← Акыда

Акыда · id 7506

اعتقاد أئمة السلف أهل الحديث

محمد بن عبد الرحمن الخميس

Полный текст (397 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

(٦) وأخرج ابن بطة عن عبيد الله بن حنبل قال: "حدثني أبي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: عليكم بالسنة والحديث وينفعكم الله به، وإياكم والخوض والجدال والمراء فإنه لا يفلح من أحب الكلام، وكل من أحدث كلاماً لم يكن آخر أمره إلا إلى بدعة، لأن الكلام لا يدعو إلى خير، ولا أحب الكلام ولا الخوض ولا الجدال، وعليكم بالسنن والآثار والفقه الذي تنتفعون به، ودعوا الجدال وكلام أهل الزيغ والمراء، أدركنا الناس ولا يعرفون هذا، ويجانبون أهل الكلام، وعاقبة الكلام لا تؤول إلى خير، أعاذنا الله وإياكم من الفتن وسلمنا وإياكم من كل هلكة"١. (٧) أورد ابن بطة في الإبانة عن أحمد قال: "إذا رأيت الرجل يحب الكلام فاحذره"٢. فهذه أقواله- ﵀ في مسائل أصول الدين وهذا موقفه من علم الكلام.

стр. 72

١٣- اعتقاد أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري١-٢ ﵀، المتوفى سنة ٢٥٦ في جماعة من السلف الذين يروى عنهم قال اللالكائي: أخبرنا أحمد بن محمد بن حفص الهروي قال حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن سلمة قال حدثنا أبو الحسين محمد بن عمران بن موسى الجرجاني قال سمعت أبا محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن البخاري -بالشاش- يقول سمعت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم أهل الحجاز ومكة والمدينة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد والشام ومصر: لقيتهم كرات قرناً بعد قرن ثم قرناً بعد قرن، أدركتهم وهم متوافرون منذ أكثر من ست وأربعين سنة، أهل الشام ومصر والجزيرة مرتين والبصرة أربع مرات في سنين ذوي عدد. بالحجاز ستة أعوام ولا أحصي كم دخلت الكوفة وبغداد مع محدثي أهل خراسان ومنهم: المكي بن إبراهيم ويحيى بن يحيى وعلي بن الحسن بن شقيق وقتيبة بن سعيد وشهاب بن معمر. وبالشام: محمد بن يوسف الفريابي وأبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر وأبا المغيرة عبد القدوس بن الحجاج وأبا اليمان الحكم بن نافع ومن بعدهم عدة كبيرة. ١ الإمام حبر الإسلام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزية البخاري مولى الجعفين صاحب الصحيح والتصانيف. ولد سنة أربع وتسعين ومائة. وكان من أوعية العلم يتوقد ذكاءً ولم يخلف بعده مثله. قال ابن وضاح ومكي بن خلف: سمعنا محمد بن إسماعيل يقول: كتبت عن ألف نفر من العلماء وزيادة ولم أكتب إلا عن من قال الإيمان قول وعمل وعن ابن إسحاق الريحاني أن البخاري كان يقول صنفت كتاب الصحيح بست عشرة سنة خرجته في ست مائة ألف حديث وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل سمعت أبي يقول: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل البخاري. توفي ﵀ ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلة الفطر ودفن يوم الفطر بعد الظهر سنة ست وخمسين ومائتين. شذرات الذهب ٢/ ١٣٤، ١٣٥، ١٣٦. ٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٢/١٩٣) .

стр. 73

وبمصر: يحيى بن كثير وأبا صالح كاتب الليث بن سعد وسعيد بن أبي مريم وأصبغ بن الفرح ونعيم بن حماد. وبمكة: عبد الله بن يزيد المقري والحميدي وسليمان بن حرب قاضي مكة وأحمد بن محمد الأزرقي. وبالمدينة: إسماعيل بن أبي أويس ومطرف بن عبد الله وعبد الله بن نفاع الزبيري وأحمد بن أبي بكر أبا مصعب الزهري وإبراهيم بن حمزة الزبيري وإبراهيم بن المنذر الحزامي. وبالبصرة: أبا عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني وأبا الوليد بن هشام بن عبد الملك والحجاج بن المنهال وعلي بن عبد الله بن جعفر المدني. وبالكوفة: أبا نعيم الفضل بن دكين وعبيد الله بن موسى وأحمد بن يونس وقبيصة بن عقبة وابن نمير وعبد الله وعثمان ابنا أبي شيبة. وببغداد: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبا معمر وأبا خيثمة وأبا عبيد القاسم بن سلام. ومن أهل الجزيرة: عمرو بن خالد الحراني. وبواسط: عمرو بن عون وعاصم بن علي بن عاصم. وبمرو: صدقة بن الفضل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي. واكتفينا بتسمية هؤلاء كي يكون مختصراً وأن لا يطول ذلك فما رأيت واحداً منهم يختلف في هذه الأشياء: أن الدين قول وعمل وذلك لقول الله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ١. وأن القرآن كلام الله غير مخلوق لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ

стр. 74

السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١. قال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل قال ابن عيينة: فبين الله الخلق من الأمر لقوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢. وأن الخير والشر بقدر لقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ* مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ ٣ ولقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٤ ولقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٥. ولم يكونوا يكفرون أحداً من أهل القبلة بالذنب لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٦. وما رأيت فيهم أحداً يتناول أصحاب محمد ﷺ قالت عائشة: أمروا أن يستغفروا لهم، وذلك لقوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٧. وكانوا ينهون عن البدع ما لم يكن عليه النبي ﷺ وأصحابه لقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ٨ ولقوله: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ﴾ ٩.

стр. 75

ويحثون على ما كان عليه النبي ﷺ وأتباعه لقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ١. وأن لا ننازع الأمر أهله لقول النبي ﷺ : "ثلاث لا يغل عليهن قلب امرىء مسلم: إخلاص العمل لله وطاعة ولاة الأمر ولزوم جماعتهم. فإن دعوتهم تحيط من ورائهم" ٢ ثم أكد في قوله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ ٣. وأن لا يرى السيف على أمة محمد ﷺ . وقال الفضيل: لو كانت لي دعوة مستجابة لم أجعلها إلا في إمام لأنه إذا صلح الإمام أمن البلاد والعباد. قال ابن المبارك: يا معلم الخير من يجترىء على هذا غيرك. والخوارج مراق. ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم كفراً ينقل عن الملة، ومن شك في كفره ممن يفهم فهو كافر. ومن شك في كلام الله فوقف شاكاً فيه يقول لا أدري مخلوق أو غير مخلوق فهو جهمي. ومن وقف في القرآن جاهلاً علم وبدع ولم يكفر. ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي أو القرآن بلفظي مخلوق فهو جهمي. قال! أبو محمد وسمعت أبي يقول:

стр. 76

وعلامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر. وعلامة الزنادقة. تسميتهم أهل السنة حشوية يريدون إبطال الآثار. وعلامة الجهمية: تسميتهم أهل السنة مشبهة. وعلامة القدرية: تسميتهم أهل السنة مخالفة ونقصانية. وعلامة الرافضة: تسميتهم أهل السنة ناصبة. ولا يلحق أهل السنة إلا اسم واحد ويستحيل أن تجمعهم هذه الأسماء.

стр. 77

١٤- اعتقاد محمد بن يحيى الذهلي المتوفى سنة ٢٥٨ هـ قال أبو عمرو أحمد بن محمد بن حفص الحبري أملى علينا محمد بن يحيى الذهلي١ قال: السنة عندنا الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وهو قول الميثاق عليه عهدنا أهل العلم، وأن القدر خيره وشره من الله ، قد جف القلم بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، علم الله جل وعلا العباد ما هم عاملون، وإلى ما هم صائرون، وأمرهم ونهاهم فمن لزم (أمر) الله تعالى وأطاعه وآثره، فبتوفيق الله ، ومن ترك أمر الله ﵎ وركب معاصيه فيخذله الله، ومن زعم أن الاستطاعة قبل الفعل بالجوارح إليه إن شاء عمل وإن شاء لم يعمل فقد كذب بالقدر، ورد كتاب الله نصاً وزعم أنه يستطيع ما لم يرده الله ثناؤه، ونحن نتبرأ إلى الله من هذا القول، ولكن نقول الاستطاعة في العبد مع الفعل فإذا عمل عملاً بالجوارح من بر وفجور، علمنا أنه مستطيعٌ للفعل الذي فعل، فأما قبل أن يفعل فإنا لا ندري لعله يريد أمراً فحال بينه وبين ذلك، والله جل اسمه يريد لتكوين أعمال الخلق، ومن ادعى خلاف ما وصفناه فقد وصف الله بالعجز، وهلك في الدارين، والقرآن كلام الله غير مخلوق، من جهاته، وحيث ينصرف من الوجوه كلها فكلامه، وليس شيء منه مخلوق، ومن زعم أن كلام الله مخلوق، فقد زعم أن في الله شيئاً مخلوقاً، وأن الله تعالى عن هذا، قال الله تعالى في محكم كتابه ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤] ففصل الخلق من الأمر، وبأمره خلق الخلق، وكون الأشياء وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ

стр. 78

أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فمن زعم أن كن الذي به كون خلقه مخلوق فقد كفر، ومن وقف فقال لا أقول مخلوق ولا غير مخلوق، كان محله محل من زعم أن القرآن مخلوق، ومن تكلم في اللفظ فقد بدع لأنه اخترع شيئاً لم يتكلم في السلف إلا رجل من أهل عصرنا، ممن كان ينتحل الحديث يقال له: الكرابيسي فنقل كلامه إلى إمامنا أبي عبد الله أحمد بن حنبل ﵁ فبدعه وأنكر عليه أشد الإنكار، وأمر بمهاينته ومجانبته، ونهى عن مجالسته، فمات متهلكاً خائباً مخذولاً، ونحن نستوفق الله بتوفيقه ونستهديه بهداه، فإنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ومتى ما تكلم في اللفظ، انشعب عليه فيه، فلم يتخلص المراد منه، وخيف عليه الفتنة، وقد قال رسول الله ﷺ "لا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر" ١. وقال عبد الله بن عمرو "سمع رسول الله ﷺ قوماً يتدارؤون في القرآن، فقال إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا الكتاب بعضه ببعض فلا تكذبوا بعضه ببعض ما علمتوه فقولوه، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه"٢. قالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ وتلا ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه﴾ [آل عمران: ٧] فهم الذين عنى الله فاحذروهم٣. وقال ابن عباس ﵄: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ [آل عمران: ٧] ويقول الراسخون في العلم آمنا به. قال ابن عباس ﵄: لا تضربوا القرآن بعضه ببعض فإن ذلك يوقع الشك في قلوبكم. وقال أبو موسى: من علم علماً فليعلمه الناس وإياه أن يقول ما لا يعلم فيكون من المتكلفين ويعوق من الدين. وأشياء لهذه الأشياء كثيرة مما قد ذكره الأسالف من أهل العلم، الخوض

стр. 79

فيه والتنازع، ولا يجب التلفظ فيما لم يحط علماً به من المشكلات التي لم يتقدمنا فيها إمام ولا الخوض فيه، فإنهم كانوا أعلم بالتنزيل والتأويل، وعنهم أخذنا هذا، وبه نعتقد، فأعاذنا الله وإياكم من مضلات الفتن، وأن نسمع ونطيع لولاة الأمر مع حب لأصحاب رسول الله ﷺ كلهم ولا نرى شق العصيى مع النصح للجماعة في السر والعلانية وأن المتقدم من أصحاب رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين، ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب، ولا نشهد عليهم بشرك، إلا ما كان من جهم وأصحاب جهم، ونفوض ما غاب عنا من الأمور إلى الله ، لا نقطع بالذنوب العصمة من عندنا، ونرجو لمحسن أمة محمد ﷺ ، ونخاف على سيئهم، ونستغفر لذنبهم، ونقبل علانيتهم ونكل سرائرهم إلى الله ، ولا ندخل لمحسنهم الجنة بإحسان، ولا ناراً بذنب، حتى يكون الله جل ثناؤه هو يحكم بينهم يوم الفصل وهو أحكم الحاكمين، وأن الجهاد ماض من يوم بعث الله نبيه ﷺ لا يضره جور جائر ولا ينفعه عدل عادل حتى تقوم الساعة وأن أفعال العباد جميعها من خير وشر مخلوقة مسطورة في اللوح المحفوظ، ومن زعم أنها غير مسطورة فقد كفر، لأنه رد كتاب الله تعالى نصاً. قال الله تعالى: ﴿وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذاباً شديداً كان ذلك في الكتاب مسطورا﴾ [الإسراء: ٥٨] ، فإذا قال ذلك فقد رد نص كتاب الله وكفر، وقد قال الله جل ثناؤه: ﴿بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ﴾ [البروج: ٢١- ٢٢] ونظيره أيضاً قوله تعالى: ﴿وكل صغير وكبير مستطر﴾ [القمر: ٥٣] ، وقال تعالى: ﴿إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً كان ذلك في الكتاب مسطورا﴾ [الأحزاب: ٣٣] وأن ترك الصلاة كفر للحديث المأثور عن رسول الله ﷺ من وجه، ليس بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة١، هذا المعنى وألفاظهم مختلفة، وأن العشرة رضي الله تعالى عنهم في الجنة نشهد عليهم أنهم في الجنة للحديث المأثور عن رسول الله ﷺ . وأن الرجم حق واجب على من زنى وقد أحصن بالحمل أو الاعتراف،

стр. 80

فقد صح عن رسول الله ﷺ والخلفاء رضي الله تعالى عنهم بعده. وأن الجنة والنار مخلوقتان قد قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده فقد عرضت على الجنة والنار في عرض هذا الحائط وأنا أصلي فلم أر كاليوم في الخير والشر"١. وقال ﷺ : "دخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك" ٢. وقال ﷺ : "بينما أنا في الجنة فرأيت فيها قصراً فقلت: لمن هذا القصر؟ فقيل لعمر ﵁" ٣. وقال ﷺ : "رأيت النار فإذا فيها أخا بني دُعْدُع"٤. وقال ﷺ : "رأيت النار فيها صاحبة الهرة" ٥. (قال) "وقالت الجنة يا رب مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس ومساكينهم قال وقالت النار: أوثرت بالجبارين والمتكبرين فقال الله جل ثناؤه أنتما خلق من خلقي" ٦. فمن زعم أنهما غير مخلوقتين، أو أنهما كانتا مخلوقتين فإنهما يفنيان، كما يفنى سائر الخلق فقد كذب من زعم هذا وأنكر الملة. وأن الله تعالى يرى في الآخرة بالأبصار يراه أهل الجنة فأما من سواهم من بني آدم فلا. والحجة في ذلك أحاديث مأثورة عن رسول الله ﷺ :"قيل له يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة. الحديث"٧. وفيما يروى عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم من التابعين في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣] .قال: النظر إلى وجه الله الكريم . وفيما روى عن رسول الله ﷺ "ما منكم أحد إلا سيكلمه الله يوم

стр. 81

القيامة ليس بينه وبينه ترجمان"١. وإنما عنى بذلك أهل التوحيد، وإن كان فيهم من استوجب العقوبة لأن مصيرهم بعد العقوبة الجنة، والله جل ثناؤه عفو كريم يعفو عمن يشاء ويعذب من يشاء. "وأن لله مائة اسم غير واحد فإنه وتر يحب الوتر من أحصاها دخل الجنة" ٢، يؤثر ذلك عن رسول الله ﷺ ، وقال الله في محكم كتابه العزيز: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . [الأعراف: ١٨٠] . فمن آمن بهذا وصدق به فقد أفلح ولزم أمر الله تعالى، ومن كذب به بتأول أو احتجاج في إبطاله فقد ضل وزاغ عن الحق وهلك في الدارين، إلا أن يتوب توبة نصوحاً، يعلم الله تعالى من قلبه أنه مفارق لهذه الأهواء راجع إلى الحق وبالله التوفيق. وأن الإيمان بهذه الأحاديث المأثورة عن رسول الله ﷺ في رؤية الرب جل وعلا يوم القيامة. والقدر والشفاعة وعذاب القبر والحوض والميزان والرجم والنزول والحساب والجنة والنار ونحوها من الأحاديث والتصديق بها، وللعباد، أن يؤمنوا بها. وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه كان إذا أصبح قال: الحمد لله الذي ذهب بالليل وجاء بالنهار. ونحن منه في عافية مرحباً بخلق جديد، مرحباً بكما من آخرين وكاتبين وحافظين، اكتبا بسم الله في غرة يومي هذا، أني أشهد الله الذي لا إله إلا هو وكفى بالله شهيداً، وأشهدكما على مقالتي هذه في ساعتي هذه، أني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهاً واحداً أحداً صمداً، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أمين الله ووفيه وخيرة الله من خلقه، وأشهد أنه خاتم النبيين، وأنه لا نبي بعده ﷺ ورحمة الله وبركاته. وأشهد أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور،

стр. 82

وأن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً وأقول على ذلك، وعلى كل نعمة أنعم بها على ربي ، الحمد لله عدد آياته وأسمائه، والحمد لله عدد ما في أرضه وسمائه، والحمد لله عدد ملائكته وخلقه، والحمد لله عدد ما في دنياه، وآخرته، الباعث الوارث يحيي الموتى ويميت الأحياء، ويحيي العظام وهي رميم، ومن التسبيح والتهليل والتكبير مثل ذلك، حسبي الله من لم يكلني إلى نفسي وهو كلائي في الليل والنهار، وغذائي في رحم أمي وحفظني حتى بلغت أشدي، وكنت ميتاً فأحياني، ومن بعد حياتي يميتني، حسبي الله ربي، لا أشرك به شيئاً، لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب ورب أبائي الأولين، يا من دنى في علوه، ويا من تعالى في قربه، ويا من رفع السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، مسك السماوات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا (لا تكون) إلا بأمره يا الله يا الله يا الله لا شريك لك، ولك الحمد والتسبيح والتكبير والتهليل والآلاء والقدرة والكبرياء والعظمة عدد ما خلقت، وعدد ما هو سابق في علمك، وعدد ما أنت خالقه إلى يوم القيامة، وعدد ما يعجز عنه عقول أولي الألباب، عن مبلغ صفة ذلك عندك عملت سوء أو ظلمت نفسي وأنت العفو فاعف عني، وأنت الغفور فاغفر لي، وأنت التواب فتب علي، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، لك الحمد يا رب العالمين، ولك الكبرياء يا الله يا الله يا الله يا رحمن يا رحيم يا مهيمن، لا إله إلا أنت، وأشهد جميع من خلقته، ومن أنت خالقه إلى يوم القيامة، على مقالتي هذه في ساعتي هذه، إنك أنت الله رب الحق المبين، لا إله إلا أنت، وبأنك أنت الله الرحمن الرحيم، وأن محمداً عبدك ورسولك نبي الرحمة ﷺ ، وأن الإسلام ديني، أسألك تمام ذلك، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأنك تبعث من في القبور، وأنك على كل شيء قدير، وأنك أحطت بكل شيء علماً، وأحصيت كل شيء عدداً، وأنك ما تشاء من أمر يكون، كان شهادة خالصة مخلصة، أنال بها منج جزيل كرامة الدنيا، وحسن ثواب الآخرة، الحمد لله الذي لم أصبح ميتاً ولا سقيماً ولا مضروباً على عرق، ولا مأخوذاً بأسوأ ما على ولا مقطوعاً يدي ولا مرتداً عن ديني، ولا منكراً لربي ، ولا مستوحشاً عن ديني، ولا مستهلاً من عقلي، ولا معذباً

стр. 83

بعذاب، من الأمم قبلي، ولا أصبحت عبداً مملوكاً ظالماً لنفسي. لك الحجة علي ولا حجة لي، أصبحت لا أملك لنفسي خيراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، ولا أستطيع أن آخذ إلا ما أعطيتني، ولا أتقي إلا ما وقيتني، فوفقني اللهم لما يرضيك عني، أصبحت وما بي وبغيري من نعمة أو عافية صغيرة أو كبيرة قديمة أو حديثة، فمنك وحدك لا شريك لك، أنت أحق المنعمين أن ينعم نعمته، وأحق المفضلين أن يتم فضله ونعمته، اللهم بك كنا ما كنا، وبك نكون ما كنا على الله أمورنا وتسديدنا وتوفيقنا وعصمتنا، أن نضل عن قولك، أو نفتن عن دينك، أو نتابع هدى دون الذي جاء من عندك، يا من أظهر الجميل وسر القبيح علي، يا من لم يؤاخذني بالجريرة، ولم يهتك الستر، يا عظيم العفو، ويا كريم المغفرة يا باسط اليدين بالرحمة، يا حسن التجاوز، يا شاهد كل نجوى، ويا منتهى كل شكوى، يا علام الغيوب، وما تخفي الصدور، ويا معتق الرقاب وفكاك الأعناق، ويا مقبل العثرات والسيئات ويا مهتدينا بالنعم قبل استحقاقها، يا رباه يا سيداه يا إلهاه، أسألك أن تجيرني من شر ما أحاذر في الدنيا والآخرة. وقال إبراهيم بن بشار الصوفي رحمه الله تعالى خادم إبراهيم بن أدهم ﵀ قال: كان إبراهيم بن أدهم يقول كل هذا الكلام في كل جمعة إذا أصبح عشر مرات وإذا أمسى عشر مرات يقول مثل ذلك: مرحباً بيوم المزيد والصبح الجديد والكاتب الشهيد، يومنا هذا يوم عيد، أكتب لنا ما نقول فيه: بسم الله الحميد المجيد، الرؤوف الودود، والفعال لما يريد أصبحت بالله مؤمناً، وبلقاء الله مصدقاً، وبحجته معترفاً، ومن ذنبي مستغفراً ولربوبيته خاضعاً، ولسوى الله جاحداً، وإلى الله فقيراً، وعلى الله متوكلاً، وإلى الله منيباً، أشهد الله وأشهد ملائكته وأنبياءه وحملة عرشه، ومن خلق ومن هو خالقه، بأن الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الجنة حق والنار حق والحوض حق، والشفاعة حق، ومنكر ونكير حق، ولقاؤك حق، ووعدك حق، والساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، على ذلك أحيا، وعليه أموت وعليه أبعث إن شاء الله، اللهم أنت ولا رب لي إلا أنت خلقتني وأنا عبدك،

стр. 84

وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك اللهم من شر كل ذي شر، اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي ذنبي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، فإنه لا يصرف سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يديك، أنا بك وإليك، أستغفرك وأتوب إليك، آمنت اللهم بما أرسلت من رسول، وآمنت اللهم بما أنزلت من كتاب وصلى الله على محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، خاتم كلامي ومفتاحه، وعلى أنبيائه ورسله أجمعين آمين يا رب العالمين، اللهم أوردنا حوضه، واسقنا بكأسه شرباً روياً سائغاً هنيئاً، لا نظمأ بعده أبداً، واحشرنا في زمرته غير خزايا ولا ناكسين، ولا مرتابين ولا مفتونين، ولا مغضوب علينا ولا ضالين، اللهم اعصمني من فتن الدنيا، ووفقني لما تحب من العمل وترضى، وأصلح لي شأني كله، وثبتني بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة، ولا تضلني وإن كنت ظالماً، سبحانك سبحانك يا عظيم يا بر يا رحيم يا عزيز يا جبار، سبحان من سبحت له السماوات بأكنافها، وسبحان من سبحت له الجبال بأصواتها، سبحان من سبحت له النجوم في السماء بأبراجها، وسبحان من سبحت له البحار بأمواجها، وسبحان من سبحت له الحيتان بلغاتها، وسبحان من سبحت له الشجر بأصولها ونضارتها، وسبحان من سبحت له السماوات السبع والأرضون السبع ومن فيهن ومن عليهن، سبحانك سبحانك يا حي يا حليم، سبحانك لا إله إلا أنت وحدك. وعن سويد بن الحارث الأزدي قال: وفدت على رسول الله ﷺ سابع سبعة من قومي، فلما دخلنا عليه وكلمناه أعجبه ما رأى من سمتنا وزينا، فقال ما أنتم؟ فقلنا مؤمنون، فتبسم رسول الله ﷺ : إن لكل قول حقيقة، فما حقيقة قولكم وإيمانكم؟ قال سويد ﵁: فقلت خمسة عشر خصلة، خمس منها أمرتنا بها، وخمس منها أمرتنا رسلك أن نعمل بها، وخمس منها تخلقنا بها في الجاهلية ونحن عليها إلا أن تكره منها شيئاً، فقال رسول الله ﷺ : وما الخمس التي أمرتكم رسلي أن تؤمنوا بها؟ فقلت: أمرتنا رسلك أن نؤمن بالله

стр. 85

وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، قال فما الخمس التي أمرتكم أن تعملوا بها؟ فقلت: أمرتنا رسلك أن نقول جميعاً لا إله إلا الله محمد رسول الله وأن نقيم الصلاة ونؤتي الزكاة، ونحج البيت من استطاع إليه سبيلا، ونصوم شهر رمضان، فنحن على ذلك، قال فما الخمس التي تخلقتم بها أنتم؟ قال قلت: الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء والصدق في مواطن اللقاء، والرضاء بمواقع القضاء، وترك الشماتة بالمصائب إذا حلت بالأعداء، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: أدباء حكماء فقهاء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء من خصال، ما أشرفها وأعظم ثوابها؟ ثم قال ﷺ : وأنا أوصيكم بخمس خصال لتكمل عشرين خصلة، قلنا أوصنا يا رسول الله ﷺ : إن كنتم كما تقولون فلا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تنافسوا في شيء أنتم عنه غداً تزولون، وأرغبوا فيما عليه تقدمون وفيه تخلدون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون وعليه تعرضون١. قال أبو سليمان الداراني: قال علقمة ﵁: فانصرف القوم من عند رسول الله ﷺ وقد حفظوا وصيته وعملوا بها، ولا والله يا أبا سليمان ما بقي من أولئك النفر ولا من أتباعهم غيري، ثم قال اللهم اقبضني إليك غير مبدل ولا مغير. قال أبو سليمان: فمات والله بعد أيام قلائل.

стр. 86

١٥-١٦- اعتقاد أبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم وأبي١ حاتم محمد بن إدريس بن المنذر٢ الرازيين٣ المتوفى سنة ٢٧٧هـ قال اللالكائي: أخبرنا محمد بن المظفر المقري قال حدثنا الحسين بن محمد بن حبش المقري قال حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان من ذلك؟ فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازاً وعراقاً وشاماً ويمناً فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. والقرآن كلام الله غير مخلوق. بجميع جهاته. والقدر خيره وشره من الله . وخير هذه الأمة بعد نبيها ﵊: أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب ﵈. وهم الخلفاء الراشدون المهديون. وأن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ وشهد لهم بالجنة على ما

стр. 87

شهد به رسول الله ﷺ وقوله الحق. والترحم على جميع أصحاب محمد ﷺ والكف عما شجر بينهم. وأن الله على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ بلا كيف؟ أحاط بكل شيء علما ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١] . أنه ﵎ يُرى في الآخرة: يراه أهل الجنة بأبصارهم ويسمعون كلامه كيف شاء. وكما شاء. والجنة حق والنار حق، وهما مخلوقان لا يفنيان أبداً والجنة ثواب لأوليائه والنار عقاب لأهل معصيته إلا من رحم الله . والصراط حق. والميزان حق. له كفتان توزن فيه أعمال العباد حسنها وسيئها حق. والحوض المكرم به نبينا حق. والشفاعة حق. والبعث من بعد الموت حق. وأهل الكبائر في مشيئة الله . ولا نكفر أهل القبلة بذنوبهم ونكل أسرارهم إلى الله غز وجل. ونقيم فرض الجهاد والحج مع أئمة المسلمين في كل دهر وزمان. ولا نرى الخروج على الأئمة ولا القتال في الفتنة ونسمع ونطيع لمن (ولاه) الله أمرنا ولا ننزع يداً من طاعة ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة. فإن الجهاد ماض منذ بعث الله نبيه ﵊ إلى قيام الساعة مع أولي الأمر من أئمة المسلمين لا يبطله شيء. والحج كذلك ودفع الصدقات من السوائم إلى أولي الأمر من أئمة المسلمين.

стр. 88

والناس مؤمنون في أحكامهم ومواريثهم ولا ندري ما هم عند الله . فمن قال أنه مؤمن حقاً فهو مبتدع ومن قال: هو مؤمن عند الله فهو من الكاذبين. ومن قال: هو مؤمن بالله حقاً فهو مصيب. والمرجئة مبتدعة ضُلاَّل. والقدرية مبتدعة ضُلاَّل. فمن أنكر منهم: أن الله لا يعلم ما لم يكن قبل أن يكون فهو كافر. وأن الجهمية كفار. وأن الرافضة رفضوا الإسلام. والخوارج مراق. ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم كفراً ينقل عن الملة، ومن شك في كفره ممن يفهم فهو كافر. ومن شك في كلام الله فوقف شاكاً فيه يقول لا ادري مخلوق أو غير مخلوق فهو جهمي. ومن وقف في القرآن جاهلاً عُلِّم وبُدِّع ولم يكفر. ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي أو القرآن بلفظي مخلوق فهو جهمي. قال أبو محمد وسمدت أبي يقول: وعلامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر. وعلامة الزنادقة: تسميتهم أهل السنة حشوية يريدون إبطال الآثار. وعلامة الجهمية: تسميتهم أهل السنة مشهبة. وعلامة القدرية: تسميتهم أهل الأثر مجبرة. وعلامة المرجئة: تسميتهم أهل السنة مخالفة ونقصانية. وعلامة الرافضة: تسميتهم أهل السنة ناصبة.

стр. 89

ولا يلحق أهل السنة إلا اسم واحد ويستحيل أن تجمعهم هذه الأسماء. وقال أبو محمد عبد الرحمن ابن أبي حاتم وسمعت أبي وأبا زرعة يهجران أهل الزيغ والبدع يغلظان في ذلك أشد التغليظ وينكران وضع الكتب برأي في غير أثار. وينهيان عن مجالسة أهل الكلام والنظر في كتب المتكلمين ويقولان لا يفلح صاحب كلام أبدا. قال أبو محمد: وبه أقول! أنا. وقال أبو علي بن حبيش المقري: وبه أقول. قال شيخنا (ابن المظفر) ١: وبه أقول. وقال شيخنا: يعني المصنف وبه أقول. وقال الطريثيني: وبه أقول. وقال شيخنا السلفي: وبه نقول. ووجدت في بعض كتب أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي الرازي ﵀ مما سمع منه يقول: مذهبنا واختيارنا إتباع رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين ومن بعدهم لإحسان وترك النظر في موضع بدعهم والتمسك بمذهب أهل الأثر مثل: أبي عبد الله بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وأبي عبيد القاسم بن سلام والشافعي. ولزوماً الكتاب والسنة والذب عن الأئمة المتبعة لآثار السلف واختيار ما اختاره أهل السنة من الأئمة في الأمصار مثل:

стр. 90

مالك بن أنس في المدينة والأوزاعي بالشام والليث بن سعد: بمصر، وسفيان الثوري وحماد بن زياد بالعراق، من الحوادث مما لا يوجد فيه رواية عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين. وترك رأي الملبسين المموهين المزخرفين الممخرقين الكذابين. وترك النظر في كتب الكرابيسي ومجانبة من يناضل عنه من أصحابه، وشاجر ديه١ مثل: داود الأصبهاني وأشكاله ومتبعيه. والقرآن كلام الله علمه وأسماؤه وصفاته وأمره ونهيه ليس بمخلوق بجهة من الجهات. ومن زعم أنه مخلوق مجعول فهو كافر بالله كفراً ينقل عن الملة. ومن شك في كفره ممن يفهم ولا يجهل فهو كافر. والواقفة واللفظية جهمية. جهمهم أبو عبد الله أحمد بن حنبل. والإتباع للأثر عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة والتابعين بعدهم بإحسان. وترك كلام المتكلمين وترك مجالستهم وهجرانهم وترك مجالسة من وضع الكتب بالرأي بلا آثار. واختيارنا أن الإيمان: قول وعمل إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالأركان، مثل الصلاة والزكاة لمن كان له مال، والحج لمن استطاع إليه سبيلا. وصوم شهر رمضان وجميع فرائض الله التي فرض على عباده: العمل به من الإيمان. والإيمان يزيد وينقص. ونؤمن بعذاب القبر. وبالحوض المكرم به النبي ﷺ . ونؤمن بالمساءلة في القبر. وبالكرام الكاتبين.

стр. 91

وبالشفاعة المخصوص بها النبي ﷺ . ونترحم على جميع أصحاب النبي ﷺ ولا نسب أحداً منهم لقوله : ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] . والصواب نعتقد ونزعم١ أن الله على عرشه بائن من خلقه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . ولا نرى الخروج على الأئمة ولا نقاتل في الفتنة ونسمع ونطيع لمن ولي الله أمرنا. ونرى الصلاة والحج والجهاد مع الأئمة ودفع صدقات المواشي إليهم. ونؤمن بما جاءت به الآثار الصحيحة بأنه يخرج قوم من النار من الموحدين بالشفاعة. ونقول إنا مؤمنون بالله . وكره سفيان الثوري أن يقول: أنا مؤمن حقاً عند الله ومستكمل الإيمان وكذلك قول الأوزاعي أيضاً. وعلامة أهل البدع: أن يسموا أهل السنة مشبهة ونابتة. وعلامة القدرية: أن يسموا أهل السنة مجبرة. وعلامة الزنادقة: أن يسموا أهل الأثر حشوية. ويريدون إبطال الآثار عن رسول الله ﷺ . وفقنا الله وكل مؤمن لما يحب ويرضى من القول والعمل وصلى الله على محمد وآله وسلم.

стр. 92

١٧- اعتقاد أبي جعفر محمد بن جرير الطبري١-٢ المتوفى سنة ٣١٠هـ قال اللالكائي أخبرنا عبيد الله بن محمد بن أحمد- قراءة عليه- قال أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن كامل قال أبو جعفر محمد بن جرير: فأول ما نبدأ فيه القول من ذلك كلام الله وتنزيله إذ كان من معاني توحيده: فالصواب من القول في ذلك عندنا أنه كلام الله غير مخلوق، كيف كتب و (كيف) تلى. وأي موضع قريء، في السماء وجد أو في الأرض، حيث حفظ، في اللوح المحفوظ كان مكتوباً في الواح صبيان الكتاتيب مرسوماً، في حجر نقش أو في ورق خط، في القلب حفظ أو باللسان لفظ، فمن قال غير ذلك أو ادعى أن قرآناً في الأرض أو في السماء سوى القرآن الذي نتلوه بألسنتنا ونكتبه في مصاحفنا، أو اعتقد غير ذلك بقلبه أو أضمره في نفسه، أو قال بلسانه دايناً به فهو بالله كافر حلال الدم، وبريء من الله والله بريء منه لقول الله جل ثناؤه: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [سورة البروج ٢١، ٢٢] وقال وقوله الحق: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة: ٦] . فأخبرنا جل ثناؤه أنه في اللوح المحفوظ مكتوب وأنه من لسان محمد ﷺ مسموع وهو قرآن واحد من محمد مسموع وفي اللوح المحفوظ مكتوب وكذلك في الصدور محفوظ وبألسن الشيوخ والشبان متلو. فمن روى عنا أو حكى عنا أو تقول علينا، أو ادعى علينا أنا قلنا غير

стр. 93

ذلك، فعليه لعنة الله وغضبه، ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً وهتك ستره وفضحه على رؤوس الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار. وأما الصواب من القول لدينا في رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة وهو ديننا الذين ندين الله به وأدركنا عليه أهل السنة والجماعة فهو أن أهل الجنة يرونه على ما صحت به الأخبار عن رسول الله ﷺ . والصواب لدينا في القول فيما اختلف فيه من أفعال العباد وحسناتهم وسيئاتهم إن جميع ذلك من عند الله والله مقدره ومدبره لا يكون شيء إلا بإرادته ولا يحدث شيء إلا بمشيئته له الخلق والأمر. والصواب لدينا من القول: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص وبه الخبر عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ وعليه مضى أهل الدين والفضل. والقول في ألفاظ العباد بالقرآن: فلا أثر فيه أعلمه عن صحابي مضى ولا عن تابعي قفي إلا عمن في قوله الشفاء والغنا رحمة الله عليه ورضوانه وفي إتباعه الرشد والهدى ومن يقوم لدينا مقام الأئمة الأولى: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل. فإن أبا إسماعيل الترمذي حدثني قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل يقول: اللفظية جهمية لقول الله : ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] ممن يسمع؟ وأما القول في الاسم أهو المسمى (أو) غير المسمى فإنه من الحماقات الحادثة التي لا أثر فيها فيتبع ولا قول من إمام فيستمع والخوض فيه شين والصمت عنه زين، وحسب امرىء من العلم به والقول فيه أن ينتهى إلى قول الصادق وهو قوله ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ

стр. 94

الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] . ويعلم أن ربه هو الذي على ﴿الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه: ٥،٦] . فمن تجاوز ذلك فقد خاب وخسر فليبغ الشاهد منكم أيها الناس من بعد منا فنأي أو قرب فدنا: إن الدين الذي ندين به في الأشياء التي ذكرناها ما بيناه لكم على ما وصفناه، فمن روى خلاف ذلك أو أضاف إلينا سواه أو نحلنا في ذلك قولاً غيره فهو كاذب (مفتر) معتد متخرص يبوء بإثم الله وسخطه، وعليه غضب الله ولعنته في الدارين وحق على الله أن يورده المورد الذي وعد رسول الله ﷺ ضرباه، وأن يحله المحل الذي أخبر نبي الله ﷺ أن الله يحله أمثاله.

стр. 95

١٨- اعتقاد أبي بكر بن أبي داود١ المتوفى سنة ٣١٦هـ قال الإمام الحجة العالم الأثري الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الدمشقي الشهير بالذهبي في كتابه (العلو للعلي الغفار) أخبرنا أحمد بن عبد الحميد أنبأنا محمد بن قدامة سنة ثماني عشرة وستمائة، أخبرتنا فاطمة بنت على، أنبأنا على بن بيان، أنبأنا الحسين ابن علي الطناحيري، أنبأنا أبو حفص ابن شاهين لمحال: قال شيخنا أبو بكر عبد الله بن سليمان هذه القصيدة وجعلها محسنة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تمسك بحبل الله واتبع الهدى ... ولا تك بدعياً لعلك تفلح ودن بكتاب الله والسنن التي ... أتت عن رسول الله تنجو وتربح وقل: غير مخلوق كلام مليكنا ... بذلك دان الأولياء وافصحوا ولا في القرآن بالوقف قائلاً ... كما قال اتباع لجهم وصصحوا ولا تقل القرآن خلق قراءة٢ ... فإن كلام الله باللفظ يوضح وقل ينجلي٣ الله للخلق جهرة ... كما البدر لا يخفي وربك أوضح وليس بمولود وليس بوالد ... وليس له شبه تعالى المسبح وقد ينكر الجهمي هذا وعندنا ... بمصداق ما قلنا حديث مصرح رواه جرير عن مقال محمد ... فقل مثل ما قد قال في ذاك تنجح

стр. 96

وقد ينكر الجهمي أيضاً يمينه ... وكلتا يديه بالفواضل تنفح وقل ينزل الجبار في كل ليلة ... بلا كيف جل الواحد المتمدح إلى طبق الدنيا يمن بفضله ... فتفرج أبواب السماء وتفتح يقول ألا مستغفر يلق غافراً ... ومستمنحا خيراً ورزقاً فيمنح روى ذاك قوم لا يرد حديثهم ... ألا خاب قوم كذبوهم وقبحوا وقل إن خير الناس بعد محمد ... وزيراه قدما ثم عثمان الأرجح وأربعهم خير البرية بعدهم ... على حليف الخير للخير ممنح وإنهم والرهط لا ريب فيهم ... على نجب الفردوس بالنور تسرح سعيد وسعد وابن عوف وطلحة ... وعامر فهر والزبير الممدح وقل خير قول في الصحابة كلهم ... ولا تك طعاناً تعيب وتجرح فقد نطق الوحي المبين بفضلهم ... وفي الفتح آي١ في الصحابة تمدح وبالقدر المقدور أيقن فإنه ... دعامة عقد الدين والدين أفيح٢ ولا تنكرن جهلا نكيراً ومنكراً ... ولا الحوض والميزان إنك تنصح وله منظومة في العقيدة السلفية ومن عقود السنة الإيمان ... بكل ما جاء به القرآن وبالحديث المسند المروي ... عن الأئمة عن النبي وأن ربنا قديم لم يزل ... وهو دائم إلى غير أجل كلم موسى عبده تكليماً ... ولم يزل مدبراً حكيماً كلامه وقوله قديم ... وهو فوق عرشه العظيم والقول في كتابه المفصل ... بأنه كلامه المنزل على رسوله النبي الصادق ... ليس بمخلوق ولا بخالق

стр. 97

من قال فيه إنه مخلوق ... أو محدث فقوله مروق والوقف فيه بدعة مضلة ... ومثل ذاك اللفظ عند الجلة أهون بقول جهم الحسيس ... وواصل وبشر المريسي ذي السخف والجهل وذي العناد ... معمر وابن أبي دؤاد وابن عبيد شيخ الاعتزال ... وشارع البدعة والضلال والجاحظ القادح في الإسلام ... وجبت هذه الأمة النظام والفاسق المعروف بالجبائي ... ونجله السفيه ذي الخناء واللاَّحقيِّ وأبي هذيل ... مؤيدي الكفر بكل ويل وذي العمى ضرار المرتاب ... وشبههم من أهل الارتياب وبعد فالإيمان قول وعمل ... ونية عن ذاك ليس ينفصل هو على ثلاثة مبني ... خلاف ما يقوله المرجي وزعم الإمام الأشعري ... وصحبه وكلهم مرضى فتارة يزيد بالتشمير ... وتارة ينقص بالتقصير وحب أصحاب النبي فرض ... ومدحهم تزلف وفرض وأفضل الصحابة الصديق ... وبعده المهذب الفاروق ومن صحيح ما أتى به الخبر ... وشاع في الناس قديماً وانتشر نزول ربنا بلا امتراء ... في كل ليلة إلى السماء من غير ما حد ولا تكييف ... سبحانه من قادر لطيف ورؤية المهيمن الجبار ... وأننا نراه بالأبصار يوم القيامة بلا ازدحام ... كرؤية البدر بلا غمام وضغطه القبر على المقبور ... وفتنة المنكر والنكير فالحمد لله الذي هدانا ... لواضح السنة واجتبانا١

стр. 98

وله منظومة أخرى في فضل أهل الحديث وعقائده. وقل يخرج الله العظيم بفضله ... من النار أجساداً من الفحم تطرح على النهر في الفردوس تحيا بمائة ... كحبة حمل السبل إذ جاء يطفح وأن رسول الله للخلق شافع ... وقل في عذاب القبر حق موضح ولا تكفرن أهل الصلاة وإن عصوا ... فكلهم يعصى وذو العرش يصفح ولا تعتقد رأي الخوارج إنه ... مقال لمن يهواه يردى ويفضح ولا تك مرجياً لعوباً بدينه ... ألا إنما المرجي بالدين يمزح وقل إنما الإيمان قول ونية ... وفعل على قول النبي مصرح وينقص طوراً بالمعاصي وتارة ... بطاعته ينمي وفي الوزن يرجح ودع عنك آراء الرجال وقولهم ... فقول رسول الله أزكى وأشرح ولا تك من قوم تلهوا بدينهم ... فتطعن في أهل الحديث وتقدح إذا ما اعتقدت الدهر يا صاح هذه ... فأنت على خير تبيت وتصبح قال الإمام الكبير، والحافظ الشهير، شمس الدين الذهبي في كتابه العلو: هذه القصيدة متواترة عن ناظمها، رواها الآجري وصنف لها شرحاً، وأبو عبد الله بن بطة في الإبانة، قال ابن أبي داود. هذا قول أبي وقول شيوخنا، وقول العلماء ممن لم نرهم كما بلغنا عنهم، فمن قال غير ذلك فقد كذب، كان أبو بكر من الحفاظ المبرزين، ما هو بدون أبيه، صنف التصانيف وانتهت إليه رئاسة الحنابلة ببغداد، توفي سنة ٣١٦ ست عشرة وثلثمائة آهـ.

стр. 99

١٩- اعتقاد نصر المقدسي قال الشيخ الإمام الفقيه نصر رحمه الله١ المتوفى سنة ٤٩٠هـ إن قال قائل: ذكرت ما يجب على أهل الإسلام من إتباع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وما أجمع عليه الأئمة والعلماء، ممن عرف بالعلم والدين والصدق واليقين، وذكرت المنع من البدع، وذم الكلام، والأهواء الخارجة عن الحق والصواب، ووجوب ترك ذلك، والأخذ بما عليه أهل السنة والجماعة، فأذكر مذاهبهم، وما أجمعوا عليه من اعتقادهم، وما يلزمنا المصير إليه من إجماعهم، لنعلم ذلك ونصير إليه ونعتقده ونعتمد عليه. فالجواب وبالله التوفيق: إن الذي أدركت عليه أهل العلم٢، ومن لقيتهم، وأحدث عنهم، ومن بلغني قوله من غيرهم، ممن يعول عليه ويرجع في النوازل إليه، ممن ينطق عن علم صائب، وفهم ثاقب، وأمانة قوية، وديانة أصلية، مشهور في وقته بالإمامة، موصوف بالقوة والزعامة، ناطق عن الكتاب والسنة، وإجماع علماء الأمة، مجانب للبدعة والضلالة والأهواء والجهالة٣ أنه لا يجوز اعتقاد ما لم يكن له أصل في كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله ﷺ ، وإجماع أهل العلم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان عليهم من الله

стр. 100

الرحمن، الرحمة والرضوان، ولا يحل الكلام فيه، وأنه بدعة وضلالة ومعصية وجهالة، ثم الاعتقاد بعد ذلك أن الله تعالى واحد أحد فرد صمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. وأنه خلق العالم وبعث الأنبياء والرسل وأنزل عليهم الكتب وشرع لخلقه الشرائع، وأمرهم ونهاهم، وأنه يميتهم أجمعين، ثم يحييهم ليوم الدين، فيحاسبهم بما أسلفوا، ويقابلهم بما قدموا وأخروا (ما) نطقت به كتبه فهو الحق، وأخبرت به رسله فهو الصدق، وأنه لا يجوز لأحد مخالفة أمره تعالى وجل، ولا تجاوزه، نصفه بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ لا نجاوز ذلك. ولا تزيد عليه، ولا نقيس بعقولنا غيره عليه، بل نسلم لذلك إليه، ونتوكل في توفيقنا عليه. وأن الإيمان قول وعقد وعمل، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. وأن القرآن كلام الله وحيه وتنزيله غير مخلوق كيف تلي وكيف قريء وكتب. وأن القدر خيره وشره، وحلوه ومره من الله ، قدر جميع أعمال العباد وقضاها، قبل أن يخلق أعمالهم فهم يعملون ما قدر لهم عمله وقضاه وكتبه وأمضاه، ولا يجاوز ذلك تقديره ولا يفارق ترتيبه، ولا يخرج من علمه ولا يزول عن حكمه. وأن خير هذه الأمة بعد نبيها ﷺ أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم على بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين، وأنهم هم الخلفاء الراشدون المهديون الذين أمر رسول الله ﷺ بإتباعهم ونهى عن خلافهم. وأن العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة نشهد على ما شهد به، وكذلك من سواهم ممن أخبر عنه بذلك، أو وعده على عمل عمله أو فعل فعله الجنة. والترحم على جميع أصحاب رسول الله ﷺ ، ونشر فضائلهم، وترك الخوض والنظر فيما شجر بينهم.

стр. 101

وأن الله تعالى مستو على عرشه، باين من خلقه، كما قال في كتابه العزيز الحكيم، ﴿أحاط بكل شيء علما﴾ [الطلاق: ١٢] ﴿وأحصى كل شيء عددا﴾ [الجن: ٢٨] ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١] . وأن الله تعالى يرى في الآخرة يراه المؤمنون بأبصارهم والكفار عن رأيته محجوبون. وأن الجنة حق وأن النار حق وأنهما مخلوقتان لا يفنيان أبداً. وأن الميزان حق. وأن الحوض المكرم به نبينا ﷺ حق. وأن الشفاعة حق، وأن أناساً من أهل التوحيد يخرجون من النار، ولا يبقى فيها من كان في قلبه شيء من الإيمان. وأن عذاب القبر حق. وأن منكر ونكير حق. وأن الكرام الكاتبين حق. وأن أهل الكبائر في مشيئة الله لا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب، بل نحكم بإيمانهم وأحكامهم وموازينهم ونكل سرائرهم إلى الله تعالى. ونرى الحج والعمرة والجهاد والجمعة والصلوات وجميع الطاعات مع أئمة المسلمين ماض إلى يوم القيامة. والسمع والطاعة لولاة الأمر في طاعة الله دون معصيته. فهذا ما أدركتهم عليه، وبلغني عنهم ﵏ ﵎ ووفقنا وإياكم لما يرضيه، واستعملنا فيما يحبه ويرتضيه، فإنما نحن به وإليه. وأنا أذكر بعد هذا، ما بلغني عمن أشرت إليه من الأئمة في ذلك بأسانيده مع اختلافهم في البسط والاختصار، واتفاق المعاني واختلاف الألفاظ، وأنقل قبل ذلك خبراً عن رسول الله ﷺ وبالله التوفيق.

стр. 102

عن عبد الرحمن العمي عن أبيه عن أربعين من التابعين عن نفر من أصحاب رسول الله ﷺ أنه قال: "تسع من سنن الهدى وفيهن الجماعة (ومن) خرج منهن خرج من الجماعة، لا تشهدوا على أحد من أهل قبلتكم بكفر ولا شرك ولا نفاق، وردوا سرائرهم إلى الله وصلوا على من مات من أهل قبلتكم وأشهدوا الصلوات الخمس والجمعة في الجماعة، مع كل إمام بار أو فاجر، وجاهدوا المشركين مع كل خليفة، لكم جهادكم وعليهم مآثمهم، ولا تخرجوا عن أئمتكم بالسيف وإن جاروا وادعو لأئمتكم بالصلاح والمعافاة، ولا تدعوا عليهم، وجانبوا الأهواء كلها فإن أولها وآخرها باطل.

стр. 103

٢٠- اعتقاد أحمد القادر بالله١ المتوفى سنة ٤٢٢ هـ قال ابن الجوزي: "أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ حدثنا أبو الحسين محمد بن محمد بن الفراء قال: أخرج الإمام القائم بأمر الله أمير المؤمنين أبو جعفر بن القادر بالله في سنة نيف وثلاثين وأربعمائة الاعتقاد القادري، الذي ذكره القادر فقريء في الديوان وحضر الزهاد والعلماء، وممن حضر الشيخ أبو الحسن علي بن عمر القزويني، فكتب خطه تحته قبل أن يكتب الفقهاء وكتب الفقهاء خطوطهم فيه أن هذا اعتقاد المسلمين ومن خالفه فقد فسق وكفر وهو: يجب على الإنسان أن يعلم أن الله وحده لا شريك له لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد لم يتخذ صاحبة ولا ولداً ولم يكن له شريك في الملك وهو أول لم يزل وآخر لا يزال، قادر على كل شيء غير عاجز عن شيء إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون غني غير محتاج إلى شيء لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم يطعم ولا يُطعم ولا يستوحش من وحدة ولا يأنس بشيء وهو الغني عن كل شيء لا تخلفه الدهور والأزمان وكيف تغيره الدهور والأزمان وهو خالق الدهور والأزمان والليل والنهار والضوء والظلمة والسموات والأرض وما فيها من أنواع الخلق والبر والبحر وما فيهما وكل شيء حي أو موات أو جماد. كان ربنا

стр. 104

وحده لا شيء معه ولا مكان يحويه فخلق كل شيء بقدرته وخلق العرش لا لحاجته إليه فاستوى عليه كيف شاء وأراد لا استقرار راحة كما يستريح الخلق وهو مدبر السموات والأرضين ومدبر ما فيهن ومن في البر والبحر ولا مدبر غيره ولا حافظ سواه يرزقهم ويمرضهم ويعافيهم ويميتهم ويحييهم والخلق كلهم عاجزون والملائكة والنبيون والمرسلون كلهم والخلق كلهم أجمعين وهو القادر بقدرة والعالم بعلم أزلي غير مستفاد وهو السميع بسمع والمبصر ببصر يعرف صفتهما من نفسه لا يبلغ كنههما أحد من خلقه متكلم بكلام لا بآلة مخلوقة كآلة المخلوقين لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه ﵇ وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله فهي صفة حقيقية لا مجازية ويعلم أن كلام الله تعالى غير مخلوق تكلم به تكليماً وأنزل على رسوله ﷺ على لسان جبريل بعد ما سمعه جبريل منه فتلاه جبريل على محمد وتلاه محمد على أصحابه وتلاه أصحابه على الأمة ولم يصر بتلاوة المخلوقين مخلوقاً لأنه ذلك الكلام بعينه الذي تكلم الله به فهو غير مخلوق فبكل حال متلواً ومحفوظاً ومكتوباً ومسموعاً ومن قال أنه مخلوق على حال من الأحوال فهو كافر حلال الدم بعد الاستتابة منه ويعلم أن الإيمان قول وعمل ونية وقول باللسان وعمل بالأركان والجوارح وتصديق به يزيد وينقص: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وهو ذو أجزاء وشعب فأرفع أجزائه لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد والإنسان لا يدري كيف هو مكتوب عند الله ولا بماذا يختتم له فلذلك يقول: مؤمن إن شاء الله وأرجو أن أكون مؤمناً ولا يضره الاستثناء الرجاء ولا يكون بهما شاكاً ولا مرتاباً لأنه يريد بذلك ما هو مغيب عنه من أمر الآخرة وخاتمته وكل شيء يتقرب به إلى الله تعالى ويعمل لخالص وجهه من أنواع الطاعات فرائضه وسننه وفضائله فهو كله من الإيمان منسوب إليه ولا يكون للإيمان نهاية أبداً لأنه لا نهاية للفضائل ولا للمتبوع في الفرائض أبداً.

стр. 105

ويجب أن يحب الصحابة من أصحاب النبي ﷺ كلهم ونعلم أنهم خير الخلق بعد رسول الله ﷺ وأن خيرهم كلهم وأفضلهم بعد رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب ﵃، ويشهد للعشرة بالجنة ويترحم على أزواج رسول الله ﷺ ومن سب عائشة فلا حظ له في الإسلام، ولا يقول في معاوية إلا خيراً ولا يدخل في شيء شجر بينهم، ويترحم على جماعتهم قال الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] وقال فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] . ولا يكفر بترك شيء من الفرائض غير الصلاة المكتوبة وحدها، فإنه من تركها من غير عذر وهو صحيح فارغ حتى يخرج وقت الأخرى فهو كافر وإن لم يجحدها لقول النبي ﷺ "بين العبد والكفر ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر"١ ولا يزال كافراً حتى يندم، ويعيدها، فإن مات قبل أن يندم ويعيد أو يضمر أن يعيد، لم يصل عليه وحشر مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف وسائر الأعمال لا يكفر بتركها وإن كان يفسق حتى يجحدها ثم قال: هذا قول أهل السنة والجماعة الذي من تمسك به كان على الحق المبين وعلى منهاج الدين والطريق الواضح ورجي به النجاة من النار ودخول الجنة إن شاء الله وقال النبي ﷺ "الدين النصيحة قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم" ٢ وقال ﵇: "أيما عبد جاءته موعقة من الله تعالى في دينه فإنها نعمة من الله سيقت إليه فإن قبلها يشكر وإلا كانت حجة عليه من الله يزداد بها إثما ويزداد من الله سخطا" ٣ جعلنا الله لآلائه من الشاكرين ولنعمائه ذاكرين وبالسنة معتصمين وغفر لنا ولجميع المسلمين لما.

стр. 106

٢١- اعتقاد محمد بن أحمد أبي علي الهاشمي١ المتوفى سنة ٨ م ٢ هـ جاء في طبقات الحنابلة: عنه قال: "باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب الديانات: حقيقة الإيمان عند أهل الأديان: الاعتقاد بالقلب والنطق باللسان: أن الله تعالى واحد أحد فرد صمد لا يغيره الأبد ليس له والد ولا ولد وأنه سميع بصير بديع قدير حكيم خبير على كبير ولي نصير قوي مجير، ليس له شبيه ولا نظير ولا عون ولا ظهير ولا شريك ولا وزير ولا ند ولا مشير، سبق الأشياء فهو قديم لا كقدمها، وعلم كون وجودها في نهاية عدمها. لم تملكه الخواطر فتكيفه ولم تدركه الأبصار فتصفه، ولم يخل من علمه مكان فيقع به التأبين ولم يقدم زمان فينطلق عليه التأبين، ولم يتقدمه دهر ولا حين ولا كان قبله كون ولا تكوين ولا تجرى ماهيته في مقال ولا تخطر كيفيته ببال ولا يدخل في الأمثال والأشكال صفاته كذاته ليس بجسم في صفاته جل أن يشبه بمدعاته أو يضاف إلى مصنوعاته ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١] . أراد ما الخلق فاعلوه ولو عصمهم لما خالفوه ولو أراد أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه. خلق الخلائق وأفعالهم وقدر أرزاقهم وآجالهم، لا سمي له في

стр. 107

أرضه وسمواته، على العرش استوى وعلى الملك احتوى وعلمه محيط بالأشياء. كذلك سئل الإمام أحمد بن محمد بن حنبل ﵁ قوله ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧] فقال: علمه. والقرآن كلام الله تعالى وصفته من صفات ذاته غير مخلوق ولا محدث كلام رب العالمين في صدور الحافظين وعلى السن الناطقين وفي أسماع السامعين وأكف الكاتبين وملاحظة الناظرين، برهانه ظاهر وحكمه قاهر ومعجزة باهرة وأن الله كلم موسى تكليماً وتجلى للجبل فجعله دكاً هشيماً وأنه خلق النفوس وسواها وألهمها فجورها وتقواها. والإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره، وأن مع كل عبد رقيباً وعتيداً وحفيظاً وشهيداً يكتبان حسناته ويحصيان سيئاته وأن كل مؤمن وكافر وبر وفاجر، يعاين عمله عند حضور منيته ويعلم مصيره قبل ميتته. وأن منكراً ونكيراً إلى كل أحد ينزلانه- سوى النبيين- فيسألان ويمتحنان عما يعتقده من الأديان. وأن المؤمن يخبر في قبره بالنعيم والكافر يعذب بالعذاب الأليم، وأنه لا محيص لمخلوق من القدر المقدور ولن يتجاوز ما خط في اللوح المسطور وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، وأنه جل اسمه يعيد خلقهم كما بدأهم ويحشرهم كما ابتدأهم من صفائح القبور وبطون الحيتان في تخوم البحور وأجواف السباع وحواصل النسور. وأن الله تعالى يتجلى في القيامة لعباده الأبرار فيرونه بالعيون والأبصار وأنه يخرج أقواماً من النار فيسكنهم الجنة دار القرار وأنه يقبل شفاعة محمد المختار في أهل الكبائر والأوزار. وأن الميزان حق. توضع فيه أعمال العباد فمن ثقلت موازينه نجا من

стр. 108

النار ومن خفت موازينه أدخل جهنم وبئس القرار. وأن الصراط حق يجوزه الأبرار وأن حوض رسول الله ﷺ حق يرده المؤمنون ويذاد عنه الكفار، وأن الإيمان غير مخلوق فهو قول وإخلاص بالجنان وعمل الأركان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. وأن محمداً ﷺ خاتم النبيين وأفضل المرسلين وأمته خير الأمم أجمعين وأفضلهم: القرن الذين شاهدوه وآمنوا به وصدقوه وأفضل القرن الذي صحبوه: أربع عشرة مائة بايعوه بيعة الرضوان وأفضلهم: أهل بدر إذ نصروه وأفضلهم: أربعون في الدار كنفوه وأفضلهم: عشرة عزروه ووقروه شهد لهم بالجنة وقبض وهو عنهم راض وأفضل هؤلاء العشرة الأبرار: الخلفاء الراشدون المهديون الأربعة الأخيار، وأفضل الأربعة: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵈ وأفضل القرون القرن الذي يلونهم، ثم الذين يلونهم. ثم الذين يتبعونهم. وأن نتولى أصحاب محمد ﷺ بأسرهم، ولا نبحث عن اختلافهم في أمرهم ونمسك عن الخوض في ذكرهم إلا بإحسان الذكر لهم. وأن نتولى أهل القبلة ممن ولي حرب المسلمين على ما كان فيهم من علي وطلحة والزبير وعائشة ومعاوية رضوان الله عليهم فيما شجر بينهم أتباعا لقول رب العالمين: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] .

стр. 109

٢٢- اعتقاد أبي عثمان الصابوني١ المتوفى سنة ٤٤٩هـ قال السبكي في طبقات الشافعية: وهذه وصيته وقد وجدت بها بدمشق عند دخوله إليها حاجاً: هذا ما أوصى به إسماعيل بن عبد الرحمن بن إسماعيل أبو عثمان الصابوني، الواعظ، غير المتعظ، الموقظ، غير المتيقظ، الأمر، غير المؤتمر، الزاجر، غير المنزجر، المتعلم، المعترف، المنذر، المخوف، المخلط، المفرط، المسرف، المقترف للسيئات، المغترف، الواثق مع ذلك برحمة ربه، الراجي لمغفرته، المحب لرسول الله ﷺ وشيعته، الداعي الناس إلى التمسك بسنته وشريعته ﷺ . أوصى وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهاً واحداً [أحداً] ، فرداً صمداً، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، ولم يشرك في حكمه أحداً، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الحي، القيوم، الباقي بعد فناء خلقه، المطلع على عباده، العالم بخفيات الغيوب، الخبير بضمائر القلوب، المبدىء، المعيد، الغفور، الودود، ذو العرش المجيد، الفعال لما يريد ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . هو مولانا، فنعم المولى، ونعم النصير، يشهد بذلك كله مع الشاهدين، مقراً بلسانه، عن صحة اعتقاد، وصدق يقين، ويتحملها عن المنكرين الجاحدين، ويعدها ليوم الدين: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩] ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلىً

стр. 110

عَنْ مَوْلىً شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ * إِلا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان: ٤١، ٤٢] . ويشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. ويشهد أن الجنة حق، وجملة ما أعد الله ﵎ فيها لأوليائه حق. ويسأل مولاه الكريم، ﷻ أن يجعلها مأواه، ومثواه، فضلاً منه وكرماً. ويشهد أن النار، وما أعد الله فيها لأعدائه حق، ويسأل الله مولاه أن يجيره منها، ويزحزحه عنها، ويجعله من الفائزين، قال الله : ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] . ويشهد أن صلاته، ونسكه، ومحياه ومماته لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمر وهو من المسلمين، والحمد لله رب العالمين. وأنه رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن إماماً، على ذلك يحيى وعليه يموت إن شاء الله . ويشهد أن الملائكة حق، وأن النبيين حق، وأن الساعة لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. ويشهد أن الله قدر الخير وأفز به، ورضيه، وأحبه، وأراد كونه من فاعله، ووعد حسن الثواب على فعله، وقدر الشر، وزجر عنه، ولم يرضه، ولم يحبه، وأراد كونه من مرتكبه غير راض به، ولا محب له، تعالى ربنا عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وتقدس أن يأمر بالمعصية، أو يحبها، ويرضاها، وجل أن يقدر العبد على فعل شيء لم يقدره عليه، أو يحدث من العبد ما لا يريده، ولا يشاؤه.
следующие страницы →