← Акыда

Акыда · id 7509

أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة

محمد بن عبد الرحمن الخميس

Полный текст (640 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

كتاب الله ١ وسنة رسول الله ﷺ ٢؛ فأورثهم ذلك الشك والحيرة والاضطراب ٣.

стр. 142

وهناك سبب قد يكون رئيسا في تحوله من علم الكلام إلى الفقه، وهو ما رواه الخطيب البغدادي عن زفر بن الهذيل قال: سمعت أبا حنيفة يقول: "كنت أنظر في الكلام حتى بلغت مبلغا يشار إلي فيه بالأصابع، وكنا نجلس بالقرب من حلقة حماد بن أبي سليمان، فجائتني امرأة فقالت: رجل له امرأة أَمة أراد أن يطلقها للسنة كم يطلقها؟ فلم أدر ما أقول فأمرتها أن تسأل حمادا فترجع فتخبرني، فسألت حمادا فقال: يطلقها وهي طاهر من الحيض والجماع تطليقة ثم يتركها حتى تحيض حيضتين فإذا اغتسلت فقد حلت للأزواج، فرجعت فأخبرتني فقلت: لا حاجة لي في الكلام، وأخذت نعلي فجلست إلى حماد ... " ١.

стр. 143

فبعد أن كان الإمام أبو حنيفة في الكلام رأسا فيه، وصاحب حلقة مشهودة في المسجد بقرب حلقة حماد بن أبي سليمان تحول إلى تلميذ من تلامذة حماد بن أبي سليمان يطلب الفقه والسنة. ومن مادح لعلم الكلام، وحاثّ على تعليمه وتعلمه، إلى ذام وقادح فيه وناه عن تعليمه وتعلمه، وبعد أن كان يأمر ابنه حمادا بتعلم علم الكلام، ويلح عليه في سبيل تحصيله أصبح ينهاه ويأمره بترك الاشتغال بالكلام والجدل. يحدثنا حماد عن ذلك فيقول: "دخل عليّ أبي ﵀ يوما وعندي جماعة من أصحاب الكلام ونحن نتناظر في باب ... قد علت أصواتنا فلما سمعت حسه في الدار خرجت إليه فقال لي: يا حماد من عندك؟ قلت: فلان وفلان وفلان سميت من كان عندي قال: وفيم أنتم؟ قلت: في باب كذا وكذا، فقال لي: يا حماد دع الكلام ـ قال: ولم أعهد أبي صاحب تخليط، ولا ممن يأمر بالشيء ثم ينهى عنه ـ فقلت له: يا أبت ألست كنت تأمرني به؟ قال: بلى يا بني وأنا اليوم أنهاك عنه. قلت: ولم ذاك؟ فقال: يا بني إن هؤلاء المختلفين في أبواب الكلام ممن ترى كانوا على قول واحد ودين واحد حتى نزغ الشيطان بينهم، فألقى بينهم العداوة والاختلاف فتباينوا ... " ١. وبعد ما كان يرى الكلام هو الفقه الأكبر، وهو من أجل العلوم، أصبح يرى مسائل الكلام ما هي إلا مقالات الفلاسفة، وهي من الأمور المحدثة التي لم يتكلم فيها السلف، وكل أمر محدث في الدين بدعة. سئل الإمام أبو حنيفة عما أحدثه الناس من الكلام في الأعراض ٢

стр. 144

والأجسام؟ فقال: "مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة فإنها بدعة"١. فكان ﵀ يأمر من سأله عن الكلام بأن يتبع الأثر وطريقة السلف، وينهاه عن الأمور المحدثة، فمما سبق يتبين أن الإمام أبا حنيفة باشر علم الكلام وتضلع فيه، ثم نهى عنه وذمه، وكذلك ذمه إمام دار الهجرة مالك بن أنس، فقد قال: "من طلب الدين بالكلام تزندق" ٢. وقال: "الكلام في الدين أكرهه" ٣. وهذا يدل على أن علم الكلام كان موجودا وكان الناس يتعاطونه، أما قول الذهبي: "إن علم الكلام لم يكن له وجود" ٤. فيظهر أنه لم يرد نفي وجود علم الكلام مطلقا بل أراد أن علم الكلام لم يكن موجودا علما مدونا له كتبه ومصنفاته، أما وجوده علما يتعاطى بالألسن والسماع والمناظرة فهذا لا شك في وجوده.

стр. 145

وأختم هذا المبحث بوصية الإمام لأصحابه يحثهم فيها على تعلم الفقه، وينهاهم عن الكلام والخصومات في الدين. قال محمد بن الحسن: "كان أبو حنيفة يحثنا على الفقه وينهانا عن الكلام" ١. وقال لأبي يوسف: "إياك أن تكلم العامة في أصول الدين من الكلام، فإنهم قوم يقلدونك فيشتغلون بذلك" ٢. وقد وفّى أصحابه بهذه الوصية فهذا أبو يوسف ينهى عن الخصومة والجدال في الدين والمراء فيه؛ حيث يقول آمرا أصحابه: "ذروا الخصومة في الدين، والمراء فيه والجدال؛ فإن الدين واضح بيّن، قد فرض الله فرائضه، وشرع سننه، وحدّ حدوده، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ "ٍسورة المائدة: الآية٣". فأحلوا حلال القرآن وحرموا حرامه، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال فيه، فلو كانت الخصومة في الدين تقوى عند الله لسبق إليه رسول الله ﷺ وأصحابه بعده فهل اختصموا في الدين أو تنازعوا فيه؟ وقد اختصموا في الفقه وتكلموا فيه، واختلفوا ٣ في الفرائض

стр. 146

والصلاة والحج والطلاق والحلال والحرام ولم يختصموا في الدين، ولم يتنازعوا فيه فاقتصروا على تقوى الله والزموا ما جرت به السنة، وكفيتم فيه المؤنة، ودعوا ما أحدث المحدثون من التنازع في الدين والجدال فيه والمراء؛ فإن لزوم السنة عصمة بإذن الله تعالى لمن لزمها، والذي سنّها كان أعلم بما في خلافها من الأخطاء والزلل. وقد أنزل الله في كتابه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ "سورة الأنعام: الآية٦٨". ولو شاء أنزل في ذلك جدلا وحجاجا، ولكنه أبى ذلك ونهاهم؛ فقال تعالى: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ "سورة النساء: الآية١٤٠". وقال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ "سورة آل عمران: الآية٢٠". ولم يقل: وحاجهم ١. وقال أبو يوسف: "العلم بالكلام يدعو إلى الزندقة" ٢. وقال: "لا تطلبن ثلاثا بثلاث: لا تطلبن الدين بالخصومات فإنه لم يمعن فيه أحد إلا قيل زنديق، ولا تطلب المال بالكيمياء فإنه لم يمعن فيه أحد إلا أفلس، ولا تطلب الحديث بكثرة الرواية حتى تأتي بما لا يعرف فيقال كذاب" ٣. وفي رواية أخرى قال: "من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب

стр. 147

غريب الحديث كُذّب ومن طلب المال بالكيمياء أفلس" ١. وقال كذلك: "المعرفة في الكلام هو الجهل" ٢ هذا آخر الحديث عن موقف الإمام أبي حنيفة من علم الكلام المبتدع، أما موقفه من الفرق الكلامية فسأتناوله في المبحث التالي إن شاء الله.

стр. 148

المبحث الثالث: موقفه من الفرق الكلامية أمر الله بالاجتماع والائتلاف، ونهى عن التفرق والاختلاف في الدين. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ "سورة آل عمران: الآيتان ١٠٢-١٠٣". وأمر نبيه محمدا ﷺ أن يتبرأ ممن فرقوا دينهم وشتتوه، وتفرقوا فيه من اليهود والنصارى، وممن هم على شاكلتهم، واقتدى بهم من أهل الفرقة والأهواء والبدع، فهم ليسوا منك ولست منهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ "سورة الأنعام:١٥٩". وبحمد الله لم يحصل نزاع بين الصحابة يستوجب تضليل أو تفسيق بعضهم ببعض، بل كانوا على عقيدة واحدة. قال طاش كبرى زاده ١: "إن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا في زمن النبي ﷺ على عقيدةٍ

стр. 149

واحدة لأنهم أدركوا زمان الوحي وشرف الصحبة" ١. وربما يحصل بينهم الاختلاف في بعض مسائل الأحكام خلافا لا يوجب الفرقة والتفسيق أو التكفير، بل هو اجتهاد منهم في فهم النص، فالمصيب منهم له أجران والمخطئ له أجر واحد. قال ابن القيم: "وقد تنازع الصحابة ﵃ في كثير من مسائل الأحكام، وهم سادات المؤمنين وأكمل الأمة إيمانا ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال"٢. وهذا هو حال من هم من غير الصحابة من المسلمين؛ فكانوا متفقين في خلافة أبي بكر وعمر وصدر من خلافة عثمان لا تنازع بينهم إلى أن قام أهل الفتنة ٣ والضلال والبغي بقتل عثمان ﵁، فتفرق المسلمون بعد ذلك. وأول فرقة فارقت جماعة المسلمين وخرجت على أمير المؤمنين علي ﵁، هي الخوارج فتبرأت من إمام المسلمين، وكفرته ومن معه من المسلمين، ومعاوية ومن معه، فعند ذلك ظهرت الشيعة تؤيد عليا وتنصره. ثم توالى بعد ذلك ظهور البدع، فحدثت في آخر عصر الصحابة بدعتا القدرية والمرجئة، ثم في أواخر الدولة الأموية ظهرت الجهمية ثم المعتزلة. ويتطلب الحديث عن عقيدة الإمام أبي حنيفة إلمامة موجزة بالفرق والنحل التي في عصره لنعرف مدى تأثره بها أو مخالفته لها. ١- الخوارج عرفنا أن الخوارج هم فئة خرجت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ فكفروا المسلمين بفعل كبائر الذنوب، واستحلوا

стр. 150

دماءهم وأموالهم؛ فلا يرثون ولا يوَرَّثون ولا يدفنون في مقابر المسلمين وفي الآخرة سيخلدون في النار. ولا ريب أنهم أخطئوا في تكفير المسلمين بالذنوب؛ حيث إن الناس عندهم قسمان: مؤمن لا ذنب له، وكافر لا حسنة له، بينما قسّم الله تعالى الأمة التي أورثها الكتاب وصنفها ثلاثة أصناف: ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات١. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ "سورة فاطر: الآية٣٢". وأما موقف الإمام من بدعة الخوارج في تكفير المسلمين بارتكاب الذنوب، فقد قال في الرد على تلك البدعة: "ولا نكفر مسلما بذنب من الذنوب، وإن كانت كبيرة إذا لم يستحلها ولا نزيل عنه الإيمان"٢. وقال كذلك: "ولا نقول إنه يخلد فيها وإن كان فاسقا بعد أن يخرج من الدنيا مؤمنا" ٣. وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: "ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله" ٤.

стр. 151

وقال: "وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون"١. هذا هو موقف الإمام من بدعة الخوارج، ومع هذا كان يناظر رؤساء الخوارج على اختلاف طبقاتهم. قال الإمام أبو حنيفة: "وكنت قد نازعت طبقات الخوارج من الإباضية ٢ والصفرية٣ وغيرهم" ٤.

стр. 152

ومن تلك المناظرات ما ذكره الموفق المكي في كتابه مناقب الإمام أبي حنيفة حيث قال: "إن الخوارج لما ظهروا على الكوفة أخذوا أبا حنيفة فقالوا: تب يا شيخ من الكفر، فقال أنا تائب إلى الله من كل كفر فخلوا عنه، فلما ولّى قيل لهم: إنه تاب من الكفر، وإنما يعني به ما أنتم عليه فاسترجعوه. فقال رأسهم: يا شيخ إنما تبت من الكفر، وتعني به ما نحن عليه؟ فقال أبو حنيفة: أبظن تقول هذا أم بعلم؟ فقال: بل بظن. فقال أبو حنيفة: إن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ "سورة الحجرات: الآية١٢". وهذه خطيئة منك، وكل خطيئة عندك كفر، فتب أنت أولا من الكفر. فقال: صدقت يا شيخ أنا تائب من الكفر" ١. ولما بلغ الخوارج أن أبا حنيفة لا يكفر أحدا من أهل القبلة بذنب؛ أوفدوا من يناظره فقالوا له: "هاتان جنازتان على باب المسجد أما إحداهما فلرجل شرب الخمر حتى كظَّته ٢ وحشرج ٣ بها فمات غرقا في الخمر، والأخرى امرأة زنت حتى إذا أيقنت بالحمل قتلت نفسها فقال لهم أبو حنيفة: من أي الملل كانا؟ أمن اليهود؟ قالوا: لا، أفمن النصارى؟ قالوا: لا، قال: أفمن

стр. 153

المجوس؟ قالوا: لا: قال: من أي الملل كانا؟ قالوا: من الملة التي تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قال: فأخبروني عن الشهادة كم هي من الإيمان؟ ثلث أم ربع أم خمس؟ قالوا: إن الإيمان لا يكون ثلثا ولا ربعا ولا خمسا، قال: فكم هي من الإيمان؟ قالوا: الإيمان كله قال: فما سؤالكم إياي عن قوم زعمتم وأقررتم أنهما كانا مؤمنين. قالوا: دعنا عنك، أمن أهل الجنة هما أم من أهل النار؟ قال: أما إذا أبيتم، فإني أقول فيهما ما قال نبي الله إبراهيم في قوم كانوا أعظم جرما منهم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ "سورة إبراهيم: الآية٣٦". وأقول فيهما ما قال نبي الله عيسى في قوم كانوا أعظم جرما منهما: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ "سورة المائدة: الآية١١٨". وأقول فيهما ما قال نبي الله نوح: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ "سورة الشعراء: الآيات ١١١-١١٣". وأول فيهما ما قال نبي الله نوح ﵇ وعليهم أجمعين وعلى نبينا محمد ﷺ : ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ "سورة هود: الآية٣١". قال: فألقوا السلاح وقالوا: "تبرأنا من كل دين كنا عليه، وندين الله بدينك فقد آتاك الله فضلا وحكمة وعلما"١.

стр. 154

٢- الشيعة الشيعة والخوارج فرقتان متقابلتان ١ في آرائهما في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁؛ فالخوارج تكفّره وتتبرأ منه، والشيعة تنصره وتؤيده وتفضله على عثمان ﵁. بل إن منهم من يفضله على أبي بكر وعمر، وأنه الإمام بعد رسول الله ﷺ بالنص الجليّ والقاطع للعذر، وإن الإمامة لا تخرج عنه وعن ولده. فردوا على بدعة الخوارج ببدعة أخرى لا تقل فسادا عنها ألا وهي عصمة علي بن أبي طالب، وأفضليته على أبي بكر وعمر ﵄، وأنه هو الإمام بعد الرسول ﷺ مع قولهم بفسوق أبي بكر وعمر وبكفرهما. فمن يقول بهذه البدعة فهو كاذب مفتر، قد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وعقابه الجلد حدا على فريته وكذبه. وكما قال خليفة المسلمين وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: "لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري" ٢. وكان يقول: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر" ٣. وسأل محمد بن الحنيفة أباه ٤ عليا فقال: "أي الناس خير بعد

стр. 155

رسول الله ﷺ ؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول عثمان قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين" ١. ولا ريب أن خير الصحابة هم أهل بدر، وخير أهل بدر هم العشرة، وخير العشرة الأئمة الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ﵃ أجمعين. وهذا هو ما عليه جمهور أهل السنة، قال ابن عمر: "كنا نخير بين الناس في زمن النبي ﷺ فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان ﵃" ٢. وفي رواية أخرى قال: "كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي لا نفاضل بينهم" ٣. هذا هو ما عليه الإمام أبو حنيفة ﵀ حيث قال: "وأفضل الناس بعد النبيين عليهم الصلاة والسلام أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب الفاروق ثم عثمان بن عفان ذو النورين ثم علي بن أبي طالب المرتضى رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. عابدين ثابتين على الحق ومع الحق نتولاهم جميعا" ٤.

стр. 156

وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولا لأبي بكر الصديق ﵁؛ تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان ﵁، ثم لعلي بن أبي طالب ﵁، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون"١. وكان بالكوفة من رؤساء الشيعة محمد البجلي ٢ الملقب بشيطان الطاق، وإليه تنسب الشيطانية من فرق الشيعة، جمع بين بدعة التشيع في الإمامة والقول إن الله لا يعلم الشر قبل أن يكون. فقد نقل عنه الأشعري في المقالات أنه يقول: "يزعمون أن الله عالم في نفسه ليس بجاهل ولكنه إنما يعلم الأشياء إذا قدرها وأرادها، فأما قبل أن يقدرها ويريدها فمحال أن يعلمها" ٣. فكان بينه وبين الإمام أبي حنيفة مناظرات عديدة منها أنهما تناظرا في فضائل علي بن أبي طالب، أورد تلك المناظرة ابن تيمية في منهاج السنة٤ وفيها: "أن أبا حنيفة لقي محمد بن نعمان فقال أبو حنيفة: عمن

стр. 157

رُوِّيت حديث رد الشمس ١؟ فقال: عن غير الذي رويت عنه يا سارية الجبل". قال ابن تيمية على إثرها: "هذا يدل على أن أئمة أهل العلم لم يكونوا يصدقون بهذا الحديث، فإنه لم يروه إمام من أئمة المسلمين. وهذا أبو حنيفة أحد الأئمة المشاهير، وهو لا يتهم عليا فإنه من أهل الكوفة دار الشيعة، ولقد لقي من الشيعة وسمع من فضائل علي ما شاء الله، وهو يحبه ويتولاه ومع هذا أنكر هذا الحديث على محمد بن نعمان، وأبو حنيفة أعلم وأفقه من الطحاوي وأمثاله ولم يجبه النعمان بجواب صحيح إلى أن قال: فأبو حنيفة لا ينكر أن يكون لعمر وعلي وغيرهم كرامات، بل أنكر هذا الحديث للدلائل الكثيرة على كذبه ومخالفته للشرع والعقل" ٢. وتناظر كذلك بمن هو أحق بالخلافة والأرشد بعد النبي ﷺ فأجاب الإمام أبو حنيفة بما حيره فأسكته حيث قال له: "نحن نقول كان الحق للصديق، فسلم علي ﵄ الحق له فكان من أشد الناس وأنتم قلتم: كان الحق لعلي فأخذه الصديق بقوة فكان الصديق أشد الناس حيث أخذ منه حقه بقوته بلا تسليم" ٣، فلأجل كذب وتمويه طائفة من الشيعة

стр. 158

رد الإمام أبو حنيفة شهادتهم فلا يجيزها. جاء في كتاب الكفاية عن عمر بن إبراهيم قال:"سمعت ابن المبارك يقول: سأل أبو عصمة الإمام أبا حنيفة بمن تأمرني أن أسمع الأثر؟ قال: من كلّ عدل في هواه إلا الشيعة فإن أصل عقيدتهم تضليل أصحاب محمد ﷺ ... " ١. وفي هذا المعنى يذكر ابن تيمية ٢ أن أبا حنيفة ردّ شهادة من عرف بالكذب كالخطابية ٣، هذا هو موقف الإمام من الشيعة وبدعتهم. ٣- المرجئة الخالصة تقدم أن الخوارج تعد كل كبيرة كفرا، فجاءت المرجئة الغالية فأعلنت أن الإيمان هو المعرفة ٤ فقط. وهؤلاء معروفون بمرجئة الجهمية، وبعضهم قالوا:

стр. 159

"إن الإيمان هو الإقرار باللسان ١، وهم مرجئة الكرامية ٢، وبعضهم زعموا أن الإيمان: هو التصديق فقط٣. وذهب جمهورهم ٤ إلى أن الإقرار شرط لإجراء الأحكام الدنيوية وهؤلاء معروفون بمرجئة الماتريدية. وقال بعضهم: إن الإيمان هو التصديق والإقرار ٥. وهؤلاء معروفون بمرجئة الفقهاء. وسموا مرجئة لأنهم أخروا العمل عن الإيمان". ولم يكن في زمن الإمام أبي حنيفة إلا النوعان الأول والرابع، فكان

стр. 160

يرد على النوع الأول كما سيأتي، ويقول بالنوع الرابع. قال في الرد على من يقول: إن الإيمان هو المعرفة، وأن أهل القبلة لا يدخلون النار مهما اقترفوا من المعاصي، وزعموا أنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة ١: "ولا نقول: إن المؤمن لا تضره الذنوب، لا نقول: إنه لا يدخل النار ... ولا نقول إن حسناتنا مقبولة وسيئاتنا مغفورة كقول المرجئة"٢. وسيأتي مزيد من ذلك في مناظرته للجهم بن صفوان في مفهوم الإيمان. وقرر الطحاوي هذا الرد في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: "ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله، نرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم ولا نقنطهم" ٣. ولقد تبرأ الإمام أبو حنيفة ممن نسب إليه الإرجاء؛ فقال في رسالته إلى البتي ٤: "وأما ما ذكرت من اسم المرجئة فما ذنب قوم تكلموا بالعدل، وسماهم أهل البدع بهذا الاسم، ولكنهم أهل عدل وأهل السنة وإنما هذا اسم سماهم به أهل الشنآن" ٥. وإنما قال ذلك بناء على مفهوم الإرجاء عنده، وهو مذهب غلاة المرجئة الذين يجعلون الإيمان: هو المعرفة؛ فلا يضر معه ذنب كما

стр. 161

تقدمت الإشارة إليه. فأبو حنيفة عنده شيء من الإرجاء الخفيف، وهو النوع الرابع، غير أنه بريء من بقية أنواع الإرجاء. ٤- القدرية اسم أطلقه أهل السنة على الذين نفوا القضاء والقدر السابق من الله تعالى، وزعموا أنهم هم الفاعلون لأعمالهم دون تقدير من الله وأن الأمر أُُنُف ١. وأول من نطق بهذه البدعة رجل كان نصرانيا فأسلم يقال له سوسن ٢ من أهل العراق، فأخذها عنه معبد الجهني ٣، وأخذها عن معبد غيلان الدمشقي ٤. قال الأوزاعي: "أول من نطق بالقدر رجل من

стр. 162

أهل العراق يقال له سوسن كان نصرانيا فأسلم ثم تنصر، فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد"١. فتصدى لهم من بقي من الصحابة كابن عمر وابن عباس وغيرهما وأخبروا أنهم مجوس هذه الأمة لقول النبي ﷺ : "القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم" ٢. ولقد اهتم الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى بالرد على بدعة القدرية اهتماما بالغا وخاصة في كتابه الفقه الأكبر؛ حيث يقول فيه: "وهو الذي قدر الأشياء وقضاها ولا يكون في الدنيا ولا في الآخرة شيء إلا بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره" ٣. ويقول: "وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبهم على الحقيقة، والله تعالى خالقها، وهي كلها بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره" ٤. وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيته تنفذ، لا مشيئة للعباد، إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن" ٥.

стр. 163

وقال: "وأفعال العباد خلق الله وكسبهم من العباد" ١. وأرشد أبو حنيفة رحمه الله تعالى بعض تلاميذه إلى كيفية مناظرة القدري؛ فقد روى الخطيب عن أبي يوسف قال: سمعت أبا حنيفة يقول: "إذا كلمت القدري فإنما هما حرفان إما أن يسكت وإما أن يكفر. يقال له: هل علم في سابق علمه أن تكون هذه الأشياء كما هي؟ فإن قال لا، فقد كفر، وإن قال: نعم. يقال له: أفأراد أن تكون كما علم، أم أراد أن تكون بخلاف ما علم؟ فإن قال أراد أن تكون كما علم فقد أقر أنه أراد من المؤمن الإيمان ومن الكافر الكفر، وإن قال أراد أن تكون بخلاف ما علم فقد جعل ربه متمنيا متحسرا لأن من أراد أن يكون ما علم أنه لا يكون، أو لا يكون ما علم أنه يكون، فإنه متمنٍّ متحسر، ومن جعل ربه متمنيا متحسرا فهو كافر"٢. وتناظر أبو حنيفة رحمه الله تعالى مع غيلان الدمشقي أحد كبار القدرية وفيه أن غيلان الدمشقي قال لأبي حنفة: "تقول إن المعاصي بمشيئة الله ومراده فقال له أبو حنيفة: وأنت تقول إنها بكره من الله وعجزه، ومن نسب الله إلى العجز فهو كافر فانقطع غيلان" ٣. وتناظر أبو حنيفة مع قدري آخر وفيها:

стр. 164

أن أبا حنيفة قال له: "جئت أم جيء بك؟ قال: بل جئت باختياري فقال: اجلس فجلس، فقال أبو حنيفة جلستَ أو أُجلست؟ قال: بل جلست باختياري فقال له: قم، فقام القدري فقال له أبو حنيفة: ارفع إحدى رجليك فرفعها فقال له: رفعت أو رُفعت لك قال: بل رفعتها قال: فإن كان كما زعمت؛ فكل هذه الأفعال منك وباختيارك فارفع الرجل الأخرى قبل أن تضع الأولى، فتحير القدري" ١. وناظر أبو حنيفة جماعة من القدرية حيث أتوا إليه فقالوا له: "نخاصمك قال: فيم تخاصمونني قالوا: في القدر، قال: أما علمتم أن الناظر في القدر كالناظر في شعاع الشمس، كلما ازداد نظرا ازداد حيرة..أو قال تحيرا. قالوا: ففي القضاء والعدل، قال: فتكلموا على اسم الله فقالوا: هل يسع أحدا من المخلوقين أن يجري في ملك الله ما لم يقض؟ قال: لا، إلا أن القضاء على وجهين، منه أمر وحي والآخر قدرة، فأما القدرة فإنه لا يقضي عليهم ويقدر لهم الكفر، ولم يأمر به بل نهى عنه، والأمر أمران أمر الكينونة إذا أمر شيئا كان وهو على غير أمر الوحي. قالوا فأخبرنا عن أمر الله أموافق لإرادته أم مخالف؟ قال: أمره من إرادته وليس إرادته من أمره. وتصديق ذلك قول الله لإبراهيم: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ "سورة الصافات: الآية١٠٢". ولم يقل ستجدني صابرا من غير إن شاء الله؛ فكان ذلك أمره ولم يكن من إرادته ذبحه. قالوا: فأخبرنا عن اليهود والنصارى الذين قالوا على الله

стр. 165

ما قالوا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ "سورة التوبة: الآية٣٠". فقضى الله على نفسه أن يشتم وأن تضاف إليه الصاحبة والولد؟. فقال أبو حنيفة: إن الله لا يقضي على نفسه إنما يقضي على الله عباده، ولو كان يقضي على نفسه لجرت عليه القدرة. قالوا: فأخبرنا عن الله إذا أراد من عبده أن يكفر أحسن إليه أم أساء؟ قال: لا يقال أساء ولا ظلم إلا لمن خالف ما أمر به، والله قد جلّ عن ذلك، وقد عرف عباده ما أراد منهم من الإيمان به، فقالوا: يا أبا حنيفة أمؤمن أنت؟ فقال: نعم، قالوا: أفأنت عند الله مؤمن؟ قال: تسألوني عن علمي وعزيمتي أو عن علم الله وعزيمته؟ قالوا: بل نسألك عن علمك، ولا نسألك عن علم الله، قال: فإن بعملي أعلم أني مؤمن ولا أعزم على الله في علمه، فقالوا: يا أبا حنيفة: ما تقول فيمن جحد حرفا من كتاب الله؟ قال: كافر لأن الله قال مهددا لهم وموعدا: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ "سورة الكهف: الآية٢٩". قالوا: فإن كان هذا من باب الوعيد وقال إني لا أؤمن ولا أكفر. قال: فقد خصمتم أنفسكم، ألا ترون أني إن لم أؤمن فأنا مجبور في إرادة الله على الكفر، وإن لم أكفر فأنا مجبور في إرادة الله على الإيمان قالوا: يا أبا حنيفة حتى متى تضل الناس؟ قال: ويحكم إنما يضل الناس من يستطيع أن يهديهم والله يضل من يشاء ويهدي من يشاء" ١.

стр. 166

٥- الجهمية تنسب الجهمية إلى جهم بن صفوان أبي محرز مولى بني راسب يلقبه بعضهم بالترمذي، والبعض الآخر بالسمرقندي المتوفى سنة ٢١٨هـ. وأتباعه يعرفون بالجهمية نسبة إليه، وقد صار لقبا على معطلة الصفات باعتبار أن الجهمية هي أول من قالت به ولها بدع أخرى غير هذه البدعة منها القول بأن الإيمان هو معرفة الله تعالى فقط والكفر هو الجهل به، والقول بالجبر حيث زعمت أن الإنسان لا يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة وإنما هو مجبور على أفعاله١. فهم بهذا مخالفون لنصوص الكتاب والسنة الصريحة القاطعة؛ لذا يرى بعض السلف أنهم ليسوا من أمة محمد ﷺ . يقول عبد الله بن المبارك: "الجهمية ليسوا من الاثنتين والسبعين فرقة" ٢. لذلك كفر الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى جهم بن صفوان. فقد روى الخطيب عن عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني ٣ قال: "سمعت أبا حنيفة يقول: جهم بن صفوان كافر" ٤.

стр. 167

وفي رواية أخرى أنه بعدما ناظره قال له: "اخرج عني يا كافر" ١. ولقد أوَّل صاحب كتاب المسايرة كلام الإمام أبي حنيفة هذا. قال الكشميري ٢: "وفي المسايرة عن أبي حنيفة أنه قال بعدما ناظره في مسألة: اخرج عني يا كافر. وقد أوّل قوله هناك ثم قال الكشميري: قلت: بل ما قاله صحيح لا ينبغي أن يؤوّل قوله؛ فإن شأن الإمام أرفع ٣ من أن تجري كلمة على لسانه لا يرضاها الله ورسوله، وكان جهم ينفي الصفات ... "٤. وكان الإمام أبوح حنيفة رحمه الله تعالى يذم جهما ويعيب قوله، كما ذكر أبو يوسف فقد قال: "إن أبا حنيفة كان يذم جهما ويعيب قوله" ٥. وممّا عاب على جهم قوله بخلق القرآن. فقد روى الخطيب عن ابن أبي شيبة قال: "قدم ابن المبارك على أبي حنيفة، فقال له أبو حنيفة: ما هذا الذي دبّ فيكم؟ قال: له رجل يقال له جهم، قال: وما يقول؟

стр. 168

قال: يقول القرآن مخلوق، فقال أبو حنيفة: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِباً﴾ " ١. فنهى عن القول بقوله أو الصلاة خلفه. فعن أبي سوف أن أبا حنيفة قال: "من قال القرآن مخلوق فهو مبتدع؛ فلا يقولن أحد بقوله ولا يصلين أحد خلفه" ٢. وعاب عليه إفراطه في نفي الصفات؛ حيث قال: "قاتل الله جهم بن صفوان ومقاتل بن سليمان هذا أفرط في النفي، وهذا أفرط في التشبيه" ٣. وفي رواية أخرى قال: "أفرط جهم في نفي التشبيه؛ حيث قال: إن الله ليس بشيء" ٤. ورد عليه قوله بفناء الجنة والنار حيث قال: "والجنة والنار مخلوقتان اليوم لا تفنيان أبدا، ولا تموت الحور العين أبدا، ولا يفنى عقاب الله وثوابه سرمدا" ٥. وقرر الطحاوي هذا الرد في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا، ولا تبيدان، والله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق" ٦. ورد عليه قوله بأن الإنسان مجبور، لا قدرة له ولا اختيار، حيث

стр. 169

قال: "ولم يجبر ١ أحدا من خلقه على الكفر، ولا على الإيمان" ٢. وقال كذلك: "فكفر من كفر بفعله وإنكاره وجحوده للحق وبخذلان الله تعالى إياه، وآمن من آمن بفعله وإقراره وتصديقه بتوفيق الله تعالى إياه ونصرته له" ٣. وأختتم موقف الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى من جهم وبدعه برده عليه في قوله إن الإيمان هو معرفة الله تعالى فقط؛ حيث قال له: "قد جعل الله ﵎ الإيمان بكتابه بجارحتين بالقلب واللسان، فقال ﵎: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ " إلى قوله تعالى: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ "سورة المائدة: الآيات من: ٨٣-٨٥". فأوصلهم الجنة بالمعرفة والقول وجعلهم مؤمنين بالجارحتين القلب واللسان. قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ "سورة البقرة: الآيتان ١٣٦، ١٣٧". وقال تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ "سورة الفتح: الآية٢٦".

стр. 170

وقال تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ "سورة الحج: الآية ٢٤". وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ "سورة فاطر: الآية١٠". وقال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ "سورة إبراهيم: الآية٢٧". وقال النبي ﷺ : "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " ١، فلم يجعل الفلاح بالمعرفة دون القول. قال النبي ﷺ : "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه كذا" ٢. ولم يقل يخرج من النار من عرف الله وكان في قلبه كذا ... ولو كان القول لا يحتاج إليه ويُكتفى بالمعرفة لكان من جحد الله باللسان وعرفه

стр. 171

بقلبه مؤمنا، ولكان إبليس مؤمنا لأنه عارف بربه يعرف أنه خالقه ومميته وباعثه ومغويه قال: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ "سورة الحجر: الآية ٣٩". وقال تعالى: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ "سورة الأعراف: الآية ١٤". وقال تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ "سورة الأعراف: الآية ١٢". ولكان الكفار مؤمنين بمعرفتهم ربهم وإن أنكروا بلسانهم. قال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ "سورة النمل: الآية ١٤". فلم يجعلهم مع استيقانهم بأن الله واحد مؤمنين مع جحدهم بلسانهم. وقال : ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ "سورة النحل: الآية ٨٣". وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ "سورة يونس: الآيتان ٣١،٣٢". فلم ينفعهم معرفتهم مع إنكارهم: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ"﴾ "سورة البقرة: الآية ١٤٦". يعني النبي ﷺ ؟! فلم تنفعهم المعرفة مع كتمانهم أمره وجحودهم

стр. 172

به فقال له الجهم في خلدي شيئا فسأرجع إليك، فقام من عنده ولم يعد إليه" ١. هذا جارٍ على مذهب أبي حنيفة في أن الأعمال ليست من الإيمان، وإنما الإيمان هو التصديق بالقلب والإقرار باللسان. وما ذكر من الأدلة غايتها أن تدل على أن القول باللسان من الإيمان، وأن أصل الإيمان الذي هو الدخول في الإسلام لا يحصل إلا بالتصديق بالقلب والإقرار باللسان لا تدل على أن الأعمال ليست من الإيمان. ويتلخص موقف أبي حنيفة من جهم وبدع الجهمية فيما يلي: "أ" تكفيره لهم ويظهر من هذا أنه لا يعتبرهم من أهل القبلة. "ب" عدم جواز الصلاة خلفهم. "ج" إنكاره لبدعهم أشد الإنكار كخلق القرآن والقول بالجبر وتعطيل الصفات والقول بالإرجاء المطلق. ٦- المعتزلة ظهرت هذه الفرقة في نهاية القرن الهجري الأول وبلغت شأوها في العصر العباسي الأول. يرجع اسمها إلى اعتزال إمامها واصل بن عطاء ٢

стр. 173

مجلس الحسن البصري لقول واصل: "إن مرتكب الكبيرة ليس كافرا ولا مؤمنا، بل هو في منزلة بين المنزلتين. ولما اعتزل واصل مجلس الحسن البصري وجلس عمرو بن عبيد ١ وتبعهما أنصارهما قيل لهم المعتزلة أو معتزلون ٢، ومنذ انضمام عمرو بن عبيد لواصل بن عطاء واعتزالهما الناس ظهر منهما آراء مبتدعة لم يكن عليها الأوائل عاداهما علماء السلف وحذّروا منهما: قال عبد الله بن المبارك: أيها الطالب علما ائت حماد بن ز يد فخذ العلم بحلم ثم قيّده بقيد وذر البدعة من أثار عمرو بن عبيد ٣ وروى الهروي عن عبد الرحمن بن مهدي قال: دخلت على مالك، وعنده رجل يسأله عن القرآن فقال: "لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد لعن الله عمرو بن عبيد فإنه ابتدع هذه البدع من الكلام، ولو كان الكلام علما لتكلم فيه الصحابة والتابعون كما تكلموا في الأحكام والشرائع، ولكنه باطل يدل على باطل"٤.

стр. 174

وكذلك لعنه الإمام أبو حنيفة؛ فقد روى الهروي عن محمد بن الحسن قال: قال أبو حنيفة: "لعن الله عمرو بن عبيد فإنه فتح للناس الطريق إلى الكلام" ١. وقال الإمام أبو حنيفة عن المعتزلة: "لم يكن في طبقات أهل الأهواء أحد أجدل من المعتزلة؛ لأن ظاهر كلامهم مموه تقبله القلوب" ٢. وأنكر عليهم إبطالهم للصفات حيث قال: "ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفته بلا كيف" ٣. وردّ عليهم قولهم: إن القرآن مخلوق؛ حيث قال: "وكلام الله تعالى غير مخلوق" ٤. وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه؛ حيث قال: "وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية" ٥. وبالجملة فكتابه الفقه الأكبر رد على الجهمية والمعتزلة فيما أنكروا من أسماء الله تعالى وصفاته؛ فقد ضمنه جملة من الصفات الإلهية التي وردت في الكتاب والسنة الصحيحة.

стр. 175

٧- المشبهة التشبيه في اللغة دلالة على مشاركة أمر آخر في معنى، فالأمر الأول هو المشبه والثاني هو المشبه به وذلك المعنى هو وجه الشبه ١. والمشبهة: هم قوم يشبهون الله تعالى بالمخلوقات ويمثلونه بالمحدثات ٢، وقاسوا صفات الخالق على ما ألفوه وشاهدوه من صفات المخلوقين. ومن الذين قالوا في التشبيه في الإسلام واشتهروا به مقاتل بن سليمان ٣ الذي بالغ في إثبات الصفات لله حتى قال بالتجسيم. ولعل السبب في غلوه في إثبات الصفات هو غلو جهم بن صفوان في إنكار صفات الله . قال الذهبي: "وظهر بخراسان الجهم بن صفوان ودعا إلى تعطيل صفات الرب وخلق القرآن، وظهر بخراسان في قبالته مقاتل بن سليمان المفسر وبالغ في إثبات الصفات حتى جسم" ٤. ونقل عنه الأشعري في المقالات أنه كان يقول: "إن الله جسم وإن له جمّة وأنه على صورة إنسان من لحم ودم وشعر وعظم له جوارح وأعضاء

стр. 176

من يد ورجل ورأس وعينين وهو مع هذا لا يشبه غيره" ١. وأتباعه يسمون المقاتلية، فازدهرت مدرسة مقاتل، ولاقت نجاحا في خراسان موطن مقاتل وتأثر بها هشام بن الحكم، وهشام بن سالم الجواليقي، وداود الجواريبي، وهؤلاء جميعا من الرافضة وتأثر بها فيما بعد ابن كرام. لذلك وصفهم الإمام أبو حنيفة بأنهم شرار الناس حيث قال: "صنفان من شر الناس بخراسان الجهمية والمشبهة ربما قال والمقاتلية" ٢. ووصف التشبيه والتعطيل بأنهما رأيان خبيثان فقال: "أتانا من المشرق رأيان خبيثان جهم معطل ومقاتل مشبه" ٣. وروى الخطيب البغدادي عن أبي يوسف أن أبا حنيفة ذكر عنده جهما ومقاتل فقال: "كلاهما مفرط أفرط جهم في نفي التشبيه حيث قال: إنه ليس بشيء، وأفرط مقاتل بن سليمان حتى جعل الله مثل خلقه" ٤. فلبدعة مقاتل ذمَه علماء السلف، وتركوا الرواية عنه قال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: "أخرجت خراسان ثلاثة لم يكن لهم نظير، يعني في البدعة والكذب: جهم بن صفوان، وعمر بن صبيح ٥ ومقاتل بن سليمان" ٦.

стр. 177

وقال أحمد بن سيار بن أيوب ١: "مقاتل بن سليمان كان من أهل بلخ تحول إلى مرو وخرج إلى العراق، ومات بها، يكنى أبا الحسن، وهو متهم متروك الحديث مهجور القول، وكان يتكلم في الصفات بما لا يحل الرواية عنه" ٢. وقال أبو يوسف: "صنفان ما على الأرض أبغض إليّ منهما: المقاتلية والجهمية" ٣. ورد الإمام أبو حنيفة على بدعة المشبهة بقوله: "ولا يشبه شيئا من الأشياء من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه" ٤. وقرر هذا الطحاوي في بيان أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه؛ حيث قال: "ولا شيء مثله ... لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام ولا يشبه الأنام" ٥. وقال: "ومن لم يتوق النفي والتشبيه زلّ ولم يصب التنزيه" ٦. وقال كذلك: "من وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر" ٧. هذا هو موقف الإمام من الفرق الكلامية وأقوالهم المبتدعة، وأما

стр. 178

مفهومه للجماعة فيكفي للدلالة عليه إجابته عن سؤال عطاء بن أبي رباح من أي الأصناف أنت؟ فأجابه بقوله: "أنا ممن لا يسب السلف، ويؤمن بالقدر، ولا يكفر أحدا بذنب، فقال له عطاء: عرفت فالزم" ١.

стр. 179

الباب الثاني: بيان اعتقاده في التوحيد وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: توحيد الربوبية. الفصل الثاني: توحيد الألوهية. الفصل الثالث: توحيد الأسماء والصفات.

стр. 180

الفصل الأول: توحيد الربوبية وفيه ثلاثة مباحث: تمهيد: في تعريف التوحيد وأقسامه. المبحث الأول: معنى توحيد الربوبية وخصائصه. المبحث الثاني: مناظرة الإمام أبي حنيفة للملاحدة في إنكارهم الخالق ونقده لطريقة المتلكلمين في تقرير الربوبية. المبحث الثالث: منهج الإمام أبي حنيفة في تقرير الربوبية.
следующие страницы →