← Акыда

Акыда · id 7506

اعتقاد أئمة السلف أهل الحديث

محمد بن عبد الرحمن الخميس

Полный текст (397 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

باب في الإيمان بالقدر١ ١٢- سمعت محمد بن إسحاق الثقفي قال: سمعت الثقفي قال: سمعت أبا رجاء قتيبة بن سعيد قال: المأخوذ في الإسلام والسنة والرضا بقضاء الله والإسلام لأمره، والصبر على حكمه الإيمان بالقدر خيره وشره، والأخذ بما أمر الله والنهي عما نهى الله عنه، إخلاص العمل لله.

стр. 177

الثانية: الكتابة وهي الإيمان بأن الله تعالى- كتب كل ما هو كائن من خير أو شر، صغير أو كبير، كتبه في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، كما ثبت في الحديث: "أول ما خلق الله القلم، قال: اكتب. قال يا رب وماذا اكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة"١. والمرتبة الثالثة: للإيمان بالقدر هي الإيمان بالإرادة المقتضية لكون الشيء، فالله تعالى أراد أن توجد الأشياء فوجدت كما أراد لا خروج لأحد عن إرادته ومشيئته، فالخير بقضائه، والشر بقضائه، ولا يكون شيء إلا بإذنه، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ٢ وقال- : ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٣ والآيات في هذا المقام كثيرة لا تحصى. * والمرتبة الرابعة من مراتب الإيمان بالقدر هي الإيمان بأن- تعالى- خلق كل شيء وأوجده طبق ما سبق علم وكتب وأراد، وهي رتبة التنفيذ فإذا حصل خير فالله- تعالى- هو الذي خلقه وأوجده طبق ما سبق علم وكتب وأراد، وإذا وجد شر فالله- تعالى- هو الذي خلقه وأوجده لحكمة بالغة لكن لا يكون شيء بغير إذنه وخلقه، وقد نفت الطوائف من المنحرفين أن يكون الله- تعالى- قد أراد الشر أو خلقه، وقالوا الإنسان هو الموجد للشر، فجعلوا الإنسان خالقاً مع الله- تعالى- في نهاية الأمر. ومنهم المعتزلة وغيرهم.

стр. 178

* فهذه أربع مراتب للإيمان بالقدر، من كفر بواحدة منها كان كافراً بالقدر، ومن كفر بالقدر كان كافراً بالله العظيم، وهذا من كمال الاعتقاد الحسن في الله العظيم، أن يعتقد الإنسان بأنه ليس هناك شيءخارج عن إرادة الله تعالى ومشيئته،من اهتدى فا الله هداه بفضله، ومن ضل فا الله أضله بعدله وكل شيء جار على ما أراد الله-تعالى-وقدر. ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ١. وفي الإيمان بالقدر الرضى بكل ما قدر وفعل من خير وشر بدون الاعتراض على الله تعالى.

стр. 179

باب في مسائل الإيمان باليوم الآخر١ "وعذاب القبر حق "

стр. 180

* والميزان حق والحوض حق والشفاعة حق وقوم يخرجون من النار حق.

стр. 181

* وخروج الدجال حق:

стр. 182

باب الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان١

стр. 183

القول في الصحابة١ * [وأفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي]

стр. 184

وقال ابن بطة: ثم الإيمان والمعرفة بأن خير الخلق وأفضلهم وأعظمهم منزلة- عند الله بعد النبيين والمرسلين وأحقهم بخلافة رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق عبد الله بن عثمان وهو عتيق بن أبي قحافة ونعلم أنه يوم مات رسول الله ﷺ لم يكن على وجه الأرض أحد بالوصف الذي قدمنا ذكره ثم من بعده على هذا الترتيب والصفة أبو حفص عمر بن الخطاب ﵁ وهو الفاروق ثم من بعدهما على الترتيب والنعت عثمان بن عفان ﵁ وهو أبو عبد الله أبو عمرو ذو النورين ثم على هذا النعت والصفة من بعدهم أبو الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه١. وقال الحافظ عبد الغني المقدسي في عقيدته: ونعتقد أن خير هذه الأمة وأفضلها بعد رسول الله ﷺ صاحبه الأخص وأخوه في الإسلام ورفيقه في الهجرة والغار، أبو بكر الصديق وزيره في حياته، وخليفته بعد وفاته عبد الله بن عثمان عتيق بن أبي قحافة ثم من بعده الفاروق أبو حفص عمر بن الخطاب، الذي أعز الله به الإسلام وأظهر الدين، ثم من بعده ذو النورين أبو عبد الله عثمان بن عفان الذي جمع القرآن، وأظهر العدل والإحسان، ثم ابن عم رسول الله ﷺ وختنه علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين فهؤلاء الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون٢. فالسلف اتفقوا على تقديم الشيخين أبي بكر وعمر- على غيرهما من الصحابة- وسجلوا ذلك في كتبهم حتى جعلوه من أصولهم. قال ابن تيمية: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر كما تواتر ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب موقوفاً ومرفوعاً كما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة وأئمة العلم٣. * ثم إننا لم نجد أن أحداً من علماء السلف خالف في تقديم أبي بكر

стр. 185

وعمر على عثمان وعلي إلا ما ذكره الأشعري في مقالاته حيث قال: وشذ قوم منهم فقال أن علياً أفضل من الشيخين- أبي بكر وعمر- رضي الله عنهما١. وقال ابن حزم: ذهب بعض أهل السنة وبعض المعتزلة وبعض المرجئة وجميع الشيعة إلى أن أفضل الأمة بعد رسول الله ﷺ علي رضي الله عنه٢. لكن هذا الشذوذ الذي ذكره الأشعري وابن حزم لا قيمة له نظراً إلى وجود نصوص صريحة وكثيرة على تقديمهما، ثم إن الأشعري لم يذكر أسماء القائلين بهذا القول وكذا ابن حزم. * وأما ما قاله ابن عبد البر في الاستيعاب بأن السلف اختلفوا في تفضيل أبي بكر وعلي. فقد أجاب عنه ابن حجر الهيتمي، فقال: أما ما حكاه أولاً أن السلف اختلفوا في تفضيلهما فهو شيء غريب انفرد عن غيره ممن هو أجل منه حفظاً وإطلاعاً فلا يعول عليه فكيف والحاكي لإجماع الصحابة والتابعين على تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على سائر الصحابة جماعة من أكابر العلماء ثم سرد الهيتمي أسماءهم٣. *قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعن غيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ويثلثون بعثمان ويربعون بعلي كما دلت عليه الآثار٤. * وأما الذي اختلف فيه أهل السنة وعلماء السلف فهو تقديم عثمان على علي في الفضل فذهب الجمهور منهم أن عثمان أفضل الأئمة بعد الشيخين فهو الثالث في الترتيب في الخلافة والفضيلة واستدلوا على هذا بما

стр. 186

حصل من إجماع الصحابة على تقديمه في الخلافة وما ورد من الآثار الدالة على تفضيله. وقال قوم من أهل السنة أن علياً أفضل من عثمان وهو مذهب أكثر أهل الكوفة وإليه ذهب الثوري، وأبو حنيفة في روايته عنه. وتوقف قوم في عثمان وعلي ولم يفضل أحدهما على الآخر وإليه ذهب يحيى القطان، وابن معين، وابن حزم والإمام مالك في أحد قوليه١. * قال ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة: إن الذي أطبق عليه عظماء الملة وعلماء الأمة أن أفضل هذه الأمة أبو بكر الصديق ثم عمر ثم اختلفوا فالأكثرون ومنهم الشافعي، وأحمد وهو المشهور عن مالك أن الأفضل بعدهما عثمان ثم علي. وجزم الكوفيون ومنهم الثوري بتفضيل علي على عثمان. * وقيل بالوقوف عن التفاضل بينهما وهو رواية عن مالك فقد حكى أبو عبد الله المازري في المدونة أن مالكاً ﵀ سئل أي الناس أفضل بعد نبيهم فقال أبو بكر ثم عمر ثم قال أو في ذلك شك؟ فقيل له وعلي وعثمان فقال: ما أدركت أحداً ممن اقتدى به يفضل أحدهما على الآخر. * ثم قال الهيتمي: وتوقفه هذا رجع عنه. فقد حكى القاضي عياض أنه رجع عن التوقف إلى تفضيل عثمان٢. * وقال الخطابي في معالم السنن: وقد ثبت عن سفيان أنه قال في آخر قوليه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم٣. * قال الحافظ بن حجر في الفتح: ونقل البيهقي بسنده إلى ثور بن

стр. 187

يزيد عن الشافعي أنه قال أجمع الصحابة وأتباعهم على أفضلية أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي١. فأهل السنة اتفقوا على تعظيم هؤلاء الخلفاء الأربعة وتقديمهم على غيرهم لما اشتهر من فضائلهم ومناقبهم كما إنهم يرون أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة فأبو بكر أول الخلفاء وأفضلهم ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃. قال شارح الطحاوية: وترتيب الخلفاء الراشدين ﵃ في الفضل لترتيبهم في الخلافة ولأبي بكر وعمر ﵄ من المزية أن النبي ﷺ أمرنا بإتباع سنة الخلفاء الراشدين، ولم يأمرنا في الإقتداء بالأفعال إلا بأبي بكر وعمر فقال: اقتدوا باللذين من بعدي، أبي بكر وعمر". وفرق بين اتباع سنتهم والإقتداء بهم فحال أبي بكر وعمر فوق حال عثمان وعلي رضي الله عنهما٢.

стр. 188

* والكف عن مساوىء أ! حاب محمد ﷺ ولا يذكر أحد منهم بسوء ولا ينقص أحد منهم.

стр. 189

* ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. * وتثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولاً لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلاً له وتقديماً على جميع الأمة ثم لعمر بن الخطاب ﵁ ثم لعثمان بن عفان ﵁ ثم لعلي بن أبي طالب ﵁ وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون١. وقال ابن قدامة: "ومن السنة تولي أصحاب رسول الله ﷺ ومحبتهم وذكر محاسنهم والترحم عليهم والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٢. * قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ٣. وقال النبي ﷺ : "لا تسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" ٤. فأهل السنة يعرفون حق السلف الذين اختارهم الله سبحانه لصحبة نبيه ﷺ ويأخذون بفضائلهم ويمسكون عما شجر بينهم ويقدمون أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان الله عليهم جميعاً، ويقرون أنهم الخلفاء الراشدون المهديون أفضل الناس كلهم بعد النبي ﷺ . قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ

стр. 190

بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ١. فأثبت الخيرية لهم على سائر الأمم ولا شيء يعادل شهادة الله لهم بذلك. * وقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ٢. * قال ابن حجر الهيتمي: والصحابة في هذه الآية والتي قبلها هم المشافهون بهذا الخطاب٣. * وقال : ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ ٤. وقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ٥. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ٦. وقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ

стр. 191

سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١. * قال البيهقي بعد ذكر بعض الآيات الدالة على فضائل الصحابة: فأثنى عليهم ربهم وأحسن الثناء عليهم ورفع ذكرهم في التوراة والإنجيل- والقرآن الكريم ثم وعدهم المغفرة والأجر العظيم فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ ٢ وأخبر في آية أخرى برضاه عنهم ورضاهم عنه فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٣ ٤. فهذه الآيات تتضمن الثناء على الصحابة من المهاجرين والأنصار وتذكر حسناتهم وتدل على أن الله رضي عنهم وأنهم رضوا عنه، وهو دليل واضح على إثبات عدالتهم وعظمة قدرهم عند الله وعلو مراتبهم. وجاء في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعاً "لا تسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه"٥. وعن عبد الله مرفوعاً: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيىء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته" متفق عليه. وفي صحيح مسلم عن أم مبشر مرفوعاً: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها" الحديث٦.

стр. 192

* فهذه النصوص من الكتاب والسنة تدل على عدالة الصحابة ﵃ فأهل السنة يقدرون قدرهم ويثنون عليهم بالثناء الجميل وينزلون كل واحد منهم منزلته، والتزموا بذكرهم في أصولهم خلافاً للخوارج والرافضة والنواصب. قال ابن تيميه: ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ كما وصفهم الله في قوله ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] . وطاعة النبي ﷺ في قوله "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" متفق عليه. ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم، ويفضلون من انفق من قبل الفتح- وهو صلح الحديبية- وقاتل على من أنفق من بعده وقاتل ويقدمون المهاجرين والأنصار، ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " "وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة" كما أخبر به النبي ﷺ بل قد رضي الله عنهم ورضوا عنه. ويشهدن بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة كالعشرة وثابت بن قيس بن شماس وغيرهم من الصحابة١. * كما أنهم يرون أن علي بن أبي طالب ﵁ كان أفضل وأقرب إلى الحق من معاوية وممن قاتله معه لما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: (تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى

стр. 193

الطائفتين بالحق) متفق عليه واللفظ لمسلم١. * ويعتقدون ما جرى بمن الصحابة هم فيه مجتهدون إما مصيبون ولهم أجر الاجتهاد والإصابة وإما مخطئون ولهم أجر الاجتهاد وخطأهم مغفور. * قال الأشعري في الإبانة: فأما ما جرى بين علي والزبير وعائشة ﵃ فإنما كان على تأويل واجتهاد، وكلهم من أهل الاجتهاد وقد شهد لهم النبي ﷺ بالجنة والشهادة فدل على أنهم كلهم كانوا على حق في اجتهادهم. * كذلك ما جرى بين علي ومعاوية ﵄ كان على تأويل واجتهاد وكل الصحابة أئمة مأمونون غير متهمين في الدين وقد أثنى الله ورسوله على جميعهم ويقيدنا بتوقيرهم وتعظيمهم وموالاتهم والتبري من كل من ينقص أحدا منهم رضي الله عن جميعهم٢. فيجب على المسلم السكوت والإمساك عما شجر بينهم وصيانة لسانه عن ذكر مصائبهم مع إثبات الخلافة لعلي ﵁ والإقرار بأنه أقرب إلى الحق من غيره. * قال الصابوني: ويرون الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيباً لهم ونقصاً فيهم ويرون قدر أزواجه ﵅ والدعاء لهن ومعرفة فضلهن والإقرار بأنهن أمهات المؤمنين٣. * وقال شارح الطحاوية: والفتن التي كانت في أيامه قد صان الله عنها أيدينا فنسأل الله أن يصون عنها ألسنتنا بمنه وكرمه٤.

стр. 194

وذهب الخوارج إلى أن عثمان وعلياً كانا إمامين عادلين وهما على حق في أوائل أمرهما ولكنهما أخطآ في الأخير كفرا بذلك. * أما عثمان فإنه أحدث بدعاً وجب بها خلعه وإكفاره. * وأما علي فإنه حكم الرجال مع أنه لا حكم إلا لله فكفر بذلك التحكم واعتلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] . قالوا: إن الله أمر بقتال أهل البغي وترك علي قتالهم لما حكم فكان تاركاً لحكم الله مستوجبا للكفر لقوله فأولئك هم الكافرون وكذلك كفروا الحكمين أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص ﵄ ومن وافقهما في تحكيمهما١. وذكر البغدادي اتفاق الخوارج على تكفير عثمان وعلي والحكمين فقال: إن الذي يجمع الخوارج على افتراق مذاهبها إكفار علي، وعثمان والحكمين وأصحاب الجمل وكل من رضي بتحكيم الحكمين٢. وقال الشهرستاني في الملل والنحل: اجتمعوا على تكفير عثمان وعلي والتبرؤ منهما٣. وذكر المقريزي قول الخوارج في الخلفاء فقال: وهم الغلاة في حب أبي بكر وعمر وبغض علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين، ولا أجهل منهم فإنهم القاسطون المارقون خرجوا على علي ﵁ وانفصلوا بالجملة وتبرؤوا منه٤. * وقال الرازي في اعتقادات فرق المسلمين: إن سائر فرق الخوارج متفقون على تكفير عثمان وعلي وطلحة والزبير وعائشة كما أنهم يعظمون

стр. 195

أبا بكر وعمر رضي الله عنهما١. فالخوارج متفقون على تكفير عثمان وعلي والحكمين- أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص- رضوان الله عليهم أجمعين كما ذكره الأشعري في مقالاته٢. ثم إنهم اختلوا في كفرهم هل هو كفر شرك أو كفر النعمة فقال قوم: هو كفر شرك، وهم الأزارقة. وقال الآخرون: هو كفر نعمة وليس بكفر شرك، وهم الأباضية٣. ولكن الخوارج لم يقفوا عند هذا الحد من تكفير عليّ بل جعلوا لعنه ﵁ من شعارهم وعاداتهم، حتى إن قوماً منهم جاوزت سخافة عقولهم الحد فزعموا أن الله تعالى أنزل في حق علي ﵁ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ ٤. وهؤلاء صوبوا فعل عبد الرحمن بن ملجم- قاتل علي- وزعموا أن الله تعالى أنزل في حق ابن ملجم- قبحه الله- قوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ ٥. وفي ذلك يقول عمران بن حطان أحد شيوخ الخوارج وزهادهم في ضربة ابن ملجم لعلي ﵁ يا ضربة من تقى ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضواناً إني لأذكره يوما فأحبه ... أوفى البرية عند الله ميزاناً ٦

стр. 196

* وهناك طائفة أخرى- وهم النواصب- الذين بالغوا في حب عثمان ومعاوية ويزيد وقالوا إنهم كانوا أئمة حق وهم أفضل من علي كما أنهم ناصبوا العداء والبغض لأهل البيت عامة ولعلي ﵁ خاصة وقالوا إن عليا لم يكن إماماً لأنه لم يجتمع عليه الأمة، وإن معاوية كان إماماً بعد عثمان وبعد معاوية ابنه يزيد، لأن المسلمين اجتمعوا على إمامتهما في وقتهما١. * قال ابن قتيبة وقد رأيت هؤلاء أيضاً حين رأوا غلو الرافضة في حب علي، وتقديمه على من قدمه رسول الله ﷺ وصحابته عليه وادعائهم له شركة النبي ﷺ في نبوته، وعلم الغيب للأئمة من ولده، تلك الأقاويل والأمور السرية التي جمعت إلى الكذب والكفر إفراط الجهل والغباوة ورأوا شتمهم خيار السلف وبغضهم وتبرأهم منه قابلوا ذلك أيضاً بالغلو في تأخير علي كرم الله وجهه وبخسه حقه ولحنوا في القول وإن لم يصرحوا إلى ظلمه واعتدوا عليه بسفك الدماء بغير حق، ونسبوه إلى الممالأة على قتل عثمان ﵁ وأخرجوه بجهلهم عن أئمة الهدى إلى جملة أئمة الفتن، ولم يوجبوا اسم الخلافة لاختلاف الناس عليه وأوجبوها ليزيد بن معاوية لإجماع الناس عليه واتهموا من ذكره بغير خير٢. * أما الرافضة فإنها غالت في حب علي ﵁ وأهل البيت كما أنها غالت في بغض الخلفاء الثلاثة -أبي بكر وعمر وعثمان فسبوهم ولعنوهم ثم كفروهم. * كما أنهم لعنوا وكفروا أم المؤمنين عائشة والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وجماعة من الصحابة جميعاً سوى عدد قليل وقالوا إنهم- الصحابة- تركوا بيعة علي وبايعوا أبا بكر ثم عمر لأنهم يرون أن علياً كان

стр. 197

أحق بالخلافة من الشيخين- أبي بكر وعمر١. * وقال الشهرستاني في الملل والنحل: ثم إن الإمامية تخطت عن هذه الدرجة إلى الوقيعة في كبار الصحابة طعناً وتكفيرا وأقله ظلما وعدوانا٢. * وقال البغدادي في الفرق: أجمع أهل السنة على إيمان المهاجرين والأنصار من الصحابة وهذا خلاف قول من زعم من الرافضة أن الصحابة كفرت بتركها بيعة علي رضي الله عنه٣. وقال في أصول الدين: "وزعمت الروافض أن طلحة والزبير وعائشة وأتباعهم يوم الجمل كفروا في قتالهم علياً وكذلك قالوا في معاوية وأصحابه بصفين٤. وأما جميع طوائف الشيعة بما فيهم من الرافضة فإنهم أجمعوا على أنه لا ولاء إلا ببراء- أي لا يتولى أهل البيت حتى يتبرأ من أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من كبار الصحابة. قال الشهرستاني: "أجمعوا على القول بالتولي والتبرؤ قولاً وفعلاً وعقداً إلا في حالة التقية"٥. كما اتفقت جميع طوائف الشيعة على لعن الشيخين- أبي بكر وعمر- وجعلوه من شعارهم وعاداتهم، حتى جعلوا هذا اللعن دعاء يدعون به في صلاتهم ويقولون: اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد والعن صنمي قريش وجبتيهما وطاغوتيهما وابنتيهما ... الخ.

стр. 198

ويريدون بالجبت والطاغوت أبا بكر وعمر ﵄ وبابنتيهما أم المؤمنين عائشة وأم المؤمنين حفصة رضي الله عنهما١. * فقد جاء في كتاب أوائل المقالات في المذاهب والمختارات ما نصه: واتفقت الإمامية والزيدية والخوارج على أن الناكثين والقاسطين من أهل البصرة والشام أجمعين كفار ضلال ملعونون بحربهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وأنهم بذلك في النار مخلدون٢. * فأهل السنة وسط بين الطرفين الخوارج والنواصب من جهة وبين الرافضة من جهة فإنهم يحبون عثمان وعليا ويؤمنون بأنهما على حق كما أنهم يرون أن الشيخين- أبا بكر وعمر- أفضل منهما لما خصهما الله له من الفضائل فيوالونهم كلهم وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإنصاف. * قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد كانت الفتنة لما وقعت بقتل عثمان وافتراق الأمة بعده وصار قوم ممن يحب عثمان ويغلو فيه ينحرف عن علي ﵁ مثل كثير من أهل الشام ممن كان إذ ذاك يسب علياً ﵁ ويبغضه وقوم ممن يحب علياً ﵁ ويغلو فيه ينحرف عن عثمان ﵁ مثل كثير من أهل العراق ممن كان يبغض عثمان ﵁ ويسبه ثم تغلظت بدعتهم بعد ذلك حتى سبوا أبا بكر ﵁ وعمر ﵁ وزاد البلاء بهم حينئذ والسنة محبة عثمان وعلي جميعاً وتقديم أبا بكر وعمر عليهما لما خصهما الله من الفضائل التي سبقا بها عثمان وعليا جميعا فهذا موضع يجب على المؤمن أن يتثبت فيه ويعتصم بحبل الله فإن السنة مبناها على العلم والعدل والاتباع لكتاب الله وسنة رسوله٣.

стр. 199

* كما أن السلف يعظمون جميع الصحابة ولا يسبون أحداً منهم ولا يطعنون فيهم ويتبرؤون من طريقة الخوارج، والنواصب الذين يكفرون علياً ويلعنون أهل البيت. * ومن طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم بل ويكفرونهم. الخلاصة: - أهل السنة يحبون جميع الصحابة وأمهات المؤمنين، ويوالونهم، وينزلونهم منازلهم، ويعرفون لهم قدرهم. ٢- وهم يقدمون في الفضل أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي على ترتيبهم في الخلافة. ٣- يتبرأ أهل السنة من طريقة النواصب والروافض والخوارج وغيرهم في شأن الصحابة. المناقشة: ١- ما موقف أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي ﷺ ؟ ٢- ماذا تعرف عن الناصبة والرافضة؟ ٣- ماذا يجب تجاه من يسب أصحاب النبي ﷺ أو يكفر أحداً منهم؟

стр. 200

باب (القول في الخلافة بعد رسوله ﷺ ١١- وسمعت أبا عروبة الحسين بن أبي معشر السلمي (بحران) قال: سمعت الميموني يعني عبد الملك بن عبد الحميد يقول: سمعت أحمد بن حنبل وقيل له إلى ما تذهب في الخلافة؟ قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي: قال فقيل له: كأنك تذهب إلى حديث سفينة؟ قال: أذهب إلى حديث سفينة وإلى شيء آخر رأيت علياً في زمن أبي بكر وعمر وعثمان لم يَتَسَمّ بأمير المؤمنين ولم يقم الجمع والحدود، ثم رأيته بعد قتل عثمان قد فعل ذلك فعلمت أنه قد وجب له في ذلك الوقت ما لم يكن قبل ذلك.

стр. 201

الخلاصة: ١- يثبت أهل السنة والجماعة الخلافة بعد رسول الله ﷺ لأبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي. ٢- يفضل أهل السنة هؤلاء الأربعة على غيرهم من الأمة، ويجعلون فضلهم على حسب ترتيبهم في الخلافة. المناقشة: ١- من هم الخلفاء الراشدون بعد رسول الله ﷺ ؟ من هو أفضل الأمة بعد رسول الله ﷺ ؟ ومن الذي يليه؟

стр. 202

باب محبة أئمة السلف١ وإذا رأيت الرجل يحب سفيان الثوري ومالك بن أنس وأيوب السختياني وعبد الله بن عوف ويونس بن عبيد وسليمان التيمي وشريكاً وأبا الأحوص والفضيل بن عياض وسفيان بن عيينة والليث بن سعد وابن المبارك ووكيع بن الجراح ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن يحيى وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه فاعلم أنه على الطريق.

стр. 203

باب علامات أهل البدع وحكم الصلاة خلفهم١ إذا رأيت الرجل يقول هؤلاء الشكاك فاحذروه فإنه على غير الطريق. وإذا قال المشبهة فاحذروه فإنه جهمي، وإذا قال المجبرة فاحذروه فإنه قدري. والإيمان يتفاضل، والإيمان قول وعمل ونية والصلاة من الإيمان، والزكاة من الإيمان، ونقول الناس عندنا مؤمنون بالاسم الذي سماهم الله والإقرار والحدود والمواريث والعدل ولا نقول ولا يقول عبد الله ولا بقوله كإيمان جبريل وميكائيل لأن إيمانهما متقبل. ولا يصلى خلف القدري ولا الرافضي ولا الجهمي ومن قال إن هذه الآية مخلوقة فهو كافر ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ ٢ وما كان الله ليأمر موسى أن يعبد مخلوقاً.

стр. 204

باب (في ترك الجدال في الدين) * وترك الجدال والمراء والخصومات في الدين.

стр. 205

القسم الثاني: شرح اعتقاد أهل الحديث الذي قرره الإمام أبو أحمد الحاكم (٣٧٨هـ) في كتابه: "شعار أصحاب الحديث ". ... * ولا نكفر بذنب إلا ترك الصلاة:

стр. 206

القسم الثالث: شرح اعتقاد أهل الحديث الذي قرره الإمام الأشعري في مقالاته . ... المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ ٢، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ ٣. أما بعد: فقد انتسب إلى أبي الحسن الأشعري في هذا العصر كثير من المسلمين وأطلقوا على أنفسهم الأشاعرة نسبة إليه وادعوا أنهم ملتزمون بما هو عليه في الاعتقاد وخاصة في مسائل الصفات والحقيقة أنهم لم يأخذوا بالعقيدة التي اعتنقها إمامهم في نهاية حياته كما في كتاب (الإبانة) و (المقالات) ، ومن العجيب أنهم زعموا أن الإمام أبا الحسن الأشعري ألف كتابه (الإبانة) مداراة للحنابلة وتقية، وخوفاً منهم على نفسه. وهذا كلام فيه نظر، بل إنه خطير جداً، إذ أن فيه قدحاً في الإمام أبي الحسن الأشعري واتهاماً له بأنه يبدل عقيدته- في الظاهر- على حسب الأحوال والملابسات، أو مجاراة للتيارات الفكرية السائدة، وهذه مسألة خطيرة، لأنه نوع من النفاق فالغاية لا تبرر الوسيلة عند أهل الحق

стр. 207

وينبغي للإنسان أن يحسن الظن بأمثال الإمام في هذا، بل إنني أجزم ببطلان هذا الزعم في حق الإمام الجليل، إذ أنه لا يمكن أن يداري أو يجاري في عقيدته وهي مدار السلامة وهي العقد بينه وبين الله تعالى ولا يفعل هذا إلا الموغلون في البدعة، والذين ليسوا على رسوخ في عقيدتهم وثقة بما هم عليه، كأمثال الباطنية وغيرهم من المنافقين. ثم إن الحنابلة لم تكن لهم سلطة يمكن أن تلحق الأذى بالإمام، بل كان في أيامه كثير من المبتدعة المعاندين، ولم ينزل بهم بطش الحنابلة وبأسهم فهذه دعوى باطلة مردودة. وقد صرح الإمام في هذين الكتابين بأنه على عقيدة أهل الحديث والزاعمون لهذا البطلان ممن انتسبوا إلى الإمام وسموا أنفسهم بالأشاعرة إنما هم في الحقيقة قد سلكوا طريقة ابن كلاب البصري وهو ما كان عليه الأشعري في طوره الثاني من أطوار اعتقاده فقد كان أولاً معتزلياً ثم تحول إلى مذهب ابن كلاب ثم استقر أخيراً على عقيدة السلف. وادعى أتباعه أنهم هم أهل السنة والجماعة ونسبوا من آمن بالنصوص الشرعية في الصفات الإلهية وأجراها على ظاهرها بدون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، نسبوه إلى التشبيه والتجسيم وهذا عين المخالفة لإمامهم حيث صرح بإثبات الصفات التي وردت في الكتاب والسنة ورد على المعطلة والمشبهة. ولتوضيح هذه الحقيقة وتجليتها رأيت إبراز ما قرره في المقالات من مذهب أهل الحديث وصرح بأنه ملتزم به مع التعليق والإيضاح لما يحتاج إلى التعليق وذلك لبيان مدى موافقة الأشعري لمنهج السلف ومعتقدهم. ومن ثم يظهر مخالفة اتباعه له في الاعتقاد. وأن الأشعرية متقولون على الإمام الأشعري؛ وهذا من أعظم أنواع الضلال والإضلال؛ والله المستعان، وهذا كدأب الماتريدية حيث يدعون أنهم حنفية؛ والإمام أبو حنفية براء منهم ومن عقيدتهم في التعطيل والقبورية وإلى الله المشتكى.

стр. 208

وحسب علمي فإن ما قرره الأشعري في مقالاته عن أهل الحديث لم يحظ بشرح مستقل ولم يعتن به. لذا وضعت عليه هذا الشرح المختصر. أما المنهج الذي سأتبعه في هذا الشرح فهو كالآتي: ١- رأيت أن أفضل من يشرح ما قرره الأشعري عن أصحاب الحديث في أمور الاعتقاد هم أهل الحديث أنفسهم لذا فإني أرجع إلى الكتب المؤلفة في عقيدة أهل السنة والجماعة على طريقة أهل الحديث وهي ما يأتي: أ- اعتقاد أئمة أهل الحديث للحافظ الإمام أبي بكر الإسماعيلي. ب- اعتقاد السلف أصحاب الحديث للحافظ الإمام شيخ الإسلام أبي عثمان إسماعيل الصابوني ج- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للحافظ الإمام شيخ الإسلام أبي القاسم عبد الله اللالكائي. د- الحجة في بيان المحجة للإمام الحافظ أبي محمد الفضل التيمي الأصبهاني وغير ذلك من كتب أهل السنة والجماعة. ٢- فإن لم أجد اجتهدت في شرح كلام المؤلف مستدلاً له من الكتاب والسنة، وقد أذكر أقوال أهل العلم، وقد أكتفي بذكر الأدلة فقط لوضوح المسألة وجلائها. ٣- لني لم التزم في الجملة بطريقة واحدة في العرض، فقد ابدأ بذكر الأدلة ثم أثني عن أهل العلم، وقد ابدأ بالنقل عنهم أولاً لتقرير وبسط وشرح ما ذكره الأشعري. ٤- عزوت الآيات القرآنية إلى مواضعها من كتاب الله تعالى وذلك بذكر السورة ورقم الآية. - قمت بتخريج الأحاديث الواردة في الكتاب سواء في ثنايا النقول عن الأئمة أو غير ذلك فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما

стр. 209

اكتفيت به، وإلا اجتهدت في بيان موضعه من كتب السنة الأخرى مع بيان درجته من حيث الصحة وذلك نقلاً عن أهل العلم المعتبرين. ٦- قسمت الكتاب إلى فقرات ووضعت لكل منها عنواناً وذلك على حسب موضوعها تسهيلاً على القارئ. ٧- قمت بشرح معاني الكلمات الصعبة المحتاجة إلى بيان وذلك في البند الخاص بـ "اللغة". ٨- قمت بعمل خلاصة لكل فقرة توجز أهم ما يستفاد منها. ٩- قمت بعمل مناقشة تشتمل على بعض الأسئلة فيما يتعلق بموضوع الفقرة، وذلك تحفيزاً للقارئ على الانتباه، ولكي يصلح الكتاب كذلك للناشئة الذين يستفيدون من هذه الطريقة. هذا والله أسأل أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم وأن يغفر لي الخطأ والزلل والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 210

قال أبو الحسن الأشعري: هذه حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة (أصول الاعتقاد عند أهل الحديث) جملة ما عليه أهل الحديث والسنة: ١- الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله: اللغة: (جملة) أي مجمل ومجموع- (الإقرار) الاعتراف والتصديق.

стр. 211

وقال الحاكم: "لقد أحسن أحمد بن حنبل في تفسير هذا الخبر أن الطائفة المنصورة التي يرفع الخذلان عنهم إلى قيام الساعة هم أصحاب الحديث ومن أحق بهذا التأويل من قوم سلكوا محجة الصالحين واتبعوا آثار السلف من الماضين ومنعوا أهل البدع والمخالفين بسنن رسول الله وعلى آله أجمعين"١. وقال ابن حبان في قول النبي: "فعليكم بسنتي" ٢ قال: "إن من واظب على السنن وقال بها ولم يعرج على غيرها من الآراء فهو من الفرقة الناجية"٣. وهذا رد بالغ على من يزعم أن أهل الحديث ليسوا طائفة معينة ومنشأ هذا الزعم الفاسد أن لفظ (أهل الحديث) يطلق على اصطلاحين: الأول: كل من اشتغل بعمل الحديث فهذا يدخل فيه أهل السنة والجماعة وأهل البدع فعلى هذا الاصطلاح ليس أهل الحديث طائفة معينة. الثاني: من يعتقد عقيدة أئمة الحديث والسنة فعلى هذا لا يدخل فيهم أهل البدع فكلام أئمة السنة في الثناء على (أهل الحديث) وأنهم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة ينصب هذا على الاصطلاح الثاني ويدخل في ذلك كل من كان على عقيدة أئمة السنة ولو لم يكن من علماء أهل الحديث٤. تنبيه: كلمة: (أهل الظاهر) يستخدمها أهل البدع ويطلقونها على أهل السنة وهي أيضاً تطلق على معنيين: الأول: عدم تأويل نصوص الوحي سواء كانت في المسائل العلمية العقدية أو المسائل الفقهية العملية وتقديم نصوص الشرع على جميع أقوال الناس كائناً من كان والذهاب خلف النصوص أينما سارت ركائبها فكلمة

стр. 212

أهل الظاهر على هذا الاصطلاح تساوي كلمة أهل الحديث وأصحاب الحديث وأهل السنة والجماعة والطائفة المنصورة. الثاني: هو من يقصر نصوص الشرع عن دلالتها الوضعية والإلتزامية والتضمنية كمن يزعم في قول النبي ﷺ : "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم" ١. أنه لا يجوز التبول في الماء الدائم ولكن لو بال في الإناء ثم صب ما في الإناء من البول في الماء الدائم جاز. ووجه بطلان هذا الزعم أنه قصر نص الشارع عن دلالاته المعنوية فإنه إن لم يجز التبول في الماء الدائم فصب ما في الإناء من البول في الماء الدائم أولى ألا يجوز فإن البول في الماء الدائم قد تدعو الحاجة إليه أما البول في الإناء ثم صبه فيه فلا موجب له بل هو محض العبث في الماء. فهذه الطريقة ليست طريقة أهل الحديث. فأهل الظاهر على هذا المعنى الثاني: هم على طرفي نقيض مع متعصبة أهل الرأي الذين حرفوا نصوص الشرع وأولوها لكي توافق مذاهبهم وقدموا أقوال أئمتهم وآرائهم على نصوص الشرع. وأهل الحديث هم وسط بين إفراط أهل الرأي وتفريط أهل الظاهر، وقد أطلق المبتدعة على أصحاب الحديث أنهم (أهل الظاهر) وأنهم (حشوية) و (مشبهة) و (مجسمة) لتنفير الناس عن طريقة أهل الحديث وهم كاذبون في رميهم لهم بالحشوية والمشبهة والمجسمة وأما رميهم (بأنهم أهل الظاهر) . فإن قصدوا المعنى الأول فهذا لا يضرهم ويقال لأهل البدع بل أنتم باطنية في كثير من تأويلاتكم وتحريفاتكم لنصوص الشرع في العقائد والمسائل الفقهية. فأهل الحديث على هذا أهل ظاهر وليسوا باطنية مثلكم فهذه منقبة لهم لا مثلبة والحمد لله.

стр. 213

وإن قصدتم المعنى الثاني: (لأهل الظاهر) فعامة أهل الحديث براء من هذا والله أعلم. الإقرار بالله: شرع المؤلف في بيان أصول الإيمان الستة المذكورة في حديث جبريل وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره وسيأتي كلام المؤلف على القدر واليوم الآخر في ثنايا الكتاب ومعنى الإيمان بالله : الاعتقاد الجازم بأن الله رب كل شيء ومالكه وخالقه وأنه مستحق لصفات الكمال المنزه عن صفات النقص والعيب وأنه وحده المستحق لأن يفرد بالعبادة والخضوع والطاعة فهو سبحانه منفرد بالربوبية والألوهية وصفات الكمال فلا يكون العبد مؤمناً حتى يوحد الله في الربوبية والألوهية وفي الأسماء والصفات ١. الملائكة: وأما الإيمان بالملائكة فهو أن تصدق بوجودهم وأنهم عباد مكرمون خلقهم الله لعبادته فلا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ولا يفترون عن عبادته ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ الأنبياء (٢٠) . والإيمان بأوصافهم وأعمالهم التي يقومون بها كما جاء في الكتاب والسنة. والإيمان بمن ورد النص بتسميتهم على وجه الخصوص مثل جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، ونقول إن من قال بأنهم إناث فقد كفر لمخالفته كتاب الله، ولا يقال إنهم ذكروا إذ لم يرد في ذلك نص صحيح.

стр. 214

الكتب: وأما الإيمان بالكتب فهو أن تصدق بأنه تعالى أنزل على رسله كتباً ليعلم الناس بها الحق من الباطل والخير من الشر وهذه الكتب كثيرة يجب الإيمان بها جملة ولكن يجب الإيمان تفصيلاً بأربعة منها وهي التوراة التي أنزلت على موسى والزبور الذي أنزل على داود والإنجيل الذي أنزل على عيسى والقرآن الذي أنزل على محمد ﷺ وأن ما في القرآن كلام الله على الحقيقة تكلم به وسمع منه جبرائيل وبلغ جبرائيل رسول الله محمد ﷺ فسمع من جبرائيل وليس كما يزعم أهل البدع أنه ليس كلام الله على الحقيقة بل هو عبارة عن كلام الله، ويجب الإيمان بأن الله تعالى قد حفظ القرآن من التحريف والتبديل وأن كل حرف فيه هو كلام الله تعالى. الرسل: وأما الإيمان بالرسل فهو أن توقن بأن الله أرسل للناس ليدعو الناس إلى عبادة الله وحده رسلاً مبشرين لأهل التوحيد والسنن ومنذرين لأهل الشرك والبدع وأهل المعاصي لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، كما يجب أن تؤمن بمن سمى الله تعالى في كتابه من رسله وأنبيائه وهم آدم ونوح وإدريس وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون وداود وسليمان وإلياس واليسع وهود وصالح وشعيب وذو الكفل وأيوب ويونس ولوط وزكريا ويحيى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين.

стр. 215

* وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله لا يردون من ذلك شيئاً، وأن الله سبحانه إله واحد فرد صمد لا إله غيره لم يتخذ صاحبة ولا ولداً (١) .
следующие страницы →