← Тафсир

Тафсир · id 750

استنباطات الشوكاني في تفسيره فتح القدير

خلود شاكر فهيد العبدلي

Полный текст (565 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

سورة الرعد ١١٩ - مناسبة ختم ذكر اختلاف مذاق الثمرات وتفاضل بعضها مع كونها من تربة واحدة، وتسقى بماء واحد بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ (١). قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ الرعد: ٤. قال الشوكاني ﵀: (وفي هذه الدلالة على بديع صنعه، وعظيم قدرته ما لا يخفي على من له عقل، فإن القطع المتجاورة والجنات المتلاصقة المشتملة على أنواع النبات مع كونها تسقى بماء واحد، وتتفاضل في الثمرات في الأكل، فيكون طعم بعضها حلوا والآخر حامضا، وهذا في غاية الجودة، وهذا ليس بجيد، وهذا فائق في حسنه، وهذا غير فائق مما يقطع من تفكر واعتبر ونظر نظر العقلاء أن السبب المقتضي لاختلافها ليس إلا قدرة الصانع الحكيم جل سلطانه وتعالى شأنه؛ لأن تأثير الاختلاف فيما يخرج منها ويحصل من ثمراتها لا يكون في نظر العقلاء إلا لسببين، إما اختلاف المكان الذي هو المنبت، أو اختلاف الماء الذي تسقى به، فإذا كان المكان متجاورا، وقطع الأرض متلاصقة، والماء الذي تسقى به واحدا لم يبق سبب للاختلاف في نظر العقل إلا تلك القدرة الباهرة والصنع العجيب؛ ولهذا قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ أي: يعملون على قضية العقل وما يوجبه، غير مهملين لما يقتضيه من التفكر في المخلوقات، والاعتبار في العبر الموجودات) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ أن مناسبة ختم ذكر اختلاف مذاق الثمرات، وتفاضل بعضها مع كونها من تربة واحدة، وتسقى بماء واحد بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ لأنه ليس في نظر العقل ما يفسر ذلك إلا بالقدرة الباهرة، والصنع العجيب. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر اختلاف مذاق الثمرات، وأشكالها، وألوانها مع اتفاق الماء، والتربة، وليس في نظر العقل ما يفسر ذلك إلا بالقدرة الباهرة والصنع العجيب؛ ولهذا ناسب أن تختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾؛ لأن هذه الآية العظيمة من الوضوح بحال لا يحتاج ناظره في الاعتبار به إلى غير العقل. ودلالة هذا الاستنباط هي الربط بين أجزاء الآية بطريق تأمل خواتيم الآيات.

стр. 387

وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، والبقاعي، وأبو السعود، والقنوجي. (١). ١٢٠ - لا يلحق بالصالحين في الجنة من أقاربهم إلا من كان صالحا، ولا ينفع مجرد كونه من الآباء أو الأزواج أو الذرية بدون صلاح (٢). قال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ … بَابٍ (٢٣)﴾ الرعد: ٢٣. قال الشوكاني ﵀: (﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾ يشمل الآباء، والأمهات، وأزواجهم، وذرياتهم، … وذكر الصلاح دليل على أنه لا يدخل الجنة إلا من كان كذلك من قرابات أولئك، ولا ينفع مجرد كونه من الآباء أو الأزواج أو الذرية بدون صلاح) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني (٤) ﵀ من الآية أنه لا يلحق بالصالحين في الجنة من أقاربهم إلا من كان صالحا (٥)، ولا ينفع مجرد كونه من الآباء أو الأزواج أو الذرية بدون صلاح.

стр. 388

ووجه الاستنباط: أن الله تعالى وعد عباده الصالحين بعقبى الدار وهي الجنة، ثم ذكر أنه يلحق بهم من أقاربهم من صلح، فقيد ذلك بالصلاح؛ فدل بمفهوم المخالفة-مفهوم القيد- على أنه لا يلحق بالصالحين في الجنة من أقاربهم إلا من كان صالحا، ولا ينفع مجرد كونه من الآباء أو الأزواج أو الذرية بدون صلاح. قال البيضاوي: (وفي التقييد بالصلاح دلالة على أن مجرد الأنساب لا تنفع) (١). وممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي-كما تقدم- وأبو حيان، وأبو السعود، والقنوجي. (٢). ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨)﴾ [غافر: ٨]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾ [الطور: ٢١]. وفي هذا الاستنباط بيان لأهمية الصلاح، وحث عليه؛ إذ الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة، بل الآباء والأزواج والذريات لا يدخلون الجنة إلا بالأعمال الصالحة (٣). قال أبو السعود: (وفي التقييد بالصلاح قطع للأطماع الفارغة لمن يتمسك بمجرد حبل الأنساب) (٤).

стр. 389

سورة إبراهيم ﵇ - ١٢١ - طلب الأمن مقدم على سائر المطالب؛ لأنه إذا انتفي الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا (١). قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ إبراهيم: ٣٥. قال الشوكاني ﵀: (وقدم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده؛ لأنه إذا انتفي الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا. وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في البقرة عند قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ (٢) [البقرة: ١٢٦]، والفرق بين ما هنا وما هنالك أن المطلوب هنا مجرد الأمن للبلد، والمطلوب هنالك البلدية والأمن (٣) (٤). الدراسة: استنبط الشوكاني (٥) ﵀ أن تقديم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده؛ لأنه إذا انتفي الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا.

стр. 390

ووجه الاستنباط: أن إبراهيم ﵇ سأل الله تعالى مسائل عدة، ودعاه بدعوات جعل أولها طلب الأمن، فقدم الأمن على غيره من المطالب الهامة؛ فدل بدلالة التقديم على أن طلب الأمن مقدم على سائر المطالب المذكورة بعده؛ لأنه إذا انتفي الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا. وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري. (١). والقرآن بخبره وأسلوبه دل على أهمية الأمن، ومن ذلك: ١ - أنه وصف المكان هنا بالأمن، والأمن للسكان لا للمكان؛ فدل هذا الوصف على أهمية الأمن وسيادته (٢). ٢ - تكرار طلبه من خليل الله إبراهيم ﵇، إذ طلبه مع البلدية أولا في سورة البقرة، ثم طلبه ثانيا هنا بعد أن تحققت البلدية. قال الآلوسي: (وأعاد سؤاله- أي الأمن في هذه الآية- دون البلدية رغبة في استمراره لأنه المقصد الأصلي، أو لأن المعتاد في البلدية الاستمرار بعد التحقق بخلافه، وإما غيره بأن يكون المسئول أولا مجرد الأمن المصحح للسكنى، وثانيا الأمن المعهود) (٣).

стр. 391

سورة الحجر ١٢٢ - في ذكر مد الله للأرض رد على من زعم أنها كالكرة (١). قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩)﴾ الحجر: ١٩. قال الشوكاني ﵀: (﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ أي: بسطناها وفرشناها كما في قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ [النازعات: ٣٠]، وفي قوله: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)﴾ [الذاريات: ٤٨]. وفيه رد على من زعم أنها كالكرة) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ أن في الآية ردا على من زعم أن الأرض كالكرة. ووجه الاستنباط: من قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ أي: بسطناها؛ إذ دل مد الأرض على أنها بسيطة لا كرة. قال القرطبي: (قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ هذا من نعمه أيضا، ومما يدل على كمال قدرته. قال ابن عباس: بسطناها على وجه الماء. كما قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ أي: بسطها، وقال: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)﴾. وهو يرد على من زعم أنها كالكرة وقد تقدم (٣) (٤). فالقرطبي ممن ينفي كروية الأرض، فإنه قال -قبل هذا عند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣)﴾ [الرعد: ٣]-: (في هذه الآية رد على من زعم أن الأرض كالكرة) (٥).

стр. 392

وقريبا من قول القرطبي قول ابن عطية- في آية سورة الرعد أيضا-: (وقوله: ﴿مَدَّ الْأَرْضَ﴾ يقتضي أنها بسيطة لا كرة، وهذا هو ظاهر الشريعة، وقد تترتب لفظة المد والبسط مع التكوير، والله أعلم) (١). وقول ابن جزي- في آية سورة الرعد أيضا-: (﴿مَدَّ الْأَرْضَ﴾ يقتضي أنها بسيطة لا مكورة، وهو ظاهر الشريعة، وقد يترتب لفظ البسط والمد مع التكوير؛ لأن كل قطعة من الأرض ممدودة على حدتها وإنما التكوير لجملة الأرض) (٢). وقول القنوجي- في آية سورة الرعد أيضا-: (قيل: وهذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كرويتها في نفسها لتباعد أطرافها (٣)، وبه قال أهل الهيئة، والله أخبر أنه مد الأرض، وأنه دحاها، وبسطها، وأنه جعلها فراشا، وكل ذلك يدل على كونها مسطحة كالأكف، وهو أصدق قيلا، وأبين دليلا من أصحاب الهيئة) (٤). وقوله في آية الحجر: (وفيه رد على من زعم أنها كالكرة) (٥). وخالف آخرون فقالوا بكروية الأرض، منهم: الخازن، والآلوسي، والبروسوي، والسعدي، والشنقيطي، وابن عثيمين (٦). بل نقل ابن تيمية الإجماع على هذا القول، فقال: (اعلم أنّ الأرض قد اتفقوا على أنها كرية الشكل) (٧).

стр. 393

والقول بكروية الأرض هو الصواب. ولا يشكل عليه كون الناظر إلى الأرض يراها مبسوطة. قال الرازي: (فإن قيل: هل يدل قوله: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ على أنها بسيطة؛ قلنا نعم؛ لأن الأرض بتقدير كونها كرة فهي كرة في غاية العظمة، والكرة العظيمة يكون كل قطعة صغيرة منها إذا نظر إليها فإنها ترى كالسطح المستوي، وإذا كان كذلك زال ما ذكروه من الإشكال، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧)﴾ [النبأ: ٧] سماها أوتادا مع أنه قد يحصل عليها سطوح عظيمة مستوية فكذا ههنا) (١). وقال الآلوسي: (والظاهر أن المراد بسطها وتوسعتها ليحصل بها الانتفاع لمن حلها، ولا يلزم من ذلك نفي كرويتها؛ لما أن الكرة العظيمة لعظمها ترى كالسطح المستوي) (٢). وقال أيضا- عند قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ … زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧)﴾ [ق: ٧]-: (﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ بسطناها، وهو لا ينافي كريتها التامة أو الناقصة من جهة القطبين لمكان العظم) (٣). وقال السعدي - عند قوله تعالى: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ [الغاشية: ٢٠]-: (﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ أي: مدت مدا واسعا، وسهلت غاية التسهيل؛ ليستقر العباد على ظهرها، ويتمكنوا من حرثها، وغراسها، والبنيان فيها، وسلوك طرقها. واعلم أن تسطيحها لا ينافي أنها كرة مستديرة قد أحاطت الأفلاك فيها من جميع جوانبها، كما دل على ذلك النقل، والعقل، والحس، والمشاهدة كما هو مذكور معروف عند كثير من الناس خصوصا في هذه الأزمنة التي وقف فيها الناس على أكثر أرجائها بما أعطاهم الله من الأسباب المقربة للبعيد، فإن التسطيح إنما ينافي كروية الجسم الصغير جدا الذي لو سطح لم يبق له استدارة تذكر، وأما جسم الأرض الذي هو كبير جدا وواسع، فيكون كرويا مسطحا، ولا يتنافى الأمران كما يعرف ذلك أرباب الخبرة) (٤). كما ذكر الآلوسي دلالات على كرويتها فقال: واستدل بالآية على أنها مسطحة غير كرية. وذهب الأكثرون إلى أنها كرية، أما في الطول فلأن البلاد المتوافقة في العرض أو التي لا عرض لها كلما كانت أقرب إلى الغرب كان طلوع الشمس وسائر الكواكب عليها متأخرا بنسبة واحدة، ولا يعقل ذلك إلا في الكرة. وأما في العرض فلأن السالك في الشمال كلما أوغل فيه ازداد القطب ارتفاعا عليه بحسب إيغاله فيه على نسبة واحدة، بحيث يراه قريبا من سمت رأسه، وكذلك تظهر له الكواكب الشمالية، وتخفى عنه الكواكب الجنوبية، والسالك الواغل في الجنوب بالعكس من ذلك، وأما فيما بينهما فلتركب الأمرين. وأورد عليهم الاختلاف المشاهد في سطحها؛ فأجابوا عنه: بأن ذلك لا يقدح في أصل الكرية الحسية المعلومة بما ذكر، فإن نسبة ارتفاع أعظم الجبال على ما استقر عليه استقراؤهم، وانتهت إليه آراؤهم إلى قطر الأرض كنسبة سبع عرض شعيرة إلى ذراع. والحق الذي لا ينكره إلا جاهل أو متجاهل أن ما ظهر منها كرة حسا؛ ولذلك كرية الفلك، تختلف أوقات الصلاة في البلاد، فقد يكون الزوال ببلد ولا يكون ببلد آخر، وهكذا الطلوع والغروب وغير ذلك، وكرية ما عدا ما ذكر لا يعلمها إلا الله تعالى، نعم إنها لعظم جرمها الظاهر يشاهد كل قطعة وقطر منها كأنه مسطح، وهكذا كل دائرة عظيمة، وبذلك يعلم أنه لا تنافي بين المد وكونها كروية. وزعم ابن عطية أن ظاهر الشريعة يقتضي أنها مسطحة، وكأنه يقول بذلك وهو خلاف مايقتضيه الدليل (٥).

стр. 394

ونبه ابن عثيمين إلى كروية الأرض عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣)﴾ [الانشقاق: ٣]، فقال: (هذه الأرض التي نحن عليها الآن هي غير ممدودة، أولا: أنها كرة مدورة، وإن كانت جوانبها الشمالية والجنوبية منفتحة قليلاً ـ أي ممتدة قليلاً ـ فهي مدورة الآن. ثانيا: ثم هي أيضاً معرجة فيها المرتفع جداً، وفيها المنخفض، فيها الأودية، فيها السهول، فيها الرمال، فهي غير مستوية، لكن يوم القيامة ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣)﴾ أي: تمد مدًّا واحداً كمد الأديم يعني: كمد الجلد، كأنما تفرش جلداً أو سماطاً، تُمد حتى إن الذين عليها ـ وهم الخلائق ـ يُسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، لكن الآن لا ينفذهم البصر، لو امتد الناس على الأرض لوجدت البعيدين منخفضين لا تراهم لكن يوم القيامة إذا مُدت صار أقصاهم مثل أدناهم) (١). لكن يشكل على استنباط الشوكاني هذا قوله في سورة الرعد-عند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣)﴾ [الرعد: ٣]-: (﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ وهذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كريتها في نفسها لتباعد أطرافها) (٢). فإنه يثبت في سورة الرعد كروية الأرض، بينما ينفيها في سورة الحجر. ويمكن توجيه هذا التعارض بأحد وجهين: فإما أنه ممن يرى كروية الأرض. ويدل عليه أنه مع تأثره الشديد بالقرطبي إلا أنه لم يوافقه على رأيه في نفي كروية الأرض من آية سورة الرعد فقد قال القرطبي -عندها-: (في هذه الآية رد على من زعم أن الأرض كالكرة) (٣).

стр. 395

وأما الشوكاني فإنه قال: (وهذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كريتها في نفسها لتباعد أطرافها) (١). وإما أن يكون الشوكاني ممن ينفي كروية الأرض. ويكون توجيه قوله الأخير الذي يثبت به كروية الأرض بأنه سقط منه لفظ: (وقيل)، إذ أصل كلامه: (وقيل: هذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كريتها في نفسها لتباعد أطرافها)، وهذا ما نقله القنوجي (٢).

стр. 396

سورة النحل ١٢٣ - ركوب الخيل والبغال والحمير هو المعتبر في المقصود، بخلاف التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر ولكنه غير مقصود بالذات (١). قال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ النحل: ٨. قال الشوكاني ﵀: (ولم يقل لتتزينوا بها حتى يطابق لتركبوها؛ لأن الركوب فعل المخاطبين، والزينة فعل الزائن وهو الخالق، والتحقيق فيه أن الركوب هو المعتبر في المقصود، بخلاف الزينة فإنه لا يلتفت إليه أهل الهمم العالية؛ لأنه يورث العجب، فكأنه سبحانه قال خلقتها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر، ولكنه غير مقصود بالذات) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ أن ركوب الخيل والبغال والحمير هو المعتبر في المقصود، بخلاف التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر ولكنه غير مقصود بالذات. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال: ﴿وَزِينَةً﴾، ولم يقل لتتزينوا بها حتى يطابق لتركبوها؛ لأن الركوب فعل المخاطبين، والزينة فعل الزائن وهو الخالق؛ فدل ذلك بدلالة تغيير النظم على أن الركوب هو المعتبر في المقصود، بخلاف الزينة فإنه لا يلتفت إليه أهل الهمم العالية؛ لأنه يورث العجب، فكأنه سبحانه قال خلقتها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر، ولكنه غير مقصود بالذات. قال البيضاوي: (وتغيير النظم لأن الزينة بفعل الخالق، والركوب ليس بفعله، ولأن المقصود من خلقها الركوب، وأما التزين بها فحاصل بالعرض) (٤).

стр. 397

وممن قال بهذا الاستنباط: ابن المنير، والبيضاوي-كما تقدم-، والقنوجي، والقاسمي. (١). وحكاه الآلوسي (٢). وهذا الاستنباط من حيث النظر إلى سر تغيير النظم صحيح. وفيه حث على علو الهمة، والنظر إلى الأنفع، والتحذير من الميل إلى الدنيا ولذاتها. لكن يتنبه إلى أن اتخاذ الخيل والبغال والحمير زينة جائز؛ لأن ذكر التزين في معرض الامتنان دال على أنه نعمة، فاتخاذها زينة دون خيلاء جائز؛ لأن التجمل بالملابس والمراكب لا مانع منه شرعا، وهو لا ينافي أن يكون لخلقها حكم أهم، كالجهاد عليها، وسفر الطاعات (٣). قال القرطبي: (وهذا الجمال والتزيين وإن كان من متاع الدنيا فقد أذن الله سبحانه لعباده فيه) (٤). ولذا استنبط القصاب أن اتخاذها زينة ليس من الدنيا المذمومة، فقال: (قوله: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ دليل على أن طلب الجمال والزينة إذا عري صاحبها من الفخر والخيلاء. وأراد بهما إظهار نعمة الله عليه ليس بمؤثر في نسك الناسك، وليس من الدنيا المذمومة. ألا ترى أنه ﷻ جعل ذلك في عداد النعمة على خلقه) (٥). وليس في استعمالها زينة دون خيلاء ما يشين؛ إذ فرق بين اتخاذها زينة، والخيلاء بها. قال الشيخ محمد أبو زهرة: بعد أن ذكر سبحانه نعمته في الأنعام، وما تتخذ منها من منافع وما يكون فيها، ذكر نعمه في غيرها مما لا يشمله اسمها، وكان العرب يجدون فيها متاعا، وهي الخيل والبغال والحمير، فإن فيها نعمة التمكين من ركوبها، أو نعمة أنها تتخذ زينة لهم في غدوهم ورواحهم، وقد قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [آل عمران: ١٤]، فالخيل المسومة من زينة الحياة، فالخيل ومثلها البغال والحمير تتخذ زينة، والزينة هي ما يكون في الخيل من راحة للنفس، وفرق بين اتخاذها زينة والخيلاء بها، فإن الخيلاء تفسد القلب، أما التزين، أو طلب ما يكون فيه زينة فإنه لا شيء يمس القلب ليفسده (٦).

стр. 398

بل يمكن القول بأن الآية دلت دلالة ظاهرة على الجواز. قال السعدي: (﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ أي: تارة تستعملونها للضرورة في الركوب، وتارة لأجل الجمال والزينة) (١). ١٢٤ - وصف السمك بالطراوة للإشعار بلطافته، والإرشاد إلى المسارعة بأكله لكونه مما يفسد بسرعة (٢). قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾ النحل: ١٤. قال الشوكاني ﵀: (﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ المراد به السمك، ووصفه بالطراوة للإشعار بلطافته، والإرشاد إلى المسارعة بأكله لكونه مما يفسد بسرعة) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني (٤) ﵀ أن وصف السمك بالطراوة للإشعار بلطافته، والإرشاد إلى المسارعة بأكله لكونه مما يفسد بسرعة. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى وصف السمك بالطراوة دون غيرها من الأوصاف، وفي الطراوة ما يدل على لطافته، والإرشاد إلى المسارعة بأكله لكونه مما يفسد بسرعة. وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والبقاعي، والشربيني، والقنوجي، والهرري. (٥). وفي هذا الاستنباط دلالة على تنوع موضوعات الاستنباط عند الشوكاني، إذ لم تقتصر الاستنباطات على الفقه، والتربية ونحوهما، بل شملت ما فيه صلاح البدن ونفعه، والتحذير مما يضر به من مطعومات.

стр. 399

١٢٥ - مناسبة ختم ذكر كثرة النعم والقصور عن إحصائها بمغفرة الله ورحمته؛ لبيان أن الله لا يؤاخذ بالغفلة عن شكر نعمه، والقصور عن إحصائها (١). قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ النحل: ١٨. قال الشوكاني ﵀: (وما أحسن ما ختم به هذا الامتنان الذي لا يلتبس على إنسان، مشيرا إلى عظيم غفرانه وسعة رحمته فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ أي: كثير المغفرة والرحمة، لا يؤاخذكم بالغفلة عن شكر نعمه، والقصور عن إحصائها، والعجز عن القيام بأدناها، ومن رحمته إدامتها عليكم، وإدرارها في كل لحظة، وعند كل نفس تتنفسونه، وحركة تتحركون بها) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ أن مناسبة ختم ذكر كثرة النعم والقصور عن إحصائها بمغفرة الله ورحمته؛ بيان أن الله لا يؤاخذ بالغفلة عن شكر نعمه، والقصور عن إحصائها. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر كثرة النعم والقصور عن إحصائها، ثم ختم ذلك بذكر مغفرته ورحمته دون غيرهما من الأسماء والصفات؛ فدل ذلك بدلالة تأمل خاتمة الآية والربط بينها وبين الآية على أن الله لا يؤاخذ بالغفلة عن شكر نعمه، والقصور عن إحصائها. وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والرازي، وأبو حيان، والبقاعي، والقنوجي، والهرري. (٤). ومن أراد أن يعرف تقصيره، وقصوره عن شكر أدنى نعمة نظر في نفسه، فكل جزء من أجزاء بدن الإنسان لو ظهر فيه أدنى خلل لنغص العمر على الإنسان، وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل، ثم إنه سبحانه يدبر أحوال بدن الإنسان على الوجه الملائم له، مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك الجزء ولا بمصالحه ومفاسده، فهذا مثال تقاس عليه سائر نعم الله تعالى حتى يعرف الإنسان تقصيره، وقصوره عن شكر أدنى نعمة فضلاً عن جميعها (٥).

стр. 400

١٢٦ - أمرُ الله بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ونهيه عن الفحشاء والمنكر والبغي دليل على وجوب الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر (١). قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ النحل: ٩٠. قال الشوكاني ﵀: (وهذه الآية هي من الآيات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ من الآية وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وهذا كله أمر بالمعروف، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وهذا نهي عن المنكر؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الله تعالى على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. قال القرطبي: (تضمنت هذه الآية الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر) (٣). وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي-كما تقدم-، والقنوجي. (٤). ويؤيده أنه قد قوبل في الآية الأمر بالنهي، وكل من المأمور به بكل من المنهي عنه، وجمع بين الأمر والنهي، مع أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده؛ فدل ذلك على الاعتناء بالأمر بكل معروف، وكذلك الاعتناء بالنهي عن كل منكر. ١٢٧ - عمل الكافر لا اعتداد به (٥). قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ النحل: ٩٧. قال الشوكاني ﵀: (وجملة: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ في محل نصب على الحال، جعل سبحانه الإيمان قيدا في الجزاء المذكور؛ لأن عمل الكافر لا اعتداد به لقوله سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]) (٦).

стр. 401

الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ أن عمل الكافر لا اعتداد به. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى وعد من عمل صالحا بالحياة الطيبة، والجزاء بالجنة، وقيد الاعتداد بهذا العمل بالإيمان؛ فدل بمفهوم المخالفة-مفهوم القيد- على أن من لم يكن مؤمنا فإنه ليس موعودا بهذه الجنة، ولا اعتداد بعمله. قال البيضاوي: (﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ حال شرط اقتران العمل بها في استدعاء الثواب المذكور، وتنبيها على أنه لا اعتداد به دونه فيه) (١). وممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي-كما تقدم-، وأبو السعود، والبروسوي، والآلوسي، والقنوجي، والشنقيطي. (٢). والإيمان أحد شروط العمل الصالح، قال الشنقيطي: (اعلم أن القرآن العظيم دل على أن العمل الصالح هو ما استكمل ثلاثة أمور: الأول: موافقته لما جاء به النبي ﷺ ؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣) [الحشر: من الآية ٧]. الثاني: أن يكون خالصا لله تعالى؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ (٤) [البينة: من الآية ٥]، و ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٤ - ١٥]. الثالث: أن يكون مبنيا على أساس العقيدة الصحيحة؛ لأن الله يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾، فقيد ذلك بالإيمان، ومفهوم مخالفته أنه لو كان غير مؤمن لما قبل منه ذلك العمل الصالح) (٥).

стр. 402

١٢٨ - مناسبة ذكر الاستعاذة عقب العمل الصالح والجزاء عليه (١). قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ النحل: ٩٧ - ٩٨. قال الشوكاني ﵀: (ثم لما ذكر سبحانه العمل الصالح والجزاء عليه أتبعه بذكر الاستعاذة التي تخلص بها الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية، فقال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ والفاء لترتيب الاستعاذة على العمل الصالح. وقيل: هذه الآية متصلة بقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢) [النحل: من الآية ٨٩]، والتقدير: فإذا أخذت في قراءته فاستعذ (٣) (٤). الدراسة: استنبط الشوكاني (٥) ﵀ أن مناسبة ذكر الاستعاذة بعد ذكر العمل الصالح والجزاء عليه؛ أن بالاستعاذة تخلص الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية.

стр. 403

ووجه الاستنباط: أن الله ذكر العمل الصالح والجزاء عليه، ثم أتبعه بذكر الاستعاذة، واتصال الآيتين، والربط بينهما دال على أن بالاستعاذة تخلص الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية. قال الرازي: (اعلم أنه لما قال قبل هذه الآية: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أرشد إلى العمل الذي به تخلص أعماله عن الوساوس، فقال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾) (١). وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، وابن عادل الحنبلي، وأبو السعود، والشربيني، والآلوسي، والقنوجي. (٢). وأشار البقاعي إلى مناسبة قريبة مما قالوه إذ جعل مناسبة ذكر الاستعاذة عقب العمل الصالح أن القرآن تلاوة وتفكراً وعملاً بما ضمن أجل الأعمال الصالحة، فتسبب عن ذلك الأمر بأنه إذا قرئ هذا القرآن المنزل يستعاذ من الشيطان. ثم ذكر أن حاصل الأمر الالتجاء إليه تعالى في كل عمل صالح؛ لئلا يفسده الشيطان بوساوسه (٣). ورأى الزمخشري أن مناسبة ذكر الاستعاذة عقب العمل الصالح والجزاء عليه أن الاستعاذة من جملة الأعمال الصالحة، فقال: (لما ذكر العمل الصالح ووعد عليه وصل به قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ إيذانا بأن الاستعاذة من جمله الأعمال الصالحة التي يجزل الله عليها الثواب) (٤). ولا تزاحم بين ما ذكره الزمخشري، وما ذكره الشوكاني فكلاهما -والله أعلم- صحيح. أما ابن عاشور (٥)، وقبله القرطبي (٦) فقد جعلوا قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ متصلا بقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، فتكون المناسبة ظاهرة، وهي الأمر بالاستعاذة عند قراءة القرآن الذي هو تبيان.

стр. 404

وهذا الوجه من المناسبة على جعل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ من الموصول لفظا المفصول معنى؛ إذ اتصل لفظا بقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾، وانفصل عنه معنى. ولا شك أن القول باتصال الآيتين: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ في المعنى أولى؛ وبه يصح ما استنبطه الشوكاني. ١٢٩ - الاستعاذة عند كل عمل آكد من الاستعاذة عند قراءة القرآن (١). قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ النحل: ٩٨. قال الشوكاني ﵀: (وتخصيص قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة بالاستعاذة عند إرادتها؛ للتنبيه على أنها لسائر الأعمال الصالحة عند إرادتها أهم؛ لأنه إذا وقع الأمر بها عند قراءة القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كانت عند إرادة غيره أولى) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ أن الاستعاذة عند كل عمل آكد من الاستعاذة عند قراءة القرآن. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر بالاستعاذة عند قراءة القرآن، فخص قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة؛ فدل مفهوم الموافقة- مفهوم الأولى- على أن الاستعاذة من الشيطان عند إرادة الأعمال الصالحة عند إرادتها أهم؛ لأنه إذا وقع الأمر بها عند قراءة القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كانت عند إرادة غيره أولى. وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والآلوسي، والقنوجي. (٣). وبالنظر إلى الاستنباط السابق الذي استنبط فيه الشوكاني المناسبة بين قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ يمكن القول بأن استنباطه مناسبة ذكر الاستعاذة بعد ذكر العمل الصالح والجزاء عليه؛ أن بالاستعاذة تخلص الأعمال الصالحة عن الوساوس الشيطانية يناسب استنباطه هنا، فالمناسبة تدل على حاجة كل عمل للاستعاذة، وزاد هنا أن الاستعاذة عند كل عمل آكد من الاستعاذة عند قراءة القرآن.

стр. 405

١٣٠ - مناسبة ذكر السبت، وما كان من خبر اليهود فيه عقب الحديث عن إبراهيم ﵇ بيان أن الله لم يجعله على إبراهيم ﵇ - (١). قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤)﴾ النحل: ١٢٠ - ١٢٤. قال الشوكاني ﵀: (ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أن اليهود كانوا يزعمون أن السبت من شرائع إبراهيم؛ فأخبر الله سبحانه أنه إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه، ولم يجعله على إبراهيم ولا على غيره) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ مناسبة ذكر السبت وما كان من خبر اليهود فيه عقب الحديث عن إبراهيم ﵇ بيان أن الله لم يجعله على إبراهيم ﵇. ووجه الاستنباط: أن اليهود كانوا يزعمون أن السبت من شرائع إبراهيم؛ فأخبر الله سبحانه أنه إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه بعد أن ذكر إبراهيم ﵇، وأثنى عليه، فذكر جعل السبت على الذين اختلفوا فيه عقب ذكر الآيات التي فيها خبر إبراهيم ﵇ دون غيرها من الآيات دال بدلالة الربط بين الآيات على أن الله لم يجعل السبت على إبراهيم ﵇، ولا على غيره.

стр. 406

قال ابن جزي: (وتقتضي الآية أن السبت لم يكن من ملة إبراهيم ﵇ (١). وممن قال بهذا الاستنباط: ابن جزي-كما تقدم-، والقنوجي، وابن عاشور، والهرري (٢). وذكر القرطبي مناسبة أخرى، فقال: ﴿عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ يريد في يوم الجمعة، اختلفوا على نبيهم موسى ﵇، ووجه الاتصال بما قبله أن النبي ﷺ أُمِر باتباع الحق، وحذر الله الأمة من الاختلاف عليه فيشدد عليهم كما شدد على اليهود (٣). وبه قال البقاعي (٤). ولا تزاحم بينهما-والله أعلم- فالمناسبة الأولى باعتبار ذكر السبت وما كان من خبر اليهود فيه عقب الحديث عن إبراهيم ﵇، والثانية باعتبار ذكر اختلاف اليهود على نبيهم ﵇ في يوم الجمعة -الذي هو من ملة إبراهيم ﵇ عقب الأمر للنبي محمد ﷺ باتباع الحق الذي هو ملة إبراهيم ﵇.

стр. 407

سورة الإسراء ١٣١ - عطاء الله إنما هو بمحض التفضل (١). قال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾ الإسراء: ٢٠. قال الشوكاني ﵀: (وفي قوله: ﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ إشارة إلى أن ذلك بمحض التفضل) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ أن عطاء الله إنما هو بمحض التفضل لا بطريق الاستيجاب، والاستحقاق بالسعي، والعمل الصالح (٣). ووجه الاستنباط: أن الله تعالى بيَّن كمال رأفته وشمول رحمته فقال: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ﴾ أي: كل واحد من الفريقين نمد، أي: نزيده من عطائنا على تلاحق من غير انقطاع، نرزق المؤمنين والكفار، وأهل الطاعة وأهل المعصية، لا توثر معصية العاصي في قطع رزقه، ثم قال: ﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾؛ فدلت مناسبة ذكر عطاء الله، والتنصيص عليه، واختيار لفظة عطاء دون غيرها على أن عطاء الله إنما هو بمحض التفضل، لا بطريق الاستيجاب، والاستحقاق بالسعي، والعمل الصالح. قال أبو السعود: (﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ متعلق بنمد، ومغن عن ذكر ما به الإمداد، ومنبه على أن الإمداد المذكور ليس بطريق الاستيجاب بالسعي والعمل، بل بمحض التفضل) (٤). وممن قال بهذا الاستنباط: البقاعي، وأبو السعود-كما تقدم-، والقنوجي، والهرري. (٥).

стр. 408

وفي هذا الاستنباط تنبيه إلى عطاء الله الواسع الذي لا تناهي له، وإلى عظيم نعم الله على عباده؛ فإن أعمالهم كلها لا تساوي نعمة واحدة كنعمة البصر، فكيف بالنعم التي لا تعد ولا تحصى. كما أن فيه بيان لرحمة الله بعبيده جميعا، فهو سبحانه يعطي تفضلا منه، على ما عند العبيد من كفر، وقصور في العبادة، ومخالفة لأوامره. ١٣٢ - نهي الولد عن سائر ما يؤذي والديه من فعل، أو قول كان مساويا لكلمة (أف)، أو أشد منها (١). قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ الإسراء: ٢٣. قال الشوكاني ﵀: ( … والحاصل أنه- يعني كلمة أف- اسم فعل ينبئ عن التضجر والاستثقال، أو صوت ينبئ عن ذلك. فنهى الولد عن أن يظهر منه ما يدل على التضجر من أبويه أو الاستثقال لهما، بهذا النهي يفهم النهي عن سائر ما يؤذيها بفحوى الخطاب، أو بلحنه كما هو متقرر في الأصول (٢) (٣).

стр. 409

الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ من الآية نهي الولد عن سائر ما يؤذي والديه من فعل أو قول كان مساويا لكلمة (أف)، أو أشد منها. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى نهى الولد عن أن يقول لوالده كلمة أف الدالة على السأم والضجر؛ فكل ما ساوى هذه الكلمة فهو منهي عنه بلحن الخطاب، أي: مفهوم الموافقة الذي المسكوت فيه مساو لحكم المنطوق. قال ابن عطية: (وجعل الله تعالى هذه اللفظة مثالا لجميع ما يمكن أن يقابل به الآباء مما يكرهون، فلم ترد هذه في نفسها وإنما هي مثال الأعظم منها والأقل، فهذا هو مفهوم الخطاب الذي المسكوت عنه حكمه حكم المذكور) (١). وكل ما كان أشد منها من قول أو فعل كالضرب والحبس وغيرهما فهو منهي عنه بفحوى الخطاب، أي: مفهوم الموافقة الذي المسكوت فيه أولى بالحكم من المنطوق. قال السيوطي: (وأشار بالنهي عن ذكر (أف) إلى تحريم ما فوقه بطريق الأولى) (٢). وقال الشنقيطي: (فالضرب المسكوت عنه أولى بالحكم الذي هو التحريم من التأفيف المنطوق به، مع القطع بنفي الفارق) (٣). وكذلك استنبط الطوفي، وابن عاشور، ومحمد أبو زهرة (٤) حكم المسكوت عنه الذي هو أولى بالحكم من المنطوق. فالآية إذاً دلت على النهي عن سائر ما يؤذي الوالدين من قول وفعل سواء أكان مساو لكلمة الأف، أو أشد منها. وقد نقل هذا الاستنباط القنوجي (٥). وفي هذا الاستنباط مزية الجمع بين استنباط حكم المسكوت عنه المساوي لحكم المنطوق، والمسكوت عنه الذي هو أولى بالحكم من المنطوق؛ فإنه لم يقتصر على أحدهما. ١٣٣ - المبذر كفور (٦). قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾ الإسراء: ٢٧. قال الشوكاني ﵀: (وفي هذه الآية تسجيل على المبذرين بمماثلة الشياطين، ثم التسجيل على جنس الشيطان بأنه كفور، فاقتضى ذلك أن المبذر مماثل للشيطان، وكل مماثل للشيطان له حكم الشيطان، وكل شيطان كفور، فالمبذر كفور) (٧).

стр. 410

الدراسة: استنبط الشوكاني (١) ﵀ أن المبذر كفور. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى سجل على المبذرين مماثلتهم الشياطين، ثم سجل على جنس الشيطان بأنه كفور- (٢) -؛ فدل بدلالة الالتزام على أن المبذر كفور؛ لأنه مماثل للشيطان وله حكمه، وكل شيطان كفور. قال الرازي: (﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا … (٢٧)﴾ ومعنى كون الشيطان كفورا لربه: هو أنه يستعمل بدنه في المعاصي، والإفساد في الأرض، والإضلال للناس، وكذلك كل من رزقه الله تعالى مالا أو جاها فصرفه إلى غير مرضاة الله تعالى كان كفورا لنعمة الله تعالى، والمقصود أن المبذرين إخوان الشياطين بمعنى كونهم موافقين للشياطين في الصفة والفعل، ثم الشيطان كفور لربه؛ فيلزم كون المبذر أيضا كفورا لربه) (٣). وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، وابن عادل الحنبلي، والواحدي، والقنوجي. (٤). ١٣٤ - في النهي عن قربان الزنى بمباشرة مقدماته نهى عنه بالأولى (٥). قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ الإسراء: ٣٢. قال الشوكاني ﵀: ( … وفي النهي عن قربانه بمباشرة مقدماته نهى عنه بالأولى؛ فإن الوسيلة إلى الشيء إذا كانت حراما كان المتوسل إليه حراما بفحوى الخطاب) (٦). الدراسة: استنبط الشوكاني (٧) ﵀ أن في النهي عن قربان الزنا بمباشرة مقدماته نهيا عنه بالأولى.

стр. 411

ووجه الاستنباط: أن الله نهى عباده عن مقاربة الزنا، ومخالطة أسبابه ودواعيه، ومباشرة مقدماته؛ فدل ذلك بمفهوم الموافقة- مفهوم الأولى- وبقاعدة: الوسيلة إلى الشيء إذا كانت حراما كان المتوسل إليه حراما على النهي عن الزنا. ويمكن القول بأن النهي عن قربه نهي عنه بدلالة الالتزام. قال أبو حيان: (فنهى عن قربان الزنا، واستلزم ذلك النهي عن الزنا) (١). وهذا الاستنباط مبناه على سر اختيار النهي عن القرب دون النهي عن الزنا ذاته، وهو مقصود بلا شك، قال النسفي: (وهو نهى عن دواعي الزنا، كالمس والقبلة ونحوهما، ولو أريد النهي عن نفس الزنا لقال ولا تزنوا) (٢). وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري. (٣). وفي النهي عن مقدماته بيان لخطورته وتشديد على النهي عنه؛ لأن الله لما نهى عن قربانه دل ذلك على خطورة الاقتراب فكيف بمباشرة الفعل ذاته. ولذا كان النهي عن قربان الزنا أبلغ؛ لأن المقصود التحذير من كل ما يؤدي إليه. قال محمد أبو زهرة: وهذا يتضمن النهي عن كل ما يؤدي إلى الزنا، أو يظن أنه يؤدي إليه، كالقبلة، والملامسة، ورؤية الأجزاء المغرية من جسم المرأة، والرقص الذي يثير الغريزة، وأصوات النساء المغرية التي تتلوى فيها المرأة بما يثير ويدفع، ونشر الصور العارية، وغير ذلك مما نراه ونسمعه كل يوم، فكل ذلك منهي عنه، وهو حرام؛ لأنه قرب من الزنا أو ذريعة إليه، وكل ما كان حراما في ذاته فذريعته ممنوعة، وهذا باب يسمى في الفقه سد الذرائع، فكل ما يؤدي إلى حرام لذاته يكون حراما لأنه يؤدي إليه (٤). ١٣٥ - إنكار الكفار أن يكون الرسول بشرا ليس إلا مجرد قول قالوه بأفواههم لا دليل عليه ولا برهان (٥). قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾ الإسراء: ٩٤. قال الشوكاني ﵀: (﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ أي: ما منعهم إلا قولهم، فهو في محل رفع على أنه فاعل منع، والهمزة في ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾ للإنكار منهم أن يكون الرسول بشرا، والمعنى: أن هذا الاعتقاد الشامل لهم وهو إنكار أن يكون الرسول من جنس البشر هو الذي منعهم عن الإيمان بالكتاب وبالرسول. وعبر عنه بالقول للإشعار بأنه ليس إلا مجرد قول قالوه بأفواههم) (٦).

стр. 412

الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ أن إنكار الكفار أن يكون الرسول بشرا ليس إلا مجرد قول قالوه بأفواههم لا دليل عليه ولا برهان. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما ذكر عن الكفار مانعهم من الإيمان وهو إنكارهم أن يكون الرسول من جنس البشر عبر عن إنكارهم بالقول، فقال: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾، ولم يقل أن مانعهم اعتقادهم مع أنه هو المقصود؛ إذ هو المانع حقيقة، وليس المانع مجرد القول (١)، لكنه عدل عنه إلى لفظ قولهم؛ فدل اختيار هذا اللفظ دون غيره على أن مناسبته للمقام دالة على أن إنكارهم ليس إلا مجرد قول قالوه بأفواههم، لا دليل عليه ولا برهان بل هو تحكم فاسد، وتعنت باطل، ولا يليق به أن يصل إلى درجة المعتقد؛ لبعد هذا الإنكار عن كل عاقل. قال أبو السعود: (وليس المراد أن هذا القول صدر عن بعضهم فمنع بعضا آخر منهم، بل المانع هو الاعتقاد الشامل للكل، المستتبع لهذا القول منهم، وإنما عبر عنه بالقول إيذانا بأنه مجرد قول يقولونه بأفواههم من غير أن يكون له مفهوم ومصداق) (٢). وقال محمد أبو زهرة: (نفيهم لأن يكون البشر رسولا إنما هو قولهم لا حقيقة أمرهم، فهم لا يؤمنون بألا يكون البشر رسولا، ولكنهم يقولونه قولا من غير برهان ولا إيمان) (٣). وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود-كما تقدم-، والآلوسي، والقنوجي، ومحمد أبو زهرة كما تقدم. (٤). ١٣٦ - التعرض في أثناء الحمد لصفات جليلة؛ للإيذان بأن المستحق للحمد من له هذه الصفات (٥). قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ الإسراء: ١١١.

стр. 413

قال الشوكاني ﵀: ( … وفي التعرض في أثناء الحمد لهذه الصفات الجليلة إيذان بأن المستحق للحمد من له هذه الصفات؛ لأنه القادر على الإيجاد وإفاضة النعم، لكون الولد مجبنة ومبخلة، ولأنه أيضا يستلزم حدوث الأب لأنه متولد من جزء من أجزائه، والمحدث غير قادر على كمال الإنعام، والشركة في الملك إنما تتصور لمن لا يقدر على الاستقلال به، ومن لا يقدر على الاستقلال عاجز فضلا عن تمام ما هو له فضلا عن نظام ما هو عليه، وأيضا الشركة موجبة للتنازع بين الشريكين فقد يمنعه الشريك من إفاضة الخير إلى أوليائه، ومؤدية إلى الفساد ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (١) [الأنبياء: ٢٢]، والمحتاج إلى ولي يمنعه من الذل وينصره على من أراد إذلاله ضعيف لا يقدر على ما يقدر عليه من هو مستغنى بنفسه) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ من الآية أن مناسبة التعرض في أثناء الحمد لهذه الصفات الجليلة الإيذان بأن المستحق للحمد من له هذه الصفات دون غيره. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما أمر بحمده ذكر صفات جليلة له دالة على تمام الكمال، والقدرة التامة على الإيجاد، وما يتفرع عليه من إضافة أنواع النعم؛ فدل بدلالة الربط بين أجزاء الآية على أن مناسبة ذكرها وكونه رتب الحمد عليها للدلالة على أنه الذي يستحق جنس الحمد؛ لأنه الكامل الذات، المنفرد بالإيجاد، المنعم على الإطلاق. وما عداه ناقص، مملوك نعمة، أو منعم عليه؛ ولذلك عطف عليه قوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ (٤).

стр. 414

قال أبو السعود: (وفي التعرض في أثناء الحمد لهذه الصفات الجليلة إيذان بأن المستحق للحمد من هذه نعوته دون غيره إذ بذلك يتم الكمال والقدرة التامة على الإيجاد وما يتفرع عليه من إضافة أنواع النعم وما عداه ناقص، مملوك نعمته، أو منعم عليه) (١). وممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي، وأبو السعود-كما تقدم-، والقنوجي، وابن عاشور. (٢).

стр. 415

سورة الكهف ١٣٧ - أقبح أنواع الكفر نسبة الولد إلى الله سبحانه (١). قال تعالى: ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ الكهف: ٢ - ٤. قال الشوكاني ﵀: (﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ وهم اليهود، والنصارى، وبعض كفار قريش القائلون بأن الملائكة بنات الله. فذكر سبحانه أولا قضية كلية وهي إنذار عموم الكفار، ثم عطف عليها قضية خاصة هي بعض جزئيات تلك الكلية تنبيها على كونها أعظم جزئيات تلك الكلية؛ فأفاد ذلك أن نسبة الولد إلى الله سبحانه أقبح أنواع الكفر) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ أن أقبح أنواع الكفر نسبة الولد إلى الله سبحانه. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أولا قضية كلية وهي إنذار عموم الكفار، فقال: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ أي لينذر من كفر بالله ورسوله عموما، ثم عطف عليها قضية خاصة هي بعض جزئيات تلك الكلية، فقال: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ فخص القائلين بذلك مع دخولهم في الإنذار السابق (٣)؛ فدل بدلالة عادة القرآن في أنه إذا ذكر قضية كلية عطف عليها بعض جزئياتها تنبيها على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي؛ أي دل على أن نسبة الولد إلى الله سبحانه أقبح أنواع الكفر. قال الرازي: (اعلم أن قوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ معطوف على قوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾، والمعطوف يجب كونه مغايرا للمعطوف عليه، فالأول عام في حق كل من استحق العذاب، والثاني خاص بمن أثبت لله ولدا، وعادة القرآن جارية بأنه إذا ذكر قضية كلية عطف عليها بعض جزئياتها تنبيها على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي، كقوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ (٤) [البقرة: ٩٨]، فكذا هاهنا العطف يدل على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد لله تعالى) (٥).

стр. 416

فقوله: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ هو من باب عطف الخاص على العام لشناعته وفظاعته. قال الشنقيطي: (وهذا من عطف الخاص على العام؛ لأن قوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ شامل للذين قالوا اتخذ الله ولدا ولغيرهم من سائر الكفار. وقد تقرر في فن المعاني أن عطف الخاص على العام إذا كان الخاص يمتاز عن سائر أفراد العام بصفات حسنة أو قبيحة من الإطناب المقبول، تنزيلا للتغاير في الصفات منزلة التغاير في الذوات. ومثاله في الممتاز عن سائر أفراد العام بصفات حسنة قوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ (١) [الأحزاب: ٧]. ومثاله في الممتاز بصفات قبيحة الآية التي نحن بصددها؛ فإن الذين قالوا اتخذ الله ولدا امتازوا عن غيرهم بفرية شنعاء، ولذا ساغ عطفهم على اللفظ الشامل لهم ولغيرهم) (٢). وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، وابن عادل الحنبلي، والقنوجي (٣). وأشار إليه البيضاوي، وأبو السعود، والقاسمي، والشنقيطي. (٤). ١٣٨ - إمساك الإنسان بعض ما يحتاج إليه لا ينافي التوكل على الله (٥). قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩)﴾ الكهف: ١٩.

стр. 417

قال الشوكاني ﵀: (وفي حملهم لهذه الورق معهم دليل على أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان لا ينافي التوكل على الله) (١). الدراسة: استنبط الشوكاني (٢) ﵀ أن إمساك الإنسان بعض ما يحتاج إليه لا ينافي التوكل على الله. ووجه الاستنباط: أن الفتية أصحاب الكهف قالوا بعد أن بعثهم الله من نومهم: … ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ أي أنهم مع قوة إيمانهم، وثقتهم بربهم، وتوكلهم عليه كانوا يحملون معهم وَرِقا، وكانت دراهم تزودوها حين خروجهم إلى الكهف لعلهم يحتاجون إليه؛ فدل بدلالة الاعتبار بقصص القرآن، والاقتداء بالصالحين على أن إمساك الإنسان بعض ما يحتاج إليه لا ينافي التوكل على الله. قال الرازي: (وهذه الآية تدل على أن السعي في إمساك الزاد أمر مهم مشروع، وأنه لا يبطل التوكل) (٣). وقال الهرري: وفي قولهم: ﴿هَذِهِ﴾ إشارة إلى أن التأهب لأسباب المعاش بحمل الدراهم ونحوها لمن خرج من منزله لا ينافي التوكل على الله (٤).

стр. 418

وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، وأبو حيان، وابن عادل الحنبلي، وأبو السعود، والقنوجي، والمراغي، والهرري كما تقدم. (١). ١٣٩ - القول بأن أصحاب الكهف سبعة وثامنهم كلبهم أقرب إلى الصواب بدلالة عدم إدخالهم في سلك الراجمين بالغيب (٢). قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾ الكهف: ٢٢. قال الشوكاني ﵀: (والرجم بالغيب هو القول بالظن والحدس من غير يقين. والموصوفون بالرجم بالغيب هم كلا الفريقين القائلين بأنهم ثلاثة، والقائلين بأنهم خمسة. ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ كأن قول هذه الفرقة أقرب إلى الصواب بدلالة عدم إدخالهم في سلك الراجمين بالغيب … ) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني (٤) ﵀ أن القول بأن أصحاب الكهف سبعة وثامنهم كلبهم أقرب إلى الصواب بدلالة عدم إدخالهم في سلك الراجمين بالغيب. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما حكى قولهم: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، وقولهم: ﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ أعقب ذلك بقوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾، والرجم بالغيب هو القول بالظن والحدس من غير يقين، ولما حكى قولهم: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ لم يتبعه بإبطال؛ فدل عدم إدخالهم في سلك الراجمين بالغيب بدلالة المطرد من أسلوب القرآن-لو كان قولهم غير حق لرده القرآن- على أن القول الثالث أقرب إلى الصواب (٥).

стр. 419

قال ابن تيمية: (فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال ضعف القولين الأولين، وسكت عن الثالث؛ فدل على صحته؛ إذ لو كان باطلا لرده كما ردهما) (١). وقال السيوطي: (وصف الأولين بالرجم بالغيب دون الثالث يدل على أنه مرضي وصحيح) (٢). وقال القنوجي: (﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ ولم يقل هذا في السبعة، وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه) (٣). وقد ذكر الرازي هذا الوجه، وأوجها أخرى تدل على هذا الاستنباط (٤)، في بعضها ضعف كما ذكر، لكنه تعقبها بقوله: (واعلم أن هذه الوجوه وإن كان بعضها أضعف من بعض إلا

стр. 420

أنه لما تقوى بعضها ببعض حصل فيه كمال وتمام والله أعلم) (١). فمجموع ما ذكره من أوجه يستأنس به في هذا المقام، وإن كان هذا من الاختلاف الذي لا فائدة تحته، ولا يحصل بمعرفة عددهم مصلحة للناس دينية ولا دنيوية، لكن المقصود معرفة وجه هذا الاستنباط، وبيان صحة الدلالة. وممن قال بهذا الاستنباط: النسفي، وأبو حيان، وابن كثير، والسيوطي-كما تقدم- والبروسوي، والقنوجي، والسعدي، والهرري. (٢). ١٤٠ - المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب (٣). قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾ الكهف: ٦٦. قال الشوكاني ﵀: (في هذا السؤال ملاطفة، ومبالغة في حسن الأدب؛ لأنه استأذنه أن يكون تابعا له على أن يعلمه مما علمه الله من العلم وفي الآية دليل على أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب، وليس في ذلك ما يدل على أن الخضر أفضل من موسى، فقد يأخذ الفاضل عن الفاضل، وقد يأخذ الفاضل عن المفضول إذا اختص أحدهما بعلم لا يعلمه الآخر، فقد كان علم موسى علم الأحكام الشرعية، والقضاء بظاهرها، وكان علم الخضر علم بعض الغيب، ومعرفة البواطن) (٤). الدراسة: استنبط الشوكاني (٥) ﵀ أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب.

стр. 421

ووجه الاستنباط: أن موسى ﵇ عندما أراد أن يتعلم من العبد الصالح سأله ملاطفة، ومبالغة في حسن الأدب؛ فاستأذنه أن يكون تابعا له على أن يعلمه مما علمه الله من العلم، فجعل نفسه تبعاً له فقال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ مع أن موسى ﵇ أفضل منه؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب. والمتابعة هي الإتيان بمثل فعل الغير لأجل كونه فعلا لذلك الغير. قال الرازي: (المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لأجل كونه فعلا لذلك الغير، قوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ يدل على أنه يأتي بمثل أفعال ذلك الأستاذ لمجرد كون ذلك الأستاذ آتيا بها، وهذا يدل على أن المتعلم يجب عليه في أول الأمر التسليم، وترك المنازعة والاعتراض) (١). والمتابعة نوع من الأدب والتواضع الواجب على المتعلم، وقد راعى موسى ﵇ في سوق الكلام غاية التواضع معه، فأثبت كونه تبعا للعبد الصالح، واستأذنه في إثبات هذا التبعية، ثم طلب أن يعلمه، وهذا منه ابتداء بالخدمة، ثم في المرتبة الثانية طلب منه التعليم، وهذا مبالغة عظيمة في التواضع (٢). فحق العالم على المتعلم أن يتبعه، وأن يقتدي به. قال ابن عاشور: (وفيه أيضا إشارة إلى أن حق المعلم على المتعلم اتباعه، والاقتداء به) (٣). وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، والقرطبي، والقنوجي، وابن عاشور-كما تقدم-، والهرري. (٤). ١٤١ - جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة (٥). قال تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧)﴾ الكهف: ٧٧. و قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ … لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾ الكهف: ٨٢.

стр. 422

قال الشوكاني ﵀: (﴿فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ هي القرية المذكورة سابقا، وفيه جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة) (١). الدراسة: استنبط الشوكاني (٢) ﵀ جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى سمى أولا الموضع الذي فيه الجدار بالقرية فقال: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾، ثم سمى الموضع بالمدينة بقوله: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾؛ فدل بدلالة التركيب بين الآيتين على جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة، بل دلت دلالة التركيب على جواز تسمية إحداهما بالأخرى. قال ابن عادل الحنبلي: (واعلم أنه سمَّى القرية في قوله: ﴿أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾، وسمَّى القرية هنا مدينة بقوله: ﴿يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾؛ فدل على جواز تسمية إحداهما بالأخرى) (٣). وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وابن كثير، وابن عادل الحنبلي-كما تقدم-، والقنوجي، والقاسمي، والهرري. (٤). وفي هذا الاستنباط تنبيه إلى أن للقرآن مصطلحات خاصة، فلا يجوز حمله على المصطلحات الحادثة. قال ابن تيمية: (والقرآن نزل بلغة العرب فلا يجوز حمله على اصطلاح حادث ليس من لغتهم) (٥). وعدَّ -في موضع آخر- هذا الفعل من أعظم أسباب الغلط في فهم كلام الله ورسوله، فقال: (ومن أعظم أسباب الغلط في فهم كلام الله ورسوله أن ينشأ الرجل على اصطلاح حادث، فيريد أن يفسِّر كلام الله بذلك الاصطلاح، ويحمله على تلك اللغة التي اعتادها) (٦).

стр. 423

وقد حاول بعض المفسرين منهم: أبو السعود (١)، والآلوسي معرفة سر الإتيان بكل لفظة من اللفظتين في المقام الذي يناسبها، فقال الآلوسي: (﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾ هي القرية المذكورة فيما سبق، ولعل التعبير عنها بالمدينة هنا لإظهار نوع اعتداد بها باعتداد ما فيها من اليتيمين وما هو من أهلها وهو أبوهما الصالح، ولما كان سوق الكلام السابق على غير هذا المساق عبر بالقرية فيه) (٢).

стр. 424

سورة مريم ١٤٢ - المدة التي جعلها الله تعالى آية لزكريا ﵇ لا يكلم الناس فيها هي ثلاثة أيام ولياليهن (١). قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾ مريم: ١٠. و قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ آل عمران: ٤١. قال الشوكاني ﵀: (وقد دل بذكر الليالي هنا والأيام في آل عمران أن المراد ثلاثة أيام ولياليهن) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ أن المدة التي جعلها الله تعالى آية لزكريا ﵇ لا يكلم الناس فيها هي ثلاثة أيام ولياليهن. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر في سورة آل عمران أن زكريا ﵇ لما رأى خرق العادة في حق مريم طمع فيه في حق نفسه، فبشره الله بالولد، فطلب من ربه أن يجعل له آية دالة على ذلك، فقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ فذكر الله أنها ثلاثة أيام لا يكلم الناس فيها إلا رمزا،، ثم ذكر هذه المدة في سورة مريم بقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾؛ فدل بدلالة التركيب على أن المدة التي أمر الله زكريا ﵇ ألا يكلم الناس فيها هي ثلاثة أيام ولياليهن؛ لأن الليالي الثلاث قد تكون من يومين (٤).

стр. 425

قال الرازي-في سورة آل عمران-: (ذكره ههنا ثلاثة أيام وذكر في سورة مريم ثلاثة ليالي؛ فدل مجموع الآيتين على أن تلك الآية كانت حاصلة في الأيام الثلاثة مع لياليها) (١). وقال - مؤكدا هذا في سورة مريم-: (قال في آل عمران: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾، وقال ههنا: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾، وجوابه: دلت الآيتان على أن المراد ثلاثة أيام بلياليهن) (٢). وقال الشنقيطي: (وقد قال تعالى هنا: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ﴾، ولم يذكر معها أيامها، ولكنه ذكر الأيام في آل عمران في قوله: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾؛ فدلت الآيتان على أنها ثلاث ليالي بأيامهن) (٣). وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والرازي-كما تقدم-، والبيضاوي، وأبو حيان، والقنوجي، ومحمد أبو زهرة، والشنقيطي. (٤). ١٤٣ - احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء (٥). قال تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ مريم: ٢٦. قال الشوكاني ﵀: (﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي﴾ أي: من ذلك الرطب وذلك الماء، أو من الرطب وعصيره. وقدم الأكل مع أن ذكر النهر مقدم على الرطب؛ لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء) (٦).
следующие страницы →