← Тафсир

Тафсир · id 750

استنباطات الشوكاني في تفسيره فتح القدير

خلود شاكر فهيد العبدلي

Полный текст (565 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أحل لأهل الكتاب ذبائح المسلمين؛ فيلزم من ذلك أن يباح لهم بيعها، وشراؤها من المسلمين؛ فيكون ثمن لحمها حلا للمسلمين. قال ابن الجوزي: (﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ أي: وذبائحكم لهم حلال، فإذا اشتروا منا شيئا كان الثمن لنا حلالا، واللحم لهم حلالا) (١). وهذا الاستنباط نقله القنوجي عن الشوكاني، وزاد عليه استنباطا آخر، فقال: (وهذا يدل على أنهم مخاطبون بشريعتنا) (٢). وممن أشار إلى استنباط الشوكاني: ابن الجوزي-كما تقدم-، والقرطبي، والمراغي. (٣). ٦٢ - مناسبة إيراد قصة ابني آدم ﵇ في سياق الحديث عن مفاسد بني إسرائيل وظلمهم (٤). قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ المائدة: ٢٧. قال الشوكاني ﵀: (وجه اتصال هذا بما قبله التنبيه من الله على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود هو كظلم ابن آدم لأخيه، فالداء قديم، والشر أصيل) (٥). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ أن مناسبة إيراد قصة ابني آدم ﵇ في سياق الحديث عن مفاسد بني إسرائيل وظلمهم هي التنبيه من الله على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود هو كظلم ابن آدم لأخيه. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر ظلم اليهود، ثم ذكر قصة ابني آدم وفيها ظلم أحدهما لأخيه؛ فدل ذلك بدلالة الربط بين الآيات على أن مناسبة ذكرها التنبيه على أن ظلم اليهود، ونقضهم المواثيق والعهود هو كظلم ابن آدم لأخيه. وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي. (٦). وفي هذا الاستنباط بيان لعناية الشوكاني بالمناسبات عموما، وبالمناسبات بين الآيات خصوصا. (٧).

стр. 282

كما فيه بيان شيء من منهجه في المناسبات، فإن الشوكاني اختار استنباط القرطبي وعبارته دون غيرها، مما يدل على أنه لا يرتضي من المناسبات إلا ما كان بعيدا عن التكلف. وقد اختلف العلماء في استنباط المناسبة، فمنهم من يرى مناسبتها لما بعدها، كالسيوطي حيث قال: (وجه إيراد هذه القصة هنا؛ أن هذه الآيات لما كانت متعلقة باليهود، وقد أخبر أنه كتب عليهم في كتابهم: أن النفس بالنفس-في الآية الآتية (١) -ناسب أن يذكر في خلال ذلك مبدأ القتل، وأول من سنه، ولهذا عقب القصة بقوله: من أجل ذلك، وهذا غاية الملاءمة والارتباط) (٢). ومنهم من يرى مناسبتها للقصة قبلها، وهي قصة عصيان بني إسرائيل أمر رسولهم إياهم بالدخول إلى الأرض المقدسة (٣). وممن قال بهذا أبو حيان حيث قال: (فاشتبهت القصتان من حيث الجبن عن القتل والإقدام عليه، ومن حيث المعصية بهما) (٤). ومثله ابن عاشور حيث قال: (والمناسبة بينها وبين القصة التي قبلها مناسبة تماثل ومناسبة تضاد. فأما التماثل فإن في كلتيهما عدم الرضا بما حكم الله تعالى؛ فإن بني إسرائيل عصوا أمر رسولهم إياهم بالدخول إلى الأرض المقدسة، وأحد ابني آدم عصى حكم الله تعالى بعدم قبول قربانه لأنه لم يكن من المتقين. وفي كلتيهما جرأة على الله بعد المعصية; فبنو إسرائيل قالوا: اذهب أنت وربك، وابن آدم قال: لأقتلن الذي تقبل الله منه. وأما التضاد فإن في إحداهما إقداما مذموما من ابن آدم، وإحجاما مذموما من بني إسرائيل، وإن في إحداهما اتفاق أخوين هما موسى وأخوه على امتثال أمر الله تعالى، وفي الأخرى اختلاف أخوين بالصلاح والفساد) (٥).

стр. 283

أما الرازي فذكر مناسبة هذه القصة لمواضع مختلفة من السورة قبلها، ومنها مناسبة الآية للقصة قبلها (١)، ثم زاد عليها أربعة وجوه: الأول: أنه تعالى قال فيما تقدم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾ [المائدة: ١١] فذكر تعالى أن الأعداء يريدون إيقاع البلاء والمحنة بهم، لكنه تعالى يحفظهم بفضله ويمنع أعداءهم من إيصال الشر إليهم، ثم إنه تعالى لأجل التسلية وتخفيف هذه الأحوال على القلب ذكر قصصا كثيرة في أن كل من خصه الله تعالى بالنعم العظيمة في الدين والدنيا فإن الناس ينازعونه حسدا وبغيا، فذكر أولا قصة النقباء الاثني عشر وأخذ الله تعالى الميثاق منهم، ثم إن اليهود نقضوا ذلك الميثاق حتى وقعوا في اللعن والقساوة (٢).

стр. 284

وذكر بعده شدة إصرار النصارى على كفرهم وقولهم بالتثليث (١) بعد ظهور الدلائل القاطعة على فساد ما هم عليه، وما ذاك إلا لحسدهم لمحمد ﷺ فيما آتاه الله من الدين الحق. ثم ذكر بعده قصة موسى في محاربة الجبارين وإصرار قومه على التمرد والعصيان. ثم ذكر بعده قصة ابني آدم أن أحدهما قتل الآخر حسدا منه على أن الله تعالى قبل قربانه. وكل هذه القصص دالة على أن كل ذي نعمة محسود فلما كانت نعم الله على محمد ﷺ أعظم النعم لا جرم لم يبعد اتفاق الأعداء على استخراج أنواع المكر والكيد في حقه، فكان ذكر هذه القصص تسلية من الله تعالى لرسوله ﷺ لما هم قوم من اليهود أن يمكروا به وأن يوقعوا به آفة ومحنة. الثاني: أن هذا متعلق بقوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ [المائدة: ١٥]، وهذه القصة وكيفية إيجاب القصاص عليها من أسرار التوراة. الثالث: هذا متصل بقوله حكاية عن اليهود والنصارى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (٢) [المائدة: من الآية ١٨] أي: لا ينفعهم كونهم من أولاد الأنبياء مع كفرهم كما لم ينتفع ولد آدم عند معصيته بكون أبيه نبيا معظما عند الله تعالى.

стр. 285

الرابع: لما كفر أهل الكتاب بمحمد ﷺ حسدا أخبرهم الله تعالى بخبر ابن آدم، وأن الحسد أوقعه في سوء العاقبة، والمقصود منه التحذير عن الحسد (١). وهذه المناسبات -والله أعلم- لا تسلم من التكلف إلا ما ذكره أبو حيان وابن عاشور؛ لقرب اتصال الآيات. أما ما ذكره السيوطي، والرازي ففيه نوع من التكلف؛ لطول الفصل بين الآيات. ٦٣ - توبة المحارب بعد القدرة عليه لا تسقط بها عقوبة الحرابة (٢). قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ المائدة: ٣٣ - ٣٤. قال الشوكاني ﵀: (وأما التوبة بعد القدرة فلا تسقط بها العقوبة المذكورة في الآية كما يدل عليه ذكر قيد ﴿قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا﴾) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني (٤) ﵀ أن توبة المحارب بعد القدرة عليه لا تسقط بها عقوبة الحرابة.

стр. 286

ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر في قبول توبة المحارب قيدا هو توبته قبل القدرة عليه والظفر به؛ فدل مفهوم مخالفة- مفهوم القيد- على أن من تاب من المحاربين بعد القدرة عليه لا تسقط عنه العقوبة. قال البيضاوي: (وتقييد التوبة بالتقدم على القدرة يدل على أنها بعد القدرة لا تسقط الحد، وإن أسقطت العذاب. وأن الآية في قطاع المسلمين؛ لأن توبة المشرك تدرأ عنه العقوبة قبل القدرة وبعدها) (١). وقال السعدي: (ودل مفهوم الآية على أن توبة المحارب ـ بعد القدرة عليه ـ أنها لا تسقط عنه شيئا، والحكمة في ذلك ظاهرة) (٢). لأنهم متهمون بالكذب في توبتهم والتصنع فيها إذا نالتهم يد الإمام، أو لأنه لما قدر عليهم صاروا بمعرض أن يُنَكِّل بهم فلم تقبل توبتهم كالمتلبس بالعذاب من الأمم قبلنا، أو من صار إلى حال الغرغرة فتاب (٣). وممن قال بهذا الاستنباط أيضا: السيوطي، والآلوسي، والقنوجي، والشنقيطي. (٤). وفي اختلاف حكم المحاربين التائبين قبل القدرة عليهم عن حكم التائبين منهم بعد القدرة عليهم والظفر بهم -مع استحقاق كُلِّ للعقوبة- فتحٌ لباب التوبة، وحث المحاربين عليها؛ فإن في إسقاط العقوبة عن المحاربين التائبين قبل القدرة عليهم دعوة لهم للتوبة. وهذا الاستنباط فيه تأصيل لما يسمى اليوم بالتحفيز المناسب، حيث إن التحفيز أنواع، وتتوقف جدواه على معرفة ما يحتاجه المحَفَّز، وهنا تظهر حاجته إلى العفو عن الحد أكثر من أي شيء آخر (٥). ٦٤ - مناسبة الشروع في بيان أحكام المرتدين بعد بيان أن موالاة الكافرين من المسلم كفر؛ لأن موالاتهم نوع من أنواع الردة (٦). قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ المائدة: ٥١ - ٥٤.

стр. 287

قال الشوكاني ﵀: (قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ وهذا شروع في بيان أحكام المرتدين بعد بيان أن موالاة الكافرين من المسلم كفر، وذلك نوع من أنواع الردة) (١). الدراسة: استنبط الشوكاني (٢) ﵀ أن مناسبة الشروع في بيان أحكام المرتدين بعد بيان أن موالاة الكافرين من المسلم كفر؛ لأن موالاتهم نوع من أنواع الردة. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى بيَّن حكم موالاة المسلم للكافرين، وهو نوع من الردة؛ فناسب أن يشرع بعده في بيان أحكام المرتدين.

стр. 288

وهذا الاستنباط نقله القنوجي، وأشار إليه أبو السعود، والآلوسي، والقاسمي، وابن عاشور. (١) حيث ذكروا أن الموالاة ذريعة للردة؛ فناسب الشروع بعده في بيان أحكام المرتدين. قال ابن عاشور: فجملة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ الخ معترضة بين ما قبلها وبين جملة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: من الآية ٥٥] (٢) دعت لاعتراضها مناسبة الإنذار في قوله: … ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: من الآية ٥١] (٣) تعقيبها بهذا الاعتراض إشارة إلى أن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء ذريعة للارتداد؛ لأن استمرار فريق على موالاة اليهود والنصارى من المنافقين وضعفاء الإيمان يخشى منه أن ينسل عن الإيمان فريق. وأنبأ المترددين ضعفاء الإيمان بأن الإسلام غني عنهم إن عزموا على الارتداد إلى الكفر) (٤). ٦٥ - العلماء التاركون للأمر بالمعروف ونهي العصاة عن المنكر أشد حالا، وأعظم وبالا من العصاة (٥). قال تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ المائدة: ٦٢ - ٦٣.

стр. 289

قال الشوكاني ﵀: ( … والربانيون علماء النصارى والأحبار علماء اليهود، وقيل: الكل من اليهود لأن هذه الآيات فيهم، ثم وبخ علماءهم في تركهم لنبيهم فقال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا … يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ وهذا فيه زيادة على قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا … يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾؛ لأن العمل لا يبلغ درجة الصنع حتى يتدرب فيه صاحبه، ولهذا تقول العرب سيف صنيع إذا جود عامله عمله، فالصنع هو العمل الجيد لا مطلق العمل. فوبخ سبحانه الخاصة وهم العلماء التاركون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما هو أغلظ وأشد من توبيخ فاعل المعاصي. فليفتح العلماء لهذه الآية مسامعهم، ويفرجوا لها عن قلوبهم، فإنها قد جاءت فيه البيان الشافي لهم بأن كفهم عن المعاصي مع ترك إنكارهم على أهلها لا يسمن ولا يغنى من جوع، بل هم أشد حالا وأعظم وبالا من العصاة، فرحم الله عالما قام بما أوجبه الله عليه من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو أعظم ما افترضه الله عليه، وأوجب ما أوجب عليه النهوض به) (١). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ أن العلماء التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أشد حالا وأعظم، وبالا من العصاة. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى وبخ العلماء التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما هو أغلظ وأشد من توبيخ فاعل المعاصي، فقال في المقدمين على الإثم والعدوان وأكل السحت: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾، وقال في العلماء التاركين للنهي عن المنكر ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾، والصنع أقوى من العمل؛ لأن العمل إنما يسمى صناعة إذا صار مستقرا راسخا متمكنا، فجعل جرم العاملين ذنبا غير راسخ، وذنب التاركين للنهي عن المنكر ذنبا راسخا (٢)؛ فظهر بذلك الفرق بين ذم متعاطي الذنب، وبين تارك النهي عنه، حيث جعل ذاك عملا، وهذا صناعة (٣)؛ فدل بدلالة التركيب بين الآيتين، وبطريق التأمل في خاتمة كلٍّ منهما على أن العلماء التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أشد حالا وأعظم، وبالا من العصاة. قال البقاعي: (ولما كان من طبع الإنسان الإنكار على من خالفه، كانت الفطرة الأولى مطابقة لما أتت به الرسل من قباحة الكذب وما يتبعه من الفسوق. وكان الإنسان لا ينزل عن تلك الرتبة العالية إلى السكوت عن الفاسقين فضلاً عن تحسين أحوالهم إلا بتدرب طويل، وتمرن عظيم، حتى يصير له ذلك كالصفة التي صارت بالتدريب صنعة يألفها، وملكة لا يتكلفها، فجعل ذنب المرتكب للمعصية غير راسخ؛ لأن الشهوة تدعوه إليها، وذنب التارك للنهي راسخاً؛ لأنه لا شهوة له تدعوه إلى الترك، بل معه حامل من الفطرة السليمة تحثه على النهي، فكان أشد حالاً؛ قال: ﴿لَبِئْسَ مَا﴾، ولما كان ذلك في جبلاتهم، عبر بالكون فقال: ﴿كَانُوا … يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ أي في سكوتهم عنهم وسماعهم منهم) (٤).

стр. 290

وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والرازي، والبيضاوي، وأبو السعود، والسيوطي، والآلوسي. (١). ٦٦ - من سبقت له العناية من علماء هذه الأمة يعصمه الله من الناس إن قام ببيان حجج الله وإيضاح براهينه (٢). قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ المائدة: ٦٧. قال الشوكاني ﵀: (وهكذا من سبقت له العناية من علماء هذه الأمة يعصمه الله من الناس إن قام ببيان حجج الله، وإيضاح براهينه، وصرخ بين ظهراني من ضاد الله وعانده، ولم يمتثل لشرعه كطوائف المبتدعة، وقد رأينا من هذا في أنفسنا، وسمعنا منه في غيرنا ما يزيد المؤمن إيمانا وصلابة في دين الله، وشدة شكيمة في القيام بحجة الله. وكل ما يظنه متزلزلو الأقدام ومضطربو القلوب من نزول الضرر بهم وحصول المحن عليهم فهو خيالات مختلة، وتوهمات باطلة، فإن كل محنة في الظاهر هي منحة في الحقيقة لأنها لا تأتى إلا بخير في الأولى والأخرى، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني (٤) ﵀ أن من سبقت له العناية من علماء هذه الأمة يعصمه الله من الناس إن قام ببيان حجج الله.

стр. 291

ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر رسوله ﷺ بالتبليغ، ووعده بأن يعصمه، فكأن بين التبليغ والعصمة تلازما؛ فدل ذلك على أن -من سبقت له العناية من الله- من المبلغين رسالات الله يعصمهم الله. فيكون في الآية إشارة إلى المبلِّغين رسالات الله، ألا يخشوا أحداً إلا الله، وفيها بشارة لهم بأن الله ينتقم من أعدائهم، ويُضِل سعيهم في إيقاف دعوتهم كما فعل الله بأعداء الرسول ﷺ ، وأن من امتثل لأمر الخالق يعصمه الله من شر المخلوق (١). واحترز الشوكاني بقوله: من سبقت له العناية من الله، أي: من كتب الله تعالى له الحفظ والعصمة. ولأن المرء لا يدري بما كتب الله له فعليه التبليغ، فهو بين أمرين: إما أن يعصمه الله، أو أن يكون قد كتب الله له أن يناله من الأذى ما به ترتفع درجته، وتعلو عند ربه منزلته. وهذا الاستنباط نقله القنوجي (٢). وأشار إليه البروسوي بقوله: (وفي الآية إشارة إلى أن من امتثل لأمر الخالق يعصمه الله من مضرة المخلوق) (٣). والتلازم بين التبليغ والعصمة يدل عليه قوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥)﴾ [القصص: ٣٥]. قال ابن كثير: (﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾ أي لا سبيل لهم إلى الوصول إلى أذاكما بسبب إبلاغكما آيات الله كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾) (٤). وفي هذا الاستنباط باعث لكل مسلم على الجد في أمر التبليغ، وعدم الاكتراث بعداوات الأعداء وكيدهم.

стр. 292

٦٧ - دفع المفاسد أهم من جلب المصالح (١). قال تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ المائدة: ٧٦. قال الشوكاني ﵀: (أمر الله سبحانه رسوله ﷺ أن يقول لهم هذا القول إلزاما لهم، وقطعا لشبهتهم، أي: أتعبدون من دون الله -متجاوزين إياه- ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا، بل هو عبد مأمور، وما جرى على يده من النفع أو دفع من الضر فهو بإقدار الله له وتمكينه منه وقدم سبحانه الضر على النفع؛ لأن دفع المفاسد أهم من جلب المصالح) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ قاعدة: أن دفع المفاسد أهم من جلب المصالح (٣). ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ أن يقول للعابدين غير الله من سائر فرق بني آدم- ودخل في ذلك النصارى وغيرهم-: ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ أي: لا يقدر على دفع ضر عنكم ولا إيصال نفع إليكم (٤)، فدل بدلالة التقديم على أن دفع المفاسد أهم من جلب المصالح. وممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي، والقاسمي. (٥). ومما يستأنس به في تأييد هذا الاستنباط أن أكثر ما جاء في القرآن من لفظي الضر والنفع معا جاء بتقديم لفظ الضر على النفع (٦). وقاعدة: درء المفسدة مقدّم على جلب المصلحة من القواعد المتفرعة عن القاعدة الكليّة "الضرر يزال" (٧)، وذلك لأنه عند الموازنة بين المصلحة والمفسدة، ودفع الضرر وإزالته لابد من التعرض للموازنة بين المصالح والمفاسد عند التعارض، وأيهما أولى بالتقديم دفعا وجلبا. ناهيك عن أن دفع المفسدة عبارة عن إزالة ضرر (٨).

стр. 293

ولتعارض المصالح مع المفاسد حالات: فأولها: تعارض مصالح غالبة أو راجحة على المفاسد، فحينها يطلب تحصيل المصلحة، ولا يلتفت إلى ما فيها من مفسدة. ومثال ذلك الجهاد في سبيل الله فيه قتال ينتج عنه قتل النفس وتلفها، وهو لاشك في كونه مفسدة، ولكن كتب القتال على المؤمنين بالنظر إلى ما يترتب عليه من مصالح تربو على ما فيه من مفاسد. فالقتال في سبيل الله يحقق مصالح جمّة من أهمها حماية الدين، والدّفاع عن أرض المسلمين من أن يطأها العدوّ، وحماية أعراض المسلمين من أن تنتهك، والاعتداء على المستضعفين من النساء والرجال والولدان. فلا شكّ أن هذه المصالح تفوق مفسدة القتل وتربو عليها، ناهيك عن أنّ الجهاد متعلق بمقصد حفظ الدين، والقتل متعلق بمقصد حفظ النفس، وحفظ الدّين مغلّب على حفظ النفس عند التعارض فكانت مصلحة الدين مقدّمة على مصلحة النفس. وثانيهما: تعارض مفاسد غالبة أو راجحة مع تحصيل مصالح مرجوحة وجلبها، فحينها يقدّم درء المفسدة، ولا يلتفت إلى جلب المصلحة. فالمفسدة إذا كانت هي الغالبة بالنظر إلى المصلحة فرفعها هو المقصود شرعا، ولأجله وقع النهي. ومثال ذلك ما ورد في التنزيل من تحريم الخمر دفعا لمفاسدها حيث نصت الآية النازلة في هذا الصدد على أنّ الخمر فيها منافع (مصالح) ومآثم (مفاسد)، ولكن المفاسد غالبة أو راجحة على المصالح فكان حكمها في الأخير التحريم بناء على أنّ درأ المفسدة مقدّم على جلب المصلحة. فالخمر قد تحقق منافع مثل النشوة وتحصيل المال من جراء بيعها والمتاجرة بها، ولكن هذه المصالح التي تجلبها الخمر لا تقوى أمام المفاسد المترتبة على شربها مثل إدخال الضرر على العقل، ووقوع العداوة والبغضاء والصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وتضييع الحقوق وغيرها من المفاسد التي هي أعظم بكثير من جلب ما فيها من منافع، وأنّ المصالح المجتلبة بشرب الخمر لا تعدّ شيئاً إذا ما تمّ مقابلتها بما يترتب عليها من مفاسد وأضرار. والحاصل أنّ أهمّ ضابط في إعمال قاعدة "درء المفسدة مقدّم على جلب المصلحة" هو غلبة أو رجحان المفسدة المدفوعة على المصلحة المجتلبة، أو في حال تساوي المصلحة والمفسدة. (١). قال الشنقيطي: فإن كان الضرر أرجح من النفع أو مساويا له فالمنع؛ لحديث: "لا ضرر ولا ضرار"، ولأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وإن كان النفع أرجح فالأظهر الجواز؛ لأن المقرر في الأصول أن المصلحة الراجحة تقدم على المفسدة المرجوحة.

стр. 294

ثم مثَّل له بمثالين: الأول: تخليص أسارى المسلمين من أيدي العدو بالفداء مصلحة راجحة، قُدِّمت على المفسدة المرجوحة التي هي انتفاع العدو بالمال المدفوع لهم فداء للأسارى. الثاني: انتفاع الناس بالعنب والزبيب مصلحة راجحة على مفسدة عصر الخمر من العنب، فلم يقل أحد بإزالة العنب من الدنيا لدفع ضرر عصر الخمر منه؛ لأن الانتفاع بالعنب والزبيب مصلحة راجحة على تلك المفسدة (١). ويشترط في تقديم درء المفسدة ألا يؤدي إلى مفسدة أخرى، فيلغى التقديم (٢). ٦٨ - الغلو في الحق بإبلاغ كلية الجهد في البحث عنه، واستخراج حقائقه ليس بمذموم (٣). قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ المائدة: ٧٧. قال الشوكاني ﵀: (وأما الغلو في الحق بإبلاغ كلية الجهد في البحث عنه، واستخراج حقائقه فليس بمذموم) (٤). الدراسة: استنبط الشوكاني (٥) ﵀ أن الغلو في الحق بإبلاغ كلية الجهد في البحث عنه، واستخراج حقائقه ليس بمذموم. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى نهى عن الغلو بقوله: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ فقيد الغلو المذموم بكونه بغير الحق؛ فدل بمفهوم المخالفة- مفهوم القيد- أن الغلو في الحق بإبلاغ كلية الجهد في البحث عنه، واستخراج حقائقه ليس بمذموم. ونقل القنوجي هذا الاستنباط عن الشوكاني، كما أشار إليه القاسمي، وابن عاشور. (٦). وهذا الاستنباط مبني على تفسير ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ بمعنى: غلوا غير غلو الحق. فيكون الغلو نوعين: بحق، وبغير حق.

стр. 295

وهو مبني أيضا على إعراب ﴿غَيْرَ﴾ على أنه منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف: أي غلوا غير غلو الحق (١). ورأى آخرون -منهم ابن عثيمين- أن الغلو كله ليس بحق. ويكون إعراب ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ صفة كاشفة أي هي لبيان الواقع ولا مفهوم لها (٢). وعلى هذا المعنى والإعراب لا يستقيم ما استنبطه الشوكاني. ويمكن توجيه هذا الخلاف بأن من جعل الغلو كله ليس بحق إنما عني بالغلو الغلو في العبادة، أو تجاوز الحق بالإعراض عن الأدلة. أما من قسم الغلو إلى قسمين: غلو بحق، وبغير حق، فإنه يتفق مع الفريق الأول في المقصود بالغلو الباطل. (٣) ويكون مقصودهم من الغلو بحق -هنا- ما كان من الاجتهاد في تحصيل الحجج، واستخراج الحقائق. لكن تسمية هذا الفعل غلوا فيه إشكال من وجهين: الأول: أن هذا الفعل وإن صحت تسميته غلوا من جهة اللغة إلا أن الشرع يحث عليه، ويثيب فاعله ما دام حقا. وإذا كان الغلو المجاوزة عن الحد، فلا مجاوزة عنه ما لم يخرج عن الدين، فهذا الفعل ليس خروجا عنه حتى يكون غلوا. الثاني: أن تسمية هذا الاجتهاد بالغلو قد يفتح للتأويلات الفاسدة المخالفة للحق بابا بحجة التفتيش عن أباعد المعاني، وفحص الحقائق. فالاستمساك بالقول بوجود غلو بالحق قد يفضى إلى جعل التعمق في المباحث الكلامية المخالفة لما عليه السلف حقا بحجة أن هذا غلو بحق، وقد فعل هذا الزمخشري حيث قال: الغلو في الدين غلوان: غلو حق وهو أن يفحص عن حقائقه، ويفتش عن أباعد معانيه، ويجتهد في تحصيل حججه كما يفعل المتكلمون من أهل العدل والتوحيد رضوان الله عليهم. وغلو باطل وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة، واتباع الشبه كما يفعل أهل الأهواء والبدع (٤). قال الدوسري-متعقبا-: (ولا عبرة بما قاله الزمخشري في تفسير الغلو وتقسيمه، فإنه مبني على مذهب الاعتزال، ومراده بأهل العدل والتوحيد المعتزلة، ومراده بأهل الأهواء أهل السنة، فهم في عرفه أهل الأهواء والبدع حاسبه الله وعامله بما يستحق) (٥).

стр. 296

٦٩ - من حرم على نفسه شيئا مما أحله الله له فلا يحرم عليه ولا تلزمه كفارة (١). قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ المائدة: ٨٧. قال الشوكاني ﵀: (قوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ أي: لا تعتدوا على الله بتحريم طيبات ما أحل الله لكم، أو لا تعتدوا فتحلوا ما حرم الله عليكم أي: تترخصوا فتحللوا حراما كما نهيتم عن التشديد على أنفسكم بتحريم الحلال. وقد ذهب جمهور العلماء (٢) إلى أن من حرم على نفسه شيئا مما أحله الله له فلا يحرم عليه ولا يلزمه كفارة، وقال أبو حنيفة (٣) وأحمد (٤) ومن تابعهما إن من حرم شيئا صار محرما عليه، وإذا تناوله لزمته الكفارة. وهو خلاف ما في هذه الآية، وخلاف ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، ولعله يأتي في سورة التحريم ما هو أبسط من هذا إن شاء الله (٥) (٦).

стр. 297

الدراسة: استنبط الشوكاني (١) ﵀ أن من حرم على نفسه شيئا مما أحله الله له فلا يحرم عليه ولا تلزمه كفارة. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى نهى عن تحريم ما أحل لعباده؛ فدل ذلك على أن من التحريم والتحليل له سبحانه، فمن حرم على نفسه شيئا مما أحله الله له فلا يحرم عليه إذ هو تحريم لا أثر له. قال إلكيا: (فيه دليل على أن العبد لا يمكنه أن يحرم على نفسه ما أحله الله تعالى له بعقده وقصده) إلى أن قال: (وفيه دليل على أن ذلك منه لغو، وأبو حنيفة رأى أن ذلك صار محرما عليه، وأنه إذا تناوله لزمته الكفارة، وهو بعيد). (٢). وعدم الكفارة هنا يستثنى منه تحريم النساء. قال الدوسري: (وقد ذهب بعض العلماء كالشافعي وغيره إلى أن من حرم على نفسه مأكلا أو مشربا ونحوه ما عدا النساء فإنه لا تحرم عليه، وليس عليه كفارة إلا في تحريم النساء، وذهب الإمام أحمد ومن وافقه إلى وجوب الكفارة على من حرم على نفسه حلالا؛ لأن التزم نفسه باليمين فيؤاخذ بما التزمه، ولكن هذه الآية تدل على ما ذهب إليه الشافعي إلا في تحريم النساء؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: من الآية ٢]) (٣). وممن قال باستنباط الشوكاني: إلكيا الهراسي، وابن العربي، والقرطبي، وابن عاشور. (٤). وخالف السعدي إذ جعل الكفارة على من حرم حلالا، فقال: (ودلت الآية الكريمة على أنه إذا حرم حلالا عليه من طعام وشراب وسرية وأمة ونحو ذلك فإنه لا يكون حراما بتحريمه، لكن لو فعله فعليه كفارة يمين كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: من الآية ١] الآية. إلا أن تحريم الزوجة فيه كفارة ظهار) (٥).

стр. 298

والأظهر-والله تعالى أعلم- أن التحريم إن كان مقترنا بيمين فعليه الكفارة (١)، أما إن كان امتناعا بلا يمين فلا شيء عليه. قال ابن العربي-عند تفسير قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)﴾ [آل عمران: ٩٣]-: (حقيقة التحريم المنع، فكل من امتنع من شيء مع اعتقاده الامتناع منه فقد حرمه، وذلك يكون بأسباب: إما بنذر كما فعل يعقوب في تحريم الإبل وألبانها، وإما بيمين كما فعل النبي ﷺ في العسل أو في جاريته، فإن كان بنذر فإنه غير منعقد في شرعنا. ولسنا نتحقق كيفية تحريم يعقوب هل كان بنذر أو بيمين، فإن كان بيمين فقد أحل الله لنا اليمين بالكفارة، أو بالاستثناء المتصل رخصة منه لنا ولم يكن ذلك لغيرنا من الأمم. فلو قال رجل: حرمت الخبز على نفسي أو اللحم لم يحرم ولم ينعقد يمينا. فإن قال: حرمت أهلي فقد اختلف العلماء فيه اختلافا كثيرا يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى. والصحيح أنه يلزمه تحريم الأهل إذا ابتدأ بتحريمها كما يحرمها بالطلاق، ولا يلزمه تحريم فيما عدا ذلك؛ لقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾) (٢). وفي هذا الاستنباط حكمة عظيمة هي بقاء الحلال والحرام في إطار الحفظ من الأهواء و التنطعات، فربما شوه الإسلام بتنطع محرم (٣).

стр. 299

كما أن الامتناع من الطيبات التي أحلها الله لا فضيلة فيه (١). قال الشوكاني: (فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحله الله لعباده، وأن الفضل والبر إنما هو في فعل ما ندب الله عباده إليه، وعمل به رسول الله ﷺ ، وسنه لأمته، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون إذ كان خير الهدى هدى نبينا محمد ﷺ ، فإذا كان ذلك كذلك تبين خطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان إذا قدر على لباس ذلك من حله، وآثر أكل الخشن من الطعام وترك اللحم وغيره حذرا من عارض الحاجة إلى النساء. فإن ظن ظان أن الفضل في غير الذي قلنا لما في لباس الخشن وأكله من المشقة على النفس، وصرف ما فضل بينهما من القيمة إلى أهل الحاجة؛ فقد ظن خطأ، وذلك أن الأولى بالإنسان صلاح نفسه وعونه لها على طاعة ربها، ولا شيء أضر للجسم من المطاعم الردية؛ لأنها مفسدة لعقله ومضعفة لأدواته التي جعلها الله سببا إلى طاعته) (٢). والإسلام دين الوسطية والاعتدال، ولذا فإن المعتدل المقتصد يثاب على اعتداله مالا يثاب عليه المتنطع المتشدد ولا يشفع له أن كان مقصده التقرب إلى الله؛ لأنه خالف الطريق التي شرعها الله. قال ابن تيمية: فالمسلم المتبع لشريعة الإسلام هو المحرم ما حرمه الله و رسوله، فلا يحرم الحلال و لا يسرف في تناوله، بل يتناول ما يحتاج إليه من طعام أو لباس أو نكاح، و يقتصد في ذلك، و يقتصد في العبادة فلا يحمل نفسه مالا تطيق. فهذا تجده يحصل له من مجاهدات النفس، و قهر الهوى ما هو أنفع له من تلك الطريق المبتدعة الوعرة القليلة المنفعة التي غالب من سلكها ارتد على حافره، و نقض عهده، و لم يرعها حق رعايتها، و هذا يثاب على ذلك مالا يثاب على سلوك تلك الطريق، و تزكو به نفسه، و تسير به إلى ربه، و يجد بذلك من المزيد في إيمانه مالا يجده أصحاب تلك الطريق، فإنهم لابد أن تدعوهم أنفسهم إلى الشهوات المحرمة فإنه ما من بني آدم إلا من أخطأ، أو هم بخطيئة، و قد قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: من الآية ٢٨] (٣). إلا أنه يجوز للمرء ترك تناول بعض ذلك في بعض الأوقات من غير التزام، بل لقصد التربية للنفس على التصبر على الحرمان عند عدم الوجدان. قال ابن عاشور: (والنهي إنما هو عن تحريم ذلك على النفس. أما ترك تناول بعض ذلك في بعض الأوقات من غير التزام ولقصد التربية للنفس على التصبر على الحرمان عند عدم الوجدان، فلا بأس به بمقدار الحاجة إليه في رياضة النفس. وكذلك الإعراض عن كثير من الطيبات للتطلع على ما هو أعلى من عبادة أو شغل بعمل نافع وهو أعلى الزهد، وقد كان ذلك سنة رسول الله ﷺ وخاصة من أصحابه، وهي حالة تناسب مرتبته ولا تتناسب مع بعض مراتب الناس، فالتطلع إليها تعسير، وهو مع ذلك كان يتناول الطيبات دون تشوف ولا تطلع. وفي تناولها شكر لله تعالى) (٤) واستعانة بها على طاعة الله (٥).

стр. 300

٧٠ - من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليس بمهتد (١). قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ المائدة: ١٠٥. قال الشوكاني ﵀: (وليس في الآية ما يدل على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٢)، فإن من تركه مع كونه من أعظم الفروض الدينية فليس بمهتد، وقد قال الله

стр. 301

سبحانه: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾) (١). الدراسة: استنبط الشوكاني (٢) ﵀ أن من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليس بمهتد. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما قال: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ أعقبها بقوله: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، ولازم الهداية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فدل ذلك على أن من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليس بمهتد. قال الشنقيطي: (قد يتوهم الجاهل من ظاهر هذه الآية الكريمة عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن نفس الآية فيها الإشارة إلى أن ذلك فيما إذا بلغ جهده فلم يقبل منه المأمور وذلك في قوله: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾؛ لأن من ترك الأمر بالمعروف لم يهتد). إلى أن قال: (ومما يدل على أن تارك الأمر بالمعروف غير مهتد أن الله تعالى أقسم أنه في خسر في قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]). (٣). وممن قال بهذا الاستنباط: الجصاص، وأبو السعود، والسعدي، والشنقيطي-كما تقدم-، وابن عثيمين. (٤). وفي هذا الاستنباط تحذير من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ تركه عدم اهتداء، وإنما يجوز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أحوال قليلة. قال ابن عطية: (وجملة ما عليه أهل العلم في هذا أن الأمر بالمعروف متعين متى رجي القبول، أو رجي رد المظالم ولو بعنف، ما لم يخف المرء ضررا يلحقه في خاصيته، أو فتنة يدخلها على المسلمين إما بشق عصا، وإما بضرر يلحق طائفة من الناس، فإذا خيف هذا فعليكم أنفسكم محكم واجب أن يوقف عنده) (٥) وقال الشوكاني: (فتحمل هذه الآية على من لا يقدر على القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو لا يظن التأثير بحال من الأحوال، أو يخشى على نفسه أن يحل به ما يضره ضررا يسوغ له معه الترك) (٦).

стр. 302

سورة الأنعام ٧١ - للمسلم أن يحمد الله تعالى على هلاك الظَّلَمَة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون (١). قال تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ الأنعام: ٤٥. قال الشوكاني ﵀: (قوله: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ أي: على هلاكهم. وفيه تعليم للمؤمنين كيف يحمدونه سبحانه عند نزول النعم التي من أجلها هلاك الظلمة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فإنهم أشد على عباد الله من كل شديد. اللهم أرح عبادك المؤمنين من ظلم الظالمين، واقطع دابرهم، وأبدلهم بالعدل الشامل لهم) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني من الآية أن للمسلم أن يحمد الله تعالى على هلاك الظلمة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى جل في علاه حمد نفسه بعد إهلاكه الظالمين؛ فدل ذلك بدلالة الاقتداء بأفعال الله تعالى على أن للمسلم أن يحمد الله تعالى على هلاك الظلمة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. قال الزمخشري: (﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ إيذان بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة، وأنه من أجل النعم) (٣). وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري-كما تقدم- والآلوسي، والقنوجي، والقاسمي، وابن عاشور، ومحمد أبو زهرة. (٤). ومما يدل على هذا المعنى المستنبط قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾ [النمل: ٥٨ - ٥٩] عند من يقف على قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ (٥) فيكون الحمد على إهلاك المتقدم ذكرهم من الطاغين.

стр. 303

وهذا الوجه من الوقف رجحه القاسمي بقوله: إذا جرينا على ما هو الأسدُّ في الآي من توافق النظائر اقتضى حمل آية النمل على ما هنا (١). وفي الآية وجه آخر للوقف هو الوقف على قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)﴾ (٢) فيكون الحمد متصلا بما بعده من إقامة البراهين على وحدانية الله تعالى. فعلى الوجه الأول يكون الحمد ختما، وعلى الثاني فاتحة (٣). وفي هذا الاستنباط بيان لكون إهلاك الظالمين نعمة؛ إذ من لوازم الحمد أن يكون على نعمة. قال ابن عاشور: (في ذلك كله تنبيه على أنه يحق الحمد لله عند هلاك الظلمة؛ لأن هلاكهم صلاح للناس، والصلاح أعظم النعم، وشكر النعمة واجب. وهذا الحمد شكر لأنه مقابل نعمة. وإنما كان هلاكهم صلاحا؛ لأن الظلم تغيير للحقوق، وإبطال للعمل بالشريعة، فإذا تغير الحق والصلاح جاء الدمار والفوضى، وافتتن الناس في حياتهم، فإذا هلك الظالمون عاد العدل وهو ميزان قوام العالم) (٤). ٧٢ - مناسبة ذكر الفقه عند الحديث عن إنشاء الأنفس من نفس واحدة، وجعل بعضها مستقرا، وبعضها مستودعا (٥). قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾ الأنعام: ٩٧ - ٩٨. قال الشوكاني ﵀: (وذكر سبحانه هاهنا ﴿يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾، وفيما قبله ﴿يَعْلَمُونَ﴾؛ لأن في إنشاء الأنفس من نفس واحدة، وجعل بعضها مستقرا، وبعضها مستودعا من الغموض والدقة ما ليس في خلق النجوم للاهتداء، فناسبه ذكر الفقه؛ لإشعاره بمزيد تدقيق، وإمعان فكر) (٦).

стр. 304

الدراسة: استنبط الشوكاني مناسبة ذكر الفقه عند الحديث عن إنشاء الأنفس من نفس واحدة، وجعل بعضها مستقرا، وبعضها مستودعا؛ لما في هذا من الغموض والدقة. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما امتن بنعمة النجوم واهتداء بها ختم ذلك بقوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)﴾، ولما ذكر خلقه للأنفس من نفس واحدة، وجعل بعضها مستقرا، وبعضها مستودعا ختم ذلك بقوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾؛ فدل بدلالة التركيب بين الآيتين، وطريق التأمل في خواتيم الآيات على أن الله ختم الآية الثانية بالفقه؛ لأن في خلق الأنفس من نفس واحدة من الغموض والدقة ما ليس في خلق النجوم للاهتداء. قال البقاعي: (ولما كان إنشاء الناس من نفس واحدة، وتصريفهم على تلك الوجوه المختلفة جداً ألطف وأدق صنعة، فكان ذلك محتاجاً إلى تدبر، واستعمال فطنة، وتدقيق نظر؛ قال: ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾ أي لهم أهلية الفقه والفطنة) (١). وممن قال بهذا الاستنباط: الكرماني (٢)، والرازي،، وابن جماعة (٣)، وأبو حيان، والبقاعي-كما تقدم-، وابن عاشور. (٤). وفي هذا الاستنباط حث على مزيد التدقيق، وإمعان الفكر في خلق الأنفس، وتصريفها على أطوار مختلفة، إذ في ذلك ما يدل على عظمة الخالق سبحانه.

стр. 305

٧٣ - الداعي إلى الحق، والناهي عن الباطل إذا خشي أن يتسبب عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرم، ومخالفة حق، ووقوع في باطل أشد كان الترك أولى به، بل كان واجبا عليه (١). قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ الأنعام: ١٠٨. قال الشوكاني ﵀: (وفي هذه الآية دليل على أن الداعي إلى الحق، والناهي عن الباطل إذا خشي أن يتسبب عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرم، ومخالفة حق، ووقوع في باطل أشد كان الترك أولى به، بل كان واجبا عليه، وما أنفع هذه الآية، وأجل فائدتها لمن كان من الحاملين لحجج الله، المتصدين لبيانها للناس إذا كان بين قوم من الصم والبكم الذين إذا أمرهم بمعروف تركوه، وتركوا غيره من المعروف، وإذا نهاهم عن منكر فعلوه، وفعلوا غيره من المنكرات عنادا للحق، وبغضا لاتباع المحقين، وجراءة على الله سبحانه، فإن هؤلاء لا يؤثر فيهم إلا السيف، وهو الحكم العدل لمن عاند الشريعة المطهرة، وجعل المخالفة لها والتجرؤ على أهلها ديدنه وهجيراه، كما يشاهد ذلك في أهل البدع الذين إذا دعوا إلى حق وقعوا في كثير من الباطل، وإذا أرشدوا إلى السنة قابلوها بما لديهم من البدعة، فهؤلاء هم المتلاعبون بالدين، المتهاونون بالشرائع، وهم شر من الزنادقة؛ لأنهم يحتجون بالباطل، وينتمون إلى البدع، ويتظهرون بذلك غير خائفين ولا وجلين، والزنادقة قد ألجمتهم سيوف الإسلام، وتحاماهم أهله، وقد ينفق كيدهم، ويتم باطلهم، وكفرهم نادرا على ضعيف من ضعفاء المسلمين مع تكتم وتحرز وخيفة ووجل) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) أن الداعي إلى الحق، والناهي عن الباطل إذا خشي أن يتسبب عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرم، ومخالفة حق، ووقوع في باطل أشد كان الترك أولى به، بل كان واجبا عليه.

стр. 306

ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ألغى هنا اعتبار المصلحة وهي سب آلهة المشركين لاشتمالها على مفسدة أرجح منها هي سب المشركين لله؛ فدل ذلك بدلالة تأمل أفعال الله تعالى، والاقتداء به على أن الداعي إلى الحق، والناهي عن الباطل إذا خشي أن يتسبب عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرم، ومخالفة حق، ووقوع في باطل أشد كان الترك أولى به، بل كان واجبا عليه. قال الرازي: (تدل على أن الأمر بالمعروف قد يقبح إذا أدى إلى ارتكاب منكر، والنهي عن المنكر يقبح إذا أدى إلى زيادة منكر، وغلبة الظن قائمة مقام العلم في هذا الباب) (١). وممن قال بهذا الاستنباط: السمرقندي، والرازي-كما تقدم- والقرطبي، والسيوطي، والقنوجي. (٢). ومما يؤيد هذا المعنى المستنبط أن الشريعة مبنية على تحقيق المصالح ودرء المفاسد. وفيه أيضا تنبيه لكل داعية للحق بأن يُقّدِّر الأمور بقدرها، فإذا ناقض الوعظ المقصود كان تركه مقصودا. قال السعدي: (ينبغي أن يستعمل المُذَكِّر من الكلام ما يكون أقرب إلى حصول مقصود التقوى وفيه دليل على أنه إذا كان التذكير والوعظ مما يزيد الموعوظ شرا إلى شره كان تركه هو الواجب لأنه إذا ناقض المقصود كان تركه مقصودا) (٣).

стр. 307

٧٤ - حجية قاعدة سد الذرائع (١). قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ الأنعام: ١٠٨. قال الشوكاني ﵀: (وهى أصل أصيل في سد الذرائع، وقطع التطرق إلى الشبه) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني من الآية حجية قاعدة سد الذرائع (٣). ووجه الاستنباط: أن الله تعالى نهى عن سب آلهة المشركين، وهو جائز في ذاته، لكنه ذريعة للمشركين ليسبوا الله عدوا بغير علم؛ فدل ذلك على حجية قاعدة سد الذرائع بدلالة تأمل أفعال الله تعالى، والاقتداء به تعالى في أوامره ونواهيه (٤). قال الطوفي: يحتج بها على سد الذرائع، وحسم مواد الفساد، إذ كان معنى الآية لا تسبوا آلهتهم فيجعلوا ذلك وسيلة وذريعة إلى سب إلهكم. ونظيره قوله تعالى: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾، وقاعدة سد الذرائع عظيمة، وفروعها كثيرة (٥). وممن قال بهذا الاستنباط: ابن الفرس، والقرطبي، والطوفي-كما تقدم-، والقنوجي، وابن عاشور، ومحمد أبو زهرة (٦). وهذه القاعدة تندرج تحت قاعدة الوسائل والمقاصد، فهذه القاعدة شعبة من قاعدة إعطاء الوسيلة حكم المقصد خاصة بوسائل حصول المفسدة (٧). وقد استنبط السعدي من الآية ما يدل على القاعدة العامة (للوسائل حكم المقاصد)، فقال: (وفي هذه الآية الكريمة دليل للقاعدة الشرعية وهي أن الوسائل تعتبر بالأمور التي توصل إليها، وأن وسائل المحرم ولو كانت جائزة تكون محرمة إذا كانت تفضي إلى الشر) (٨). ٧٥ - المطيع من الجن في الجنة، والعاصي في النار (٩). قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ … يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا … كَافِرِينَ (١٣٠) ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾ الأنعام: ١٣٠ - ١٣٢.

стр. 308

قال الشوكاني ﵀: (﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ أي: لكل من الجن والإنس درجات متفاوتة مما عملوا، فنجازيهم بأعمالهم كما قال في آية أخرى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)﴾ [الأحقاف: ١٩]. وفيه دليل على أن المطيع من الجن في الجنة، والعاصي في النار) (١). الدراسة: استنبط الشوكاني أن المطيع من الجن في الجنة كما أن العاصي منهم في النار (٢). ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر خطابه يوم القيامة للجن والإنس بقوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ ثم أخبر أن لكل درجات مما عملوا، أي: من الجن والإنس؛ فدل ذلك على أن الجن كالأنس سواء في العذاب والثواب، فالمطيع من الجن في الجنة كما أن العاصي منهم في النار. قال القرطبي: (قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ أي: من الجن والإنس كما قال -في آية أخرى-: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨)﴾ [الأحقاف: ١٨] ثم قال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)﴾ [الأحقاف: ١٩] وفي هذا ما يدل على أن المطيع من الجن في الجنة، والعاصي منهم في النار كالإنس سواء، وهو أصح ما قيل في ذلك فاعلمه) (٣). والاستنباط هنا متوجه لدخول الجن الجنة؛ لأن هذا هو موضع الخلاف بين العلماء، أما دخولهم النار فقد نص عليه القرآن. قال الشوكاني عند تفسير سورة الجن: (وقد اختلف أهل العلم في دخول مؤمني الجن الجنة كما يدخل عصاتهم النار؛ لقوله في سورة تبارك: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥)﴾ [الملك: من الآية ٥] (٤)، وقول الجن فيما سيأتي في هذه السورة: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٥]، وغير ذلك من الآيات، فقال الحسن: يدخلون الجنة. وقال مجاهد: لا يدخلونها وإن صرفوا عن النار. والأول أولى؛ لقوله في سورة الرحمن: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤)﴾ [الرحمن: ٧٤]، وفي سورة الرحمن آيات غير

стр. 309

هذه تدل على ذلك فراجعها (١) (٢). وقال الرازي عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾ [الأحقاف: ٣١]: (اختلفوا في أن الجن هل لهم ثواب أم لا. فقيل: لا ثواب لهم إلا النجاة من النار، ثم يقال لهم كونوا ترابا مثل البهائم. واحتجوا على صحة هذا المذهب بقوله تعالى: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾ وهو قول أبي حنيفة. والصحيح أنهم في حكم بني آدم، فيستحقون الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وهذا القول قول ابن أبي ليلى (٣)، ومالك، وجرت بينه وبين أبي حنيفة في هذا الباب مناظرة. قال الضحاك: يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون (٤)، والدليل على صحة هذا القول أن كل دليل على أن البشر يستحقون الثواب على الطاعة فهو بعينه قائم في حق الجن) (٥). وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي-كما تقدم-، وأبو حيان، والثعالبي (٦)، والقنوجي. (٧).

стр. 310

وهو قول لبعض السلف كما تقدم. أما المخالفون فقد ذكر الشنقيطي وجه القول عندهم بامتناع دخول الجن الجنة متعقبا قولهم بقوله: (وقد تمسك جماعة من العلماء منهم الإمام أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- بظاهر هذه الآية-أي قوله تعالى: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾ - فقالوا: إن المؤمنين المطيعين من الجن لا يدخلون الجنة، مع أنه جاء في آية أخرى ما يدل على أن مؤمنيهم في الجنة، وهي قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]؛ لأنه تعالى بين شموله للجن والإنس بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾ [الرحمن: ٤٧]. ويستأنس لهذا بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤)﴾، فإنه يشير إلى أن في الجنة جنا يطمثون النساء كالإنس. والجواب عن هذا: أن آية الأحقاف نص فيها على الغفران والإجارة من العذاب، ولم يتعرض فيها لدخول الجنة بنفي ولا إثبات، وآية الرحمن نص فيها على دخولهم الجنة؛ لأنه تعالى قال فيها: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾. وقد تقرر في الأصول أن الموصولات من صيغ العموم، فقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ﴾ يعم كل خائف مقام ربه، ثم صرح بشمول ذلك الجن والإنس معا بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾ فبين أن الوعد بالجنتين لمن خاف مقام ربه من آلائه، أي: نعمه على الإنس والجن، فلا تعارض بين الآيتين؛ لأن إحداهما بينت ما لم تتعرض له الأخرى) (١). فيظهر بهذا -والله تعالى أعلم- أن الأصح هو ما استنبطه الشوكاني ومن قال بقوله. ويدل عليه أيضا أن الجن كالإنس مكلفون، وإذا كانوا كذلك فلا يبعد أن يوافقوهم في الجزاء. وكذلك فإن هذا هو قول أكثر العلماء. قال ابن تيمية: (والجن مكلفون كتكليف الإنس. ومحمد ﷺ مرسل إلى الثقلين الجن والإنس، وكفار الجن يدخلون النار بنصوص وإجماع المسلمين، وأما مؤمنهم ففيهم قولان، وأكثر العلماء على أنهم يثابون أيضا ويدخلون الجنة) (٢).

стр. 311

٧٦ - رحمة الله بعباده مع الغنى عنهم هي غاية التفضل والتطول (١). قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا … أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)﴾ الأنعام: ١٣٣. قال الشوكاني ﵀: (قوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ﴾ أي: عن خلقه، لا يحتاج إليهم ولا إلى عبادتهم، لا ينفعه إيمانهم، ولا يضره كفرهم. ومع كونه غنيا عنهم فهو ذو رحمة بهم، ولا يكون غناه عنهم مانعا من رحمته لهم. وما أحسن هذا الكلام الرباني وأبلغه، وما أقوى الاقتران بين الغنى والرحمة في هذا المقام، فإن الرحمة لهم مع الغنى عنهم هي غاية التفضل والتطول) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني من الآية أن رحمة الله بعباده مع غناه عنهم هي غاية التفضل والتطول. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما بيَّن غناه عن خلقه قرنه برحمته بهم؛ فدل هذا الاقتران على أن رحمة الله بعباده مع غناه عنهم هي غاية التفضل والتطول، إذ لا يكون غناه عنهم مانعا من رحمته لهم، كما أن رحمته ليست من ضعف ولا حاجة. وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري. (٣). وأشار إليه ابن عطية بقوله: (الغنى صفة ذات لله ؛ لأنه ﵎ لا يفتقر إلى شيء من جهة من الجهات، ثم تليت هذه الصفة بقوله: ذو الرحمة، فأردف الاستغناء بالتفضل، وهذا أجمل تناسق) (٤). وهذا الاستنباط مبني على أن لكل اسم من أسماء الله تعالى، وكذلك صفاته معنى، وباقتران اسمين، أو وصفين، أو اسم وصفة يحصل معنى زائد على مفرديهما. فالغنى هنا دل على كمال، والرحمة كذلك دلت على كمال، واقترانهما دل على كمال آخر زائد على الكمال بكل واحد منهما. وقد اعتنى ابن القيم بهذا النوع من الاقتران، ونبه إليه بقوله: (صفة تحصل من اقتران أحد الاسمين والوصفين بالآخر، وذلك قدر زائد على مفرديهما، نحو: الغني الحميد، العفو القدير، الحميد المجيد. وهكذا عامة الصفات المقترنة، والأسماء المزدوجة في القرآن، فإن الغنى صفة كمال، والحمد كذلك، واجتماع الغنى مع الحمد كمال آخر، فله ثناء من غناه، وثناء من حمده، وثناء من اجتماعهما. وكذلك العفو القدير، والحميد المجيد، والعزيز الحكيم، فتأمله فإنه من أشرف المعارف) (٥).

стр. 312

وقال في موضع آخر: (قرن بين الملك والحمد على عاداته تعالى في كلامه، فإن اقتران أحدهما بالآخر له كمال زائد على الكمال بكل واحد منهما، فله كمال من ملكه، وكمال من حمده، وكمال من اقتران أحدهما بالآخر، فإن الملك بلا حمد يستلزم نقصا، والحمد بلا ملك يستلزم عجزا، والحمد مع الملك غاية الكمال) (١). ٧٧ - الدم غير المسفوح معفو عنه، كالدم الذي يبقى في العروق بعد الذبح، ومنه الكبد، والطحال، وهكذا ما يتلطخ به اللحم من الدم (٢). قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ الأنعام: ١٤٥. قال الشوكاني ﵀: (والدم المسفوح: الجاري. وغير المسفوح معفو عنه كالدم الذي يبقى في العروق بعد الذبح، ومنه الكبد، والطحال، وهكذا ما يتلطخ به اللحم من الدم) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ من الآية أن الدم غير المسفوح معفو عنه، كالدم الذي يبقى في العروق بعد الذبح، ومنه الكبد، والطحال، وهكذا ما يتلطخ به اللحم من الدم. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى حين حرَّم الدم وصفه بالمسفوح؛ فدل بدلالة مفهوم المخالفة-مفهوم الصفة-على أن الدم غير المسفوح ليس بحرام بل معفو عنه. قال السعدي: (﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ وهو الدم الذي يخرج من الذبيحة عند ذكاتها، فإنه الدم الذي يضر احتباسه في البدن، فإذا خرج من البدن زال الضرر بأكل اللحم. ومفهوم هذا اللفظ أن الدم الذي يبقى في اللحم والعروق بعد الذبح أنه حلال طاهر) (٤). وممن قال بهذا الاستنباط: الطبري، والجصاص، وابن عطية، والقرطبي، والقنوجي، وابن عاشور. (٥). وفي هذا الاستنباط ما يدل على رحمة الله بعباده برفع المشقة عن هذه الأمة، والتيسير عليها. عن عكرمة قال: (لولا هذه الآية ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ لاتبع المسلمون من العروق ما تتبع منه اليهود) (٦).

стр. 313

سورة الأعراف ٧٨ - كل من تردى برداء الاستكبار عوقب بلبس رداء الهوان والصغار، ومن لبس رداء التواضع ألبسه الله رداء الترفع (١). قال تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾ الأعراف: ١٣. قال الشوكاني ﵀: (وجملة: ﴿إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾ تعليل للأمر، أي: إنك من أهل الصغار والهوان على الله وعلى صالحي عباده. وهكذا كل من تردى برداء الاستكبار عوقب بلبس رداء الهوان والصغار، ومن لبس رداء التواضع ألبسه الله رداء الترفع) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) من الآية أن كل من تردى برداء الاستكبار عوقب بلبس رداء الهوان والصغار، ومن لبس رداء التواضع ألبسه الله رداء الترفع. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى جعل عاقبة إبليس حين تكبر الطرد والصغار والهوان؛ فدل ذلك بدلالة تأمل أفعال الله تعالى على أن كل من تردى برداء الاستكبار عوقب بلبس رداء الهوان والصغار. كما دل بمفهوم المخالفة على أن من لبس رداء التواضع ألبسه الله رداء الترفع. قال الشنقيطي: بيَّن تعالى في هذه الآية الكريمة أنه عامل إبليس اللعين بنقيض قصده، حيث كان قصده التعاظم والتكبر، فأخرجه الله صاغرا حقيرا ذليلا، متصفا بنقيض ما كان يحاوله من العلو والعظمة، وذلك في قوله: ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾ والصغار أشد الذل والهوان. وقوله: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ (٤) [الأعراف: من الآية ١٨]، ونحو ذلك من الآيات.

стр. 314

ويفهم من الآية أن المتكبر لا ينال ما أراد من العظمة والرفعة، وإنما يحصل له نقيض ذلك. وصرح تعالى بهذا المعنى في قوله: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ (١) [غافر: من الآية ٥٦]. ويفهم من مفهوم المخالفة في الآية أن المتواضع لله جل وعلا يرفعه الله. وقد أشار تعالى إلى مكانة المتواضعين له عنده في مواضع أخر كقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ … هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ [الفرقان: ٦٣]، وقوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص: ٨٣] (٢). وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والشنقيطي-كما تقدم-، والهرري. (٣). وفي هذا الاستنباط تحذير من التكبر إذ الصغار لازم الاستكبار (٤). كما فيه حث على التواضع. ٧٩ - المهارة في علم الخير سبب للفوز بالسعادة (٥). قال تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ [الأعراف: ١٢٠ - ١٢٢]. قال الشوكاني ﵀: (ولقد كان ما هم عليه من السحر والمهارة في علمه، مع كونه شرا محضا سببا للفوز بالسعادة؛ لأنهم علموا أن هذا الذي جاء به موسى خارج عن طوق البشر، وأنه من فعل الله سبحانه، فوصلوا بالشر إلى الخير، ولم يحصل من غيرهم ممن لا يعرف هذا العلم من أتباع فرعون ما حصل منهم من الإذعان والاعتراف والإيمان. وإذا كانت المهارة في علم الشر قد تأتي بمثل هذه الفائدة فما بالك بالمهارة في علم الخير. اللهم انفعنا بما علمتنا، وثبت أقدامنا على الحق، وأفرغ علينا سجال الصبر، وتوفنا مسلمين) (٦).

стр. 315

الدراسة: استنبط الشوكاني (١) من الآية أن المهارة في علم الخير سبب للفوز بالسعادة. ووجه الاستنباط: أن السحرة علموا أن الذي جاء به موسى ﵇ خارج عن طوق البشر، وأنه من فعل الله سبحانه، فوصلوا بالشر الذي كانوا عليه من المهارة في علم السحر إلى الخير، فكانت مهارتهم تلك سببا لفوزهم بالسعادة؛ فدل بدلالة تأمل قصص الأنبياء، والاعتبار بقصص السابقين على أن المهارة في علم الخير أولى بأن تكون سببا للفوز بالسعادة. قال الشنقيطي: (واعلم أن علم السحر مع خسته، وأن الله صرح بأنه لا يضر ولا ينفع قد كان سببا لإيمان سحرة فرعون؛ لأنهم لمعرفتهم بالسحر عرفوا أن معجزة العصا خارجة عن طور السحر، وأنها أمر إلهي، فلم يداخلهم شك في ذلك، فكان ذلك سببا لإيمانهم الراسخ الذي لا يزعزعه الوعيد والتهديد، ولو كانوا غير عالمين بالسحر جدا لأمكن أن يظنوا أن مسألة العصا من جنس الشعوذة، والعلم عند الله تعالى) (٢). وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، وأبو بكر الجزائري. (٣). وذكره الرازي، وأبو حيان في تفسيريهما. (٤). وفي هذا الاستنباط حث على أن يتقن المرء العلوم النافعة، فإن العلم سبب الهداية، فإيمان السحرة كان ثمرة العلم، إذ عرفوا أن ما جاء به موسى ليس سحراً وإنما هو آية له من الله فآمنوا (٥). ٨٠ - مناسبة تخصيص هارون ﵇ الأم بالإضافة في مناداته لموسى ﵇ مع كونه أخاه من أبيه وأمه؛ لأنها كلمة لين وعطف، وللتنبيه على أن أمهما كانت مؤمنة (٦). قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)﴾

стр. 316

الأعراف: ١٥٠. قال الشوكاني: (وإنما قال ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ مع كونه أخاه من أبيه وأمه؛ لأنها كلمة لين وعطف، ولأنها كانت كما قيل مؤمنة) (١). الدراسة: استنبط الشوكاني (٢) أن مناسبة تخصيص هارون ﵇ الأم بالإضافة في مناداته لموسى ﵇، مع كونه أخاه من أبيه وأمه؛ لأنها كلمة لين وعطف، وللتنبيه على أن أمهما كانت مؤمنة (٣). ووجه الاستنباط: أن هارون ﵇ نادى موسى ﵇ بابن أم، وخص الأم بذلك مع كونه أخاه من أبيه وأمه؛ فدل مناسبة اللفظ على أن أمهما كانت مؤمنة، وأن مناداته له بها كانت استعطافا له، وترقيقا لقلبه. قال النسفي: (كان ابن أمه وأبيه، و إنما ذكر الأم لأنها كانت مؤمنة، ولأن ذكرها أدعى إلى العطف) (٤). وممن قال بهذا الاستنباط: النسفي-كما تقدم-، وأبو حيان، والقنوجي. (٥). وأشار إليه الزمخشري (٦). وممن قال بأنها للاستعطاف دون أن يشير لكون أمهما كانت مؤمنة: ابن عطية، والقرطبي، والبيضاوي، وابن كثير، والآلوسي، والسعدي (٧). وفي الآية قول آخر، فقيل: إن قوله: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ على ظاهره، فهو أخوه لأمه لا لأبيه (٨). والقول الأول-والله أعلم- أولى؛ لأمور:

стр. 317

الأول: لأن عادة العرب التلطف بذكر الأم. قال أبو حيان: (ناداه نداء استعطاف وترقق، وكان شقيقه. وهي عادة العرب تتلطف وتتحنن بذكر الأم كما قال: يا ابن أمي ويا شقيق نفسي (١) وقال آخر: يا ابن أمي فدتك نفسي ومالي (٢) وأيضا: فكانت أمهما مؤمنة) (٣). الثاني: لأنه قول جمهور المفسرين. قال أبو السعود -عند قوله تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾ [طه: ٩٤]-: (خص الأم بالإضافة استعظاما لحقها، وترقيقا لقلبه لا لما قيل من أنه كان أخاه لأم؛ فإن الجمهور على أنهما كانا شقيقين) (٤). وقال الشوكاني -عند آية طه أيضا-: (ونسبه إلى الأم مع كونه أخاه لأبيه وأمه عند الجمهور استعطافا له، وترقيقا لقلبه) (٥).

стр. 318

سورة الأنفال ٨١ - الملائكة لم تقاتل ببدر (١). قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ الأنفال: ٩ - ١٠. قال الشوكاني ﵀: (﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ﴾ أي: بالإمداد قلوبكم. وفي هذا إشعار بأن الملائكة لم يقاتلوا، بل أمد الله المسلمين بهم للبشرى لهم، وتطمين قلوبهم، وتثبيتها) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني من الآية أن الملائكة لم تقاتل يوم بدر، بل أمد الله المسلمين بهم للبشرى لهم، وتطمين قلوبهم، وتثبيتها (٣). ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أنه ما جعل الإمداد بالملائكة إلا بشرى بالنصر، وطمأنينة للقلوب؛ فدل بمفهوم المخالفة- مفهوم الحصر- على عدم مباشرة الملائكة للقتال يومئذ. قال أبو السعود: (وفي قصر الإمداد عليهما إشعار بعدم مباشرة الملائكة للقتال، وإنما كان إمدادهم بتقوية قلوب المباشرين، وتكثير سوادهم، ونحوه كما هو رأي بعض السلف) (٤). وهذا الاستنباط نقله القنوجي (٥). وحكاه الرازي، والآلوسي (٦). والأظهر أن الملائكة باشرت القتال يومئذ. وهذا هو قول جماعة من المفسرين كابن عطية، والقرطبي، وابن كثير، وابن عاشور (٧). وبه قال ابن القيم في زاد المعاد، قال: (وكانت الملائكة يومئذ تبادر المسلمين إلى قتل أعدائهم) (٨).

стр. 319

ثم إن القول في هذا الموضع بمفهوم المخالفة معارض بالأدلة على أن الملائكة قاتلت ببدر، وقد تظاهرت الروايات على أن الملائكة حضرت بدرا وقاتلت كما قال ابن عطية والقرطبي (١). وقد سبق بيان هذه الأدلة عند قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ [آل عمران: ١٢٦]. ٨٢ - الفرار من الزحف من الكبائر الموبقة (٢). قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ الأنفال: ١٦. قال الشوكاني ﵀: (والمعنى: من ينهزم ويفر من الزحف فقد رجع بغضب كائن من الله إلا المتحرف والمتحيز. ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ أي: المكان الذي يأوي إليه هو النار، فقراره أوقعه إلى ما هو أشد بلاء مما فر منه، وأعظم عقوبة. والمأوى: ما يأوي إليه الإنسان. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ ما صار إليه من عذاب النار. وقد اشتملت هذه الآية على هذا الوعيد الشديد لمن يفر عن الزحف، وفي ذلك دلالة على أنه من الكبائر الموبقة) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني من الآية أن الفرار من الزحف من الكبائر الموبقة. ووجه الاستنباط: أن الله نهى عن الفرار من الزحف وتوعد عليه بوعيدين، فدل بدلالة تأمل وعيد الله تعالى، على أن الفرار من الزحف من الكبائر الموبقة. قال السعدي: (﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ﴾ أي: رجع ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ وهذا يدل على أن الفرار من الزحف من غير عذر من أكبر الكبائر كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة، وكما نص هنا على وعيده بهذا الوعيد الشديد) (٤). وممن قال بهذا الاستنباط: ابن العربي، والقرطبي، والسيوطي، والقنوجي، والقاسمي، والسعدي-كما تقدم-، وابن عاشور. (٥).

стр. 320

وخالف آخرون- فقالوا: حكم الفرار من الزحف ليس بكبيرة- إذ جعلوا الفرار يوم الزحف مخصوصا بيوم بدر، فروي ذلك عن جماعة من السلف (١)، وهو قول أبي حنيفة. (٢). واحتجوا بحجتين: الأولى: أن قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ هو إشارة إلى يوم بدر، وأنه نسخ حكم الآية بآية الضعف (٣)، وبقي حكم الفرار من الزحف ليس بكبيرة. وقد فر الناس يوم أحد فعفا الله عنهم، وقال الله فيهم يوم حنين: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾ [التوبة: ٢٥]، ولم يقع على ذلك تعنيف. وقد رد الجمهور على هذه الحجة ببيان أن قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ إنما ذلك إشارة إلى يوم الزحف الذي يتضمنه قوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ﴾ [الأنفال: ٤٥] (٤). وحكم الآية باق إلى يوم القيامة بشرط الضعف الذي بينه الله تعالى في آية أخرى، وليس في الآية نسخ، والدليل عليه أن الآية نزلت بعد القتال وانقضاء الحرب وذهاب اليوم بما فيه. وإلى هذا ذهب مالك، والشافعي، وأكثر العلماء. (٥).
следующие страницы →