← Тафсир

Тафсир · id 750

استنباطات الشوكاني في تفسيره فتح القدير

خلود شاكر فهيد العبدلي

Полный текст (565 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وروي عنه أيضا: أقيلها فيما وهبت ولا أقيله؛ لأنهن يخدعن. وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى قضاته: إن النساء يعطين رغبة ورهبة، فأيما امرأة أعطته ثم أرادت أن ترجع فذلك لها. (١). قال القاسمي: (ما رآه شريح وروي عن عمر هو الفقه الصحيح والاستنباط البديع؛ إذ الآية دلت على ضيق المسلك في ذلك ووجوب الاحتياط، حيث بنى الشرط على طيب النفس، ولم يقل فإن وهبن لكم إعلاما بأن المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة، وبرجوعها يظهر عدم طيب نفسها) (٢). ورأى آخرون بأن المرأة المالكة لأمر نفسها إذا وهبت صداقها لزوجها نفذ ذلك عليها، ولا رجوع لها فيه. قال ابن العربي: (اتفق العلماء على أن المرأة المالكة لأمر نفسها إذا وهبت صداقها لزوجها نفذ ذلك عليها، ولا رجوع لها فيه، إلا أن شريحا رأى الرجوع لها فيه، واحتج بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ وإذا قامت طالبة له لم تطب به نفسا، وهذا باطل لأنها قد طابت وقد أكل، فلا كلام لها إذ ليس المراد صورة الأكل وإنما هو كناية عن الإحلال والاستحلال وهذا بين) (٣). كما استنبط الشوكاني من الآية: عدم اعتبار ما يصدر من النساء من الألفاظ المفيدة للتمليك بمجردها؛ لنقصان عقولهن، وضعف إدراكهن-لعله قصد أن عواطفهن تغلب على عقولهن- وسرعة انخداعهن، وانجذابهن إلى ما يراد منهن بأيسر ترغيب أو ترهيب. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال ﴿طِبْنَ﴾ فدل على أن المعتبر في تحليل ذلك منهن لهم إنما هو طيبة النفس، لا مجرد ما يصدر منها من الألفاظ التي لا يتحقق معها طيبة النفس؛ فدل بمفهوم الموافقة على عدم اعتبار ما يصدر من النساء من الألفاظ المفيدة للتمليك بمجردها إذ لابد من طيبة النفس. فيكون لغير المهر حكم المهر في التمليك، فلا يحل إلا بطيبة النفس. وكأن الشوكاني ﵀ رأى أن في الآية تنبيها للرجال بأن يتحققوا مما يهبه لهم النساء عموما، فلا يحل لهم منه شيئا إلا إن طابت أنفسهن بذلك. ومعنى هذا الاستنباط صحيح يؤيده عموم قوله ﷺ : " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" (٤).

стр. 247

٤٨ - إفراد ذكر النساء بعد ذكر الرجال في الميراث للإيذان بأصالتهن في هذا الحكم (١). قال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ النساء: ٧. قال الشوكاني ﵀: (وأفرد سبحانه ذكر النساء بعد ذكر الرجال، ولم يقل للرجال والنساء نصيب؛ للإيذان بأصالتهن في هذا الحكم، ودفع ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث النساء) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ من الآية أصالة حق النساء في الميراث، ودفع ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث النساء. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أفرد ذكر النساء بعد ذكر الرجال، فلم يقل للرجال والنساء نصيب، بل جاء الحديث عن ميراث النساء بصيغة مساوية لنصيب الرجال مع أن نصيبهن أقل من نصيب الرجال؛ فدل ذلك على أصالتهن في هذا الحكم، ودفع ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث النساء. (٤).

стр. 248

قال أبو السعود: (إيراد حكمهن على الاستقلال دون الدرج في تضاعيف أحكامهم بأن يقال: للرجال والنساء الخ؛ للاعتناء بأمرهن، والإيذان بأصالتهن في استحقاق الإرث، والإشارة من أول الأمر إلى تفاوت ما بين نصيبي الفريقين، والمبالغة في إبطال حكم الجاهلية؛ فإنهم ما كانوا يورثون النساء والأطفال) (١). وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود -كما تقدم-، والقنوجي، والآلوسي، والدوسري، وابن عثيمين. (٢). وفي هذا الاستنباط ما يدل على رعاية الإسلام لحقوق المرأة المالية. وفيه دليل على بلاغة القرآن ودقة ألفاظه في الدلالة على المراد. ومن الأمور الدقيقة الدالة على حرص الإسلام على رعاية الإسلام لحقوق المرأة المالية، ودفع ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث النساء: ١ - بلاغة قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: من الآية ١١] في الدلالة على اعتناء الإسلام بميراث المرأة. قال ابن عاشور: (﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ جعل حظ الأنثيين هو المقدار الذي يقدر به حظ الذكر، ولم يكن قد تقدم تعيين حظ للأنثيين حتى يقدر به، فعلم أن المراد تضعيف حظ الذكر من الأولاد على حظ الأنثى منهم، وقد كان المراد صالحا لأن يؤدى بنحو: للأنثى نصف حظ ذكر، أو للأنثيين مثل حظ ذكر، إذ ليس المقصود إلا بيان المضاعفة، ولكن أوثر هذا التعبير لنكتة لطيفة هي الإيماء إلى أن حظ الأنثى صار في اعتبار الشرع أهم من حظ الذكر، إذ كانت مهضومة الجانب عند أهل الجاهلية فصار الإسلام ينادي بحظها في أول ما يقرع الأسماع قد علم أن قسمة المال تكون باعتبار عدد البنين والبنات) (٣). ٢ - أن الله تعالى أثبت فرضا للإخوة للأم في الكلالة فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ … رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: من الآية ١٢] فكان هذا إبطالا لما كان عليه أهل الجاهلية من إلغاء جانب الأمومة أصلا؛ لأنه جانب نساء (٤).

стр. 249

٤٩ - الاقتصار في ميراث البنتين على الثلثين (١). قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾ النساء: ١١. قال الشوكاني ﵀: (وللاثنتين فصاعدا الثلثان وظاهر النظم القرآني أن الثلثين فريضة الثلاث من البنات فصاعدا، ولم يسم للاثنتين فريضة؛ ولهذا اختلف أهل العلم في فريضتهما، فذهب الجمهور إلى أن لهما إذا انفردتا عن البنين الثلثين، وذهب ابن عباس ﵃ إلى أن فريضتهما النصف، احتج الجمهور بالقياس على الأختين؛ فإن الله سبحانه قال في شأنهما: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ فألحقوا البنتين بالأختين في استحقاقهما الثلثين، كما ألحقوا الأخوات إذا زدن على اثنتين بالبنات في الاشتراك في الثلثين (٢) … ويكمن تأييد ما احتج به الجمهور بأن الله سبحانه لما فرض للبنت الواحدة إذا انفردت النصف بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ كان فرض البنتين إذا انفردتا فوق فرض الواحدة، وأوجب القياس على الأختين الاقتصار للبنتين على الثلثين) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني (٤) ﵀ من الآية الاقتصار في ميراث البنتين على الثلثين.

стр. 250

ووجه الاستنباط من جهتين: الأولى: أن الله تعالى فرض للبنت الواحدة إذا انفردت النصف، ومفهوم المخالفة يقتضي أن ما زاد عن الواحدة فليس لها النصف؛ فدل ذلك على أن فرض البنتين إذا انفردتا فوق فرض الواحدة، وليس بعده إلا الثلثان. الثانية: أن الله تعالى جعل الثلثين للأختين في قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا … اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا … إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: من الآية ١٧٦] وصلة البنتين بأبيهما أقوى من صلة الأختين بأخيهما، فدل بمفهوم الموافقة الأولي، أو القياس على أن للبنتين الثلثين. وممن قال بهذا الاستنباط: القصاب، والجصاص، والقنوجي، والسعدي، والشنقيطي، وابن عثيمين. (١). ورأى ابن عباس ﵃ أن للبنتين النصف، وكأنه لم ير لتوريثهما أكثر من التشريك في النصف محملا في الآية، ولو أريد ذلك لما قال: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ (٢). وما ذهب إليه الشوكاني هو رأي الجمهور. قال الشنقيطي: (﴿فَإِنْ كُنَّ … نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن البنات إن كن ثلاثا فصاعدا فلهن الثلثان، وقوله: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ يوهم أن الاثنتين ليستا كذلك، وصرح بأن الواحدة لها النصف، ويفهم منه أن الاثنتين ليستا كذلك أيضا، وعليه ففي دلالة الآية على قدر ميراث البنتين إجمال. وقد أشار تعالى في موضعين إلى أن هذا الظرف-يعني: فوق- لا مفهوم مخالفة له، وأن للبنتين الثلثين أيضا: الأول: قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ إذ الذكر يرث مع الواحدة الثلثين بلا نزاع، فلا بد أن يكون للبنتين الثلثان في صورة، وإلا لم يكن للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأن الثلثين ليسا بحظ لهما أصلا، لكن تلك الصورة ليست صورة الاجتماع إذ ما من صورة يجتمع فيها الابنتان مع الذكر ويكون لهما الثلثان؛ فتعين أن تكون صورة انفرادهما عن الذكر … ومما يزيده إيضاحا أنه تعالى فرعه عليه بالفاء في قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ﴾ إذ لو لم يكن فيما قبله ما يدل على سهم الإناث لم تقع الفاء موقعها كما هو ظاهر. الموضع الثاني: هو قوله تعالى في الأختين: ﴿فَإِنْ كَانَتَا … اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: من الآية ١٧٦]؛ لأن البنت أمس رحما، وأقوى سببا في الميراث من الأخت بلا نزاع، فإذا صرح تعالى بأن للأختين الثلثين علم أن البنتين كذلك من باب أولى … فالله ﵎ لما بين أن للأختين الثلثين أفهم بذلك أن البنتين كذلك من باب أولى. وكذلك لما صرح أن لما زاد على الاثنتين من البنات الثلثين فقط -ولم يذكر حكم ما زاد على الاثنتين من الأخوات- أفهم أيضا من باب أولى أنه ليس لما زاد من الأخوات غير الثلثين؛ لأنه لما لم يعط للبنات علم أنه لا تستحقه الأخوات فالمسكوت عنه في الأمرين أولى بالحكم من المنطوق به. ويزيد ما ذكرنا إيضاحا حديث جابر ﵃ قال جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله ﷺ فقالت: "يا رسول الله هاتان ابنتا سعد، قتل أبوهما يوم أحد، وإن عمهما أخذ مالهما ولم يدع لهما مالا، ولا ينكحان إلا ولهما مال؛ فقال ﷺ : يقضي الله تعالى في ذلك؛ فنزلت آية الميراث، فبعث رسول الله ﷺ إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك" (٣).

стр. 251

ثم قال: وما روي عن ابن عباس ﵃ من أنه قال للبنتين النصف لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ فصرح بأن الثلثين إنما هما لما فوق الاثنتين فيه أمور: الأول: أنه مردود بمثله؛ لأن الله قال أيضا: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ فصرح بأن النصف للواحدة، جاعلا كونها واحدة شرطا معلقا عليه فرض النصف. وقد تقرر في الأصول أن المفاهيم إذا تعارضت قدم الأقوى منها، ومعلوم أن مفهوم الشرط أقوى من مفهوم الظرف؛ لأن مفهوم الشرط لم يقدم عليه من المفاهيم إلا ما قال فيه بعض العلماء: إنه منطوق لا مفهوم، وهو النفي والإثبات، وإنما من صيغ الحصر والغاية، وغير هذا يقدم عليه مفهوم الشرط … وبهذا تعلم أن مفهوم الشرط في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ أقوى من مفهوم الظرف في قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ … نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾. الثاني: دلالة الآيات المتقدمة على أن للبنتين الثلثين. الثالث: تصريح النبي ﷺ بذلك في حديث جابر المذكور آنفا. الرابع: أنه روي عن ابن عباس الرجوع عن ذلك. (١). ٥٠ - الإخوة لأم إذا استكملت بهم المسألة كانوا أقدم من الإخوة لأبوين أو لأب (٢). قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ … رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ النساء: ١٢.

стр. 252

قال الشوكاني ﵀: (ودلت الآية على أن الإخوة لأم إذا استكملت بهم المسألة كانوا أقدم من الإخوة لأبوين أو لأب، وذلك في المسألة المسماة بالحمارية (١)، وهي إذا تركت الميتة زوجا، وأما، وأخوين لأم، وإخوة لأبوين؛ فإن للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخوين لأم الثلث، ولا شيء للأخوة لأبوين. ووجه ذلك أنه قد وجد الشرط الذي يرث عنده الإخوة من الأم، وهو كون الميت كلالة (٢)، ويؤيد هذا الحديث: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" (٣) (٤). الدراسة: استنبط الشوكاني (٥) ﵀ من الآية أن الإخوة لأم إذا استكملت بهم المسألة كانوا أقدم من الإخوة لأبوين أو لأب (٦)، فلا شيء للأخوة لأبوين.

стр. 253

ووجه الاستنباط: أن الله تعالى فرض للأخوة لأم (١) -في الكلالة- الثلث؛ فدل ذلك على أن غيرهم ساقط؛ فيصير الشقيق العاصب في المشرَّكة ليس له شيء. قال السعدي: (ودل قوله: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ أن الإخوة الأشقاء يسقطون في المسألة المسماة بالحمارية، وهي زوج، وأم، وإخوة لأم، وإخوة أشقاء، فللزوج النصف، وللأم السدس، وللإخوة للأم الثلث، ويسقط الأشقاء؛ لأن الله أضاف الثلث للإخوة من الأم، فلو شاركهم الأشقاء لكان جمعا لما فرق الله حكمه. وأيضا فإن الإخوة للأم أصحاب فروض والأشقاء عصبات وقد قال النبي ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" وأهل الفروض هم الذين قدر الله أنصباءهم، ففي هذه المسألة لا يبقى بعدهم شيء، فيسقط الأشقاء، وهذا هو الصواب في ذلك. وأما ميراث الإخوة والأخوات الأشقاء أو لأب فمذكور في قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: من الآية ١٧٦] الآية، فالأخت الواحدة شقيقة أو لأب لها النصف، والثنتان لهما الثلثان، والشقيقة الواحدة مع الأخت للأب أو الأخوات تأخذ النصف، والباقي من الثلثين للأخت أو الأخوات لأب وهو السدس تكملة الثلثين، وإذا استغرقت الشقيقات الثلثين تسقط الأخوات للأب كما تقدم في البنات وبنات الابن، وإن كان الإخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين) (٢). وممن قال بهذا: الجصاص، والقنوجي، والسعدي-كما تقدم-، وابن عثيمين. (٣). (٤).

стр. 254

ورأى آخرون (١) منهم ابن العربي أنهم يشتركون مع الإخوة لأم في الثلث، فقال: (قوله: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ اتفق العلماء على أن التشريك يقتضي التسوية بين الذكر والأنثى؛ لأن مطلق اللفظ يدل عليه، كما أن الآية التي في سورة النساء في آخرها ما يقتضي التعصيب; ولذلك قلنا في مسألة الزوج، والأم، والأخ من الأم، والإخوة من الأب والأم: إن للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخ للأم السدس، وللإخوة للأب والأم السدس بحكم التعصيب) (٢). ولكل قول وجهه. فأما القول بالتشريك فبيَّن وجهه الشافعي بقوله: قلنا في المشتركة: زوج، وأم، وأخوين لأم، وأخوين لأب وأم: للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخوين للأم الثلث، ويشركهم بنو الأب والأم; لأن الأب لما سقط حكمه صاروا بني أم معا، … وجدنا بني الأب والأم قد يكونون مع بني الأم فيكون للواحد منهم الثلثان وللجماعة من بني الأم الثلث، ووجدنا بني الأب والأم قد يشركهم أهل الفرائض فيأخذون أقل مما يأخذ بنو الأم، فلما وجدناهم مرة يأخذون أكثر مما يأخذون، ومرة أقل مما يأخذون فرقنا بين حكميهم، فورثنا كلا على حكمه؛ لأنا وإن جمعتهم الأم لم نعطهم دون الأب، وإن أعطيناهم بالأب مع الأم فرقنا بين حكميهم، فقلنا: إنا إنما أشركناهم مع بني الأم؛ لأن الأم جمعتهم وسقط حكم الأب، فإذا سقط حكم الأب كان كأن لم يكن، ولو صار للأب موضع يكون له فيه حكم استعملناه قل نصيبهم أو كثر، قال: فهل تجد مثل ما وصفت من أن يكون الرجل مستعملا في حال ثم تأتي حال لا يكون مستعملا فيها؟ … قلت: نعم، الأب يموت ابنه وللابن إخوة فلا يرثون مع الأب، فإذا كان الأب قاتلا ورثوا ولم يورث الأب من قبل أن حكم الأب قد زال، وما زال حكمه كان كمن لم يكن، فلم نمنعهم الميراث به، إذا صار لا حكم له كما منعناهم به إذا كان له حكم (٣).

стр. 255

وأما ما استنبطه الشوكاني-ومن قال بقوله- فيؤيده-كما قال الشوكاني- حديث: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر". وذكر الجصاص وجوها أخرى تؤيده فقال: (والدليل -على صحة القول بعدم التشريك- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ … رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ فنص على فرض الإخوة من الأم وهو الثلث، وبين أيضا حكم الإخوة من الأب والأم في قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: من الآية ١٧٦] فلم يجعل الله لهم فرضا مسمى، وإنما جعل لهم المال على وجه التعصيب، للذكر مثل حظ الأنثيين، ولا خلاف أنها لو تركت: زوجا، وأما، وأخا لأم، وإخوة وأخوات لأب وأم: أن للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخ من الأم السدس، وما بقي وهو السدس بين الإخوة والأخوات من الأب والأم للذكر مثل حظ الأنثيين، ولم يدخلوا مع الأخ من الأم في نصيبه، فلما كانوا مع ذوي السهام إنما يستحقون باقي المال بالتعصيب لا بالفرض؛ لم يجز لنا إدخالهم مع الإخوة من الأم في فرضهم؛ لأن ظاهر الآية ينفي ذلك إذ كانت الآية إنما أوجبت لهم ما يأخذونه للذكر مثل حظ الأنثيين بالتعصيب لا بالفرض، فما أعطاهم بالفرض فهو خارج عن حكم الآية، ويدل على ذلك قول النبي ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر" فجعل للعصبة بقية المال بعد أخذ ذوي السهام سهامهم، فمن أشركهم مع ذوي السهام وهم عصبة فقد خالف الأثر. فإن قيل: لما اشتركوا في نسب الأم وجب أن لا يحرموا بالأب، قيل له: هذا غلط؛ لأنها لو تركت: زوجا، وأما، وأخا لأم، وإخوة وأخوات لأب وأم؛ لأخذ الأخ من أم السدس كاملا، وأخذ الإخوة والأخوات من الأب والأم السدس الباقي بينهم، وعسى يصيب كل واحد منهم أقل من العشر، ولم يكن لواحد منهم أن يقول قد حرمتموني بالأب مع اشتراكنا في الأم، بل كان نصيب الأخ من الأم أوفر من نصيب كل واحد منهم؛ فدل ذلك على معنيين:

стр. 256

أحدهما: انتقاض العلة بالاشتراك في الأم. والثاني: أنهم لم يأخذوا بالفرض، وإنما أخذوا بالتعصيب. ويدل على فساد ذلك أيضا أنها لو تركت: زوجا، وأختا لأب وأم، وأختا وأخا لأب، أن للزوج النصف، وللأخت من الأب والأم النصف، ولا شيء للأخ والأخت من الأب لأنهما عصبة، فلا يدخل مع ذوي السهام، ولم يجز أن يجعل الأخ من الأب بمنزلة من لم يكن حتى تستحق الأخت من الأب سهمها الذي كانت تأخذه في حال الانفراد عن الأخ، وإنما التعصيب أخرجها عن السدس الذي كانت تستحقه، كذلك التعصيب يخرج الإخوة من الأب والأم عن الثلث الذي يستحقه الإخوة من الأم والله أعلم) (١). وأطال ابن القيم في تأييد هذا القول، والرد على المخالفين. ومما قال: فإن قيل: بل ولد الأبوين منهم -أي من الإخوة لأم- إلغاء لقرابة الأب، قيل: هذا وهم؛ لأن الله سبحانه قال في أول الآية: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾، ثم قال: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ فذكر حكم واحدهم وجماعتهم حكما يختص به الجماعة منهم كما يختص به واحدهم، وقال في ولد الأبوين: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا … اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا … إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فذكر حكم ولد الأب، والأبوين، واحدهم وجماعتهم، وهو حكم يختص به جماعتهم كما يختص به واحدهم، فلا يشاركهم فيه غيرهم، فكذا حكم ولد الأم، وهذا يدل على أن أحد الصنفين غير الآخرين، فلا يشارك أحد الصنفين الآخر، وهذا الصنف الثاني هو ولد الأبوين أو الأب بالإجماع، والأول هو ولد الأم بالإجماع كما فسرته قراءة بعض الصحابة (من أم) وهي تفسير وزيادة إيضاح، وإلا فذلك معلوم من السياق. ولهذا ذكر سبحانه ولد الأم في آية الزوجين وهم أصحاب فرض مقدر لا يخرجون عنه ولا حظ لأحد منهم في التعصيب، ولم يذكر فيها أحد من العصبة بخلاف ما ذكر في آية العمودين -الآية التي قبلها- فإن لجنسهم حظا في التعصيب، ولهذا قال في آية الإخوة من الأم والزوجين: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ ولم يقل ذلك في آية العمودين؛ فإن الإنسان كثيرا ما يقصد ضرار الزوج، وولد الأم؛ لأنهم ليسوا من عصبته، بخلاف أولاده وآبائه فإنه لا يضارهم في العادة، فإذا كان النص قد أعطى ولد الأم الثلث لم يجز تنقيصهم منه، وأما ولد الأبوين فهم جنس آخر وهم عصبته، وقد قال النبي ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر"، وفي هذه المسألة لم تبق الفرائض شيئا فلا شيء للعصبة بالنص. وأما قول القائس: هب أن أبانا كان حمارا؛ فقول باطل حسا وشرعا؛ فإن الأب لو كان حمارا لكانت الأم أتانا، وإذا قيل: يقدر وجوده كعدمه؛ قيل: هذا باطل؛ فإن الموجود لا يكون كالمعدوم، وأما بطلانه شرعا؛ فإن الله سبحانه حكم في ولد الأبوين بخلاف حكمه في ولد الأم. فإن قيل: الأب أن لم ينفعهم لم يضرهم، قيل: بل قد يضرهم كما ينفعهم؛ فإن ولد الأم لو كان واحدا، وولد الأبوين مائة، وفضل نصف سدس انفرد ولد الأم بالسدس، واشترك ولد الأبوين في نصف السدس، وإذا جاز أن ينقصهم الأب جاز أن يحرمهم. وأيضا فالقرابة المتصلة الملتئمة من الذكر والأنثى لا تفرق أحكامها، هذه قاعدة النسب في الفرائض وغيرها، فالأخ من الأبوين لا نجعله كأخ من أب، وأخ من أم؛ فنعطيه السدس فرضا بقرابة الأم، والباقي تعصيبا بقرابة الأب (٢).

стр. 257

٥١ - كل وصية من العباد تخالف وصية الله فهي مسبوقة بوصية الله (١). قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ … رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ النساء: ١٢. قال الشوكاني ﵀: (وفي كون هذه الوصية من الله سبحانه دليل على أنه قد وصى عباده بهذه التفاصيل المذكورة الفرائض، وأن كل وصية من عباده تخالفها فهي مسبوقة بوصية الله، وذلك كالوصايا المتضمنة لتفضيل بعض الورثة على بعض أو المشتملة على الضرار بوجه من الوجوه) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ مناسبة قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ التنبيه على أن كل وصية من عباده تخالفها فهي مسبوقة بوصية الله، و ذلك كالوصايا المتضمنة لتفضيل بعض الورثة على بعض، أو المشتملة على الضرار بوجه من الوجوه. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر مقادير المواريث، وحذر من الضرار في الوصايا (٣)، ثم أعقب ذلك بقوله: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ -أي: عهدا من الله إليكم فيما يجب لكم من ميراث من مات منكم-؛ فدل ذلك على أن كل وصية خالفت ما أمر الله به في تقسيم المواريث أو في الوصايا باطلة مردودة بوصية الله؛ لأنها سابقة لكل وصية يوصي بها العباد.

стр. 258

فوصية الله شاملة لكل ما ذكره الآية في قسمة المواريث. وقيل هي خاصة بميراث أبناء الأم، فقوله: ﴿وَصِيَّةً﴾ منصوب (١) من قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ … رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: من الآية ١٢]. (٢) والأول أظهر والله أعلم. قال الطبري: وأما قوله: ﴿وَصِيَّةً﴾ فإن نصبه من قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: من الآية ١١] وسائر ما أوصى به في الاثنين والذي قلناه بالصواب أولى؛ لأن الله جل ثناؤه افتتح ذكر قسمة المواريث في هاتين الآيتين بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾، ثم ختم ذلك بقوله: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾. أخبر أن جميع ذلك وصيةٌ منه به عبادَه. فنَصْبُ قوله: ﴿وَصِيَّةً﴾ على المصدر من قوله: ﴿يُوصِيكُمُ﴾ أولى من نصبه على التفسير من قوله: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ لما ذكرنا (٣).

стр. 259

وقيل: إن مناسبة ذكر ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ في خاتمة هذه الآية بالنظر لختم الآية السابقة بقوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ أن لفظ الفرض أقوى و آكد من لفظ الوصية، فختم شرح ميراث الأولاد بذكر الفريضة، وختم شرح ميراث الكلالة بالوصية؛ ليدل بذلك على أن الكل وإن كان واجب الرعاية إلا أن القسم الأول وهو رعاية حال الأولاد أولى (١). وقيل العكس، أي: الوصية أقوى من الفرض؛ لدلالة الوصية على الرغبة، وطلب سرعة الحصول؛ فختم شرح ميراث الكلالة بها؛ لأنها لبعدها ربما لا يعتني بشأنها فحرض على الاعتناء بها بذكر الوصية (٢). ٥٢ - مناسبة ذكر التغليظ على من يأتين الفاحشة من النساء بعد الأمر بالإحسان إلى النساء؛ لئلا يتوهمن أنه يسوغ لهن ترك التعفف (٣). قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ النساء: ١٥. قال الشوكاني ﵀: (لما ذكر سبحانه في هذه السورة الإحسان إلى النساء، وإيصال صدقاتهن إليهن، وميراثهن مع الرجال ذكر التغليظ عليهن فيما يأتين به من الفاحشة؛ لئلا يتوهمن أنه يسوغ لهن ترك التعفف) (٤). الدراسة: استنبط الشوكاني (٥) ﵀ أن مناسبة ذكر التغليظ على من يأتين الفاحشة من النساء بعد الأمر بالإحسان إلى النساء؛ لئلا يتوهمن أنه يسوغ لهن ترك التعفف.

стр. 260

ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر بالإحسان إلى النساء؛ فذكر إيتاء صدقاتهن، وتوريثهن، ثم ذكر التغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشة؛ لئلا يتوهمن أنه يسوغ لهن ترك التعفف. والدلالة على ذلك دلالة الربط بين الآيات. وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي. (١). وفي هذا الاستنباط الموازنة بين ما للمرأة من حقوق، وما عليها من واجب الالتزام بأمر الله. و فيه تنبيه مهم للنساء، وللداعين إلى حقوق المرأة في هذا العصر، فللمرأة أن تنال حقوقها التي كفلها لها الإسلام، على ألا تكون المطالبة بحقوقها ذريعة لترك العفاف، ولا وسيلة لتعريضها للضرر في دينها. فكما أن لها حقوقا؛ فعليها واجب الالتزام بأمر الله، فإن خالفته وجبت عليها العقوبة. واستنبط بعض المفسرين مناسبات أخرى، منها: ١ - أن التغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشة بعد ذكر الإحسان إليهن في الحقيقة إحسان إليهن، ونظر لهن في أمر آخرتهن؛ إذ الإحسان في الدنيا تارة يكون بالثواب، وأخرى يكون بالزجر والعقاب لكف العاصي عن العصيان (٢). ٢ - لئلا يتوهم أن من الإحسان إليهن ترك إقامة الحدود عليهن؛ فيصير ذلك سببا لوقوعهن في أنواع المفاسد والمهالك (٣). ٣ - بيان أن الله تعالى كما يستوفي لخلقه فكذلك يستوفي عليهم، وأنه ليس في أحكامه محاباة، ولا بينه وبين أحد قرابة، وأن مدار هذا الشرع الإنصاف والاحتراز في كل باب عن طرفي الإفراط والتفريط (٤). وكلها -والله أعلم- يصح.

стр. 261

٥٣ - مناسبة ختم الآية بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ الإشارة إلى الأزواج بخفض الجناح، ولين الجانب، أي: وإن كنتم تقدرون عليهن؛ فاذكروا قدرة الله عليكم (١). قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ … عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ النساء: ٣٤. قال الشوكاني ﵀: (﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ … عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ إشارة إلى الأزواج بخفض الجناح، ولين الجانب، أي: وإن كنتم تقدرون عليهن؛ فاذكروا قدرة الله عليكم، فإنها فوق كل قدرة والله بالمرصاد لكم) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ أن مناسبة ختم الحديث عما أباحه الله للأزواج من تأديب زوجاتهن بما أمر الله بكون الله عليا كبيرا تذكير الأزواج بقدرة الله عليهم وحثهم على خفض الجناح، ولين الجانب. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر قوامة الرجال على النساء، وفي هذا نوع استعلاء، ثم أباح للأزواج تأديب زوجاتهن بما أمر الله، ثم ختم الآية باسمين كريمين من أسمائه سبحانه هما العلي الكبير؛ فدل بدلالة الربط بين الآية وخاتمتها على وعظ الأزواج وتوجيههن بخفض الجناح، ولين الجانب، وتحذيرهم وإنذارهم بأن قدرة الله عليهم فوق قدرتهم على زوجاتهن (٤). قال ابن عطية: (وهذا نهي عن ظلمهن بغير واجب بعد تقدير الفضل عليهن، والتمكين من أدبهن، وحسن معه الاتصاف بالعلو والكبر أي: قدره فوق كل قدر، ويده بالقدرة فوق كل يد، فلا يستعمل أحد على امرأته فالله بالمرصاد. وينظر هذا إلى حديث أبي مسعود (٥): "فصرفت وجهي فإذا رسول الله ﷺ يقول: اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا العبد" (٦) (٧).

стр. 262

وقال الدوسري مؤيدا: (فيه ختم مناسب لموضوع الآية، وذلك أنه لما أمر الأزواج بتأديب الزوجات وعظهم وأنذرهم بقدر ته عليهم، وأنه العلي الكبير فلا يستعلوا على أزواجهن بأي نوع من التسلط، بل ينصفوا لهن، ويراقبوا الله في وصفهن. وهاتان الصفتان يجب إثباتهما لله على ما يليق بجلاله، فهو سبحانه العلي الأعلى، له علو الذات، وعلو الصفات، وعلو الكمال، وقد أسلفنا أنه الأعلى على خلقه، دون أن تحيط به جهة، أو تحويه جهة، فإن الجهات التي تتصورها العقول بالنسبة إلى المخلوق، فأما الله الخلاق العظيم فإن الجهات عنده عديمة، لأن جميع العوالم العلوية والسفلية بالنسبة لوسع الله كالذرة الصغرى في يد أحدنا، والله أعلى وأجل، وقد فصلنا ذلك عند الكلام على آية الكرسي، وبالجملة فالله هو العلي الأعلى، له علو الذات على ما يليق بجلاله، وعلو القهر وعلو الاستعلاء المعنوي بجميع معانيه، وهو الكبير، كبير الشأن والسلطان لا يطاوله أحد إلا قصمه، ولا يستعلي عليه أحد إلا أذله، وفي ذكر الله لهذين الاسمين العظيمين في ختام هذه الآية إنذار وتهديد من الله للأزواج على ظلم زوجاتهم، والتجني عليهن بالضرب والإهانة بلا سبب، فإنهن وإن ضعفن عن دفع ظلمكم أيها الرجال، وعجزن عن الانتصاف منكم، فالله سبحانه علي قاهر كبير قادر، وهو سبحانه بالمرصاد ينتقم لهن منكم على ظلمكم إياهن، واستعلائكم عليهن بالباطل، وانتقاصكم لحقوقهن بكونكم أعلى يدا منهن وأكبر درجة، فهو الكبير المتعال، فلا يغيب عن بالكم أنه علي كبير قائم بالقسط، وينتصف من الظالم، فما أحسن مناسبة ختم هذه الآية بذلك) (١). وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عطية -كما تقدم-، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وأبو السعود، والقنوجي، ومحمد أبو زهرة، والدوسري كما تقدم. (٢). وذكر بعض المفسرين مناسبات أخرى جمعها الرازي بقوله: (وذكر هاتين الصفتين في هذا الموضع في غاية الحسن، وبيانه من وجوه: الأول: أن المقصود منه تهديد الأزواج على ظلم النسوان، والمعنى: أنهن ضعفن عن دفع ظلمكم، وعجزن عن الانتصاف منكم، فالله سبحانه علي، قاهر، كبير، قادر، ينتصف لهن منكم، ويستوفي حقهن منكم؛ فلا ينبغي أن تغتروا بكونكم أعلى يدا منهن، وأكبر درجة منهن.

стр. 263

الثاني: لا تبغوا عليهن إذا أطعنكم لعلو أيديكم؛ فان الله أعلى منكم، وأكبر من كل شيء، وهو متعال عن أن يكلف إلا بالحق. الثالث: أنه تعالى مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون، فكذلك لا تكلفوهن محبتكم؛ فإنهن لا يقدرن على ذلك. الرابع: أنه مع علوه وكبريائه لا يؤاخذ العاصي إذا تاب، بل يغفر له، فإذا تابت المرأة عن نشوزها فأنتم أولى بأن تقبلوا توبتها، وتتركوا معاقبتها. الخامس: أنه تعالى مع علوه وكبريائه اكتفى من العبد بالظواهر، ولم يهتك السرائر، فأنتم أولى أن تكتفوا بظاهر حال المرأة، وأن لا تقعوا في التفتيش عما في قلبها وضميرها من الحب والبغض) (١). ٥٤ - مناسبة تخصيص ذم المختال الفخور بعد الأمر بعبادة الله والإحسان إلى الخلق؛ لأن هاتين الصفتين تحملان صاحبهما على الأنفة مما ندب الله إليه (٢). قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ النساء: ٣٦. قال الشوكاني ﵀: (وخص هاتين الصفتين لأنهما يحملان صاحبهما على الأنفة مما ندب الله إليه في هذه الآية) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ أن مناسبة ختم الآية بنفي محبته سبحانه عن المختال الفخور بعد أن أمر سبحانه بعبادته، ونهى عن الإشراك به، وأمر بالإحسان إلى الخلق؛ لأنهما صفتان تحملان صاحبهما على الأنفة مما ندب الله إليه في هذه الآية. ووجه الاستنباط: أن الله أمر بالدخول تحت رق عبوديته، والانقياد لأوامره ونواهيه، محبة وذلا وإخلاصا له في جميع العبادات الظاهرة والباطنة، ونهى عن الشرك به، ثم أمر بالقيام بحقوق العباد الأقرب فالأقرب، فبدأ بالوالدين، ثم جميع الأقارب قربوا أو بعدوا. ثم أمر بالإحسان إلى المساكين الذين أسكنتهم الحاجة والفقر فلم يحصلوا على كفايتهم. ثم حث على الإحسان إلى الجار ذي القربى وهو الجار القريب الذي له حقان: حق الجوار، وحق القرابة، وكذلك الإحسان للجار الجنب الذي ليس له قرابة. وإلى الصاحب بالجنب وهو الصاحب مطلقا فإنه يشمل الصاحب في الحضر والسفر، ويشمل الزوجة. ثم أمر بالإحسان إلى ابن السبيل، وما ملكت الأيمان من الآدميين والبهائم، وذلك بالقيام بكفايتهم، وعدم تحميلهم ما يشق عليهم (٤). ثم نفى سبحانه محبته ورضاه عن المختال ذو الخيلاء أي: الكبر، والفخور: الذي يعدد مناقبه كبرا، فخص هاتين الصفتين بالذكر هنا؛ لأنهما تحملان صاحبيهما على الأنفة من القريب الفقير، والجار الفقير، وغيرهم ممن ذكر في الآية فيضيع أمر الله بالإحسان إليهم (٥). والدلالة على هذا المعنى دلالة الربط بين الآية وخاتمتها.

стр. 264

قال الرازي: (وإنما خص الله تعالى هذين الوصفين بالذم في هذا الموضع لأن المختال هو المتكبر، وكل من كان متكبرا فانه قلما يقوم برعاية الحقوق، ثم أضاف إليه ذم الفخور؛ لئلا يقدم على رعاية هذه الحقوق لأجل الرياء والسمعة بل لمحض أمر الله تعالى) (١). وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عطية، وابن الجوزي (٢)، والرازي-كما تقدم-، والقرطبي، والبقاعي، والقنوجي. (٣). وقد ذكر أبو حيان هذه المناسبة في تفسيره لكنه رأى غيرها، فقال: والذي يظهر لي أن مساقهما غير هذا المساق الذي ذكروه، وذلك أنه تعالى لما أمر بالإحسان للأصناف المذكورة، والتحفي بهم وإكرامهم، كان في العادة أن ينشأ عن من اتصف بمكارم الأخلاق أن يجد في نفسه زهوا وخيلا وافتخارا بما صدر منه من الإحسان. وكثيرا ما افتخرت العرب بذلك وتعاظمت في نثرها ونظمها به، فأراد تعالى أن ينبه على التحلي بصفة التواضع، وأن لا يرى لنفسه شفوفا على من أحسن إليه، وأن لا يفخر عليه كما قال تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: من الآية ٢٦٤] (٤). (٥). إلى أن قال: إلا أن ما ذكرناه لا يتم إلا على أن يكون ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [النساء: من الآية ٣٧] (٦) مبتدأ مقتطعا مما قبله، أما أن يكون متصلا بما قبله فيأتي المعنى الذي ذكره المفسرون.

стр. 265

وكلتا المناسبتين صحيح والله أعلم، فالمقصود التحذير من هاتين الصفتين سواء أكانتا مانعتين ابتداء مما ندب الله إليه، أو كانتا ناشئتين في نفس المحسن بعد إحسانه افتخارا بعمله. وما أشار إليه أبو حيان من انفصال قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧)﴾ عما قبله يصح. فقد تكون هذه الآية متصلة بما قبلها لبيان صفتهم، ويكون معنى الكتمان كتمان الرزق. وقد تكون منفصلة عنها فتكون ابتداء حديث عن اليهود الذين بخلوا بإظهار العلم من صفة النبي ﷺ ؛ فيكون معنى الكتمان كتمانهم ذلك. قال ابن كثير: وقد حمل بعض السلف (١) هذه الآية على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم من صفة محمد ﷺ وكتمانهم ذلك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧)﴾ … ولا شك أن الآية محتملة لذلك. والظاهر أن السياق في البخل بالمال، وإن كان البخل بالعلم داخلا في ذلك بطريق الأولى؛ فإن السياق في الإنفاق على الأقارب والضعفاء (٢). ٥٥ - مجتنب الكبائر ممن قد شاء الله غفران سيئاته (٣). قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ النساء: ٤٨. قال الشوكاني ﵀: (وقد تقدم قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١] وهي تدل على أن الله سبحانه يغفر سيئات من اجتنب الكبائر؛ فيكون مجتنب الكبائر ممن قد شاء الله غفران سيئاته) (٤).

стр. 266

الدراسة: استنبط الشوكاني (١) ﵀ أن مجتنب الكبائر ممن قد شاء الله غفران سيئاته. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال هنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾، وقال قبلها: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾؛ فدل بدلالة التركيب على أن مجتنب الكبائر ممن قد شاء الله غفران سيئاته. وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والقاسمي. (٢). وأشار إليه القرطبي بقوله: فقد تعاضد الكتاب وصحيح السنة بتكفير الصغائر قطعا كالنظر وشبهه (٣). ولعل الشوكاني عني بذلك وعد الله تعالى بتكفير الصغائر، فقد أشار عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم: ٣١، ٣٢] إلى أن الصغائر ذنوب تفتقر إلى مغفرة الله، فقال: (وجملة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أي إن ذلك وإن خرج عن حكم المؤاخذة فليس يخلو عن كونه ذنبا يفتقر إلى مغفرة الله، ويحتاج إلى رحمته) (٤). والقول بأن الكبائر والصغائر تحت المشيئة هو الأحسن. قال ابن عثيمين: (ما دون الشرك تحت المشيئة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وليس مجزوما بمغفرته، ولا مجزوما بالمؤاخذة عليه، وإنما هو تحت المشيئة) (٥). وقال: (الصغائر تقع مكفرة باجتناب الكبائر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: فإن لم يجتنب الكبائر أخذ بالصغائر، لكن الكبائر والصغائر تحت المشيئة ما لم تكن كفرا، فالفائدة من قولهم يؤخذ بها أنه إذا اجتنب الكبائر جزمنا بأن الله كفر عنه الصغائر، وإذا لم يجتنب الكبائر فهو تحت المشيئة والخطر) (٦).

стр. 267

ونقل القرطبي عن الأصوليين قولهم: لا يجب على القطع تكفير الصغائر باجتناب الكبائر، وإنما محمل ذلك على غلبة الظن، وقوة الرجاء، والمشيئة ثابتة، ودل على ذلك أنه لو قطعنا لمجتنب الكبائر وممتثل الفرائض تكفير صغائره قطعا لكانت له في حكم المباح الذي يقطع بألا تباعة فيه، وذلك نقض لعرى الشريعة (١). ٥٦ - من حبسه العذر عن الجهاد يعطى مثل أجر المجاهد (٢). قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ (٣) أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾ النساء: ٩٥. قال الشوكاني ﵀: (وظاهر النظم القرآني أن صاحب العذر يعطى مثل أجر المجاهد. وقيل: يعطى أجره من غير تضعيف، فيفضله المجاهد بالتضعيف؛ لأجل المباشرة (٤) (٥).

стр. 268

الدراسة: استنبط الشوكاني (١) ﵀ من الآية أن من حبسه العذر عن الجهاد يعطى مثل أجر المجاهد. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى نفى استواء القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر؛ فدل بمفهوم المخالفة أن من قعد عن الجهاد بعذر يعطى مثل أجر المجاهد. قال الشنقيطي: (وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ يفهم من مفهوم مخالفته أن من خلفه العذر إذا كانت نيته صالحة يحصل ثواب المجاهد) (٢). وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والسيوطي، والقنوجي، والشنقيطي كما تقدم. (٣). وخالفهم آخرون، منهم: الجصاص، وابن عطية. فقال الجصاص: (فإن قيل: هل في الآية دلالة على مساواة أولي الضرر للمجاهدين في سبيل الله من أجل معنى الاستثناء فيها؛ قيل له: لا دلالة فيها على التساوي؛ لأن الاستثناء ورد من حيث كان مخرج الآية تحريضا على الجهاد وحثا عليه، فاستثنى أولي الضرر إذ ليسوا مأمورين بالجهاد، لا من حيث ألحقوا بالمجاهدين) (٤).

стр. 269

وقال ابن عطية: (لأن أولي الضرر لا يساوون المجاهدين، وغايتهم أن خرجوا من التوبيخ والمذمة التي لزمت القاعدين من غير عذر) (١). والأظهر -والله تعالى أعلم- القول بأن في القاعد من أولي الضرر تفصيلا، فلا يجوز أن يُساوى بالمجاهد مطلقاً، ولا يُنفى عنه المساواة مطلقاً، ودلالة المفهوم لا عموم لها (٢).

стр. 270

قال ابن تيمية: فصل الخطاب في الآية أن أولي الضرر نوعان: نوع لهم عزم تام على الجهاد، و لو تمكنوا لما قعدوا و لا تخلفوا، و إنما أقعدهم العذر، فهم كما قال النبي ﷺ "إن بالمدينة رجالا ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم. قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر" (١). وكما في حديث أبى موسى ﵃: "إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل صحيحا مقيما" (٢). فأثبت له مثل ذلك العمل لأن عزمه تام و إنما منعه العذر. والنوع الثاني من أولى الضرر: الذين ليس لهم عزم على الخروج، فهؤلاء يفضُل عليهم الخارجون المجاهدون و أولوا الضرر العازمون عزما جازما على الخروج. و قوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ سواء كان استثناء أو صفة دل على أنهم لا يدخلون مع القاعدين في نفي الاستواء، فإذا فصل الأمر فيهم بين العازم و غير العازم بقيت الآية على ظاهرها. و لو جعل قوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ عاما في أهل الضرر و غيرهم؛ لكان ذلك مناقضا لقوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾؛ فإن قوله لا يستوي القاعدون و المجاهدون إنما فيها نفي الاستواء، فإن كان أهل الضرر كلهم كذلك لزم بطلان قوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، و لزم أنه لا يساوي المجاهدين قاعد و لو كان من أولي الضرر، و هذا خلاف مقصود الآية (٣). إذاً فما استنبطه الشوكاني إنما يصح في المعذور من أهل الجهاد الذي غلبه عذره، وأقعده عنه، ونيته جازمة. قال ابن القيم: (وهذا القسم لا يتناوله الحكم بنفي التسوية؛ وهذا لأن قاعدة الشريعة أن العزم التام إذا اقترن به ما يمكن من الفعل أو مقدمات الفعل نزل صاحبه في الثواب والعقاب منزلة الفاعل التام. كما دل عليه قوله: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه" (٤) (٥).

стр. 271

أما المعذور الذي ليس من نيته الجهاد، ولا هو عازم عليه عزما تاما، فهذا لا يستوي هو والمجاهد في سبيل الله. قال السعدي: (فمن كان من أولي الضرر راضيا بقعوده، لا ينوي الخروج في سبيل الله لولا وجود المانع ولا يحدث نفسه بذلك؛ فإنه بمنزلة القاعد لغير عذر. ومن كان عازما على الخروج في سبيل الله لولا وجود المانع يتمنى ذلك، ويحدث به نفسه؛ فإنه بمنزلة من خرج للجهاد؛ لأن النية الجازمة إذا اقترن بها مقدورها من القول أو الفعل ينزل صاحبها منزلة الفاعل) (١). ٥٧ - الحث على الهجرة (٢). قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ النساء: ٩٧ - ٩٨. قال الشوكاني ﵀: (وإنما ذكر الولدان مع عدم التكليف لهم لقصد المبالغة في أمر الهجرة، وإيهام أنها تجب لو استطاعها غير المكلف فكيف من كان مكلفا. وقيل: أراد بالولدان المراهقين والمماليك) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني (٤) ﵀ من الآية تأكيد أمر الهجرة. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر وعيده لمن تركوا الهجرة، ثم استثنى أهل العذر المستضعفين من الرجال وضعفة النساء والولدان، فذكر الولدان مع أنهم غير مكلفين بالهجرة؛ فدل ذلك على أنها تجب لو استطاعها غير المكلف فكيف من كان مكلفا. والمقصود وجوبها على من لم يكن متمكنا من إقامة الدين (٥).

стр. 272

وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والآلوسي، والقنوجي، والهرري. (١). وأشار إليه السعدي وإن لم يصرح بوجه الاستنباط، فقال: (وفي الآية دليل على أن الهجرة من أكبر الواجبات وتركها من المحرمات بل من أكبر الكبائر) (٢). وهذا الاستنباط إنما هو على ترجيح أن يكون معنى الولدان الأطفال، ويؤيد هذا الترجيح حديث ابن عباس ﵃: "كنت أنا وأمي من المستضعفين، أنا من الولدان، وأمي من النساء" (٣). وهذا الاستنباط مما يستأنس به في ثبوت وجوب الهجرة، وقد بسط الشوكاني الأدلة الصريحة في وجوب الهجرة في نيل الأوطار (٤). وقد ذكر البيضاوي وأبو السعود أن مناسبة ذكر الولدان للإشعار بأنهم لا محيص لهم عنها البتة، حتى كأنها واجبة عليهم قبل البلوغ لو استطاعوا، وأن قومهم يجب عليهم أن يهاجروا بهم متى أمكنت (٥). وذكر الآلوسي أنه للتنبيه على أن العجز ينبغي أن يكون كعجز الولدان (٦). وكل عباراتهم دالة على وجوب الهجرة، والتأكيد على أمرها. ٥٨ - تأكيد أمر الهجرة (٧). قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ النساء: ٩٧ - ٩٩.

стр. 273

قال الشوكاني ﵀: (وجيء بكلمة الإطماع لتأكيد أمر الهجرة حتى يظن أن تركها ممن لا تجب عليه يكون ذنبا يجب طلب العفو عنه) (١). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ من الآية أن مناسبة مجيء كلمة الإطماع (عسى) لتأكيد أمر الهجرة. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى بعد أن ذكر أصحاب الأعذار المعفو عنهم في أمر الهجرة من المستضعفين من الرجال والنساء والولدان قال: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ فجاء بكلمة الإطماع؛ لتأكيد أمر الهجرة حتى يظن أن تركها ممن لا تجب عليه يكون ذنبا يجب طلب العفو عنه. فدلالة الآية على المعنى هي مناسبة لفظ عسى. قال البيضاوي: (ذكر بكلمة الإطماع ولفظ العفو إيذانا بأن ترك الهجرة أمر خطير، حتى إن المضطر -الذي تحقق عدم وجوبها عليه- من حقه أن لا يأمن، ويترصد الفرصة، ويعلق بها قلبه) (٢). وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والبيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي. (٣). ومعلوم أن عسى من الله واجبة (٤)، باعتباره منسوبا إلى الله (٥)، لكن المقصود هنا النظر إلى الرجاء باعتبار ما يكون في قلب المخاطَب (٦)، ومناسبة مجيء كلمة الإطماع (عسى) في هذا المقام -وهي لا تعطي الإنسان يقينا بالوقوع- دون الألفاظ الدالة على القطع. واستنبط غيره مناسبة مجيء كلمة الإطماع هنا: فذكر السعدي أنها للدلالة على أن العبد لا يوفي العمل حق توفيته، ولا يعمله على الوجه اللائق الذي ينبغي، بل يكون مقصرا (٧).

стр. 274

وذكر الرازي أن المناسبة هي أن الإنسان لشدة نفرته عن مفارقة الوطن ربما ظن نفسه عاجزا عنها، مع أنه لا يكون كذلك في الحقيقة؛ فلهذا المعنى ذكر العفو بكلمة عسى لا بالكلمة الدالة على القطع (١). ولا تزاحم بين هذه المناسبات. وما ذكره الشوكاني يصح كاستنباط دقيق يستأنس به مع الأدلة الصريحة في وجوب الهجرة، و قد بسط الشوكاني ذكرها في كتابه: نيل الأوطار (٢). ٥٩ - مناسبة قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ بعد ذكر اتخاذ الله إبراهيم ﵇ خليلا؛ لبيان أنه سبحانه اتخذ إبراهيم ﵇ خليلا؛ لطاعته، لا لحاجته، ولا للتكثير به، والاعتضاد بمخاللته (٣). قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ … حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ … خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾ النساء: ١٢٥ - ١٢٦. قال الشوكاني ﵀: (﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فيه إشارة إلى أنه سبحانه اتخذ إبراهيم خليلا؛ لطاعته، لا لحاجته، ولا للتكثير به، والاعتضاد بمخاللته) (٤). الدراسة: استنبط الشوكاني (٥) ﵀ أن مناسبة قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ بعد ذكر اتخاذ الله إبراهيم خليلا لبيان أنه سبحانه اتخذ إبراهيم خليلا؛ لطاعته، لا لحاجته، ولا للتكثير به، والاعتضاد بمخاللته.

стр. 275

ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر سعة ملكه، وإحاطته بكل شيء عقب ذكر اتخاذه إبراهيم ﵇ خليلا؛ فدل ذلك بدلالة الربط بين الآيتين على أنه سبحانه لم يتخذ إبراهيم ﵇ خليلا لاحتياجه إليه في أمر من الأمور كما تكون خلة الآدميين، وكيف يعقل ذلك وله ملك السماوات والأرض، وما كان كذلك فكيف يعقل أن يكون محتاجا إلى البشر الضعيف، وإنما اتخذه خليلا بمحض الفضل، والإحسان، والكرم (١) فهي خلة تشريف منه تعالى لإبراهيم ﵇ مع بقائه على العبودية (٢). وممن قال بهذا الاستنباط: ابن جرير الطبري، والرازي، والقرطبي، والنسفي، وأبو حيان، وابن عادل الحنبلي، والبقاعي، والآلوسي، والقنوجي، والدوسري. (٣). وهذا الاستنباط على أن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ متصل بقوله تعالى- قبله-: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ … خَلِيلًا (١٢٥)﴾. ويحتمل أن يكون متصلا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾ [النساء: ١٢٤] على أنه كالتعليل لوجوب العمل (٤)، ففيه الترغيب في طاعة الله والانقطاع إليه (٥). وكلتا المناسبتين ذكرهما أبو حيان، وغيره (٦). فقال أبو حيان: (لما تقدم ذكر عامل السوء، وعامل الصالحات أخبر بعظيم ملكه. وملكه بجميع ما في السموات وما في الأرض، والعالم مملوك له، وعلى المملوك طاعة مالكه، ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة لما ذكرناه، ولما تقدم ذكر الخلة، فذكر أنه مع الخلة عبد الله، وأن الخلة ليست لاحتياج، وإنما هي خلة تشريف منه تعالى لإبراهيم ﵇ مع بقائه على العبودية).

стр. 276

وكلها يصح، فقد ذكر الرازي هذين الوجهين وغيرهما بقوله: في تعلق هذه الآية بما قبلها، وفيه وجوه: الأول: أن يكون المعنى أنه لم يتخذ الله إبراهيم خليلا لاحتياجه إليه في أمر من الأمور كما تكون خلة الآدميين، وكيف يعقل ذلك وله ملك السماوات والأرض، وما كان كذلك فكيف يعقل أن يكون محتاجا إلى البشر الضعيف. والثاني: أنه تعالى ذكر من أول السورة إلى هذا الموضع أنواعا كثيرة من الأمر والنهي والوعد والوعيد فبين هاهنا أنه مالك المحدثات وموجد الكائنات والممكنات ومن كان كذلك كان ملكا مطاعا فوجب على كل عاقل أن يخضع لتكاليفه وأن ينقاد لأمره ونهيه. الثالث: أنه تعالى لما ذكر الوعد والوعيد، ولا يمكن الوفاء بهما إلا عند حصول أمرين: أحدهما: القدرة التامة. والثاني: العلم التام حتى لا يشتبه عليه المطيع والعاصي، والمحسن والمسيء. فدل على كمال قدرته بقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، وعلى كمال علمه بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾. الرابع: أنه سبحانه لما وصف إبراهيم بأنه خليله بين أنه مع هذه الخلة عبد له، وذلك لأنه له ما في السماوات وما في الأرض، ويجري هذا مجرى قوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣]، ومجرى قوله: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)﴾ [النساء: ١٧٢]. فإذا كان كل من في السماوات والأرض ملكه في تسخيره ونفاذ إلاهيته فكيف يعقل أن يقال: إن اتخاذ الله إبراهيم ﵇ خليلا يخرجه عن عبودية الله (١). ثم ختم ذلك بقوله: (وهذه الوجوه كلها حسنة متناسبة) (٢).

стр. 277

سورة المائدة ٦٠ - جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة (١). قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)﴾ المائدة: ١. قال الشوكاني ﵀: (قوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ استثناء من قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ أي: إلا مدلول ما يتلى عليكم فإنه ليس بحلال. والمتلو هو ما نص الله على تحريمه نحو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] الآية (٢)، ويلحق به ما صرحت السنة بتحريمه. وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون المراد به إلا ما يتلى عليكم الآن، ويحتمل أن يكون المراد به في مستقبل الزمان؛ فيدل على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ويحتمل الأمرين جميعا) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أحل بهيمة الأنعام، ثم استثنى منه ما يتلى فقال: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: ما يقرأ عليكم في القرآن والسنة. والاستثناء يحتمل أن يكون المراد به إلا ما يتلى عليكم الآن، أو إلا ما يتلى عليكم فيما بعد من مستقبل الزمان، وكل ذلك تأخير للبيان. (٤).

стр. 278

قال ابن العربي: يحتمل قوله إلا ما يتلى عليكم الآن، أو إلا ما يتلى عليكم فيما بعد من مستقبل الزمان. وفي هذا دليل على جواز تأخير البيان عن وقت لا يفتقر فيه إلى تعجيل الحاجة، وهي مسألة أصولية، ومعناه أن الله سبحانه أباح لنا شيئا وحرم علينا شيئا استثناء منه، فأما الذي أباح لنا فسماه وبينه، وأما الذي استثناه فوعد بذكره في حين الإباحة، ثم بينه بعد ذلك في وقت واحد، أو في أوقات متفرقة على اختلاف التأويلين المتقدمين، وكل ذلك تأخير للبيان والله أعلم (١). وإنما أثبتُ للشوكاني عبارة (جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة)، وإن كانت عبارته في تفسيره: (جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة)؛ لأمرين: الأول: أنه نص في إرشاد الفحول على أن تأخر البيان عن وقت الحاجة- وهو الوقت الذي إذا تأخر البيان عنه لم يتمكن المكلف من المعرفة لما تضمنه الخطاب، وذلك في الواجبات الفورية- لم يجز; لأن الإتيان بالشيء مع عدم العلم به ممتنع عند جميع القائلين بالمنع من تكليف ما لا يطاق. (٢). ثم ذكر مسألة أخرى هي: تأخير البيان عن وقت ورود الخطاب إلى وقت الحاجة إلى الفعل، وذلك في الواجبات التي ليست بفورية، وذكر فيها مذاهب (٣)، أبرزها: ١ - الجواز مطلقا، وبه قال الشوكاني بعد أن ذكر أدلة القول بهذا القول (٤).

стр. 279

٢ - المنع مطلقا. وقد رده الشوكاني بقوله: واستدل هؤلاء بما لا يسمن ولا يغني من جوع، فقالوا: لو جاز ذلك فإما أن يكون إلى مدة معينة، أو إلى الأبد، وكلاهما باطل، أما إلى مدة معينة فلكونه تحكما، ولكونه لم يقل به أحد، وأما إلى الأبد فلكونه يلزم المحذور، وهو الخطاب والتكليف به مع عدم الفهم. إلى أن قال: هذا أنهض ما استدلوا به على ضعفه، وقد استدلوا بما هو دونه في الضعف، فلا حاجة لنا إلى تطويل البحث بما لا طائل تحته. (١) ثم نص على اختياره القول الأول وهو جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة فقال: وأنت إذا تتبعت موارد هذه الشريعة المطهرة وجدتها قاضية بجواز تأخير البيان عن وقت الخطاب قضاء ظاهرا واضحا، لا ينكره من له أدنى خبرة بها، وممارسة لها. (٢). فعلى هذا يبعد أن يكون مراد الشوكاني جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، إلا إن قصد تأخير البيان إلى وقت الحاجة لحاجة. الثاني: بمراجعة كلام القرطبي في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ يظهر تأثر الشوكاني به كثيرا، حيث قال القرطبي: (ويحتمل إلا ما يتلى عليكم الآن، أو ما يتلى عليكم فيما بعد من مستقبل الزمان على لسان رسول الله ﷺ ، فيكون فيه دليل على جواز تأخير البيان عن وقت لا يفتقر فيه إلى تعجيل الحاجة) (٣). فلعل الشوكاني أراد جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة والله أعلم. وممن استنبط -من المفسرين- جواز تأخير البيان إلى وقت لا يفتقر فيه إلى تعجيل الحاجة: القنوجي، والدوسري. (٤). ٦١ - ما يأخذه المسلمون من أهل الكتاب من أعواض الطعام -أي ثمن بيع اللحم- حلال لهم (٥). قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ المائدة: ٥.

стр. 280

قال الشوكاني ﵀: (قوله: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ أي: وطعام المسلمين حلال لأهل الكتاب. وفيه دليل على أنه يجوز للمسلمين أن يطعموا أهل الكتاب من ذبائحهم، وهذا من باب المكافأة والمجازاة (١). وإخبار المسلمين بأن ما يأخذونه منهم من أعراض (٢) الطعام حلال لهم بطريق الدلالة الالتزامية) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني (٤) ﵀ أن ما يأخذه المسلمون من أهل الكتاب من أعواض الطعام -أي ثمن بيع اللحم- حلال لهم.

стр. 281

ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أحل لأهل الكتاب ذبائح المسلمين؛ فيلزم من ذلك أن يباح لهم بيعها، وشراؤها من المسلمين؛ فيكون ثمن لحمها حلا للمسلمين. قال ابن الجوزي: (﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ أي: وذبائحكم لهم حلال، فإذا اشتروا منا شيئا كان الثمن لنا حلالا، واللحم لهم حلالا) (١). وهذا الاستنباط نقله القنوجي عن الشوكاني، وزاد عليه استنباطا آخر، فقال: (وهذا يدل على أنهم مخاطبون بشريعتنا) (٢). وممن أشار إلى استنباط الشوكاني: ابن الجوزي-كما تقدم-، والقرطبي، والمراغي. (٣). ٦٢ - مناسبة إيراد قصة ابني آدم ﵇ في سياق الحديث عن مفاسد بني إسرائيل وظلمهم (٤). قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ المائدة: ٢٧. قال الشوكاني ﵀: (وجه اتصال هذا بما قبله التنبيه من الله على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود هو كظلم ابن آدم لأخيه، فالداء قديم، والشر أصيل) (٥). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ أن مناسبة إيراد قصة ابني آدم ﵇ في سياق الحديث عن مفاسد بني إسرائيل وظلمهم هي التنبيه من الله على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود هو كظلم ابن آدم لأخيه. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر ظلم اليهود، ثم ذكر قصة ابني آدم وفيها ظلم أحدهما لأخيه؛ فدل ذلك بدلالة الربط بين الآيات على أن مناسبة ذكرها التنبيه على أن ظلم اليهود، ونقضهم المواثيق والعهود هو كظلم ابن آدم لأخيه. وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي. (٦). وفي هذا الاستنباط بيان لعناية الشوكاني بالمناسبات عموما، وبالمناسبات بين الآيات خصوصا. (٧).

стр. 282

كما فيه بيان شيء من منهجه في المناسبات، فإن الشوكاني اختار استنباط القرطبي وعبارته دون غيرها، مما يدل على أنه لا يرتضي من المناسبات إلا ما كان بعيدا عن التكلف. وقد اختلف العلماء في استنباط المناسبة، فمنهم من يرى مناسبتها لما بعدها، كالسيوطي حيث قال: (وجه إيراد هذه القصة هنا؛ أن هذه الآيات لما كانت متعلقة باليهود، وقد أخبر أنه كتب عليهم في كتابهم: أن النفس بالنفس-في الآية الآتية (١) -ناسب أن يذكر في خلال ذلك مبدأ القتل، وأول من سنه، ولهذا عقب القصة بقوله: من أجل ذلك، وهذا غاية الملاءمة والارتباط) (٢). ومنهم من يرى مناسبتها للقصة قبلها، وهي قصة عصيان بني إسرائيل أمر رسولهم إياهم بالدخول إلى الأرض المقدسة (٣). وممن قال بهذا أبو حيان حيث قال: (فاشتبهت القصتان من حيث الجبن عن القتل والإقدام عليه، ومن حيث المعصية بهما) (٤). ومثله ابن عاشور حيث قال: (والمناسبة بينها وبين القصة التي قبلها مناسبة تماثل ومناسبة تضاد. فأما التماثل فإن في كلتيهما عدم الرضا بما حكم الله تعالى؛ فإن بني إسرائيل عصوا أمر رسولهم إياهم بالدخول إلى الأرض المقدسة، وأحد ابني آدم عصى حكم الله تعالى بعدم قبول قربانه لأنه لم يكن من المتقين. وفي كلتيهما جرأة على الله بعد المعصية; فبنو إسرائيل قالوا: اذهب أنت وربك، وابن آدم قال: لأقتلن الذي تقبل الله منه. وأما التضاد فإن في إحداهما إقداما مذموما من ابن آدم، وإحجاما مذموما من بني إسرائيل، وإن في إحداهما اتفاق أخوين هما موسى وأخوه على امتثال أمر الله تعالى، وفي الأخرى اختلاف أخوين بالصلاح والفساد) (٥).

стр. 283

أما الرازي فذكر مناسبة هذه القصة لمواضع مختلفة من السورة قبلها، ومنها مناسبة الآية للقصة قبلها (١)، ثم زاد عليها أربعة وجوه: الأول: أنه تعالى قال فيما تقدم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾ [المائدة: ١١] فذكر تعالى أن الأعداء يريدون إيقاع البلاء والمحنة بهم، لكنه تعالى يحفظهم بفضله ويمنع أعداءهم من إيصال الشر إليهم، ثم إنه تعالى لأجل التسلية وتخفيف هذه الأحوال على القلب ذكر قصصا كثيرة في أن كل من خصه الله تعالى بالنعم العظيمة في الدين والدنيا فإن الناس ينازعونه حسدا وبغيا، فذكر أولا قصة النقباء الاثني عشر وأخذ الله تعالى الميثاق منهم، ثم إن اليهود نقضوا ذلك الميثاق حتى وقعوا في اللعن والقساوة (٢).

стр. 284

وذكر بعده شدة إصرار النصارى على كفرهم وقولهم بالتثليث (١) بعد ظهور الدلائل القاطعة على فساد ما هم عليه، وما ذاك إلا لحسدهم لمحمد ﷺ فيما آتاه الله من الدين الحق. ثم ذكر بعده قصة موسى في محاربة الجبارين وإصرار قومه على التمرد والعصيان. ثم ذكر بعده قصة ابني آدم أن أحدهما قتل الآخر حسدا منه على أن الله تعالى قبل قربانه. وكل هذه القصص دالة على أن كل ذي نعمة محسود فلما كانت نعم الله على محمد ﷺ أعظم النعم لا جرم لم يبعد اتفاق الأعداء على استخراج أنواع المكر والكيد في حقه، فكان ذكر هذه القصص تسلية من الله تعالى لرسوله ﷺ لما هم قوم من اليهود أن يمكروا به وأن يوقعوا به آفة ومحنة. الثاني: أن هذا متعلق بقوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ [المائدة: ١٥]، وهذه القصة وكيفية إيجاب القصاص عليها من أسرار التوراة. الثالث: هذا متصل بقوله حكاية عن اليهود والنصارى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (٢) [المائدة: من الآية ١٨] أي: لا ينفعهم كونهم من أولاد الأنبياء مع كفرهم كما لم ينتفع ولد آدم عند معصيته بكون أبيه نبيا معظما عند الله تعالى.

стр. 285

الرابع: لما كفر أهل الكتاب بمحمد ﷺ حسدا أخبرهم الله تعالى بخبر ابن آدم، وأن الحسد أوقعه في سوء العاقبة، والمقصود منه التحذير عن الحسد (١). وهذه المناسبات -والله أعلم- لا تسلم من التكلف إلا ما ذكره أبو حيان وابن عاشور؛ لقرب اتصال الآيات. أما ما ذكره السيوطي، والرازي ففيه نوع من التكلف؛ لطول الفصل بين الآيات. ٦٣ - توبة المحارب بعد القدرة عليه لا تسقط بها عقوبة الحرابة (٢). قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ المائدة: ٣٣ - ٣٤. قال الشوكاني ﵀: (وأما التوبة بعد القدرة فلا تسقط بها العقوبة المذكورة في الآية كما يدل عليه ذكر قيد ﴿قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا﴾) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني (٤) ﵀ أن توبة المحارب بعد القدرة عليه لا تسقط بها عقوبة الحرابة.
следующие страницы →