"ب" استعماله القياس في قضايا العقيدة ١.
"ج" قوله بالإرجاء الحقيقي حيث قال، يعني أبا حنيفة: "من آمن بقلبه ولم يتكلم بلسانه فهو مؤمن عند الله" ٢.
"د" قوله: "أصل الإرجاء من قبل الملائكة" ٣.
ويظهر ـ والله أعلم ـ أن هذه الرسالة ليست من تأليف الإمام، بل من تأليف تلميذه أبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي. لذا قال عنه السليماني كما في اللسان في ترجمة أبي مقاتل: "صاحب كتاب العالم والمتعلم في عداد من يضع الحديث". وأقره الحافظ ابن حجر ٤، وهي إشارة إلى أن كتاب العالم والمتعلم ليس للإمام أبي حنيفة، وإنما هو من تأليف أبي مقاتل. ثم إن كتاب العالم والمتعلم، ككتب المسائل التي هي أجوبة عن أسئلة التلاميذ لشيوخهم في مسألة من مسائل العلم، يكتبها التلاميذ، وتنسب له الأسئلة، مثل أسئلة الآجري لأبي داود، وأسئلة البرقاني للدارقطني، ومسائل أبي داود للإمام أحمد، فكما أنه لا يجوز أن تنسب تلك الكتب إلى الشيوخ، فنقول مثلا: "إن مسائل أبي داود" هي من تأليف الإمام أحمد، فكذلك لا يجوز أن تنسب الأجوبة الواردة في العالم والمتعلم للإمام أبي حنيفة، ولا سيما أن مؤلف كتاب العالم والمتعلم هو أبو مقاتل السمرقندي وضاع وكذاب عند المحدثين وبالتالي يجب أن نكون على حذر مما في هذا الكتاب، فلا يقبل ما فيه إلا إذا وافق
стр. 107
ما في المصادر الأخرى التي تحكي عقيدة الإمام أبي حنيفة.
من ذكر هذا المؤلف من المصنفين:
١- ابن النديم في الفهرست ص٢٥٦.
٢- على بن محمد البزدوي في كنز الوصول إلى معرفة الأصول ١/٨.
٣- علاء الدين بن عبد العزيز البخاري في كشف الأسرار ١/٨.
٤- أبو المظفر الإسفراييني في التبصير ص١١٣.
٥- البياضي في إشارات المرام ص٢١.
٦- والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٢/١٤.
٧- طاش كبرى زاده في مفتاح السعادة ٢/٢٠٣
٨- إسماعيل البغدادي في هداية العارفين ٢/٤٩٥.
٩- حاجي خليفة في كشف الظنون ٢/١٤٣٧.
دراسة إسناد هذا المؤلف:
وقفت لهذا المؤلف على إسناد نسختين:
* النسخة الأولى: وهي المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم ٣٤١٤٧، وهي من رواية ١ الشيخ أبي الحسن علي بن خليل الدمشقي، عن أبي الحسن برهان الدين علي بن الحسن البلخي، عن أبي المعين النسفي، عن أبيه محمد النسفي، عن عبد الكريم بن موسى البزدوي النسفي، عن أبي منصور الماتريدي، عن أبي بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني عن أبي سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني، عن محمد بن مقاتل الرازي وهما عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله وأبي عصمة عصام بن
стр. 108
يوسف البلخي وهما عن أبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي عن الإمام أبي حنيفة وإليك تعريف برجال إسناد هذه النسخة:
١- أبو الحسن علي بن خليل الدمشقي: هو علي بن خليل بن الحسين الدمشقي أبو الحسن الشهير بابن قاضي العسكر، الأديب الفقيه، مولده بدمشق سنة ٦٠٨هـ، ومات سنة ٦٥١هـ، وله كتاب شرح الجامع الكبير ١.
٢- أبو الحسن برهان الدين علي بن حسن البلخي: هو علي بن الحسن بن محمد بن أبي جعفر أبو الحسن المعروف بالبرهان البلخي، قال عنه الذهبي: "كان زاهدا معرضا عن الدنيا، وهو الذي قام في إبطال حي على خير العمل من حلب"، وقال اللكنوي: "برع في الأصول والفقه ورد دمشق ودرس بها" مات سنة ٥٤٨هـ ٢.
٣- أبو المعين النسفي: تقدم التعريف به ص١٢٢.
٤- محمد النسفي: لم أقف له على ترجمة.
٥- عبد الكريم بن موسى البزدوي النسفي: هو عبد الكريم بن موسى بن عيسى البزدوي نسبة إلى بزدى قلعة على ستة فراسخ من نسف ٣ وهو جد فخر الإسلام البزدوي تفقه على أبي منصور الماتريدي. مات سنة ٣٩٠هـ ٤.
стр. 109
٦- أبو منصور الماتريدي: هو محمد بن محمد بن محمود أبو منصور الماتريدي، نسبة إلى ماتريد ١، محلة بسمرقند ٢، وإليه ينسب المذهب الماتريدي الكلامي الموجود في العالم الإسلامي، تفقه على أبي بكر أحمد الجوزجاني، وأبي نصر أحمد بن العباس العياض. وتفقه عليه إسحاق بن محمد السمرقندي وأبو محمد عبد الكريم بن موسى البزدوي وغيرهم، وله كتاب التوحيد وتأويلات القرآن وغير ذلك، مات سنة ٣٣٣هـ، بعد وفاة أبي الحسن الأشعري بتسع سنوات ٣.
٧- أبو بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني: هو أحمد بن إسحاق أبو بكر الجوزجاني، نسبة إلى جوزجان ٤، بلدة مما يلي بلخ، تفقه على أبي سليمان الجوزجاني وقال عنه القرشي: صاحب كتاب الجواهر المضية: "كان من الجامعين بين علم الأصول وعلم الفروع، وكان في أنواع العلوم في الدرجة العلية، له كتاب الفرق والتمييز وكتاب التوبة
стр. 110
وغيرهما" ولم أقف له على تاريخ وفاته ١.
٨- أبو سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني: هو موسى بن سليمان الجوزجاني أبو سليمان، سمع عبد الله بن المكبار وأبا يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري ومحمد بن حسن الشيباني، وروى عنه عبد الله بن حسن الهاشمي وأحمد بن محمد البرتي. قال عنه الخطيب: "كان فقيها بصيرا بالرأي يذهب مذهب أهل السنة في القرآن"، وقال عنه ابن أبي حاتم: "كان يكفر القائلين بخلق القرآن، كتب عنه أبي وسئل عنه فقال: كان صاحب رأي وكان صدوقا" ٢.
٩- محمد بن مقاتل الرازي ٣.
١٠- أبو مطيع الحكم بن عبد الله ٤.
١١- أبو عصمة عصام بن يوسف البلخي ٥.
١٢- أبو مقاتل السمرقندي: هو حفص بن سلم أبومقاتل السمرقندي، روى عن هشام بن عروة، وروى عنه عتيق بن محمد، قال عنه السليماني: "صاحب كتاب العالم والمتعلم في عداد من يضع الحديث" ٦.
وقال الحاكم: "حدث عن عبيد الله بن عمر وأيوب ومسعر وغيرهم بأحاديث موضوعة. كذبه وكيع بن الجراح بالكوفة" ٧.
стр. 111
وكان قتيبة يحمل عليه شديدا ويضعفه بقوة، وقال: "كان لا يدري ما يحدث به" ١.
وقال الجوزجاني: "حدثت أن أبا مقاتل كان ينشئ للكلام الحسن إسنادا" ٢. وقال أبو نعيم: "حدث عن أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر ومسعر بالمناكير، تركه وكيع وكذبه" ٣.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: "والله لا تحل الرواية عنه" ٤.
وذكر ابن رجب أن الجارود السلمي قال: كان عند معاوية ـ يعني الضرير ـ فذكر له حديث أبي مقاتل عن سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي ضبيان قال: "سئل علي عن كور الزنانير قال: لا بأس به هو بمنزلة صيد البحر".
فقال أبومعاوية: "ما أقول إن صاحبكم كذاب، ولكن هذا الحديث كذب" ٥.
قلت: كان الرجل صاحب عبادة فحسب، وليس العلم من شأنه.
قال ابن المبارك: "خذوا عن أبي مقاتل عبادته وحسبكم" ٦.
وقال إبراهيم بن طهمان: "خذوا عنه عبادته وحسبكم" ٧.
стр. 112
قلت: ومن المعلوم عند أهل العلم، أن أهل العبادة هم أهل الغفلة والوضع في الحديث، وذلك لانشغالهم بنوافل العبادات، والإكثار منها، وغفلتهم عن طلب العلم والاشتغال به.
روى مسلم في مقدمة صحيحه ١، من طريق محمد بن يحيى بن سعيد القطان، عن أبيه قال:"لم تر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث".
وقال ابن مهدي: "قلت لميسرة بن عبد ربه من أين جئت بهذه الأحاديث؟ قال: وضعتها أرغِّب الناس فيها" ٢.
وقال الحافظ ابن منده: "إذا رأيت في حديث، حدثنا فلان الزاهد، فاغسل يدك منه" ٣.
زد على هذا أن أبا مقاتل لم يكن له اعتناء بأصوله، ولم يكن محافظا عليها إذ روى ابن عدي حديث كور الزنانير من طريق قتيبة بن سعيد عن أبي مقاتل بسنده.
فقال له قتيبة: يا أبا مقاتل هو موضوع فقال أبو مقاتل: باب هو في كتابي، وتقول هو موضوع، قال قتيبة: قلت نعم وضعوه في كتابك ٤.
ومما يدل على شدة غفلته وحمقه ما أخرجه الترمذي في العلل الصغير قال: "أخبرني موسى بن خزام سمعت صالح بن عبد الله يقول: كنا عند أبي مقاتل السمرقندي فجعل يروي عن عون بن أبي شداد الأحاديث الطوال التي كان يروي في وصية لقمان وقتل سعيد بن جبير وما أشبه هذه
стр. 113
الأحاديث، فقال ابن أخ لأبي مقاتل: يا عم لا تقل حدثنا فإنك لم تسمع هذه الأشياء قال يا بني: "هو كلام حسن" ١.
قلت: إسناد هذه القصة صحيح، وهذا يدل على عدم التورع حال التحديث، فهذه هي حال أبي مقاتل، كما قال أهل العلم. ومن كان بهذه المثابة لا يقبل حديثه ولا روايته، وشذّ الخليلي فقال: "مشهور بالصدق غير مخرج في الصحيح" ٢.
إسناد النسخة الثانية:
وقفت على هذا الإسناد في مناقب أبي حنيفة ٣ للمكي وهي من رواية الموفق المكي، عن أبي حفص عمر بن محمد النسفي، عن أبي علي الحسن بن عبد الملك النسفي، عن الإمام جعفر بن محمد المستغفري النسفي، عن أبي عمر ومحمد النسفي، عن الإمام أبي محمد الحارثي البخاري، عن محمد بن يزيد، عن الحسن بن صالح، عن أبي مقاتل، عن أبي حنيفة.
وإليك التعريف برجال إسناد هذه النسخة:
стр. 114
٢- أبو حفص عمر بن محمد النسفي: هو عمر بن محمد بن إسماعيل النسفي ثم السمرقندي قال عنه السمعاني: "كان إماما فاضلا متقنا صنف في كل من التفسير والحديث ... إلى أن قال: فلما وافيت سمرقند ١ استعرت عدة كتب من تصانفيه. فرأيت فيها أوهاما كثيرة خارجة عن الحد، فعرفت أنه كان ممن أحب الحديث ولم يرزق فهمه".
قال عنه الذهبي: "له أوهام كثيرة" مات سنة ٥٣٧هـ ٢.
٣- أبو علي الحسن بن عبد الملك النسفي: هو الحسن بن عبد الملك النسفي وفي الطبقات السنية الحسن بن عبد الله النسفي أبو علي القاضي، تتلمذ على أبي العباس جعفر بن محمد المستغفري، ولم يذكر من ترجم له تاريخ وفاته ٣.
٤- جعفر بن محمد المستغفري: هو جعفر بن محمد بن المعتز النسفي المستغفري، قال عنه الذهبي: "الحافظ العلامة المحدث أبو العباس ... صاحب التصانيف, ... كان صدوقا في نفسه، لكنه يروي الموضوعات في الأبواب ولا يوهِّيها".
روى عن زاهر بن أحمد السرخسي وإبراهيم بن لقمان، وحدث عنه الحسن بن أحمد السمرقندي وآخرون. مات سنة ٤٣٢هـ ٤.
стр. 115
٥- أبو عمر، ومحمد النسفي: أما أبو عمرو فلم أعرف من هو، وأما محمد النسفي فلعله محمد بن أحمد بن محمود أبو جعفر النسفي القاضي، قال عنه الصفدي: "كان من أعيان الفقهاء، وله تعليقة في الخلاف مشهورة وكان زاهدا ورعا متعففا فقيرا قنوعا".
أخذ عن أبي بكر أحمد بن علي الجصاص الرازي، وعبيد الله البزاز البغدادي، وروى عنه أبو حاجب الاستراباذي، وأبو نصر الشيرازي توفي سنة ٤١٤هـ ١.
٦- أبو محمد الحارثي البخاري: هو عبد الله بن يعقوب الحارثي البخاري الفقيه.
قال ابن الجوزي: " قال أبو سعيد الرواس: "متهم بوضع الحديث".
وقال أحمد السليماني: "كان يضع هذا الإسناد على هذا المتن، وهذا المتن على هذا الإسناد، وهذا ضرب من الوضع".
وقال حمزة السهمي: "سألت أبا زرعة الرازي، فقال: ضعيف".
وقال الخطيب: "كان صاحب عجائب ومناكير وغرائب، وليس بموضع حجة".
مات سنة ٣٤٥هـ وهو الذي جمع مسند الإمام أبي حنيفة ٢.
٧- محمد بن يزيد: لم أقف له على ترجمة.
стр. 116
الحسن بن صالح: لعله الحسن بن صالح بن حي الهمداني الثوري قال عنه ابن حجر: "ثقة فقيه عابد رمي بالتشيع، من السابعة مات سنة ١٩٩هـ وكان مولده سنة ١٠٠هـ" ١.
٩- أبو مقاتل: تقدم التعريف ص١٢٨.
٤- رسالة الإمام أبي حنيفة إلى عثمان البتي ٢.
وهي رسالة صغيرة، قيل إن الإمام أبا حنيفة كتبها إلى قاضي البصرة عثمان البتي ردا على خطابه الذي بعثه إلى الإمام أبي حنيفة، لما بلغه أن الإمام يرى رأي المرجئة؛ فشق عليه ذلك، وكتب إليه خطابا، فأرسل أبو حنيفة هذه الرسالة، ينفي عن نفسه الإرجاء.
من ذكر هذا المؤلف من المصنفين:
١- ابن النديم في الفهرست ص٢٥٦.
٢- علي بن محمد البزدوي في كنز الأصول ١/٨.
٣- علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري في كشف الأسرار ١/٨.
٤- أبو المظفر الإسفراييني في كتاب التبصير في الدين ص١١٤.
٥- البياضي في إشارات المرام ص٢١.
٦- الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٢/١٣، ١٤.
стр. 117
٧- إسماعيل البغدادي في هداية العارفين ٢/٤٩٥.
٨- حاجي خليفة في كشف الظنون ١/٨٤٢.
دراسة إسناد هذا المؤلف:
وقفت على إسناد هذا المؤلف في نسخة خطية محفوظة ضمن المجموعة رقم ٢٣٤ بمكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة، وهي من رواية حسام الدين حسين بن علي بن الحجاج السِّغناقي عن حافظ الدين محمد بن محمد بن نصر البخاري، عن شمس الأئمة محمد بن عبد الستار الكردري، عن برهان الدين المرغياني، عن ضياء الدين بن الحسين بن ناصر الدين النوسوخي، عن علاء الدين أبي بكر محمد بن أحمد السمرقندي، عن أبي المعين النسفي، عن أبي زكريا يحيى بن مطرف البلخي، عن أبي صالح محمد بن الحسين السمرقندي، عن أبي سعيد محمد بن بكر البستي، عن أبي الحسن علي بن أحمد الفارس، عن نصر بن يحيى البلخي، عن محمد بن سماعة التميمي، عن أبي يوسف، عن الإمام أبي حنيفة وإليك التعريف برجال هذا الإسناد:
١- حسام الدين السغناقي ٧١٠هـ: هو الحسين بن علي بن حجاج بن علي حسام الدين السغناقي، نسبة إلى سغناق بكسر السين المهملة وسكون الغين ثم نون بعدها ألف بعدها قاف بلدة في تركستان. تفقه على محمد بن محمد بن نصر البخاري، وممن تفقه عليه جلال الدين الكرلاني. ومن مصنفاته النهاية في شرح الهداية والكافي في شرح أصول البزدوي. وهو مؤلف "التسديد في شرح التمهيد" لأبي العين النسفي ٥٠٨هـ ١.
стр. 118
٢- حافظ الدين محمد البخاري: هو محمد بن محمد بن نصر البخاري أبو الفضل ولد في حدود سنة ٦١٥هـ ببخارى ١، وتفقه على محمد بن عبد الستار الكردي ومحمد بن الحسن الطاهري، وتفقه عليه عبيد الله بن إبراهيم المحبوبي وأبو العلاء البخاري مات في سنة ٦٩٣هـ ٢.
٣- محمد عبد الستار الكردري: هو محمد بن عبد الستار بن محمد المعمادي الكردري، نسبة إلى كردر ٣ ناحية بخوارزم، قال عنه الذهبي كما في النجوم الزاهرة: "كان أستاذ الأئمة على الإطلاق والموفد إليه من الآفاق، برع في علوم، وأقر في فنون، وانتهت إليه رئاسة الحنيفة في زمانه" مات سنة ٦٤٢هـ ٤.
٤- برهان الدين المرغيناني: هو علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني برهان الدين المرغيناني بفتح الميم نسبة إلى مدينة مرغينان ٥،
стр. 119
من بلاد فرغانة ١، قال عنه القرشي: "العلامة المحقق صاحب الهداية، أقر له أهل عصره بالفضل والتقدم". تفقه على عمر بن محمد النسفي وحسام الدين عمر بن عبد العزيز بن مازة وغيرهم، وتفقه عليه محمد بن عبد الستار الكردري ـ. مات سنة ٥٩٣هـ ٢.
٥- ضياء الدين محمد بن الحسين النوسوخي: هو محمد بن الحسين بن ناصر بن عبد العزيز النوسوخي، نسبة إلى بلدة نوسوخ، من بلاد فرغانة الملقب بضياء الدين، تفقه على الإمام علاء الدين أبي بكر محمد بن أحمد السمرقندي، وتفقه عليه علي بن الفرغاني، وقال: أجاز لي بجميع مسموعاته مشافهة بمرو سنة ٥٤٥هـ ٣.
٦- علاء الدين أبوبكر محمد بن أحمد السمرقندي: تقدم التعريف به ص١٢١.
٧- أبو المعين النسفي: تقدم التعريف به ص١٢١.
٨- يحيى بن مطرف البلخي: لم أقف له على ترجمة.
٩- محمد بن بكر البستي: لم أقف له على ترجمة.
١٠- علي بن أحمد الفارس: لم أقف له على ترجمة.
стр. 120
١١- نصر بن يحيى البلخي: تقدم التعريف به ص١١٧.
١٢- محمد بن سماعة التميمي: هو محمد بن سماعة بن عبيد الله بن هلال بن وكيع بن بشر التميمي أبو عبد الله الكوفي، روى عن أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، والليث بن سعد. وروى عنه الحسن بن محمد بن عنبر، ومحمد بن عمران الضبي.
قال عنه ابن حجر: "صدوق من العاشرة" مات سنة ٢٣٣هـ وقيل سنة ٢٣٦هـ ١.
١٣- أبو يوسف: هو يعقوب بن إبراهيم تقدم التعريف به ص٩٣.
٥- وصية أبي حنيفة
رسالة صغيرة اشتملت على بعض مسائل أصول الدين كالإيمان والقدر والقرآن، وأنه كلام الله غير مخلوق إلى غير ذلك.
من ذكر هذا المؤلف من المصنفين:
١- البياضي في إشارات المرام ص٢١.
٢- الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٢/١٣، ١٤.
قال الزبيدي: "وذكر الوصية بتمامها الإمام صارم المصري في نظم الجمان، ومن المتأخرين تقي الدين التميمي في الطبقات السنية، والقاضي أبو الفضل محمد بن الشحنة الحلبي في أوائل شرح الهداية" ٢.
стр. 121
دراسة إسناد هذا المؤلف:
وقفت على إسناد هذا المؤلف في نسخة خطية محفوظة ضمن المجموعة رقم ٢٣٤ بمكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة، وهي من واية حسام الدين حسين بن علي السغناقي عن محمد بن محمد بن نصر البخاري، عن محمد بن عبد الستار الكردري، عن برهان الدين المرغياني، عن محمد بن الحسين النوسوخي، عن علاء الدين أبي محمد بن أحمد السمرقندي، عن الإمام سيف الحق أبي المعين ميمون بن محمد المكحولي النسفي، عن الإمام أبي طاهر محمد بن المهدي الحسيني عن إسحاق بن منصور المسياري، عن أحمد بن علي السليماني، عن حاتم بن عقيل الجوهري، عن أبي عبد الله محمد التميمي، عن أبي يوسف، عن الإمام أبي حنيفة.
وإليك التعريف برجال هذا الإسناد:
١- حسام الدين السغناقي تقدم التعريف به ص١٣٦.
٢- محمد البخاري تقدم التعريف به ص١٣٦.
٣- محمد الكردري تقدم التعريف به ص١٣٦.
٤- برهان الدين المرغياني تقدم التعريف به ص١٣٦.
٥- محمد بن الحسين النوسوخي تقدم التعريف به ص١٣٧.
٦- علاء الدين محمد السمرقندي تقدم التعريف به ص١٢١.
٧- أبو المعين النسفي تقدم التعريف به ص١٢١.
٨- أبو طاهر محمد بن المهدي الحسيني لم أقف له على ترجمة.
٩- إسحاق بن منصور السياري لم أقف له على ترجمة.
١٠- أحمد بن علي السليماني لم أقف له على ترجمة.
١١- حاتم بن عقيل الجوهري لم أقف له على ترجمة.
стр. 122
١٢- محمد بن سماعة التميمي تقدم التعريف به ص١٣٨.
١٣ أبو يوسف تقدم التعريف به ص٩٣.
يتضح لنا من استعراض جملة من الكتب التي تنسب إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى نتيجة نلخصها فيما يأتي:
أن هذه الكتب من ناحية الرواية ووفق منهج المحدثين في النقد لا تثبت للإمام أبي حنيفة، ولم أقف على رواية صحيحة أو نسخ معتمدة حتى نقطع أنها للإمام أبي حنيفة. ولا سيما وقد صرح بعض الحنفية كالزبيدي ١، وأبي الخير الحنفي ٢، بأن هذه الكتب ليست من تأليف الإمام مباشرة بل هي أماليه وأقواله التي قام تلاميذه بجمعها وتأليفها.
ومن المعلوم أن بعض المبتدعة من أتباع أبي حنيفة يزيدون وينقصون؛ نصرة للمذهب، ويحرفون، بل إن بعضهم كان يضع الأحاديث على النبي ﷺ كأسيد بن عمرو أبي المنذر البجلي.
قال ابن حبان عنه: "روى عنه أصحاب أبي حنيفة، كان يسوي الحديث على مذهبهم" ٣.
لذا قال أبو العباس القرطبي: "استجاز بعض فقهاء أصحاب الرأي نسبة الحكم الذي دل عليه القياس إلى رسول الله ﷺ نسبة قولية؛ فيقول في ذلك: قال رسول الله ﷺ : كذا، ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة لأنها تشبه فتاوى الفقهاء، ولأنهم لا يقيمون لها
стр. 123
سندا" ١، وبه قال العلائي ٢.
وكذا إبان بن جعفر النجيرمي قال ابن حبان عنه: "كذاب ووضع على أبي حنيفة أكثر من ثلاثمائة حديث" ٣ وغيرهم ٤.
وقد تقدم ذكر أمثلة لتحريفهم لكلام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، ولا بأس أن أذكر مثالا واحدا، وهو ما ذكره صاحب كتاب قلائد عقود العقيان؛ "ق-٩٧-ب" أن بعض الناس زعم أن الإمام أبا حنيفة يقول: إن الرب ﵎ لا ينظر إليه أهل الجنة، فكتب إليه الإمام أبو حنيفة رسالة يعاتبه على تحريفه قوله، وفيها:
"وأما ما قيل لك بأني أزعم أن الرب ﵎ لا ينظر إليه أهل الجنة؛ سبحان الله العظيم كيف تأتي بما لست من قائليه، والله تعالى يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ "سورة القيامة: الآيتان ٢٢-٢٣".
ولو قلت لا ينظرون لكنت بقول الله من المكذبين، ولكنك حرفت علي قولي".
стр. 124
ولهذا كان المنهج الذي سلكته في هذا البحث:
هو الاعتماد على العقيدة التي قررها الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، والكتب السلفية المسندة وتقديمهما على غيرها من كتب الإمام أبي حنيفة، على أنني أعتمد على كتاب الفقه الأكبر برواية حماد بن أبي حنيفة، والوصية والرسالة إلى البتي، وكلتاهما برواية أبي يوسف، إذ قد استفاضت شهرتها وذاع صيتها وتناقلها العلماء من حنفية وغيرهم، ونقل منها العلماء المحققون ١ في كتبهم، فما نراه في هذه الكتب مخالفا للعقيدة التي قررها الطحاوي، نجزم أنه أدخل فيها مثلما جاء: "أن الله كلم موسى بكلامه الذي هو صفة له في الأزل ٢، وهو يتكلم بلا آلة ولا حرف ٣، وأن القرآن لا هو ولا غيره ٤، وأن الحروف والكلمات والآيات دلالة القرآن ٥، ولفظنا بالقرآن مخلوق ٦، وأن الله يرى بلا جهة ٧، ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة" ٨.
فكل هذا مما أحدثه المتأخرون بعد أبي حنيفة، ولا يعرف هذا في
стр. 125
كلام السلف، فمنها ما يرجع إلى أن كلام الله معنى نفسي، وأن القرآن الذي نقرؤه هو عبارة عن ذلك المعنى النفسي، وهذا المذهب أحدثه ابن كلاب.
ومنها ما يرجع إلى بدعة التلفظ بالقرآن، وأول من أحدث هذه البدعة الكرابيسي في زمن الإمام أحمد بن حنبل. ومنها ما يرجع إلى شروط مخترعة توجب امتناع الرؤية، وهذا مما أحدثه أهل الكلام من الأشاعرة والماتريدية. فكل هذا مما أدخل على كتب أبي حنيفة، وما عدا ذلك فالظاهر أنه من كلام الإمام أو من تخريج أصحابه على كلامه. أما رواية أبي مطيع للفقه الأكبر وكتاب العالم والمتعلم لأبي مقاتل السمرقندي، فهما من الكذابين والوضاعين، جزم غير واحد من أهل النقد بذلك؛ فلذا لا أنقل منهما إلا حيث أجد شاهدا لكلامهما في سائر كتب أبي حنيفة أو بيان عقيدة أهل السنة والجماعة للطحاوي.
стр. 126
الفصل الثاني: منهجه في تقرير أصول الدين
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: مصادر العقيدة عند الإمام أبي حنيفة
المبحث الثاني: موقفه من علم الكلام المبتدع
المبحث الثالث: موقفه من الفرق كالجهمية والمعتزلة والخوارج
стр. 127
المبحث الأول: مصادر العقيدة عند الإمام أبي حنيفة
إن مسائل أصول الدين قد بينها الله ورسوله بيانا شافيا قاطعا للعذر؛ إذ أن أمور الاعتقاد من أعظم ما بلّغه الرسول ﷺ البلاغ المبين وبينه للناس، بل هو أعظم ما أقام الله به الحجة على عباده بالرسل الذين بينوه وبلغوه ١.
وعلى هذا جرى الصحابة على اتباع كلام الله المنزل، والاقتداء بهدي الرسول ﷺ والاقتداء بأقواله وأفعاله.
فلم يكن عند أحد منهم ما يستدل به على مسائل العقيدة سوى كتاب الله ثم بحديث رسول الله ﷺ . قال المقريزي: "لم يكن عند أحد منهم ما يستدل به على وحدانية الله تعالى وعلى إثبات نبوة محمد ﷺ سوى كتاب الله ... " ٢.
فمنه استمدوا معلوماتهم عن الله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره إلى غير ذلك من القضايا التي تشكل أصول الإيمان وأركانه، وكلها جميعا في القرآن والسنة. وعلى هذا المنهج جرى
стр. 128
التابعون وتابعوهم، ومنهم الإمام أبو حنيفة. فالكتاب والسنة الصحيحة هما المصدران الأساسيان في قضايا الدين عامة والاعتقاد خاصة.
روى ابن عبد البر في الانتقاء عن أبي حنيفة قال: "سمعت أبا حنيفة يقول: "آخذ بكتاب الله فما لم أجد فبسنة رسول الله ﷺ فما لم أجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله أخذت بقول أصحابه" ١.
وفي رواية أخرى قال: قال أبو حنيفة: "إذا لم يكن في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ ، نظرت في أقاويل أصحابه، ولا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم، فإذا انتهى الأمر أو جاء الأمر إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن جبير وعدّد رجالا؛ فهم قوم اجتهدوا فأجتهد كما اجتهدوا" ٢.
فالحاصل أن ترتيب الأدلة عند الإمام على الترتيب الآتي:
الكتاب ثم السنة الصحيحة، ثم الأخذ بما ورد عن الصحابة في بيان قضايا الدين عامة وفي قضايا العقيدة خاصة، ولا يخرج عن أقوالهم إلى قول غيرهم؛ وذلك لسلامتهم من الأهواء والبدع، ولصفاء سرائرهم ونياتهم مع ما فضلوا به من مشاهدة التنزيل ومعاصرة الوحي.
هذا وقد أشيع عن الإمام أنه يخالف حديث رسول الله ﷺ ؛ فيقدم الرأي والقياس على السنة والآثار والمعقول على المنقول.
فنفى الإمام عن نفسه هذه التهمة حيث قال: "كذب والله وافترى علينا من يقول إننا نقدم القياس على النص، وهل يحتاج بعد النص إلى قياس" ٣.
стр. 129
وقال: "ليس لأحد أن يقول برأيه مع كتاب الله تعالى، ولا مع سنة رسول الله ﷺ ولا مع ما أجمع عليه الصحابة" ١.
وقال لمحمد بن علي بن الحسين ﵃ مجيبا عن هذه التهمة: معاذ الله أن أفعل ذلك. فقال له محمد: بل حولت دين جدي وأحاديثه بالقياس فقام أبو حنيفة بين يديه، ثم قال لأبي جعفر: "اجلس مكانك كما يحق لك حتى أجلس كما يحق لي، فإن لك عندي حرمة كحرمة جدك ﷺ في حياته على أصحابه، فجلس أبو جعفر، ثم جثا أبو حنيفة بين يديه ثم قال لأبي جعفر: إني أسألك ثلاث كلمات فأجبني.
فقال له أبو حنيفة: الرجل أضعف أم المرأة؟
قال: بل المرأة.
فقال أبو حنيفة: كم سهماً الرجل وكم سهماً المرأة؟
فقال أبو جعفر: للرجل سهمان وللمرأة سهم.
فقال أبو حنفية: هذا قول جدك، ولو حولت دين جدك لكان ينبغي في القياس أن يكون للرجل سهم وللمرأة سهمان، لأن المرأة أضعف من الرجل.
ثم قال: الصلاة أفضل أم الصوم؟
فقال: الصلاة أفضل.
قال: هذا قول جدك، ولو حولت دين جدك فالقياس أن المرأة إذا طهرت من الحيض أمرتها أن تقضي الصلاة ولا تقضي الصوم.
стр. 130
ثم قال: البول أنجس أم النطفة؟
قال أبو جعفر: البول أنجس.
قال: فلو كنت حولت دين جدك بالقياس، لكنت أمرت أن يغتسل من البول ويتوضأ من النطفة؛ لأن البول أقذر من النطفة.
ولكن معاذ الله أن أحول دين جدك بالقياس فقام أبو جعفر فعانقه" ١.
بل إنه يقدم على القياس الحديث المرسل والضعيف عن رسول الله ﷺ ، ولا يرى جواز القياس مع وجود أحدهما. ذكر ابن حزم في الأحكام أن أبا حنيفة قال: "الخبر المرسل والضعيف عن رسول الله ﷺ أولى من القياس، ولا يحل القياس مع وجوده" ٢.
بل ذم القياس مع وجود النص أو القياس على غير الأصل من كتاب أو سنة صحيحة. روى الصيمري عن وكيع ٣ أنه قال: سمعت أبا حنيفة يقول: "البول في المسجد أحسن من بعض القياس"٤.
ولقد نفى عنه بعض الأئمة هذه التهمة، منهم المعاصرون ومنهم المتأخرون وأولئك كثير نكتفي بذكر بعض الأقوال.
стр. 131
فمن المعاصرين له سفيان الثوري حيث قال: "كان أبو حنيفة شديد الأخذ للعلم، ذابا عن حرم الله أن تستحل، يأخذ بما صح عنده من الأحاديث التي كان يحملها الثقات وبالآخر من فعل رسول الله ﷺ وبما أدرك عليه علماء الكوفة، ثم شنّع عليه قوم يغفر الله لنا ولهم" ١.
ويقول زفر بن الهذيل تلميذ أبي حنيفة: "لا تلتفتوا إلى كلام المخالفين؛ فإن أبا حنيفة وأصحابنا لم يقولوا في مسألة إلا من الكتاب والسنة والأقاويل الصحيحة، ثم قاسوا بعد عليها" ٢.
ويقول الحسن بن صالح ٣: "كان أبو حنيفة شديد الفحص عن الناسخ من الحديث والمنسوخ؛ فيعمل بالحديث إذا ثبت عنده عن النبي ﷺ " ٤.
ومن المتأخرين عنه ابن تيمية حيث قال: "من ظن بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمّدون مخالفة الحديث الصحيح لقياس أو غيره، فقد أخطأ عليهم، وتكلّم إما بظن وإما بهوى، فهذا أبو حنيفة يعمل بحديث التوضؤ بالنبيذ في السفر مخالفة للقياس، وبحديث القهقهة في الصلاة مع مخالفته للقياس لاعتقاده صحتهما، وإن كان أئمة الحديث لم يصححوهما" ٥.
стр. 132
وابن القيم حيث قال: "وأصحاب أبي حنيفة ﵀ مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة؛ أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي. وعلى ذلك بنى مذهبه، ثم ذكر أمثلة على ذلك، منها:
أنه منع قطع يد السارق بسرقة أقل من عشرة دراهم، والحديث فيه ضعف، وجعل الحيض عشرة أيام والحديث فيه ضعف، وشرط في إقامة الجمعة المصر، والحديث فيه ضعف، وترك القياس المحض في مسائل الآبار لآثار فيه غير مرفوعة..فيقدم الحديث الضعيف وآثار الصحابة على القياس والرأي. قوله وقول الإمام أحمد وليس المراد بالحديث الضعيف في اصطلاح السلف هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين، يل ما يسميه المتأخرون حسنا قد يسميه المتقدمون ضعيفا" ١.
ونختم رد هذه التهمة بقول ابن أبي العز: "والواجب أن يقال لمن قال: إن أبا حنيفة خالف سيد المرسلين: هذا القول كذب وبهتان، وسب لهذا الإمام الجليل يستحق قائله الردع والزجر عن هذه المقالة الباطلة، إن أراد أنه خالفه عن قصد، وإن أراد به أنه خالف عن تأويل أو ذم القول، ولم يذكر قائله، فهو هين كما يوجد في كلام المختلفين في مسائل الاجتهاد ... ".
إلى أن قال: "مخالفة النص إذا كانت عن قصد فهي كفر، وإن كانت عن اجتهاد فهي من الخطأ المغفور؛ فلا يجوز أن يقال عن أبي حنيفة ولا عمن دونه من أهل العلم فيما يوجد من أقواله مخالفا للنص أنه خالف الرسول ﷺ قصدا بل إما أن يقال: النص لم يبلغه ٢، أو لم يظهر له
стр. 133
على ذلك الحكم، أو عارضه عنده دليل آخر أو غير ذلك من الأعذار" ١، وكان ﵀ متثبتا في علمه؛ فإذا صح الخبر عن رسول الله ﷺ لم يعْدُه إلى غيره.
روى ابن عبد البر بإسناده عن أبي حمزة السكري ٢ أنه قال: سمعت أبا حنيفة يقول: "إذا جاء الحديث الصحيح الإسناد عن النبي ﷺ أخذنا به، ولم نعده" ٣.
فدل هذا النص على أن الإمام إذا جاءه الحديث الصحيح الإسناد عن رسول الله ﷺ آمن به وصدق وأخذ به بدون تفرقة بين الخبر المتواتر وخبر الآحاد؛ فيثبت العقائد بهما من غير تفريق، فكيف لا وهو القائل: "إذا صح الحديث فهو مذهبي" ٤.
стр. 134
مغربها، ونزول عيسى ﵇ من السماء، وسائر علامات يوم القيامة هي على ما وردت به الأخبار ١ الصحيحة حق كائن" ٢.
وسئل الإمام أبو حنيفة هل تشهد لأحد من أهل الجنة سوى الأنبياء؟ فقال: "كل من شهد له النبي ﷺ أنه في الجنة بخبر صحيح" ٣.
وهذا هو ما قرره الطحاوي في العقيدة التي كتبها في بيان عقيدة الإمام وصاحبيه حيث يقول: "وجميع ما صح عن رسول الله ﷺ من الشرع والبيان حق. وقال في موضع آخر: وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول فهو كما قال ... وقال ... نؤمن بما جاء من كرامتهم وصح عن الثقات من رواتهم" ٤.
وهذا هو ما كان عليه الصاحبان أبو يوسف ومحمد بن الحسن دل على هذا قول أبي يوسف: "وقد أمرك الله أن تؤمن بكل ما أتى به نبيه ﷺ فقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ "سورة الأعراف: الآية١٥٨".
فقد أمرك الله بأن تكون تابعا سامعا مطيعا" ٥.
стр. 135
فهذا النص صريح في الإيمان بكل ما ورد عن النبي ﷺ بدون قيد التواتر ١، وقال محمد بن الحسن: "هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها" ٢، فدل هذا النص على إثبات الصفات بالأحاديث الصحيحة، دون فرق بين أن تكون متواترة أو مشهورة ٣، أو أخبار آحاد٤، بعد أن كانت مروية عن الثقات.
ثم ذكر إجماع الفقهاء على ذلك حيث قال: "اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على أن الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب ، من غير تغيير ولا وصف ولا تشبيه ... " ٥.
هذا هو ما كان عليه السلف ٦ الصالح، وهو الحق لا ريب فيه؛
стр. 136
إذ التفرقة بين المتواتر والآحاد بدعة ١ دخيلة على الإسلام. وكذلك من مصادر التلقي عند الإمام أبي حنيفة الفطرة؛ فقد استدل أبو حنيفة بالفطرة على علو الله تعالى فقال: "إن الله تعالى يدعى من أعلى لا من أسفل لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء" ٢.
стр. 137
فالفطرة والشرع هما ما سلكه السلف في الاستدلال على العقائد قال العلامة المعلمي: "ومن تدبر القرآن وتصفح السنة والتاريخ؛ علم يقينا أنه لم يكن بين يدي السلف مأخذ يأخذون منه عقائدهم غير المأخذين ١ السلفيين، وأنهم كانوا بغاية الثقة بهما والرغبة عما عداهما، وإلى ذلك دعاهم الشرع حتى لا تكاد تخلو آية من آيات القرآن من الحض على ذلك.
وهذا يقضي قضاء باتا بأن عقائدهم هي العقائد التي يثمرها المأخذان السلفيان، يقطعون بما يفيد أن فيه عندهم القطع، ويظنون ما لا يفيد أن فيه إلا الظن، ويقفون عما عدا ذلك، وهذا هو الذي تبيّنه الأخبار المنقولة عنهم كما تراها في التفاسير السلفية وكتب السنة، وهو الذي نقله أصاغر الصحابة عن أكابرهم، ثم نقله صغار التابعين عن كبارهم، وهكذا نقله عن التابعين أعلم أتباعهم بهم، وأتبعهم لهم، وهلمّ جراًّ.
وهذا هو قول السلفيين في عقيدة السلف ويوافقهم عليه أكابر النُّظار ... " ٢.
هذا آخر الكلام عن مصادر العقيدة عند الإمام أبي حنيفة. أما موقفه من علم الكلام فسأتناوله في المبحث التالي إن شاء الله تعالى.
стр. 138
المبحث الثاني: موقفه من علم الكلام
عاش الإمام في بيئة يغلب عليها الجدل؛ حيث كانت الكوفة يومذاك موطنا للفرق والنحل المختلفة، لذلك اشتغل الإمام في بداية طلبه للعلم بعلم الكلام، وكان به يجادل، وعنه يناضل، ولم يكن قد طلب الفقه بعد.
قال أبو بكر بن عياش١: "أدركناه وهو صاحب خصومات، لم يكن يتفقه" ٢.
وقال شريك ٣: "أدركنا أبا حنيفة وهو صاحب
стр. 139
خصومات" ١.
وقال الحسن بن صالح ٢: "أدركناه وهو يخاصم" ٣.
فكان يخاصم أهل الأهواء بالجدل، ورحل في سبيل ذلك إلى البصرة عشرين مرة ونيفا لمناقشة أصحاب الخصومات، وكان يأمر ابنه حمادا بطلب الكلام ويلح عليه في ذلك، قال حماد: "كان أبو حنيفة يأمرني بطلب الكلام يحدوني كثيرا عليه ويقول: يا بني تعلم الكلام فإنه الفقه الأكبر" ٤.
فعلم الكلام هو الفقه الأكبر في نظر الإمام بل هو أجل العلوم وأعلاها عنده، قال الإمام أبو حنيفة: "أصحاب الأهواء في البصرة كثير، فدخلتها عشرين مرة ونيفا، وربما أقمت بها سنة أو أكثر أو أقل ظنا أن علم الكلام أجل العلوم" ٥.
واستمر في مجادلة أهل الأهواء حتى صار رأسا في ذلك يشار إليه بالبنان، ثم ترك الكلام والجدل، وأقبل على الفقه والسنة.
قال قبيصة بن عقبة ٦: "كان الإمام أبو حنيفة ﵀ في أول أمره
стр. 140
يجادل أهل الأهواء حتى صار رأسا في ذلك منظورا إليه، ثم ترك الجدل ورجع إلى الفقه والسنة وصار إماما" ١.
وأما تحوله إلى الفقه والسنة فيحدثنا الإمام عن أسباب ذلك فيقول: "وكنت أعد الكلام أفضل العلوم، وكنت أقول هذا الكلام في أصل الدين، فراجعت نفسي بعد ما مضى لي فيه عمر، وتدبرت فقلت: إن المتقدمين من أصحاب النبي ﷺ والتابعين وأتباعهم لم يكونوا يفوتهم شيء مما ندركه نحن، وكانوا عليه أقدر، وبه أعرف، وأعلم بحقائق الأمور، ثم لم ينتصبوا فيه منازعين ولا مجادلين، ولم يخوضوا فيه بل أمسكوا عن ذلك، ونهوا عنه أشد النهي، ورأيت خوضهم في الشرائع وأبواب الفقه وكلامهم فيه" إلى أن قال: "فلما ظهر لنا في أمورهم هذا الذي وصفناه؛ تركنا المنازعة والمجادلة والخوض في الكلام، ورجعنا إلى ما كان عليه السلف" ٢.
وفي رواية أخرى قال: "فلما مضى مدة من عمري تفكرت وقلت: السلف أعلم بالحقائق ولم ينتصبوا مجادلين، بل أمسكوا عنه وخاضوا في علم الشريعة، ورغبوا فيه وعلموا وتعلموا وتناظروا عليه، فتركت الكلام واشتغلت بالفقه، ورأيت المشتغلين بالكلام وليس سيماهم سيَم الصالحين قاسيةٌ قلوبهم غليظة أفئدتهم، لا يبالون بمخالفة الكتاب والسنة والسلف الصالح، ولو كان خيرا لاشتغل به السلف الصالحون ... " ٣.
هذا هو حال المتكملين فبتعلقهم بالكلام واشتغالهم به ابتعدوا عن
стр. 141
كتاب الله ١ وسنة رسول الله ﷺ ٢؛ فأورثهم ذلك الشك والحيرة والاضطراب ٣.
стр. 142
وهناك سبب قد يكون رئيسا في تحوله من علم الكلام إلى الفقه، وهو ما رواه الخطيب البغدادي عن زفر بن الهذيل قال: سمعت أبا حنيفة يقول:
"كنت أنظر في الكلام حتى بلغت مبلغا يشار إلي فيه بالأصابع، وكنا نجلس بالقرب من حلقة حماد بن أبي سليمان، فجائتني امرأة فقالت: رجل له امرأة أَمة أراد أن يطلقها للسنة كم يطلقها؟ فلم أدر ما أقول فأمرتها أن تسأل حمادا فترجع فتخبرني، فسألت حمادا فقال: يطلقها وهي طاهر من الحيض والجماع تطليقة ثم يتركها حتى تحيض حيضتين فإذا اغتسلت فقد حلت للأزواج، فرجعت فأخبرتني فقلت: لا حاجة لي في الكلام، وأخذت نعلي فجلست إلى حماد ... " ١.
стр. 143
فبعد أن كان الإمام أبو حنيفة في الكلام رأسا فيه، وصاحب حلقة مشهودة في المسجد بقرب حلقة حماد بن أبي سليمان تحول إلى تلميذ من تلامذة حماد بن أبي سليمان يطلب الفقه والسنة. ومن مادح لعلم الكلام، وحاثّ على تعليمه وتعلمه، إلى ذام وقادح فيه وناه عن تعليمه وتعلمه، وبعد أن كان يأمر ابنه حمادا بتعلم علم الكلام، ويلح عليه في سبيل تحصيله أصبح ينهاه ويأمره بترك الاشتغال بالكلام والجدل.
يحدثنا حماد عن ذلك فيقول: "دخل عليّ أبي ﵀ يوما وعندي جماعة من أصحاب الكلام ونحن نتناظر في باب ... قد علت أصواتنا فلما سمعت حسه في الدار خرجت إليه فقال لي: يا حماد من عندك؟ قلت: فلان وفلان وفلان سميت من كان عندي قال: وفيم أنتم؟ قلت: في باب كذا وكذا، فقال لي: يا حماد دع الكلام ـ قال: ولم أعهد أبي صاحب تخليط، ولا ممن يأمر بالشيء ثم ينهى عنه ـ فقلت له: يا أبت ألست كنت تأمرني به؟ قال: بلى يا بني وأنا اليوم أنهاك عنه. قلت: ولم ذاك؟ فقال: يا بني إن هؤلاء المختلفين في أبواب الكلام ممن ترى كانوا على قول واحد ودين واحد حتى نزغ الشيطان بينهم، فألقى بينهم العداوة والاختلاف فتباينوا ... " ١.
وبعد ما كان يرى الكلام هو الفقه الأكبر، وهو من أجل العلوم، أصبح يرى مسائل الكلام ما هي إلا مقالات الفلاسفة، وهي من الأمور المحدثة التي لم يتكلم فيها السلف، وكل أمر محدث في الدين بدعة.
سئل الإمام أبو حنيفة عما أحدثه الناس من الكلام في الأعراض ٢
стр. 144
والأجسام؟ فقال: "مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة فإنها بدعة"١.
فكان ﵀ يأمر من سأله عن الكلام بأن يتبع الأثر وطريقة السلف، وينهاه عن الأمور المحدثة، فمما سبق يتبين أن الإمام أبا حنيفة باشر علم الكلام وتضلع فيه، ثم نهى عنه وذمه، وكذلك ذمه إمام دار الهجرة مالك بن أنس، فقد قال: "من طلب الدين بالكلام تزندق" ٢.
وقال: "الكلام في الدين أكرهه" ٣.
وهذا يدل على أن علم الكلام كان موجودا وكان الناس يتعاطونه، أما قول الذهبي: "إن علم الكلام لم يكن له وجود" ٤.
فيظهر أنه لم يرد نفي وجود علم الكلام مطلقا بل أراد أن علم الكلام لم يكن موجودا علما مدونا له كتبه ومصنفاته، أما وجوده علما يتعاطى بالألسن والسماع والمناظرة فهذا لا شك في وجوده.
стр. 145
وأختم هذا المبحث بوصية الإمام لأصحابه يحثهم فيها على تعلم الفقه، وينهاهم عن الكلام والخصومات في الدين.
قال محمد بن الحسن: "كان أبو حنيفة يحثنا على الفقه وينهانا عن الكلام" ١.
وقال لأبي يوسف: "إياك أن تكلم العامة في أصول الدين من الكلام، فإنهم قوم يقلدونك فيشتغلون بذلك" ٢.
وقد وفّى أصحابه بهذه الوصية فهذا أبو يوسف ينهى عن الخصومة والجدال في الدين والمراء فيه؛ حيث يقول آمرا أصحابه: "ذروا الخصومة في الدين، والمراء فيه والجدال؛ فإن الدين واضح بيّن، قد فرض الله فرائضه، وشرع سننه، وحدّ حدوده، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ "ٍسورة المائدة: الآية٣".
فأحلوا حلال القرآن وحرموا حرامه، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال فيه، فلو كانت الخصومة في الدين تقوى عند الله لسبق إليه رسول الله ﷺ وأصحابه بعده فهل اختصموا في الدين أو تنازعوا فيه؟
وقد اختصموا في الفقه وتكلموا فيه، واختلفوا ٣ في الفرائض