← Язык

Язык · id 7502

أسرار العربية

أبو البركات الأنباري

Полный текст (276 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فالكاف -ههنا- اسم لأنها فاعلة، وهي في موضع رفع بإسناد الفعل إليها؛ فإذا كانت حرفًا؛ كان ما بعدها مجرورًا بها؛ نحو: "جاءني الذي كزيدٍ" وما أشبه ذلك. وأما "حاشا، وخلا" فقد ذكرناهما في باب الاستثناء فيما قبل. وأما مذ، ومنذ فلهما باب نذكرهما فيه فيما بعد، إن شاء الله تعالى. [معاني حروف الجرّ] ثم إِنَّ معاني هذه الحروف كلها مختلفة، فأما "مِنْ" فتكون على أربعة أوجه: [معاني "مِنْ"] الوجه الأوَّل: أن تكون لابتداء الغاية؛ كقولك: "سرت من الكوفة إلى البصرة". والوجه الثاني: أن تكون للتبعيض؛ كقولك "أخذت من المال درهمًا". والوجه الثالث: أن تكون لتبيين الجنس؛ كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ ١. فـ"مِنْ" هذه دخلت لتبين المقصود بالاجتناب، ولا يجوز أن تكون للتبعيض؛ لأنه ليس المأمور به اجتناب بعض الأوثان دون بعض، وإنما المقصود اجتناب جنس الأوثان. والوجه الرّابع: أن تكون زائدة في النَّفي؛ كقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٢؛ والتقدير: "ما لكم إلهٌ غيره" و"مِنْ" زائدة؛ كقول الشاعر٣: [البسيط] [عيَّت جوابًا] وما بالرَّبع من أحدِ٤

стр. 177

أي: أحد. وذهب بعض النحويين إلى أنه يجوز أن تكون زائدةً في الواجب، ويستدلّ بقوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ١ /أي سيئاتكم/٢ فـ"مِنْ" زائدة بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ٣ و"مِنْ" زائدة، وما استدل به لا حُجَّة له فيه؛ لأنَّ من ليست زائدة، فأمَّا قوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ فـ"مِنْ" فيه للتبعيض لا زائدة؛ لأنه من الذنوب ما لا يُكفَّر بإبداء الصدقات، أو إخفائها، وإيتائها للفقراء، وهي مظالم العباد؛ وأما قوله تعالى: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ فـ"مِنْ" فيه -أيضًا- للتبعيض؛ لأنهم إنما أُمروا أن يغضوا أبصارهم عمَّا حرّم /الله/٤ عليهم، لا عمّا أحلَّ لهم، فدل على أنها للتبعيض، وليست زائدةً. وأما "إلى" فتكون على وجهين: [وجها إلى] أحدهما: أن تكون غايةً؛ كقولك: "سرت من الكوفة إلى البصرة". والثاني: أن تكون بمعنى مع؛ كقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ٥؛ أي: مع المرافق، ومع الكعبين. [معنى في] وأما "في" فمعناها الظرفية؛ كقولك: "زيد في الدار"، وقد يُتَّسع فيها، فيقال: "زيد ينظر في العلم". [معنى اللام] وأمَّا "اللام" فمعناها التخصيص والملك؛ كقولك: "المال لزيدٍ"؛ أي يختص به، ويملكه.

стр. 178

[معنى الباء] وأمَّا "الباء" فمعناها الإلصاق؛ كقولك: "كتبت بالقلم" أي: ألصقت كتابتي بالقلم. [معنى رُبَّ] وأما "رُبَّ" فمعناها التقليل، وهي تخالف حروف١ الجرِّ من أربعة أوجه: الوجه الأول: أنها تقع في صدر الكلام، وحروف الجرِّ لا تقع في صدر الكلام. والوجه الثاني: أنها لا تعمل إلا في نكرة، وحروف الجرِّ تعمل في المعرفة والنكرة. والوجه الثالث: أنه يلزم مجرورها الصفة، وحروف الجر لا يلزم مجرورها الصِّفة. والوجه الرابع: أنَّها يلزم معها حذف الفعل الذي أوصلته إلى ما بعدها وهذا لا يلزم الحرف٢؛ واختصاصها بهذه الأشياء لمعان اختصَّت بها، فأمَّا كونها في صدر الكلام، فإنِّها٣ لَمّا كانت تدل على التقليل، [وتقليل الشيء يقارب نفيه، أشبهت حروف النفي، وحروف النفي لها صدر الكلام. وأما كونها لا تعمل إلا في النكرة؛ فلأنها لَمّا كانت تدل على التقليل] ٤، والنكرة تدل على التكثير، وجب أن تختصّ بالنكرة التي تدل على التكثير؛ ليصح فيها التقليل. وأمَّا كونها تلزم الصفة مجرورها؛ فجعلوا ذلك عوضًا عن حذف الفعل الذي يتعلّق به، وقد يظهر ذلك في ضرورة /الشعر/٥. وأما حذف الفعل معها فللعلم به، ألا ترى أنَّك إذا قلت: "رُبَّ رجل يفهم" كان التقدير فيه "ربَّ رجل يفهم أدركت، أو لقيت" فحذف الفعل؛ لدلالة الحال عليه، كما حذف في قوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ ٦ ... إلى قوله: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ ولم يذكر مرسلاً؛ لدلالة الحال عليه، فكذلك ههنا.

стр. 179

[معنى عن] وأمَّا "عَنْ" فمعناها المجاوزة. [معنى على] وأمَّا "على" فمعناها الاستعلاء.. [معنى الكاف] وأمَّا "الكاف" فمعناها التشبيه، وقد تكون زائدة؛ كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ ؛ وتقديره: "ليس مثلَه شيء". وكقول٢ الشاعر٣: [الرجز] لواحق الأقراب فيها كالمقق٤ وتقديره: فيها الْمَقَق؛ وهو الطُّول؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 180

الباب التاسع والثلاثون: باب حتّى [أوجه حتى] إن قال قائل: على كم /وجه/١ تستعمل حتّى؟ قيل: على ثلاثة أوجه: الأوَّل: أن تكون حرف جر كـ"إلى"؛ نحو قوله تعالى: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ ٢ وما بعدها مجرور بها في قول جماعة النحويين، إلا في قول شاذٍّ لا يُعرج عليه، وهو ما قد حُكي عن بعضهم أنه قال: إنه مجرور بتقدير "إلى"٣ بعد "حتى"٤؛ وهو قول ظاهر الفساد. والوجه الثاني: أن تكون عاطفة حملاً على الواو؛ نحو: "جاءني القوم حتى زيدٌ، ورأيت القوم حتى زيدًا، ومررت بالقومِ حتى زيدٍ". [علة حمل حتى على الواو] فإن قيل: فَلِمَ حُملت "حتى" على الواو؟ قيل: لأنها أشبهتها، ووجه الشبه بينهما أن أصل "حتى" أن تكون غايةً، وإذا كانت غايةً، كان ما بعدها داخلاً في حكم ما قبلها، ألا ترى أنك إذا قلت: (جاءني القوم حتى زيدٌ، كان زيد داخلاً في المجيء، كما لو قلت) ٥: "جاءني القوم وزيدٌ"؟ فلمّا أشبهت الواو في هذا المعنى؛ جاز أن تُحمل عليها. [وجوب كون المعطوف بـ"حتى" من جنس المعطوف عليه] فإن قيل: فَلِمَ إذا كانت عاطفة، وجب أن يكون ما بعدها من جنس ما قبلها، ولا يجب ذلك في الواو؟ قيل: لأنَّها لَمّا كانت الغاية والدلالة على أحد

стр. 181

طرفي الشيء، فلا يتصور أن يكون طرف الشَّيء من غيره، فلو قلت: "جاء الرجال حتى النساءُ" لجعلت النِّساء غاية للرجال ومنقطعًا١ لهم، وذلك محال. والوجه الثالث: أن تكون حرف ابتداء كـ"أما"؛ نحو: "ضرب القوم، حتى زيد ضارب، وذهبوا، حتى عمرو ذاهب" قال الشعر ٢: [الطويل] فما زالت القتلى تَمُجُّ دماءَها ... بدجلة حتى ماءُ دِجْلَةَ أَشْكَلُ ٣ وقال الآخر٤: [الطويل] مطوت بهم حتى تكلَّ ركابهم ... وحتى الجيادُ ما يُقَدنَ بأرسانِ٥ [لا محل من الإعراب للجمل بعد حتى] فإن قيل: فهل يكون للجملة بعدها موضع من الإعراب /أو لا/٦؟ قيل: لا يكون للجملة بعدها موضع من الإعراب؛ لأنَّ الجملة إنما يحكم لها بموضع من الإعراب إذا وقعت موقع المفرد، نحو٧ أن تقع وصفًا؛ نحو /قولك/٨: "مررت برجل يكتب" أو حالاً؛ نحو: "جاءني زيد يضحك" أو خبر مبتدأ، نحو: "زيد يذهب" وإذا ٩ لم تقع -ههنا- موقع المفرد فينبغي ألا يحكم لها بموضع من الإعراب؛ فهذه الأوجه الثلاثة التي في "حتى"، وقد تجتمع كُلُّها في مسألة واحدة؛ نحو قولهم: "أكلت السمكة حتى رأسِهَا، وحتى رأسُهَا، وحتى رأسَهَا" بالجر، والرفع، والنَّصب، فالجر على أن تجعل /حتى/١٠ حرف

стр. 182

جرّ، والنصب على أن تجعلها حرف عطف، فتعطفه على السمكة، والرفع على أن تجعلها حرف ابتداء، فيكون مرفوعًا بالابتداء؛ وخبره محذوف، وتقديره: "حتى رأسُها مأكول" وإنما حذف الخبر لدلالة الحال عليه، وعلى هذه الأوجه الثلاثة يُنشد١: [الكامل] ألقى الصَّحيفة كي يخفف رَحْلَهُ ... والزَّاد حتى نعلَهُ أَلْقَاهَا٢ بالرفع، والنصب، والجر، فالجر بحتى، والنصب على العطف، والرفع على الابتداء، وألقاها الخبر؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 183

الباب الأربعون: باب مُذ ومنذُ [الأغلب على "مذ" الاسمية وعلى "منذ" الحرفية] إن قال قائل: لِمَ قلتم: إنَّ الأغلب على "مُذ" الاسمية، وعلى "منذ" الحرفية، وكل واحد منهما يكون اسمًا، و/يكون/١ حرفًا جارًّا؟. قيل: إنما قلنا: إنَّ الأغلب على "مذ" الاسمية، (وعلى "منذ" الحرفية) ٢؛ لأن "مذ" دخلها الحذف، والأصل فيها "منذ" فحذفت النون منها، والحذف إنما يكون في الأسماء؛ والدليل على أن الأصل في مذ: منذ أنك لو صغرتها، أو كسرتها؛ لرددت النون إليها؛ فقلت في تصغيرها: مُنيذ وفي تكسيرها: أمناذ؛ لأن التصغير والتكسير يردان الأشياء إلى أصولها؛ فدل على أنَّ الأصل في مذ: منذ. [علة ارتفاع الاسم بعد مذ ومنذ] فإن قيل: فَلِمَ (إذا كان اسمين) ٣، كان الاسم بعدهما مرفوعًا؛ نحو: "ما رأيته مذ يومان ومنذ ليلتان" قيل: إنما كان الاسم بعدهما مرفوعًا إذا كان اسمين؛ لأنه خبر المبتدأ؛ لأنَّ "مذ"، و"منذ" هما المبتدأ٤، وما بعدهما هو الخبر؛ والتقدير في قولك: ما رأيته مذ يومان ومنذ ليلتان: أَمدُ ذلك يومان، وأَمدُ ذلك ليلتان. [علة بناء مذ ومنذ] فإن قيل: فَلِمَ٥ بُنيت "مذ، ومنذ"؟ قيل: لأنَّهما إذا كانا حرفين بُنيا؛ لأن الحروف كلها مبنية، وإذا كانا اسمين بُنيا؛ لتضمنهما معنى الحرف؛ لأنك

стр. 184

إذا قلت: "ما رأيته مذ يومان ومنذ ليلتان" كان المعنى فيه: ما رأيته من أول اليومين إلى آخرهما، ومن أوّل الليلتين إلى آخرهما، ولَمّا١ تضمنا معنى الحرف٢، وجب أن يُبنيا، وبنيت "مُذ" على السكون؛ لأن الأصل في البناء أن يكون على السكون، فبنيت على الأصل، وبُنيت "منذ" على الضم؛ لأنه لَمّا وجب أن تُحرَّك الذال؛ لالتقاء الساكنين بُنيت على الضم ... إتباعًا لضمة الميم، كما قالوا في "مُنْتِن: مُنْتُن" فضمّوا التاء إتْبَاعًا لضمة الميم؛ ومنهم من يقول: "مِنْتِن" فيكسر الميم إتباعًا لحركة التاء٣، ونظير هذين الوجهين، قراءة من قرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ٤ فضم اللام إتباعًا لضمة الدال، وقراءة من قرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ٤ فكسر الدال إتباعًا لكسرة اللام؛ فلهذا، كانت "مذ، ومنذ" مبنيَّتين، وهما تختصان بابتداء الغاية في الزمان، كما أن "مِنْ" تختص بابتداء الغاية في المكان، وذهب الكوفيّون إلى أن من تُستعمل في (الزمان، كما تستعمل في) ٥ المكان، واستدلوا على جواز ذلك، بقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ ٦، فأدخل "مِنْ" على "أول يوم" وهو ظرف زمان، ويستدلون٧ -أيضًا- بقول زهير بن أبي ُسُلمي ٨: [الكامل] لِمَنِ الدِّيارُ بِقُنَّةِ الْحِجْرِ ... أَقْوَيْنَ مِنْ حِجَجٍ وَمِنْ دَهْرِ٩ وما استدلوا به لا حُجَّة لهم فيه، أما قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى

стр. 185

التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ فالتقدير فيه: "مِن تأسيس أول يوم" فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه؛ كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ ١ والتقدير فيه: أهل القرية، وأهل العير، وهذا كثير في كلامهم. وأما قول زهير /بن أبي سُلمى/٢: "مِن حجج ومِن دهر" فالرّواية فيه: "مذ حجج، ومذ دهر" وإن صحَّ ما رَوَوْهُ؛ فالتقدير فيه: "من مرّ حجج، ومن مرّ دهر" كما تقول: "مرت عليه السنون، ومرت عليه الدهور" فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه على ما بينا؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 186

الباب الحادي والأربعون: باب القسم [علة حذف فعل القسم] إن قال قائل: لِمَ حذف فعل القسم؟ قيل: إنما حذف فعل القسم لكثرة الاستعمال. [الباء هي الأصل في حروف القسم وعلة ذلك] فإن قيل: فَلِمَ قلتم: إن الأصل في حروف القسم الباء دون غيرها، يعني الواو والتاء؟ قيل: لأن فعل القسم المحذوف فعل لازم، ألا ترى أن التقدير في قولك: "بالله لأفعلنَّ: أقسم بالله، أو أحلف بالله" والحرف المعدي من هذه الأحرف هو "الباء"؛ لأنَّ "الباء" هو الحرف الذي يقتضيه الفعل، وإنما كان "الباء" دون غيره١ من الحروف المعدِّية؛ لأنَّ "الباء" معناها الإلصاق؛ فكانت أولى من غيرها؛ ليتصل فعل القسم بالمقسم به مع تعديته٢، والذي يدلُ على أنها هي الأصل، أنها تدخل على المضمر والمظهر، و"الواو" تدخل على المظهر دون المضمر، والتاء تختص باسم الله -تعالى- دون غيره، فلما دخلت "الباء" على المظهر والمضمر، واختصت الواو بالمظهر، والتاء باسم الله تعالى؛ دل على أن الباء هي الأصل. [علة جعلهم الواو بدلاً من الباء] فإن قيل: فَلِمَ جعلوا الواو دون غيرها بدلاً من الباء؟ قيل: لوجهين: أحدهما: أنَّ الواو تقتضي الجمع، كما أنَّ الباء تقتضي الإلصاق، فلما تقاربا في المعنى؛ أُقيمت مقامها. والثَّاني: أن الواو مخرجها من الشفتين، (كما أنَّ الباء مخرجها من الشفتين) ٣، فلما تقاربا في المخرج، كانت أولى من غيرها.

стр. 187

[اختصاص الواو بالمظهر دون المُضمر] فإن قيل: فلِمَ اختصت الواو بالمظهر دون المضمر؟ قيل: لأنها لَمّا كانت فرعًا على الباء، والباء تدخل على المظهر والمضمر، انحطّت عن درجة الباء التي هي الأصل، واختصّت١ بالمظهر دون المضمر؛ لأنَّ الفرع٢ -أبدًا- ينحط عن درجة الأصل٢. [عِلَّة جعل التاء بدلاً من الواو] فإن قيل: فَلِمَ جعلوا التاء دون غيرها بدلاً من الواو؟ قيل: لأنَّ التاء تبدل من الواو كثيرًا؛ نحو قولهم: "تراث، وتجاه، وتخمة /وتهمة/٣، وتيقور" والأصل فيه: "وراث، ووجاه، ووخمة، ووهمة، وويقور"؛ لأنَّه مأخوذ من الوقار (إلا أنهم أبدلوا التاء من الواو) ٤ فكذلك ههنا. [عِلَّة اختصاص التاء باسم الجلالة] فإن قيل: فَلِمَ اختصت التاء باسم واحد، وهو اسم الله تعالى؟ قيل: لأنها لَمّا كانت فرعًا للواو والتي هي فرع للباء، والواو تدخل على المظهر دون المضمر؛ لأنها فرع انحطت عن درجة الواو، لأنها فرع الفرع، فاختصت باسم واحد، وهو اسم الله تعالى. [جواب القسم في حالي الإثبات والنفي] فإن قيل: فَلِمَ جعلوا٥ جواب القسم باللام، وإن، وما، ولا؟ قيل: لأنَّ القسم وجوابه لَمّا كانا جملتين؛ والجمل تقوم بنفسها، وإنما تتعلَّق إحدى الجملتين بالأخرى، برابطة٦ بينه وبين جوابه؛ وجوابه لا يخلو إمّا أن يكون موجبًا أو منفيًّا؛ جعلوا الرابطة بينهما بأربعة أحرف؛ حرفين للإيجاب، وهما: "اللام، وإن" وحرفين للنفي، وهما: "لا، وما". [عِلَّة حذف "لا" في تالله تفتأ] فإن قيل: فَلِمَ جاز حذف "لا"؛ نحو قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ

стр. 188

تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ ١؟ قيل لدلالة الحال عليه؛ لأنه لو كان إيجابًا، لم يخل من "إن"٢ أو "اللام" فلما خلا منها، دلَّ على أنها نفي؛ فلهذا، جاز حذفها؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 189

الباب الثاني والأربعون: باب الإضافة [ضربا الإضافة] إن قال قائل: على كم ضربًا الإضافة؟ قيل: على ضربين؛ إضافة بمعنى "اللام" نحو: "غلام زيد"؛ أي: "غلام لزيد" وإضافة بمعنى "مِنْ" نحو: "ثوب خز"؛ أي: "ثوب مِنْ خز". [علة حذف التنوين من المضاف وجر المضاف إليه] فإن قيل: فَلِمَ حذف التنوين من المضاف، وجُر المضاف إليه؟ قيل: أمَّا حذف التنوين؛ فلأنه يدلُ على الانفصال، والإضافة تدلُ على الاتصال، فلم يجمعوا بينهما، ألا ترى أن التنوين يؤذن بانقطاع الاسم وتمامه، والإضافة تدل على الاتصال، وكون الشيء مُتصلاً منفصلاً في حالة واحدة محال؛ وأما جر المضاف إليه؛ فلأن الإضافة لَمّا كانت على ضربين؛ بمعنى اللام، وبمعنى مِنْ، وحُذفَ حرف الجر، قام المضاف مُقامه، فعمل في المضاف إليه الجر، كما يعمل حرف الجر. [الفارق بين ضربي الإضافة] فإن قيل: "وجه زيد، ويد عمرو" هذه١ الإضافة هل هي بمعنى اللام، أو بمعنى مِنْ؟ قيل: بمعنى اللام؛ لأن الإضافة التي بمعنى "مِنْ" يجوز أن يكون الثاني وصفًا للأول، ألا ترى أنه يجوز أن تقول في نحو قولك: "ثوبُ خزٍّ: ثوبٌ خزٌّ" فترفع "خزٌّ"؛ لأنه صفة٢ لثوب؟ وكذلك ما أشبهه؛ وأما الإضافة بمعنى اللام، فلا يجوز أن يكون الثاني وصفًا للأول، ألا ترى أنك لا تقول في "غلامُ زيدٍ: غلامٌ زيدُ" فلا يجوز أن تجعل زيدًا٣ صفة لغلام، كما جاز أن

стр. 190

تجعل خزًّا صفة لثوب؛ فلمَّا وجدنا قولهم: "وجه زيد" لا يجوز أن يكون الثاني وصفًا للأوّل، علمنا أنَّه بمعنى "اللام" لا بمعنى "مِنْ". [الإضافة غير المحضة وعللها] فإن قيل: فَلِمَ كانت إضافة١ اسم الفاعل /إذا/٢ أُريد به الحال أو الاستقبال، وإضافة الصفة المشبهة باسم الفاعل، وإضافة "أفعَلَ" إلى ما هو بعض له، وإضافة الاسم إلى الصفة، غير محضة في هذه المواضع كلها؟ قيل: أمَّا اسم الفاعل، فإنما كانت إضافته٣ غير محضة؛ لأن الأصل في قولك: "مررت برجل ضارب زيد غدًا" /أي/٤: "ضاربٍ زيدًا"٥ بتنوين ضارب، فلمّا كان التنوين٦ -ههنا- مُقدرًا، كانت الإضافة في تقدير الانفصال؛ ولهذا؛ أُجري صفةً٧ للنكرة، وأمّا الصفة المشبهة باسم الفعل فإنما كانت إضافتها غير محضة؛ لأن التقدير في قولك: "ممرت برجل حسن الوجه: مررت برجل حسنٍ وجهُهُ" فلما كان التنوين -أيضًا- ههنا مقدرًا؛ كانت إضافته -أيضًا- غير محضة، وأمّا "أفْعَل" الذي يُضاف إلى ما هو بعض له، فإنما كانت إضافته غير محضة؛ لأن التقدير في قولك: "زيد أفضلُ القومِ: زيد أفضلُ من القومِ" فلما كانت "مِنْ" ههنا مقدَّرةً؛ كانت إضافته غير محضة، وأمّا إضافة الاسم إلى الصفة، فإنما كانت غير محضة؛ لأن التقدير في قولك: "صلاة الأولى: صلاة الساعة الأولى" فلما كان الموصوف -ههنا- مُقدَّرًا، كانت الإضافة غير محضة (وإذا كانت غير محضة) ٨ لم تفقد التعريف، بخلاف ما إذا كانت محضةً؛ نحو: "غلام زيد" وممّا لم يتعرّف بالإضافة؛ لأنّ إضافته غير محضة قولهم٩: "مررت برجلٍ مثلِك وشبهِك"، وما أشبه ذلك، وإنَّما لم يتعرّف بالإضافة؛ لأنها لا تخصُ شيئًا بعينه، فلهذا١٠، وقعت صفةً للنكرة؛ فاعرفه تُصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 191

الباب الثالث والأربعون: باب التوكيد [فائدة التوكيد] إن قال قائل: ما الفائدة في التوكيد؟ قيل: الفائدة في التوكيد التحقيق، وإزالة التجوز في الكلام؛ لأن من كلامهم المجاز، ألا ترى أنهم يقولون: "مررت بزيدٍ" وهم يريدون المرور بمنزله ومحله١، و"جاءني القوم" وهم يريدون بعضهم؟ قال الله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾ ٢ وإنماكان جبريل وحده؛ فإذا قلت: "مررت بزيدٍ نفسه" زال هذا المجاز، وكذلك إذا قلت: "جاءني القوم كلُهم" زال هذا المجاز أيضًا؛ قال الله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ﴾ ٣ فزال هذا المجاز الذي كان في قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ ٤؛ لوجود التوكيد /فيه/٥. [ضربا التوكيد] فإن قيل: فعلى كم ضرب التوكيد؟ قيل: على ضربين؛ توكيد بتكرير اللفظ، وتوكيد بتكرير المعنى؛ فأما التوكيد بتكرير اللفظ؛ فنحو /قولك/٦: "جاءني زيد زيد، وجاءني رجل رجل" وما أشبه ذلك، وأما التوكيد بتكرير المعنى، فيكون بتسعة ألفاظ؛ وهي "نفسه، عينه، كلُه، أجمع، أجمعون، جمعاء، جُمَع، كلا، كلتا". [علة وجوب تقديم بعض ألفاظ التوكيد على غيرها] فإن قيل: فَلِمَ وجب تقديم "نفسه، وعينه" على "كلهم، وأجمعين"؟

стр. 192

قيل: لأنَّ "النفس، والعين" يدلان على حقيقة الشيء، و"كلهم، وأجمعون" يدلان على الإحاطة والعموم، والإحاطة والعموم يدلان على محاطٍ به، فكان فيهما معنى التَّبَع، و"النفس، والعين" ليس فيهما معنى التبع، فكان تقديمها أولى؛ وقدّم "كلهم" على "أجمعين"؛ لأن معنى الإحاطة في "أجمعين" أظهر منه١ في "كلهم"؛ لأنَّ أجمعين من الاجتماع، وكل لا اشتقاق له؛ وأما ما بعد "أجمعين" فتبع لأجمعين٢، وإنما كان كذلك٣؛ لأنهم كرهوا إعادة /لفظ/٤ "أجمعين" فزادوا ألفاظًا بعد "أجمعين" تبعًا له؛ لأنها٥ لا معنى لها سوى التبع؛ فلهذا، وجب أن تكون بعد "أجمعين". [أجمع وجمعاء وجُمع معارف وعلّة ذلك] فإن قيل: "أجمع، وجمعاء، وجُمع" هل هُنَّ٥ معارف أو٦ نكرات؟ قيل: هي٧ معارف، والذي يدل على ذلك، أنها تكون تأكيدًا للمعارف؛ نحو: "جاء الجيش أجمع، ورأيت القبيلة جمعاء، ومررت بهن جُمع" فلما كانت تأكيدًا للمعارف؛ دل على أنها معارف. [علة كون الألفاظ السابقة غير مصروفة] فإن قيل: فَلِمَ كانت غير مصروفة٨؟ قيل: أما "أجمع" فللتعريف ووزن الفعل، وأما "جمعاء" فلألف٩ التأنيث؛ نحو: "صحراء" وأما "جُمع" فللتعريف والعدل عن جمع١٠ "جمعاء" وقياسه: "جمع: كحُمر" فَعُدِل وحُرِّك؛ فاجتمع /فيه/١١ العدل والتعريف؛ (فلذلك لم ينصرف، والذي عليه الأكثرون هو الأول) ١٢. وأما "كلا، وكلتا" ففيهما إفراد لفظي، وتثنية معنوية، والذي يدلُّ على ذلك، أنهما تارة يرجع١٣ الضمير إليهما بالإفراد اعتبارًا

стр. 193

باللفظ, وتارةً بالتثنية اعتبارًا بالمعنى؛ قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ ١ فردّ /الضمير/٢ إلى اللفظ فأفرد، ثُمَّ قال الشاعر٣: [الطويل] كلا أخوينا ذو رجالٍ كأنّهُم ... أسُودُ الشَّرى من كُلِّ أغلبَ ضَيغَمِ٤ وقال الآخر /وهو الفرزدق/٥: [البسيط] كِلاهُمَا حِينَ جدَّ الجري بينهما ... قد أقلعا وكلا أنفيهما رَاب٦ فردّ إلى اللفظ والمعنى؛ فقال: "أقلعا" اعتبارًا بالمعنى، وقال: "راب" اعتبارًا باللفظ، والذي يدلُ على أنَّ الألف فيهما ليست للتثنية أنها لو كانت للتثنية؛ لانقلبت في النصب والجر إذا أُضيفتا إلى المظهر؛ لأن الأصل هو المظهر؛ تقول: رأيت كلا الرجُلين، ومررت بكلا الرجُلين، ورأيت كلتا المرأتين /ومررت بكلتا المرأتين/٧ فلو كانت للتثنية؛ لوجب أن تنقلب مع المظهر، فلمَّا لم تنقلب، دلَّ على أنها الألف المقصورة، وليست للتثنية. وذهب الكوفيون إلى أن الألف فيهما للتثنية، واستدلوا على ذلك بقول الشاعر٨: [الزجر] في كِلتِ رجليها سلامى واحدة ... كلتاهما مقرونة بزائده٩

стр. 194

فأفرد في قوله "كلت" فدلّ على أن كلتا مثنّى، واستدلوا على ذلك -أيضًا- بأنَّ الألف فيهما١ تنقلب إلى الياء في حال٢ النصب والجر إذا أُضيفتا إلى المضمر؛ تقول: "رأيت الرجلين كليهما، ومررت بالرجلين كليهما"، وكذلك تقول: "رأيت المرأتين كلتيهما، ومررت بالمرأتين كلتيهما" ولو كانت الألف المقصورة، لم تنقلب، كألف "عصا" /ونحوها/٣. وما ذهب إليه الكوفيون ليس بصحيح، فأما استدلالهم بقول الشاعر /في البيت المتقدم/٤: في كلت رجليهما سلامى واحدة، فلا حُجَّة فيه؛ لأنَّه يحتمل أنه حذف الألف لضرورة الشعر؛ وأما قولهم: إنها تنقلب في حال النصب والجر إذا أُضيفت إلى المضمر؛ قلنا إنما قُلبت مع المضمر؛ لأنها أشبهت /ألف/٥: "إلى، وعلى، ولدى" فلما أشبهتها؛ قلبت ألفها مع المضمر ياءً، كما قلبت ألف "إلى، وعلى، ولدى" مع المضمر في "إليك، وعليك، ولديك" ووجه المشابهة بينهما٦ وبين هذه الكلم، أن هذه الكلم٧ (يلزم دخولها على الاسم، وإنما قُلبت في حالة الجر والنصب دون الرّفع؛ لأن هذه الكلم) ٨ لها حال النصب والجر وليس لها حال الرفع. [توكيد النكرات] فإن قيل: فهل يجوز توكيد النكرة؟ قيل: إن كان التوكيد بتكرير اللفظ جاز توكيد النكرة، كما يجوز توكيد المعرفة؛ نحو: "جاءني رجل رجل" وإن كان التوكيد بتكرير المعنى، فقد اختلف النحويُون في ذلك؛ فذهب البصريون إلى أنه لا يجوز، وذلك؛ لأن كل واحدٍ٩ من هذه الألفاظ التي يؤكد بها معرفة، فلا يجوز أن يجري على النكرة تأكيدًا، كما لا يجوز أن يجري عليها

стр. 195

وصفًا. وذهب الكوفيون إلى أنه يجوز، واستدلوا على جوازه بقول الشاعر١: [البسيط] لكنه شاقه أن قيل ذا رجب ... يا ليت عدَّة حول كله رجب٢ فَجَرَّ "كلا" على التوكيد لحول٣؛ وهو٤ نكرة، واستدلوا -أيضًا- بقول الشاعر ٥: [الرجز] إذا القَعُودُ كَرَّ فيها حَفَدًا ... يومًا جديدًا كُلَّه مُطَرَّدًا ٦ فأكد "يومًا"؛ وهو نكرة بـ"كله"، واستدلوا -أيضًا- بقول الآخر٧: [الرجز] قد٨ صرت البكرة يومًا أجمعا ... [حتى الضياء بالدجى تقنعا] ٩

стр. 196

وما استدلوا به من هذه الأبيات لا حُجَّة /لهم/١ فيه، أمَّا قول الشاعر: "يا ليت عدة حولٍ كُلِّه رَجَبَا"٢. فالرواية: "يا ليت عدة حولي٣ كُلِّه رَجَبَا"٤ بالإضافة، وهو معرفة لا نكرة، و"رَجَبَا" منصوب، فإنَّ القصيدة منصوبة. وأما قول الآخر: "يومًا جديد كلّه مُطَرَّدًا" فيحتمل أن يكون تأكيدًا للمضمر في "جديد" والمضمرات لا تكون إلا معارف، وكان هذا أولى؛ لأنه أقرب إليه من اليوم، فعلى هذا يكون الإنشاد بالرفع. وأما قول الآخر: "قد صرّت البكرة يومًا أجمعا" فلا يعرف قائله، فلا تكون فيه حُجّة، ثُمَّ لو صحّت هذه الأبيات على ما رَوَوه٥، فلا يجوز الاحتجاج بها؛ لقلتها وشذوذها في بابها، والشاذ لا يُحتجّ به؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 197

الباب الرابع والأربعون: باب الوصف [الغرض من الوصف] إن قال قائل: ما الغرض في الوصف؟ قيل: التّخصيص والتفصيل١؛ فإن كان معرفةً، كان الغرض من الوصف التّخصيص؛ لأنَّ الاشتراك يقع فيها٢، ألا ترى أنَّ المسمَّين٣ يزيد، ونحوه كثير؛ فإذا قال: "جاءني زيد" لم يُعلم أيُهم يريد، فإذا قال: "زيد العاقل، أو العالم، أو الأديب" أوما أشبه ذلك، فقد خصه من غيره؟ وإنْ كان الاسم نكرةً، كان الغرض من الوصف التفصيل١، ألا ترى أنك إذا قلت: "جاءني رجل" لم يعلم أيُ رجل هو، فإذا قلت: "رجل عاقل" فقد فصلته عمَّن٤ ليس له هذا الوصف، ولم تخصّه؛ لأنَّا نعني بالتخصيص شيئًا بعينه، ولم يُرَد ٥ ههنا. [موافقة الصفة للموصوف] فإن قيل: ففي كم /حكمًا/٦ تتبع الصفة الموصوف؟ قيل: في عشرة أشياء؛ في رفعة، ونصبه، وجرّه، وإفراده، وتثنيته، وجمعه، وتذكيره، وتأنيثه، وتعريفه، وتنكيره. [استحالة وصف النكرة بالمعرفة أو العكس] فإن قيل: فَلِمَ لم توصف المعرفة بالنكرة، والنكرة بالمعرفة، وكذلك سائرها؟ قيل: لأنَّ المعرفة ما خصَّ الواحد من جنسه، والنكرة ما كان شائعًا في

стр. 198

جنسه، والصفة في المعنى هي الموصوف، ويستحيل الشيء الواحد أن يكون شائعًا مخصوصًا، وإذا استحال هذا في وصف المعرفة بالنكرة، والنكرة بالمعرفة، كان في وصف الواحد بالاثنين، و١ الاثنين بالجمع، أشدّ استحالة، وكذلك سائرها. [العامل في الصفة] فإن قيل: فما العامل في الصفة؟ قيل: /هو/٢ العامل في الموصوف، فإذا قلت٣: "جاءني زيد الظَّريفُ" كان العامل فيه: جاءني، وإذا قلت: "رأيت زيدًا الظريفَ" كان العامل فيه: رأيت، وإذا قلت: "مررت بزيدٍ الظريفِ" كان العامل فيه: الباء؛ هذا مذهب سيبويه. وذهب أبو الحسن الأخفش إلى أن كونه صفة لمرفوع، أوجب له الرفع، وإلى أنَّ كونه صفة لمنصوب، أوجب له النصب، وإلى أنَّ كونه صفة لمجرورٍ، أوجب له الجر؛ والذي عليه الأكثرون هو الأول، وهو مذهب سيبويه؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 199

الباب الخامس والأربعون: باب عطف البيان [الغرض في عطف البيان] إن قال قائل: ما الغرض في عطف البيان؟ قيل: الغرض فيه رفع اللبس، كما في الوصف؛ ولهذا، يجب أن يكون أحد الاسمين يزيد على الآخر في كون الشخص معروفًا به؛ ليخصَّه من غيره؛ لأنه لا يكون إلا بعد اسم مشترك، ألا ترى أنك إذا قلت: "مررت بولدك زيد" /فَ/١ قد خصصت ولدًا واحدًا من أولاده، فإن لم يكن له إلا ولدٌ واحدٌ كان بدلاً، ولم يكن عطف بيان؛ لعدم الاشتراك. [وجه الشبه بين عطف البيان وكل من البدل والوصف] وعطف البيان يشبه البدل من وجه، ويشبه الوصف من وجه؛ فوجه شبهه للبدل٣ أنه اسم جامد، كما أن البدل يكون اسمًا جامدًا، ووجه شبهه للوصف٤ أن العامل فيه هو العامل في الاسم الأول؛ والدليل على ذلك أنك تحمله تارةً على اللفظ، وتارة على الموضع؛ فتقول: "يا زيدُ زيدٌ زيدًا" فالرفع على اللفظ، والنصب على الموضع، قال الشاعر٥: [الرَّجز] إني وأسطارٍ سُطِرْنَ سَطْرًا ... لقَائِلٌ يا نصرُ نصرٌ نصرَا (ويجوز أن يكون "نصرًا" الثالث منصوبًا على المصدر، كأنه قال: انصر نصرًا،٦ وهذا باب يترجمه البصريون، ولا يترجمه الكوفيُون؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 200

الباب السادس والأربعون: باب البدل [الغرض في البدل] إن قال قائل: ما الغرض في البدل؟ قيل: الإيضاح ورفع الالتباس، وإزالة التوسع والمجاز. [أضرب البدل] فإن قيل: فعلى كم ضربًا البدل؟ قيل: على أربعة أضرب؛ بدل الكل من الكل، وبدل البعض من الكل، وبدل الاشتمال، وبدل الغلط. فأمَّا بدل الكل من الكل؛ فكقولك١: "جاءني أخوك زيدٌ، ورأيت أخاك زيدًا، ومررت بأخيك زيد" قال الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ٢؛ وبدل البعض من الكُل؛ كقولك: "جاءني بنو فلان ناس منهم" ولابد أن يكون فيه ضمير يعلقه بالمبدل منه؛ قال الله تعالى: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ٣. وأما قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ ٤ فـ"من استطاع" بدل من الناس، وتقديره: "من استطاع سبيلاً منهم" فحذف الضمير للعلم به. وأمَّا بدل الاشتمال؛ فنحو قولك: "سُلب زيدٌ ثوبُه، ويعجبني عمرو عقلُه" ولابد فيه -أيضًا- من ضمير يعلقه بالمبدل منه؛ قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ ٥. فقوله: " قتال فيه" بدل من الشهر، والضمير فيه عائد إلى الشهر، فأمَّا قول الشاعر٦: [الطويل] لقد كان في حولٍ ثواءٍ ثَوَيتُهُ ... تُقضى لُبَانَاتٌ وَيَسْأَمُ سَائِمُ٧

стр. 201

فالتقدير١ فيه: "/ثواء/٢ ثويته فيه"، فحذف للعلم /به/٣. فأمَّا٤ بدل الغلط، فلا يكون في قرآن، ولا كلام فصيح، وهو أن يريد أن يلفظ بشيء، فيسبق لسانه إلى غيره؛ فيقول: "لقيت زيدًا عمرًا" فعمرو هو المقصود، وزيد وقع في لسانه، غلط به٥، فأتى بالذي قصده، وأبدله من المغلوط به، والأجود في مثل هذا أن يستعمل /معه/٦ بل فيقول: بل عمرًا. [العامل في البدل] فإن قيل: فما العامل في البدل؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك؛ فذهب جماعة منهم إلى أن العامل في البدل غير العامل في المبدل؛ وهو جملتان، ويحكى عن أبي علي الفارسي٧ أنه قيل له: كيف يكون البدل إيضاحًا للمبدل، وهو من غير جملته؟ فقال: لَمَّا لم يظهر العامل في البدل، وإنَّما دل عليه /العامل/٨ في المبدل، واتصل البدل بالمبدل في اللفظ، جاز أن يوضحه، والذي يدل على أن العامل في البدل غير العامل في المبدل /منه/٩ قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ ١٠ فظهور اللام في "بيوتهم" وهو بدل من "مَنْ". ويدلُ١١ على أن البدل غير العامل في المبدل؛ قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ ١٢ فظهور اللام مع "مَنْ" /و/١٣ هو بدل من "الذين استضعفوا" يَدُلُّ ١٤ على أن العامل في البدل غير العامل في المبدل؛ وذهب قوم إلى أن العامل في البدل هو العامل في المبدل /منه/١٥؛ كما أنَّ العامل في الصفة هو العامل في الموصوف، والأكثرون على الأوّل؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 202

الباب السابع والأربعون: باب العطف [عدد حروف العطف] إن قال قائل: كم حروف العطف؟ قيل: تسعة: الواو، والفاء، وثم، وأو، ولا، وبل، ولكن، وأم، وحتى. [علة كون الواو أصل حروف العطف] فإن قيل: فَلِمَ١ كان أصل حروف العطف الواو؟ قيل: لأنَّ الواو، لا تدل على أكثر من الاشتراك فقط، وأما غيرها من الحروف، فتدلُّ٢ على الاشتراك، وعلى معنى زائدٍ على ما سَنُبَيِّن، وإذا كانت هذه الحروف، تدل على زيادة معنى ليس في الواو، صارت الواو بمنزلة الشيء المفرد (والباقي بمنزلة المركب) ٣؛ والمفرد أصل للمركَّب. [الواو تفيد الجمع دون الترتيب ودليل ذلك] فإن قيل: فما الدليل على أن الواو تقتضي الجمع دون الترتيب؟ قيل: الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ ٤، وقال في موضع آخر: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ ٥ ولو كانت الواو تقتضي الترتيب لما جاز أن يتقدَّم في إحدى الآيتين ما يتأخَّر في الأخرى. (و) ٦ قال لبيد٧: [الكامل] أُغلي السّباءَ بكلِّ أَدْكَنَ عَاتِقٍ ... أَو جَونَة قُدِحَت وَفُضَّ خِتَامُهَا٨

стр. 203

وتقديره: "فُضَّ ختامها وقدحت"؛ لأنه يريد بالجونة ههنا: القِدْر، وقُدِحَت: أي غُرِفَت، والْمِغْرَفة يقال لها: الْمِقْدَحة، وفُضَّ ختامها: أي كُشف غطاؤها؛ والغرف إنما يكون بعد الكشف؛ هكذا ذكره الثمانينيّ؛ والأظهر: أنه أراد بالجونة: الخابية، وقد ذكرنا ذلك في كتابنا الموسوم بـ"المرتجل في شرح السبع الطوال"١. والذي يدلُ /أيضًا/٢ على أنها للجمع دون الترتيب قولهم: "المال بين زيد وعمرو" كما يُقال: "بينهما" ويقال: "اختصم زيد وعمرو" ولو كانت الواو تفيد /فيه/٣ الترتيب؛ لما جاز/ ... /٤ أن تقع ههنا؛ لأنَّ هذا الفعل لا يقع إلا من اثنين، ولا يجوز الاقتصار على أحدهما؛ فدلَّ على أنها تفيد الجمع دون الترتيب. [معاني بقية الحروف العاطفة] فأمَّا "الفاء" فإنها تفيد الترتيب والتعقيب، و"ثمّ" تفيد الترتيب والتراخي، و"أو" تفيد الشَّك والتخيير والإباحة، و"لا" تفيد النفي، و"بل" تفيد الانتقال من قصة إلى قصة أخرى، و"لكن" تفيد الاستدراك، وإنما تعطف في النفي دون الإثبات، بخلاف "بل" فإنها تعطف في النفي والإثبات معًا. [علة استعمال بل بعد النفي] فإن قيل: فَلِمَ جاز أن تستعمل /بل/٥ بعد النفي كـ"لكن" ولم يجز أن تستعمل "لكن" بعد الإثبات كـ"بل"؟ قيل: لأنَّ "بل" إنما تستعمل في الإيجاب لأجل الغلط والنسيان لما قبلها، وهذا إنما يقع في الكلام نادرًا، فاقتصروا على حرف واحدٍ، وأمَّا استعمال "لكن" فإنما يكون بعد النفي؛ فجاز أن تشترك٦

стр. 204

معها فيه؛ لأن الكلامين صواب، ولا ينكر تكرار١ ما يقتضي الصَّواب، فلذلك، افترق الحكم فيهما. [أم متصلة ومنقطعة] وأمَّا "أم" فتكون على ضربين؛ متصلة، ومنقطعة؛ فأمَّا المتصلة، فتكون بمعنى أي نحو: "أزيد عندك أم عمرو" أي: "أيهما عندك". وأمَّا المنقطعة، فتكون بمنزلة "بل والهمزة"؛ كقولهم: "إنها لإبل أم شاء"؛ والتقدير فيه: "بل أهي شاء" كأنه رأى أشخاصًا، فغلب على ظنه أنها إبل، فأخبر بحسب ما غلب على ظنِّه، ثم أدركه الشَّك، فرجع إلى السؤال والاستثبات، فكأنه قال: "بل أهي شاء" ولا يجوز أن تقدر "بل" وحدها والذي يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ ٢ ولو كان بمعنى "بل" وحدها؛ لكان التقدير بل له البنات ولكم البنون وهذا كفر /محض/٣؛ فدل على أنها بمنزلة "بل والهمزة". [إمَّا ليست حرف عطف] فأمَّا "إما" فليست حرف عطف؛ ومعناها كمعنى "أو" إلا أنها أقعد في باب الشك من "أو" لأنَّ "أو" يمضي صدر الكلام٤ معها على اليقين، ثُم يطرأ الشك من آخر الكلام إلى أوله، وأمَّا "إما" فيُبنى الكلام معها من أوله على الشك؛ وإنما قلنا: إنها ليست حرف عطف؛ لأنَّ حرف العطف، لا يخلو إمَّا أن يعطف مفردًا على مفردٍ، أو جملةً على جملةٍ؛ فإذا قلت: "قام إمَّا زيدٌ وإمَّا عمرٌو" لم تعطف مفردًا على مفردٍ، ولا جملةً على جملةٍ، ثُمَّ لو كانت حرف عطف؛ لما جاز أن يتقدم على الاسم؛ لأنَّ حرف العطف لا يتقدم على المعطوف عليه، ثُمَّ لو كانت -أيضًا- حرف عطف لما جاز أن يجمع بينها٥ وبين الواو، فلمَّا جمع بينهما، دلَّ على أنها ليست حرف عطف؛ لأن حرف العطف، لا يدخل على مثله؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 205

الباب الثامن والأربعون: باب ما لا ينصرف [العلل المانعة من الصرف] إن قال قائل: كم العلل التي تمنع الصرف؟ قيل: تسع؛ وهي: وزن الفعل، والوصف، والتأنيث، والألف والنون الزائدتان، والتعريف، والعجمة، والعدل، والتركيب، والجمع، ويجمعها بيتان من الشعر هُما١: [الرجز] جمعٌ ووصفٌ وتأنيثٌ ومعرفةٌ ... وعجمةٌ ثم عدلٌ ثمّ تركيبُ والنون زائدة من قبلها ألفٌ ... ووزن فعلٍ وهذا القول تقريب [العلل المانعة من الصرف فروع وأوجه ذلك] فإن قيل: ومن أين كانت هذه العلل فروعًا؟ قيل: لأنَّ وزن الفعل فرع على وزن الاسم، والوصف فرع على /وزن/٢ الموصوف، والتأنيث فرع على التذكير، والألف والنون الزائدتان فرع لأنهما تجريان مجرى علامة التأنيث في امتناع دخول علامة التأنيث عليهما، ألا ترى أنه لا يقال: "عطشانة، وكسرانة" كما لا يُقال "حمراة وصفراة"، والتعريف فرع على التنكير، والعجمة فرع على العربية، والجمع فرع على الواحد، والعدل فرع؛ لأنَّه متعلق بالمعدول عنه، والتركيب فرع على الإفراد؛ فهذا وجه كونها فروعًا. [لِمَ تكون العلل مانعة من الصرف؟] فإن قيل: فَلِمَ وجب أن تكون هذه العلل تمنع الصرف؟ قيل: لأنها لَمّا كانت فروعًا على ما بينا؛ والفعل فرع على الاسم، وهو أثقل من الاسم لكونه فرعًا؛ فقد٣ أشبهت الفعل، فإذا اجتمع في الاسم علتان من هذه العلل، وجب أن يمتنع من الصرف؛ لشبهه بالفعل.

стр. 206

[الممنوع من الصرف لا يكون إلا بتوفر علَّتين أو علَّة تقوم مقامهما] فإن قيل: فَلِمَ لم يمتنع١ الصرف بعلة واحدة؟ قيل: لأنَّ الأصل في الأسماء٢ الصرف، ولا تمتنع من الصرف بعلة واحدةٍ؛ لأنها لا تقوى على نقله عن أصله، إلا أن تكون العلَّة تقوم مقام علتين؛ فحينئذٍ تمنع٣ من الصرف بعلة واحدة؛ لقيام علة مقام علتين. [علة امتناع ما لا ينصرف من التنوين والجر] فإن قيل: لِمَ مُنع ما لا ينصرف التنوين والجر؟ قيل لوجهين: أحدهما: أنه إنما مُنع من التنوين؛ لأنَّه علامة التصرف فلمَّا وجد ما يوجب منع التصرف٤ وجب أن يحذف، ومنع الجر تبعًا له. والوجه الثاني: أنه إنَّما مُنع الجر أصلاً، لا تبعًا /له/٥ لأنَّه إنَّما مُنع من الصرف؛ لأنَّه أشبه الفعل، والفعل ليس فيه٦ جَرٌّ ولا تنوين؛ فكذلك -أيضًا- ما أشبهه. [علة حمل الجر على النصب في الممنوع من الصرف] فإن قيل: فَلِمَ حُمل الجر على النصب في ما لا ينصرف قيل: لأنَّ بين الجر والنصب مشابهة؛ ولهذا حمل الجر على النصب في التثنية، وجمع المذكر، والمؤنث السالم، فلمَّا حمل الجر على النصب في تلك المواضع؛ فكذلك يحمل الجر على النصب ههنا. [ما لا ينصرف نكرة كان أم معرفة وعلة ذلك] فإن قيل: فَلِمَ كان جميع ما لا ينصرف في المعرفة، ينصرف في النكرة إلا خمسة أنواع: "أَفْعَل" /إذا كان/٨ نعتًا؛ نحو: "أزهر"، وما كان آخره ألف التأنيث؛ نحو: "حبلى، وحمراء" وما كان على "فَعَلان" مؤنثه "فَعْلَى"؛ نحو: "سكران وسكرى"، وما كان جمعًا بعد ألفه حرفان، أو ثلاثة أوسطها ساكن؛ نحو: "مساجد، وقناديل" وما كان معدولاً عن العدد؛ نحو: "مثنى، وثُلاث

стр. 207

/ورباع/١" وأشباهه؟ قيل: أمَّا "أَفْعَل" فإنَّما لم ينصرف معرفةً ولا نكرةً؛ لأنَّه إذا كان معرفةً، فقد اجتمع فيه التعريف ووزن الفعل، وإذا كان نكرةً، فقد اجتمع فيه الوصف، ووزن الفعل؛ وذهب أبو الحسن الأخفش إلى أنه إذا سُمِّي به، ثم نُكِّر؛ انصرف؛ لأنَّه لَمّا سُمِّي به، زال عنه الوصف، وإذا٢ نُكِّر، بقي وزن الفعل وحده؛ فوجب أن ينصرف؛ والصحيح: أنَّه لا ينصرف؛ لأنَّه إذا نُكِّر، رجع إلى الأصل، وهو الوصف؛ فيجتمع فيه /علتان وَهُما/٣ وزن الفعل والوصف، كما أنَّهم صرفوا قولهم: "مررت بنسوةٍ أربع" وإن كان على وزن الفعل وهو صفة؛ لأن٤ الأصل أن يكون اسمًا، لا صفة مراعاةً للأصل، فكذلك -ههنا- نُراعي أصله في الوصف، وإن كان قد سُمِّي به. وأما ما كان آخره ألف التأنيث، فإنما لم ينصرف /البتة/٥؛ لأنه مؤنث، وتأنيثه لازم، فكأنَّه أُنِّثَ مرتين؛ فلهذا، لا ينصرف؛ لأنَّ العلة فيه، قامت مُقام علتين. وأما ما كان على "فَعْلَان" مؤنثه "فعلى"؛ نحو: "سكران وسكرى"؛ فلأن٦ الألف والنون فيه أشبهتا ألفي التأنيث؛ نحو: "حمراء" وذلك من وجهين: أحدهما: امتناع دخول تاء التأنيث. والثاني: أن بناء مذكّره مُخالفٌ لبناء مُؤنثه، فإن٧ لم يكن له /مؤنث/٨ على "فَعْلَى"؛ نحو: "عثمان" فإنه لا ينصرف معرفةً، وينصرف نكرةً، وليس من هذه الأنواع. وأما ما كان جمعًا بعد ألفه حرفان أو ثلاثة، أوسطها ساكن؛ فإنَّما مُنِعَ من الصرف البتة، وذلك لأربعة أوجه ذكرها الثمانيني٩: الوجه الأول: أنَّه لَمَّا كان جمعًا، لا يمكن جمعه مرَّة ثانية، فكأنه قد جُمِعَ مرَّتين. والوجه الثاني: أنَّه جمعٌ لا نظير له في الآحاد، فعدم النَّظير يقوم مُقام عِلَّة ثانية.

стр. 208

والوجه الثالث: أنه جمع، ولا يمكن أن يُكَسَّر مرةً ثانيةً، فأشبه الفعل؛ لأنَّ الفعل لا يدخله التكسير١. والوجه الرابع: أنه جمع لا نظير له في الأسماء العربية، فجرى مجرى الاسم الأعجمي؛ لأنَّ الأعجمي يكون على غير وزن العربي؛ والوجهان الآخران يرجعان إلى الأولين. وأما ما كان معدولاً عن العدد؛ نحو: "مثنى، وثلاث" فإنما مُنِعَ الصرف في النكرة، وذلك للعدل، والوصف؛ وقيل: لأنه عُدل عن اللفظ والمعنى؛ فأمّا عدله في اللفظ فظاهر، وأمّا عدله في المعنى؛ فلأن العدد يُرادُ به قبل العدد الدلالة على قدر المعدود، ألا ترى أنك إذا قلت: "جاءني اثنان أو ثلاثة" أردت قدر ما جاءك، وإذا قلت: "جاءني مثنى وثلاث"، لم يجز حتى يتقدَّم قبله جمع لتدل٢ بذكر المعدود على الترتيب، فتقول: "جاءني القوم مثنى مثنى، وثُلاث ثُلاث"؛ أي: "اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة"، فدل على أنه معدول من جهة اللفظ والمعنى؛ فلذلك، لم ينصرف في النكرة. [علة جر ما لا ينصرف في التعريف والإضافة] فإن قيل: فَلِمَ دخل/ ... /٣ ما لا ينصرف الجر مع الألف واللام، أو الإضافة؟ قيل: لثلاثة أوجه: الوجه الأوَّل: أنه٤ أُمِنَ فيه التَّنوين؛ لأنَّ الألف واللام والإضافة لا تكون مع التنوين؛ فلمَّا وُجِدَت أُمِن فيه التَّنوين٥؛ فدخله الجرّ في موضع الجرّ. والوجه الثاني: أنَّ الألف واللام والإضافة قامت مقام التَّنوين، ولو كان التنوين فيه؛ لجاز فيه الجرّ، فكذلك /مع/٦ ما قام مقامه. والوجه الثالث: أنه بالألف واللام والإضافة بعُد عن شبه الفعل، فلمَّا بعُد عن شبه الفعل، دخله الجرُّ في موضع الجرّ؛ لأنه قد صار بمنزلة ما فيه علة واحدة؛ فلهذا المعنى، دخله الجر مع الألف واللام والإضافة؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.

стр. 209

الباب التاسع والأربعون: باب إعراب الأفعال وبنائها [علة كون الأفعال ثلاثة] إن قال قائل: لِمَ كانت الأفعال ثلاثة: "ماضٍ، وحاضر ومستقبل"؟ قيل: لأنَّ الأزمنة ثلاثة، ولَمّا كانت ثلاثةً، وجب أن تكون١ الأفعال ثلاثة: ماضٍ، وحاضر، ومستقبل. [عِلَّة بناء الفعل الماضي على الفتح] فإن قيل: فَلِمَ بُني الفعل الماضي على حركة، ولِمَ كانت الحركة فتحة؟ قيل: إنّما بُني الفعل أوَّلاً؛ لأنَّ الأصل في الأفعال البناء، وبُني على حركة، تفضيلاً له على فعل الأمر؛ لأنَّ الفعل الماضي أشبه الأسماء في الصِّيغة٢؛ نحو قولك: مررت برجل ضرب، كما تقول: مررت برجل ضارب؛ وأشبه٣ -أيضًا- ما أشبه الأسماء في الشرط والجزاء؛ فإنك تقول: إن فعلتَ فعلتُ؛ والمعنى فيه: إنْ تَفْعَل أفعل؛ فلمّا قام الماضي مُقام المستقبل؛ والمستقبل قد أشبه الأسماء؛ وجب أن يُبنى على حركةٍ، تفضيلاً له على فعل الأمر الذي ما أشبه الأسماء، ولا أشبه ما أشبهها. وإنما كانت الحركة فتحةً لوجهين: أحدهما: أن الفتحة أخف الحركات، فلمّا وجب بناؤه على حركة؛ وجب أن يُبنى على أخفِّ الحركات. والوجه الثاني: أنَّه لا يخلو إما أن يُبنى على الكسر، أو على الضم، أو على الفتح؛ فبطل٤ أن يُبنى على الكسر؛ لأنَّ الكسر ثقيل، والفعل ثقيل، والثقيل لا ينبغي أن يُبنى على ثقيل، وإذا كان الجرُ لا يدخله، وهو غير لازم لثقله، فأَلَّا يدخله الكسر الذي هو لازم، كان ذلك من طريق الأولى؛ وإذا بطل

стр. 210

أن يُبنى على الكسر؛ بطل أن يُبنَى على الضم -أيضًا- لثلاثة أوجه: الوجه الأوّل: أنَّ الضَّمَّ أثقل، وإذا بَطَل أن يُبنَى على الثقيل، فَلِئَلا١ يُبنى على الأثقل أولى. والوجه الثاني: أنَّ الضَّمَّ أخو الكسر؛ لأنَّ الواو أخت الياء، ألا ترى أنَّهما يجتمعان في الردف /في/٢ نحو قوله٣: [الوافر] ولا تكثر على ذي الضغن عتبا ... ولا ذِكرَ التَّجَرُّم للذُّنوبِ ولا تسأله عمّا سوف يُبدِي ... ولا عن عيبه لك بالمغيب متى تكُ في صديقٍ أو عدو ... تُخَبِّرْكَ العُيُونُ عَنِ القُلُوبِ٤ والوجه الثالث: إنَّما لم يُبْنَ على الضم؛ لأنَّ من العرب من يجتزئ بالضمة عن الواو، فيقول في قاموا: "قامُ" وفي كانوا: "كانُ" قال الشاعر٥: [الوافر] فَلو أنَّ الأطبا كانُ حولي ... وكان مع الأطبِّاء الشِّفاءُ٦ وإذا بطل أن يبنى على الكسر والضم؛ وجب أن يُبنى على الفتح. [علة بناء الأمر على السكون] فإن قيل: فَلِمَ بُني فعل الأمر على الوقف؟ قيل: لأنَّ الأصل في الأفعال البناء، والأصل في البناء أن يكون على الوقف؛ (فبني على الوقف) ٧ لأنَّه الأصل. و /قد/٨ ذهب الكوفيون إلى أنّه معرب، وإعرابه الجزم، واستدلّوا على ذلك من ثلاثة أوجه:

стр. 211

الوجه الأول: أنهم قالوا إنما قلنا: إنه معرب مجزوم؛ لأن الأصل في: "قُم، واذهب: لتقم، ولتذهب" قال الله تعالى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ١ وذُكر أنَّها قراءة النبي ﷺ وقد رُوي عن النبي ﷺ أنه قال في بعض مغازيه: "لتأخذوا مصافَّكم"٢؛ فدل على أن الأصل في "قم: لتقم، واذهب: لتذهب" إلا أنَّه لَمّا كثر /في/٣ كلامهم، وجرى على ألسنتهم؛ استثقلوا مجيء اللام فيه مع كثرة الاستعمال /فيه/٤؛ فحذفوها٥ مع حرف المضارعة تخفيفًا؛ كما قالوا: "إِيش" والأصل فيه: "أي شيء" وكقولهم: "وَيْلُمِّه" والأصل فيه: "ويلُ أُمِّه"؛ فحذفوا لكثرة الاستعمال؛ فكذلك ههنا. والوجه الثَّاني: أنهم قالوا: أجمعنا على أنَّ فعل النهي معرب مجزوم؛ نحو: "لا تقُم، ولا تذهب" فكذلك فعل الأمر؛ نحو: "قُم، واقعد"؛ لأنَّ النهيَ ضد الأمر، وهم يحملون الشيء على ضده، كما يحملونه على نظيره. والوجه الثالث٦: أنهم قالوا: الدَّليل على أنه مجزوم، أنك تقول في المعتلّ: "اغزُ، ارمِ، اخشَ" فتحذف الواو، والياء، والألف، كما تقول: "لم يغزُ، لم يرمِ، لم يخش" فدل على أنه مجزوم بلامٍ مقدَّرة، وقد يجوز إعمال حرف الجزم مع الحذف؛ قال الشاعر٧: [الوافر] محمدُ تفدِ نفسك كلُ نفسٍ ... إذا ما خفت من أمرٍ تبالا٨ و/أمَّا/٩ ما ذهب إليه الكوفيون ففاسد؛ وقولهم: إنَّ الأصل في: "قم: لتقم، واذهب: لتذهب" إلا أنهم حذفوه١٠؛ لكثرة الاستعمال؛ قلنا: ليس

стр. 212

كذلك، فإنه١ لو كان الأمر كما زعمتم؛ لوجب أن يختصَّ الحذف بما يكثر استعماله، دون ما لا يكثر استعماله؛ فلمّا قيل: "اقعنسس٢، واحرنجم٣، واعلوَطَّ"٤ وما أشبه ذلك بالحذف، ولا يكثر استعماله؛ دلَّ على فساد ما ذهبوا إليه. فقولهم: إنَّ فعل النهي مُعرب مجزوم، فكذلك فعل الأمر؛ قلنا: هذا /قياس/٥ فاسد؛ لأنَّ فعل النهي في أوّله حرف المضارعة الذي أوجب المشابهة بالاسم، فاستحق الإعراب، فكان معربًا، وأما فعل الأمر، فليس في أوله حرف المضارعة الذي يوجب للفعل المشابهة بالاسم، فيستحق الإعراب؛ فكان باقيًّا على أصله. وقولهم: إنه بحذف الواو والياء والألف؛ نحو: "اغزُ، ارمِ، اخشَ" كما تقول: "لم يغزُ، لم يرمِ، لم يخشَ"، فنقول: إنما حُذفت هذه الأحرف للبناء، لا للإعراب، حملاً للفعل المعتل على الفعل الصحيح؛ حملاً للفرع على الأصل، والذي يدلُّ على..... ٦ صحة ما ذكرناه أن حروف الجرِّ لا تعمل /مع الحذف/٧؛ فحروف الجزم أولى، وأمَّا البيت الذي أنشدوه؛ وهو قوله٨: محمدُ تفدِ نفسك كلُ نفسٍ فقد أنكره أبو العباس المبرد، ولو سلمنا صحته؛ فنقول: قوله: "تفدِ نفسك /كل نفس/٩" لم تُحذف الياء للجزم بلام مُقَدَّرة، وإنما حُذفت الياء للضرورة، واجتزاء بالكسرة عن الياء، وهو في كلامهم أكثر من أن يُحصَى، وإن سلَّمنا أن الأصل: "لِتفد" وأنه مجزوم بلام مُقدَّرة، إلا١٠ أنَّا نقول: إنَّما حُذفت اللام لضرورة الشعر، وما حُذِف للضَّرورة، لا يجوز أن يُجْعَل١١ أصلاً

стр. 213

يقاس عليه؛ وقد بينا هذه المسألة مُستقصاةً في المسائل الخلافية. [علة إعراب الفعل المضارع] فإن قيل: فَلِمَ أُعرب الفعل المضارع؟ قيل: لأنَّه أشبه الأسماء من الخمسة الأوجه التي ذكرناها قبلُ في صدر الكتاب؛ وإعرابه: الرفع، والنصب، والجزم، فأمَّا الرفع، فلقيامه مُقام الاسم، وقد ذُكر١ -أيضًا- في صدر الكتاب، وأما النصب والجزم فسنذكرهما -أيضًا- فيما بعد هذا الباب، إن شاء الله تعالى. [علة إثبات حروف العلة في الرفع وحذفها في الجزم] فإن قيل: فَلِمَ قالوا: "هو يغزو، ويرمي، ويخشى" فأثبتوا الواو والياء والألف ساكنة في حالة الرفع، وحذفوها في حالة الجزم، وفتحوا الواو والياء في حالة النصب، فسوّوا٢ في يخشى بين النصب والرفع؛ قيل: إنَّما أثبتوها ساكنة في الرفع؛ لأن الأصل أن يُقال: "هو يغزو، ويرمي، ويخشى" بضَّمِّ الواو في "يغزو" والياء في "يرمي، ويخشى" لإلا أنهم استثقلوا الضمة على الواو من "يغزو" وعلى الياء من "يرمي" فحذفوها؛ فبقيت٣ الواو من "يغزو" ساكنة، وكذلك الياء من "يخشى" فانقلبت ألفًا؛ لتحرُّكها، وانفتاح ما قبلها، وإنما حذفوا هذه الحروف في الجزم؛ لأنها أشبهت الحركات، ووجه الشبه من وجهين: أحدهما: أنَّ هذه الحروف مركبة من الحركات على قول بعض النحويين، والحركات مأخوذة منها على قول آخرين، وعلى كلا القولين، فقد حصلت المشابهة بينهما. والوجه الثاني: أن هذه الحروف /-ههنا-/٤ لا تقوم بها الحركات، كما أنَّ الحركات كذلك، وكما أنها تحذفُ للجزم، فكذلك هذه الحروف، وقد حُكي عن أبي بكر ابن السراج أنه شبه الجازم بالدواء، والحركة في الفعل بالفضلة التي يُخرجها الدواء، وكما أن الدواء إذا٥ صادف فضلة حذفها، وإن لم يصادف /فضله/٦ أخذ من نفس الجسم، فكذلك الجازم إذا دخل على الفعل؛ إن وجد حركة أخذها، وإلا أخذ من نفس الفعل. وسهل حذفها، وإن

стр. 214

كانت أصليَّة؛ لسكونها؛ لأنَّها بالسكون تَضْعُف، فتصير في حكم الحركة، فكما١ أن الحركة تحذف، فكذلك هذه الحروف. وإنما فتحوا الواو والياء في "يغزو، ويرمي" في النصب لخفة الفتحة؛ فانقلبت٢ الياء في /نحو/٣ "يخشى" ألفًا؛ لتحركها في النصب، وانفتاح ما قبلها، كما قلبناها في حالة الرفع؛ لتحركها بالضم في الأصل، وانفتاح ما قبلها. [علة ثبوت النون رفعًا وحذفها نصبًا وجزمًا في الأفعال الخمسة] فإن قيل: فَلِمَ كانت الخمسة الأمثلة؛ نحو: "يفعلان، وتفعلان، ويفعلون، وتفعلون، وتفعلين" في حالة الرفع بثبوت النون، وفي حالة النصب والجزم بحذفها؟ قيل: لأنَّ هذه الأمثلة، لَمَّا وجب أن تكون معربة، لم يمكن أن تجعل اللام حرف الإعراب، وذلك؛ لأنَّه من الإعراب الجزم، فلو أنها حرف إعراب؛ لوجب أن يسقط٤ في حالة الجزم، فكان٥ يؤدي إلى أن يحذف ضمير الفاعل، وذلك لا يجوز، ولم يمكن -أيضًا- أن يجعل الضمير حرف الإعراب؛ لأنَّه في الحقيقة ليس مجزوم٦ الفعل، وإنَّما هو قائم بنفسه في موضع رفع؛ لأنَّه فاعل، فلا يجوز أن يجعل حرف إعراب لكلمة أخرى؛ فوجب أن يكون الإعراب بعدها؛ فزادوا النون؛ لأنها تشبه حروف المد واللين، وجعلو ثبوتها علامة للرفع، والحذف٧ علامة للنصب والجزم، وإنَّما جعلوا الثبوت علامة للرفع، والحذف علامة للجزم والنصب، ولم يكن بعكس ذلك؛ لأنَّ الثبوت أوَّل، والحذف طار عليه، كما أن الرفع أول، والجزم والنصب طاريان٨ عليه، فأعطوا الأوَّل الأوَّلَ، والطارئ الطارئ، والنصب فيهما محمول على الجزم؛ لأنَّ الجزم في الأفعال، نظير الجر في الأسماء، وكما أنَّ النصب في التثنية والجمع محمول على الجر، فكذلك النصب -ههنا- محمول على الجزم. [علة استواء الأفعال الخمسة في النصب والجزم] . فإن قيل: فَلِمَ استوى النصب والجزم في قولهم: "أنت تفعلين" للواحدة، وليس في الأسماء الآحاد ما حُمِل نصبه على جره؟ قيل: لأنَّ قولهم: "أنت تفعلين"

стр. 215

يشابه لفظ الجمع، ألا ترى أن الجمع في حالة النصب والجر يكون في آخره ياء قبلها كسرة، وبعدها نون؛ كقولهم١: "تفعلين" فلمَّا أشبه لفظ الجمع، حُمِلَ عليه؛ ولهذا، فتحت النون منه حملاً على الجمع -أيضًا- وكذلك كسروا النون في "يفعلان" وفتحوها من "يفعلونَ" حملاً على تثنية الأسماء وجمعها. وهذه الأمثلة معربة، لا حرف إعراب لها، وذلك لِما بينّا من استحالة جعل اللام أو الضمير أو النون حرف الإعراب، وليس لها نظير في كلامهم. [علة عدم كون يفعلان ويفعلون مثنى وجمعًا] فإن قيل: فهلَّا كان "يفعلان، ويفعلون" تثنية وجمعًا لـ"يفعل" كما كان "زيدان، وزيدون" تثنية وجمعًا لـ"زيد"؟ قيل: لأن الفعل لا يجوز تثنيته، ولا جمعه، وإنما لم يجز ذلك لأربعة أوجه: الوجه الأوَّل: أن الفعل يدل على المصدر، والمصدر لا يُثنَّى ولا يُجمع؛ لأنَّه يدلُّ على الجنس، إلا أن تختلف أنواعه، فيجوز تثنيته وجمعه، فلما كان الفعل يدلُّ على المصدر /المبهم/٢ الدَّال على الجنس، لم يجز تثنيته ولا جمعه. والوجه الثاني: أنَّ الفعل لو جازت تثنيته مع الاثنين، وجمعه مع الجماعة؛ لجازت تثنيته وجمعه مع الواحد، فكان يجوز أن يُقال: "زيد قاما، وقاموا" إذا فعل ذلك مرتين أو مرارًا، فلما لم يجز ذلك، دل على أنه لا يُثنى، ولا يُجمع. والوجه الثالث: أن الفعل ليس بذات يقصد إليها بأن يضم إليها غيرها، كما يكون ذلك في الأسماء؛ فلذلك لم يُثنَ، ولم يُجمع. والوجه الرابع: أنَّ الفعل يدل على مصدر، وزمانٍ، فصار في المعنى كأنه اثنان، فكما لا يجوز تثنية الاسم المثنى كذلك٣ لا يجوز تثنية الفعل. [الألف والواو في الأفعال الخمسة تدلان على تثنية وجمع الضمير لا الفعل] فإن قيل: أَليس الألف في "يفعلان" تدل على التثنية، والواو في "يفعلون" تدلُ على الجمع؟ قيل: الألف والواو تدلان على التثنية والجمع، لكن٤ على تثنية الضَّمير وجمعه، لا على تثنية الفعل وجمعه لما٥ بينا؛ فاعرفه تصب، إن شاء الله تعالى.
следующие страницы →