت في "غلام زيد وثوب خز: غلام وثوب" لم يَتم إلا بذكر المضاف إليه؟ فلمَّا كان المضاف والمضاف إليه بمنزلة الشيء الواحد؛ جاز أن تلحق ألف الندبة آخر المضاف إليه؛ وأمَّا الصفة فليست مع الموصوف بمنزلة شيءٍ واحد؛ فلهذا، لا يلزم ذكر الصفة مع الموصوف، بل أنت مُخيَّر في ذكر الصفة؛ إن شئت ذكرتها، وإن شئت لم تذكرها، ألا ترى أنك إذا قلت: "هذا زيد الظريف" كنت مُخيَّرًا في ذكر الصفة، إن شئت ذكرتها، وإن شئت لم تذكرها؟ وإذا كنت مُخيَّرًا في ذكر الصفة، دل على أنهما ليسا بمنزلة شيءٍ واحدٍ، وجب ألا تلحق ألف الندبة الصفة بخلاف المضاف إليه. وقد ذهب بعض الكوفيين١، ويونس بن حبيب البصري٢ إلى جواز إلحاقها الصفة٣ حملاً على المضاف إليه، وقد بينا الفرق بينهما. ويحكون على بعض العرب أنه قال: /واعديماه/٤، واجُمْجُمَتَي الشَّامِيَّتَيْماه" وهو شاذ، لا يُقاس عليه. [علة جواز ندبة المضاف إلى المخاطب] فإن قيل: فَلِمَ جاز ندبة المضاف إلى المخاطب؛ نحو: "واغلامكاه" ولم يجز نداؤه؟ قيل: لأن المندوب، لا يُنَادَى ليجيب٥، بل يُنادَى، ليشهر النادب مصيبته، وأنه قد وقع في أمرٍ عظيم، وخطب جسيم، ويظهر تفجّعه كيف لا يكون في حالة من إذا دُعي أجاب، وأما المنادى، فهو مخاطب، فلو جاز نداؤه؛ لكان يؤدِّي إلى أن يجمع فيه بين علامتي خطاب؛ وذلك لا يجوز؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 168

الباب السابع والثلاثون: باب "لا " ... الفصل السابع والثلاثون: باب "لا" [علة بناء النكرة مع لا على الفتح] إن قال قائل: لِمَ بنيت النكرة مع "لا" على الفتح، نحو "لا رجل في الدار"؟ قيل: إنما بُنيت مع "لا" لأن التقدير في قولك: "لا رجل في الدار: لا من رجل في الدَّار"؛ لأنه جوابُ قائل قال: "هل من رجل في الدار؟ فلما حُذفت من اللفظ، وركبت مع "لا" تضمَّنت معنى الحرف؛ فوجب أن تُبنى، وإنما بُنيت على حركة؛ لأن لها حالة تمكن قبل البناء، وإنما كانت الحركة فتحة؛ لأنها أخف الحركات. وذهب بعض النحويين إلى أن هذه الحركة حركة إعراب، لا حركة بناء؛ لأن "لا" تعمل النصب إجماعًا١؛ لأنها نقيضة "إن" لأن "لا" للنفي، و"إنَّ" للإثبات، وهم يحملون الشيء على ضده كما يحملونه على نظيره، ألا ترى أن "لا" لَمَّا كانت فرعًا على "إنَّ" في العمل، و"إن" تنصب مع التنوين، نصبت "لا" بغير تنوين؛ لينحطَّ الفرع عن درجة الأصل؟ إذ الفروع تنحطُّ عن درجات الأصول أبدًا؛ وهذا -عندي- فاسد؛ لأنه لو كان مُعربًا؛ لوجب ألا يحذف منه التنوين؛ لأنه التنوين ليس من عمل "إنَّ" وإنما هو شيء يستحقه الاسم في أصله، وإذا لم يكن من عمل "إنَّ" فلا معنى لحذفه مع "لا" لينحط الفرع عن درجة الأصل؛ لأن الفرع إنما ينحط عن درجة الأصل في ما كان من عمل الأصل، وإذا لم يكن التنوين من عمل الأصل؛ وجب أن يكون ثابتًا مع الفرع، ثُمَّ انحطاطها عن درجة "إِنَّ" قد ظهر في أربعة مواضع٢. الأول: أنَّ "إنَّ" تعمل في المعرفة والنكرة و"لا" لا تعمل إلا في النكرة خاصة. والثاني: أن "إنَّ" لا تركَّب مع اسمها لقوتها، و"لا" تركب مع اسمها لضعفها.

стр. 169

والثالث: أن "إنَّ" تعمل في اسمها مع الفصل بينها وبينه بالظَّرف وحرف الجر١، و"لا" لا تعمل مع الفصل. والرّبع: أن "إنَّ" تعمل في الاسم والخبر عند البصريين، و"لا" تعمل في الاسم دون الخبر عند كثير من المحققين، فانحطت "لا" التي هي الفرع، عن درجة "إنَّ" التي هي الأصل. [جواز العطف على النكرة بالنصب على اللفظ] . فإن قيل: فَلِمَ إذا عطف على النكرة، جاز فيه النصب على اللفظ، كما جاز فيه الرَّفع على الموضع، والعطف على لفظ المبنيّ لا يجوز؟ قيل: لأنّه لما اطَّرد البناءُ على الفتحة في كُلّ نكرةٍ رُكِّبت مع "لا" /لأنها/٢ أشبهت النَّصب للمفعول لاطِّراده فيه، فأشبهت حركة المعرب، فجاز أن يُعطف عليها بالنصب. [علة جواز بناء صفة النكرة معها على الفتح] فإن قيل: فَلِمَ جاز أن تُبنى صفة النكرة معها على الفتح، كما جاز أن تُنصب حملاً على اللفظ، وترفع حملاً على الموضع؟ قيل: لأنَّ بناء الاسم مع الاسم أكثر من بناء الاسم مع الحرف، فلمّا جاز أن يُبنى الاسم مع الحرف، جاز -أيضًا- أن يُبنى مع الصفة؛ لأنَّ الصفة قد تكون مع الموصوف كالشيء الواحد بدليل أنَّه لا يجوز السكوت على الموصوف دون الصفة في نحو قولك: "أيها الرجلُ" ثم هما في المعنى كشيءٍ واحد؛ فجاز أن تبني كل واحدٍ منهما مع صاحبه، ولا يجوز -ههنا- أن تركِّب "لا" مع النكرة إذا رُكِّبت مع صفتها؛ لأنه يؤدي إلى أن تجعل ثلاث كلمات بمنزلة كلمةٍ واحدة؛ وهذا لا نظير له في كلامهم. [جواز الرفع عند التكرار] فإن قيل: فَلِمَ جاز الرفع إذا كررت؛ نحو: "لا رجل في الدَّار ولا امرأةٌ"؟ قيل: لأنك إذا كررت، كان جوابًا لمن قال: "أرجل في الدار أم امرأة" فتقول: "لا رجل في الدار ولا امرأة"؛ ليكون الجواب على حسب السؤال. [بناء لا مع النكرة دون المعرفة وعِلَّة ذلك] فإن قيل: لِمَ بُنيت "لا" مع النكرة دون المعرفة؟ قيل: لأن النكرة تقع بعد "من" في الاستفهام، ألا ترى أنك تقول: "هل من رجلٍ في الدار"؟ فإذا وقعت

стр. 170

بعد "مِن" في السؤال، جاز تقدير "مِن" في الجواب، وإذا حذفت "مِنْ" في السؤال؛ تضمَّنت النكرة معنى الحرف؛ فوجب أن تُبنى؛ وأما المعرفة، فلا تقع بعد "مِنْ" في الاستفهام، ألا ترى أنك لا تقول: "هل من زيد في الدار" فإذا لم تقع بعد "مِنْ" في السؤال، لم يجز تقدير "مِنْ" في الجواب، وإذا لم يجز تقدير "مِنْ" في الجواب؛ لم يتضمَّن المعرفة معنى الحرف؛ فوجب أن يبقى على أصله في الإعراب؛ فأمَّا قول الشاعر١: [الرجز] لا هيثمَ الليلة في المطيّ ... [ولا فتى مثل ابن خيبري] ٢ فإنما جاز؛ لأن التقدير/فيه/٣: "لا مثل هيثم" فصار في حكم النَّكرة، فجاز أن يُبنى مع "لا"، وعلى هذا قولهم: "قضية ولا أبا حسن لها"؛ أي: ولا مثل أبي حسن، ولولا هذا التقدير؛ لوجب الرفع مع التكرير٤؛ نحو: "لا زيد عندي ولا عمرو". [وجوب التكرير في المعرفة] فإن قيل: فَلِمَ وجب التكرير في المعرفة؟ قيل: لأنه جاء مبنيًّا على السؤال؛ كأنه قال: "أزيد عندك أم عمرو"؟ فقال: "لا زيد عندي ولا عمرو"؛ والدليل على أن السؤال في تقدير التكرير: أنَّ المفرد لا يفتقر إلى ذكره في الجواب، ألا ترى أنه إذا قيل: "أزيد عندك"؟ كان الجواب أن تقول: "لا" من غير أن تذكره، كأنَّك قلت: "لا أصل لذلك". فأمَّا قولهم: "لا بدَّ لك٥ أن

стр. 171

تفعل كذا" فإنما لم تُكرِّر؛ لأنه صار بمنزلة "لا ينبغي لك" فأجروها مُجراها، حيث كانت في معناها١، كما أجروا "يذر" /في/٢ مجرى "يدع" لاتفاقهما في٣ المعنى. [عدم جواز بناء لا مع المضاف وعِلَّة ذلك] فإن قيل: لِمَ لا تُبنى مع المضاف؟ قيل: لم يجز أن تُبنى مع المضاف؛ لأنَّ المضاف والمضاف إليه بمنزلة شيءٍ واحد، فلو بُنيا مع "لا" لكان يؤدي إلى أن تجعل ثلاث كلمات بمنزلة واحدة؛ وهذا لا نظيرَ له في كلامهم، والمشبَّه للمضاف٤ في امتناعه في التركيب؛ حكمه حكم المضاف /إليه/٥؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 172

الباب الثَّامن والثَّلاثون: باب حروف الجر [إعمال حروف الجرِّ الجرَّ وعلة ذلك] إن قال قائل: لِمَ عملت هذه الحروف الجرَّ؟ قيل: إنما عملت؛ لأنَّها اختصت بالأسماء، والحروف متى كانت مختصَّة؛ وجب أن تكون عاملة، وإنما وجب أن تعمل الجر؛ لأن إعراب الأسماء رفع، ونصب، وجر، فلما سبق الابتداء إلى الرفع في المبتدأ، والفعل إلى الرفع -أيضًا- في الفاعل، وإلى النصب في المفعول، لم يبقَ إلا الجر؛ فلهذا، وجب أن تعمل الجرّ؛ وأجود من هذا أن تقول: إنما عملت الجرَّ؛ لأنها تقع وسطًا بين الاسم والفعل، والجرّ وقع وسطًا بين الرفع والنصب، فأُعْطِي الأوسطُ الأوسطَ. ثُمَّ إنَّ هذه الحروف على ضربين: أحدهما: يلزم الجرّ فيه. والآخر:١ لا يلزم الجرّ فيه. [ما يلزم الجرّ فيه من الحروف] فأمّا ما يلزم الجر فيه فـ "من، وإلى، وفي، واللام، والباء، ورُبَّ" وأمَّا ما لا يلزم الجرّ/فيه/٢ فـ "الواو، والتاء في القسم، وحتى"، ولها مواضع نذكرها /فيها/٣ إن شاء الله تعالى. [ما لا يلزم الجر فيه من الحروف] وأمَّا ما لا يلزم الجر فيه فـ "عن، وعلى، والكاف، وحاشا، وخلا؛ ومذ، ومنذ".

стр. 173

[عن] فأما "عن" فتكون اسمًا، كما تكون حرفًا، فإذا كانت اسمًا، دخل عليها حرف الجرِّ؛ فكانت بمعنى النَّاحية، وما بعدها مجرور١ بالإضافة؛ قال الشاعر٢: [الطويل] فقلتُ اجعلي ضوء الفراقد كلها ... يمينًا وضوء النجم من عن شِمَالِكِ وقال الآخر٣: [الكامل] فلقد أُراني للرماح دَرِيَّة ... مِنْ عن يميني تارةً وشمالي ٤ وقال الآخر٥: [الرجز] جَرَّت عليها كلُ ريحٍ سيهوج ... من عن يمين الخط أو سماهيج٦ وقال الآخر ٧: [البسيط] [فَقُلْتُ للرَّكب لَمّا أَنْ عَلَا بهم] ... مِنْ عَنْ يمينِ الحُبيَّا نظرة قبَلُ٨

стр. 174

وإذا كانت حرفًا، كان ما بعدها مجرورًا /بها/١؛ كقولك: رميت عن القوس وما أشبه ذلك. [على] وأمَّا "على" فتكون اسمًا وفعلاً وحرفًا، فإذا كانت اسمًا، دخل عليها حرف الجر، فكانت بمعنى "فوق" وما بعدها مجرورًا بالإضافة؛ كقول الشاعر٢: [الطويل] غدت من عليه بعد ما تم ظِمؤهَا ... تَصِلُّ وعن قيضٍ بِزَيْزَاءَ مَجهَلِ٣ وقال الآخر٤: [الطويل] أَتَتْ مِنْ عليه تنقضُ الطَّلَّ بعدما ... رَأت حاجبَ الشَّمسِ استوى فترفَّعا وقال الآخر٥: [الرجز] فهي تنوش الحوض نوشًا مِنْ عَلَى ... نَوَشًا بِهِ تقطع أجوازَ الفلا٦ وإذا كانت فعلاً؛ كانت مشتقّة من مصدر، وتدلُ على زمان مخصوص؛ نحو: "علا الجبل يعلو عُلُوًّا، فهو عالٍ"؛ كقولك: "سلا يسلو سُلُوًّا، فهو

стр. 175

سالٍ" وما أشبه ذلك، (وإذا كانت حرفًا، كان ما بعدها مجرورًا بها؛ نحو "على زيدٍ" دينٌ وأشباهه) ١. [الكاف] وأمَّا [الكاف] فتكون اسمًا، كما تكون حرفًا، فإذا كانت اسمًا قدَّروها تقدير "مثل" وجاز أن يدخل عليها حرف الجرّ، وكان ما بعدها مجرورًا بالإضافة؛ كقول الشاعر٢: [الرجز] وصاليات كَكَما يُؤثَفَيْن٣ فالكاف الأولى: حرف جَرٍّ، والثانية: اسم؛ لأنه لا يجوز أن يدخل حرف جَرٍّ على حرف جَرٍّ؛ كقول الشاعر٤: [الرجز] [بيض ثلاثٌ كنعاجٍ جُمّ] ... يضحكن عن كالبردِ الْمُنْهَمِّ٥ وتكون الكاف -أيضًا- فاعلةً؛ كقول الشاعر٦: [البسيط] أَتَنْتَهَونَ وَلَن ينهي ذوي شططٍ ... كالطَّعنِ يَهلِك فيه الزّيتُ والقتُلُ٧

стр. 176

فالكاف -ههنا- اسم لأنها فاعلة، وهي في موضع رفع بإسناد الفعل إليها؛ فإذا كانت حرفًا؛ كان ما بعدها مجرورًا بها؛ نحو: "جاءني الذي كزيدٍ" وما أشبه ذلك. وأما "حاشا، وخلا" فقد ذكرناهما في باب الاستثناء فيما قبل. وأما مذ، ومنذ فلهما باب نذكرهما فيه فيما بعد، إن شاء الله تعالى. [معاني حروف الجرّ] ثم إِنَّ معاني هذه الحروف كلها مختلفة، فأما "مِنْ" فتكون على أربعة أوجه: [معاني "مِنْ"] الوجه الأوَّل: أن تكون لابتداء الغاية؛ كقولك: "سرت من الكوفة إلى البصرة". والوجه الثاني: أن تكون للتبعيض؛ كقولك "أخذت من المال درهمًا". والوجه الثالث: أن تكون لتبيين الجنس؛ كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ ١. فـ"مِنْ" هذه دخلت لتبين المقصود بالاجتناب، ولا يجوز أن تكون للتبعيض؛ لأنه ليس المأمور به اجتناب بعض الأوثان دون بعض، وإنما المقصود اجتناب جنس الأوثان. والوجه الرّابع: أن تكون زائدة في النَّفي؛ كقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٢؛ والتقدير: "ما لكم إلهٌ غيره" و"مِنْ" زائدة؛ كقول الشاعر٣: [البسيط] [عيَّت جوابًا] وما بالرَّبع من أحدِ٤

стр. 177

أي: أحد. وذهب بعض النحويين إلى أنه يجوز أن تكون زائدةً في الواجب، ويستدلّ بقوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ١ /أي سيئاتكم/٢ فـ"مِنْ" زائدة بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ٣ و"مِنْ" زائدة، وما استدل به لا حُجَّة له فيه؛ لأنَّ من ليست زائدة، فأمَّا قوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ فـ"مِنْ" فيه للتبعيض لا زائدة؛ لأنه من الذنوب ما لا يُكفَّر بإبداء الصدقات، أو إخفائها، وإيتائها للفقراء، وهي مظالم العباد؛ وأما قوله تعالى: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ فـ"مِنْ" فيه -أيضًا- للتبعيض؛ لأنهم إنما أُمروا أن يغضوا أبصارهم عمَّا حرّم /الله/٤ عليهم، لا عمّا أحلَّ لهم، فدل على أنها للتبعيض، وليست زائدةً. وأما "إلى" فتكون على وجهين: [وجها إلى] أحدهما: أن تكون غايةً؛ كقولك: "سرت من الكوفة إلى البصرة". والثاني: أن تكون بمعنى مع؛ كقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ٥؛ أي: مع المرافق، ومع الكعبين. [معنى في] وأما "في" فمعناها الظرفية؛ كقولك: "زيد في الدار"، وقد يُتَّسع فيها، فيقال: "زيد ينظر في العلم". [معنى اللام] وأمَّا "اللام" فمعناها التخصيص والملك؛ كقولك: "المال لزيدٍ"؛ أي يختص به، ويملكه.

стр. 178

[معنى الباء] وأمَّا "الباء" فمعناها الإلصاق؛ كقولك: "كتبت بالقلم" أي: ألصقت كتابتي بالقلم. [معنى رُبَّ] وأما "رُبَّ" فمعناها التقليل، وهي تخالف حروف١ الجرِّ من أربعة أوجه: الوجه الأول: أنها تقع في صدر الكلام، وحروف الجرِّ لا تقع في صدر الكلام. والوجه الثاني: أنها لا تعمل إلا في نكرة، وحروف الجرِّ تعمل في المعرفة والنكرة. والوجه الثالث: أنه يلزم مجرورها الصفة، وحروف الجر لا يلزم مجرورها الصِّفة. والوجه الرابع: أنَّها يلزم معها حذف الفعل الذي أوصلته إلى ما بعدها وهذا لا يلزم الحرف٢؛ واختصاصها بهذه الأشياء لمعان اختصَّت بها، فأمَّا كونها في صدر الكلام، فإنِّها٣ لَمّا كانت تدل على التقليل، [وتقليل الشيء يقارب نفيه، أشبهت حروف النفي، وحروف النفي لها صدر الكلام. وأما كونها لا تعمل إلا في النكرة؛ فلأنها لَمّا كانت تدل على التقليل] ٤، والنكرة تدل على التكثير، وجب أن تختصّ بالنكرة التي تدل على التكثير؛ ليصح فيها التقليل. وأمَّا كونها تلزم الصفة مجرورها؛ فجعلوا ذلك عوضًا عن حذف الفعل الذي يتعلّق به، وقد يظهر ذلك في ضرورة /الشعر/٥. وأما حذف الفعل معها فللعلم به، ألا ترى أنَّك إذا قلت: "رُبَّ رجل يفهم" كان التقدير فيه "ربَّ رجل يفهم أدركت، أو لقيت" فحذف الفعل؛ لدلالة الحال عليه، كما حذف في قوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ ٦ ... إلى قوله: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ ولم يذكر مرسلاً؛ لدلالة الحال عليه، فكذلك ههنا.

стр. 179

[معنى عن] وأمَّا "عَنْ" فمعناها المجاوزة. [معنى على] وأمَّا "على" فمعناها الاستعلاء.. [معنى الكاف] وأمَّا "الكاف" فمعناها التشبيه، وقد تكون زائدة؛ كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ ؛ وتقديره: "ليس مثلَه شيء". وكقول٢ الشاعر٣: [الرجز] لواحق الأقراب فيها كالمقق٤ وتقديره: فيها الْمَقَق؛ وهو الطُّول؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 180

الباب التاسع والثلاثون: باب حتّى [أوجه حتى] إن قال قائل: على كم /وجه/١ تستعمل حتّى؟ قيل: على ثلاثة أوجه: الأوَّل: أن تكون حرف جر كـ"إلى"؛ نحو قوله تعالى: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ ٢ وما بعدها مجرور بها في قول جماعة النحويين، إلا في قول شاذٍّ لا يُعرج عليه، وهو ما قد حُكي عن بعضهم أنه قال: إنه مجرور بتقدير "إلى"٣ بعد "حتى"٤؛ وهو قول ظاهر الفساد. والوجه الثاني: أن تكون عاطفة حملاً على الواو؛ نحو: "جاءني القوم حتى زيدٌ، ورأيت القوم حتى زيدًا، ومررت بالقومِ حتى زيدٍ". [علة حمل حتى على الواو] فإن قيل: فَلِمَ حُملت "حتى" على الواو؟ قيل: لأنها أشبهتها، ووجه الشبه بينهما أن أصل "حتى" أن تكون غايةً، وإذا كانت غايةً، كان ما بعدها داخلاً في حكم ما قبلها، ألا ترى أنك إذا قلت: (جاءني القوم حتى زيدٌ، كان زيد داخلاً في المجيء، كما لو قلت) ٥: "جاءني القوم وزيدٌ"؟ فلمّا أشبهت الواو في هذا المعنى؛ جاز أن تُحمل عليها. [وجوب كون المعطوف بـ"حتى" من جنس المعطوف عليه] فإن قيل: فَلِمَ إذا كانت عاطفة، وجب أن يكون ما بعدها من جنس ما قبلها، ولا يجب ذلك في الواو؟ قيل: لأنَّها لَمّا كانت الغاية والدلالة على أحد
следующие страницы →