من يد ورجل ورأس وعينين وهو مع هذا لا يشبه غيره" ١.
وأتباعه يسمون المقاتلية، فازدهرت مدرسة مقاتل، ولاقت نجاحا في خراسان موطن مقاتل وتأثر بها هشام بن الحكم، وهشام بن سالم الجواليقي، وداود الجواريبي، وهؤلاء جميعا من الرافضة وتأثر بها فيما بعد ابن كرام.
لذلك وصفهم الإمام أبو حنيفة بأنهم شرار الناس حيث قال: "صنفان من شر الناس بخراسان الجهمية والمشبهة ربما قال والمقاتلية" ٢.
ووصف التشبيه والتعطيل بأنهما رأيان خبيثان فقال: "أتانا من المشرق رأيان خبيثان جهم معطل ومقاتل مشبه" ٣.
وروى الخطيب البغدادي عن أبي يوسف أن أبا حنيفة ذكر عنده جهما ومقاتل فقال: "كلاهما مفرط أفرط جهم في نفي التشبيه حيث قال: إنه ليس بشيء، وأفرط مقاتل بن سليمان حتى جعل الله مثل خلقه" ٤.
فلبدعة مقاتل ذمَه علماء السلف، وتركوا الرواية عنه قال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: "أخرجت خراسان ثلاثة لم يكن لهم نظير، يعني في البدعة والكذب: جهم بن صفوان، وعمر بن صبيح ٥ ومقاتل بن سليمان" ٦.
стр. 177
وقال أحمد بن سيار بن أيوب ١: "مقاتل بن سليمان كان من أهل بلخ تحول إلى مرو وخرج إلى العراق، ومات بها، يكنى أبا الحسن، وهو متهم متروك الحديث مهجور القول، وكان يتكلم في الصفات بما لا يحل الرواية عنه" ٢.
وقال أبو يوسف: "صنفان ما على الأرض أبغض إليّ منهما: المقاتلية والجهمية" ٣.
ورد الإمام أبو حنيفة على بدعة المشبهة بقوله: "ولا يشبه شيئا من الأشياء من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه" ٤.
وقرر هذا الطحاوي في بيان أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه؛ حيث قال: "ولا شيء مثله ... لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام ولا يشبه الأنام" ٥.
وقال: "ومن لم يتوق النفي والتشبيه زلّ ولم يصب التنزيه" ٦.
وقال كذلك: "من وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر" ٧.
هذا هو موقف الإمام من الفرق الكلامية وأقوالهم المبتدعة، وأما
стр. 178
مفهومه للجماعة فيكفي للدلالة عليه إجابته عن سؤال عطاء بن أبي رباح من أي الأصناف أنت؟ فأجابه بقوله: "أنا ممن لا يسب السلف، ويؤمن بالقدر، ولا يكفر أحدا بذنب، فقال له عطاء: عرفت فالزم" ١.
стр. 179
الباب الثاني: بيان اعتقاده في التوحيد
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: توحيد الربوبية.
الفصل الثاني: توحيد الألوهية.
الفصل الثالث: توحيد الأسماء والصفات.
стр. 180
الفصل الأول: توحيد الربوبية
وفيه ثلاثة مباحث:
تمهيد: في تعريف التوحيد وأقسامه.
المبحث الأول: معنى توحيد الربوبية وخصائصه.
المبحث الثاني: مناظرة الإمام أبي حنيفة للملاحدة في إنكارهم الخالق ونقده لطريقة المتلكلمين في تقرير الربوبية.
المبحث الثالث: منهج الإمام أبي حنيفة في تقرير الربوبية.
стр. 181
تمهيد: في تعريف التوحيد وأقسامه
١- تعريف التوحيد
"أ" التوحيد لغة:
هو تفعيل وحَّد يقال: "وحّده وأحّده كما يقال ثناه وثلّثه" ١ "وحده توحيدا أي جعله واحدا" ٢.
والتوحيد الإيمان بالله وحده لا شريك له ٣.
قال أبو القاسم التيمي ٤: "التوحيد على وزن التفعيل وهو مصدر وحدته توحيدا ... ومعنى وحدته جعلته منفردا عما يشاركه أو يشبهه في ذاته وصفاته، والتشديد فيه للمبالغة أي بالغت في وصفه بذلك. وقيل الواو فيه مبدلة من الهمزة، والعرب تبدل الهمزة من الواو، وتبدل الواو من الهمزة كقولهم وشاح وأشاح، وتقول العرب أحّدهن لي وحدّهن لي أي جعلهن لي أحد عشر. ويقال جاءوا آحاد آحاد أي واحدا واحدا، فعلى هذا فالواو في التوحيد أصلها الهمزة".
стр. 182
قال الهذلي١:
ليت الصريمة٢ أُحدان الرجال له
صيد ومجتزئ بالليل هجاس
وتقول العرب: "واحد وَحِد ووَحْد ووحيد أي: منفرد، فالله تعالى واحد أي منفرد عن الأنداد والأشكال في جميع الأحوال. فقولهم: وحَّدت الله: من باب عظمت الله، وكبرته، أي علمته عظيما وكبيرا.
فكذلك وحدته: أي علمته واحدا، منزها عن المثل في الذات والصفات" ٣.
وقال الجرجاني ٤: "التوحيد في اللغة الحكم بأن الشيء واحد، والعلم بأنه واحد" ٥.
وقال العيني ٦ والقسطلاني ٧: "ومعنى وحدت الله: اعتقدته منفردا
= الإسلام" مات سنة ٥٣٥هـ، سير أعلام النبلاء ٢٠/٨٠؛ وانظر ترجمته في تذكرة الحفاظ ٤/١٢٧٧؛ والمنتظم ١٠/٩٠.
стр. 183
بذاته وصفاته لا نظير له ولا شبيه" ١.
فالمقصود أن التوحيد في اللغة الاعتقاد في الشيء أنه واحد، والحكم بأنه واحد، والعلم بأنه واحد ونسبة الشيء إلى الوحدانية وجعل الشيء واحدا".
"ب" التوحيد اصطلاحا:
التوحيد عند أهل الكلام إفراد القديم من المحدَث ٢.
وقيل: "إثبات ذات غير مشبهة بالذوات ولا معطلة عن الصفات" ٣.
وقيل: "إفراد القديم عن الحدث" ٤.
وقيل: نفي التقسيم لذاته، ونفي التشبيه عن حقه وصفاته، ونفي الشريك معه في أفعاله ومصنوعاته٥.
وقيل: سلبت عنه الكيفية والكمية فهو واحد في ذاته لا انقسام له، وفي صفاته لا شبيه له، وألوهيته وملكه وتدبيره لا شريك له، ولا رب سواه، ولا خالق غيره ٦.
стр. 184
وقال الجرجاني: "واصطلاح أهل الحقيقة تجريد الذات الإلهية عن كل ما يتصور في الأفهام ويتخيل في الأوهام والأذهان. والتوحيد ثلاثة أشياء: معرفة الله تعالى بالربوبية، والإفراد بالوحدانية، ونفي الأنداد عنه جملة" ١.
وقال الشهرستاني ٢: "إن الله تعالى واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته الأزلية لا نظير له، وواحد في أفعاله لا شريك له" ٣.
وقال الملاَّ علي قاري ٤:: "واحدا في ذاته، ووحدا في صفاته، وخالقا لمصنوعاته" ٥.
وقال الشيخ محمد عبده ٦: "إثبات الوحدة لله في الذات، والفعل في خلق الأكوان، وأنه وحده مرجع كل كون ومنتهى كل قصد" ٧.
стр. 185
فالحاصل أنهم لا يعرضون لتوحيد الألوهية ويفسرونه بتوحيد الربوبية؛ فظنوا أنه هو المطلوب من العبادة وأن معنى لا إله إلا الله لا خالق إلا الله أو لا قادر على الاختراع إلا الله.
فأفنوا أعمارهم بما لم ينازع فيه المشركون لكن لم ينفعهم ذلك ولم يدخلهم الإسلام.
ومعلوم أن المقصد الأعظم الذي أرسل لأجله الرسل وأنزلت الكتب وخلق له الجن والإنس هو عبادة الله وحده لا شريك له، فمعنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله.
أما التوحيد المستنبط من الكتاب والسنة فهو:
الإقرار بالقلب واللسان بأن الله رب كل شيء ومليكه وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه على كل شيء قدير، وأنه الخالق لكل شيء، وأنه له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأنه الإله الحق الذي لا يستحق العبادة سواه؛ فلا رب غيره ولا إله سواه ولا شريك ولا ند له، ثم إفراده بالعبادة وذلك بصرف جميع أنواع العبادة له وإخلاص الدين له. فهذا هو التوحيد الذي جاءت به الرسل بكل جوانبه ظاهرا وباطنا علما وعملا.
هذا هو معناه الاصطلاحي، أما المناسبة بينه وبين معنى التوحيد في اللغة: فهي أن المعنى الاصطلاحي أخص من اللغوي وهذا شأن عامة المعاني الشرعية مع المعاني اللغوية كما في الصلاة والصوم والحج.
стр. 186
٢- أقسام التوحيد
قسم أهل العلم ١ التوحيد إلى أقسام:
فمن العلماء من قسمه إلى نوعين وهما:
١- التوحيد في المعرفة والإثبات.
٢- التوحيد في القصد والطلب.
ومنهم من قسمه إلى ثلاثة أنواع هي:
١- توحيد الربوبية.
٢- توحيد الألوهية.
٣- توحيد الأسماء والصفات. ولا منافاة بين الطريقتين في التقسيم، فمن جعله ثنائيا فقد أجمل، ومن جعله ثلاثيا فقط فصل.
وقد ورد تقسيم التوحيد في الجملة في كلام أبي حنيفة وبعض أتباعه، دل على هذا قول الإمام أبي حنيفة: "والله تعالى يدعى من أعلى لا من أسفل لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء" ٢.
وقرر هذا الطحاوي في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: "نقول معتقدين بتوفيق الله إن الله واحد لا شريك له ولا شيء مثله ولا شيء يعجزه ولا إله غيره". فقوله: "ولا
стр. 187
شيء مثله" في توحيد الأسماء والصفات، وقوله: "ولا شيء يعجزه" في توحيد الربوبية والقدرة، وكل ذلك في توحيد المعرفة والإثبات، وقوله: "ولا إله غيره"١ في توحيد الألوهية، وذلك في توحيد الطلب والقصد. وما أشار إليه الطحاوي قرره ابن أبي العزَّ شارح متن العقيدة الطحاوية، حيث قال: "ثم التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه نوعان: توحيد في الإثبات والمعرفة، وتوحيد في الطلب والقصد" ٢.
وذكر هذا شارح فقه الأكبر الملاّ علي القاري حيث قال: "ابتداء كلامه في الفاتحة بالحمد لله رب العالمين يشير إلى تقرير توحيد الربوبية، المترتب عليه توحيد الألوهية، المقتضي من الخلق تحقيق العبودية" ٣.
فما أشار إليه الإمام أبو حنيفة وقرره الطحاوي وابن أبي العز الحنفي هو ما دل عليه القرآن والسنة واللغة.
قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ "سورة الزخرف: الآية ٨٧".
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ "سورة يونس: الآية٣١".
وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
стр. 188
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ "سورة المؤمنون: الآيات ٨٤-٨٩".
فأخبر الله تعالى أن المشركين الذين بعث فيهم محمد ﷺ معترفون بالربوبية لا ينكرونها، ولا يجعلون أحدا من آلهتهم شريكا لله في ربوبيته من الخلق والرزق والملك والتدبير والتصريف، فهذه حقيقة لا ينكرها المشركون، وأخبر تعالى أن المشركين أنكروا على النبي ﷺ حقيقة أخرى لما نهاهم عن اتخاذا الشركاء وأمرهم بإخلاص العبادة لله وحده.
فهذا باطل عندهم وفاسد، وقالوا ما حكى الله عنهم في كتابه الكريم: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ "سورة ص: الآية ٥".
لذا تعجبوا كيف ينهى عن اتخاذ الشركاء والأنداد ويأمر بإخلاص العبادة لله وحده.
وأما الأدلة من السنة فهي أن النبي ﷺ كان يعلم أصحابه والداخلين في الإسلام من جديد بأن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا به شيئا، حيث كانوا مقرين بأن الله هو الخالق. فقد روى البخاري عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: " إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ... " ١.
وفي رواية: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم
стр. 189
إلى أن يوحدوا الله تعالى ... " ١.
وفي رواية أخرى قال: "إنك تقدم قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ..." ٢.
وكذلك قال النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله" ٣.
وأخبر النبي ﷺ أصحابه أن حق الله على العباد أن يوحدوه بالعبادة ويفردوه في ذلك، ويتجردوا من الشرك قليله وكثيره، صغيره وكبيره، حيث قال لمعاذ بن جبل: " أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري ما حقهم عليه؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: ألا يعذبهم" ٤.
стр. 190
وأما في لغة العرب فإن معنى الرب غير معنى الإله. فالأول يدل على الإحاطة والخلق والإيجاد والتربية، والثاني يدل على المعبود بحق أو باطل كما سيأتي تفصيل ذلك في موضعه.
فالمقصود أن الكتاب والسنة واللغة دلت جميعها على أن هناك فرقا بين الربوبية والألوهية.
وهذا خلاف ما عليه المتكلون فهم خلطوا معنى الألوهية بالربوبية، وظنوا أن الألوهية هي القدرة على الاختراع، فمن أقر بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره فقد صار عندهم موحدا، وليس الأمر كما ذهبوا إليه بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يعبد دون غيره.
стр. 191
المبحث الأول: معنى توحيد الربوبية وخصائصه
١- توحيد الربوبية لغة
توحيد الربوبية مركب من كلمتين: التوحيد وقد تقدم ١، أما الربوبية فهي مأخوذة من الرب. وكلمة "الرب" في اللغة تطلق على المعاني الآتية:
المعنى الأول: مالك الشيء وصاحبه.
قال الجوهري ٢: "رب كل شيء مالكه" ٣.
وقال الأزهري ٤: "كل من ملك شيئا هو ربه. يقال: هو رب الدابة ورب الدار" ٥.
стр. 192
المعنى الثاني: المَلِك.
قال الأزهري في قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ "سورة يوسف: الآية٤٢".
أي عند مَلِكِك" ١.
وقال ابن الأثير ٢: "فإنه خاطبه على المتعارف عندهم وعلى ما كانوا يسمونه به" ٣.
المعنى الثالث: السيد المطاع.
قال الجوهري: "ربّيت القوم أي كنت فوقهم" ٤.
وقال ابن منظور ٥: "والعرب تقول لأن يربيني فلان أحب إليّ أن يربيني فلان، يعني أن يكون ربا فوقي وسيدا يملكني" ٦.
стр. 193
المعنى الرابع: التربية.
قال الراغب الأصفهاني ١: "الرب في الأصل التربية وهو إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حد التمام، يقال ربّه ورباه وربيبه" ٢.
المعنى الخامس: المصلح للشيء.
قال ابن فارس ٣: "الرب: المصلح للشيء، يقال ربّ فلان ضيعته إذا قام على إصلاحها" ٤.
٢- توحيد الربوبية اصطلاحا
توحيد الربوبية هو الإقرار بأن الله رب كل شيء ومالكه وخالقه ورازقه، وأنه هو المحيي والمميت النافع الضار المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله وبيده الخير كله، القادر على كل شيء ليس له في ذلك شريك ٥.
стр. 194
والمناسبة بين هذا المعنى والمعنى اللغوي: أن كل معاني لفظ "الرب" في اللغة صادقة على الله ؛ فهو المربي للأشياء الذي ينميها وينقلها في أطوار مختلفة حتى يبلغ بها ما قدر هو لها، وهو المالك لها والسيد عليها والمدبر لمصالحها والقائم بحفظها قيوم السموات والأرض ومستحق العبادة حقا بربوبيته للخلق، لهذا كانت شؤون الربوبية كلها من الخلق والرزق والملك والتدبير والتصريف مختصة به لا يشاركه فيها أحد من خلقه، ومن جعل شيئا من ذلك لغير الله فقد ناقض نفسه وارتكب بابا من أبواب الشرك ١.
٣- خصائص توحيد الربوبية
١- أن توحيد الربوبية دليل على توحيد العبادة فإن الله احتج على المشركين الذي أخلوا بتوحيد الألوهية بإقرارهم بالربوبية كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ "سورة البقرة: الآيتان ٢٢".
فأمر بعبادته وذكر البرهان على أنه مستحق للعبادة وهو قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿رِزْقاً لَكُمْ﴾ وهو برهان على بطلان إلهية ما سواه ولهذا قال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إلزاما لهم بما يقرون به.
٢- أن إقرار الناس بالربوبية أسبق من إقرارهم بتوحيد الألوهية،
стр. 195
وفي ذلك يقول ابن تيمية: "ولما كان علم النفوس بحاجتهم وفقرهم إلى الرب قبل علمهم بحاجتهم وفقرهم إلى الإله المعبود وقصدهم لدفع حاجتهم العاجلة قبل الآجلة كان إقرارهم بالله من جهة ربوبيته أسبق من إقرارهم به من جهة ألوهيته ... " إلى أن قال: "ولهذا إنما بعث الرسل يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له الذي هو المقصود المستلزم الإقرار بالربوبية وقد أخبر عنهم أنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ "سورة الزخرف: الآية ٨٧".
﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ﴾ "سورة الإسراء: الآية٦٧".
وقال: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ "سورة لقمان: الآية٣٢".
فأخبرهم أنهم مقرون بتوحيد الربوبية وأنهم مخلصون له الدين إذا مسهم الضر في دعائهم واستعانتهم، ثم يعرضون عن عبادته في حال حصول أغراضهم وكثير من المتكلمين إنما يقررون الوحدانية من جهة الربوبية، أما الرسل فهم دعوا إليها من جهة الألوهية" ١.
٣- أن توحيد الربوبية قد أقر به المشركون كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ "سورة يونس: الآية٣١".
وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا
стр. 196
يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ "سورة المؤمنون: الآيات من ٨٤-٨٩".
وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ "سورة لقمان: الآية٢٥".
وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ "سورة الزخرف: الآية٨٧".
وقال المقريزي ١: "ولا ريب أن توحيد الربوبية لم ينكره المشركون، بل أقروا بأنه سبحانه وحده خالقهم، وخالق السموات والأرض، والقائم بمصالح العالم كله، وإنما أنكروا توحيد الألوهية" إلى أن قال: "من عدل به غيره فقد أشرك في ألوهيته ولو وحد في ربوبيته، فتوحيد الربوبية هو الذي اجتمعت فيه الخلائق مؤمنها وكافرها، وتوحيد الألوهية مفترق الطرق بين المؤمنين والمشركين"٢.
فلأن الإقرار بالربوبية كان مسلما به عند المشركين لم يرسل الله رسولا لتحقيق هذا التوحيد، ولم تعرض له الكتب السماوية كما عرضت لتوحيد العبادة لأنه تحصيل حاصل.
والمصيبة أن أهل الكلام أفنوا أعمارهم لتحقيق هذه القضية المسلَّم بها حتى عند المشركين. وليتهم وقفوا عند هذا الباب بل زعموا أن توحيد الربوبية
стр. 197
هو الغاية العظمى من بعثة الرسل، وأنهم إذا أثبتوه بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد ١.
وفي ذلك يقول الشيخ محمد عبده: "أصل معنى التوحيد اعتقاد أن الله واحد لا شريك له ... وهو إثبات الوحدة لله في الذات والفعل في خلق الأكوان، وأنه وحده مرجع كل كون ومنتهى كل قصد. وهذا المطلب كان الغاية العظمى من بعثة النبي ﷺ كما تشهد به آيات الكتاب العزيز" ٢.
والرد على هذا ما يلي:
"أ" أن توحيد الربوبية نوع من التوحيد فهو بعضه لا جميعه، وقد أقر به المشركون، فكيف مع ذلك يكون هو الغاية العظمى من بعثة الرسل؟.
"ب" أن مجرد الإقرار بهذا التوحيد فقط لا يوجب الدخول في الإسلام ولا يصير به الرجل مسلما.
فمشركوا العرب كانوا مقرين بأن الله تعالى وحده خالق كل شيء، ومع هذا سماهم مشركين، حيث قال عنهم: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ "سورة يوسف: الآية١٠٦".
فالمراد بقوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ﴾ هو تصديقهم واعترافهم بأن الله تعالى هو الخالق الرازق المحيي المميت، والمراد من قوله تعالى: ﴿إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ أي أنهم أشركوا مع الله في عبادته وهذا ما فسر به السلف هذه الآية ٣.
стр. 198
قال محمود الألوسي الحنفي في تفسير هذه الآية: "يندرج فيهم كل من أقر بالله تعالى وخالقيته مثلا وكان مرتكبا شركا كيفما كان، ومن أولئك عبدة القبور الناذرون لها المعتقدون للنفع والضر ممن الله تعالى أعلم بحاله فيه وهم اليوم أكثر من الدود" ١.
"ج" أن توحيد الألوهية هو الغاية العظمى والمقصد الأعلى وهو أول دعوة الرسل والغاية من خلق الجن والإنس كما يشهد بذلك الأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ "سورة النحل: الآية٣٦".
ومن السنة حديث ابن عباس وفيه: "أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن قال: " إنك تقدم على قوم أهل كتاب. فليكن أول ماتدعوهم إليه عبادة الله ... " ٢.
فهذان النصان الشرعيان دالان على أن أول دعوة الرسل والغاية من بعثتهم هي الدعوة إلى توحيد الله في العبادة والنصوص الشرعية في ذلك كثيرة.
стр. 199
المبحث الثاني: مناظرة الإمام أبي حنيفة للملاحدة في إنكارهم الخالق ونقده لطريقة المتكلمين في تقرير الربوبية .
١- مناظرة الإمام أبي حنيفة للملاحدة في إنكارهم الخالق
لم يعرف الإلحاد قديما مذهبا ظاهرا موجودا بين أجناس البشر، اللهم إلا من شرذمة قليلة من الدهرية ١، الذين يجحدون الخالق المدبر العالم القادر، ويزعمون أن العالم يسير بنفسه بلا خالق، ويقولون ببقاء الدهر. قال الله تعالى إخبارا عنهم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ "سورة الجاثية: الآية٢٤".
فمع إنكارهم للخالق، أنكروا البعث والنشور، وكذبوا الرسل من غير دليل لهم ولا برهان.
هذا وقد كانت تعقد مناظرات بين الإمام أبي حنيفة وبعض هؤلاء الملاحدة منها:
أن قوما منهم أرادوا البحث معه في تقرير توحيد الربوبية فقال لهم:
стр. 200
"أخبروني قبل أن نتكلم في هذه المسألة عن سفينة في دجلة تذهب فتمتلئ من الطعام وغيره بنفسها، وتعود بنفسها فترسو بنفسها وترجع، كل ذلك من غير أن يديرها أحد؟
فقالوا: هذا محال لا يمكن أبدا، فقال لهم: إذا كان هذا محالا في سفينة، فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله؟ ... " ١.
وقد ذكر المكي هذه المناظرة بصيغة أخرى مشابهة لها، وفيها أن الإمام أبا حنيفة قال لهم: "ما تقولون في رجل يقول لكم إني رأيت سفينة مشحونة بالأحمال، مملوءة من الأمتعة، وقد احتوشتها في لجة البحر أمواج متلاطمة، ورياح مختلفة، وهي من بينها تجري مستوية ليس فيها ملاح يجريها ويقودها ويسوقها، ولا متعهد يدفعها هل يجوز ذلك في العقل؟
فقالوا: لا، هذا لا يقبله العقل، ولا يجيزه الوهم.
فقال لهم أبو حنيفة: فيا سبحان الله، إذا لم يجز في العقل وجود سفينة تجري مستوية من غير متعهد، فكيف يجوز قيام الدنيا على اختلاف أحوالها وتغيّر أمورها، وسعة أطرافها، وتباين أكنافها من غير صانع وحافظ ومحدث لها؟ ... " ٢.
وكذلك وقعت مناظرة أخرى بين الإمام وملحد دهري ذكرها أبو الليث السمرقندي في شرحه للفقه الأكبر، وفيها أن الإمام ناظر دهريا وألقى عليه الحجة.
فقال الدهري: "إنما تغيرت الأشياء من حال إلى حال لأن بناءها
стр. 201
على الطبائع الأربعة ـ رطوبة ويبوسة وبرودة وحرارة ـ فما دامت هذه الطبائع مستوية وصاحبها مستويا، ومتى غلبت طبيعة منها على سائرها زالت عن الاستواء فزال استواء صاحبها أيضا.
قال أبو حنيفة ﵁: أقررت بالصانع والمصنوع، والغالب والمغلوب، من حيث أنكرت، لأنك قلت إحدى الطبائع تغلب على سائرها، وسائرها تصير مغلوبة.
فثبت أن للعالم غالبا في الحكمة، فقد تعدينا عن مسألتكم فقلنا: الغالب ليس هو إلا الصانع جلّت قدرته ... " ١.
هذا ما حفظته المراجع من تلك المناظرات مع الملاحدة. وليست المشكلة مع هؤلاء إنكارهم للرب فقط بل إنهم لو اعترفوا بوجوده؛ فإن ذلك لا يكفي لدخولهم الإسلام، بل يصبح حالهم كحال المشركين الذين حاربهم الرسول ﷺ ، فإن إيمانهم بوجود الله لا ينفعهم حتى يوحدوا الله بالعبادة والطاعة.
٢- نقده لطريقة المتكلمين في تقرير الربوبية
سلك المعتزلة ومن جاء بعدهم من متكلمي الأشاعرة ٢ والماتريدية
стр. 202
في الاستدلال على وجود الله طريق الأعراض والجواهر، واستدلوا بحدوث كل منهما وإمكانه على حدوث العالم. فإذا ثبت أن العالم حادث فالله هو المحدِث.
يقول القاضي عبد الجبار ١ المعتزلي في بيانه لهذه الطريقة: "إنه ينبغي لمن أراد الاستدلال على وجود الله عن طريق الأعراض؛ فعليه أن يثبتها، ثم يوضح حدوثها وأنها تحتاج إلى محدث وفاعل يغاير الحوادث، وهو الله تعالى" ٢.
وقال الرازي الأشعري شارحا لهذه الطريقة: "وقد عرفت أن العالم إما جواهر وإما أعراض، وقد يستدل بكل واحد منهما على وجود الصانع، إما بإمكانه أو بحدوثه، فهذه جوه أربعة ... " ٣.
стр. 203
وأشار عضد الدين الأيجي الأشعري ١ إلى هذه الطريقة فقال: "وقد علمت أن العالم إما جواهر وإما أعراض، وقد استدل على إثبات الصانع بكل واحد وبإمكانه أو بحدوثه فهذه وجوه أربعة ... " ٢.
وقال التفتازاني شارح العقيدة النسفية الماتريدية شارحا هذه الطريقة: "فإذا تقرر أن العالم أعيان وأعراض، والأعيان أجسام وجواهر؛ فنقول: إن الكل حادث. أما الأعراض؛ فبعضها بالمشاهدة كالحركة بعد السكون والضوء بعد الظلمة والسواد بعد البياض ... وبعضها بالدليل، وهو سريان العدم ... وأما الأعيان فلأنها لا تخلو من الحوادث، وكل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث ... فنتج من كل هذا أن العالم كله حادث، ولما ثبت أن العالم محدَث، ومعلوم أن المحدث لا بد له من محدِث لضرورة امتناع ترجيح أحد طرفي الممكن من غير مرجح؛ ثبت أنه له محدث، والمحدث للعالم هو الله تعالى" ٣.
هذه هي طرقة المعتزلة ومن تبعهم من الأشاعرة والماتردية في إثبات الصانع وحدوث العالم.
فما موقف الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى من هذه الطريقة؟ للإجابة عن هذا السؤال أودُّ أن أشير إلى أن منهج الإمام أبي حنيفة
стр. 204
في تقرير الربوبية مغاير لهذه الطريقة، فمسلك الإمام هو مسلك السلف الصالح المستنبط من الكتاب والسنة، فبالتالي كل طريقة ليس مصدرها الكتاب والسنة فهي طريقة مبتدعة في نظر الإمام، لذلك شنّع على عمرو بن عبيد من المعتزلة لأنه فتح الكلام في هذا حيث قال: "لعن الله عمرو بن عبيد فإنه فتح للناس الطريق إلى الكلام فيما لا يعنيهم" ١.
وكان ينصح من سأله بعدم سلوك هذه الطريقة؛ لأنها في نظره مقالات الفلاسفة، ويوصي بلزوم طريقة السلف المأخوذة من الكتاب والسنة والأثر. فقد سئل الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: "ما تقول فيما أحدثه الناس في الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: مقالات الفلاسفة. عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة؛ فإنه بدعة" ٢.
وهذا هو ما كان عليه السلف، فإنهم أنكروا الكلام في الجوهر والأعراض، وفي ذلك يقول التيمي ٣: "أنكر السلف الكلام في الجوهر والأعراض وقالوا: لم يكن على عهد الصحابة والتابعين، رضي الله عن الصحابة ورحم التابعين، ولا يخلو أن يكونوا سكتوا عنه وهم غير عالمين به، فيسعنا ألا نعلم ما يعلموه. والحديث الذي ذكرناه ٤ يقتضي أن ما تكلّم فيه الآخرون من ذلك ولم يتكلم فيه الأولون يكون مردودا ... " ٥.
стр. 205
وقال ابن عقيل: "أنا أقطع أن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض؛ فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت" ١.
стр. 206
المبحث الثالث: منهج الإمام أبي حنيفة في تقرير الربوبية
منهج الإمام أبي حنيفة في تقرير الربوبية هو منهج السلف الصالح ﵁، فإنهم أعرضوا عن مبحث الوجود والاستدلال عليه لأنه أمر مسلّم به مركوز في فطر البشر، لا يكاد أحد ينازع فيه إلا شرذمة قليلة من البشر، كالدهرية في القديم، والشيوعية ومن سايرها من ملاحدة العصر.
قال الملا علي القاري في بيانه لمنهج الإمام في تقرير الربوبية:
"أعرض الإمام عن بحث الوجود اكتفاء بما هو ظاهر في مقام الشهود. ففي التنزيل: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ "سورة إبراهيم: الآية١٠".
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ "سورة الزخرف: الآية ٨٧".
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ " سورة الروم: الآية٣٠".
فوجود الله ثابت في فطر الخلق، كما يشير إليه قوله سبحانه
стр. 207
وتعالى، ويومئ إليه حديث: " كل مولود يولد على الفطرة " ١، على فطرة الإسلام. وإنما جاء الأنبياء ﵈ لبيان التوحيد وتبيان التفريد.
ولذا أطبقت كلمتهم، وأجمعت حجتهم على كلمة لا إله إلا الله، ولم يأمروا أهل ملتهم بأن يقولوا: الله موجود، بل قصدوا إظهار أن غيره ليس بمعبود؛ ردا لما توهموا وتخيلوا حيث قالوا: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ، على أن التوحيد يفيد الوجود مع مزيد التأييد، ثم العقائد يجب أن تؤخذ من الشرع الذي هو الأصل ... " ٢.
ولكن لما وجد في عصر الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى من انتكست فطرته، وعميت بصيرته فشك في وجود الرب الخالق ؛ ناقشهم الإمام واستدل على وجوده تعالى:
بدلالة الفطرة:
وهذه في مقدمة الدلالات على أن الله فطر الخلق على الإقرار به وبوحدانيته؛ فما من مولود إلا يولد على هذه الفطرة كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ "سورة الروم: الآية٣٠".
стр. 208
﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ "سورة إبراهيم: الآية١٠".
فالفطرة السليمة مجبولة على الإقرار بوجود الرب الخالق، والإيمان به تعالى مغروزٌ في طبيعة البشر وفي شعور كل عاقل وضميره، وذلك لما وقر في نفوسهم من عجز المخلوقين عن الخلق والرزق والتدبير والملك. "فدلالة الفطرة على وجود الخالق مركوزة في كل نفس مؤمنة أو كافرة، والنفوس بطبعها تحسها وتشعر بها وإن غابت عنها في بعض الأحيان لسبب طارئ، فسرعان ما تجد نفسها مضطرة إلى اللجوء إليه عند الشدائد. ولو لم تكن النفوس مفطورة على هذه المعرفة لما تطلعت إليها بل لم تكن مطلوبة لها وصدق هذا ما ورد عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" ١، ولم يقل يسلمانه لأن الإسلام موافق للفطرة ٢.
هذا وقد رجح كثير من السلف أن معرفة الله تعالى ممكنة بالفطرة من غير دليل، بمعنى أنه لو ولد إنسان بعيدا عن الناس، ولم تفسد فطرته بتعليم أبويه أو البيئة التي يعيش فيها؛ لأمكن أن يعرف الله بفطرته الصافية وبمساعدة عقله وتفكيره فيما خلق الله ٣.
стр. 209
وهذا هو ما عليه الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، فإنه يرى أن لا عذر لأحد بالجهل بوجود الرب الخالق؛ وذلك لما جبلت عليه فطرته من وجوده تعالى، ويساعد تلك الفطرة العقل والتفكير فيما خلق الله تعالى من مخلوقات عظيمة مبثوثة في الكون، كلها تدل على وجود الرب الخالق، فقد قيل عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه قال: "لا عذر لأحد بالجهل بخالقه لما يرى من خلق السموات والأرض وخلق نفسه وسائر خلق ربه" ١.
فالظاهر من كلام الإمام أبي حنيفة أنه قد اشتمل على الآتي:
"أ" أن معرفة الله فطرية، وأن وحدانية الله وربوبيته تدركان بالعقل فهذا حق لا شك فيه.
"ب" أن العقل موجب لمعرفة الله ، وأن العبد مكلف بمجرد عقله بمعرفة الله ولو لم تبلغه الدعوة، وأن العبد إذا لم يوحد الله فهو غير معذور.
فهذا الأمر على خلاف مذهب جمهور أهل السنة والجماعة من السلف الصالح. فالمتقرر من مذهبهم أن العقل وإن كان مدركا لمعرفة الله، ولكنه غير موجب، فلا تتم الحجة على العبد بمجرد عقله ما لم تبلغه دعوة الرسل. دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ "سورة الاسراء: الآية١٥".
فهذه الآية صريحة في عدم تعذيب من لم تبلغه دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام. وهذه هي عقيدة السلف فقد بوَّّب الإمام
стр. 210
اللالكائي ١ ﵀ في كتاب "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" "سياق ما يدل من كتاب الله وما روي عن رسول الله ﷺ على أن وجوب معرفة الله تعالى وصفاته بالسمع لا بالعقل" ثم قال: "وهذا مذهب أهل السنة والجماعة" ٢. فالذي في شاهق الجبال ولم تبلغه الدعوة ولم يوحد الله فهو معذور وليس بمكلف؛ لأن التكليف لا يكون إلا بالشرع ولا تتم حجة الله على عباده إلا به.
"ج" استنبط بعض الكتاب المعاصرين ٣ من كلام أبي حنيفة هذا أن أول واجب هو النظر والاستدلال المؤدي إلى معرفة الله.
وهذا الاستنباط غير صحيح لأن أبا حنيفة لم يقل لا عذر لمن لم ينظر بل قال: "لا عذر لأحد بالجهل بخالقه". وهذا غاية ما يدل عليه أن أول واجب بالعقل معرفة الله وتقدم أن لا واجب إلا ما وجب بالشرع. فالمطلوب معرفة أول واجب بالشرع. وقد قام الدليل الشرعي على أن أول واجب هو شهادة أن لا إله إلا الله كما سيأتي بيانه في موضعه ٤.
وكذا استعمل الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى دلالة الفطرة في إثبات
стр. 211
صفة من صفات الله تعالى ألا وهي صفة العلو؛ حيث قال: "والله تعالى يُدعى من أعلى لا من أسفل لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء ... " ١.
فالنفوس فطرت على أن الله تعالى في العلو لا في السُّفل. واستدل الإمام على ذلك بحديث الجارية التي أجابت النبي ﷺ حينما سألها "أين الله؟ قالت في المساء" ٢.
فأجابت بما وقر في فطرتها وجبلت عليه من أن الله في العلو؛ فأقرها النبي ﷺ وأمر بإعتاقها، ووصفها بأنها مؤمنة. هذه دلالة الفطرة على وجود الخالق ومعرفته، ويلاحظ أن هذه الدلالة ترتكز على نوعي الآيات في الأنفس الآفاق. ولقد لفت القرآن أنظار العباد إلى ذلك في مواضع
стр. 212
كثيرة؛ فيحسن تفصيل القول في دلالة هذه الآيات.
١- أما دلالة الأنفس
فمثالها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ "سورة المؤمنون: الآيات من ١٢-١٥".
فهذه الآيات تلفت نظر الإنسان إلى أنه كان نطفة في الرحم فصارت النطفة علقة ثم مضغة ثم لحما وعصبا وعظاما وأعضاء وحواس.
ثم يخرج بعد تلك الأطوار بشرا سويا صوِّر على أحسن صورة وخلق على أحسن خلقة، ثم تتعاقب عليه الأحوال من كبر وصغر، وضعف وقوة، وجهل وعلم، ومرض وصحة، ثم الموت والفناء لكل حي فلا بد لهذه التغيرات من مغير عالم قادر حكيم. وفي هذا المعنى يروي عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه سئل: ما الدليل على الصانع؟ فأجاب: أعجب دليل النطفة التي في الرحم والجنين في البطن، يخلقه الله في ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة ... فلما رأينا امرأة تلد مرة ذكرا ومرة أنثى ومرة توأمين وطورا ثلاثة.
وتريد أن تلد فلا تلد، وتريد ألا تلد فتلد، وتريد الذكر فيكون الأنثى، وتريد الأنثى فيكون الذكر، على خلاف اختيار الأبوين؛ فعرفنا قطعا قدرة قادر عالم حكيم" ١.
стр. 213
٢- وأما دلالة الآفاق
فمثالها قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ "سورة الغاشية: الآيات من ١٧-٢٠".
فهذه الآيات تحث الإنسان على التأمل والتفكر في المخلوقات العظيمة التي نراه ونشاهدها في عالمنا هذا من سماء مرفوعة وأرض مبسوطة وجبال منصوبة وغيرها مما خلق الله.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ "سورة البقرة: الآية ١٦٤".
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ "سورة آل عمران: الآيتان ١٩٠-١٩١".
فلو تأمل الإنسان هذه المخلوقات، وتأمل صنعهما وإتقانهما، لدلّته وأرشدته إلى أن هناك خالقا لهذه المخلوقات مدبرا لهذه الأكوان، وأنه حكيم عليم. وهذه الدلالة استدل بها الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى حينما أراد قوم من الملاحدة البحث معه في تقرير الربوبية؛ فقال لهم: ""أخبروني قبل أن نتكلم في هذه المسألة عن سفينة في دجلة تذهب فتمتلئ من الطعام والمتاع وغيره في نفسها، وتعود بنفسها وترجع، كل ذلك من غير أن يدبرها أحد؟
فقالوا: هذا محال لا يمكن أبدا، فقال لهم: إذا كان هذا
стр. 214
محالا في سفينة، فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله؟ ... " ١. وقد تقدم قول الإمام أبي حنيفة وفيه: " ... لما يرى من خلق السموات والأرض وخلق نفسه وسائر خلق ربه".
فجمع الإمام أبو حنيفة في كلامه هذا بين دلالتي الأنفس والآفاق.
وهذا المسلك الذي سلكه الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى في الاستدلال على الله تعالى بمخلوقاته وآثاره فطري لا يحتاج إلى تعليم واكتساب، يعرفه الحضري في حاضرته، والبدوي في باديته، لا يختلف فيه اثنان، بل قد استدل به الأعرابي حينما سئل عن الله فقال: "البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، أفلا تدل على الصانع الخبير" ٢.
وهو كذلك مسلك شرعي دعا إليه القرآن كما في قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ "سورة الذاريات: الآيتان ٢٠-٢١".
فالأرض وما فيها من جبال وأنهار وأشجار ونبات تدل المتفكر فيها المتأمل لمعانيها على عظمة خالقها وسعة سلطانه وكذلك في نفس العبد من العبر والحكمة ما يدل على أن له خالقا حكيما.
فالبشر على كثرتهم، خلقهم الله من نفس واحدة هي نفس آدم، قال تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ "سورة الزمر: الآية٦".
стр. 215
أما كيفية خلقهم فهو طور بعد طور، نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما، خلقهم في مكان ضيق، في بطون أمهاتهم، في ظلمات ثلاث.
فإذا تقرر أن الله واحد في خلقه وملكه لا شريك له؛ فهو واحد في ألوهيته لا شريك له.
هذا وقد ذكر الله تعالى دلالتي الأنفس والآفاق في آية واحدة كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ "سورة فصلت: الآية٥٣".
يقول مؤلف كتاب إيثار الحق على الخلق شارحا الآية وما تدل عليه من معان: "وقد جمع الله تعالى دلالتي النفوس والآفاق في ـ هذه الآية ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا﴾ الآية ـ وذلك أنا نعلم بالضرورة وجودنا أحياء قادرين ناطقين سامعين مبصرين مدركين بعد أن لم نكن شيئا، وأن أول وجودنا كان نطفة قذرة مستوية الأجزاء والطبيعة غاية الاستواء بحيث يمتنع في عقل كل عاقل أن يكون منها خلق بغير صانع حكيم" إلى أن قال: "وبيانه أنه خلق من نطفة قذرة مستوية الطبيعة فكيف يكون منها ما يبصر، ومنها ما يسمع، ومنها ما يطعم، ومنها ما يشم، ومنها الصلب ومنها الرخو، ومنهم من يمشي على بطنه، ومنهم من يمشي على رجلين، ومنهم من يمشي على أربع، كما نبّه الله عليه في كتابه الكريم. ونعلم أنها قد تغيرت بنا الأحوال وتنقلت بنا الأطوار تنقّلا عجيبا، فكنا نطفة ثم علقة ثم مضغا ودما ثم عظاما صلبة متفرقة في ذلك اللحم والدم وتقويهما وعصبا رابطة بين تلك العظام صالحة لذلك الربط لما فيها من القوة والمتانة، ثم تركب من ذلك آلات وحواس حية موافقة للمصالح..ثم انظر إلى موضع العينين ما أشبهها بهما بعيدا مما يؤذيها مرتفعا للتمكن من إدراك المبصرات في الوجه الذي لا يحتاج إلى تغطية باللباس من الجمال البديع فيهما، ولو