← Тафсир

Тафсир · id 750

استنباطات الشوكاني في تفسيره فتح القدير

خلود شاكر فهيد العبدلي

Полный текст (565 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ووجه الاستنباط: أن الله ذكر عدم اهتداء الكفار بأسماعهم وأبصارهم ثم ذكر عقب ذلك أنه سبحانه لا يظلم الناس شيئا؛ فدل ذلك بدلالة الربط الآيات على أن عدم اهتدائهم لم يكن لأجل نقص فيما خلقه الله لهم من السمع والعقل والبصر والبصيرة، بل لأجل ما صار في طبائعهم من التعصب والمكابرة للحق، والمجادلة بالباطل، والإصرار على الكفر. وممن قال بهذا: الآلوسي، والقنوجي. (١). ١٠٢ - كل قول لا دليل عليه ليس هو من العلم من شيء بل من الجهل المحض (٢). قال تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ يونس: ٦٨. قال الشوكاني ﵀: ( … ثم وبخهم على هذا القول العاطل على الدليل الباطل عند العقلاء فقال: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ ويستفاد من هذا أن كل قول لا دليل عليه ليس هو من العلم من شيء، بل من الجهل المحض) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني (٤) ﵀ من الآية أن كل قول لا دليل عليه ليس هو من العلم من شيء، بل من الجهل المحض. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما نفى البرهان عن المدعين بأن لله ولدا؛ جعلهم غير عالمين؛ فدل ذلك بدلالة ربط الآية بخاتمتها على أن كل قول لا دليل عليه ليس هو من العلم من شيء، بل من الجهل المحض (٥). قال الزمخشري: (لما نفى عنهم البرهان جعلهم غير عالمين، فدل على أن كل قول لا برهان عليه لقائله فذاك جهل وليس بعلم) (٦). وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري-كما تقدم-، والرازي، والبيضاوي، وأبو حيان، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي. (٧).

стр. 352

وفي هذا الاستنباط حث على معرفة الأمور بأدلتها، وعلى التثبت في كل أمر إذ لا يقوم إلا ما كان عليه برهان ودليل، وأما ما لا حجة عليه فلا يثبت. قال الطوفي: (﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ أي: لا حجة عندكم لاتخاذه ولدا، وهو يقتضي أن ما لا حجة عليه لا يثبت) (١). ١٠٣ - كان لمن آمن بموسى ﵇ اهتمام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم (٢). قال تعالى: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ يونس: ٨٥ - ٨٦. قال الشوكاني ﵀: (ولما قدموا التضرع إلى الله سبحانه في أن يصون دينهم عن الفساد أتبعوه بسؤال عصمة أنفسهم فقالوا: ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ وفي هذا دليل على أنه كان لهم اهتمام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم) (٣) الدراسة: استنبط الشوكاني (٤) ﵀ من الآية اهتمام من آمن بموسى ﵇ بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم. ووجه الاستنباط: أنهم سألوا الله تعالى صيانة الدين عن الفساد أولا فقالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ثم سألوه أن يعصمهم ويحفظهم؛ فدل بدلالة التقديم على أن اهتمامهم بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم. وسؤالهم صيانة الدين يحتمل وجهين: الأول: أنهم سألوا الله أن يصون دينهم عن الفساد، إذ يحتمل أن يكون تفسير قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: لا تسلطهم علينا فيفتنونا. عن مجاهد ﵁ في قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ قال: لا تسلطهم علينا فيفتنونا (٥).

стр. 353

الثاني: أنهم سألوا الله أن يصون أولئك الكفار عن الافتنان في الدين، إذ يحتمل أن يكون تفسير قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: أنهم سألوا الله أن لا يظهر عدوهم عليهم، فيظن أنه خير منهم، وأنه إنما سلط على المؤمنين لكرامته عليه، وهوان الآخرين، فيكون ذلك سببا في فتنة أعدائهم وفساد دينهم. عن مجاهد ﵁ ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ قال: لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من عندك فيقول قوم فرعون لو كانوا على الحق ما عذبوا، ولا سلطنا عليهم، فيفتنون بنا (١). وعلى كلا التفسيرين يظهر اهتمام من آمن من قوم موسى ﵇ بالدين، فعلى التفسير الأول كانت عنايتهم بصيانة دينهم فوق عنايتهم بنجاة أنفسهم. وعلى التفسير الثاني يكون اهتمامهم بمصالح الدين في أقصى درجات الاهتمام حيث قدموا الاهتمام بصيانة دين الأعداء، وهدايتهم على عنايتهم بنجاة أنفسهم. قال الرازي: (واعلم أن هذا الترتيب يدل على أنه كان اهتمام هؤلاء بأمر دينهم فوق اهتمامهم بأمر دنياهم، وذلك لأنا إن حملنا قولهم: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ على أنهم إن سلطوا على المسلمين صار ذلك شبهة لهم في أن هذا الدين باطل، فتضرعوا إلي تعالى في أن يصون أولئك الكفار عن هذه الشبهة. وقدموا هذا الدعاء على طلب النجاة لأنفسهم، وذلك يدل على أن عنايتهم بمصالح دين أعدائهم فوق عنايتهم بمصالح أنفسهم. وإن حملناه على أن لا يمكن الله تعالى أولئك الكفار من أن يحملوهم على ترك هذا الدين، كان ذلك أيضا دليلا على أن اهتمامهم بمصالح أديانهم فوق اهتمامهم بمصالح أبدانهم. وعلى جميع التقديرات فهذه لطيفة شريفة) (٢). وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم- وابن عادل الحنبلي، والقنوجي. (٣).

стр. 354

١٠٤ - الخير من الله للناس فضل منه لا استحقاق لهم به (١). قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ يونس: ١٠٧. قال الشوكاني ﵀: (﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ أي خير كان لم يستطع أحد أن يدفعه عنك، ويحول بينك وبينه كائنا من كان. وعبر بالفضل مكان الخير للإرشاد إلى أنه يتفضل على عباده بما لا يستحقونه بأعمالهم) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ من الآية أن الخير من الله للناس فضل منه لا استحقاق لهم به (٣). ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ فذكر الخير أولا، ثم لم يعد ذكره بالضمير بل أوقع موقع الضمير لفظ (الفضل)، فدل الإظهار في موضع الإضمار على أن الخير من الله للناس فضل منه لا استحقاق لهم به. قال ابن عاشور: (والفضل هو الخير، ولذلك فإيقاعه موقع الضمير؛ لدلالة على أن الخير الواصل إلى الناس فضل من الله لا استحقاق لهم به؛ لأنهم عبيد له يصيبهم بما يشاء) (٤). أو أن وجه الاستنباط: أن الله سمى الخير فضلا فدلت مناسبة اللفظ على هذا المعنى. قال أبو حيان: (سمى الخير فضلا إشعارا بأن الخيور من الله تعالى هي صادرة على سبيل الفضل والإحسان والتفضل) (٥). وممن قال بهذا الاستنباط: أبو حيان، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي، والمراغي، وابن عاشور، ومحمد أبو زهرة. (٦). وفي هذا حث الناس على شكر الله تعالى على نعمه، والاعتراف بفضله. قال أبو زهرة: (قوله تعالى: ﴿لِفَضْلِهِ﴾ فيها إظهار في موضع الإضمار، وذلك لبيان أنه لفضل من الله ورحمة منه سبحانه، وأنه واجب الشكر على هذه النعمة) (٧).

стр. 355

سورة هود ﵇ ١٠٥ - تقديم الإرشاد إلى الاستغفار على التوبة لكونه وسيلة إليها (١). قال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣)﴾ هود: ٣. قال الشوكاني ﵀: (وقدم الإرشاد إلى الاستغفار على التوبة لكونه وسيلة إليها) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ أن مناسبة تقديم الإرشاد إلى الاستغفار على التوبة لكون الاستغفار وسيلة إلى التوبة. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قدم الإرشاد إلى الاستغفار على التوبة، وتقديم الوسائل سبب لتحصيل المطالب؛ فدل التقديم على أن الاستغفار وسيلة إلى التوبة. وهذا الاستنباط نقله القنوجي (٤). وأشار إليه الطبري، وابن عاشور، ومحمد أبو زهرة. (٥). ورأى العكس آخرون، منهم: الرازي، والبيضاوي (٦)، فتقديم ذكر الاستغفار لأن المغفرة هي الغرض المطلوب، والتوبة هي السبب إليها. قال الرازي: معنى قوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا﴾ اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم، ثم بين الشيء الذي يطلب به ذلك وهو التوبة فقال: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾؛ لأن الداعي إلى التوبة والمحرض عليها هو الاستغفار الذي هو عبارة عن طلب المغفرة، وهذا يدل على أنه لا سبيل إلى طلب المغفرة من عند الله إلا بإظهار التوبة، والأمر في الحقيقة كذلك؛ لأن المذنب معرض عن طريق الحق، والمعرض المتمادي في التباعد ما لم يرجع عن ذلك الإعراض لا يمكنه التوجه إلى المقصود بالذات، فالمقصود بالذات هو التوجه إلى المطلوب، إلا أن ذلك لا يمكن إلا بالإعراض عما يضاده، فثبت أن الاستغفار مطلوب بالذات، وأن التوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار وما كان آخرا في الحصول كان أولا في الطلب؛ فلهذا السبب قدم ذكر الاستغفار على التوبة (٧).

стр. 356

وكلا القولين -والله أعلم- صحيح باعتبار. فالأول صحيح على أن التوبة هي الرجوع إلى العمل بطاعة الله، والعمل لله لا يكون عملا له إلا بعد ترك الشرك به، فلابد من الاستغفار من الشرك أولا (١). ولذلك أخر الغاية، وقدم الوسيلة. قال ابن عاشور: (لأن الاعتراف بفساد ما هم فيه من عبادة الأصنام أهم من طلب المغفرة؛ فإن تصحيح العزم على عدم العودة إليها هو مسمى التوبة. وهذا ترغيب في نبذ عبادة الأصنام، وبيان لما في ذلك من الفوائد في الدنيا والآخرة) (٢). والثاني صحيح باعتبار أنه لا سبيل إلى طلب المغفرة من عند الله إلا بإظهار التوبة. وفي استنباط الشوكاني ما يدل على أهمية التوبة بجعلها غاية يتوسل إليها بالاستغفار. والأمر بالاستغفار ثم التوبة تكرر في ثلاثة مواضع من هذه السورة، أولها على لسان هود ﵇، قال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾ [هود: ٥٢]. وعلى لسان صالح ﵇، قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ … وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١)﴾ [هود: ٦١]. وعلى لسان شعيب ﵇، قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾ [هود: ٩٠]. ١٠٦ - مناسبة ذكر أن الله لا يغفل عن كل حيوان باعتبار ما قسمه له من الرزق بعد ذكر علمه سبحانه بما يسره الكفار وما يعلنونه أنه لما كان لا يغفل عن رزق كل حيوان فكيف يغفل عن أحوالهم وأقوالهم وأفعالهم (٣). قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ هود: ٥ - ٦.

стр. 357

قال الشوكاني ﵀: (ثم أكد كونه عالما بكل المعلومات بما فيه غاية الامتنان ونهاية الإحسان؛ فقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ أي: الرزق الذي تحتاج إليه من الغذاء اللائق بالحيوان على اختلاف أنواعه تفضلا منه وإحسانا … ووجه اتصال هذا الكلام بما قبله أن الله سبحانه لما كان لا يغفل عن كل حيوان باعتبار ما قسمه له من الرزق فكيف يغفل عن أحواله وأقواله وأفعاله) (١). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ أن مناسبة ذكر أن الله لا يغفل عن كل حيوان باعتبار ما قسمه له من الرزق بعد ذكر علمه سبحانه بما يسره الكفار وما يعلنونه، أنه لما كان لا يغفل عن رزق كل حيوان فكيف يغفل عن أحوالهم وأقوالهم وأفعالهم. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أنه يعلم ما يسر الكفار وما يعلنون، ثم أخبر برزق الجميع وأنه لا يغفل عن تربيته، فالرزق بعلم الله؛ فدل ذلك بدلالة الربط بين الآيات على أن الله سبحانه لما كان لا يغفل عن كل حيوان باعتبار ما قسمه له من الرزق فكيف يغفل عن أحواله وأقواله وأفعاله، أي: فكيف تخفى عليه أحوالكم يا معشر الكفار وهو يرزقكم. وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي، والهرري. (٢). وفي هذا الاستنباط تنبيه إلى سعة علم الله تعالى، وأنه يعلم حال الإنسان سره وعلانيته، فالذي يرزقه يعلم أحواله، ولو لم يكن عالما بجميع المعلومات لما حصلت هذه المهمات (٣). ١٠٧ - بعض أشراف قوم نوح ﵇ لم يكونوا كفرة (٤). قال تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾ هود: ٢٧. قال الشوكاني ﵀: (وفيه دليل على أن بعض أشراف قومه لم يكونوا كفرة) (٥).

стр. 358

الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ أن بعض أشراف قوم نوح ﵇ لم يكونوا كفرة. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ فوصف القائلين ذلك من الملأ بقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ فدل بمفهوم المخالفة- مفهوم صفة- على أن بعض أشراف قوم نوح ﵇ لم يكونوا كفرة. وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري. (١). وأشار إليه البقاعي عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠)﴾ [الأعراف: ٥٩ - ٦٠]، فقال: (ولم يصف الملأ من قومه هنا بالذين كفروا، ووصفهم بذلك في سورة هود ﵇، إما لأنها صفة يقصد بها التقييد فلا يختل المعنى بإثباتها ولا نفيها، أو لأنهم أجابوه بذلك مرتين: إحداهما: قبل أن يسلم أحد من أشرافهم، والثانية: بعد أن أسلم بعضهم) (٢). وخالفه ابن عاشور فقال: (ولم يوصف الملأ هنا بالذين كفروا، أو بالذين استكبروا كما وصف الملأ في قصة هود (٣) بالذين كفروا استغناء بدلالة المقام على أنهم كذبوا وكفروا) (٤). والأظهر-والله أعلم- أنه يحتمل أن يكون في أشراف قوم نوح ﵇ مؤمن، كما يحتمل أن يكون هذا الوصف للذم فحسب، ولا يراد منه التقييد. وقد ذكر الزمخشري هذين الاحتمالين في شأن أشراف قوم هود ﵇ عند قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠)﴾ [٥٩ - ٦٠] وقوله تعالى-بعدها-: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦)﴾ [الأعراف: ٦٥ - ٦٦]. فوجَّه الزمخشري وصف الله الملأ من قوم هود ﵇ بالكفر دون الملأ من قوم نوح ﵇ بقوله: (فإن قلت: لم وصف الملأ الذين كفروا دون الملأ من قوم نوح؟ قلت: كان في أشراف قوم هود من آمن به، منهم مرثد بن سعد الذي أسلم وكان يكتم إسلامه، فأريدت التفرقة بالوصف، ولم يكن في أشراف قوم نوح مؤمن، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ [المؤمنون: من الآية ٣٣] (٥)، ويجوز أن يكون وصفا واردا للذم لا غير) (٦).

стр. 359

ويتنبه إلى أن الزمخشري غفل عن آية هود في وصف أشراف قوم نوح ﵇ بالكفر أيضا. قال ابن عاشور: (والتوجيه الذي في الكشاف هنا غفلة عما في سورة هود) (١). فإذا كان هذا يجوز في قوم هود ﵇ فإنه يجوز في أشراف قوم نوح ﵇ كذلك. وإن كان الأظهر-والله أعلم- أن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وصف كاشف، لا مفهوم له. قال ابن عاشور: (ووصْفُ الملإ بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هنا، دون ما في قصة نوح ﵇، وصْفٌ كاشف وليس للتقييد، تَفَنُّنًا في أساليب الحكاية، ألا ترى أنه قد وصف ملأ قوم نوح ﵇ بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في آية سورة هود ﵇، والتوجيه الذي في الكشاف هنا غفلة عما في سورة هود ﵇ (٢). وقد يدل عليه قولهم: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾ ولو آمن من أشرافهم أحد لما جاز لهم أن يقولوا هذا عن أتباع هود ﵇. ١٠٨ - لا يجوز للإنسان أن يدعو بما لا يعلم مطابقته للشرع (٣). قال تعالى: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾ هود: ٤٦. قال الشوكاني ﵀: (وفيه عدم جواز الدعاء بما لا يعلم الإنسان مطابقته للشرع) (٤). الدراسة: استنبط الشوكاني (٥) ﵀ عدم جواز الدعاء بما لا يعلم الإنسان مطابقته للشرع. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى نهى نوح ﵇ عن السؤال عما ليس له به علم، فدل بدلالة العموم، وبدلالة تأمل نواهي الله تعالى على النهي عن كل سؤال لا يعلم صاحبه أن حصول مطلوبه منه صواب، وعلى عدم جواز الدعاء بما لا يعلم الإنسان مطابقته للشرع.

стр. 360

قال المراغي: (وفي الآية إيماء إلى أنه لا يجوز الدعاء بطلب ما هو مخالف لسنن الله في خلقه، بإرادة قلب نظام الكون لأجل الداعي، ولا بطلب ما هو محرم شرعا، وإنما يجوز الدعاء بتسخير الأسباب، والتوفيق فيها، والهداية إلى العلم بالمجهول، من السنن والنظام لنكثر من عمل الخير، ونزيد من عمل البر والإحسان) (١). وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والمراغي-كما تقدم-، والهرري. (٢). وفي هذا حث لكل داع على أن يتفقه في باب الدعاء حتى يدعو على علم وبصيرة، ويعرف ما يجوز الدعاء به وما لا يجوز. وأن على الداعي الاعتناء بالأدعية الشرعية؛ فإن فيها السلامة. كما فيه تحذير من الاعتداء في الدعاء.

стр. 361

سورة يوسف ﵇ - ١٠٩ - لم يكن إخوة يوسف ﵇ أنبياء حين آذوا يوسف ﵇ - (١). قال تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ … فَاعِلِينَ (١٠)﴾ يوسف: ٩ - ١٠. قال الشوكاني ﵀: (وفي هذا دليل على أن إخوة يوسف ما كانوا أنبياء، فإن الأنبياء لا يجوز عليهم التواطؤ على القتل لمسلم ظلما وبغيا. وقيل: كانوا أنبياء وكان ذلك منهم زلة قدم، وأوقعهم فيها التهاب نار الحسد في صدورهم، واضطرام جمرات الغيظ في قلوبهم، ورد بأن الأنبياء معصومون عن مثل هذه المعصية الكثيرة المتبالغة في الكبر، مع ما في ذلك من قطع الرحم، وعقوق الوالد، وافتراء الكذب. وقيل: إنهم لم يكونوا في ذلك الوقت أنبياء بل صاروا أنبياء من بعد) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ أن إخوة يوسف ما كانوا أنبياء وقت أن آذوا يوسف ﵇.

стр. 362

ووجه الاستنباط: أن إخوة يوسف ﵇ تآمروا على قتله؛ فدل ذلك بدلالة تأمل قصص الأنبياء على أنهم ليسوا بأنبياء. ويتنبه إلى أن الشوكاني نص في هذا الموضع على نفي النبوة عنهم، لكن المتتبع لكلامه في مواضع أخرى من السورة يظهر له أن الشوكاني ذكر ما يقيد هذا النفي بوقت أن آذوا يوسف ﵇ تحديدا، وجواز أن يكونوا أنبياء بعد توبتهم. فعند قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا … أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾ [يوسف: ٦] قال: (﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾ وهم قرابته من إخوته وأولاده ومن بعدهم، وذلك أن الله سبحانه أعطاهم النبوة كما قاله جماعة من المفسرين. ولا يبعد أن يكون إشارة إلى ما حصل لهم بعد دخولهم مصر من النعم التي من جملتها كون الملك فيهم مع كونهم أنبياء) (١). وعند قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾ [يوسف: ١٥]-: (﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ أي: إلى يوسف تيسيرا له وتأنيسا لوحشته، مع كونه صغيرا اجتمع على إنزال الضرر به عشرة رجال من إخوته بقلوب غليظة فقد نزعت عنها الرحمة، وسلبت منها الرأفة؛ فإن الطبع البشري دع عنك الدين يتجاوز عن ذنب الصغير ويغتفره لضعفه عن الدفع، وعجزه عن أيسر شيء يراد منه، فكيف بصغير لا ذنب له، بل كيف بصغير هو أخ وله ولهم أب مثل يعقوب، فلقد أبعد من قال: إنهم كانوا أنبياء في ذلك الوقت فما هكذا عمل الأنبياء ولا فعل الصالحين) (٢). وعند قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾ [يوسف: ٧٧] قال: (فما هذه الكذبة بأول كذباتهم، وقد قدمنا ما يدفع قول من قال إنهم قد كانوا أنبياء عند صدور هذه الأمور منهم) (٣).

стр. 363

فكأنه أراد نفي النبوة عنهم حين آذوا يوسف ﵇، ولا يلزم من ذلك نفي النبوة عنهم عنده مطلقا. وأدل دليل على ذلك قوله- عند قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾ [يوسف: ٩١]-: (﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ أي: لقد اختارك وفضلك علينا بما خصك به من صفات الكمال، وهذا اعتراف منهم بفضله وعظيم قدره، ولا يلزم من ذلك أن لا يكونوا أنبياء فإن درج الأنبياء متفاوتة) (١). وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عطية، والقنوجي. (٢). وفي إثبات نبوة إخوة يوسف ﵇ أقوال: الأول: أنهم كانوا أنبياء. قال ابن زيد (٣) -في قوله: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا … وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾ [يوسف: ٤]-: أبواه وإخوته، قال: فبغاه إخوته وكانوا أنبياء، فقالوا: ما رضي أن يسجد له إخوته حتى سجد له أبواه حين بلغهم (٤). وهذا القول تعقبه ابن عطية -عند قوله تعالى: ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا … أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾ [يوسف: ٥ - ٦]- فقال: (تقتضي هذه الآية أن يعقوب ﵇ كان يحس من بنيه حسد يوسف وبغضته، فنهاه عن قصص الرؤيا عليهم خوف أن يشعل بذلك غل صدورهم فيعملوا الحيلة على هلاكه، ومن هنا ومن فعلهم بيوسف الذي يأتي ذكره يظهر أنهم لم يكونوا أنبياء في ذلك الوقت. ووقع في كتاب الطبري لابن زيد أنهم كانوا أنبياء، وهذا يرده القطع بعصمة الأنبياء عن الحسد الدنيوي، وعن عقوق الآباء، وتعريض مؤمن للهلاك، والتوافر في قتله) (٥).

стр. 364

الثاني: أنهم ما كانوا أنبياء. وهذا قول ابن كثير، والسيوطي، والآلوسي (١). ووجه قولهم: أنه لم يقم دليل على نبوتهم، كما أن أفعالهم تدل على أنهم لم يكونوا أنبياء. قال ابن كثير: - عند قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى … أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)﴾ [يوسف: ٨]-: (واعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف، وظاهر هذا السياق يدل على خلاف ذلك، ومن الناس من يزعم أنهم أوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل، ولم يذكروا سوى قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ (٢) [البقرة: ١٣٦] وهذا فيه احتمال؛ لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم الأسباط كما يقال للعرب قبائل، وللعجم شعوب، يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل فذكرهم إجمالا لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم والله أعلم) (٣). وقد ترددت عبارات بعض المفسرين بين إثبات نبوتهم ونفيها، فقال الرازي: بل الجواب الصحيح أن يقال إنهم ما كانوا أنبياء، وإن كانوا أنبياء إلا أن هذه الواقعة إنما أقدموا عليها قبل النبوة (٤). ومثله القرطبي حيث قال: (وفي هذا ما يدل على أن إخوة يوسف ما كانوا أنبياء لا أولا ولا آخرا؛ لأن الأنبياء لا يدبرون في قتل مسلم، بل كانوا مسلمين فارتكبوا معصية ثم تابوا. وقيل: كانوا أنبياء، ولا يستحيل في العقل زلة نبي فكانت هذه زلة منهم، وهذا يرده أن الأنبياء معصومون من الكبائر على ما قدمناه. وقيل: ما كانوا في ذلك الوقت أنبياء ثم نبأهم الله وهذا أشبه والله أعلم) (٥).

стр. 365

وقال القرطبي- قبلها-: (ومن فعلهم بيوسف يدل على أنهم كانوا غير أنبياء في ذلك الوقت ووقع في كتاب الطبري لابن زيد أنهم كانوا أنبياء وهذا يرده القطع بعصمة الأنبياء عن الحسد الدنيوي وعن عقوق الآباء وتعريض مؤمن للهلاك والتآمر في قتله ولا التفات لقول من قال إنهم كانوا أنبياء ولا يستحيل في العقل زلة نبي إلا أن هذه الزلة قد جمعت أنواعا من الكبائر وقد أجمع المسلمون على عصمتهم منها وإنما اختلفوا في الصغائر على ما تقدم) (١). فكأن مراده نفي النبوة عنهم وقت إيذائهم ليوسف ﵇. واستنباط الشوكاني -والله أعلم- أرجح، فهم ما كانوا أنبياء لكن الله منَّ عليهم بالنبوة بعد توبتهم، وما فعلوه قبل النبوة لا يقدح في نبوتهم. قال ابن تيمية: قد اتفق المسلمون على أنهم -أي الأنبياء- معصومون فيما يبلغونه عن الله، فلا يجوز أن يقرهم على الخطأ في شيء مما يبلغونه عنه، وبهذا يحصل المقصود من البعثة. وأما وجوب كونه قبل أن يبعث نبيا لا يخطئ، أو لا يذنب فليس في النبوة ما يستلزم هذا. وقول القائل: لو لم يكن كذلك لم تحصل ثقة فيما يبلغونه عن الله، كذب صريح فإن من آمن وتاب حتى ظهر فضله وصلاحه ونبَّأه الله بعد ذلك، كما نبَّأ إخوة يوسف، ونبَّأ لوطا وشعيبا وغيرهما، وأيده الله تعالى بما يدل على نبوته فإنه يوثق فيما يبلغه كما يوثق بمن لم يفعل ذلك. وقد تكون الثقة به أعظم إذا كان بعد الإيمان والتوبة قد صار أفضل من غيره، والله تعالى قد أخبر أنه يبدل السيئات بالحسنات للتائب، ومعلوم أن الصحابة ﵃ من عهد الرسول ﷺ ، كانوا من خيار الخلق، وكانوا أفضل من أولادهم الذين ولدوا بعد الإسلام (٢). ويدل على ترجيح هذا القول أمور: أولها: ورود أثر عن سفيان بن عيينة (٣) يشير إلى هذا أنهم كانوا أنبياء، فإنه لما سئل: هل حرمت الصدقة على أحد الأنبياء قبل النبي ﷺ ؟ قال: ألم تسمع قوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾ [يوسف: ٨٨] (٤).

стр. 366

وقوله هذا يقتضي أنهم عنده أنبياء. ثانيها: أن الأسباط يحتمل -كما ذكر ابن كثير آنفا- أن يكونوا هم أولاد يعقوب الاثنا عشر وذريتهم. قال السعدي: (ومنها - أي من فوائد قصة يوسف ﵇ أن العبرة في حال العبد بكمال النهاية لا بنقص البداية، فإن أولاد يعقوب ﵇ جرى منهم ما جرى في أول الأمر مما هو أكبر أسباب النقص واللوم، ثم انتهى أمرهم إلى التوبة النصوح والسماح التام من يوسف ومن أبيهم، والدعاء بالمغفرة والرحمة، وإذا سمح العبد عن حقه فالله خير الراحمين ولهذا-في أصح الأقوال- أنهم كانوا أنبياء لقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ (١) [النساء: ١٦٣] والأسباط هم أولاد يعقوب الاثنا عشر وذريتهم. ومما يدل على ذلك أن في رؤيا يوسف أنه رآهم كواكب نيرة، والكواكب فيها النور والهداية، وذلك من صفات الأنبياء، فإن لم يكونوا أنبياء فإنهم علماء هداة) (٢). ثالثها: ما ذكره الشوكاني (٣) وغيره من المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾ [يوسف: ٦] من أن معنى إتمام النعمة على آل يعقوب هي بالنبوة. ولذا قال البغوي، والسمعاني وغيرهما: (﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾ أي على أولاده، فإن أولاده كلهم كانوا أنبياء (٤). رابعها: أن هذا القول هو القول الوسط بين القائلين بنبوتهم والنافين لها، والجمع بين الأدلة أولى من إلغاء أحدها، أو اللجوء إلى القول بالتعارض.

стр. 367

١١٠ - جواز أن يوحي الله إلى من كان صغيرا ويعطيه النبوة (١). قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾ يوسف: ١٥. قال الشوكاني ﵀: (﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ وفي هذا دليل على أنه يجوز أن يوحي الله إلى من كان صغيرا ويعطيه النبوة حينئذ كما وقع في عيسى ويحيى بن زكريا. وقد قيل: إنه كان في ذلك الوقت قد بلغ مبالغ الرجال، وهو بعيد جدا؛ فإن من كان قد بلغ مبالغ الرجال لا يخاف عليه أن يأكله الذئب) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ جواز أن يوحي الله إلى من كان صغيرا ويعطيه النبوة حينئذ كما وقع في عيسى ﵇، ويحيى بن زكريا ﵇. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أنه أوحى ليوسف ﵇ لما ألقي في الجب، وكان وقتها صغيرا؛ فدل ذلك بدلالة تأمل قصص الأنبياء على جواز أن يوحي الله إلى من كان صغيرا ويعطيه النبوة حينئذ. وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، والقرطبي، وابن عادل الحنبلي، والقنوجي، والهرري. (٣). وخالف آخرون كابن العربي، وابن عطية، وابن تيمية، والآلوسي، والمراغي (٤). فقال ابن عطية: (وقال الحسن: أعطاه الله النبوءة وهو في الجب. قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد) (٥). وقال ابن تيمية: وليس كل ما أوحي إليه الوحي العام يكون نبيا؛ فإنه قد يوحي إلى غير الناس قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨)﴾ [النحل: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ (٦) [فصلت: من الآية ١٢]، وقال تعالى عن يوسف وهو صغير: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ (٧) [القصص: ٧]. (٨).

стр. 368

فجعل الوحي إلى يوسف ﵇ في الجب بمعنى الإلهام. أي: أوحى إليه وحيا إلهاميا تطييبا لقلبه، وتثبيتا لنفسه. أما ابن العربي فقد ذهب إلى أنه يجوز على الله سبحانه بعث الصبي إلا أنه لم يقع، فذكر عند قوله تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾ [مريم: ١٢] أن أجل مراتب الحُكْم، والحكمة النبوة، ثم ذكر الأوجه في المراد بالحكم فقال: (الأول: الوحي. والثاني: النبوة. والثالث: المعرفة والعمل بها. وهذا كله محتمل يفتقر إلى تحقيق; فأما من قال: إنه الوحي فجائز أن يوحي الله إلى الصغير، ويكاشفه بملائكته وأمره، وتكون هذه المكاشفة نبوة غير مهموزة رفعة ومهموزة إخبارا، ويجوز أن يرسله إلى الخلق كامل العقل والعلم مؤيدا بالمعجزة، ولكن لم يرد بذلك خبر، ولا كان فيمن تقدم. وقول عيسى ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾ [مريم: ٣٠] إخبار عما وجب له حصوله، لا عما حصل بعد) (١). وعلل الآلوسي المنع من نبوة الصغير بأن النفوس في الأغلب تأنف عن اتباع الصغير وإن كبر فضلا، كالرقيق والأنثى (٢). وقد أشار ابن عادل الحنبلي إلى هذا الخلاف - مرجحا ما ذهب إليه الشوكاني- فقال: (في المراد بقوله: (﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ قولان: الأول: المراد منه الوحي والنبوة والرسالة، وهو قول أكثر المحققين، ثم اختلف هؤلاء في أنه ﵊ هل كان في ذلك الوقت بالغاً أو كان صبياً؟ قال بعضهم: كان بالغاً، وكان ابن سبع عشرة سنة. وقال آخرون: كان صغيراً إلا أن الله تعالى أكمل عقله وجعله صالحاً لقبول الوحي والنبوة كما في حق عيسى ﵊ حين قالوا: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾ (٣) [مريم: من الآية ٢٩] ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾. والقول الثاني: أن المراد بهذا الوحي: الإلهام، كقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾، وقوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾.

стр. 369

والأول أولى؛ لأنه الظاهر من الوحي. فإن قيل: كيف يجعله نبياً في ذلك الوقت وليس هناك أحد يبلغه الرسالة؟ فالجواب: لا يمتنع أن يشرفه الله تعالى بالوحي ويأمره بتبليغ الرسالة بعد أوقات، ويكون فائدة تقديم الوحي تأنيسه، وزوال الغم والوحشة عن قلبه، والفائدة في أخفاء ذلك الوحي عن إخوته: أنهم لو عرفوه فربما ازداد حسدهم فكانوا يقصدون قتله) (١). وقوله: (لا يمتنع أن يشرفه الله تعالى بالوحي، ويأمره بتبليغ الرسالة بعد أوقات) يعني به قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾ [يوسف: ٢٢] أي: ما كان رسولا قبل بلوغ الأشد، ثم إنه صار رسولا وقته (٢). ويجوز أن يكون معنى ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾ أنه أوتي النبوة صبيا، ولما بلغ أشده زاده الله فهما وعلما كما قال القرطبي (٣). كما يجوز أن يكون المعنى: ولما بلغ يوسف أشده، أي: كمال قوته المعنوية والحسية، وصلح لأن يتحمل الأحمال الثقيلة من النبوة والرسالة جعلناه نبيا رسولا، وعالما ربانيا (٤). وهذا على قول من يرى أن الوحي في الجب إلهام. والأظهر-والله تعالى أعلم- أن الله تعالى آتى يوسف ﵇ النبوة وهو صغير؛ فإن أكثر المفسرين (٥) على أن الله آتى يحيى ﵇ النبوة صغيرا؛ لقوله تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾ [مريم: ١٢]، والأظهر أن معنى صبيا أي: لم يبلغ (٦). فإذا جاز ذلك في حق يحيى ﵇؛ فإنه يجوز كذلك في حق يوسف ﵇. قال ابن حجر: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾ ولا بُعد في أن يؤتى النبوة في ذلك السن فقد قال في قصة يحيى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾، ولا اختصاص لذلك بيحيى، فقد قال عيسى وهو في المهد: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾ (٧).

стр. 370

١١١ - يجوز لمن وثق من نفسه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق، ويهدم ما أمكنه من الباطل، طلب ذلك لنفسه (١). قال تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ يوسف: ٥٥. قال الشوكاني ﵀: (﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ … وفيه دليل على أنه يجوز لمن وثق من نفسه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق ويهدم ما أمكنه من الباطل، طلب ذلك لنفسه) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ من الآية أنه يجوز لمن وثق من نفسه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق ويهدم ما أمكنه من الباطل، طلب ذلك لنفسه. ووجه الاستنباط: أن يوسف ﵇ طلب الولاية من الملك؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على أنه يجوز للمرء طلب الولاية متى وثق من نفسه أنه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق ويهدم ما أمكنه من الباطل. قال ابن عاشور: (وهذه الآية أصل لوجوب عرض المرء نفسه لولاية عمل من أمور الأمة إذا علم أنه لا يصلح له غيره؛ لأن ذلك من النصح للأمة، وخاصة إذا لم يكن ممن يتهم على إيثار منفعة نفسه على مصلحة الأمة) (٣). وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والبيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي، والسعدي، وابن عاشور. (٤). وجواز طلب الولاية لا يعارضه حديث عبد الرحمن بن سمرة (٥)، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وُكِلْت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها" (٦).

стр. 371

قال القرطبي: يوسف ﵇ إنما طلب الولاية لأنه علم أنه لا أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم، فرأى أن ذلك فرض متعين عليه، فإنه لم يكن هناك غيره، وهكذا الحكم اليوم لو علم إنسان من نفسه أنه يقوم بالحق في القضاء أو الحسبة، ولم يكن هناك من يصلح ولا يقوم مقامه لتعين ذلك عليه ووجب أن يتولاها، ويسأل ذلك، ويخبر بصفاته التي يستحقها به من العلم والكفاية وغير ذلك، كما قال يوسف ﵇ فأما لو كان هناك من يقوم بها ويصلح لها، وعلم بذلك فالأولى ألا يطلب لقوله ﷺ لعبد الرحمن: "لا تسأل الإمارة"، وأيضا فإن في سؤالها والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها وصعوبة التخلص منها دليل على أنه يطلبها لنفسه ولأغراضه، ومن كان هكذا يوشك أن تغلب عليه نفسه فيهلك، وهذا معنى قوله ﵇: وكل إليها، ومن أباها لعلمه بآفاتها، ولخوفه من التقصير في حقوقها فر منها، ثم إن ابتلي بها فيرجى له التخلص منها، وهو معنى قوله: أعين عليها (١). فظهر بذلك أن المعنى المستنبط لا يعارض الحديث. قال ابن عاشور: فلا يعارض هذا ما جاء في صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن سمرة؛ لأن عبد الرحمن بن سمرة لم يكن منفردا بالفضل من بين أمثاله، ولا راجحا على جميعهم (٢). وتبين أيضا أن لطلب الولاية أحكاما مختلفة، فقد يتعين أحيانا إذا توقف على ولايته إقامة واجب مثلا، وقد يكون جائزا، وقد يكون مذموما. قال السعدي: (وكذلك لا تذم الولاية إذا كان المتولي فيها يقوم بما يقدر عليه من حقوق الله وحقوق عباده، وأنه لا بأس بطلبها إذا كان أعظم كفاءة من غيره، وإنما الذي يذم إذا لم يكن فيه كفاية، أو كان موجودا غيره مثله أو أعلى منه، أو لم يرد بها إقامة أمر الله فبهذه الأمور ينهى عن طلبها والتعرض لها) (٣). وفي هذا الاستنباط حجة بالغة على كل مسلم ولي عملا في ديار المسلمين، وكان تحت حكم مسلمين أن يقوم فيه بالعدل، فيؤدي في عمله حقوق الله، وحقوق عباده، وأن يحرص على نفع الناس، وإيصال الخير إليهم مع إتقان العمل؛ فإن يوسف ﵇ تولى عمله عند غير مسلم حرصا على إقامة العدل، ونفع الناس.

стр. 372

١١٢ - جواز أن يصف الإنسان نفسه بالأوصاف التي لها (١). قال تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ يوسف: ٥٥. قال الشوكاني ﵀: (﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ وفيه دليل على أنه يجوز لمن وثق من نفسه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق ويهدم ما أمكنه من الباطل طلب ذلك لنفسه، ويجوز له أن يصف نفسه بالأوصاف التي لها ترغيبا فيما يرومه وتنشيطا لمن يخاطبه من الملوك بإلقاء مقاليد الأمور إليه وجعلها منوطة به، ولكنه يعارض هذا الجواز ما ورد عن نبينا ﷺ من النهي عن طلب الولاية والمنع من تولية من طلبها أو حرص عليها) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ جواز أن يصف الإنسان نفسه بالأوصاف التي لها. ووجه الاستنباط: أن يوسف ﵇ وصف نفسه بالعلم والحفظ؛ فدل ذلك بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على جواز أن يصف الإنسان نفسه بالأوصاف التي لها. وممن قال بهذا الاستنباط: القصاب، والجصاص، وإلكيا، والقرطبي، وابن جزي، والآلوسي، والقنوجي. (٤). وجواز مدح الإنسان نفسه يقيد بأن يكون إذا جهل أمره، وأن يكون بالحق، وأن يكون ذلك لفائدة. قال ابن جزي: (ويستدل بذلك أنه يجوز للرجل أن يعرف بنفسه ويمدح نفسه بالحق إذا جهل أمره، وإذا كان في ذلك فائدة) (٥). وقال ابن عثيمين -عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة ٣٠]-: (وصف الإنسان نفسه بما فيه من الخير لا بأس به إذا كان المقصود مجرد الخبر دون الفخر لقوله: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾، ويؤيد ذلك قول النبي ﷺ : "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" (٦)، وأما إذا كان المقصود الفخر، وتزكية النفس بهذا فلا يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٧) [النجم: من الآية ٣٢]) (٨).

стр. 373

فمدح النفس إنما يكون مذموما إذا قُصِد به التطاول والتفاخر، والتوصل إلى غير ما يحل (١). ومثل هذا الاستنباط استنبطه القصاب أيضا من قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩)﴾ [يوسف: ٥٩]، فقال: (قوله إخبارا عن يوسف ﵇: ﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩)﴾ أوضح حجة، وأبلغها نهاية في تطرية النفس عند الحاجة) (٢). وكما وصف يوسف ﵇ نفسه وصف صالح مدين نفسه مادحا بقوله: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾ القصص: ٢٧. قال ابن عاشور: (يريد الصالحين بالناس في حسن المعاملة ولين الجانب. قصد بذلك تعريف خلقه لصاحبه، وليس هذا من تزكية النفس المنهي عنه؛ لأن المنهي عنه ما قصد به قائله الفخر والتمدح، فأما ما كان لغرض في الدين أو المعاملة فذلك حاصل لداع حسن كما قال يوسف: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾) (٣). ١١٣ - يجوز لمن وثق من نفسه بالقيام بالحق تولي الأعمال من جهة السلطان الجائر بل الكافر (٤). قال تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ يوسف: ٥٥ - ٥٦. قال الشوكاني ﵀: (وقد استدل بهذه الآية على أنه يجوز تولي الأعمال من جهة السلطان الجائر بل الكافر لمن وثق من نفسه بالقيام بالحق. وقد قدمنا الكلام على هذا مستوفي في قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٥) [هود: ١١٣]) (٦).

стр. 374

الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ من الآية أنه يجوز لمن وثق من نفسه بالقيام بالحق تولي الأعمال من جهة السلطان الجائر بل الكافر. ووجه الاستنباط: أنه لما ظهر للملك أحوال يوسف ﵇ رغب أن يتخذه لنفسه فقال: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)﴾ [يوسف: من الآية ٥٤]، فلم يمتنع يوسف ﵇ بل طلب من الملك الولاية، والملك يومها كان كافرا؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على أنه يجوز لمن وثق من نفسه بالقيام بالحق تولي الأعمال من جهة السلطان الجائر بل الكافر. وهذا الاستنباط على أن الملك يومها كان كافرا. قال ابن جزي: (﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ لما فهم يوسف من الملك أنه يريد تصريفه والاستعانة به قال له ذلك، وإنما طلب منه الولاية رغبة منه في العدل، وإقامة الحق والإحسان وكان هذا الملك كافرا، ويستدل بذلك على أنه يجوز للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر إذا علم أنه يصلح بعض الأحوال. وقيل: إن الملك أسلم (١) (٢). وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عطية، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي، وابن جزي-كما تقدم-، والقنوجي، والهرري. (٣). والتولي من يد الكافر يجوز إذا علم أنه لا سبيل إلى إقامة الحق وسياسة الخلق إلا بالاستظهار به. قال النسفي: (وفيه دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسان عمالة من يد سلطان جائر، وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة الظلمة، وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى الحكم بأمر الله، ودفع الظلم إلا بتمكين الملك الكافر أو الفاسق فله أن يستظهر به) (٤). ويشترط للعمل عند الفاجر، والكافر ألا يكون عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره، فلا يجوز له ذلك. قال ابن عطية: قال بعض أهل التأويل: في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فصل ما لا يعارض فيه، فيصلح منه ما شاء، وأما إن كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره فلا يجوز له ذلك.

стр. 375

قال القاضي أبو محمد: وطلبة يوسف للعمل إنما هي حسبة منه ﵇؛ لرغبته في أن يقع العدل (١). وقد فصل الشوكاني عند قوله تعالى - ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾ - أحكام العمل عند الجائر، والكافر. فذكر أنه يجب على من أمره الولاة بالعمل أن يستجيب لأمرهم ما لم يكن فيه معصية لله، شرط أن يثق من نفسه بالقيام بما وكل إليه. و من قدر على الفرار منهم قبل أن يؤمر من جهتهم بأمر يجب عليه طاعته فهو الأولى. فقال: فكل من أمروه -الولاة- ابتداء أن يدخل في شي من الأعمال التي أمرها إليهم مما لم يكن من معصية الله، كالمناصب الدينية ونحوها إذا وثق من نفسه بالقيام بما وكل إليه فذلك واجب عليه فضلا عن أن يقال جائز له، وأما ما ورد من النهي عن الدخول في الإمارة فذلك مقيد بعدم وقوع الأمر ممن تجب طاعته من الأئمة والسلاطين والأمراء جمعا بين الأدلة، أو مع ضعف المأمور عن القيام بما أمر به، كما ورد تعليل النهي عن الدخول في الإمارة بذلك في بعض الأحاديث الصحيحة، وأما مخالطتهم والدخول عليهم لجلب مصلحة عامة، أو خاصة أو دفع مفسدة عامة أو خاصة، مع كراهة ما هم عليه من الظلم، وعدم ميل النفس إليهم ومحبتها لهم، وكراهة المواصلة لهم لولا جلب تلك المصلحة، أو دفع تلك المفسدة، فعلى فرض صدق مسمى الركون على هذا فهو مخصص بالأدلة الدالة على مشروعية جلب المصالح ودفع المفاسد، والأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، ولا تخفي على الله خافية. وبالجملة فمن ابتلى بمخالطة من فيه ظلم فعليه أن يزن أقواله وأفعاله وما يأتي وما يذر بميزان الشرع، فإن زاغ عن ذلك فعلى نفسها براقش تجني، ومن قدر على الفرار منهم قبل أن يؤمر من جهتهم بأمر يجب عليه طاعته فهو الأولى له والأليق به (٢). ١١٤ - الإحسان المعتد به هو الإيمان والتقوى (٣). قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾ يوسف: ٥٦ - ٥٧.

стр. 376

قال الشوكاني ﵀: (﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾ الوقوع فيما حرمه عليهم، والمراد بهم المحسنون المتقدم ذكرهم. وفيه تنبيه على أن الإحسان المعتد به هو الإيمان والتقوى) (١). الدراسة: استنبط الشوكاني (٢) ﵀ أن الإحسان المعتد به هو الإيمان والتقوى. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما ذكر ما أنعم به على يوسف ﵇ في الدنيا، ذكر أنه سبحانه لا يضيع أجر المحسنين، ثم لما كان ما أصاب يوسف ﵇ من عز الدنيا والتمكين في الأرض، وكان هذا مما يستعظمه الناس في الدنيا، وكان عزها لا يعد في الحقيقة إلا إن كان موصولاً بنعيم الآخرة؛ نبه على ما ليوسف ﵇ في الآخرة مما لا يعد هذا في جنبه شيئاً؛ فقال: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾؛ فذكر الذين آمنوا وكانوا يتقون موضع المحسنين (٣)؛ فدل بدلالة وضع الظاهر موضع الضمير على أن الإحسان المعتد به هو الإيمان والتقوى. قال أبو السعود: (﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ أي: للمحسنين المذكورين، وإنما وضع موضعه الموصول فقيل: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾ تنبيها على أن المراد بالإحسان إنما هو الإيمان، والثبات على التقوى المستفاد من جمع صيغتي الماضي والمستقبل) (٤). والمقصود التنبيه على فضل الإيمان والتقوى، وأن منزلة الإحسان لا تنال إلا بالجمع بينهما. وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود-كما تقدم-، والآلوسي، والقنوجي، والسعدي. (٥).

стр. 377

١١٥ - جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما صورته صورة الحيلة والمكيدة إذا لم يخالف ذلك شرعا ثابتا (١). قال تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾ يوسف: ٧٦. قال الشوكاني ﵀: (وفي الآية دليل على جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما صورته صورة الحيلة والمكيدة إذا لم يخالف ذلك شرعا ثابتا) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما صورته صورة الحيلة والمكيدة إذا لم يخالف ذلك شرعا ثابتا. ووجه الاستنباط: أن يوسف ﵇ وضع السقاية (٤) في رحل أخيه حيلة ليتوصل بذلك لبقائه عنده؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما صورته صورة الحيلة والمكيدة، ويشترط لذلك ألا يخالف شرعا ثابتا. قال ابن العربي: (﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ فيه جواز التوصل إلى الأغراض بالحيل إذا لم تخالف الشريعة ولا هدمت أصلا، خلافا لأبي حنيفة في تجويزه الحيل وإن خالفت الأصول، وخرمت التحليل) (٥). فأشار ابن العربي إلى حكم نوع آخر من الحيل هي المخالفة للشرع، فهذه هي المحرمة. قال القصاب: الحيل المنهي عنها المعدودة من أبي حنيفة ذما هي فيما أحل حراما أو حرم حلالا (٦). وهذا النوع من الحيل -المحرمة- قال عنه ابن القيم: (وتجويز الحيل يناقض سد الذرائع مناقضة ظاهرة، فإن الشارع يسد الطريق إلى المفاسد بكل ممكن، والمحتال يفتح الطريق إليها بحيلة، فأين من يمنع من الجائز خشية الوقوع في المحرم إلى من يعمل الحيلة في التوصل إليه) (٧).

стр. 378

وذكر ابن تيمية نحوا من ثلاثين دليلا على تحريمه (١). وممن قال باستنباط الشوكاني: القصاب، وإلكيا، وابن العربي، والقرطبي، والقنوجي، والسعدي. (٢). ١١٦ - جواز الشكوى عند الضرورة (٣). قال تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾ يوسف: ٨٨. قال الشوكاني ﵀: (﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ أي: الجوع والحاجة. وفيه دليل على أنه تجوز الشكوى عند الضرورة إذا خاف من إصابته على نفسه كما يجوز للعليل أن يشكو إلى الطبيب ما يجده من العلة) (٤). الدراسة: استنبط الشوكاني (٥) ﵀ من الآية جواز الشكوى عند الضرورة. ووجه الاستنباط: أن يوسف ﵇ أقر إخوته على شكواهم؛ فيدل ذلك الإقرار بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على جواز الشكوى عند الضرورة. ولو كان فعلهم غير جائز لأنكر عليهم. قال الجصاص: (لما ترك يوسف ﵇ النكير عليهم في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾؛ دل ذلك على جواز إظهار مثل ذلك عند الحاجة إليه، وأنه لا يجري مجرى الشكوى من الله تعالى) (٦). وقال السعدي: (ومنها جواز إخبار الإنسان بما يجد، وما هو فيه من مرض أو فقر ونحوهما على غير وجه التسخط؛ لأن إخوة يوسف قالوا: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾، ولم ينكر عليهم يوسف) (٧).

стр. 379

أو أن وجه الاستنباط: أن الله لم يعاقبهم على شكواهم؛ فيدل ذلك على جواز الشكوى عند الضرورة. قال ابن الفرس: (يتخرج منه شكوى المسبغة والحاجة لمن يرجى أن يكون سببا في كشفها، لأن الله تعالى لم يعاقبهم على شكواهم تلك) (١). وممن قال بهذا الاستنباط: الجصاص، وابن الفرس-كما تقدم-، والقرطبي، والقنوجي، والقاسمي، والسعدي-كما تقدم-، والهرري (٢). وحقيقة الصبر ألا يعترض على المقدور، فأما إظهار البلاء لا على وجه الشكوى فلا ينافي الصبر، ويؤيد هذا المعنى أن الله قال في أيوب ﵇: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾ (٣) [ص: من الآية ٤٤] مع أنه قال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ (٤) [الأنبياء: من الآية ٨٣]. (٥). قال ابن القيم: (لما كان الصبر حبس اللسان عن الشكوى إلى غير الله، والقلب عن التسخط، والجوارح عن اللطم وشق الثياب ونحوها، كان ما يضاده واقعا على هذه الجملة، فمنه الشكوى إلى المخلوق، فإذا شكى العبد ربه إلى مخلوق مثله فقد شكى من يرحمه إلى من لا يرحمه، ولا تضاده الشكوى إلى الله كما تقدم في شكاية يعقوب إلى الله مع قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (٦) [يوسف: من الآية ٨٣]. وأما إخبار المخلوق بالحال فإن كان للاستعانة بإرشاده أو معاونته، والتوصل إلى زوال ضرورة لم يقدح ذلك في الصبر، كإخبار المريض للطبيب بشكايته، وإخبار المظلوم لمن ينتصر به بحاله، وإخبار المبتلى ببلائه لمن كان يرجو أن يكون فرجه على يديه. وقد كان النبي إذا دخل على المريض يسأله عن حاله ويقول: كيف نجدك؟ وهذا استخبار منه واستعلام بحاله) (٧).

стр. 380

وقد نبه القرطبي إلى جواز هذا النوع من الشكوى-الذي لا تسخط فيه-، وأنه لا يقدح في التوكل، كما نبه إلى أن أحسن الشكوى سؤال الله زوال البلوى، فقال: وفي هذا دليل على جواز الشكوى عند الضر أي: الجوع، بل واجب عليه إذا خاف على نفسه الضر من الفقر وغيره أن يبدي حالته إلى من يرجو منه النفع، كما هو واجب عليه أن يشكو ما به من الألم إلى الطبيب ليعالجه، ولا يكون ذلك قدحا في التوكل، وهذا ما لم يكن التشكي على سبيل التسخط. والصبر والتجلد في النوائب أحسن، والتعفف عن المسألة أفضل، وأحسن الكلام في الشكوى سؤال المولى زوال البلوى، وذلك قول يعقوب: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [يوسف: ٨٦] أي من جميل صنعه، وغريب لطفه وعائدته على عباده، فأما الشكوى على غير مشك فهو السفه إلا أن يكون على وجه البث والتسلي (١). ١١٧ - الموصوفون بالتقوى موصوفون بصفة الإحسان (٢). قال تعالى: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ يوسف: ٩٠. قال الشوكاني ﵀: (﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ … وجاء بالظاهر وكان المقام مقام المضمر أي: أجرهم للدلالة على أن الموصوفين بالتقوى موصوفون بصفة الإحسان) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ أن الموصوفين بالتقوى موصوفون بصفة الإحسان. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أجر من يتق ويصبر بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾، فوضع المحسنين موضع المتقين والصابرين؛ فدل وضع الظاهر موضع المضمر على أن الموصوفين بالتقوى، والصبر موصوفون بصفة الإحسان. قال البيضاوي: (﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ وضع المحسنين موضع الضمير للتنبيه على أن المحسن من جمع بين التقوى والصبر) (٤).

стр. 381

والمقصود التنبيه على فضل التقوى، والصبر، وأن منزلة الإحسان لا تنال إلا بالجمع بينهما. وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، والبيضاوي-كما تقدم-، والقنوجي، والقاسمي. (١). ١١٨ - لم يبعث الله نبيا من النساء ولا من الجن (٢). قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ … عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩)﴾ يوسف: ١٠٩. قال الشوكاني ﵀: (وتدل الآية على أن الله سبحانه لم يبعث نبيا من النساء ولا من الجن، وهذا يرد على من قال: إن في النساء أربع نبيات: حواء، وآسية، وأم موسى، ومريم) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ أن الله سبحانه لم يبعث نبيا من النساء ولا من الجن. ووجه الاستنباط من شقين: فأما وجه استنباط أن الله سبحانه لم يبعث نبيا من النساء: أن الله تعالى ذكر أنه لم يرسل إلا رجالا؛ فدل مفهوم المخالفة-مفهوم الحصر- (٤) على أن الله سبحانه لم يرسل أحدا من النساء. ودل بدلالة الالتزام على نفي النبوة عن النساء؛ لأن نفي الرسالة عنهن يستلزم نفي النبوة عنهن. وأما وجه استنباط أن الله لم يرسل نبيا من الجن فلدلالة لفظ رجال؛ إذ المعهود من لفظ رجال أن يكونوا من الإنس. فدل أيضا بدلالة الالتزام على نفي النبوة عن الجن؛ لأن نفي الرسالة عنهم يستلزم نفي النبوة عنهم. وهذا كله مبناه على أن حقيقة النبوة إرسال من الله يقتضي التكليف بالإبلاغ (٥)، فنفي الإرسال عن غير الرجال- أي: عن النساء والجن- يستلزم نفي النبوة عن النساء والجن.

стр. 382

إذ الراجح في مسألة النبوة والرسالة هو ما نبه إليه ابن تيمية من أن ثمة زيادة في التكليف والإبلاغ يختص بها الرسول، وهو ما عبر عنه بالإرسال إلى القوم المخالفين حيث قال: (النبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأ الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله، ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول) (١). فإن قيل: إن الله سمى الجن رجالا في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ … رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ [الجن: ٦]، وجعلهم منذرين في قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)﴾ [الأحقاف: ٢٩]؛ فالجواب قول ابن القيم: (فالإنذار أعم من الرسالة، والأعم لا يستلزم الأخص قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ (٢) [التوبة: من الآية ١٢٢] فهؤلاء نذر وليسوا برسل، قال غير واحد من السلف: الرسل من الإنس، وأما الجن ففيهم النذر، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ فهذا يدل على أنه لم يرسل جنيا، ولا امرأة، ولا بدويا. وأما تسميته تعالى الجن رجالا في قوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾، فلم يطلق عليهم الرجال، بل هي تسمية مقيدة بقوله: ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾، فهم رجال من الجن، ولا يستلزم ذلك دخولهم في الرجال عند الإطلاق، كما تقول: رجال من حجارة، ورجال من خشب) (٣).

стр. 383

وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، والقنوجي. (١). وأشار إليه البيضاوي، والشنقيطي. (٢). وخالف آخرون في نفي النبوة عن النساء، فقالوا: لا حجة في الآية على منع النبوة، وإنما هي خاصة بالرسالة فقط. وممن خالف القرطبي، والآلوسي. فاستدل القرطبي بحديث: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون. وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" (٣)، فقال: وكمال كل شيء بحسبه، والكمال المطلق إنما هو لله تعالى خاصة، ولا شك أن أكمل نوع الإنسان الأنبياء، ثم يليهم الأولياء من الصديقين والشهداء والصالحين. وإذا تقرر هذا فقد قيل: إن الكمال المذكور في الحديث يعني به النبوة؛ فيلزم عليه أن تكون مريم ﵍، وآسية نبيتين، وقد قيل بذلك. والصحيح أن مريم نبية؛ لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك كما أوحي إلى سائر النبيين. وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها دلالة واضحة بل على صديقيتها وفضلها (٤). وذكر الآلوسي أن ذكر مريم مع الأنبياء في سورتهم قرينة قوية لإثبات نبوتها. وأن الاستدلال بالآية على نفي نبوة النساء لا يصح؛ لأن المذكور فيها الإرسال وهو أخص من الاستنباء على الصحيح المشهور، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم (٥). والصواب نفي النبوة عن النساء. قال ابن كثير: وزعم بعضهم أن سارة امرأة الخليل، وأم موسى، ومريم بنت عمران أم عيسى نبيات، واحتجوا بأن الملائكة بشرت سارة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، وبقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ … الآية، وبأن الملك جاء إلى مريم فبشرها بعيسى ﵇، وبقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٢ - ٤٣]، وهذا القدر حاصل لهن ولكن لا يلزم من هذا أن يكن نبيات بذلك، فإن أراد القائل بنبوتهن هذا القدر من التشريف فهذا لا شك فيه، ويبقى الكلام معه في أن هذا هل يكفي في الانتظام في سلك النبوة بمجرده أم لا؟

стр. 384

الذي عليه أهل السنة والجماعة أنه ليس في النساء نبية، وإنما فيهن صديقات كما قال تعالى مخبرا عن أشرفهن مريم بنت عمران حيث قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾ (١) [المائدة: من الآية ٧٥]، فوصفها في أشرف مقاماتها بالصديقية، فلو كانت نبية لذكر ذلك في مقام التشريف والإعظام فهي صديقة بنص القرآن (٢). فتبين من قول ابن كثير أن وصف بعض النساء بالكمال والاصطفاء ليس فيه ما يثبت لهن النبوة؛ لأن الله تعالى أثبت الاصطفاء لبعض خلقه دون أن يكون في ذلك دلالة على إثبات النبوة، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ [فاطر: ٣٢]. فليس فيما استدل به القائلون بنبوة النساء مستند قوي يعتمد عليه في إثبات ذلك، فأما ما ذكره القرطبي من الاستدلال بالوحي إليهن فإنه لا يكفي في الدلالة على نبوتهن؛ لأنه وحي بمعناه العام. وقد فسر قتادة الإيحاء في حق أم موسى ﵇ بقوله: (وحياً جاءها من الله، فقذف في قلبها، وليس بوحي نبوة أن أرضعي موسى) (٣). وقال ابن تيمية: وليس كل ما أوحي إليه الوحي العام يكون نبيا؛ فإنه قد يوحي إلى غير الناس قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨)﴾ [النحل: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ (٤) [فصلت: من الآية ١٢]، وقال تعالى عن يوسف وهو صغير: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ (٥) [القصص: ٧]. (٦).

стр. 385

وأما ما ذكره الآلوسي من دليل اقتران ذكر مريم بالأنبياء في قوله تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١)﴾ [الأنبياء: ٩١]؛ فإن دلالة الاقتران ضعيفة. وأما كون الاستدلال بالآية على نفي نبوة النساء لا يصح؛ لأن المذكور فيها الإرسال وهو أخص من الاستنباء، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم؛ فيضعفه ما تقدم من أن الأرجح في حقيقة النبوة أنها إرسال من الله يقتضي التكليف بالإبلاغ (١).

стр. 386

سورة الرعد ١١٩ - مناسبة ختم ذكر اختلاف مذاق الثمرات وتفاضل بعضها مع كونها من تربة واحدة، وتسقى بماء واحد بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ (١). قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ الرعد: ٤. قال الشوكاني ﵀: (وفي هذه الدلالة على بديع صنعه، وعظيم قدرته ما لا يخفي على من له عقل، فإن القطع المتجاورة والجنات المتلاصقة المشتملة على أنواع النبات مع كونها تسقى بماء واحد، وتتفاضل في الثمرات في الأكل، فيكون طعم بعضها حلوا والآخر حامضا، وهذا في غاية الجودة، وهذا ليس بجيد، وهذا فائق في حسنه، وهذا غير فائق مما يقطع من تفكر واعتبر ونظر نظر العقلاء أن السبب المقتضي لاختلافها ليس إلا قدرة الصانع الحكيم جل سلطانه وتعالى شأنه؛ لأن تأثير الاختلاف فيما يخرج منها ويحصل من ثمراتها لا يكون في نظر العقلاء إلا لسببين، إما اختلاف المكان الذي هو المنبت، أو اختلاف الماء الذي تسقى به، فإذا كان المكان متجاورا، وقطع الأرض متلاصقة، والماء الذي تسقى به واحدا لم يبق سبب للاختلاف في نظر العقل إلا تلك القدرة الباهرة والصنع العجيب؛ ولهذا قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ أي: يعملون على قضية العقل وما يوجبه، غير مهملين لما يقتضيه من التفكر في المخلوقات، والاعتبار في العبر الموجودات) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ أن مناسبة ختم ذكر اختلاف مذاق الثمرات، وتفاضل بعضها مع كونها من تربة واحدة، وتسقى بماء واحد بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ لأنه ليس في نظر العقل ما يفسر ذلك إلا بالقدرة الباهرة، والصنع العجيب. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر اختلاف مذاق الثمرات، وأشكالها، وألوانها مع اتفاق الماء، والتربة، وليس في نظر العقل ما يفسر ذلك إلا بالقدرة الباهرة والصنع العجيب؛ ولهذا ناسب أن تختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾؛ لأن هذه الآية العظيمة من الوضوح بحال لا يحتاج ناظره في الاعتبار به إلى غير العقل. ودلالة هذا الاستنباط هي الربط بين أجزاء الآية بطريق تأمل خواتيم الآيات.

стр. 387

وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، والبقاعي، وأبو السعود، والقنوجي. (١). ١٢٠ - لا يلحق بالصالحين في الجنة من أقاربهم إلا من كان صالحا، ولا ينفع مجرد كونه من الآباء أو الأزواج أو الذرية بدون صلاح (٢). قال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ … بَابٍ (٢٣)﴾ الرعد: ٢٣. قال الشوكاني ﵀: (﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾ يشمل الآباء، والأمهات، وأزواجهم، وذرياتهم، … وذكر الصلاح دليل على أنه لا يدخل الجنة إلا من كان كذلك من قرابات أولئك، ولا ينفع مجرد كونه من الآباء أو الأزواج أو الذرية بدون صلاح) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني (٤) ﵀ من الآية أنه لا يلحق بالصالحين في الجنة من أقاربهم إلا من كان صالحا (٥)، ولا ينفع مجرد كونه من الآباء أو الأزواج أو الذرية بدون صلاح.

стр. 388

ووجه الاستنباط: أن الله تعالى وعد عباده الصالحين بعقبى الدار وهي الجنة، ثم ذكر أنه يلحق بهم من أقاربهم من صلح، فقيد ذلك بالصلاح؛ فدل بمفهوم المخالفة-مفهوم القيد- على أنه لا يلحق بالصالحين في الجنة من أقاربهم إلا من كان صالحا، ولا ينفع مجرد كونه من الآباء أو الأزواج أو الذرية بدون صلاح. قال البيضاوي: (وفي التقييد بالصلاح دلالة على أن مجرد الأنساب لا تنفع) (١). وممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي-كما تقدم- وأبو حيان، وأبو السعود، والقنوجي. (٢). ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨)﴾ [غافر: ٨]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾ [الطور: ٢١]. وفي هذا الاستنباط بيان لأهمية الصلاح، وحث عليه؛ إذ الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة، بل الآباء والأزواج والذريات لا يدخلون الجنة إلا بالأعمال الصالحة (٣). قال أبو السعود: (وفي التقييد بالصلاح قطع للأطماع الفارغة لمن يتمسك بمجرد حبل الأنساب) (٤).

стр. 389

سورة إبراهيم ﵇ - ١٢١ - طلب الأمن مقدم على سائر المطالب؛ لأنه إذا انتفي الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا (١). قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ إبراهيم: ٣٥. قال الشوكاني ﵀: (وقدم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده؛ لأنه إذا انتفي الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا. وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في البقرة عند قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ (٢) [البقرة: ١٢٦]، والفرق بين ما هنا وما هنالك أن المطلوب هنا مجرد الأمن للبلد، والمطلوب هنالك البلدية والأمن (٣) (٤). الدراسة: استنبط الشوكاني (٥) ﵀ أن تقديم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده؛ لأنه إذا انتفي الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا.

стр. 390

ووجه الاستنباط: أن إبراهيم ﵇ سأل الله تعالى مسائل عدة، ودعاه بدعوات جعل أولها طلب الأمن، فقدم الأمن على غيره من المطالب الهامة؛ فدل بدلالة التقديم على أن طلب الأمن مقدم على سائر المطالب المذكورة بعده؛ لأنه إذا انتفي الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا. وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري. (١). والقرآن بخبره وأسلوبه دل على أهمية الأمن، ومن ذلك: ١ - أنه وصف المكان هنا بالأمن، والأمن للسكان لا للمكان؛ فدل هذا الوصف على أهمية الأمن وسيادته (٢). ٢ - تكرار طلبه من خليل الله إبراهيم ﵇، إذ طلبه مع البلدية أولا في سورة البقرة، ثم طلبه ثانيا هنا بعد أن تحققت البلدية. قال الآلوسي: (وأعاد سؤاله- أي الأمن في هذه الآية- دون البلدية رغبة في استمراره لأنه المقصد الأصلي، أو لأن المعتاد في البلدية الاستمرار بعد التحقق بخلافه، وإما غيره بأن يكون المسئول أولا مجرد الأمن المصحح للسكنى، وثانيا الأمن المعهود) (٣).
следующие страницы →