← Тафсир

Тафсир · id 750

استنباطات الشوكاني في تفسيره فتح القدير

خلود شاكر فهيد العبدلي

Полный текст (565 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الأعراف: ١٥٠. قال الشوكاني: (وإنما قال ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ مع كونه أخاه من أبيه وأمه؛ لأنها كلمة لين وعطف، ولأنها كانت كما قيل مؤمنة) (١). الدراسة: استنبط الشوكاني (٢) أن مناسبة تخصيص هارون ﵇ الأم بالإضافة في مناداته لموسى ﵇، مع كونه أخاه من أبيه وأمه؛ لأنها كلمة لين وعطف، وللتنبيه على أن أمهما كانت مؤمنة (٣). ووجه الاستنباط: أن هارون ﵇ نادى موسى ﵇ بابن أم، وخص الأم بذلك مع كونه أخاه من أبيه وأمه؛ فدل مناسبة اللفظ على أن أمهما كانت مؤمنة، وأن مناداته له بها كانت استعطافا له، وترقيقا لقلبه. قال النسفي: (كان ابن أمه وأبيه، و إنما ذكر الأم لأنها كانت مؤمنة، ولأن ذكرها أدعى إلى العطف) (٤). وممن قال بهذا الاستنباط: النسفي-كما تقدم-، وأبو حيان، والقنوجي. (٥). وأشار إليه الزمخشري (٦). وممن قال بأنها للاستعطاف دون أن يشير لكون أمهما كانت مؤمنة: ابن عطية، والقرطبي، والبيضاوي، وابن كثير، والآلوسي، والسعدي (٧). وفي الآية قول آخر، فقيل: إن قوله: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ على ظاهره، فهو أخوه لأمه لا لأبيه (٨). والقول الأول-والله أعلم- أولى؛ لأمور:

стр. 317

الأول: لأن عادة العرب التلطف بذكر الأم. قال أبو حيان: (ناداه نداء استعطاف وترقق، وكان شقيقه. وهي عادة العرب تتلطف وتتحنن بذكر الأم كما قال: يا ابن أمي ويا شقيق نفسي (١) وقال آخر: يا ابن أمي فدتك نفسي ومالي (٢) وأيضا: فكانت أمهما مؤمنة) (٣). الثاني: لأنه قول جمهور المفسرين. قال أبو السعود -عند قوله تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾ [طه: ٩٤]-: (خص الأم بالإضافة استعظاما لحقها، وترقيقا لقلبه لا لما قيل من أنه كان أخاه لأم؛ فإن الجمهور على أنهما كانا شقيقين) (٤). وقال الشوكاني -عند آية طه أيضا-: (ونسبه إلى الأم مع كونه أخاه لأبيه وأمه عند الجمهور استعطافا له، وترقيقا لقلبه) (٥).

стр. 318

سورة الأنفال ٨١ - الملائكة لم تقاتل ببدر (١). قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ الأنفال: ٩ - ١٠. قال الشوكاني ﵀: (﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ﴾ أي: بالإمداد قلوبكم. وفي هذا إشعار بأن الملائكة لم يقاتلوا، بل أمد الله المسلمين بهم للبشرى لهم، وتطمين قلوبهم، وتثبيتها) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني من الآية أن الملائكة لم تقاتل يوم بدر، بل أمد الله المسلمين بهم للبشرى لهم، وتطمين قلوبهم، وتثبيتها (٣). ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أنه ما جعل الإمداد بالملائكة إلا بشرى بالنصر، وطمأنينة للقلوب؛ فدل بمفهوم المخالفة- مفهوم الحصر- على عدم مباشرة الملائكة للقتال يومئذ. قال أبو السعود: (وفي قصر الإمداد عليهما إشعار بعدم مباشرة الملائكة للقتال، وإنما كان إمدادهم بتقوية قلوب المباشرين، وتكثير سوادهم، ونحوه كما هو رأي بعض السلف) (٤). وهذا الاستنباط نقله القنوجي (٥). وحكاه الرازي، والآلوسي (٦). والأظهر أن الملائكة باشرت القتال يومئذ. وهذا هو قول جماعة من المفسرين كابن عطية، والقرطبي، وابن كثير، وابن عاشور (٧). وبه قال ابن القيم في زاد المعاد، قال: (وكانت الملائكة يومئذ تبادر المسلمين إلى قتل أعدائهم) (٨).

стр. 319

ثم إن القول في هذا الموضع بمفهوم المخالفة معارض بالأدلة على أن الملائكة قاتلت ببدر، وقد تظاهرت الروايات على أن الملائكة حضرت بدرا وقاتلت كما قال ابن عطية والقرطبي (١). وقد سبق بيان هذه الأدلة عند قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ [آل عمران: ١٢٦]. ٨٢ - الفرار من الزحف من الكبائر الموبقة (٢). قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ الأنفال: ١٦. قال الشوكاني ﵀: (والمعنى: من ينهزم ويفر من الزحف فقد رجع بغضب كائن من الله إلا المتحرف والمتحيز. ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ أي: المكان الذي يأوي إليه هو النار، فقراره أوقعه إلى ما هو أشد بلاء مما فر منه، وأعظم عقوبة. والمأوى: ما يأوي إليه الإنسان. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ ما صار إليه من عذاب النار. وقد اشتملت هذه الآية على هذا الوعيد الشديد لمن يفر عن الزحف، وفي ذلك دلالة على أنه من الكبائر الموبقة) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني من الآية أن الفرار من الزحف من الكبائر الموبقة. ووجه الاستنباط: أن الله نهى عن الفرار من الزحف وتوعد عليه بوعيدين، فدل بدلالة تأمل وعيد الله تعالى، على أن الفرار من الزحف من الكبائر الموبقة. قال السعدي: (﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ﴾ أي: رجع ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ وهذا يدل على أن الفرار من الزحف من غير عذر من أكبر الكبائر كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة، وكما نص هنا على وعيده بهذا الوعيد الشديد) (٤). وممن قال بهذا الاستنباط: ابن العربي، والقرطبي، والسيوطي، والقنوجي، والقاسمي، والسعدي-كما تقدم-، وابن عاشور. (٥).

стр. 320

وخالف آخرون- فقالوا: حكم الفرار من الزحف ليس بكبيرة- إذ جعلوا الفرار يوم الزحف مخصوصا بيوم بدر، فروي ذلك عن جماعة من السلف (١)، وهو قول أبي حنيفة. (٢). واحتجوا بحجتين: الأولى: أن قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ هو إشارة إلى يوم بدر، وأنه نسخ حكم الآية بآية الضعف (٣)، وبقي حكم الفرار من الزحف ليس بكبيرة. وقد فر الناس يوم أحد فعفا الله عنهم، وقال الله فيهم يوم حنين: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾ [التوبة: ٢٥]، ولم يقع على ذلك تعنيف. وقد رد الجمهور على هذه الحجة ببيان أن قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ إنما ذلك إشارة إلى يوم الزحف الذي يتضمنه قوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ﴾ [الأنفال: ٤٥] (٤). وحكم الآية باق إلى يوم القيامة بشرط الضعف الذي بينه الله تعالى في آية أخرى، وليس في الآية نسخ، والدليل عليه أن الآية نزلت بعد القتال وانقضاء الحرب وذهاب اليوم بما فيه. وإلى هذا ذهب مالك، والشافعي، وأكثر العلماء. (٥).

стр. 321

قال ابن العربي: (ويروى عن ابن عباس ﵃ (١)، وسائر العلماء أن الآية باقية إلى يوم القيامة، وإنما شذ من شذ بخصوص ذلك يوم بدر بقوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ فظن قوم أن ذلك إشارة إلى يوم بدر، وليس به، وإنما ذلك إشارة إلى يوم الزحف، والدليل عليه أن الآية نزلت بعد القتال وانقضاء الحرب وذهاب اليوم بما فيه. وقد ثبت عن النبي ﷺ حسبما قدمناه في الحديث الصحيح أن الكبائر كذا، وعد الفرار يوم الزحف (٢)، وهذا نص في المسألة يرفع الخلاف ويبين الحكم، وقد نبهنا على النكتة التي وقع الإشكال فيها لمن وقع باختصاصه بيوم بدر) (٣). وأما يوم أحد فإنما فر الناس من ضعفهم ومع ذلك عنفوا، وأما يوم حنين فكذلك من فر إنما انكشف عن الكثرة (٤). وقال ابن كثير -بعد أن ساق أقوال السلف الدالة على أن الآية في بدر-: (وهذا كله لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حراما على غير أهل بدر وإن كان سبب نزول الآية فيهم كما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم من أن الفرار من الزحف من الموبقات كما هو مذهب الجماهير، والله أعلم) (٥). الثانية: أنه لم يكن لهم أن ينحازوا، ولو انحازوا لانحازوا للمشركين ولم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم، ولا للمسلمين فئة إلا النبي ﷺ ، فأما بعد ذلك فإن بعضهم فئة لبعض (٦).

стр. 322

وهذه الحجة ردها إلكيا بقوله: (وهذا فيه نظر؛ لأنه كان بالمدينة خلق كثير من الأنصار لم يأمرهم النبي ﷺ بالخروج، ولم يكونوا يرون أنه قتال وإنما ظنوا أنها العير، فخرج رسول الله ﷺ فيمن خف معه) (١). فظهر بذلك أن القول بأن الزحف من الفرار كبيرة أقرب للصواب والله أعلم. وقد نبه ابن عاشور للحكمة من تحريم الزحف من الفرار بقوله: (وإنما حرم الله الفرار في وقت مناجزة المشركين ومجالدتهم وهو وقت اللقاء؛ لأن الفرار حينئذ يوقع في الهزيمة الشنيعة والتقتيل، وذلك أن الله أوجب على المسلمين قتال المشركين، فإذا أقدم المسلمون على القتال لم يكن نصرهم إلا بصبرهم، وتأييد الله إياهم، فلو انكشفوا بالفرار لأعمل المشركون الرماح في ظهورهم فاستأصلوهم، فلذلك أمرهم الله ورسوله بالصبر والثبات، فيكون ما في هذه الآية هو حكم الصبر عند اللقاء) (٢). وفي هذا الاستنباط تنبيه للمسلمين بأن ينظروا قبل اللقاء هل هم بحيث يستطيعون الثبات أو لا. قال ابن عاشور: (الذي أرى في فقه هذه الآية أن ظاهر الآية هو تحريم التولي على آحادهم وجماعتهم إذا التقوا مع أعدائهم في ملاحم القتال والمجالدة، بحيث إن المسلمين إذا توجهوا إلى قتال المشركين، أو إذا نزل المشركون لمقاتلتهم وعزموا على المقاتلة، فإذا التقى الجيشان للقتال وجب على المسلمين الثبات والصبر للقتال، ولو كانوا أقل من جيش المشركين، فإما أن ينتصروا، وإما أن يستشهدوا، وعلى هذا فللمسلمين النظر قبل اللقاء هل هم بحيث يستطيعون الثبات وجهه أو لا، فإن وقت المجالدة يضيق عن التدبير، فعلى الجيش النظر في عَدده وعُدده ونسبة ذلك من جيش عدوهم، فإذا أزمعوا الزحف وجب عليهم الثبات) (٣). ٨٣ - وجوب ترك التقيد بالمذاهب المخالفة لما في الكتاب والسنة (٤). قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ الأنفال: ٢٤. قال الشوكاني ﵀: (ويستدل بهذا الأمر بالاستجابة على أنه يجب على كل مسلم إذا بلغه قول الله، أو قول رسوله ﷺ في حكم من الأحكام الشرعية أن يبادر إلى العمل به كائنا ما كان، ويدع ما خالفه من الرأي وأقوال الرجال. وفي هذه الآية الشريفة أعظم باعث على العمل بنصوص الأدلة، وترك التقيد بالمذاهب، وعدم الاعتداد بما يخالف ما في الكتاب والسنة كائنا ما كان) (٥).

стр. 323

الدراسة: استنبط الشوكاني (١) من الآية وجوب ترك التقيد بالمذاهب المخالفة لما في الكتاب والسنة (٢). ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر بالاستجابة له ولرسوله ﷺ ، أي: الانقياد لما أمرا به، والاجتناب لما نهيا عنه؛ فيلزم من ذلك معرفة الأوامر والمنهيات، أي معرفة الأدلة؛ فدل ذلك على المنع من التقليد للمذاهب المخالفة للكتاب والسنة. وهذا الاستنباط نقله القنوجي في تفسيره (٣). وفي هذا الاستنباط حث على معرفة الدليل؛ لأنه السبيل إلى الاتباع الصحيح على بصيرة. ٨٤ - الأقلون من كفار قريش يعلمون أنهم ليسوا أولياء المسجد الحرام ولكنهم يعاندون (٤). قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ الأنفال: ٣٤. قال الشوكاني ﵀: (﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ ذلك. والحكم على الأكثرين بالجهل يفيد أن الأقلين يعلمون ولكنهم يعاندون) (٥). الدراسة: استنبط الشوكاني من الآية أن الأقلين من كفار قريش يعلمون أنهم ليسوا أولياء المسجد الحرام ولكنهم يعاندون (٦). ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أن أكثر كفار قريش لا يعلمون، فحكم على الأكثرين بالجهل؛ فدل بمفهوم المخالفة (للأكثر)، أو بالتقييد بالأكثر على أن الأقلين من كفار قريش يعلمون أنهم ليسوا أولياء المسجد الحرام ولكنهم يعاندون.

стр. 324

قال ابن عاشور: (وإنما نفى العلم عن أكثرهم دون أن يقال: ولكنهم لا يعلمون؛ فاقتضى أن منهم من يعلم أنهم ليسوا أولياء المسجد الحرام، وهم من أيقنوا بصدق الرسول ﷺ ، واستفاقوا من غفلتهم القديمة، ولكن حملهم على المشايعة للصادين عن المسجد الحرام العناد، وطلب الرئاسة، وموافقة الدهماء على ضلالهم، وهؤلاء هم عقلاء أهل مكة، ومن تهيأ للإيمان منهم مثل: العباس، وعقيل بن أبي طالب، وأبي سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وخالد بن الوليد ومن استبقاهم الله للإسلام، فكانوا من نصرائه من بعد نزول هذه الآية) (١). وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والقنوجي، وابن عاشور. (٢). وهذه الاستنباط مبني على حمل لفظ (أكثر) على معناه حقيقة. وقد أشار بعض المفسرين إلى أن المراد بالأكثر هنا الكل على سبيل المجاز كما يراد بالقلة العدم (٣). لكن الأظهر-والله تعالى أعلم- إبقاء الأكثر على ظاهره إذ الحقيقة أولى من المجاز. قال أبو حيان: (إبقاء الأكثر على ظاهره أولى) (٤). وفي هذا الاستنباط بيان لإنصاف القرآن في الأحكام. قال الهرري: (وقد جرت سنة القرآن أن يدقق في الحكم، ولا يقول إلا الحق، ولا يقول كما يقول الناس: إن القليل لا حكم له) (٥). ٨٥ - مشروعية الذكر في جميع الأحوال (٦). قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾ الأنفال: ٤٥. قال الشوكاني ﵀: (وفي الآية دليل على مشروعية الذكر في جميع الأحوال حتى في هذه الحالة التي ترجف فيها القلوب، وتزيغ عندها البصائر) (٧).

стр. 325

الدراسة: استنبط الشوكاني من الآية مشروعية الذكر في جميع الأحوال. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر بذكره عند ملاقاة العدو في الحرب وهي حالة ترجف فيها القلوب، وتزيغ عندها البصائر، وعلى شدتها لم يرخص للرجل فيها بترك الذكر؛ فدل بدلالة تأمل أوامر الله تعالى على مشروعية الذكر في جميع الأحوال. قال محمد بن كعب القرظي (١): (لو رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا ﵇؛ يقول الله : ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ (٢) [آل عمران: ٤١]، ولرخص للرجل يكون في الحرب يقول الله : ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾) (٣). قال الآلوسي منبها إلى هذا الاستنباط: (وفي الآية تنبيه على أن العبد ينبغي أن لا يشغله شيء عن ذكر مولاه سبحانه، وذكره جل شأنه في مثل ذلك الموطن من أقوى أدلة محبته جل شأنه، ألا ترى من أحب مخلوقا مثله كيف يقول: ولقد ذكرتك والرماح نواهل … مني وبيض الهند تشرب من دمي فوددت تقبيل السيوف لأنها … برقت كبارق ثغرك المتبسم (٤) (٥). وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والبيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي-كما تقدم-، والقنوجي، والقاسمي، والشنقيطي. (٦).

стр. 326

والمعنى المستنبط دل عليه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩١]. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا … مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء: ١٠٣] قال ابن عباس ﵁: (لا يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما، ثم عذر أهلها في حال عذر غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حدا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله، فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾. بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال) (١). ٨٦ - انسلاخ الكفار من الإنسانية، ودخولهم في جنس غير الناس من أنواع الحيوان؛ لعدم تعقلهم لما فيه رشادهم (٢). قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥)﴾ الأنفال: ٥٥. قال الشوكاني ﵀: (وجعلهم شر الدواب لا شر الناس إيماء إلى انسلاخهم عن الإنسانية، ودخولهم في جنس غير الناس من أنواع الحيوان؛ لعدم تعقلهم لما فيه رشادهم) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني من الآية انسلاخ الكفار من الإنسانية، ودخولهم في جنس غير الناس من أنواع الحيوان؛ لعدم تعقلهم لما فيه رشادهم. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى سمى الكفار شر الدواب، ولم يقل شر الناس، فخص لفظ الدواب بالذكر (٤)؛ فدلت مناسبة اختيار هذا اللفظ على انسلاخهم من الإنسانية، ودخولهم في جنس غير الناس؛ لعدم تعقلهم لما فيه رشادهم.

стр. 327

وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والشعراوي. (١). ولا يعني هذا الاستنباط جواز الاعتداء على الكفار بغير حق، فإن القرآن حفظ حقوقهم فقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]. وقال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾ [الممتحنة: ٨ - ٩]. والقرآن بيَّن أنهم في علوم الدين النافعة كالأنعام بل أضل، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ … بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقال في موضع آخر: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤]. فالدابة المحكومة بالغريزة خير من الكافر؛ لأن الدابة تؤدي مهمتها في الحياة تماما، بينما لا يؤدي الكافر مهمته في الأرض، وبذلك يكون شرا من الدابة (٢). ومع هذا الذم أنصفهم إذ لم ينف عنهم علوم الدنيا فقال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ … (٧)﴾ [الروم: ٧].

стр. 328

فغاية ما في هذا الاستنباط ذم الكفار، وبيان عدم انتفاعهم بعقولهم -التي ميز الله بها الإنسان- في الوصول للحق وطريق النجاة والهداية، وهذا هو معنى انسلاخهم من الإنسانية. وليس فيه ما يدعو للاعتداء عليهم وظلمهم.

стр. 329

سورة التوبة ٨٧ - الوفاء بالعهد، والاستقامة عليه من أعمال المتقين (١). قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)﴾ التوبة: ٧. قال الشوكاني ﵀: (وفي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)﴾ إشارة إلى أن الوفاء بالعهد، والاستقامة عليه من أعمال المتقين) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني أن الوفاء بالعهد، والاستقامة عليه من أعمال المتقين. ووجه الاستنباط: أن الله أمر المسلمين بالوفاء بعهد من عاهدوهم من المشركين عند المسجد الحرام، فإن لهم في العهد في هذا المكان الفاضل حرمة أوجب أن يراعوا فيها، ثم ختم هذا الأمر بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)﴾؛ فدل هذا بدلالة الربط بين خاتمة الآية وموضوعها على أن الوفاء بالعهد، والاستقامة عليه من أعمال المتقين. وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والقنوجي، والبروسوي. (٣). واستنبط ابن عطية، والبيضاوي، والآلوسي (٤) هذا المعنى من قوله تعالى -قبل هذه الآية-: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾ [التوبة: ٤]. فقال ابن عطية: (وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)﴾ تنبيه على أن الوفاء بالعهد من التقوى) (٥).

стр. 330

وفي هذا الاستنباط تنبيه على حفظ العهود، والوفاء بالمواثيق حتى مع الكفار المُعَاهَدِين، وأن مخالفة هذه العهود ليست من التقوى في شيء لمن كان يظن ذلك. ٨٨ - حسم أطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم (١). قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ التوبة: ١٨. قال الشوكاني ﵀: (وفي قوله: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ حسم لأطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم، فإن الموصوفين بتلك الصفات إذا كان اهتداؤهم مرجوا فقط، فكيف بالكفار الذين لم يتصفوا بشيء من تلك الصفات. وقيل: عسى من الله واجبة. وقيل: هي بمعنى خليق أي: فخليق أن يكونوا من المهتدين. وقيل: إن الرجاء راجع إلى العباد) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني من الآية حسم أطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما ذكر الذين يعمرون المساجد بأوصافهم الطيبة ذكر اهتداءهم بصيغة التوقع (عسى)؛ فدلت مناسبة لفظ (عسى) على حسم أطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم؛ فإذا كان اهتداء المؤمنين مرجوا فقط، فكيف بالكفار الذين لم يتصفوا بشيء من تلك الصفات. قال البيضاوي: (﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ ذكره بصيغة التوقع قطعا لأطماع المشركين في الاهتداء والانتفاع بأعمالهم، وتوبيخا لهم بالقطع بأنهم مهتدون، فإن هؤلاء مع كمالهم إذا كان اهتداؤهم دائرا بين عسى ولعل فما ظنك بأضدادهم) (٣). وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والرازي، والبيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي. (٤). ويتنبه إلى أن هذا الاستنباط لا يعارضه القول الحق بأن عسى من الله واجبة، فعسى من الله واجبة باعتبار عسى منسوبة إلى الله (٥). وإنما المقصود هنا النظر إلى الرجاء باعتبار ما يكون في قلب المخاطَب (٦)، وتأمل مناسبة مجيء كلمة الإطماع (عسى) -التي لا تعطي الإنسان يقينا بالوقوع- في هذا المقام دون الألفاظ الدالة على القطع.

стр. 331

وحكى الآلوسي مناسبة أخرى لمجيء كلمة الإطماع هنا فقال: (وقيل: إن الأوصاف المذكورة وإن أوجبت الاهتداء ولكن الثبات عليها مما لا يعلمه إلا الله تعالى، وقد يطرأ ما يوجب ضد ذلك والعبرة للعاقبة، فكلمة التوقع يجوز أن تكون لهذا). ثم تعقبها بقوله: (ولا يخفى ما فيه. فإن النظر إلى العاقبة هنا لا يناسب المقام الذي يقتضي تفضيل المؤمنين عليهم في الحال) (١). ويتنبه إلى أن في قوله تعالى: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ أيضا تحذيرا للمؤمنين من الاغترار بأحوالهم، والاتكال على أعمالهم. قال أبو السعود: (وفيه لطف للمؤمنين، وترغيب لهم في ترجيح جانب الخوف على جانب الرجاء، ورفض الاغترار بالله تعالى) (٢). وقال الآلوسي: (وفيه قطع اتكال المؤمنين على أعمالهم وما هم عليه، وإرشادهم إلى ترجيح جانب الخوف على جانب الرجاء، وهذا هو المناسب للمقام) (٣). ٨٩ - على العباد أن يقولوا إن شاء الله في كل ما يتكلمون به مما له تعلق بالزمن المستقبل، كما عليهم ألا يفتروا عن دعاء الله والتضرع إليه (٤). قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾ التوبة: ٢٨. قال الشوكاني ﵀: (وفائدة التقييد بالمشيئة التعلم للعباد بأن يقولوا ذلك في كل ما يتكلمون به مما له تعلق بالزمن المستقبل، ولئلا يفتروا عن الدعاء والتضرع) (٥). الدراسة: استنبط الشوكاني (٦) من الآية أن على العباد أن يقولوا إن شاء الله في كل ما يتكلمون به مما له تعلق بالزمن المستقبل، كما أن عليهم ألا يفتروا عن الدعاء والتضرع.

стр. 332

ووجه الاستنباط الأول: أن الله تعالى لما وعد عباده المؤمنين بأنه سيغنيهم قيد الإغناء بالمشيئة؛ فدل هذا بدلالة التقييد، والاقتداء بأفعال الله تعالى على أن على العباد أن يقولوا إن شاء الله في كل ما يتكلمون به مما له تعلق بالزمن المستقبل. أما الاستنباط الثاني فوجهه: أن التقييد دال على حث العباد على ألا يفتروا عن الدعاء والتضرع؛ حيث نبههم بأن الإغناء بمشيئته، لا سبب له غيره؛ فلا يحصل عندهم الاعتماد على حصول هذا المطلوب، بل ينقطعوا إليه وحده متضرعين. قال البيضاوي: قيده بالمشيئة لتنقطع الآمال إلى الله تعالى (١). وقال الآلوسي: ذلك-أي الإغناء- بإرادته، لا سبب له غيرها، حتى ينقطعوا إليه سبحانه، ويقطعوا النظر عن غيره (٢). وممن قال باستنباط الشوكاني: الرازي، والقنوجي. (٣). إلا أن الرازي نبه إلى ما ذكرهما الشوكاني، وزاد عليه، فقال: (ولسائل أن يسأل فيقول: الغرض بهذا الخبر إزالة الخوف بالعيلة، وهذا الشرط يمنع من إفادة هذا المقصود، وجوابه من وجوه: الأول: أن لا يحصل الاعتماد على حصول هذا المطلوب، فيكون الإنسان أبدا متضرعا إلى الله تعالى في طلب الخيرات ودفع الآفات. الثاني: أن المقصود من ذكر هذا الشرط تعليم رعاية الأدب كما في قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (٤) [الفتح: من الآية ٢٧]. الثالث: أن المقصود التنبيه على أن حصول هذا المعنى لا يكون في كل الأوقات وفي جميع الأمور؛ لأن إبراهيم ﵇ قال في دعائه: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ (٥) [البقرة: من الآية ١٢٦]، وكلمة من تفيد التبعيض، فقوله تعالى في هذه الآية: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ المراد منه ذلك التبعيض).

стр. 333

والوجه الثالث ذكره البيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي (١). ونبه المفسرون إلى أوجه أخرى لتقييد الإغناء بالمشيئة، منها: ١ - أن الغنى في الدنيا ليس من لوازم الإيمان، ولا يدل على محبة الله. قال السعدي: (﴿إِنْ شَاءَ﴾ تعليق للإغناء بالمشيئة؛ لأن الغنى في الدنيا ليس من لوازم الإيمان، ولا يدل على محبة الله، فلهذا علقه الله بالمشيئة، فإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان والدين إلا من يحب) (٢). ٢ - التنبيه على أنه تعالى متفضل بالإغناء، وأنه ليس بواجب عليه. قال البيضاوي: ولينبه على أنه تعالى متفضل في ذلك (٣). وقال الآلوسي: وفيه تنبيه على أنه سبحانه متفضل بذلك الإغناء لا واجب عليه ؛ لأنه لو كان بالإيجاب لم يوكل إلى المشيئة (٤). وكلها صحيح-والله أعلم- ولا تزاحم بينهم. ٩٠ - لم يتخذ اليهود عزيرا ربا معبودا (٥). قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ التوبة: ٣١. قال الشوكاني ﵀: (قوله: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ معطوف على ﴿وَرُهْبَانَهُمْ﴾، أي: اتخذه النصارى ربا معبودا. وفيه إشارة إلى أن اليهود لم يتخذوا عزيرا ربا معبودا) (٦). الدراسة: استنبط الشوكاني من الآية أن اليهود لم يتخذوا عزيرا ربا معبودا. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أن اليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، ثم ذكر اتخاذ النصارى عيسى ﵇ ربا معبودا، فخص فعل النصارى دون اليهود؛ فدل بدلالة عدم الذكر، أو بالتخصيص على أن اليهود لم يتخذوا عزيرا ربا معبودا. قال أبو السعود: (﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ عطف على رهبانهم، أي: اتخذه النصارى ربا معبودا بعد ما قالوا: إنه ابنه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. وتخصيص الاتخاذ به يشير إلى أن اليهود ما فعلوا ذلك بعزير) (٧).

стр. 334

فأما اتخاذ النصارى عيسى ﵇ ربا إنما معناه اتخاذهم له ربا معبودا، وليس في عطف ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ على ﴿وَرُهْبَانَهُمْ﴾ ما يقتضي أنه في طاعته كما هي طاعة الرهبان؛ لأن طاعته ﵇ حق، ولا يقول إلا الحق. ويدل على هذا المعنى تقديم ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ على ﴿وَالْمَسِيحَ﴾. قال محمد أبو زهرة: وقدم قوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ على ﴿وَالْمَسِيحَ﴾ للإشارة إلى أنهم اتخذوه بمرتبة من الربوبية التي نحلوها له غير ما اتخذوه من أربابهم، فما نحلوه له من ربوبية كان عبادة له. إلى أن قال: ولو أخرت كلمة ﴿أَرْبَابًا﴾ عن ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ لكان المعنى أن الربوبية التي اتخذوها واحدة، مع أن ربوبيتهم للمسيح عبادة، وربوبية الأحبار أخذ للتعاليم (١). وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود-كما تقدم-، والآلوسي، والقنوجي. (٢). ويدل على هذا الاستنباط أن الله تعالى أخر هذا الاتخاذ مع أنه أقوى من مجرد الإطاعة في أمر التحليل والتحريم؛ فدل على اختصاصه بالنصارى. قال الآلوسي: (وتخصيص الإتخاذ به ﵇ يشير إلى أن اليهود ما فعلوا ذلك بعزير، وتأخيره في الذكر مع أن اتخاذهم له كذلك أقوى من مجرد الإطاعة في أمر التحليل والتحريم؛ لأنه مختص بالنصارى) (٣). ٩١ - الزجر عن التقليد (٤). قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ التوبة: ٣١. قال الشوكاني ﵀: (وفي هذه الآية ما يزجر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد عن التقليد في دين الله، وتأثير ما يقوله الأسلاف على ما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، فإن طاعة المتمذهب لمن يقتدي بقوله، ويستن بسنته من علماء هذه الأمة مع مخالفته لما جاءت به النصوص، وقامت به حجج الله وبراهينه، ونطقت به كتبه، وأنبياؤه هو كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أربابا من دون الله، للقطع بأنهم لم يعبدوهم، بل أطاعوهم وحرموا ما حرموا، وحللوا ما حللوا، وهذا هو صنيع المقلدين من هذه الأمة وهو أشبه به من شبه البيضة بالبيضة، والتمرة بالتمرة، والماء بالماء) (٥).

стр. 335

الدراسة: استنبط الشوكاني (١) من الآية الزجر عن التقليد (٢). ووجه الاستنباط: أن الله ذم تقليد اليهود والنصارى لأحبارهم ورهبانهم فيما يخالف أمر الله تعالى؛ فإن الأحبار والرهبان أحلوا لهم ما حرم الله، وحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم، وبهذا الاتباع اتخذوهم أربابا من دون الله؛ فدل ذلك بدلالة الاعتبار بقصص السابقين على الزجر عن التقليد؛ لأن طاعة المُقَلِّد لمن يُقَلِّده، ويستن بسنته من علماء هذه الأمة مع مخالفته لما جاءت به النصوص، هو كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أربابا من دون الله. وهذا الاستنباط نقله القنوجي (٣). وأشار الرازي إلى ما يقاربه فيما نقله عن أحد شيوخه فقال: (قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء، قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله تعالى في بعض المسائل، وكانت مذاهبهم بخلاف تلك الآيات، فلم يقبلوا تلك الآيات، ولم يلتفتوا إليها، وبقوا ينظرون إلي كالمتعجب، يعني كيف يمكن العمل بظواهر هذه الآيات مع أن الرواية عن سلفنا وردت على خلافها، ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا الداء ساريا في عروق الأكثرين من أهل الدنيا) (٤). ٩٢ - لا اعتبار بما عند العجم والروم والقبط من الشهور التي يصطلحون عليها (٥). قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً … كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ التوبة: ٣٦.

стр. 336

قال الشوكاني ﵀: (وفي هذه الآية بيان أن الله سبحانه وضع هذه الشهور وسماها بأسمائها على هذا الترتيب المعروف يوم خلق السموات والأرض، وأن هذا هو الذي جاءت به الأنبياء، ونزلت به الكتب، وأنه لا اعتبار بما عند العجم والروم والقبط من الشهور التي يصطلحون عليها، ويجعلون بعضها ثلاثين يوما، وبعضها أكثر، وبعضها أقل) (١). الدراسة: استنبط الشوكاني (٢) من الآية أنه لا اعتبار بما عند العجم والروم والقبط من الشهور التي يصطلحون عليها. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، وقد كان يحتمل أن يراد بهن السنة الشمسية أو القمرية، لكن قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ خلصت لأن يقال إنما أراد السنة القمرية، وهي العربية؛ لأن العرب هي التي كانت تعتقد حرمة هذه الأشهر الأربعة الحرم (٣)، وتُحرِّم القتال فيها، ولما جاء الإسلام لم يزدها إلا حرمة وتعظيما. فدل ذلك على أن الواجب تعليق الأحكام المتصلة بالشهور والسنين من عبادات وغيرها بالأشهر العربية دون الأشهر التي يعتبرها العجم والروم (٤). وممن قال بهذا الاستنباط: إلكيا، والقرطبي، والسيوطي، والقنوجي. (٥). فالواجب على المسلمين الأخذ بهذا الحساب والعدد في صومهم، وحجهم، وأعيادهم، وبيعاتهم، وأجل ديونهم، وسائر أحكام المسلمين المرتبة على الشهور (٦). دون الشهور التي تعتبرها العجم والروم والقبط، وإن لم تزد على اثني عشر شهرا؛ لأنها مختلفة الأعداد، منها ما يزيد على ثلاثين، ومنها ما ينقص، وشهور العرب لا تزيد على ثلاثين، وإن كان منها ما ينقص، والذي ينقص ليس يتعين له شهر، وإنما تفاوتها في النقصان والتمام على حسب اختلاف سير القمر في البروج (٧).

стр. 337

٩٣ - جواز الاجتهاد من النبي ﷺ - (١). قال تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ التوبة: ٤٣. قال الشوكاني ﵀: (وفي الآية دليل على جواز الاجتهاد منه ﷺ . والمسألة مدونة في الأصول (٢) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني من الآية جواز اجتهاد النبي ﷺ (٤). ووجه الاستنباط: أن الله تعالى عاتب نبيه ﷺ على الإذن لبعض المنافقين الذين عزموا على القعود، فعاتبه على ما اجتهد فيه، ولم ينكر عليه الاجتهاد؛ فدل ذلك على جواز اجتهاد النبي ﷺ . أو أن وجهه: أن الله عاتبه على ما وقع منه، ولو كان ذلك بالوحي لم يعاتبه (٥). وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، والآلوسي، والقنوجي. (٦). وقد أثبت الرازي دلالة الآية على جواز اجتهاد النبي ﷺ ، رادا على أقوال المخالفين بقوله: فإن قيل: فهذا يدل على أنه لا يجوز له الحكم بالاجتهاد أولى؛ لأنه تعالى منعه من هذا الحكم بقوله: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾.

стр. 338

قلنا: إنه تعالى ما منعه من ذلك الإذن مطلقا؛ لأنه قال: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ والحكم الممدود إلى غاية بكلمة (حتى) يجب انتهاؤه عند حصول تلك الغاية، فهذا يدل على صحة قولنا. فإن قالوا: فلم لا يجوز أن يكون المراد من ذلك التبين هو التبين بطريق الوحي؟ قلنا: ما ذكرتموه محتمل، إلا أن على التقدير الذي ذكرتم يصير تكليفه أن لا يحكم البتة، وأن يصبر حتى ينزل الوحي ويظهر النص، فلما ترك ذلك كان ذلك كبيرة. وعلى التقدير الذي ذكرنا كان ذلك الخطأ خطأً واقعا في الاجتهاد، فكان حمل الكلام عليه أولى (١). ثم إن القول بجواز اجتهاد النبي ﷺ هو رأي الجمهور. قال النووي -عند شرح حديث: "لولا أن أشق على المؤمنين -أو على أمتي- لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (٢) -: (فيه دليل على جواز الاجتهاد للنبي ﷺ فيما لم يرد فيه نص من الله تعالى، وهذا مذهب أكثر الفقهاء، وأصحاب الأصول، وهو الصحيح المختار) (٣). واجتهاد النبي ﷺ إما أن يكون فيما يتعلق بمصالح الدنيا، وتدبير الحروب، أو أن يكون في الأحكام الشرعية، والأمور الدينية. فأما الأول فمجمع على جوازه (٤)، وأما اجتهاده في الأحكام الشرعية، والأمور الدينية، فقد اختلفوا في ذلك على مذاهب (٥): الأول: المنع؛ لقدرته على النص بنزول الوحي، وقد قال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٤] والضمير يرجع إلى النطق المذكور قبله بقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ [النجم: ٣] (٦). واحتجوا أيضا بأنه ﷺ كان إذا سئل ينتظر الوحي، ويقول: ما أنزل علي في هذا شيء.

стр. 339

الثاني: أنه يجوز الاجتهاد لنبينا ﷺ ، ولغيره من الأنبياء، وإليه ذهب الجمهور. واحتجوا بأن الله سبحانه خاطب نبيه ﷺ كما خاطب عباده، وضرب له الأمثال، وأمره بالتدبر والاعتبار، وهو أجل المتفكرين في آيات الله، وأعظم المعتبرين بها. وأما قوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ فالمراد به القرآن; لأنهم قالوا: إنما يعلمه بشر، ولو سلم لم يدل على نفي اجتهاده; لأنه ﷺ إذا كان متعبدا بالاجتهاد بالوحي; لم يكن نطقا عن الهوى، بل عن الوحي، وإذا جاز لغيره من الأمة أن يجتهد بالإجماع، مع كونه معرضا للخطأ، فلأن يجوز لمن هو معصوم عن الخطأ بالأولى. وأيضا قد وقع ذلك كثيرا منه ﷺ ، ومن غيره من الأنبياء. فأما منه فمثل قوله للعباس: "إلا الإذخر" (١)، ولم ينتظر الوحي في هذا، ولا في كثير مما سئل عنه. وأما من غيره فمثل قصة داود، وسليمان ﵇ (٢).

стр. 340

وأما ما احتج به المانعون، من أنه ﷺ لو جاز له الاجتهاد; لجازت مخالفته، واللازم باطل. وبيان الملازمة: أن ذلك الذي قاله بالاجتهاد هو حكم من أحكام الاجتهاد، ومن لوازم أحكام الاجتهاد جواز المخالفة، إذ لا قطع بأنه حكم الله; لكونه محتملا للإصابة، ومحتملا للخطأ، فقد أجيب عنه بمنع كون اجتهاده يكون له حكم اجتهاد غيره، فإن ذلك إنما كان لازما لاجتهاد غيره، لعدم اقترانه بما اقترن به اجتهاده ﷺ من الأمر باتباعه. وأما ما احتجوا به من أنه لو كان متعبدا بالاجتهاد لما تأخر في جواب سؤال سائل، فقد أجيب عنه بأنه إنما تأخر في بعض المواطن; لجواز أن ينزل عليه فيه الوحي الذي عدمه شرط في صحة اجتهاده، على أنه قد يتأخر الجواب لمجرد الاستثبات في الجواب، والنظر فيما ينبغي النظر فيه في الحادثة، كما يقع ذلك من غيره من المجتهدين. الثالث: الوقف عن القطع بشيء من ذلك (١). قال الشوكاني- بعد أن ذكر الأقوال الثلاثة، وأدلتها والرد عليها-: (ولا وجه للوقف في المسألة; لما قدمنا من الأدلة الدالة على الوقوع، على أنه يدل على ذلك دلالة واضحة ظاهرة قول الله : ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ فعاتبه على ما وقع منه، ولو كان ذلك بالوحي لم يعاتبه) إلى أن قال: (ولم يأت المانعون بحجة تستحق المنع، أو التوقف لأجلها) (٢). فلا شك في ترجيح قول الجمهور؛ لقوة أدلتهم، ولوقوع الاجتهاد من النبي ﷺ عمليا، ولأن أدلة المخالفين لم تسلم من الاعتراض والنقد (٣). ٩٤ - مشروعية الاحتراز عن العجلة والاغترار بظواهر الأمور (٤). قال تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ التوبة: ٤٣. قال الشوكاني ﵀: (وفيها أيضا دلالة على مشروعية الاحتراز عن العجلة والاغترار بظواهر الأمور) (٥). الدراسة: استنبط الشوكاني من الآية مشروعية الاحتراز عن العجلة، والاغترار بظواهر الأمور. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى عاتب نبيه ﷺ على التعجل في الإذن لبعض المنافقين الذين عزموا على القعود فقالوا: إن أذن لنا قعدنا، وإن لم يأذن لنا قعدنا (٦)، فعاتبه الله على ترك الأولى والأفضل الذي هو تأخير الأذن حتى يظهر كذبهم، ويفتضحوا على رؤوس الأشهاد، ولا يتمكنوا من التمتع بالعيش على الأمن والدعة. ولما كان العتاب على التعجل دل ذلك على مشروعية الاحتراز عن العجلة والاغترار بظواهر الأمور؛ إذ كل فعل عتب عليه الشارع فهو دليل على المنع منه، والحث على ضده.

стр. 341

قال الرازي: (دلت هذه الآية على وجوب الاحتراز عن العجلة، ووجوب التثبت والتأني، وترك الاغترار بظواهر الأمور، والمبالغة في التفحص حتى يمكنه أن يعامل كل فريق بما يستحقه من التقريب أو الإبعاد) (١). وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، والقنوجي، والبروسوي. (٢). ٩٥ - (وعد) يقال في الشر (٣). قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ التوبة: ٦٨. قال الشوكاني ﵀: (وفي هذه الآية دليل على أن وعد يقال في الشر) (٤). الدراسة: استنبط الشوكاني من الآية أن لفظ (وعد) يقال في الشر كما يقال في الخير. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى توعد المنافقين والمنافقات بنار جهنم بلفظ (وعد)؛ فدل ذلك بدلالة استعمال القرآن على أن لفظ (وعد) يقال في الشر بطريق الاحتجاج بالقرآن الكريم في اللغة، وأن كل ما ورد فيه فهو أسلوب عربي مبين. قال القصاب: (دليل على أن الوعد يكون في الخير والشر، والإيعاد هو الذي يكون في الشر ولا يشاركه فيه الخير) (٥). وممن قال بهذا الاستنباط: القصاب-كما تقدم-، والقنوجي، والهرري. (٦). وأشار إليه ابن عادل الحنبلي (٧). وقيَّد بعض المفسرين استخدام الوعد في الشر إذا صرح به (٨). قال ابن جزي: (الأصل في الشر أن يقال أوعد، وإنما يقال فيه وعد إذا صرح بالشر) (٩). ولذا حسن الإتيان بلفظ وعد في هذه الآية للتصريح بالشر فيها. قال ابن عطية: (لما قيد الوعد بالتصريح بالشر صح ذلك وحسن، وإن كانت آية وعيد محض) (١٠). ويكون الإتيان بلفظ وعد هنا دون ألفاظ الوعيد- وكلاهما جائز في هذا الموضع- لغرض التهكم بهم، قال الآلوسي: (والتعبير بالوعد للتهكم نحو قوله سبحانه: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤)﴾ [الانشقاق: ٢٤]) (١١).

стр. 342

٩٦ - من الكفار من يكون عدلا في دينه (١). قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾ التوبة: ٨٤. قال الشوكاني ﵀: (وإنما وصفهم بالفسق بعد وصفهم بالكفر؛ لأن الكافر قد يكون عدلا في دينه. والكذب، والنفاق، والخداع، والجبن، والخبث مستقبحة في كل دين) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) من الآية أن من الكفار من يكون عدلا في دينه. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى وصف المنافقين بالفسق بعد وصفهم بالكفر، والفسق أدنى حالا من الكفر؛ فدل ذكر الفسق -الذي هو أدنى- بعد الكفر -الذي هو أعظم- على أن الكافر قد يكون عدلا في دينه، وهؤلاء المنافقون ليسوا كذلك. وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، وابن عادل الحنبلي، والقنوجي، والهرري. (٤). وفي هذا الاستنباط بيان لإنصاف القرآن لأعداء الله؛ فإنه نبه على ما قد يكون عند بعض الكافرين من أخلاق محمودة. كما فيه بيان أن هؤلاء المنافقين جمعوا مع الكفر طريقة مذمومة من الكذب، والنفاق، والخداع، والمكر، والكيد، وهذا أبلغ في ذمهم. قال الرازي: الكافر قد يكون عدلا في دينه، وقد يكون فاسقا في دينه، خبيثا، ممقوتا عند قومه، والكذب، والنفاق، والخداع، والمكر، والكيد أمر مستقبح في جميع الأديان، فالمنافقون لما كانوا موصوفين بهذه الصفات وصفهم الله تعالى بالفسق بعد أن وصفهم بالكفر تنبيها على أن طريقة النفاق طريقة مذمومة عند كل أهل العالم (٥).

стр. 343

والأظهر-والله أعلم- أن الفسق هنا أشد من الكفر، فالمراد: متمردون في الكفر خارجون عن حدوده (١). قال ابن عاشور: (والأحسن أن يفسر الفسق هنا بالخروج عن الإيمان بعد التلبس به، أي بصورة الإيمان، فيكون المراد من الفسق معنى أشنع من الكفر) (٢). ٩٧ - جواز هجران أهل المعاصي تأديبا لهم لينزجروا عن المعاصي (٣). قال تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾ التوبة: ١١٨. قال الشوكاني ﵀: (قوله: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ معناه: أنهم أخروا عن قبول التوبة إلى هذه الغاية، وهي وقت أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت. وما مصدرية أي: برحبها لإعراض الناس عنهم وعدم مكالمتهم من كل أحد؛ لأن النبي ﷺ نهى الناس أن يكالموهم. وفي هذه الآية دليل على جواز هجران أهل المعاصي تأديبا لهم؛ لينزجروا عن المعاصي) (٤). الدراسة: استنبط الشوكاني (٥) من الآية جواز هجران أهل المعاصي تأديبا لهم لينزجروا عن المعاصي. ووجه الاستنباط: أن الله خَلَّف الثلاثة عن التوبة، فأرجأهم عمن تاب عليه ممن تخلف عن رسول الله ﷺ ، وأمر نبيه ﷺ بهجرانهم، ونهى الناس عن كلامهم، وأخر الحكم فيهم حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت؛ فدل ذلك بدلالة الاقتداء بأفعال الله تعالى، وتأمل أحكام الله على جواز هجران أهل المعاصي تأديبا لهم لينزجروا عن المعاصي.

стр. 344

وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي، والبروسوي. (١). وهذا الاستنباط مبني على أن معنى التخليف هو الإرجاء. قال ابن جرير الطبري: (فتأويل الكلام إذا، ولقد تاب الله على الثلاثة الذين خلفهم الله عن التوبة، فأرجأهم عمن تاب عليه ممن تخلف عن رسول الله) (٢). وهو التفسير الذي فسر به كعب بن مالك ﵁ في حديثه المروي في الصحيح (٣)، فقال: "وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، وإنما تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه". وإنما جاز هنا الهجران فوق ثلاثة أيام؛ لأنه لحق الله لا لشيء من الأمور الدنيوية، وحظوظ النفس، ولأن فيه صلاحا لدين المهجور، فيُهجر حتى تظهر توبته. قال البروسوي: إذا كان المهجور مذموم الحال لبدعة، أو فسق، أو نحوهما؛ فإنه لا يحرم الهجران إلى ظهور التوبة؛ لأنه لحق الله لما كان في جانب الدين، فيجوز فوق ثلاثة أيام، ولا يجوز الزيادة عن الثلاثة فيما كان بينهم من الأمور الدنيوية، وحظوظ النفس. وإنما عفي عنه في الثلاثة؛ لأن الآدمي مجبول على الغضب فعفي عن الهجر في الثلاثة ليذهب ذلك العارض (٤). ٩٨ - حصل للثلاثة (٥) الذين خلفوا ما حصل من توبة الله عليهم بالصدق (٦) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ التوبة: ١١٩. قال الشوكاني ﵀: (قوله: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ هذا الأمر بالكون مع الصادقين بعد قصة الثلاثة فيه الإشارة إلى أن هؤلاء الثلاثة حصل لهم بالصدق ما حصل من توبة الله، وظاهر الآية الأمر للعباد على العموم) (٧).

стр. 345

الدراسة: استنبط الشوكاني (١) من الآية أن الثلاثة الذين خلفوا حصل لهم بالصدق ما حصل من توبة الله. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر بالصدق بعد أن ذكر توبته على الثلاثة الذين خلفوا؛ فدل بدلالة الربط بين هذه الآية وما قبلها من آيات أن الثلاثة الذين خلفوا حصل لهم ما حصل من توبة الله بالصدق. ولهذه المناسبة حسن هذا الأمر بالكون مع أهل الصدق بعد قصة الثلاثة حين نفعهم الصدق، وذهب بهم عن منازل المنافقين (٢). وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري. (٣).

стр. 346

وفي هذا الاستنباط بيان أن الصدق منجاة.

стр. 347

سورة يونس ﵇ - ٩٩ - جبل الخلق على الرجوع إلى الله في الشدائد (١). قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾ يونس: ٢٢. قال الشوكاني ﵀: (وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد. ووجه الاستنباط: أن الله أخبر عن الكفار لما أصابهم السوء في البحر أنهم أخلصوا الدعاء لله هنالك دون أوثانهم وآلهتهم، وكان مفزعهم حينئذ إلى الله دونها؛ فدل ذلك على أن الخلق جميعا مؤمنهم وكافرهم جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد. وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي، والمراغي. (٤). وفي هذا الاستنباط ذم لمن خالف فطرته فدعا في الشدائد غير الله تعالى. قال الشوكاني ﵀: (وفي هذه الآية بيان أن هؤلاء المشركين كانوا لا يلتفتون إلى أصنامهم في هذه الحالة وما يشابهها. فيا عجبا لما حدث في الإسلام من طوائف يعتقدون في الأموات، فإذا عرضت لهم في البحر مثل هذه الحالة دعوا الأموات، ولم يخلصوا الدعاء لله كما فعله المشركون، كما تواتر ذلك إلينا تواترا يحصل به القطع، فانظر هداك الله ما فعلت هذه الاعتقادات الشيطانية، وأين وصل بها أهلها وإلى أين رمى بهم الشيطان وكيف اقتادهم وتسلط عليهم حتى انقادوا له انقيادا ما كان يطمع في مثله ولا في بعضه من عباد الأوثان فإنا لله وإنا إليه راجعون) (٥).

стр. 348

وقال الآلوسي: الآية دالة على أن المشركين لا يدعون غيره تعالى في تلك الحال، وأنت خبير بأن الناس اليوم إذا اعتراهم أمر خطير، وخطب جسيم في بر أو بحر دعوا من لا يضر ولا ينفع، ولا يرى ولا يسمع. ومنهم من يستغيث بأحد الأئمة، ومنهم من يضرع إلى شيخ من مشايخ الأمة، ولا ترى فيهم أحدا يخص مولاه بتضرعه ودعاه، ولا يكاد يمر له بباله أنه لو دعا الله تعالى وحده ينجو من هاتيك الأهوال، فبالله تعالى عليك قل لي أي الفريقين من هذه الحيثية أهدى سبيلا، وأي الداعيين أقوم قيلا، وإلى الله تعالى المشتكى من زمان عصفت فيه ريح الجهالة، وتلاطمت أمواج الضلالة، وخرقت سفينة الشريعة، واتخذت الاستغاثة بغير الله تعالى للنجاة ذريعة، وتعذر على العارفين الأمر بالمعروف، وحالت دون النهي عن المنكر صنوف الحتوف (١). ١٠٠ - المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرا (٢). قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)﴾ يونس: ٢٢ - ٢٣. قال الشوكاني ﵀: وفي هذا دليل على أن المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرا (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ من الآية أن المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرا. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر حال الكفار واضطرارهم في البحر عند اشتداده، والخوف من عواقبه فقال: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾ فبين أنهم دعوه مخلصين، ثم قال بعدها: ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: أجابهم عند ضرورتهم وإخلاصهم، مع علمه بأنهم سيعودون إلى شركهم، فدل ذلك على أن الله سبحانه يجيب دعاء المضطرين وإن كانوا كافرين (٤).

стр. 349

قال القرطبي: (﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: دعوه وحده، وتركوا ما كانوا يعبدون. وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد، وأن المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرا؛ لانقطاع الأسباب، ورجوعه إلى الواحد رب الأرباب) (١). وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي-كما تقدم-، والقنوجي. (٢). ويدل على المعنى المستنبط عموم قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢]. فهو يشمل المضطر المسلم والكافر. ويدل عليه كذلك قول النبي ﷺ : لمعاذ ﵁ لما بعثه إلى كفار اليمن: "واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" (٣)، فأخبر النبيّ ﷺ أن دعوة المظلوم من هؤلاء الكفّار لا يحجبها شيء عن الله تعالى. قال القرطبي- عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ -: ضمن الله تعالى إجابة المضطر إذا دعاه، وأخبر بذلك عن نفسه، والسبب في ذلك أن الضرورة إليه باللجاء ينشأ عن الإخلاص، وقطع القلب عما سواه، وللإخلاص عنده سبحانه موقع وذمة، وُجِدَ من مؤمن أو كافر، طائع أو فاجر كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾ وقوله: ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ فأجابهم عند ضرورتهم ووقوع إخلاصهم، مع علمه أنهم يعودون إلى شركهم وكفرهم. فيجيب المضطر لموضع اضطراره وإخلاصه. فيجيب المضطر لموضع اضطراره وإخلاصه، وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال لمعاذ لما وجهه إلى أرض اليمن: "واتق دعوة المظلوم فليس بينها وبين الله حجاب" (٤).

стр. 350

وفي هذا الاستنباط تأنيس وتبشير لكل مؤمن مضطر، فإن الذي وسعت رحمته المضطر الكافر؛ يغدق على المؤمنين حال اضطرارهم من فيض رحماته، وجميل عطاياه. ١٠١ - مناسبة قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾ بعد ذكر عدم اهتداء الكفار بأسماعهم وأبصارهم (١). قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (٤٣) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾ يونس: ٤٢ - ٤٤. قال الشوكاني ﵀: (قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾ ذكر هذا عقب ما تقدم من عدم الاهتداء بالأسماع والأبصار؛ لبيان أن ذلك لم يكن لأجل نقص فيما خلقه الله لهم من السمع والعقل والبصر والبصيرة، بل لأجل ما صار في طبائعهم من التعصب والمكابرة للحق، والمجادلة بالباطل، والإصرار على الكفر، فهم الذين ظلموا أنفسهم بذلك ولم يظلمهم الله شيئا من الأشياء، بل خلقهم وجعل لهم من المشاعر ما يدركون به أكمل إدراك، وركب فيهم من الحواس ما يصلون به إلى ما يريدون، ووفر مصالحهم الدنيوية عليهم، وخلى بينهم وبين مصالحهم الدينية فعلى نفسها جنت براقش) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ أن مناسبة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾ عقب ذكر عدم اهتداء الكفار بالأسماع والأبصار بيان أن عدم الاهتداء لم يكن لأجل نقص فيما خلقه الله لهم من السمع والعقل والبصر والبصيرة، بل لأجل ما صار في طبائعهم من التعصب والمكابرة للحق، والمجادلة بالباطل، والإصرار على الكفر.

стр. 351

ووجه الاستنباط: أن الله ذكر عدم اهتداء الكفار بأسماعهم وأبصارهم ثم ذكر عقب ذلك أنه سبحانه لا يظلم الناس شيئا؛ فدل ذلك بدلالة الربط الآيات على أن عدم اهتدائهم لم يكن لأجل نقص فيما خلقه الله لهم من السمع والعقل والبصر والبصيرة، بل لأجل ما صار في طبائعهم من التعصب والمكابرة للحق، والمجادلة بالباطل، والإصرار على الكفر. وممن قال بهذا: الآلوسي، والقنوجي. (١). ١٠٢ - كل قول لا دليل عليه ليس هو من العلم من شيء بل من الجهل المحض (٢). قال تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ يونس: ٦٨. قال الشوكاني ﵀: ( … ثم وبخهم على هذا القول العاطل على الدليل الباطل عند العقلاء فقال: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ ويستفاد من هذا أن كل قول لا دليل عليه ليس هو من العلم من شيء، بل من الجهل المحض) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني (٤) ﵀ من الآية أن كل قول لا دليل عليه ليس هو من العلم من شيء، بل من الجهل المحض. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما نفى البرهان عن المدعين بأن لله ولدا؛ جعلهم غير عالمين؛ فدل ذلك بدلالة ربط الآية بخاتمتها على أن كل قول لا دليل عليه ليس هو من العلم من شيء، بل من الجهل المحض (٥). قال الزمخشري: (لما نفى عنهم البرهان جعلهم غير عالمين، فدل على أن كل قول لا برهان عليه لقائله فذاك جهل وليس بعلم) (٦). وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري-كما تقدم-، والرازي، والبيضاوي، وأبو حيان، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي. (٧).

стр. 352

وفي هذا الاستنباط حث على معرفة الأمور بأدلتها، وعلى التثبت في كل أمر إذ لا يقوم إلا ما كان عليه برهان ودليل، وأما ما لا حجة عليه فلا يثبت. قال الطوفي: (﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ أي: لا حجة عندكم لاتخاذه ولدا، وهو يقتضي أن ما لا حجة عليه لا يثبت) (١). ١٠٣ - كان لمن آمن بموسى ﵇ اهتمام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم (٢). قال تعالى: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ يونس: ٨٥ - ٨٦. قال الشوكاني ﵀: (ولما قدموا التضرع إلى الله سبحانه في أن يصون دينهم عن الفساد أتبعوه بسؤال عصمة أنفسهم فقالوا: ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ وفي هذا دليل على أنه كان لهم اهتمام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم) (٣) الدراسة: استنبط الشوكاني (٤) ﵀ من الآية اهتمام من آمن بموسى ﵇ بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم. ووجه الاستنباط: أنهم سألوا الله تعالى صيانة الدين عن الفساد أولا فقالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ثم سألوه أن يعصمهم ويحفظهم؛ فدل بدلالة التقديم على أن اهتمامهم بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم. وسؤالهم صيانة الدين يحتمل وجهين: الأول: أنهم سألوا الله أن يصون دينهم عن الفساد، إذ يحتمل أن يكون تفسير قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: لا تسلطهم علينا فيفتنونا. عن مجاهد ﵁ في قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ قال: لا تسلطهم علينا فيفتنونا (٥).

стр. 353

الثاني: أنهم سألوا الله أن يصون أولئك الكفار عن الافتنان في الدين، إذ يحتمل أن يكون تفسير قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: أنهم سألوا الله أن لا يظهر عدوهم عليهم، فيظن أنه خير منهم، وأنه إنما سلط على المؤمنين لكرامته عليه، وهوان الآخرين، فيكون ذلك سببا في فتنة أعدائهم وفساد دينهم. عن مجاهد ﵁ ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ قال: لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من عندك فيقول قوم فرعون لو كانوا على الحق ما عذبوا، ولا سلطنا عليهم، فيفتنون بنا (١). وعلى كلا التفسيرين يظهر اهتمام من آمن من قوم موسى ﵇ بالدين، فعلى التفسير الأول كانت عنايتهم بصيانة دينهم فوق عنايتهم بنجاة أنفسهم. وعلى التفسير الثاني يكون اهتمامهم بمصالح الدين في أقصى درجات الاهتمام حيث قدموا الاهتمام بصيانة دين الأعداء، وهدايتهم على عنايتهم بنجاة أنفسهم. قال الرازي: (واعلم أن هذا الترتيب يدل على أنه كان اهتمام هؤلاء بأمر دينهم فوق اهتمامهم بأمر دنياهم، وذلك لأنا إن حملنا قولهم: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ على أنهم إن سلطوا على المسلمين صار ذلك شبهة لهم في أن هذا الدين باطل، فتضرعوا إلي تعالى في أن يصون أولئك الكفار عن هذه الشبهة. وقدموا هذا الدعاء على طلب النجاة لأنفسهم، وذلك يدل على أن عنايتهم بمصالح دين أعدائهم فوق عنايتهم بمصالح أنفسهم. وإن حملناه على أن لا يمكن الله تعالى أولئك الكفار من أن يحملوهم على ترك هذا الدين، كان ذلك أيضا دليلا على أن اهتمامهم بمصالح أديانهم فوق اهتمامهم بمصالح أبدانهم. وعلى جميع التقديرات فهذه لطيفة شريفة) (٢). وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم- وابن عادل الحنبلي، والقنوجي. (٣).

стр. 354

١٠٤ - الخير من الله للناس فضل منه لا استحقاق لهم به (١). قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ يونس: ١٠٧. قال الشوكاني ﵀: (﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ أي خير كان لم يستطع أحد أن يدفعه عنك، ويحول بينك وبينه كائنا من كان. وعبر بالفضل مكان الخير للإرشاد إلى أنه يتفضل على عباده بما لا يستحقونه بأعمالهم) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ من الآية أن الخير من الله للناس فضل منه لا استحقاق لهم به (٣). ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ فذكر الخير أولا، ثم لم يعد ذكره بالضمير بل أوقع موقع الضمير لفظ (الفضل)، فدل الإظهار في موضع الإضمار على أن الخير من الله للناس فضل منه لا استحقاق لهم به. قال ابن عاشور: (والفضل هو الخير، ولذلك فإيقاعه موقع الضمير؛ لدلالة على أن الخير الواصل إلى الناس فضل من الله لا استحقاق لهم به؛ لأنهم عبيد له يصيبهم بما يشاء) (٤). أو أن وجه الاستنباط: أن الله سمى الخير فضلا فدلت مناسبة اللفظ على هذا المعنى. قال أبو حيان: (سمى الخير فضلا إشعارا بأن الخيور من الله تعالى هي صادرة على سبيل الفضل والإحسان والتفضل) (٥). وممن قال بهذا الاستنباط: أبو حيان، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي، والمراغي، وابن عاشور، ومحمد أبو زهرة. (٦). وفي هذا حث الناس على شكر الله تعالى على نعمه، والاعتراف بفضله. قال أبو زهرة: (قوله تعالى: ﴿لِفَضْلِهِ﴾ فيها إظهار في موضع الإضمار، وذلك لبيان أنه لفضل من الله ورحمة منه سبحانه، وأنه واجب الشكر على هذه النعمة) (٧).

стр. 355

سورة هود ﵇ ١٠٥ - تقديم الإرشاد إلى الاستغفار على التوبة لكونه وسيلة إليها (١). قال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣)﴾ هود: ٣. قال الشوكاني ﵀: (وقدم الإرشاد إلى الاستغفار على التوبة لكونه وسيلة إليها) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ أن مناسبة تقديم الإرشاد إلى الاستغفار على التوبة لكون الاستغفار وسيلة إلى التوبة. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قدم الإرشاد إلى الاستغفار على التوبة، وتقديم الوسائل سبب لتحصيل المطالب؛ فدل التقديم على أن الاستغفار وسيلة إلى التوبة. وهذا الاستنباط نقله القنوجي (٤). وأشار إليه الطبري، وابن عاشور، ومحمد أبو زهرة. (٥). ورأى العكس آخرون، منهم: الرازي، والبيضاوي (٦)، فتقديم ذكر الاستغفار لأن المغفرة هي الغرض المطلوب، والتوبة هي السبب إليها. قال الرازي: معنى قوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا﴾ اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم، ثم بين الشيء الذي يطلب به ذلك وهو التوبة فقال: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾؛ لأن الداعي إلى التوبة والمحرض عليها هو الاستغفار الذي هو عبارة عن طلب المغفرة، وهذا يدل على أنه لا سبيل إلى طلب المغفرة من عند الله إلا بإظهار التوبة، والأمر في الحقيقة كذلك؛ لأن المذنب معرض عن طريق الحق، والمعرض المتمادي في التباعد ما لم يرجع عن ذلك الإعراض لا يمكنه التوجه إلى المقصود بالذات، فالمقصود بالذات هو التوجه إلى المطلوب، إلا أن ذلك لا يمكن إلا بالإعراض عما يضاده، فثبت أن الاستغفار مطلوب بالذات، وأن التوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار وما كان آخرا في الحصول كان أولا في الطلب؛ فلهذا السبب قدم ذكر الاستغفار على التوبة (٧).
следующие страницы →