٢١- اعتقاد محمد بن أحمد أبي علي الهاشمي١ المتوفى سنة ٨ م ٢ هـ
جاء في طبقات الحنابلة:
عنه قال: "باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب الديانات:
حقيقة الإيمان عند أهل الأديان: الاعتقاد بالقلب والنطق باللسان:
أن الله تعالى واحد أحد فرد صمد لا يغيره الأبد ليس له والد ولا ولد وأنه سميع بصير بديع قدير حكيم خبير على كبير ولي نصير قوي مجير، ليس له شبيه ولا نظير ولا عون ولا ظهير ولا شريك ولا وزير ولا ند ولا مشير، سبق الأشياء فهو قديم لا كقدمها، وعلم كون وجودها في نهاية عدمها. لم تملكه الخواطر فتكيفه ولم تدركه الأبصار فتصفه، ولم يخل من علمه مكان فيقع به التأبين ولم يقدم زمان فينطلق عليه التأبين، ولم يتقدمه دهر ولا حين ولا كان قبله كون ولا تكوين ولا تجرى ماهيته في مقال ولا تخطر كيفيته ببال ولا يدخل في الأمثال والأشكال صفاته كذاته ليس بجسم في صفاته جل أن يشبه بمدعاته أو يضاف إلى مصنوعاته ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١] .
أراد ما الخلق فاعلوه ولو عصمهم لما خالفوه ولو أراد أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه. خلق الخلائق وأفعالهم وقدر أرزاقهم وآجالهم، لا سمي له في
стр. 107
أرضه وسمواته، على العرش استوى وعلى الملك احتوى وعلمه محيط بالأشياء. كذلك سئل الإمام أحمد بن محمد بن حنبل ﵁ قوله ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧] فقال: علمه.
والقرآن كلام الله تعالى وصفته من صفات ذاته غير مخلوق ولا محدث كلام رب العالمين في صدور الحافظين وعلى السن الناطقين وفي أسماع السامعين وأكف الكاتبين وملاحظة الناظرين، برهانه ظاهر وحكمه قاهر ومعجزة باهرة وأن الله كلم موسى تكليماً وتجلى للجبل فجعله دكاً هشيماً وأنه خلق النفوس وسواها وألهمها فجورها وتقواها.
والإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره، وأن مع كل عبد رقيباً وعتيداً وحفيظاً وشهيداً يكتبان حسناته ويحصيان سيئاته وأن كل مؤمن وكافر وبر وفاجر، يعاين عمله عند حضور منيته ويعلم مصيره قبل ميتته.
وأن منكراً ونكيراً إلى كل أحد ينزلانه- سوى النبيين- فيسألان ويمتحنان عما يعتقده من الأديان.
وأن المؤمن يخبر في قبره بالنعيم والكافر يعذب بالعذاب الأليم، وأنه لا محيص لمخلوق من القدر المقدور ولن يتجاوز ما خط في اللوح المسطور وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، وأنه جل اسمه يعيد خلقهم كما بدأهم ويحشرهم كما ابتدأهم من صفائح القبور وبطون الحيتان في تخوم البحور وأجواف السباع وحواصل النسور.
وأن الله تعالى يتجلى في القيامة لعباده الأبرار فيرونه بالعيون والأبصار وأنه يخرج أقواماً من النار فيسكنهم الجنة دار القرار وأنه يقبل شفاعة محمد المختار في أهل الكبائر والأوزار.
وأن الميزان حق. توضع فيه أعمال العباد فمن ثقلت موازينه نجا من
стр. 108
النار ومن خفت موازينه أدخل جهنم وبئس القرار. وأن الصراط حق يجوزه الأبرار وأن حوض رسول الله ﷺ حق يرده المؤمنون ويذاد عنه الكفار، وأن الإيمان غير مخلوق فهو قول وإخلاص بالجنان وعمل الأركان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان.
وأن محمداً ﷺ خاتم النبيين وأفضل المرسلين وأمته خير الأمم أجمعين وأفضلهم: القرن الذين شاهدوه وآمنوا به وصدقوه وأفضل القرن الذي صحبوه: أربع عشرة مائة بايعوه بيعة الرضوان وأفضلهم: أهل بدر إذ نصروه وأفضلهم: أربعون في الدار كنفوه وأفضلهم: عشرة عزروه ووقروه شهد لهم بالجنة وقبض وهو عنهم راض وأفضل هؤلاء العشرة الأبرار: الخلفاء الراشدون المهديون الأربعة الأخيار، وأفضل الأربعة: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵈ وأفضل القرون القرن الذي يلونهم، ثم الذين يلونهم. ثم الذين يتبعونهم.
وأن نتولى أصحاب محمد ﷺ بأسرهم، ولا نبحث عن اختلافهم في أمرهم ونمسك عن الخوض في ذكرهم إلا بإحسان الذكر لهم. وأن نتولى أهل القبلة ممن ولي حرب المسلمين على ما كان فيهم من علي وطلحة والزبير وعائشة ومعاوية رضوان الله عليهم فيما شجر بينهم أتباعا لقول رب العالمين: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] .
стр. 109
٢٢- اعتقاد أبي عثمان الصابوني١ المتوفى سنة ٤٤٩هـ
قال السبكي في طبقات الشافعية: وهذه وصيته وقد وجدت بها بدمشق عند دخوله إليها حاجاً:
هذا ما أوصى به إسماعيل بن عبد الرحمن بن إسماعيل أبو عثمان الصابوني، الواعظ، غير المتعظ، الموقظ، غير المتيقظ، الأمر، غير المؤتمر، الزاجر، غير المنزجر، المتعلم، المعترف، المنذر، المخوف، المخلط، المفرط، المسرف، المقترف للسيئات، المغترف، الواثق مع ذلك برحمة ربه، الراجي لمغفرته، المحب لرسول الله ﷺ وشيعته، الداعي الناس إلى التمسك بسنته وشريعته ﷺ .
أوصى وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهاً واحداً [أحداً] ، فرداً صمداً، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، ولم يشرك في حكمه أحداً، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الحي، القيوم، الباقي بعد فناء خلقه، المطلع على عباده، العالم بخفيات الغيوب، الخبير بضمائر القلوب، المبدىء، المعيد، الغفور، الودود، ذو العرش المجيد، الفعال لما يريد ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
هو مولانا، فنعم المولى، ونعم النصير، يشهد بذلك كله مع الشاهدين، مقراً بلسانه، عن صحة اعتقاد، وصدق يقين، ويتحملها عن المنكرين الجاحدين، ويعدها ليوم الدين: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلىً
стр. 110
عَنْ مَوْلىً شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ * إِلا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان: ٤١، ٤٢] .
ويشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
ويشهد أن الجنة حق، وجملة ما أعد الله ﵎ فيها لأوليائه حق. ويسأل مولاه الكريم، ﷻ أن يجعلها مأواه، ومثواه، فضلاً منه وكرماً.
ويشهد أن النار، وما أعد الله فيها لأعدائه حق، ويسأل الله مولاه أن يجيره منها، ويزحزحه عنها، ويجعله من الفائزين، قال الله : ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] .
ويشهد أن صلاته، ونسكه، ومحياه ومماته لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمر وهو من المسلمين، والحمد لله رب العالمين.
وأنه رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن إماماً، على ذلك يحيى وعليه يموت إن شاء الله .
ويشهد أن الملائكة حق، وأن النبيين حق، وأن الساعة لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
ويشهد أن الله قدر الخير وأفز به، ورضيه، وأحبه، وأراد كونه من فاعله، ووعد حسن الثواب على فعله، وقدر الشر، وزجر عنه، ولم يرضه، ولم يحبه، وأراد كونه من مرتكبه غير راض به، ولا محب له، تعالى ربنا عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وتقدس أن يأمر بالمعصية، أو يحبها، ويرضاها، وجل أن يقدر العبد على فعل شيء لم يقدره عليه، أو يحدث من العبد ما لا يريده، ولا يشاؤه.
стр. 111
ويشهد أن القرآن كتاب الله، وكلامه، ووحيه، وتنزيله، غير مخلوق، وهو الذي في المصاحف مكتوب، وبالألسنة مقروء، وفي الصدور محفوظ، وبالآذان مسموع، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] وقال: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٢٩] ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩] .
ويشهد أن الإيمان تصديق بالقلب، بما أمر الله أن يصدق به، وإقرار باللسان بما أمر الله أن يقر به، وعمل بالجوارح بما أمر الله أن يعمل به، وانزجار عما زجر عنه، من كمسب قلب، وقول لسان، وعمل جوارح، وأ ركان.
ويشهد أن الله مستو على عرشه، استوى عليه كما بينه
في كتابه، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] وقوله: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [الفرقان: ٥٩] في آيات أخر، والرسول ﷺ تسليماً، ذكره فيما نقل عنه، من غير أن يكيف استواءه عليه، أو يجعل لفعله، وفهمه، أو وهمه سبيلاً إلى إثبات كيفيته، إذ الكيفية عن صفات ربنا منفية.
قال إمام المسلمين في عصره أبو عبد الله مالك بن أنس ﵁، في جواب من سأله عن كيفية الاستواء: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب. والسؤال عنه بدعة، وأظنك زنديقاً، أخرجوه من المسجد".
ويشهد أن الله تعالى موصوف بصفات العُلَي، التي وصف بها نفسه في كتابه، وعلى لسان نبيه ﷺ تسليماً كثيراً، لا ينفي شيئاً منها ولا يعتقد شبها
стр. 112
له بصفات خلقه، بل يقول: إن صفاته لا تشبه صفات المربوبين، كما لا تشبه ذاته ذوات المحدثين، تعالى الله عما يقول المعطلة، والمشبهة علواً كبيراً.
ويسلك في الآيات التي وردت في ذكر صفات البارىء، ﷻ ، والأخبار التي صحت عن رسول الله ﷺ ، في بابها، كآيات مجيء الرب يوم القيامة، وإتيان الله في ظلل من الغمام، وخلق آدم بيده، واستوائه على عرشه، وكأخبار نزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا، والضحك، والنجوى، ووضع الكنف على من يناجيه يوم القيامة، وغيرها، مسلك السلف الصالح، وأئمة الدين، من قبولها، وروايتها على وجهها، بعد صحة سندها، وإيرادها على ظاهرها، والتصديق بها، والتسليم لها، واتقاء اعتقاد التكييف، والتشبيه فيها، واجتناب ما يؤدي إلى القول بردها، وترك قبولها، أو تحريفها بتأويل يستنكر، ولم ينزل الله به سلطاناً، ولم يجر به للصحابة، والتابعين، والسلف الصالحين لسان.
وينهى في الجملة عن الخوض في الكلام والتعمق فيه [و] في الاشتغال بما كره السلف ﵏ الاشتغال به، ونهوا، وزجروا عنه، فالجدال فيه والتعمق في دقائقه، والتخبط في ظلماته، كل ذلك يفسد القلب، ويسقط منه هيبة الرب، ﷻ ، ويقع الشبه الكبيرة فيه، ويسلب البركة في الحال، ويهدى إلى الباطل، والمحال، والخصومة في الدين، والجدال، وكثرة القيل والقال، في الرب ذي الجلال، الكبير المتعال، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً، الحمد لله على ما هدانا من دينه وسنة نبيه، صلوات الله وسلامه عليه، حمداً كثيراً.
ويشهد أن القيامة حق، وكل ما ورد به الكتاب والأخبار الصحاح من أشراطها، وأهوالها، وما وُعدنا به، وأوعدنا به فيها فهو حق، نؤمن به ونصدق الله سبحان، ورسوله ﷺ فيما أخبر به عنه، كالحوض، والميزان، والصراط، وقراءة الكتب، والحساب، والسؤال، والعرض، والوقوف،
стр. 113
والصَّدَر عن المحشر إلى جنة أو [إلى] نار، مع الشفاعة الموعودة لأهل التوحيد، وغير ذلك، مما هو مبين في الكتاب، ومدون في الكتب الجامعة لصحاح الأخبار.
ويشهد بذلك كله في الشاهدين، ويستعين بالله ﵎ في الثبات على هذه الشهادات إلى الممات، حتى يتوفى عليها، في جملة المسلمين، المؤمنين، الموقنين، الموحدين.
ويشهد أن الله ﵎ يمن على أوليائه بوجوه ناضرة، إلى ربها ناظرة، ويرونه عياناً في دار البقاء، لا يضارون في رؤيته، ولا يمارون، ولا يضامون، ويسأل الله ﵎ أن يجعل وجهه من تلك الوجوه، ويقيه كل بلاء، وسوء ومكروه، ويبلغه كل ما يؤمله من فضله، ويرجوه بمنه.
ويشهد أن خير الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب، ﵃ أجمعين، ويترحم على جميع الصحابة، ويتولاهم، ويستغفر لهم، وكذلك ذريته، وأزواجه أمهات المؤمنين، ويسأل الله أن يجعله معهم، ويرجو أن يفعله به، فإنه قد صح عنده من طرق شتى أن رسول الله ﷺ قال: "المرء مع من أحب"١.
ويوصي إلى من يخلفه من ولد، وأخ، وأهل، وقريب، وصديق، وجميع من يقبل وصيته من المسلمين عامة أن يشهدوا بجميع ما شهد به، وأن يتقوا الله حق تقاته، وألا يموتوا إلا وهم مسلمون ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] .
ويوصيهم بصلاح ذات البين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الجيران، والأقارب، والإخوان، ومعرفة حق الأكابر، والرحمة على الأصاغر.
стр. 114
وينهاهم عن التدابر، والتباغض، والتقاطع والتحاسد.
ويأمرهم أن يكونوا إخواناً على الخيرات، أعواناً، وأن يعتصموا بحبل الله جميعاً ولا يتفرقوا، ويتبعوا الكتاب والسنة، وما كان عليه علماء الأمة، وأئمة الملة، كمالك بن أنس، والشافعي، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، ويحيى بن يحيى، وغيرهم من أئمة المسلمين، وعلماء الدين، ﵃ أجمعين، وجمع بيننا وبينهم في ظل طوبى ومستراح العابدين.
أوصى بهذا كله إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، إلى أولاده، وأهله، وأصحابه، ومختلفة مجالسه.
وأوصى أنه إذا نزلت به المنية، التي لا شك أنها نازلة، والله يسأل خير ذلك اليوم الذي تنزل المنية به فيه، وخير تلك الليلة التي تنزل به فيه، وخير تلك الساعة وخير ما قبلها، وخير ما بعدها، أن يلبس لباساً طيباً، حسناً، طاهراً، نقياً، ويوضع على رأسه العمامة التي كان يشدها في حال حياته، وضعاً على الهيئة التي كان يضعها على رأسه أيام حياته، ويوضع الرداء على عاتقيه ويضجع مستلقياً على قفاه، موجهاً إلى القبلة، وتجلس أولاده عند رأسه، ويضعوا المصاحف على حجورهم، ويقرءوا القرآن جهراً، وحرج عليهم ألا يمكنوا امرأة لا قرابة بينه وبينها، ولا نسب، ولا سبب من طريق الزوجية تقرب من مضجعه تلك الساعة، أو تدخل بيتاً يكون فيه، وكذلك يحرج عليهم أن يأذنوا لأحد من الرجال في الدخول عليه في تلك الساعة، بل يأمرون الأخ، والأحباب، وغيرهم أن يجلسوا في المدرسة، ولا يدخلوا الدار، وليساعدوا الأصحاب في قراءة القرآن، وإمداده بالدعاء، فلعل الله [أن] يهون عليه سكرات الموت، ويسهل له اقتحام عقبة الموت على الإسلام والسنة، في سلامة وعافية.
وأوصى إذا قضى نحبه، وأجاب ربه، وفارقت روحه جسده، أن يشد ذقنه، وتغمض عيناه، وتمد أعضاؤه، ويسجى بثوب، ولا يكشف عن
стр. 115
وجهه لينظر إليه، إلا أن يأتيه غاسله، فيحمله إلى مغتسله، جعل الله ذلك الحمل مباركاً عليه، ونظر بعين الرحمة إلهي، وغفر له ما قدمه من الأعمال السيئة بين يديه.
وأوصى ألا يناح عليه، وأن يمنع أولياؤه، وجميع الناس من الرجال والنساء أنفسهم عن الشق، والحلق، والتخريق للثياب، والتمزيق، وألا يبكوا عليه إلا بكاء حزن قلب، ودموع عين، لا يقدرون على ردهما، ودفعهما، وأما دعاء بويل، ورن شيطان وخمش وجوه، وحلق شعر، ونتفه، وتخريق ثوب وتمزيقه، وفتقه، فلا، وهو بريء ممن فعل شيئاً من ذلك كما برىء النبي ﷺ منهم.
وأوصى أن يعجل تجهيزه، وغسله، وتكفينه، وحمله إلى حفرته، ولا يحبس، ولا يبطأ به، وإن مات ضحوة النهار، أو وقت الزوال، أو بكرة، فإنه لا يؤخر تجهيزه إلى الغد، ولا يترك ميتاً بين أهله بالليل أصلاً، بل يعجل أمره، فينقل إلى حفرته نقلاً، بعد أن يغسل وتراً، ويجعل في آخر غسلة من غسلاته كافور، ويكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية١ إن وجدت، فإن لم توجد سحولية كفن في ثلاثة أثواب بيض، ليس فيها قميص، ولا عمامة، ويجمر٢ كفنه وتراً، لا شفعاً قبل أن يلف عليه، ويسرع بالسير بجنازته، كما أمر به رسول الله ﷺ ، ويحمل للصلاة عليه إلى ميدان الحسين، ويصلى عليه ولده أبو نصر، إن كان حاضراً، فإن عجز عن القيام بالصلاة عليه، فأمر الصلاة عليه إلى أخيه أبي يعلى، ثم يرد إلى المدرسة، فيدفن فيها بين يدي والده الشهيد، رضي الله تعالى عنه، ويلحد له لحد٣ وينصب عليه اللبن نصباً، ولا يشق له شق٤، ولا يتخذ له
стр. 116
تابوت أصلاً، ولا يوضع في التابوت للحمل إلى المصلى، وليوضع على الجنازة ملفوفاً في الكفن، مسجى بثوب أبيض، ليس فيه إبريسم١ بحال، ولا يطين قبره، ولا يجصص، ويرش عليه الماء، ويوضع عليه الحصا، ويمكث عند قبره مقدار ما ينحر جزور، وينقسم لحمه حتى يعلم ما يراجع به رسل ربه، جل وعلا، ويسأل الله تعالى على رأس قبره له التثبيت الموعود لجملة المؤمنين، في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] ويستغفر له، ولوالديه، ولجميع المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، ولا ينسى، بل يذكر بالدعاء، فإن المؤمن إذا قبر كان كالغريق المغتوت٢، ينتظر دعوة صالحة تلحقه، ولا يمكن أحد من الجواري، والنسوان [أن] يكشفن رؤوسهن، وأن يندبنه في ذلك الوقت، بل يشتغل الكل بالدعاء والاستغفار، لعل الله يهون عليه الأمر في ذلك الوقت، وييسر خروج منكر ونكير من قبره، على الرضا منه، وينصرفان عنه، وقد قالا له: نم نومة العروس، فلا روعة عليك، ويفتحان في قبره باباً من الجنة، فضلاً من الله ومنه، فيفوز فوزاً عظيماً، ويحوز ثواباً كريماً، ويلقى روحاً وريحاناً، ورباً كريماً رحيماً آخر الوصية.
стр. 117
٢٣- اعتقاد الخطيب البغدادي١ المتوفى سنة ٤٦٣هـ
أخبرنا الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد بن علي البغدادي، قال: أخبرنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي- قراءة عليه، وأنا أسمع، في شوال سنة أربع وتسعين وأربع مئة، أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب:
أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسى البزار- بهمدان- حدثنا صالح بن أحمد الحافظ، قال:
سمعت عبد الله بن إسحاق بن سيامرد يقول: التقيت مع المروذي بطسوس، فقلت له: يا أبا بكر، كيف سمعت أبا عبد الله يقول في القرآن؟
قال: سمعت أبا عبد الله يقول:
القرآن كلام الله غير مخلوق، فمن قال: (مخلوق) فهو كافر.
قلت: كيف سمعته يقول فيمن وقف؟
قال: هذا رجل سوء، وأخاف أن يدعو إلى خلق القرآن.
قلت له: يا أبا بكر، كيف سمعت أبا عبد الله يقول في اللفظ؟
قال: من قال: لفظه في القرآن مخلوق فهو جهمي.
стр. 118
قلت أنا له: وأيش الجهمي؟
قال: شك في الله أربعين صباحاً.
قلت: من شك في الله، فهو كافر.
قال: نعم.
أخبرنا الشيخ أبو طالب المبارك بن علي الصيرفي- إذناً- قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن مرزوق بن عبد الرزاق الزعفراني قراءة عليه، وأنا أسمع في ربيع الأول من سنة ست وخمس مئة- قال: أخبرنا الخطيب الحافظ أبو بكر أحمد بن علي البغدادي، قال:
كتب إلي بعض أهل دمشق يسألني عن مسائل- ذكرها- فأجبته عن ذلك- وقرأه لنا في جواب ما سئل عنه- فقال:
وقفت على ما كتب به الشيخ الفاضل، أدام الله تأييده وأحسن توفيقه وتسديده، وسكنت إلى ما تأدى إلي من علم أخباره، أجراها.. على آثاره، وأجيبه بما أرجو أن يقع وفاق اختياره، واسأل الله العصمة من الزلل والتوفيق، لإدراك صواب القول والعمل، بمنته ورحمته.
أما الكلام في الصفات:
فإن ما روى منها في السنن الصحاح مذهب السلف- رضوان الله عليهم- إثباتها، وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها.
وقد نفاها قوم، فأبطلوا ما أثبته الله سبحانه، وحققها من المثبتين قوم، فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف.
والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمور، ودين الله بين الغالي فيه والمقصر عنه.
стр. 119
والأصل في هذا:
أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويحتذي في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلوماً أن إثبات رب العالمين هو إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته، إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد وتكييف.
فإذا قلنا: لله تعالى يد، وسمع وبصر، فإنما هي صفات أثبتها الله تعالى لنفسه، ولا نقول: إن معنى اليد: القدرة، ولا إن معنى السمع والبصر: العلم، ولا نقول: إنها جوارح، ولا تشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح، وأدوات للفعل.
ونقول: إنما وجب إثباتها؟ لأن التوقيف ورد بها ووجب نفي التشبيه عنها، لقوله ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وقوله عز رجل: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] .
ولما تعلق أهل البدع على عيب أهل النقل برواياتهم هذه الأحاديث، ولبسوا على من ضعف علمه، بأنهم يروون ما لا يليق بالتوحيد، ولا يصح في الدين، ورموهم بكفر أهل التشبيه، وغفلة أهل التعطيل، أجيبوا بأن في كتاب الله تعالى آيات محكمات، يفهم منها المراد بظاهرها، وآيات متشابهات، لا يوقف على معناها إلا بردها إلى المحكم، ويجب تصديق الكل والإيمان بالجميع، فكذلك أخبار الرسول ﷺ جارية هذا المجرى، ومنزلة على هذا التنزيل، يرد المتشابه منها إلى المحكم، ويقبل الجميع.
فتنقسم الأحاديث المروية في الصفات ثلاثة أقسام:
منها: أخبار ثابتة أجمع أئمة النقل على صحتها، لاستفاضتها وعدالة نقلتها، فيجب قبولها والإيمان بها، مع حفظ القلب أن يسبق إليه اعتقاد ما
стр. 120
يقتضى تشبيه الله بخلقه، ووصفه بما لا يليق به من الجوارح والأدوات، والتغير والحركات.
والقسم الثاني: أخبار ساقطة بأسانيد واهية، وألفاظ شنيعة، أجمع أهل العلم (بـ) النقل على بطلانها، فهذه لا يجوز الاشتغال بها، ولا التعريج عليها.
والقسم الثالث: أخبار اختلف أهل العلم في أحوال نقلتها، فقبلها البعض دون الكل، فهذه يجب الاجتهاد والنظر فيها، لتلحق بأهل القبول، أو تجعل في حيز الفساد والبطول.
وأما تعيين الأحاديث، فإني لم أشتغل بها، ولا تقدم مني جمع لها، ولعل ذلك يكون فيما بعد، إن شاء الله.
стр. 121
٢٤- اعتقاد سعد بن علي الزنجاني المتوفى سنة ٤٧١هـ١
له قصيدة أبدى عقيدة السلف ونقل منها الإمام ابن القيم في الجيوش والذهبي في السير وهي من أبلغ القصائد:
تدبر كلام الله واعتمد الخبر ... ودع عنك رأياً لا يلائمه الأثر
ونهج الهدى فالزمه واقتد بالألى ... هم شهدوا التنزيل علّك تنجبر
وكن موقناً أنَّا وكل مكلف ... أمرنا بقفوا الحق والأخذ بالحذر
وحكم فيما بيننا قول مالك ... قدير حليم عالم الغيب مقتدر
سميع بصير واحد متكلم ... مريد لما يجري على الخلق من قدر
وفي ترك أمر المصطفى فتنة فذر ... خلاف الذي قد قاله واتل واعتبر٢
في اجتماع الجيوش:
تمسك بحبل الله واتبع الأثر ... ودع عنك رأياً لا يلائمه خبر
стр. 122
قال ابن القيم: وقال في شرح هذه القصيدة: والصواب عند أهل الحق أن الله تعالى خلق السموات والأرض وكان عرشه على الماء مخلوقاً قبل خلق السموات والأرض، ثم استوى على العرش بعد خلق السموات والأرض على ما ورد به النص ونطق القرآن، وليس معنى اسوائه أنه ملكه واستولى عليه لأنه كان مستولياً عليه قبل ذلك وهو أحدثه، لأنه مالك جميع الخلائق ومستولي عليها، وليس معنى الاستواء أيضاً أنه ماس العرش أو اعتمد عليه أو طابقه فإن كل ذلك ممتنع في وصفه جل ذكره ولكنه مستو بذاته على عرشه بلا كيف كما أخبر عن نفسه١.
стр. 123
٢٥- اعتقاد الشيخ الإمام الجليل ناصح الإسلام أبي الخطاب محفوظ بن أحمد بن حسن الكلوذاني الحنبلي المتوفى سنة ٥١٠هـ، رحمه الله تعالى وعفا عنه١
دع عنك تذكار الخليط المنجد ... والشوق نحو الآنسات الخرد
والنوح في أطلال٣ سعدى إنما ... تذكار سعدي شغل من لم يسعد
واسمع مقالي إن أردت تخلصاً ... يوم الحساب وخذ بهذا تهتد
واقصد فإني قد قفيت موفقاً ... نهج ابن حنبل الإمام الأوحد
خير البرية بعد صحب محمد ... والتابعين إمام كل موحد
ذي العلم والرأي الأصيل ومن حوي ... شرفاً علا فوق السما والفرقد٤
واعلم بأني قد نظمت مسائلاً ... لم آل٥ فيها النصح غير مقلد
وأجبت عن تسال كل مهذب ... ذي صولة يوم الجدال مسود٦
هجر الرقاد وبات ساهر ليله ... ذي همة لا يستلذ بمرقد
قوم طعامهم دراسة علمهم ... يتسابقون إلى العلا والسؤدد
قالوا بما عرف المكلف ربه؟ ... فأجبت بالنظم الصحيح المرشد
قالوا فهل رب الخلائق واحد؟ ... ملت الكمال لربنا المتفرد
стр. 124
قالوا فهل تصف الإله؟ أبِنْ لنا ... قلت الصفات لذي الجلال السرمدي
قالوا فهل تلك الصفات قديمة ... كالذات؟ قلت كذاك لم تتجدد
قالوا فهل لله عندك مشبه؟ ... قلت المشبه في الجحيم الموقد
قالوا فهل هو في الأماكن كلها؟ ... قلت الأماكن لا تحيط بسيدي
قالوا فتزعم أن ذي العرش استوى؟ ... قلت الصواب كذلك أخبر سيدي
قالوا فما معنى استواه أبِنْ لنا؟ ... فأجبتهم هذا سؤال المعتدي
قالوا فأنت تراه جسما مثلنا ... قلت المجسم عندنا كالملحد
قالوا تصفه بأنه متكلم؟ ... قلت السكوت نقيصة بالسيد
قالوا فما القرآن؟ قلت كلامه ... لا ريب فيه عند كل موحد
قالوا النزول؟ قلت ناقله له ... قوم هموا نقلوا شريعة أحمد
قالوا فكيف نزوله؟ فأجبتهم ... لم ينقل التكييف لي في مسند
قالوا فأفعال العباد؟ فقلت ما ... من خالق غير الإله الأمجد
قالوا فهل فعل القبيح مراده؟ ... قلت الإرادة كلها للسيد
لو لم يرده نقيصة ... سبحانه عن أن يعجزه الردي
قالوا فما الإيمان؟ قلت مجاوباً ... عمل وتصديق بغير تردد
قالوا فمن بعد النبي خليفة؟ ... قلت الموحد قبل كل موحد
حاميه في يوم العريش١ ومن له ... في الغار أسعده من مسعد
قالوا فمن ثاني أبو بكر٢ الرضا ... سند الشريعة باللسان وبالي
قالوا فثالثهم؟ فقلت مجاوباً ... من بايع المختار عنه باليد
صهر النبي على ابنتيه ومن حو ... فضلين: فضل تلاوةوتهجد
стр. 125
أعني ابن عفان الشهيد ومن دعى ... في الناس ذو النورين صهر محمد
قالوا فرابعهم؟ فقلت مجاوباً ... من جاز دونهم أخوة أحمد
زوج البتول وخير من وطىء الحصى ... بعد الثلاثة عند كل موحد
أعنى أبا الحسن الإمام ومن له ... بين الأنام فضائل لم تجحد
ولابن هند١ في الفؤاد محبة ... ومودة فيرغمن المعتدي
ذاك الأمين المجتبي لكتابة الو ... حي المنزل ذو التقي والسؤود
فعليهم وعلى الصحابة كلهم ... صلوات ربهم تروح وتغتدي
إني لأرجو أن أفوز بحبهم ... وبما اعتقدت من الشريعة في غد٢
قالوا أبان الكلوذاني الهدى ... قلت الذي رفع السماء مؤيدي
стр. 126
٢٦- اعتقاد أبي الحسن الكرجي١ إمام الحرمين، المتوفى سنة ٥٣٢هـ
هذا الإمام كان من كبار سيوف السنة المهتدين، أعطاه الله قوة البيان وفصاحة اللسان وقوة البلاغة، يعرف ذلك من قرأ له الأبيات التي سنذكرها إن شاء الله، وهذا الإمام من الأئمة الذين أغضبوا الشيخ النجدي- الكوثري- وحمل عليهم، فذكره في السيف الصقيل بأبشع الألقاب، وأما ابن السبكي فلا تسأل عن حماقته وتأويله البارد ودفاعه السمج عن القصيدة الرائعة التي تسمى عروس القصائد. وهي من خيرة الآثار التي خلفها الشيخ وهاك نذر يسير منها جاء في طبقات الشافعية:
ثم قال ابن السمعاني وله قصيدة تائية في السنة شرح فيها اعتقاده واعتقاد السلف تزيد على مائتي بيت، قرأتها عليه بداره في الكرج.
ثم قال: السبكي فاعلم أنا وقفنا على قصيدة تعزى إلى هذا الشيخ وتلقب "بعروس القصائد في شموس العقائد".
ومنها:
عقائدهم أن الإله بذاته ... على عرشه مع علمه بالغوائب
ومنها:
ففكرج والله من خوف أهلها ... يذوب بها البدعي ياشر ذائب
стр. 127
يموت ولا يقوى لإظهار بدعة ... مخافة حز الرأس من كل جانب
ومنها:
طرائق تجسيم وطرق تجهم ... وسبل اعتزال مثل نسج العناكب
وفي قدر الرفض طرق عمية ... وما قيل في الإرجاء من نعب ناعب
وخبث مقال الأشعري تخنث ... يضاهي تلويه تلوي الشغازب
يزين هذا الأشعري مقاله ... ويشبه بالسم ياشر قاشب
فينفي تفاصيلاً ويثبت جملة ... كناقضة من بعد شد الذوائب
يؤول آيات الصفات برأيه ... فجرأته في الدين جرأة خارب
ويجرم بالتأويل في سنن الهدى ... ويخلب أغماراً فأشئم بخالب
ومنها:
ولم يكن ذا علم ودين وإنما ... بضاعته كانت مخوق مداعب
وكان كلامياً بالاحساء موته ...
بأسوأ موت ماته ذو السوائب
стр. 128
ومنها:
كذا كل رأس للضلالة قد مضى ... بقتل وصلب باللحى والشوارب
كجعد وجهم والمريسي بعده ... وذا الأشعري المبتلي شرُّ دائب
ومنها:
معايبهم توفي على مدح غيرهم ... المبتلي المفتون عيب المعايب
وذاوللشيخ كتاب مهم بين فيه عقيدة السلف ومذاهبهم سماه الفصول في اعتقاد الأئمة الفحول. ذكره شيخ الإسلام في غير ما موضع من كتبه، ونقل منه جملة كبيرة، انظر مجموع الفتاوى "الجزء الرابع".
وكذلك الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية قال ﵀: "وله أي لأبي الحسن الفصول في اعتقاد الأئمة الفحول، يذكر فيه مذاهب السلف في باب الاعتقاد".
стр. 129
٢٧- اعتقاد الحافظ أحمد السِّلَفِي١ المتوفى سنة ٥٧٦هـ
وها أنا شارع في شرح ديني ... ووصف عقيدتي وخفي حالي
وأجهد في البيان بقدر وسعي ... وتخليص العقول من العقال
بشعرٍ لا كشعر بل كسحر ... ولفظ كالشمول بل الشمال
فلست الدهر إمعة وما إن ... أزل ولا أزول لذي النزال
فلا تصحب سوى السني دينا ... لتحمد ما نصحنك في المآل
وجانب كل مبتدع تراه ... فما إن عندهم غير المحال
ودع آراء أهل الزيغ رأسا ... ولا تغررك حذلقة الرذال
فليس يدوم للبدعي رأي ... من أين المقر لذي ارتحال
стр. 130
يوافي حائراً في كل حال ... وقد خلى طريق الاعتدال
ويترك دائباً رأياً لرأي ... ومنه كذا سريع الإنتقال
وعمدة ما يدين به سفاها ... فأحداث من أبواب الجدال
وقول أئمة الزيغ الذي لا ... يشابهه سوى الداء العضال
كمعبد المضلل في هواه ... وواصل أو كغيلان المحال
وجعد ثم جهم وابن حرب ... حمير يستحقون المخالي
وثور كاسمه أو شئت فاقلب ... وحفص القرد قرد ذي افتعال
وبشر لا رأى بشرى فمنه ... تولد كل شر واختلال
وأتباع بن كُلاَّبٍ كِلاَبُ ... على التحقيق هم من شر آل
كذاك أبو الهذيل وكان مولى ... لعبد القيس قد شان الموالي
ولا تنس ابن أشرس المكني ...
أبا معن ثمامة فهو غالي
стр. 131
ولا أبن الحارث البصري ذاك الـ ... مضل على اجتهاد واحتفال
ولا الكوفي أعنيه ضرار بـ ... ـن عمرو فهو للبصري تالي
كذاك ابن الأصم ومن قفاه ... من أوباش البهاشمة النغال
وعمرو هكذا أعني بن بحر ... وغيرهم من أصحاب الشمال
فرأي أولاء ليس يفيد شيئاً ... سوى الهذيان من قيل وقال
وكل هوى ومحدثةٍ ضلال ... ضعيف في الحقيقة كالخيال
فهذا ما أدين به الهي ... تعالي عن شبيه أو مثال
وما نفاه من خدع وزور ... ومن بدع فلم يخطر ببالي
أبياته في العقيدة السلفية:
ضل المجسم والمعطل مثله ... عن منهج الحق المبين ضلالا
وأبي أمثالهم بنكر لازعوا ...
من معشر قد حاولوا الإشكالا
стр. 132
غدوا يقيسون الأمور برأيهم ... ويد لسون على الوري الأقوالا
فالأولون تعذروا الحق الذي ... قد حل في وصف الإله تعالى
وتصوروه صورة من جنسنا ... جسما وليس الله عز مثالاً
والآخرون يعطلون ما جاء في الـ ... قرآن أقبح بالمقال مقالا
وأبوا حديث المصطفى أن يقبلوا ...
ورأوه حشوا لا يفيد منالاً
стр. 133
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .
أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد:
فهذا القسم الثاني من سلسلة: (اعتقاد أئمة السلف أهل الحديث) وكان القسم الأول (اعتقاد السلف عامة) وهذا القسم الثاني، وهو عبارة عن مقدمة كتاب (شعار أصحاب الحديث) للإمام الحافظ أبي أحمد محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري الكرابيسي الحاكم الكبير شيخ الإمام أبي عبد الله الحاكم صاحب المستدرك، وهو الإمام الذي انتهت إليه رئاسة أهل الحديث بخراسان في وقته قال تلميذه الحاكم: "هو إمام عصره في هذه الصنعة، كثير التصنيف، مقدم في معرفة شروط الصحيح والأسامي
стр. 134
والكنى، طلب الحديث وهو ابن نيف وعشرين سنة وسمع بالعراق والجزيرة والشام، وكان من الصالحين الثابتين على سنن السلف. سمع كثيراً من الشيوخ منهم ابن خزيمة والبغوي والسراج وغيرهم، وتخرج عليه كثيرون كأبي عبد الله الحاكم، وأبي عبد الرحمن السلمي، وابن منجوية، والكنجروذي وغيرهم.
توفي ﵀ في ربيع الأول سنة ثلاثمائة وثمان وسبعين للهجرة.
وسبب الاهتمام بذكر عقيدة أهل الحديث، أننا في زمان كثر فيه أهل البدع، وتعددت طرائقهم، وكثر وقوعهم في أصحاب الحديث، وغمزهم إياهم، وطعنهم فيهم، لذلك رأيت من واجبي أن أهب للدفاع عنهم، وإبراز عقيدتهم، وذكر أصولهم، حتى يكون القاريء على بصيرة من أمر دينه، عارفاً بعقيدته التي يلقى الله عليها ومن علامات أهل البدع في زماننا - بل وفي كل زمان- أنهم يقعون في أهل الحديث بالغمز والطعن، بل وبالتصريح في مصنفاتهم، ويضيقون عليهم، إن كان لأهل البدع سلطة ومكانة، كما في بعض البلدان الإسلامية، فيطردونهم من مساجدهم، ويضيقون عليهم في مدارسهم، وغير ذلك، بدعوى أنهم وهابية وأنهم مجسمة ومبتدعة.. الخ تلك النعوت التي يطلقونها عليهم.
وهذا يذكرني بقول الإمام أحمد بن سنان القطان: "ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث فإذا ابتدع الرجل نزعت حلاوة الحديث من قلبه"١.
وكذلك يقول أبي حاتم الرازي ﵀: "علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر"٢، قال الصابوني بعد إيراده: "وكل ذلك عصبية، ولا يلحق
стр. 135
الحديث كل من اشتغل بدراسة الحديث وسماعه وكتابته، بل هم من تمسك بالكتاب والسنة، واقتفى أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
يقول شيخ الإسلام ﵀ في ذكر شيء من فضائلهم: "وأدنى خصلة في هؤلاء محبة القرآن والحديث والبحث عنهما، وعن معانيهما، والعمل بما علموه من موجبهما"٣.
وللإمام أبي بكر الخطيب البغدادي ﵀ كتاب مؤلف في فضلهم سماه: "شرف أصحاب الحديث" فلله درهم على ما خدموا به الإسلام، وقمعوا من البدع، وأظهروا من السنة.
وما نقله الإمام أبو أحمد الحاكم ﵀ عن أهل الحديث وقرره في أصولهم في العقيدة لم يحظ بما يستحقه من العناية ولم يلق ما يناسبه من الاهتمام- حسب ما أعلم- فلذا وضعت هذا الشرح المختصر لكلامه في تعبيرهم.
ومنهجي فيه كما يلي:
١- وضعت للكتاب أبواباً لتقسيمه بما يناسب كلام المصنف حتى تكتمل الاستفادة منه.
٢- جعلت كلام المصنف في أعلى الصفحة، وجعلت الشرح تحته، مع تخريج الأحاديث والآثار.
٣- جعلت لكل فقرة خلاصة حتى نوجز الفائدة منها، وبعدها مناقشة لتنبيه القاريء وإثارة اهتمامه.
стр. 136
هذا وقد استفدت كثيراً من تعليقات محمد هارون على كتاب أصول السنة لابن أبي زمنين.
هذا والله أسأل أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم، وأن يغفر لي الخطأ والزلل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
بقلم د. محمد بن عبد الرحمن الخميس
стр. 137
باب إثبات العلو والاستواء
ويعرف الله في السماء السابعة على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه: ٥- ٦] .
الشرح:
يؤمن أهل السنة بأن الله تعالى مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه كما وردت بذلك الآيات والأحاديث الصحيحة، وليس استواؤه كاستواء أحد من خلقه، إنما هو استواء على الكيفية اللائقة بجلاله ، نؤمن به ولا نكيف بل نكل علم الكيفية إلى الله تعالى، لكنه علا وارتفع واستقر على عرشه من غير حاجة إليه، وأنكرت ذلك الجهمية الأولى وطوائف من أهل الضلال كالمعتزلة، والمتفلسفة، والحنفية الماتريدية والأشعرية الكلابية والصوفية الإلحادية والصوفية الزنادقة الحلولية.
وإليك البيان بشيء من البرهان فأقول:
إن عقيدة أن الله تعالى فوق عباده عال على خلقه مستو على عرشه قد أجمعت عليها الشرائع السماوية والكتب الإلهية والأنبياء والمرسلون١.
وأهل الأديان كلهم أجمعون مع المسلمين٢.
حتى الفلاسفة اليونانيين الكافرين٣.
وحتى اليهود والنصارى٤.
стр. 138
بل العرب والعجم١.
والآدميون كلهم عربهم وعجمهم مؤمنيهم وكافريهم٢.
واتفقت بذلك كلمة المسلمين والكافرين٣.
وكل عاقل من مسلم وكافر٤.
وجميع بني آدم٥.
وعلى ذلك إجماع الأولين والآخرين العالمين منهم والجاهلين وكل من مضى وعبر حتى فرعون ونمرود٦.
وعليه فطرة المسلمين علمائهم وجهالهم أحرارهم ومماليكهم ذكرانهم وإناثهم بالغيهم وأطفالهم وكل من دعا الله٧.
المخالفون لهذه العقيدة والخارقون لهذا الإجماع والخارجون على هذه الفطرة فرق شتى وكلهم معطلة زنادقة.
١- الجهمية الأولى: قالوا: إن الله في كل مكان. معاذ الله.
٢- الصوفية الحلولية: قالوا الله في كل شيء حتى في الكلب والخنزير والقرد والفهد. معاذ الله.
وهذا القول يرجع إلى الأول فقول الجهمية وهؤلاء الصوفية قول بالحلول المطلق وهو أخبث من قول النصارى.
٣- الصوفية الاتحادية: قالوا: الله كل شيء حتى الخنزير! والفرج والذكر. معاذ الله عن ذلك.
стр. 139
وهم أكفر من اليهود والنصارى والمجوس والهندوس وغيرهم من الكفرة المشركين الوثنيين.
٤- المعتزلة وأفراخهم من الحنفية الماتريدية ومتأخرة الأشعرية الكلابيين.
قالوا: إن الله لا فوق العالم ولا تحته ولا يمين العالم ولا شماله ولا أمام العالم ولا خلفه١.
وأنه ليس على العرش ولا فوق العرش. ولا فوق العالم٢.
وأن من وصف الله بأنه في السماء أو بأنه فوق فهو كافر٣.
وهؤلاء هم أهل الجحود والإنكار كما صرح بذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
وفيما يلي نصوص أن الإسلام في إثبات علو الله تعالى على خلقه وفوقيته على عباده واستوائه على عرشه وتكفير عن خالف حضرة العقيدة الراسخة:
١- قال الإمام أبو حنيفة ﵀ (١٥٠هـ) إمام الحنفية: "من قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر.." ٤.
٢- وقال إمام أهل الشام الأوزاعي (١٥٧ هـ) : "كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله تعالى فوق عرشه"٥.
стр. 140
٣- وقال إمام الهجرة مالك (١٧٩هـ) : "الله في السماء وعلمه في كل مكان"١.
٤- وقال الإمام عبد الرحمن بن مهدي (١٩٨هـ) : "إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن يكون الله قد كلم موسى وأن يكون على العرش يستتابوا فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم"٢.
٥- وسئل الإمام علي بن عبد الله المديني (٢٣٤هـ) ما قول أهل السنة والجماعة فقال: "يؤمنون بالرؤية والكلام وأن الله فوق السماوات على عرشه استوى"٣.
٦- وقال الإمام قتيبة بن سعيد (٢٤٠هـ) : "هذا قول الأئمة في الإسلام نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه"٤.
٧- وسئل إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (٢٤١هـ) : الله فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه وقدرته وعلمه في كل مكان؟ فأجاب: "نعم هو على عرشه وعلمه لا يخلو منه مكان"٥.
وسئل ﵀ عمن يقول: إن الله تعالى ليس على العرش.
فقال: "كلامهم كله يدور على الكفر"٦.
٨، ٩- وقال الإمامان الجليلان أبو زرعة (٢٦٤هـ) وأبو حاتم (٢٧٧هـ) الرازيان: "أجمع أهل الإسلام على إثبات الصفات لله تعالى وأنه على عرشه بائن من خلقه وعلم الله في كل مكان من قال غير هذا فعليه لعنة الله"٧.
стр. 141
١٠- وقال الإمام أبو بكر ابن خزيمة (٣١١هـ) : "من لم يقر بأن الله تعالى - على عرشه قد استوى فوق سماواته بائن من خلقه فهو كافر يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وألقي على بعض المزابل حيث لا يتأذى المسلمون والمعاهدون بنتن ريح جيفته وكان ماله فيئا لا يرثه أحد من الدين إذ المسلم لا يرث الكافر"١.
١١- وقال الإمام الذهبي ناقد الرجال والفرق (٧٤٨هـ) "مقالة السلف وأئمة السنة بل الله ورسوله ﷺ والمؤمنون: أن الله في السماء وأن الله على العرش وأن الله فوق سماواته....
ومقالة الجهمية:
أنه في جميع الأمكنة:
ومقالة متأخري المتكلمين:
أن الله تعالى ليس في السماء ولا على العرش ولا على السماوات ولا في الأرض ولا في العالم ولا هو بائن من خلقه ولا هو متصل بهم.
قال لهم أهل السنة والأثر ...
فإن هذه السلوب نعوت العدوم تعالى الله ﷻ عن العدم!
بل هو يخبر خلقه بما وصف فيه:
في أنه فوق العرش بلا كيف"٢.
стр. 142
باب ذكر الدليل على أن القرآن كلام الله غير مخلوق١
١٠- أخبرنا أبو عروبة الحسين بن أبي معشر السلمي بحران، نا سلمة بن شبيب، نا الحكم بن عمد، نا سفيان بن عينية، عن عمرو بن دينار قال: سمعت مشيختنا منذ تسعين سنة، وأخبرنا أبو أحمد محمد بن سليمان بن فارس واللفظ له، نا محمد يعني ابن إسماعيل البخاري، قال: الحكم بن محمد أبو مروان الطبري حدثناه، سمع ابن عيينة، قال: أدركت مشيختنا منذ تسعين سنة منهم عمرو بن دينار يقول: القرآن كلام الله ليس بمخلوق.
стр. 143
وبعد ذلك قوى عظامها بشر المريسي في أوائل القرن الثالث، حتى بلغت ذروتها، وتعرض علماء السلف- كإمام أهل السنة أحمد بن حنبل وغيره على أيديهم فيها إلى أنواع من البلاء والأذى.
ثم إن اختلاف الناس في مسألة القرآن يرجع إلى اختلافهم في صفة الكلام، ويجدر بنا في هذا المقام أن نسرد بعض هذه المقالات التي قيلت في هذه الصفة، ونشأت منها هذه الفتنة، أعنى فتنة خلق القرآن.
مذهب السلف:
قالوا إن الكلام صفة لله كسائر الصفات الأخرى، وهي صفة ذات وفعل، يتكلم بها متى شاء وكيف شاء، وهو حروف وأصوات يسمعها من يشاء من مخلوقاته، وإن الكلام بصوت ليس كصوت المخلوقين وكلامه قديم النوع، كما أن سائر صفات الله تعالى قديمة.
* كما أنهم أجمعوا على أن موسى ﵇ سمع كلام الله من الله تعالى، لا من الشجر أو الحجر، أو من غيره، كما قالت الجهمية والمعتزلة، لأنه لو سمع من غير الله تعالى، لكان بنو إسرائيل أفضل من ذلك منه، فإنهم سمعوا من أفضل ممن سمع منه موسى لكونهم سمعوا من موسى ﵇، وهو على زعمهم إنما سمع من الشجرة، وهو غير معقول١.
* وكذلك لم يجز أن يكون الكلام الذي سمعه إلا صوتاً وحرفاً، وليس معنى في النفس، فإنه لو كان معنى في النفس كما زعمت الكلابية والأشاعرة والماتريدية، لم يكن ذلك تكليماً لموسى ﵇ ولا هو شيء يسمع.
فالقرآن عند السلف كلام الله تعالى. ووحيه وتنزيله، فيه معاني توحيده، ومعرفة آياته وأنه غير مخلوق بحروفه ومعانيه فهو كلام الله تعالى
стр. 144
حقيقة، ويضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئاً، لا إلى من قاله مبلغاً ومؤدياً، ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية كلام الله أو عبارة عنه، كما قالت الكلابية والأشاعرة والماتريدية.
* ولما شاعت المحنة في عهد المأمون، وكثر اختلاف الناس وتنازعهم في ذلك، التزم السلف بوصف القرآن أنه غير مخلوق بياناً للحق ورداً على ما شاع من بدعة الجهمية والمعتزلة من أن القرآن مخلوق.
* قال الإمام البخاري في خلق أفعال العباد: "القرآن كلام الله غير مخلوق ".
* قال البخاري: "حركاتهم وأصواتهم، واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة وأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف المسطور المكتوب الموعي في القلوب فهو كلام الله ليس بمخلوق، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ ١ [العنكبوت: ٤٩] .
* ويقول ابن خزيمة في التوحيد: "باب من الأدلة التي تدل على أن القرآن كلام الله الخالق وقوله غير مخلوق، لا كما زعمت الكفرة من الجهمية المعطلة" ثم ذكر الأدلة على ذلك٢.
* وذكر اللالكائي مذهب السلف في القرآن فقال: "ما دل من الآيات من كتاب الله تعالى وما روى عن رسول الله ﷺ والصحابة والتابعين على أن القرآن تكلم به على الحقيقة، وأنة أنزل على محمد ﷺ وأمره بالتحدي، وأنه يدعو الناس إليه، وأن القرآن على الحقيقة، متلو في المحاريب، مكتوب في المصاحف محفوظ في صدور الرجال ليس بحكاية ولا عبارة عن القرآن، وهو قرآن واحد غير مخلوق، وغير مجهول ومربوب، بل صفة من صفات ذاته لم يزل به متكلماً، ومن قال غير هذا فهو كافر ضال مضل مبتدع مخالف
стр. 145
لمذاهب السنة والجماعة، ثم أورد الأدلة على ذلك١.
* وقال ابن بطة في الإبانة بعد كلام سبق: "ثم من بعد ذلك يعلم بغير شك ولا مرية ولا وقوف، أن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله، فيه معاني توحيده، ومعرفة آياته، وصفات أسمائه، وهو علم من علمه غير مخلوق، كيف قرأ وكيف كتب وكيف تلي وفي أي موضع كان في السماء وجد أو في الأرض حفظ، في اللوح المحفوظ وفي المصاحف وفي ألواح الصبيان مرسوماً أو في حجر منقوشاً وعلى كل الحالات وفي كل الجهات كلام الله غير مخلوق"؟ ٢.
* هذا مذهب السلف في صفة الكلام ومن جملة ذلك القرآن عندهم كلام الله لفظه ومعانيه، فلا يقال اللفظ دون المعنى كما قالت الجهمية والمعتزلة، ولا المعنى دون اللفظ كما قالت الكلابية والأشاعرة، والماتريدية، وهو منزل غير مخلوق سمعه جبريل من الله والنبي ﷺ سمعه من جبريل، فهو المكتوب بالمصاحف والمحفوظ بالصدور المتلو بالألسنة، فالسلف أثبتوا لله سبحانه صفة الكلام، منزهين الله تعالى عما لا يليق بجلاله من سمات النقص كما أثبتوا له سائر الصفات إثباتاً بلا تمثيل وتنزيهاً بلا تعطيل. ويرى هذا كله عبرة تقال للماتريدية والأشعرية الذين خالفوا عقيدة السلف في القرآن وقالوا إن كلام الله هو كلام نفسي لا يسمع ولا بحروف ولا صوت وأن هذا القرآن العربي مخلوق وليس هو كلام الله على الحقيقة وإنما هو دال على كلام الله النفسي فهؤلاء الماتريدية والأشعرية من القائلين ببدعة خلق القرآن ومن أعظم المعطلين لصفة كلام الله ومن أعظم المبتدعين لبدعة الكلام النفسي فهم أبشع وأشنع من المعتزلة فإن أولئك كانت بدعتهم بدعة واحدة وهؤلاء بدعتهم بدعتان. والله المستعان٣.