← Тафсир

Тафсир · id 750

استنباطات الشوكاني في تفسيره فتح القدير

خلود شاكر فهيد العبدلي

Полный текст (565 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قال الشوكاني ﵀: (﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ ما تحتاجون إليه من العلم. وفيه الوعد لمن اتقاه أن يعلمه. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: من الآية ٢٩] (١) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ وعد الله لمن اتقاه أن يعلمه. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر بتقواه ثم أعقبها بتعليمه لعباده؛ فدل اقتران الجملتين على مناسبة بينهما هي وعد الله لمن اتقاه أن يعلمه. قال ابن عاشور: (وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ تذكير بنعمة الإسلام … وفي عطفه على الأمر بالتقوى إيماء إلى أن التقوى سبب إفاضة العلوم) (٤). أو دلت الآية على هذا المعنى بدلالة الالتزام. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فكلٌ من تعليم الرب وتقوى العبد يقارب الآخر ويلازمه ويقتضيه، فمتى علَّمه الله العلم النافع اقترن به التقوى بحسب ذلك، ومتى اتقاه زاده من العلم، وهلم جرا) (٥).

стр. 212

وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وابن كثير، والقنوجي، وابن عاشور. (١). وخالفهم آخرون، منهم: ابن القيم، و ابن جزي. (٢). ووجه مخالفتهم ذكره ابن القيم بقوله: (وأما قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ فليس من هذا الباب بل هما جملتان مستقلتان: طلبية وهي الأمر بالتقوى، وخبرية وهي قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ أي: والله يعلمكم ما تتقون. وليست جوابا للأمر بالتقوى، ولو أريد بها الجزاء؛ لأتى بها مجزومة، مجردة عن الواو، فكان يقول: واتقوا الله يعلمكم، أو إن تتقوه يعلمكم، كما قال: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ فتدبره) (٣). والمعنى الذي استنبطه الشوكاني صحيح دلت عليه الآيات. قال ابن كثير: (﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾، وكقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ … لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)﴾ [الحديد: ٢٨]) (٤). (٥).

стр. 213

والذي يظهر -والله أعلم- أن المخالفين لم يمنعوا صحة المعنى، لكنهم رأوا أن الآية لا تدل عليه صراحة، قال ابن جزي: (ويعلمكم الله إخبار على وجه الامتنان. وقيل: معناه الوعد بأن من اتقى علمه الله وألهمه، وهذا المعنى صحيح، ولكن لفظ الآية لا يعطيه؛ لأنه لو كان كذلك؛ لجزم يعلمكم في جواب اتقوا) (١). فقول المخالفين يصح إذا قلنا إن الآية لا تدل صراحة على هذا المعنى، لكن هذا لا يمنع أن تكون دلالة الآية عليه خفية؛ فيصح عندها هذا المعنى استنباطا. وكأن هذا المعنى المستنبط دلت عليه الآيات بدلالات متفاوتة في الظهور والخفاء. قال السعدي: (واُستدل بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ أن تقوى الله وسيلة إلى حصول العلم، وأوضح من هذا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ أي: علما تفرقون به بين الحقائق، والحق والباطل) (٢). ومما ينبغي التنبه إليه أن التقوى لا تفيد المعرفة بذاتها، إنما تعين على حصول العلم النافع. قال ابن تيمية: نعم لسنا ننكر أن إماتة الشهوات قد تكون شرطا في صحة النظر مثلما تكون الصحة شرطا في صحة النظر، لا أن إماتة الشهوات هي التي تفيد المعرفة بذاتها وإن كانت شرطا فيها، كما أن الصحة شرط في العلم، وإن كانت ليست مفيدة له. ومن هذه الجهة دعا الشارع إلى هذه الطريقة -أي النظر والاعتبار- وحث عليها في جملة ما حث، أعني على العمل، لا أنها كافية بنفسها كما ظن القوم … العمل الذي أصله حب الله تعالى أمر الشرع به؛ لأنه مقصود في نفسه، وهو معين على حصول العلم النافع، كما أنه معين على حصول عمل آخر صالح، كما أن الشرع أمر بالعلم بالله تعالى؛ لأنه مقصود في نفسه وهو معين على العمل الصالح، وعلى علم آخر نافع (٣). فالقول إذاً بصحة هذا الاستنباط لا يجيز قول الصوفية بأن التقوى سبب للعلم، إذ لابد للعلم من التعلم وبذل الجهد في البحث والحفظ، وهذا هو الأصل، أما التقوى فهي سبب من أسباب تحصيل العلم. قال الشيخ الدوسري: (واعلم أنه لا يلتفت إلى قول الصوفية وأشياعهم-﵏ من أن التقوى تكون سببا للعلم، بل إن التقوى جالبة للعمل، وحسن المراقبة لله، والاستجابة لنداءاته في القرآن. أما العلم فلا يحصل إلا بالتعلم، وبذل الجهد في الحفظ والبحث، ولكن مع حسن النية يسهل الله طريقه ويبارك في معلومات صاحبه، أما زعم الصوفية الحصول على العلم الإلهي بترويض النفس على العبادة السنية والمبتدعة، وقراءة الأوراد والأحزاب؛ فهذا فيه فتح باب للدجل والشعوذة، والقول على الله بغير علم، وهو أشرك من الشرك) (٤).

стр. 214

والشوكاني لم يقل بأن التقوى كافية بذاتها في المعرفة، ولا أنه يستغنى بها عن الطلب وبذل الجهد، إنما عني أن التقوى مما يعين على العلم.

стр. 215

سورة آل عمران ٣٥ - مناسبة ذكر الله رأفته بعباده بعد أن حذرهم نفسه؛ للجمع بين الترهيب والترغيب (١). قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ آل عمران: ٣٠. قال الشوكاني ﵀: (وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ دليل على أن هذا التحذير الشديد مقترن بالرأفة منه سبحانه بعباده؛ لطفا بهم) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ مناسبة ذكر رأفة الله بعباده بعد أن حذرهم -سبحانه-نفسه؛ لبيان أن هذا التحذير الشديد مقترن بالرأفة منه سبحانه بعباده؛ لطفا بهم، فيكون فيه جمع بين الترهيب والترغيب. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قرن بين التهديد والرأفة، والترهيب والترغيب؛ فقال- مؤكدا ومهددا ومتوعدا-: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي: يخوفكم عقابه، وذكر النفس؛ للإيذان بأن له عقابا هائلا (٤) ثم قال ﷻ مرجيا لعباده؛ لئلا ييأسوا من رحمته، ويقنطوا من لطفه: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ (٥)، والذي دل على هذا المعنى دلالة الربط بين أجزاء الآية.

стр. 216

وهذه طريقة القرآن يقرن بين أسماء الرجاء وأسماء المخافة، فأمثال هذه الآية كثير، منها: قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وكقوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨]. قال ابن القيم: (ثم عقب ذلك بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ (١) أن تتعدوا ما حد لكم؛ فإنه مطلع على ما تسرون وما تعلنون، ثم قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ لولا مغفرته وحلمه؛ لعنتم غاية العنت؛ فإنه سبحانه مطلع عليكم، يعلم ما في قلوبكم، ويعلم ما تعملون، فإن وقعتم في شيء مما نهاكم عنه؛ فبادروا إليه بالتوبة والاستغفار؛ فإنه الغفور الحليم. وهذه طريقة القرآن يقرن بين أسماء الرجاء وأسماء المخافة كقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾) (٢). وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عطية، والبيضاوي، والنسفي (٣)، وأبو حيان، وابن جزي، وابن كثير، والقنوجي. (٤).

стр. 217

ويجوز أن تكون المناسبة بيان أن التحذير رأفة (١)، كما قال الحسن: من رأفته بهم أن حذرهم نفسه (٢). وأيَّد ابن عثيمين هذه الوجه من المناسبة بقوله: (استشكل بعض العلماء إتيان قوله: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ بعد قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾. وقال: كان مقتضى الحال أن يقال: ويحذركم الله نفسه والله شديد العقاب؛ لأن مقام التحذير يقتضي الوعيد. فأجيب عن ذلك: بأن من رأفته بالعباد أن حذرهم نفسه، وأخبرهم بأن الأمر عظيم؛ لأن إخبار الإنسان بحقيقة الحال لا شك أنه من الرأفة به) (٣). ولا تزاحم بين المناسبات فكلتا المناسبتين جائز. قال أبو حيان: لما ذكر صفة التخويف وكررها؛ كان ذلك مزعجا للقلوب، ومنبها على إيقاع المحذور، مع ما قرن بذلك من اطلاعه على خفايا الأعمال، وإحضاره لها يوم الحساب، وهذا هو الاتصاف بالعلم والقدرة، اللذين يجب أن يحذر لأجلهما؛ فذكر صفة الرحمة; ليطمع في إحسانه، وليبسط الرجاء في أفضاله، فيكون ذلك من باب ما إذا ذكر ما يدل على شدة الأمر؛، ذكر ما يدل على سعة الرحمة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾ [الأنعام: ١٦٥] (٤) … قالوا: ويحتمل أن يكون إشارة إلى التحذير، أي: إن تحذيره نفسه، وتعريفه حالها من العلم والقدرة من الرأفة العظيمة بالعباد; لأنهم إذا عرفوه حق المعرفة وحذروا؛ دعاهم ذلك إلى طلب رضاه، واجتناب سخطه … والكلام محتمل لذلك، لكن الأظهر الأول، وهو أن يكون ابتداء إعلامه بهذه الصفة على سبيل التأنيس والإطماع؛ لئلا يفرط الوعيد على قلب المؤمن (٥).

стр. 218

٣٦ - مشروعية صلاة الجماعة (١). قال تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ آل عمران: ٤٣. قال الشوكاني ﵀: (قوله: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ظاهره ركوعها يكون مع ركوعهم، فيدل على مشروعية صلاة الجماعة) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ من الآية مشروعية صلاة الجماعة (٤). ووجه الاستنباط: أن الله لما اصطفى مريم، وطهرها على نساء العالمين؛ أمرها من طاعته بأمر اختصها به على سائر النساء، فأمرها أن تركع مع أهل المسجد، وتصلي مع المصلين في جماعة بقوله: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾؛ فدلت المعية على مشروعية صلاة الجماعة. قال ابن القيم: الآية لم تدل على تناول الأمر بذلك لكل امرأة، بل مريم بخصوصها أمرت بذلك بخلاف قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ ومريم كانت لها خاصة لم تكن لغيرها من النساء، فإن أمها نذرتها أن تكون محررة لله، ولعبادته، ولزوم المسجد، وكانت لا تفارقه؛ فأمرت أن تركع مع أهله، ولما اصطفاها الله، وطهرها على نساء العالمين؛ أمرها من طاعته بأمر اختصها به على سائر النساء، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٢ - ٤٣]. إلى أن قال: حقيقة المعية مصاحبة ما بعدها لما قبلها، وهذه المصاحبة تفيد زائدا على المشاركة، ولا سيما في الصلاة، فإنه إذا قيل: صل مع الجماعة، أو صليت مع الجماعة لا يفهم منه إلا اجتماعهم على الصلاة (٥).

стр. 219

وقال الشيخ محمد أبو زهرة: وهذا -أي أمرها بالركوع مع الراكعين- فيه فائدة، فالصلاة مع الجماعة من تمام النسك والعبادة. فمريم البتول كانت ملازمة للمحراب منذ نشأتها في كفالة زكريا، وهي بهذا تشبه أن تكون بعزلة عن عوجاء الحياة وما فيها، وما عند الناس حتى في عباداتهم، فبينت لها الملائكة عن الله سبحانه أن تصلي جماعة مع الناس، فإن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد (١). وممن قال بهذا الاستنباط: الآلوسي، والقنوجي، ومحمد أبو زهرة، والدوسري. (٢). وأشار إليه أكثر المفسرين (٣). وخالف الشيخ ابن عثيمين في أن المعية هنا دالة على الصحبة والاجتماع، فرأى أنها في الآية دلت على الموافقة في الفعل فقط دون اجتماع، فقال في تفسير ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾: أي: في جملتهم، وليس المراد أن تصلي مع الجماعة؛ لأن المرأة لا تخاطب بالصلاة مع الجماعة، لكن كوني في جملة الراكعين الذين يركعون لله (٤). وقول الشيخ ابن عثيمين له وجه إذ المعية تحتمل الموافقة في الفعل فقط دون اجتماع؛ كما تحتمل الصحبة والاجتماع في إيقاع الركوع مع من يركع، فتكون مأمورة بالصلاة في جماعة (٥)، إلا أن الثاني -والله أعلم- هو الأظهر؛ لأمور: الأول: أنها أمرت بذلك لخصوصيتها -كما تقدم من كلام ابن القيم-، وإظهارا لمعنى ارتفاعها عن بقية النساء الذي دل عليه سياق الثناء عليها بالاصطفاء. قال ابن عاشور: وقوله: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ إذن لها بالصلاة مع الجماعة، وهذه خصوصية لها بين نساء بني إسرائيل؛ إظهارا لمعنى ارتفاعها عن بقية النساء (٦). الثاني: أن الله أمرها بقوله: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ بعد الأمر بالسجود الذي يهدف إلى الصلاة، فالأمر بركوعها مع الراكعين هو للتأسيس، لا للتأكيد، -لأن التأسيس أولى من التأكيد- إذ فيه زيادة أمر الركوع مع الراكعين، ويقصد به صلاتها مع الجماعة (٧).

стр. 220

الثالث: أنه قول أكثر المفسرين (١). قال الآلوسي: والأكثرون على أن فائدة قوله سبحانه: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ الإرشاد إلى صلاة الجماعة (٢). ٣٧ - أبناء البنات يسمون أبناء (٣). قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ آل عمران: ٦١. قال الشوكاني ﵀: (وفيه دليل على أن أبناء البنات يسمون أبناء لكونه ﷺ أراد بالأبناء الحسنين) (٤). الدراسة: استنبط الشوكاني (٥) ﵀ أن أبناء البنات يسمون أبناء. ووجه الاستنباط: أن قول الله تعالى ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا﴾ دال على أن للرسول ﷺ أبناء، ولم يكن له يومئذ إلا ابنا بنته فاطمة ﵃؛ فدل ذلك على أن ابن البنت يسمى ابنا (٦). ويؤيده الحديث الذي أخرجه مسلم: لما نزلت هذه الآية ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ دعا رسول الله ﷺ عليا، وفاطمة، وحسنا، وحسينا فقال: "اللهم هؤلاء أهلي" (٧). وممن قال بهذا الاستنباط: إلكيا، وابن العربي، والرازي، والقرطبي، والسيوطي، والقنوجي. (٨).

стр. 221

ويستدل القائلون بأن أبناء البنات أبناء بأدلة منها: ما ثبت عنه ﷺ أنه قال- في الحسن بن علي ﵁: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" (١). ولأن أهل العلم قد أجمعوا على تحريم بنت البنت من قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: من الآية ٢٣] (٢) (٣)؛ فدل ذلك على أن بنت البنت تسمى بنتا. وخالف آخرون، فقالوا: إن تسمية الحسن والحسين ﵃ أبناء إنما هو من خصائصه ﷺ (٤) أو أن هذه التسمية على المجاز لا الحقيقة (٥). فينبغي إذا التنبه إلى أن بعض من استنبط أن أبناء البنات يسمون أبناء إنما عني بذلك تسميتهم مجازا. وينبني على هذا أن الابن من البنت لا يدخل عندهم في الوصية والحبس. وممن يرى ذلك ابن العربي، حيث قال -في قوله تعالى: ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا﴾ -: هذا يدل على أن الحسن والحسين ابناه، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال- في الحسن-: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين". فتعلق بهذا من قال: إن الابن من البنت يدخل في الوصية والحبس، وليس فيها حجة؛ فإنه يقال: إن هذا الإطلاق مجاز (٦).

стр. 222

وقال في موضع آخر: (فإن قيل: فقد قال ﷺ أنه قال -في الحسن-: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" قلنا: هذا مجاز، وإنما أشار به إلى تشريفه وتقديمه، ألا ترى أنه يجوز نفيه عنه فيقول الرجل في ولد بنته ليس بابني، ولو كان حقيقة ما جاز نفيه عنه؛ لأن الحقائق لا تنفى عن منتسباتها، ألا ترى أنه ينتسب إلى أبيه دون أمه، ولذلك قيل في عبد الله بن عباس ﵃ إنه هاشمي وليس بهلالي وإن كانت أمه هلالية (١) (٢). ورد القرطبي هذا الاستدلال بقوله: (هذا الاستدلال غير صحيح، بل هو ولد على الحقيقة في اللغة؛ لوجود معنى الولادة فيه، ولأن أهل العلم قد أجمعوا على تحريم بنت البنت من قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إلى قوله: ﴿كُلٌّ … مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥)﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٥] (٣). فجعل عيسى من ذريته وهو ابن بنته على ما تقدم بيانه هناك (٤)، فإن قيل: فقد قال الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا … بنوهن أبناء الرجال الأباعد

стр. 223

قيل لهم: هذا لا دليل فيه؛ لأن معنى قوله: إنما هو ولد بنيه الذكران هم الذين لهم حكم بنيه في الموارثة والنسب، وإن ولد بناته ليس لهم حكم بناته في ذلك، إذ ينتسبون إلى غيره، فأخبر بافتراقهم بالحكم مع اجتماعهم في التسمية، ولم ينف عن ولد البنات اسم الولد؛ لأنه ابن، وقد يقول الرجل في ولده ليس هو بابني إذ لا يطيعني ولا يرى لي حقا، ولا يريد بذلك نفي اسم الولد عنه، وإنما يريد أن ينفي عنه حكمه. ومن استدل بهذا البيت على أن ولد البنت لا يسمى ولدا فقد أفسد معناه، وأبطل فائدته، وتأول على قائله ما لا يصح، إذ لا يمكن أن يسمى ولد الابن في اللسان العربي ابنا، ولا يسمى ولد الابنة ابنا؛ من أجل أن معنى الولادة التي اشتق منها اسم الولد فيه أبين وأقوى؛ لأن ولد الابنة هو ولدها بحقيقة الولادة، وولد الابن إنما هو ولده بماله مما كان سببا للولادة. ولم يخرج مالك ﵀ أولاد البنات من حبس على ولده من أجل أن اسم الولد غير واقع عليه عنده في اللسان، وإنما أخرجهم منه قياسا على الموارثة) (١). قال القرطبي: ومسألة دخول ولد البنت في الوقف على الولد مسألة خلافية، فقال أبو حنيفة والشافعي: من وقف وقفا على ولده وولد ولده أنه يدخل فيه ولد ولده وولد بناته ما تناسلوا (٢)، وقال مالك لا يدخل في ذلك ولد البنات. إلى أن قال: وحجة مالك قوله -سبحانه-: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: من الآية ١١] (٣) فلم يعقل المسلمون من ظاهر

стр. 224

الآية إلا ولد الصلب، وولد الابن خاصة (١). أما حجة من أدخلهم في الوقف فمنها: أن النبي ﷺ قال عن الحسن بن علي: "إن ابني هذا سيد"، فسماه ابنا؛ فدل على دخوله في الأبناء (٢) وأشار الشوكاني إلى دليل آخر فقال-في نيل الأوطار-: حكم أولاد الأولاد حكم الأولاد، فمن وقف على أولاده دخل في ذلك أولاد الأولاد ما تناسلوا، وكذلك أولاد البنات، وفي ذلك خلاف، ومما يؤيد القول بدخول أولاد البنات حديث أبي موسى الأشعري ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : "ابن أخت القوم منهم" (٣). (٤). ومما ينبغي التنبه له أن لفظ الولد في الوقف غير لفظ الابن، إذ للعلماء في هذين اللفظين ونحوهما مما يدخل في أحكام الوقف، ويترتب عليه عقود التحبيس كالذرية، والقرابة، والعقب أقوال (٥).

стр. 225

والأظهر -والله تعالى أعلم- أن تسمية أبناء البنات أبناء، وأنهم يدخلون في الوقف على البنين هو ظاهر القرآن. قال الشنقيطي: ظاهر الآيات الكريمة يدل على اتحاد معنى العقب والذرية والبنين لأنه قال في بعضها عن إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ [إبراهيم: من الآية ٣٥] (١)، وقال عنه في بعضها: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: من الآية ٤٠] (٢)، وفي بعضها ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: من الآية ٣٧] (٣) وفي بعضها ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: من الآية ١٢٤] (٤) وفي بعضها ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: من الآية ٢٧] (٥)، وفي بعضها ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: من الآية ٢٨] (٦). فالظاهر المتبادر من الآيات أن المراد بالبنين، والذرية، والعقب شيء واحد؛ لأن جميعها في شيء واحد، وبذلك تعلم أن ظاهر القرآن يدل على أن من وقف وقفا، أو تصدق صدقة على بنيه، أو ذريته، أو عقبه أن حكم ذلك واحد. وقد دل بعض الآيات القرآنية على أن أولاد البنات يدخلون في اسم الذرية واسم البنين، وإذا دل القرآن على دخول ولد البنت في اسم الذرية والبنين، والفرض أن العقب بمعناهما؛ دل ذلك على دخول أولاد البنات في العقب أيضا فمن الآيات الدالة على دخول ولد البنت في اسم الذرية قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إلى قوله: ﴿وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾ وهذا نص قرآني صريح في دخول ولد البنت في اسم الذرية؛ لأن عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ولد بنت إذ لا أب له.

стр. 226

ومن الآيات الدالة على دخول ولد البنت في اسم البنين قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾؛ لأن لفظ البنات في الألفاظ الثلاثة شامل لبنات البنات، وبنات بناتهن، وهذا لا نزاع فيه بين المسلمين، وهو نص قرآني صحيح في استواء بنات بنيهن وبنات بناتهن. فتحصل أن دخول أولاد البنات في الوقف على الذرية والبنين والعقب هو ظاهر القرآن، ولا ينبغي العدول عنه (١). لكن الأظهر- والله أعلم- أن أبناء البنات لا يدخلون في اسم الولد. قال الشنقيطي: (أما لفظ الولد فإن القرآن يدل على أن أولاد البنات لا يدخلون فيه، وذلك في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ فإن قوله في أولادكم لا يدخل فيه أولاد البنات، وذلك لا نزاع فيه بين المسلمين، وهو نص صريح قرآني على عدم دخول أولاد البنات في اسم الولد. وإن كان جماهير العلماء على أن العقب والولد سواء، ولا شك أن اتباع القرآن هو المتعين على كل مسلم) (٢). وقد نبه ابن جزي للفرق بين لفظ الابن، والولد بقوله: وإنما قال: ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ ولم يقل في أبنائكم؛ لأن الابن يقع على الابن من الرضاعة، وعلى ابن البنت، وعلى ابن المتبنى، وليسوا من الورثة (٣). ٣٨ - من كان أمينا في الكثير فهو في القليل أمين، ومن كان خائنا في القليل فهو في الكثير خائن (٤). قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ آل عمران: ٧٥. قال الشوكاني ﵀: (ومعنى الآية: أن أهل الكتاب فيهم الأمين الذي يؤدي أمانته وإن كانت كثيرة، وفيهم الخائن الذي لا يؤدي أمانته وإن كانت حقيرة. ومن كان أمينا في الكثير فهو في القليل أمين بالأولى، ومن كان خائنا في القليل فهو في الكثير خائن بالأولى) (٥).

стр. 227

الدراسة: استنبط الشوكاني (١) أن من كان أمينا في الكثير فهو في القليل أمين، ومن كان خائنا في القليل فهو في الكثير خائن. ووجه الاستنباط: أن الآية بينت أن بعض أهل الكتاب لو اؤتمن على قنطار (٢) فإنه يؤديه إلى من ائتمنه عليه، فدل بمفهوم الموافقة على أن هذا البعض لو اؤتمن على ما هو دون القنطار فإنه يؤديه أيضا؛ لأن العلة في تأدية القنطار هي الأمانة، وهي موجودة متحققة في تأديته لما هو دون القنطار المسكوت عنه. وكذلك دلت الآية على أن بعض أهل الكتاب لو اؤتمن على دينار لا يؤديه؛ فدل بمفهوم الموافقة على أنه لو اؤتمن على ما هو أكثر من الدينار فإنه لن يؤديه؛ لأن علة عدم التأدية هي الخيانة وهي موجودة في المسكوت عنه وهو ما كان فوق الدينار. فدلت الآية بمفهوم الموافقة على أن من كان أمينا في الكثير فهو في القليل أمين، ومن كان خائنا في القليل فهو في الكثير خائن. قال القرطبي: (ومن حفظ الكثير وأداه فالقليل أولى، ومن خان في اليسير، أو منعه فذلك في الكثير أكثر، وهذا أدل دليل على القول بمفهوم الخطاب، وفيه بين العلماء خلاف كثير مذكور في أصول الفقه) (٣). وقال الطوفي: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ يستشهد بها على مفهوم الموافقة، وهو ما يكون المفهوم فيه أولى بالحكم من المنطوق؛ لأن من يؤدي قنطارا أولى بأداء الدينار، ومن يمنع دينارا أولى بمنع القنطار، وهو من باب: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (٤) [الإسراء: ٢٣]. واعلم أن الحكم إما أن يستفاد من منظوم الكلام، وهو المنطوق، أو من مفهومه، وهو إما أن يكون أولى بالحكم من المنطوق وهو مفهوم الموافقة، أو لا يكون أولى به، وهو مفهوم المخالفة نحو: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥] … وإلى هذه القسمة ترجع الألقاب الكثيرة نحو مفهوم الخطاب، ودليله، وفحواه، ولحنه، وما كان من ذلك (٥).

стр. 228

وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والطوفي -كما تقدم-، وابن كثير، والقنوجي، وابن عاشور، وابن عثيمين. (١). ٣٩ - لا يستقل العمل بدخول صاحبه الجنة، بل لا بد من رحمة الله (٢). قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ آل عمران: ١٠٧. قال الشوكاني ﵀: (قوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ أي في جنته ودار كرامته، عبر عن ذلك بالرحمة إشارة إلى أن العمل لا يستقل (٣) بدخول صاحبه الجنة، بل لا بد من الرحمة، ومنه حديث: "لن يدخل أحد الجنة بعمله" وهو في الصحيح (٤) (٥). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ أن العمل لا يستقل بدخول صاحبه الجنة، بل لابد من رحمة الله تعالى. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال عمن ابيضت وجوههم أنهم في رحمته، أي في جنته (٦) ودار كرامته، فعبر عن ذلك بالرحمة؛ فدلت مناسبة اللفظ على أن العمل لا يستقل بدخول صاحبه الجنة، فلو استغرق عمره كله في طاعة الله فإنه لن يدخل الجنة إلا برحمة الله.

стр. 229

وقد ذكر الشوكاني هذا المعنى أيضا عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأعراف: من الآية ٤٣] (١) مستدلا عليه بآيات من كتاب الله، وبحديث رسول الله ﷺ ، رادا على من أنكر هذا المعنى، فقال: (﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ أي: وقع النداء لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات فقيل لهم: ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ أي: ورثتم منازلها بعملكم. قال في الكشاف بسبب أعمالكم لا بالتفضل كما تقوله المبطلة (٢) انتهى. أقول يا مسكين هذا قاله رسول الله ﷺ فيما صح عنه: "سددوا وقاربوا، واعلموا أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته"، والتصريح بسبب لا يستلزم نفي سبب آخر، ولولا التفضل من الله على العامل بإقداره على العمل لم يكن عمل أصلا، فلو لم يكن التفضل إلا بهذا الإقدار لكان القائلون به محقة لا مبطلة، وفى التنزيل: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: من الآية ٧٠] (٣)، وفيه: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ [النساء: من الآية ١٧٥] (٤) (٥). فسمى الله دخولهم الجنة فضلا منه ورحمة.

стр. 230

وممن قال بهذا الاستنباط: السمرقندي، والبيضاوي، وابن عادل الحنبلي، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي، والقاسمي، والهرري. (١). ٤٠ - تناهي عداوة المنافقين فبمجرد أن تمس المسلمين حسنة يحصل به المساءة للمنافقين، ولا يفرحون إلا بإصابة السيئة (٢). قال تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾ آل عمران: ١٢٠. قال الشوكاني ﵀: (وعبر بالمس في الحسنة، وبالإصابة في السيئة؛ للدلالة على أن مجرد مس الحسنة يحصل به المساءة، ولا يفرحون إلا بإصابة السيئة) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ من الآية تناهي عداوة المنافقين فبمجرد أن تمس المسلمين حسنة يحصل به المساءة للمنافقين، ولا يفرحون إلا بإصابة السيئة. ووجه الاستنباط: أن الله ذكر المس -وهو أقل تمكنا من الإصابة- في الحسنة؛ ليبين أن بأدنى طروء الحسنة تقع المساءة بنفوس هؤلاء المبغضين، ثم عادل ذلك بالسيئة بلفظ الإصابة وهي عبارة عن التمكن؛ لأن الشيء المصيب لشيء فهو متمكن منه أو فيه؛ فدل هذا المنزع البليغ -بدلالة مناسبة اللفظ- على شدة العداوة، إذ هو حقد لا يذهب عند الشدائد، بل يفرحون بنزول الشدائد بالمؤمنين (٤). قال ابن المنير (٥): (والمس أقل تمكنا من الإصابة، وكأنه أقل درجاتها، فكأن الكلام-والله أعلم-: إن تصبكم الحسنة أدنى إصابة تسؤهم ويحسدوكم عليها، وإن تمكنت الإصابة منكم وانتهى الأمر فيها إلى الحد الذي يرثى الشامت عنده منها فهم لا يرثون لكم، ولا ينفكون عن حسدهم، ولا في هذه الحالة، بل يفرحون ويسرون، والله أعلم) (٦).

стр. 231

وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عطية، وابن المنير-كما تقدم-، والنيسابوري (١)، والقنوجي، والبروسوي، والدوسري، ومحمد أبو زهرة، والشعراوي. (٢). لكن بعض المفسرين كالزمخشري، والبيضاوي، والنسفي (٣) لم يفرق بين المس والإصابة، بل جعلوا المعنى واحدا، مستدلين بأن الله سوى بينهما في مواضع من كتابه، منها: قوله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠)﴾ [التوبة: ٥٠]. وقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩]. وقوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ … جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ [المعارج: ٢٠ - ٢١]. وجعل بعضهم التعبير في قوله: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ بالمس مع الحسنة، وبالإصابة مع السيئة لمجرد التفنن (٤). وتعقب النيسابوري قول من قال: إنهما بمعنى، فقال: (ولم يفرق صاحب الكشاف ههنا بين المس والإصابة، وجعل المعنى واحدا. وأقول: يشبه أن يكون المس أقل من الإصابة، وأنه أدخل في بيان شدة العداوة، وذلك أن الحسد لا ينهض لقليل من الخير إلا أن يكون هناك كمال البغض، والشماتة قلما توجد إذا أصاب العدوّ بلية عظمى كما قيل: عند الشدائد تذهب الأحقاد إلا أن يكون ثمة غاية الحقد. وإذا كان حال القوم مع المسلمين في القضيتين بالخلاف دل ذلك على شدة بغضهم ونهاية حقدهم، وعلى هذا فلا يبعد أن يقال: التنوين في ﴿حَسَنَةٌ﴾ للتقليل وفي ﴿سَيِّئَةٌ﴾ للتعظيم) (٥).

стр. 232

وكان الشيخ ابن عثيمين عد ما ذكره الشوكاني ومن قال بقوله وجيها، لكنه رجح أن يكون مس وأصاب بمعنى واحد فقال: (وهذا الفرق-يعني ما ذكره العلماء من أن المس هنا أخف من الإصابة، وما ينبني عليه من معنى دقيق- بالنسبة لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ وجيه، لكن بالنسبة لقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ لو قلنا بهذا الفرق لكان فرحهم بالسيئة لا يكون إلا إذا كانت شديدة، وهذا فيما يظهر خلاف حالهم، وبناء على ذلك يترجح قول بأن مس وأصاب بمعنى واحد) (١). ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن رأي الشوكاني ومن قال بقوله وجيه أيضا بالنسبة لقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ من حيث إن المنافقين إذا فرحوا بأعظم المصائب مما يرثى له الشامت، ويرق الحاسد فغيره أولى. (٢). ومع هذا فقول من قال إنهما بمعنى واحد قول صحيح من جهة أن بين المس والإصابة قدرا مشتركا، فالمس بلا شك هو إصابة، لكنه يختلف عنه بكونه أدنى الإصابة وأقلها. وأما ما استدلوا به من آيات، فالجواب عنه أن يقال: إن المس إصابة. ووجود هذا القدر المشترك هو الذي يسمح بتبادل الألفاظ، والتعبير عن اللفظة بالأخرى (٣)، ولذلك سوى الله بينهما، فجاء في مواضع من القرآن ذكر المس، وفي أخرى ذكر الإصابة، لكن هذا لا يمنع أن يكون بين اللفظين فرق. ومما يدل على أن المس إصابة قليلة: قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٤٦)﴾ [الأنبياء: ٤٦]. قال ابن عاشور: (والنفحة: المرة من الرضخ في العطية، يقال: نفحه بشيء إذا أعطاه. وفي مادة " النفح " أنه عطاء قليل نَزِر. وبضميمة بناء المرة فيها، والتنكير، وإسناد المس إليها دون فعل آخر أربع مبالغات في التقليل، فما ظنك بعذاب يدفع قليله من حل به إلى الإقرار باستحقاقه إياه، وإنشاء تعجبه من سوء حال نفسه) (٤). فالأحسن والأنسب بالمقام ما قيل إنه للدلالة على إفراطهم في السرور والحزن؛ لأن المس أقل من الإصابة كما هو الظاهر، فإذا ساءهم أقل خير نالهم فغيره أولى منه، وإذا فرحوا بأعظم المصائب مما يرثى له الشامت، ويرق الحاسد فغيره أولى. وهذا من أسرار بلاغة التنزيل (٥).

стр. 233

أما قولهم: إنه للتفنن، فالجواب عنه أن يقال: إن التفنن في الخطاب مطلب ممدوح، لكن الكلام الصادر من حكيم لابد أن يكون لحكمة. قال الشعراوي: وفي الآية التي نحن بصدد الخواطر عنها تجد خلافا في الأسلوب فسبحانه يقول: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ إنه لم يورد الأمر كله مسا، ولم يورده كله إصابة إنه كلام رب حكيم، وعندما نتمعن في المعنى فإن الواحد منا يقول: هذا كلام لا يقوله إلا رب حكيم وحين يقول الحق: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ فمعنى ذلك أن الحسنة الواقعة بسيطة، وليست كبيرة إنها مجرد غنيمة أو قليل من الخير إن الحق يقول: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ إن الكافرين يفرحون لأي سوء يصيب المؤمنين، مع أنه كان مقتضي الإنسانية أن ينقلب الحاسد راحما: وحسبك من حادث بامرئ … ترى حاسديه له راحمينا (١) يعني حسبك من حادث ومصيبة تقع على إنسان أن الذي كان يحسده ينقلب راحما له، إذن فلما تشتد إصابة المؤمنين أكانت تغير من موقف الكافرين؟ لا، كان أهل الكفر يفرحون في أهل الإيمان، وإذا جاء خير أي خير للمؤمنين يحزنون فالحق يقول: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ والحسنة هي أي خير يمسهم مسا خفيفا (٢). فظهر أن استنباط الشوكاني ومن قال بقوله صحيح، بل هو الأظهر لما تقدم، والله أعلم.

стр. 234

٤١ - لم تباشر الملائكة القتال يوم بدر، وإنما كان الإمداد بهم بشرى بالنصر، وطمأنينة للقلوب فحسب (١). قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ آل عمران: ١٢٦. قال الشوكاني ﵀: (جعل الله ذلك الإمداد بشرى بالنصر، وطمأنينة للقلوب. وفي قصر الإمداد عليهما إشارة إلى عدم مباشرة الملائكة للقتال يومئذ) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ من الآية أن الملائكة لم تباشر القتال يوم بدر، وإنما كان الإمداد بهم بشرى بالنصر، وطمأنينة للقلوب فحسب (٤). ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أنه ما جعل الإمداد بالملائكة إلا بشرى بالنصر، وطمأنينة للقلوب؛ فدل بمفهوم المخالفة- مفهوم الحصر- على عدم مباشرة الملائكة للقتال يومئذ. وهذا الاستنباط مبني على أن الوعد بنصرة الملائكة كان يوم بدر لا يوم أحد. إذ في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤)﴾ [آل عمران: ١٢٤] خلاف بين المفسرين هل كان يوم بدر أو أحد؟ على قولين: أحدهما: أن هذا الوعد متعلق بقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١)﴾ [آل عمران: ١٢١] وذلك يوم أحد (٥). لكن قالوا: لم يحصل الإمداد بالثلاثة الآلاف، ولا بالخمسة الآلاف؛ لقوله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾﴾ [آل عمران: ١٢٥] فلم يصبروا؛ فلم يمدوا بملك واحد (٦).

стр. 235

ثانيهما: أن قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ متعلق بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣] (١). قال الشوكاني: (قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ متعلق بقوله: ﴿نَصَرَكُمُ﴾) (٢). والقول بأن الوعد بنصرة الملائكة كان يوم بدر لا يوم أحد قول جمهور المفسرين (٣)، وهو الأظهر -والله أعلم- إذ السياق دال عليه (٤). قال ابن كثير: فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية على هذا القول وبين قوله في قصة بدر ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠]؟ فالجواب: أن التنصيص على الألف ها هنا لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها؛ لقوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بمعنى يردفهم غيرهم، ويتبعهم ألوف أخر مثلهم. وهذا السياق شبيه بهذا السياق في سورة آل عمران، فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان يوم بدر والله أعلم) (٥). وممن قال باستنباط الشوكاني: أبو السعود، والقنوجي. (٦).

стр. 236

لكن القول بأن الملائكة باشرت القتال يومئذ هو قول جماعة من المفسرين كابن عطية، والقرطبي، وابن كثير، وابن عاشور. (١). وهو قول ابن القيم في زاد المعاد حيث قال: (وكانت الملائكة يومئذ تبادر المسلمين إلى قتل أعدائهم) (٢). وهذا القول -والله أعلم- هو الأظهر؛ لأن القول بمفهوم المخالفة معارض بالأدلة على أن الملائكة قاتلت ببدر، وقد تظاهرت الروايات وتظافرت على أن الملائكة حضرت بدرا وقاتلت كما قال ابن عطية والقرطبي (٣). ومن تلكم الأدلة: حديث ابن عباس ﵃ أن النبي ﷺ قال يوم بدر: "هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب" (٤). وقول ابن عباس ﵃: "بينما رجل من المسلمين يومئذ -يعني ببدر- يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع حصول بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم كلاهما، وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ فقال: صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة … الحديث" (٥).

стр. 237

وقول الربيع بن أنس (١) ﵁: "كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ﵈ ممن قتلوهم، بضرب على الأعناق، وعلى البنان، مثل سمة النار قد أحرق به" (٢). ويتنبه إلى أن الشوكاني نقض هذا الاستنباط عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ [التوبة: ٢٦] حيث قال: (قوله: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ هم الملائكة. وقد اختلف في عددهم على أقوال: قيل: خمسة آلاف، وقيل: ثمانية آلاف، وقيل: ستة عشر ألفا، وقيل غير ذلك، وهذا لا يعرف إلا من طريق النبوة. واختلفوا أيضا هل قاتلت الملائكة في هذا اليوم أم لا؟ وقد تقدم أن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر، وأنهم إنما حضروا في غير يوم بدر لتقوية قلوب المؤمنين، وإدخال الرعب في قلوب المشركين) (٣). فلعله رجع عن هذا الاستنباط. أو أنه نقله ممن سبقه ولم يدقق فيه. ٤٢ - سبقت رحمة الله غضبه (٤). قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ آل عمران: ١٢٩. قال الشوكاني ﵀: (وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه، وتبشير لعباده بأنه المتصف بالمغفرة والرحمة على وجه المبالغة، وما أوقع هذا التذييل الجليل، وأحبه إلى قلوب العارفين بأسرار التنزيل) (٥).

стр. 238

الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ من الآية أن رحمة الله سبقت غضبه. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أن الجميع ملك له، وأنه المتصرف فلا معقب لحكمه، يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، ثم ختم الآية بما يدل على المغفرة فقال: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ فدل ختمه بهذين الاسمين المتضمنين صفتي المغفرة والرحمة بدلالة الربط بين الآية وخاتمتها على أن رحمة الله سبقت غضبه، إذ التذييل بهذين الاسمين مقرر لمضمون قوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ مع زيادة، وفي تخصيص التذييل به من الاعتناء بشأن المغفرة والرحمة ما لا يخفى. (١). قال الرازي: (ثم ختم الكلام بقوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ والمقصود بيان أنه وإن حسن كل ذلك منه، إلا أن جانب الرحمة والمغفرة غالب لا على سبيل الوجوب، بل على سبيل الفضل والإحسان) (٢). وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، والطوفي، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي، والقاسمي. (٣). وذكر الهرري وجها آخر لاستنباط هذا المعنى فقال: (﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ مغفرته بفضله ورحمته، ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ تعذيبه بعدله، وتقديم المغفرة على التعذيب للإعلام بأن رحمته سبقت غضبه) (٤). فوجه الاستنباط عنده تقديم ذكر المغفرة على العذاب. وكلا الوجهين صحيح في دلالته على المعنى المستنبط. وهو بلا شك معنى صحيح، فقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي" (٥). ولذا جمع بعض المفسرين كالبروسوي بين الوجهين (٦).

стр. 239

٤٣ - الإيمان يزيد وينقص (١). قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ آل عمران: ١٧٣. قال الشوكاني ﵀: (وفيه دليل على أن الإيمان يزيد وينقص) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ من الآية أن الإيمان يزيد وينقص. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أن الإيمان يزيد؛ فدل بدلالة الالتزام على أنه ينقص أيضا؛ لأن كل ما يزيد ينقص (٣). وهو استنباط صحيح على مذهب أهل السنة والجماعة أيدته الآيات والأحاديث (٤). فمن الآيات: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤)﴾ [الفتح: ٤]. ومن الأحاديث الدالة عليه: حديث الشفاعة. وقول النبي ﷺ : فيه: "فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار؛ فأنطلق فأفعل هذا" (٥).

стр. 240

قال النووي: (وفي هذا الحديث دلالة لمذهب السلف وأهل السنة ومن وافقهم من المتكلمين في أن الإيمان يزيد وينقص، ونظائره في الكتاب والسنة كثيرة) (١). قال الآلوسي: (﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢] أي: تصديقا كما هو المتبادر؛ فإن تظاهر الأدلة، وتعاضد الحجج مما لا ريب في كونه موجبا لذلك، وهذا أحد أدلة من ذهب إلى أن الإيمان يقبل الزيادة والنقص، وهو مذهب الجم الغفير من الفقهاء، والمحدثين، والمتكلمين، وبه أقول؛ لكثرة الظواهر الدالة على ذلك من الكتاب والسنة من غير معارض لها عقلا، بل قد احتج عليه بعضهم بالعقل أيضا، وذلك أنه لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان؛ لكان إيمان آحاد الأمة، بل المنهمكين في الفسق والمعاصي مساويا لإيمان الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام واللازم باطل فكذا الملزوم) (٢). وممن قال بهذا الاستنباط من هذه الآية: البيضاوي، وأبو السعود، والقنوجي، والقاسمي، ومحمد أبو زهرة، وعبد الرحمن الدوسري. (٣). وكذا استنبط جمع من المفسرين المعنى الذي استنبطه الشوكاني من هذه الآية، لكن استنباطهم لهذا المعنى جاء من آيات أخرى مماثلة (٤) لهذه الآية. (٥).

стр. 241

قال ابن كثير- في تفسير قوله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣)﴾ [الكهف: ١٣]-: (استدل بهذه الآية وأمثالها غير واحد من الأئمة كالبخاري وغيره ممن ذهب إلى زيادة الإيمان وتفاضله، وأنه يزيد وينقص؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣)﴾، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد: ١٧]، وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾ [التوبة: ١٢٤]، وقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك) (١). ٤٤ - قول اليهود: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ بمكان يعدل قتل الأنبياء (٢). قال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ آل عمران: ١٨١. قال الشوكاني ﵀: (قوله: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾ عطف على ﴿مَا قَالُوا﴾ أي: ونكتب قتلهم الأنبياء، أي: قتل أسلافهم للأنبياء، وإنما نسب ذلك إليهم لكونهم رضوا به. جعل ذلك القول قرينا لقتل الأنبياء تنبيها على أنه من العظم والشناعة بمكان يعدل قتل الأنبياء) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ من الآية أن قول اليهود: إن الله فقير وهم أغنياء بمكان يعدل قتل الأنبياء. ووجه الاستنباط: عطف (٤) قتلهم الأنبياء على قولهم الفاسد، فجعل ذلك القول قرينا لقتل الأنبياء؛ فدل بدلالة الاقتران على أن قولهم بمكان يعدل قتل الأنبياء. والاقتران هنا معتبر لأنه دال على معنى غير الأحكام. إذ يمكن أخذ شيء من المعاني الأخرى غير الأحكام عن طريق دلالة الاقتران، وذلك كالتشريف الناتج عن الاقتران المشعر به أحيانا، أو التعظيم، أو غير ذلك من المعاني (٥).

стр. 242

وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، وأبو السعود، والبروسوي، والآلوسي، والقنوجي. (١).

стр. 243

سورة النساء ٤٥ - لا حق للمملوكات في القَسْم (١). قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ النساء: ٣. قال الشوكاني ﵀: (قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ معطوف على واحدة، أي: فانكحوا واحدة، أو انكحوا ما ملكت أيمانكم من السراري، وإن كثر عددهن، كما يفيده الموصول. والمراد نكاحهن بطريق الملك لا بطريق النكاح. وفيه دليل على أنه لا حق للمملوكات في القسم، كما يدل على ذلك جعله قسيما للواحدة في الأمن من عدم العدل) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ أن المملوكات لا حق لهن في القسم. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ والمراد به العدل في القسم بين الزوجات، فأما إن خاف إظهار الميل ومجانبة العدل فعليه الاقتصار على الواحدة، وبه يزول الخوف من الميل (٤)، ثم قال بعدها: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فجعل الإماء والحرة الواحدة عوضا من الأربع، مع خيفة الجور في ترك الخروج إليهن بحقوقهن، والقسم منها (٥)، فاقتضى عطف ملك اليمين على الواحدة أن يكون الذي يعدل إليه خيفة الحيف وترك العدل، لا يجب فيه مراعاة العدل، وذلك ملك اليمين (٦).

стр. 244

وممن قال بهذا الاستنباط: القصاب، وإلكيا الهراسي، وابن العربي، وابن الفرس، والقرطبي، والسيوطي، والقنوجي. (١). وهن وإن لم يكن لهن حق في القسم؛ فإن لهن الحق في حسن المعاملة، وترك الضر (٢)، وهو حق قائم بوجوب حسن الملكة، والرفق بالرقيق (٣). ٤٦ - حرمة أخذ شيء من مهر الزوجة دون رضاها (٤). ٤٧ - عدم اعتبار ما يصدر من النساء من الألفاظ المفيدة للتمليك (٥). قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ النساء: ٤. قال الشوكاني ﵀: (وفي قوله: ﴿طِبْنَ﴾ دليل على أن المعتبر في تحليل ذلك منهن لهم إنما هو طيبة النفس، لا مجرد ما يصدر منها من الألفاظ التي لا يتحقق معها طيبة النفس، فإذا ظهر منها ما يدل على عدم طيبة نفسها؛ لم يحل للزوج ولا للولي، وإن كانت قد تلفظت بالهبة أو النذر أو نحوهما). ثم قال: (وما أقوى دلالة هذه الآية على عدم اعتبار ما يصدر من النساء من الألفاظ المفيدة للتمليك بمجردها؛ لنقصان عقولهن، وضعف إدراكهن، وسرعة انخداعهن، وانجذابهن إلى ما يراد منهن بأيسر ترغيب أو ترهيب) (٦). الدراسة: استنبط الشوكاني (٧) ﵀ حرمة أخذ شيء من مهر الزوجة دون رضاها.

стр. 245

ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أنما أباح الأخذ من مهر الزوجة على شرط رضاها؛ فدل بمفهوم المخالفة-مفهوم الشرط- حرمة أخذ شيء من مهر الزوجة دون رضاها؛ لانتفاء الشرط (١). قال الشافعي: (فكان في هذه الآية إباحة أكله إذا طابت به نفسا، ودليل على أنها إذا لم تطب به نفسا لم يحل أكله) (٢). وممن قال بهذا الاستنباط أيضا القنوجي. وأشار إليه المراغي، وابن عثيمين، والهرري. (٣). والآية دالة على ضيق المسلك في هذا الباب ووجوب الاحتياط حيث بنى الشرط على طيب النفس فقال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ﴾ (٤) وآثر لفظ طبن في النظم الكريم دون فإن وهبن لكم شيئا منه عن طيب نفس؛ إيذانا بأن العمدة في الأمر طيب النفس، وتجافيها عن الموهوب بالمرة، حيث جعل ذلك مبتدأ وركنا من الكلام لا فضلة كما في التركيب المفروض (٥). وطيبة النفس بالعطاء أرق من الرضا به؛ لأن الرضا قد يتصور مع التورط، أما طيبة النفس فلا تتصور إلا بالسماح (٦). قال بعض العلماء: إن وهبت ثم طلبت بعد الهبة علم أنها لم تطب عنه نفسا. وعن الشعبي (٧) أن امرأة جاءت مع زوجها شريحا في عطية أعطتها إياه، وهي تطلب الرجوع، فقال شريح (٨): رد عليها، فقال الرجل: أليس قد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾، فقال: لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه.

стр. 246

وروي عنه أيضا: أقيلها فيما وهبت ولا أقيله؛ لأنهن يخدعن. وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى قضاته: إن النساء يعطين رغبة ورهبة، فأيما امرأة أعطته ثم أرادت أن ترجع فذلك لها. (١). قال القاسمي: (ما رآه شريح وروي عن عمر هو الفقه الصحيح والاستنباط البديع؛ إذ الآية دلت على ضيق المسلك في ذلك ووجوب الاحتياط، حيث بنى الشرط على طيب النفس، ولم يقل فإن وهبن لكم إعلاما بأن المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة، وبرجوعها يظهر عدم طيب نفسها) (٢). ورأى آخرون بأن المرأة المالكة لأمر نفسها إذا وهبت صداقها لزوجها نفذ ذلك عليها، ولا رجوع لها فيه. قال ابن العربي: (اتفق العلماء على أن المرأة المالكة لأمر نفسها إذا وهبت صداقها لزوجها نفذ ذلك عليها، ولا رجوع لها فيه، إلا أن شريحا رأى الرجوع لها فيه، واحتج بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ وإذا قامت طالبة له لم تطب به نفسا، وهذا باطل لأنها قد طابت وقد أكل، فلا كلام لها إذ ليس المراد صورة الأكل وإنما هو كناية عن الإحلال والاستحلال وهذا بين) (٣). كما استنبط الشوكاني من الآية: عدم اعتبار ما يصدر من النساء من الألفاظ المفيدة للتمليك بمجردها؛ لنقصان عقولهن، وضعف إدراكهن-لعله قصد أن عواطفهن تغلب على عقولهن- وسرعة انخداعهن، وانجذابهن إلى ما يراد منهن بأيسر ترغيب أو ترهيب. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال ﴿طِبْنَ﴾ فدل على أن المعتبر في تحليل ذلك منهن لهم إنما هو طيبة النفس، لا مجرد ما يصدر منها من الألفاظ التي لا يتحقق معها طيبة النفس؛ فدل بمفهوم الموافقة على عدم اعتبار ما يصدر من النساء من الألفاظ المفيدة للتمليك بمجردها إذ لابد من طيبة النفس. فيكون لغير المهر حكم المهر في التمليك، فلا يحل إلا بطيبة النفس. وكأن الشوكاني ﵀ رأى أن في الآية تنبيها للرجال بأن يتحققوا مما يهبه لهم النساء عموما، فلا يحل لهم منه شيئا إلا إن طابت أنفسهن بذلك. ومعنى هذا الاستنباط صحيح يؤيده عموم قوله ﷺ : " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" (٤).

стр. 247

٤٨ - إفراد ذكر النساء بعد ذكر الرجال في الميراث للإيذان بأصالتهن في هذا الحكم (١). قال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ النساء: ٧. قال الشوكاني ﵀: (وأفرد سبحانه ذكر النساء بعد ذكر الرجال، ولم يقل للرجال والنساء نصيب؛ للإيذان بأصالتهن في هذا الحكم، ودفع ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث النساء) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ من الآية أصالة حق النساء في الميراث، ودفع ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث النساء. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أفرد ذكر النساء بعد ذكر الرجال، فلم يقل للرجال والنساء نصيب، بل جاء الحديث عن ميراث النساء بصيغة مساوية لنصيب الرجال مع أن نصيبهن أقل من نصيب الرجال؛ فدل ذلك على أصالتهن في هذا الحكم، ودفع ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث النساء. (٤).

стр. 248

قال أبو السعود: (إيراد حكمهن على الاستقلال دون الدرج في تضاعيف أحكامهم بأن يقال: للرجال والنساء الخ؛ للاعتناء بأمرهن، والإيذان بأصالتهن في استحقاق الإرث، والإشارة من أول الأمر إلى تفاوت ما بين نصيبي الفريقين، والمبالغة في إبطال حكم الجاهلية؛ فإنهم ما كانوا يورثون النساء والأطفال) (١). وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود -كما تقدم-، والقنوجي، والآلوسي، والدوسري، وابن عثيمين. (٢). وفي هذا الاستنباط ما يدل على رعاية الإسلام لحقوق المرأة المالية. وفيه دليل على بلاغة القرآن ودقة ألفاظه في الدلالة على المراد. ومن الأمور الدقيقة الدالة على حرص الإسلام على رعاية الإسلام لحقوق المرأة المالية، ودفع ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث النساء: ١ - بلاغة قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: من الآية ١١] في الدلالة على اعتناء الإسلام بميراث المرأة. قال ابن عاشور: (﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ جعل حظ الأنثيين هو المقدار الذي يقدر به حظ الذكر، ولم يكن قد تقدم تعيين حظ للأنثيين حتى يقدر به، فعلم أن المراد تضعيف حظ الذكر من الأولاد على حظ الأنثى منهم، وقد كان المراد صالحا لأن يؤدى بنحو: للأنثى نصف حظ ذكر، أو للأنثيين مثل حظ ذكر، إذ ليس المقصود إلا بيان المضاعفة، ولكن أوثر هذا التعبير لنكتة لطيفة هي الإيماء إلى أن حظ الأنثى صار في اعتبار الشرع أهم من حظ الذكر، إذ كانت مهضومة الجانب عند أهل الجاهلية فصار الإسلام ينادي بحظها في أول ما يقرع الأسماع قد علم أن قسمة المال تكون باعتبار عدد البنين والبنات) (٣). ٢ - أن الله تعالى أثبت فرضا للإخوة للأم في الكلالة فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ … رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: من الآية ١٢] فكان هذا إبطالا لما كان عليه أهل الجاهلية من إلغاء جانب الأمومة أصلا؛ لأنه جانب نساء (٤).

стр. 249

٤٩ - الاقتصار في ميراث البنتين على الثلثين (١). قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾ النساء: ١١. قال الشوكاني ﵀: (وللاثنتين فصاعدا الثلثان وظاهر النظم القرآني أن الثلثين فريضة الثلاث من البنات فصاعدا، ولم يسم للاثنتين فريضة؛ ولهذا اختلف أهل العلم في فريضتهما، فذهب الجمهور إلى أن لهما إذا انفردتا عن البنين الثلثين، وذهب ابن عباس ﵃ إلى أن فريضتهما النصف، احتج الجمهور بالقياس على الأختين؛ فإن الله سبحانه قال في شأنهما: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ فألحقوا البنتين بالأختين في استحقاقهما الثلثين، كما ألحقوا الأخوات إذا زدن على اثنتين بالبنات في الاشتراك في الثلثين (٢) … ويكمن تأييد ما احتج به الجمهور بأن الله سبحانه لما فرض للبنت الواحدة إذا انفردت النصف بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ كان فرض البنتين إذا انفردتا فوق فرض الواحدة، وأوجب القياس على الأختين الاقتصار للبنتين على الثلثين) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني (٤) ﵀ من الآية الاقتصار في ميراث البنتين على الثلثين.

стр. 250

ووجه الاستنباط من جهتين: الأولى: أن الله تعالى فرض للبنت الواحدة إذا انفردت النصف، ومفهوم المخالفة يقتضي أن ما زاد عن الواحدة فليس لها النصف؛ فدل ذلك على أن فرض البنتين إذا انفردتا فوق فرض الواحدة، وليس بعده إلا الثلثان. الثانية: أن الله تعالى جعل الثلثين للأختين في قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا … اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا … إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: من الآية ١٧٦] وصلة البنتين بأبيهما أقوى من صلة الأختين بأخيهما، فدل بمفهوم الموافقة الأولي، أو القياس على أن للبنتين الثلثين. وممن قال بهذا الاستنباط: القصاب، والجصاص، والقنوجي، والسعدي، والشنقيطي، وابن عثيمين. (١). ورأى ابن عباس ﵃ أن للبنتين النصف، وكأنه لم ير لتوريثهما أكثر من التشريك في النصف محملا في الآية، ولو أريد ذلك لما قال: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ (٢). وما ذهب إليه الشوكاني هو رأي الجمهور. قال الشنقيطي: (﴿فَإِنْ كُنَّ … نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن البنات إن كن ثلاثا فصاعدا فلهن الثلثان، وقوله: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ يوهم أن الاثنتين ليستا كذلك، وصرح بأن الواحدة لها النصف، ويفهم منه أن الاثنتين ليستا كذلك أيضا، وعليه ففي دلالة الآية على قدر ميراث البنتين إجمال. وقد أشار تعالى في موضعين إلى أن هذا الظرف-يعني: فوق- لا مفهوم مخالفة له، وأن للبنتين الثلثين أيضا: الأول: قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ إذ الذكر يرث مع الواحدة الثلثين بلا نزاع، فلا بد أن يكون للبنتين الثلثان في صورة، وإلا لم يكن للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأن الثلثين ليسا بحظ لهما أصلا، لكن تلك الصورة ليست صورة الاجتماع إذ ما من صورة يجتمع فيها الابنتان مع الذكر ويكون لهما الثلثان؛ فتعين أن تكون صورة انفرادهما عن الذكر … ومما يزيده إيضاحا أنه تعالى فرعه عليه بالفاء في قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ﴾ إذ لو لم يكن فيما قبله ما يدل على سهم الإناث لم تقع الفاء موقعها كما هو ظاهر. الموضع الثاني: هو قوله تعالى في الأختين: ﴿فَإِنْ كَانَتَا … اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: من الآية ١٧٦]؛ لأن البنت أمس رحما، وأقوى سببا في الميراث من الأخت بلا نزاع، فإذا صرح تعالى بأن للأختين الثلثين علم أن البنتين كذلك من باب أولى … فالله ﵎ لما بين أن للأختين الثلثين أفهم بذلك أن البنتين كذلك من باب أولى. وكذلك لما صرح أن لما زاد على الاثنتين من البنات الثلثين فقط -ولم يذكر حكم ما زاد على الاثنتين من الأخوات- أفهم أيضا من باب أولى أنه ليس لما زاد من الأخوات غير الثلثين؛ لأنه لما لم يعط للبنات علم أنه لا تستحقه الأخوات فالمسكوت عنه في الأمرين أولى بالحكم من المنطوق به. ويزيد ما ذكرنا إيضاحا حديث جابر ﵃ قال جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله ﷺ فقالت: "يا رسول الله هاتان ابنتا سعد، قتل أبوهما يوم أحد، وإن عمهما أخذ مالهما ولم يدع لهما مالا، ولا ينكحان إلا ولهما مال؛ فقال ﷺ : يقضي الله تعالى في ذلك؛ فنزلت آية الميراث، فبعث رسول الله ﷺ إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك" (٣).
следующие страницы →