← Тафсир

Тафсир · id 750

استنباطات الشوكاني في تفسيره فتح القدير

خلود شاكر فهيد العبدلي

Полный текст (565 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ووجه الاستنباط: أن موسى ﵇ عندما أراد أن يتعلم من العبد الصالح سأله ملاطفة، ومبالغة في حسن الأدب؛ فاستأذنه أن يكون تابعا له على أن يعلمه مما علمه الله من العلم، فجعل نفسه تبعاً له فقال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ مع أن موسى ﵇ أفضل منه؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب. والمتابعة هي الإتيان بمثل فعل الغير لأجل كونه فعلا لذلك الغير. قال الرازي: (المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لأجل كونه فعلا لذلك الغير، قوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ يدل على أنه يأتي بمثل أفعال ذلك الأستاذ لمجرد كون ذلك الأستاذ آتيا بها، وهذا يدل على أن المتعلم يجب عليه في أول الأمر التسليم، وترك المنازعة والاعتراض) (١). والمتابعة نوع من الأدب والتواضع الواجب على المتعلم، وقد راعى موسى ﵇ في سوق الكلام غاية التواضع معه، فأثبت كونه تبعا للعبد الصالح، واستأذنه في إثبات هذا التبعية، ثم طلب أن يعلمه، وهذا منه ابتداء بالخدمة، ثم في المرتبة الثانية طلب منه التعليم، وهذا مبالغة عظيمة في التواضع (٢). فحق العالم على المتعلم أن يتبعه، وأن يقتدي به. قال ابن عاشور: (وفيه أيضا إشارة إلى أن حق المعلم على المتعلم اتباعه، والاقتداء به) (٣). وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، والقرطبي، والقنوجي، وابن عاشور-كما تقدم-، والهرري. (٤). ١٤١ - جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة (٥). قال تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧)﴾ الكهف: ٧٧. و قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ … لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾ الكهف: ٨٢.

стр. 422

قال الشوكاني ﵀: (﴿فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ هي القرية المذكورة سابقا، وفيه جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة) (١). الدراسة: استنبط الشوكاني (٢) ﵀ جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى سمى أولا الموضع الذي فيه الجدار بالقرية فقال: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾، ثم سمى الموضع بالمدينة بقوله: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾؛ فدل بدلالة التركيب بين الآيتين على جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة، بل دلت دلالة التركيب على جواز تسمية إحداهما بالأخرى. قال ابن عادل الحنبلي: (واعلم أنه سمَّى القرية في قوله: ﴿أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾، وسمَّى القرية هنا مدينة بقوله: ﴿يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾؛ فدل على جواز تسمية إحداهما بالأخرى) (٣). وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وابن كثير، وابن عادل الحنبلي-كما تقدم-، والقنوجي، والقاسمي، والهرري. (٤). وفي هذا الاستنباط تنبيه إلى أن للقرآن مصطلحات خاصة، فلا يجوز حمله على المصطلحات الحادثة. قال ابن تيمية: (والقرآن نزل بلغة العرب فلا يجوز حمله على اصطلاح حادث ليس من لغتهم) (٥). وعدَّ -في موضع آخر- هذا الفعل من أعظم أسباب الغلط في فهم كلام الله ورسوله، فقال: (ومن أعظم أسباب الغلط في فهم كلام الله ورسوله أن ينشأ الرجل على اصطلاح حادث، فيريد أن يفسِّر كلام الله بذلك الاصطلاح، ويحمله على تلك اللغة التي اعتادها) (٦).

стр. 423

وقد حاول بعض المفسرين منهم: أبو السعود (١)، والآلوسي معرفة سر الإتيان بكل لفظة من اللفظتين في المقام الذي يناسبها، فقال الآلوسي: (﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾ هي القرية المذكورة فيما سبق، ولعل التعبير عنها بالمدينة هنا لإظهار نوع اعتداد بها باعتداد ما فيها من اليتيمين وما هو من أهلها وهو أبوهما الصالح، ولما كان سوق الكلام السابق على غير هذا المساق عبر بالقرية فيه) (٢).

стр. 424

سورة مريم ١٤٢ - المدة التي جعلها الله تعالى آية لزكريا ﵇ لا يكلم الناس فيها هي ثلاثة أيام ولياليهن (١). قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾ مريم: ١٠. و قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ آل عمران: ٤١. قال الشوكاني ﵀: (وقد دل بذكر الليالي هنا والأيام في آل عمران أن المراد ثلاثة أيام ولياليهن) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ أن المدة التي جعلها الله تعالى آية لزكريا ﵇ لا يكلم الناس فيها هي ثلاثة أيام ولياليهن. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر في سورة آل عمران أن زكريا ﵇ لما رأى خرق العادة في حق مريم طمع فيه في حق نفسه، فبشره الله بالولد، فطلب من ربه أن يجعل له آية دالة على ذلك، فقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ فذكر الله أنها ثلاثة أيام لا يكلم الناس فيها إلا رمزا،، ثم ذكر هذه المدة في سورة مريم بقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾؛ فدل بدلالة التركيب على أن المدة التي أمر الله زكريا ﵇ ألا يكلم الناس فيها هي ثلاثة أيام ولياليهن؛ لأن الليالي الثلاث قد تكون من يومين (٤).

стр. 425

قال الرازي-في سورة آل عمران-: (ذكره ههنا ثلاثة أيام وذكر في سورة مريم ثلاثة ليالي؛ فدل مجموع الآيتين على أن تلك الآية كانت حاصلة في الأيام الثلاثة مع لياليها) (١). وقال - مؤكدا هذا في سورة مريم-: (قال في آل عمران: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾، وقال ههنا: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾، وجوابه: دلت الآيتان على أن المراد ثلاثة أيام بلياليهن) (٢). وقال الشنقيطي: (وقد قال تعالى هنا: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ﴾، ولم يذكر معها أيامها، ولكنه ذكر الأيام في آل عمران في قوله: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾؛ فدلت الآيتان على أنها ثلاث ليالي بأيامهن) (٣). وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والرازي-كما تقدم-، والبيضاوي، وأبو حيان، والقنوجي، ومحمد أبو زهرة، والشنقيطي. (٤). ١٤٣ - احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء (٥). قال تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ مريم: ٢٦. قال الشوكاني ﵀: (﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي﴾ أي: من ذلك الرطب وذلك الماء، أو من الرطب وعصيره. وقدم الأكل مع أن ذكر النهر مقدم على الرطب؛ لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء) (٦).

стр. 426

الدراسة: استنبط الشوكاني (١) ﵀ أن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر مريم بالأكل من الرطب قبل الشرب، فقال: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي﴾؛ فدل بدلالة التقديم على أن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء. قال الرازي: (ونقول قدم الأكل على الشرب؛ لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء لكثرة ما سال منها من الدماء) (٢). وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، وابن عادل الحنبلي، والقنوجي. (٣). ويشهد لهذا الاستنباط أن الله تعالى ذكر الماء أولا بقوله: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤)﴾ [مريم: ٢٤]، ثم ذكر الرطب بقوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾ [مريم: ٢٥]، ثم أمر بالأكل أولا ثم الشرب، مع أن ذكر الماء مقدم، فلابد أن يكون لتقديم الأكل من فائدة (٤). وأما تقديم الماء فلأنه أصل في النفع، ونفعه عام للتنظيف ونحوه، وقد كان جاريا، وهو أظهر في إزالة الحزن (٥). ولا شك أن الرطب نافع للنفساء. قال القصاب - عند قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾ [مريم: ٢٥]-: (دليل على أن الرطب للنفساء نافع) (٦). وقال السيوطي: (وفيه أصل لما يقوله الأطباء: إن الرطب ينفع النفساء) (٧). بل هو أنفع ما يكون لها، قال الشنقيطي: وقد أخذ بعض العلماء من هذه الآية أن خير ما تطعمه النفساء الرطب، قالوا: لو كان شيء أحسن للنفساء من الرطب لأطعمه الله مريم وقت نفاسها بعيسى (٨). ويمكن حمل هذا على أنه الأنفع وقت ولادتها خصوصا؛ فإنه إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب (٩). وهي بحاجة إليه في كل وقت لأنه يعد غذاء كاملا؛ لاحتوائه على جميع العناصر الغذائية الأساسية بنسب متوازنة، ولذلك أرشد الله مريم إلى أكله، ومعلوم أن المرأة بعد الولادة تحتاج غذاء غنيا لتعويضها عما تفقده من دم أثناء الولادة وفي فترة النفاس، ولتوفير كمية كافية من اللبن من أجل إرضاع وليدها (١٠).

стр. 427

١٤٤ - الفاحشة من ذرية الصالحين مما لا ينبغي أن تكون (١). قال تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾ مريم: ٢٨. قال الشوكاني ﵀: (﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾ هذا فيه تقرير لما تقدم من التعيير والتوبيخ، وتنبيه على أن الفاحشة من ذرية الصالحين مما لا ينبغي أن تكون) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ أن الفاحشة من ذرية الصالحين مما لا ينبغي أن تكون. ووجه الاستنباط: أن قوم مريم لما أتتهم تحمل عيسى ﵇ أنكروا عليها ذلك، وعدوه أمرا فريا، ثم وصفوا أبويها بالصلاح، فنفوا عن والدها أن يكون امرأ سوء، ونفوا عن أمها أن تكون بغيا، وذلك لما استقر في نفوسهم من أن الفاحشة مما يبعد عن ذرية الصالحين؛ فدل ذلك على أن الفاحشة من ذرية الصالحين مما لا ينبغي أن تكون؛ لأن ذرية الصالحين لا يظن بها غالبا إلا أن تكون على نهج والديهم. قال أبو حيان: (وفي هذا دليل على أن الفروع غالبا تكون زاكية إذا زكت الأصول، ويُنكر عليها إذا جاءت بضد ذلك) (٤). وقال ابن عادل: (ووُصف أبواها بالصَّلاح، وحينئذ يصيرُ التوبيخُ أشدّ؛ لأنَّ من كان حال أبويه وأخيه هذا الحال يكونُ صدور الذَّنْبِ منه أفحش) (٥). وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي، والبيضاوي، وأبو حيان، وابن عادل- كما تقدم-، وأبو السعود، والقنوجي، والهرري. (٦). وفي هذا الاستنباط تحذير لكل من رزق والدينِ صالحينِ من أن يخالف نهجهما؛ فإنه لا عذر له في ذلك وقد هيأ الله له من أسباب الصلاح أقواها.

стр. 428

١٤٥ - النبوة هي من باب الرحمة (١). قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾ مريم: ٤٩ - ٥٠. قال الشوكاني ﵀: (﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ بأن جعلناهم أنبياء. وذكر هذا بعد التصريح بجعلهم أنبياء؛ لبيان أن النبوة هي من باب الرحمة. وقيل: المراد بالرحمة هنا المال، وقيل: الأولاد، وقيل: الكتاب (٢). ولا يبعد أن يندرج تحتها جميع هذه الأمور) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني (٤) ﵀ أن النبوة هي من باب الرحمة. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أنه وهب لإبراهيم ﵇ إسحاق ﵇، ويعقوب ﵇، وجعلهم أنبياء، ثم ذكر بعد جعلهم أنبياء أنه وهب لهم من رحمته؛ فدل بدلالة الربط بين الآيتين على أن النبوة هي من باب الرحمة. قال أبو السعود: (﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ هي النبوة. وذكرها بعد ذكر جعلهم أنبياء للإيذان بأنها من باب الرحمة. وقيل: هي المال والأولاد ما بسط لهم من سعة الرزق. وقيل: هو الكتاب. والأظهر أنها عامة لكل خير ديني ودنيوي أوتوه مما لم يؤته أحد من العالمين) (٥).

стр. 429

وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والآلوسي، والقنوجي. (١). ومما يؤيد هذا الاستنباط أن القرآن سمى النبوة رحمة. قال الشنقيطي: اعلم أولا أن الرحمة تكرر إطلاقها على النبوة في القرآن، وكذلك العلم المؤتى من الله تكرر إطلاقه فيه على علم الوحي، فمن إطلاق الرحمة على النبوة قوله تعالى- في الزخرف-: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزخرف: ٣١ - ٣٢]، وقوله تعالى -في سورة الدخان-: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦)﴾ [الدخان: ٤ - ٦]، وقوله تعالى -في آخر القصص-: ﴿وَمَا كُنْتَ … تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ [القصص: ٨٦] (٢).

стр. 430

سورة طه ١٤٦ - مناسبة مناداة هارون ﵇ موسى ﵇ بنسبته إلى أمهما مع كونه أخاه لأبيه وأمه استعطافا له، وترقيقا لقلبه (١). قال تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾ [طه: ٩٤]. قال الشوكاني: (ونسبه إلى الأم مع كونه أخاه لأبيه وأمه عند الجمهور استعطافا له، وترقيقا لقلبه) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ أن مناسبة مناداة هارون ﵇ موسى ﵇ بنسبته إلى أمهما مع كونه أخاه لأبيه وأمه استعطافا له، وترقيقا لقلبه. (٣). ووجه الاستنباط: أن هارون ﵇ نادى موسى ﵇ بابن أم، وخص الأم بذلك، مع كونه أخاه من أبيه وأمه لأن ذكر الأم ها هنا أرق وأبلغ في الحنو والعطف؛ فدلت مناسبة اللفظ على أن مناداته له بها كانت استعطافا له، وترقيقا لقلبه. وزاد بعض المفسرين -كأبي السعود- في المناسبة أن الآية دالة على عظم حق الأم بدلالة تخصيصها بالذكر، فقال أبو السعود: (﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ﴾ خص الأم بالإضافة استعظاما لحقها، ترقيقا لقلبه، لا لما قيل من أنه كان أخاه لأم، فإن الجمهور على أنهما كانا شقيقين) (٤). وممن قال باستنباط الشوكاني (٥): البيضاوي، والنسفي، وابن كثير، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي. (٦). وهو استنباط صحيح لأوجه تقدم بيانها عند قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)﴾ [الأعراف: ١٥٠].

стр. 431

سورة الأنبياء ١٤٧ - إرشاد العباد أن ينزهوا الرب سبحانه عما لا يليق به (١). قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ … عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ الأنبياء: ٢٢. قال الشوكاني ﵀: (﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ … عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان أي: تنزه عما لا يليق به من ثبوت الشريك له. وفيه إرشاد للعباد أن ينزهوا الرب سبحانه عما لا يليق به) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ أن في الآية إرشاد العباد أن ينزهوا الرب سبحانه عما لا يليق به. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى نزه نفسه بعد أن نفى أن يكون له شريك؛ فدل ذلك إما بدلالة الاقتداء بأفعال الله، أو بمناسبة تسبيح الله لنفسه بعد ثبوت الوحدانية بالبرهان على إرشاد العباد أن ينزهوا الرب سبحانه عما لا يليق به. وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري. (٤). ١٤٨ - جواز إطلاق الجمع على الاثنين (٥). قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)﴾ الأنبياء: ٧٨. قال الشوكاني ﵀: (﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي: لحكم الحاكمين. وفيه جواز إطلاق الجمع على الاثنين) (٦). الدراسة: استنبط الشوكاني (٧) ﵀ جواز إطلاق الجمع على الاثنين. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى بعد أن ذكر حكم داود ﵇، وسليمان ﵇ في قصة الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم- قال: ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾ فجمع مع أنهما حَكَمَان اثنان هما داود ﵇، وسليمان ﵇؛ فدل ذلك على جواز إطلاق الجمع على الاثنين.

стр. 432

وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي (١). وهو مذهب مالك (٢). وهذا الاستنباط تؤيده قراءة ابن عباس ﵃: ﴿لحكمهما﴾ بالتثنية (٣). كما أن هذا الاستنباط يصح على أن المراد بقوله: ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾ داود ﵇، وسليمان ﵇. وقيل: إن المراد بقوله: ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾ الحاكمان والمحكوم عليه (٤). وقيل: إن الجمع للتعظيم (٥). فعلى هذين القولين لا يصح هذا الاستنباط. ومثل هذا الاستنباط اُستنبط من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١)﴾ [القمر: ٤١]، فقيل: إن الآية دالة على أن أقل الجمع اثنان. ووجهه: أن المقصود بالنذر في الآية موسى وهارون. (٦). ومما يدل على أهمية هذا الاستنباط ما ينبني عليه من مسائل فقهية منها ما ذكر في المواريث من أن الإخوة يدخل تحته الأخوان، فلمالك: أن الإخوة اثنان فصاعدا، ومذهبه أن أقل الجمع اثنان، فعلى هذا يحجب الأخوان الأم من الثلث إلى السدس سواء كانا شقيقين، أو لأب، أو لأم (٧).

стр. 433

سورة الحج ١٤٩ - مناسبة فاتحة سورة الحج لخواتيم سورة الأنبياء (١). قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا … يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧) إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ الأنبياء: ٩٦ - ٩٨. إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾ الأنبياء: ١١٢ ثم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ الحج: ١. قال الشوكاني ﵀: (لما انجر الكلام في خاتمة السورة المتقدمة إلى ذكر الإعادة وما قبلها وما بعدها؛ بدأ سبحانه في هذه السورة بذكر القيامة، وأهوالها؛ حثا على التقوى التي هي أنفع زاد فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ أن الله لما ذكر في آخر سورة الأنبياء الإعادة وما قبلها وما بعدها ناسب أن يفتتح سورة الحج -التي بعدها- بذكر القيامة حثا على التقوى. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ختم سورة الأنبياء بذكر الإعادة وما قبلها وما بعدها؛ ثم افتتح سورة الحج -التي بعدها- بذكر القيامة؛ فدل بدلالة الربط بين أواخر سورة ما وفاتحة السورة التالية لها على أن المناسبة ذكر القيامة بعد الإعادة لما بينهما من اعتلاق، والحث على التقوى إذ هي المقصودة بالترهيب في السورتين. ويؤكده كون مقصود سورة الحج التقوى (٣). قال البقاعي: (لما ختمت التي قبلها بالترهيب من الفزع الأكبر، وطيّ السماء، وإتيان ما يوعدون، والدينونة بما يستحقون، وكان أعظم ذلك يوم الدين، افتتحت هذه بالأمر بالتقوى المنجية من هول ذلك اليوم) (٤).

стр. 434

وممن قال بهذا الاستنباط: أبو حيان، والبقاعي-كما تقدم-، والقنوجي. (١). ١٥٠ - القربان لا يكون إلا من الأنعام دون غيرها (٢). قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤)﴾ الحج: ٣٤. قال الشوكاني ﵀: (﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ أي: على ذبح ما رزقهم منها. وفيه إشارة إلى أن القربان لا يكون إلا من الأنعام دون غيرها) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ أن القربان لا يكون إلا من الأنعام دون غيرها. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أنه شرع لكل أمة من الأمم السالفة من عهد إبراهيم ﵇ إلى من بعده ضربا من القربان، وجعل العلة في ذلك أن يذكروا اسم الله تقدست أسماؤه على المناسك، ثم قيده سبحانه بقوله: ﴿مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾؛ فدل بدلالة مفهوم المخالفة-القيد- على أن القربان لا يكون إلا من الأنعام دون غيرها. قال الآلوسي: (وفيه تنبيه على أن القربان يجب أن يكون من الأنعام، فلا يجوز الخيل ونحوها) (٤). وممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي-كما تقدم-، والقنوجي، والقاسمي. (٥). ١٥١ - مشروعية الجمع بين التسمية والتكبير عند الذبح (٦). قال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾ الحج: ٣٦ - ٣٧.

стр. 435

قال الشوكاني ﵀: (ومعنى ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ هو قول الناحر الله أكبر عند النحر، فذكر في الآية الأولى الأمر بذكر اسم الله عليها، وذكر هنا التكبير؛ للدلالة على مشروعية الجمع بين التسمية والتكبير. وقيل: المراد بالتكبير وصفه سبحانه بما يدل على الكبرياء) (١). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ مشروعية الجمع بين التسمية والتكبير عند الذبح. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر بذكر اسمه عند الذبح فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾، ثم ذكر التكبير بقوله : ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾؛ فدل بدلالة التركيب على مشروعية الجمع بين التسمية والتكبير عند الذبح. قال السيوطي: (فيه أنه يستحب أن يضم إلى التسمية التكبير عند الذبح) (٢). وقال ابن العربي: (ذكر سبحانه ذكر اسمه عليها في الآية قبلها فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾، وذكر هاهنا التكبير، فكان ابن عمر ﵃ يجمع بينهما إذا نحر هديه فيقول: بسم الله، والله أكبر. وهذا من فقهه ﵁. وقد قال قوم: التسمية عند الذبح، والتكبير عند الإحلال بدلا من التلبية عند الإحرام. وفعل ابن عمر أفقه والله أعلم) (٣). وممن قال بهذا الاستنباط: ابن العربي-كما تقدم-، والقرطبي، والسيوطي، والقنوجي (٤). وهو استنباط صحيح؛ لأن التكبير عام يشمل التكبير مطلقا، والتكبير عند الذبح. قال الرازي: (لتكبروا الله وهو التعظيم بما نفعله عند النحر، وقبله، وبعده على ما هدانا) (٥). وهذا المعنى المستنبط دلت عليه السنة صراحة في فعل النبي ﷺ ، ففي حديث أنس ﵁ قال: "ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما" (٦).

стр. 436

كما دل عليه فعل ابن عمر ﵃ وهو من أشد الصحابة تأسيا برسول الله ﷺ ، لكن المقصود هنا استنباط هذا الحكم من القرآن.

стр. 437

سورة المؤمنون ١٥٢ - تحريم نكاح المتعة (١). قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ المؤمنون: ٥ - ٧. قال الشوكاني ﵀: (وقد دلت هذه الآية على تحريم نكاح المتعة. واستدل بها بعض أهل العلم على تحريم الاستمناء (٢)؛ لأنه من الوراء لما ذكر. وقد جمعنا في ذلك رسالة سميناها بلوغ المنى في حكم الاستمنا، وذكرنا فيها أدلة المنع، والجواز، وترجيح

стр. 438

الراجح منهما (١) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ تحريم نكاح المتعة. ووجه الاستنباط: أن الآية ذكرت من صفات المؤمنين حفظ الفرج، ثم استثنت الزوجات وملك اليمين-الإماء-؛ فدل مفهوم المخالفة- مفهوم الحصر- على تحريم نكاح المتعة. كما دلت الآية على أن المباح الزوجة والأمة، أما المستمتع بها فليست بزوجة؛ إذ الزوجة هي التي يعقد عليها عقدا مؤبدا أما هذه فلأجل مسمى. قال إلكيا: (يقتضي تحريم المتعة؛ إذ ليست بزوجة ولا ملك يمين) (٣). ودل مفهوم المخالفة لقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ على أن عدم الحفظ على من سواهن يوجب اللوم الشرعي ليحذره المؤمنون. قاله ابن عاشور (٤). وممن قال بهذا الاستنباط: إلكيا-كما تقدم-، والرازي، والقرطبي، والسيوطي، والقنوجي، والسعدي، والشنقيطي، ومحمد أبو زهرة. (٥). وخالف الزمخشري، وابن العربي، وأبو حيان (٦) في عد الآية دليلا على تحريم المتعة؛ لأن المنكوحة نكاح المتعة من جملة الأزواج إذا صح النكاح كما قالوا.

стр. 439

قال ابن العربي: (قال قوم: هذه الآية دليل على تحريم نكاح المتعة؛ لأن الله قد حرم الفرج إلا بالنكاح أو بملك اليمين، والمتمتعة ليست بزوجة. وهذا يضعف؛ فإنا لو قلنا إن نكاح المتعة جائز فهي زوجة إلى أجل ينطلق عليها اسم الزوجة، وإن قلنا بالحق الذي أجمعت عليها الأمة من تحريم نكاح المتعة لما كانت زوجة، فلم تدخل في الآية، وبقيت على أصل حفظ الفرج وتحريمه من سببها). والقول الأول أظهر والله أعلم؛ لأنه قول الجمهور، ولأن نكاح المتعة مما وراء ذلك، فليس بزواج ولا بملك يمين. قال الطوفي: (يحتج به الجمهور على تحريم المتعة؛ لأن ذات المتعة لا ملك يمين بإجماع، ولا هي زوجة لعدم التوارث بينهما؛ فتكون داخلة في حد العدوان) (١). وقال الشنقيطي: المرأة المستمتع بها في نكاح المتعة ليست زوجة ولا مملوكة، أما كونها غير مملوكة فواضح، وأما الدليل على كونها غير زوجة فهو انتفاء لوازم الزوجية عنها، كالميراث، والعدة، والطلاق، والنفقة ونحو ذلك، فلو كانت زوجة لورثت، واعتدت، ووقع عليها الطلاق، ووجبت لها النفقة، فلما انتفت عنها لوازم الزوجية علمنا أنها ليست بزوجة؛ لأن نفي اللازم يقتضي نفي الملزوم بإجماع العقلاء (٢). وقال محمد أبو زهرة: (ولا شك أن نكاح المتعة مما وراء ذلك؛ لأنها ليست زواجا ولا ملك يمين، وبها احتجت عائشة على ابن عباس، وأخطأ الزمخشري ومن تبعه إذ عدها زواجا وما هي بزواج، وما سماها أحد من السلف زواجا) (٣). ١٥٣ - تعدى فعل الإرسال بفي للدلالة على أن هذا الرسول المرسل إليهم (٤) نشأ فيهم بين أظهرهم يعرفون مكانه ومولده ليكون سكونهم إلى قوله أكثر من سكونهم إلى من يأتيهم من غير مكانهم (٥).

стр. 440

قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢)﴾ المؤمنون: ٣٢. قال الشوكاني ﵀: (﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا﴾ عدي فعل الإرسال بفي مع أنه يتعدى بإلى للدلالة على أن هذا الرسول المرسل إليهم نشأ فيهم بين أظهرهم، يعرفون مكانه ومولده، ليكون سكونهم إلى قوله أكثر من سكونهم إلى من يأتيهم من غير مكانهم. وقيل: وجه التعدية للفعل المذكور بفي أنه ضُمِّن معنى القول: أي قلنا لهم على لسان الرسول) (١). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ أن فعل الإرسال تعدى بفي مع أنه يتعدى بإلى للدلالة على أن هذا الرسول المرسل إليهم نشأ فيهم بين أظهرهم يعرفون مكانه ومولده، ليكون سكونهم إلى قوله أكثر من سكونهم إلى من يأتيهم من غير مكانهم. ووجه الاستنباط: أن فعل الإرسال تعدى بفي وحقه أن يتعدى بإلى؛ فدل بتأمل معاني حرف الجر (في) على أن هذا الرسول المرسل إليهم نشأ فيهم بين أظهرهم يعرفون مكانه ومولده، ليكون سكونهم إلى قوله أكثر من سكونهم إلى من يأتيهم من غير مكانهم. قال الآلوسي: (وجعل القرن ظرفا للإرسال كما في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ﴾ [الرعد: من الآية ٣٠] (٢) لا غاية له كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: من الآية ٥٩] (٣)؛ للإيذان من أول الأمر أن من أرسل إليهم لم يأتيهم من غير مكانهم، بل إنما نشأ فيما أظهرهم) (٤).

стр. 441

وممن قال بهذا الاستنباط: الآلوسي-كما تقدم-، والقنوجي. (١). أما القول بأنه ضُمِّن معنى القول فتعقبه القنوجي بقوله: (وقيل: وجه التعدية بفي أنه ضُمِّن معنى القول، والأول أولى؛ لأن تضمين أرسلنا معنى قلنا لايستلزم تعديته بفي) (٢). ١٥٤ - الأقل من كفار قريش كانوا لا يكرهون الحق ولكنهم لم يظهروا الإيمان خوفا من الكارهين له (٣). قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ … (٧٠)﴾ المؤمنون: ٧٠. قال الشوكاني ﵀: (﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ … (٧٠)﴾ لما جبلوا عليه من التعصب والانحراف عن الصواب والبعد عن الحق، فلذلك كرهوا هذا الحق الواضح الظاهر. وظاهر النظم أن أقلهم كانوا لا يكرهون الحق، ولكنهم لم يظهروا الإيمان خوفا من الكارهين له) (٤). الدراسة: استنبط الشوكاني (٥) ﵀ الأقل من كفار قريش كانوا لا يكرهون الحق ولكنهم لم يظهروا الإيمان خوفا من الكارهين له (٦). ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما ذكر موقف كفار قريش من الحق ذكر تعالى أن أكثر الكفار هم الكارهون للحق؛ فدل بدلالة مفهوم المخالفة -بالتقييد بالأكثر- على أن الأقل من كفار قريش كانوا لا يكرهون الحق ولكنهم لم يظهروا الإيمان خوفا من الكارهين له. قال أبو حيان: (يدل على أن فيهم من لا يكره الحق، وذلك من يترك الإيمان أنفة واستكبارا من توبيخ قومه أن يقولوا صبأ، وترك دين آبائه) (٧). وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، وأبو حيان-كما تقدم-، وابن عادل الحنبلي، والآلوسي، والقنوجي. (٨).

стр. 442

وخالف القرطبي إذ فسر: أكثرهم بمعنى كلهم (١). على سبيل المجاز كما يراد بالقلة العدم (٢). وأجازه ابن المنير كذلك (٣)، قال الآلوسي -متعقبا هذا القول-: (وقال ابن المنير يحتمل أن يحمل الأكثر على الكل كما حمل القليل على النفي. وفيه بعد) (٤). والأظهر-والله تعالى أعلم- إبقاء الأكثر على ظاهره إذ الحقيقة أولى من المجاز. قال أبو حيان: (إبقاء الأكثر على ظاهره أولى) (٥). وفي هذا الاستنباط بيان لإنصاف القرآن في الأحكام. قال ابن عاشور: (وإنما أسندت كراهية الحق إلى أكثرهم دون جميعهم إنصافا لمن كان منهم من أهل الأحلام الراجحة الذين علموا بطلان الشرك وكانوا يجنحون إلى الحق، ولكنهم يشايعون طغاة قومهم مصانعة لهم، واستبقاء على حرمة أنفسهم بعلمهم أنهم إن صدعوا بالحق لقوا من طغاتهم الأذى والانتقاص، وكان من هؤلاء أبو طالب، والعباس، والوليد بن المغيرة. فكان المعنى: بل جاءهم بالحق فكفروا به كلهم، فأما أكثرهم فكراهية للحق، وأما قليل منهم مصانعة لسائرهم وقد شمل الكفر جميعهم) (٦). وقال الهرري: (وقد جرت سنة القرآن أن يدقق في الحكم، ولا يقول إلا الحق، ولا يقول كما يقول الناس: إن القليل لا حكم له) (٧). ١٥٥ - نفي الشريك عن الله يدل على نفي الولد لأن الولد ينازع أباه في ملكه (٨). قال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)﴾ المؤمنون: ٩١. قال الشوكاني ﵀: (ثم بين سبحانه ما يستلزمه ما يدعيه الكفار من إثبات الشريك فقال: ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ … إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾. وفي الكلام حذف تقديره: لو كان مع الله آلهة لانفرد كل إله بخلقه، واستبد به، وامتاز ملكه عن ملك الآخر، ووقع بينهم التطالب والتحارب والتغالب. ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: غلب القوي على الضعيف، وقهره، وأخذ ملكه كعادة الملوك من بني آدم، وحينئذ فذلك الضعيف المغلوب لا يستحق أن يكون إلها. وإذا تقرر عدم إمكان المشاركة في ذلك، وأنه لا يقوم به إلا واحد؛ تعين أن يكون هذا الواحد هو الله سبحانه، وهذا الدليل كما دل على نفي الشريك؛ فإنه يدل على نفي الولد لأن الولد ينازع أباه في ملكه) (٩).

стр. 443

الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ من الآية أن نفي الشريك عن الله يدل على نفي الولد؛ لأن الولد ينازع أباه في ملكه. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى نفى عن نفسه سبحانه الشريك؛ إذ لو كان معه-سبحانه-آلهة لانفرد كل إله بخلقه، واستبد به، ووقع بينهم التحارب، ولغلب القوي على الضعيف، وأخذ ملكه كعادة الملوك من بني آدم؛ لأن الشريك ينازع في الملك؛ فدل نفي الشريك المنازع في الملك بدلالة الالتزام على نفي الولد؛ لأن الولد ينازع أباه في ملكه. ولذا لم يستدل على انتفاء اتخاذ الولد كما استدل على انتفاء الشريك. قال الآلوسي: (ولم يستدل على انتفاء اتخاذ الولد إما لغاية ظهور فساده، أو للاكتفاء بالدليل الذي أقيم على انتفاء أن يكون معه سبحانه إله بناء على ما قيل أن ابن الإله يلزم أن يكون إلها إذ الولد يكون من جنس الوالد وجوهره) (١). وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي. (٢). وأشار إليه الآلوسي (٣). والمعنى المستنبط وإن كان صدر الآية دال عليه إلا أن المقصود هنا استنباطه من نفي الشريك. ١٥٦ - مناسبة ختم سورة المؤمنون بالأمر بطلب مغفرة الله ورحمته (٤). قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾ المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠. إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾ المؤمنون: ١١٧، ١١٨. قال الشوكاني ﵀: (ثم ختم هذه السورة بتعليم رسوله ﷺ أن يدعوه بالمغفرة والرحمة، فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾ أمره سبحانه بالاستغفار لتقتدي به أمته. وقيل: أمره بالاستغفار لأمته. وقد تقدم بيان كونه أرحم الراحمين. ووجه اتصال هذا بما قبله أنه سبحانه لما شرح أحوال الكفار أمر بالانقطاع إليه، والالتجاء إلى غفرانه ورحمته) (٥).

стр. 444

الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ أن مناسبة ختم سورة المؤمنون بالأمر بطلب مغفرة الله ورحمته أنه سبحانه لما شرح أحوال الكفار أمر بالانقطاع إليه، والالتجاء إلى غفرانه ورحمته؛ لأنهما العاصمان عن كل الآفات والمخافات. ووجه الاستنباط: أن الله شرح أحوال الكفار ثم أمر بطلب مغفرته ورحمته؛ فدل بدلالة الربط بين الآيات على أن مناسبة هذا الأمر حاجة العبد إلى الانقطاع إلى الله، والالتجاء إلى غفرانه ورحمته العاصمين عن كل الآفات والمخافات. قال الرازي: (فإن قيل: كيف تتصل هذه الخاتمة بما قبلها؛ قلنا: لأنه سبحانه لما شرح أحوال الكفار في جهلهم في الدنيا وعذابهم في الآخرة؛ أمر بالانقطاع إلى الله تعالى، والالتجاء إلى دلائل غفرانه ورحمته؛ فإنهما هما العاصمان عن كل الآفات والمخافات) (١). وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، والقنوجي. (٢). وفي الأمر بطلب الرحمة والمغفرة إشارة إلى أنه لا ينبغي الاغترار بالأعمال، وإرشاد إلى التشبت برحمة الملك المتعال (٣). فكأن المناسبة ألا يغتر المسلم بعمله حين يسمع عاقبة السوء للكفار وأعمالهم. وفي تخصيص الاستغفار والاسترحام إيذان بأنهما من أهم الأمور الدينية حيث أمر به من قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ﷺ فكيف بمن عداه (٤).

стр. 445

سورة النور ١٥٧ - نهي المؤمنات عن إبداء مواضع الزينة منهن (١). قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ النور: ٣١ قال الشوكاني ﵀: (وفي النهي عن إبداء الزينة نهي عن إبداء مواضعها من أبدانهن بالأولى) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ نهي المؤمنات عن إبداء مواضع الزينة منهن. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى نهى المؤمنات عن أن يبدين زينتهن؛ فدل بمفهوم الموافقة-مفهوم الأولى (٤) - على نهيهن عن إبداء مواضع الزينة.

стр. 446

وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري، وأبو السعود. (١). وأشار إليه القنوجي (٢). وهذا الاستنباط على أن المراد بالزينة غير مواضعها. (٣). أما على القول بأن المراد بالزينة في الآية مواقعها، وأنها من باب إطلاق اسم الحال على المحل؛ فإن حرمة النظر إلى المواقع تكون

стр. 447

بعبارة النص (١)، فلا يكون هذا استنباطا. والأول -والله أعلم- أظهر؛ لأنه لو كان المراد من الزينة موقعها للزم أن يحل للأجانب النظر إلى ما ظهر من مواقع الزينة الظاهرة، وهذا باطل؛ لأن كل بدن عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة، وتحمل الشهادة (٢). وفي هذا الاستنباط حث على التستر والتصون. قال الزمخشري: (وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتصون والتستر؛ لأن هذه الزينة واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء، وهي الذراع، والساق، والعضد، والعنق، والرأس، والصدر، والأذن، فنهى عن إبداء الزينة نفسها ليعلم أن النظر إذا لم يحل إليها لملابستها تلك المواقع بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها لا مقال في حله؛ كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكنا في الحظر، ثابت القدم في الحرمة، شاهد على أن النساء حقهن أن يحتطن في سترها، ويتقين الله في الكشف عنها) (٣). ١٥٨ - المرأة لا تُنكِح نفسها (٤). قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى (٥) مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ النور: ٣٢ قال الشوكاني ﵀: (والخطاب في الآية للأولياء. وقيل: للأزواج، والأول أرجح. وفيه دليل على أن المرأة لا تنكح نفسها. وقد خالف في ذلك أبو حنيفة) (٦). الدراسة: استنبط الشوكاني (٧) ﵀ المرأة لا تُنْكِح نفسها، أي لابد من ولي (٨) لها.

стр. 448

ووجه الاستنباط: أن الله تعالى في نكاح المرأة خاطب غيرها فقال: ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ ولم يخاطبها؛ فدل خطابه للولي على أن المرأة لا تُنْكِح نفسها، بل لابد من ولي لها يُنكِحها. قال القصاب: (حجة واضحة في أن ليس للبكر ولا للثيب أن تتزوج بغير أمر وليها؛ إذ لو كان لها ذلك ما أمر غيرها بإنكاحها) (١). وقال البيضاوي: والخطاب للأولياء والسادة، وفيه إشعار بأن المرأة والعبد لا يستبدان به؛ إذ لو استبدا لما وجب على الولي والمولى (٢). وهو قول الشافعي، ومالك، وأكثر أهل العلم عليه. قال السيوطي: (فاستدل به الشافعي على اعتبار الولي لأن الخطاب له) (٣). و قال ابن جزي: (وفي الآية دليل على عدم استقلال النساء بالإنكاح، واشتراط الولاية فيه، وهو مذهب مالك والشافعي خلافا لأبي حنيفة) (٤). وممن قال بهذا الاستنباط: القصاب-كما تقدم-، وإلكيا، والبغوي، وابن عطية، وابن الفرس، والقرطبي، والبيضاوي-كما تقدم-، وابن جزي، والقنوجي. (٥). وهذا الاستنباط على أن الخطاب للأولياء. وهو الأرجح، قال ابن العربي: (في المراد بالخطاب بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ فقيل: هم الأزواج، وقيل: هم الأولياء من قريب أو سيد. والصحيح أنهم الأولياء؛ لأنه قال: أنكحوا بالهمزة، ولو أراد الأزواج لقال ذلك بغير همزة، وكانت الألف للوصل، وإن كان بالهمزة في الأزواج له وجه، فالظاهر أولى، فلا يعدل إلى غيره إلا بدليل) (٦). وقال ابن الفرس: (والمخاطبون بهذه الآية في إنكاح الأيامى هم الأولياء. وقيل: كل أحد كان وليا أو مأذونا له. والأول أظهر؛ لأن المقصود من الخطاب ترك العضل والمنع، وذلك يقتضي الاختصاص بالأولياء والحاكم، فإن هؤلاء الذين يجب عليهم التزويج دون الأجانب. وعلى القولين ففي الآية دليل على عدم استقلال المرأة بالإنكاح. واستدل بعضهم (٧) على ذلك أيضا بما يعقب قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ في قوله: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ قالوا: فكما لم يصح للعبد والأمة ولاية كذلك الأيامى المعطوف عليهما ذلك القول) (٨).

стр. 449

وممن خالف هذا الاستنباط أبو حنيفة فأجاز للبوالغ من الأبكار والثيبات الزواج بغير ولي. وخالف أيضا الجصاص فقال: (فإن قيل: هذا يدل على أن عقد النكاح إنما يليه الأولياء دون النساء، وأن عقودهن على أنفسهن غير جائزة؛ قيل له: ليس كذلك؛ لأن الآية لم تخص الأولياء بهذا الأمر دون غيرهم، وعمومه يقتضي ترغيب سائر الناس في العقد على الأيامى، ألا ترى أن اسم الأيامى ينتظم الرجال والنساء، وهو في الرجال لم يرد به الأولياء دون غيرهم كذلك في النساء) (١). والأظهر-والله أعلم- ما ذكره الشوكاني؛ ويدل عليه: أولا: حديث: "لا نكاح إلا بولي" (٢). ثانيا: أنه قول الجمهور. قال البغوي: (وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة (٣) ومن بعدهم) (٤). ثالثا: أن الراجح في الخطاب بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ أنه للأولياء كما تقدم.

стр. 450

١٥٩ - المملوك (١) لا يزوج نفسه وإنما يزوجه مالكه (٢). قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ النور: ٣٢ قال الشوكاني ﵀: (وفيه دليل على أن المملوك لا يزوج نفسه وإنما يزوجه مالكه) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني (٢) ﵀ أن المملوك لا يزوج نفسه وإنما يزوجه مالكه. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى في نكاح العبيد ساداتهم فقال: ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ ولم يخاطبهم؛ فدل خطابه للسادة على أن المملوك لا يزوج نفسه وإنما يزوجه مالكه. قال القصاب: (﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ دليل على أن ليس للعبد ولا للأمة أن يتزوجا بغير إذن سيدهما) (٤). وقال البيضاوي: والخطاب للأولياء والسادة، وفيه إشعار بأن المرأة والعبد لا يستبدان به؛ إذ لو استبدا لما وجب على الولي والمولى (٥). وممن قال بهذا الاستنباط: القصاب -كما تقدم-، وابن العربي، والبيضاوي -كما تقدم- والقنوجي. (٦). وأشار إليه القرطبي (٧). ونقل ابن العربي قولا مخالفا لأصحاب الشافعي ثم تعقبه بقوله: أما أن أصحاب الشافعي تعلقوا بأن العبد مكلف فلا يجبر على النكاح؛ لأن التكليف يدل على أن العبد كامل من جهة الآدمية، وإنما يتعلق به المملوكية فيما كان حظا للسيد من ملك الرقبة والمنفعة، فله حق المملوكية في بضع الأمة ليستوفيه ويملكه. فأما بضع العبد فلا حق له فيه؛ ولأجل ذلك لا تباح السيدة لعبدها. ولعلمائنا النكتة العظمى في أن مالكية العبد استغرقتها مالكية السيد، ولذلك لا يتزوج إلا بإذنه إجماعا، والنكاح وبابه إنما هو من المصالح، ومصلحة العبد موكولة إلى السيد هو يراها ويقيمها للعبد، ولذلك زوج الأمة بملكه لرقبتها لا باستيفائه لبضعها. والدليل على صحة ما نقوله من ذلك أنه لا يملك بضع امرأته وإن كان يملكها، ويملك بضع أخته من الرضاع أمة وإن كان لا يستوفيه، والمالكية في رقبة العبد كالمالكية في رقبة الأمة، والمصلحة في كل واحد منهما بيد السيد استيفاؤها وإقامتها (٧).

стр. 451

لكن يجوز للمملوك تزويج نفسه إذا أمره سيده بذلك. قال الرازي: (ظاهر الآية يدل على أن العبد لا يتزوج بنفسه وإنما يجوز أن يتولى المولى تزويجه، لكن ثبت بالدليل أنه إذا أمره بأن يتزوج جاز أن يتولى تزويج نفسه فيكون توليه بإذنه بمنزلة أن يتولى ذلك نفس السيد، فأما الإماء فلا شبهة في أن المولى يتولى تزويجهن خصوصا على قول من لا يجوز النكاح إلى بولي) (١). والمعنى المستنبط يؤيده مذهب مالك، وأكثر العلماء في أن السيد يجبر عبده وأمته على النكاح (٢). ١٦٠ - وجوب الإجابة إلى القاضي العالم بحكم الله، العادل في حكمه (٣). قال تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)﴾ النور: ٥٠ قال الشوكاني ﵀: (وفي هذه الآية دليل على وجوب الإجابة إلى القاضي العالم بحكم الله العادل في حكمه؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء. والحكم من قضاة الإسلام العالمين بحكم الله، العارفين بالكتاب والسنة، العادلين في القضاء هو حكم بحكم الله وحكم رسوله، فالداعي إلى التحاكم إليهم قد دعا إلى الله وإلى رسوله، أي: إلى حكمهما) (٤). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ وجوب الإجابة إلى القاضي العالم بحكم الله، العادل في حكمه. ووجه الاستنباط: أن العلماء ورثة الأنبياء، والحكم من قضاة الإسلام العالمين بحكم الله، العارفين بالكتاب والسنة، العادلين في القضاء هو حكم بحكم الله وحكم رسوله ﷺ ، فالداعي إلى التحاكم إليهم قد دعا إلى الله وإلى رسوله ﷺ ، والله تعالى ذم من دُعي إلى رسوله ليحكم بينه وبين خصمه فأبى بأقبح الذم، فقال: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)﴾ (٥)؛ فدل ذلك على وجوب الإجابة إلى القاضي العالم بحكم الله، العادل في حكمه، وأن من لم يجبه داخل في الذم.

стр. 452

قال السيوطي: (فيها وجوب الحضور على من دعي لحكم الشرع، وتحريم الامتناع، واستحباب أن يقول: سمعنا وأطعنا) (١). وذكر الشوكاني أنه يشترط في ذلك أن لا يكون القاضي مقصرا لا يعلم بأحكام الكتاب والسنة، ولا يعقل حجج الله ومعاني كلامه وكلام رسوله ﷺ ، فمن كان جاهلا جهلا بسيطا وهو من لا علم له بشيء من ذلك، أو جهلا مركبا وهو من لا علم عنده بما ذكر، ولكنه قد عرف بعض اجتهادات المجتهدين، واطلع على شيء من علم الرأي، فهذا في الحقيقة جاهل وإن اعتقد أنه يعلم بشيء من العلم، فاعتقاده باطل، فمن كان من القضاة هكذا فلا تجب الإجابة إليه؛ لأنه ليس ممن يعلم بحكم الله ورسوله ﷺ حتى يحكم به بين المتخاصمين إليه، بل هو من قضاة الطاغوت وحكام الباطل (٢). وممن قال بهذا الاستنباط: إلكيا، والقرطبي، والسيوطي-كما تقدم-، والقنوجي. (٣). وهذا الاستنباط يشكل عليه أن الممتنعين عن قبول حكم الله ورسوله الذين ذمهم الله كان امتناعهم عن كفر ونفاق، فلا يصح القول بأن كل ممتنع يدخل في حكمهم. قال ابن عاشور: (ولا تعلق لهذه الآية بحكم من دعي إلى القاضي للخصومة فامتنع؛ لأن الذم والتوبيخ فيها كانا على امتناع ناشئ عن كفرهم ونفاقهم) (٤). إلا إن يكون سبب امتناعه الامتناع من قبول حكم الشرع فيعمه. ١٦١ - الاستئذان في التخلف عن النبي ﷺ عن أمر جامع (٥) إن كان لعذر مسوغ فلا يخلو عن شائبة تأثير أمر الدنيا على الآخرة (٦). قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢)﴾ النور: ٦٢.

стр. 453

قال الشوكاني ﵀: (ثم أرشده الله سبحانه إلى الاستغفار لهم، وفيه إشارة إلى أن الاستئذان إن كان لعذر مسوغ فلا يخلو عن شائبة تأثير أمر الدنيا على الآخرة) (١). الدراسة: استنبط الشوكاني (٢) ﵀ أن الاستئذان في التخلف عن النبي ﷺ عن أمر جامع إن كان لعذر مسوغ فلا يخلو عن شائبة تأثير أمر الدنيا على الآخرة. وزاد القنوجي: (لأن اغتنام مجالسه أولى من الاستئذان) (٣). ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أذن لرسوله ﷺ أن يأذن لمن شاء ممن استأذنوه؛ ثم عقب ذلك بأمره بأن يستغفر لهم؛ فدل بدلالة تأمل خواتم الآيات على أن في ختم الآية بالأمر بالاستغفار ما يشير إلى أن الاستئذان إن كان لعذر مسوغ فلا يخلو عن شائبة تأثير أمر الدنيا على الآخرة.

стр. 454

قال إلكيا: ((وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ يدل على أن الرسول ﵊ لا يحل له أن يستغفر إلا لمن تكامل إيمانه؛ لأنه شرط فيه. ويحتمل أن يراد به أن من أذن له في مفارقة الجهاد لبعض شأنه يكون في الظاهر مقصرا أو متأخرا في الفضل عن غيره، فأمر الله تعالى نبيه أن يستغفر لهم؛ ليكون استغفاره جبرا لهذا النقص، فلا ينكسر عند ذلك قلب هذا المتأخر عن الجمع) (١). وممن قال بهذا الاستنباط: إلكيا، والبيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي، وابن عاشور. (٢). وأشار الرازي إلى هذا الوجه، وإلى وجه آخر لذكر الاستغفار للمستأذنين، فقال: (وفي قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ وجهان: أحدهما: أن يستغفر لهم تنبيها على أن الأولى أن لا يقع الاستئذان منهم وإن أذن؛ لأن الاستغفار يدل على الذنب. الثاني: يحتمل أنه تعالى أمره بأن يستغفر لهم مقابلة على تمسكهم بآداب الله تعالى في الاستئذان) (٣). والمقصود من هذا الاستنباط التنبيه على أن الأحسن والأفضل أن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب، ولا يستأذنوا فيه (٤). وأنه ينبغي أن يكون الناس كذلك مع أئمتهم ومقدميهم في الدين والعلم، يظاهرونهم ولا يتفرقون عنهم إلا بإذن (٥).

стр. 455

سورة الفرقان ١٦٢ - دفع الضر أهم من جلب النفع (١). قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾ الفرقان: ٣ قال الشوكاني ﵀: (وقدم ذكر الضر لأن دفعه أهم من جلب النفع، وإذا كانوا بحيث لا يقدرون على الدفع والنفع فيما يتعلق بأنفسهم فكيف يملكون ذلك لمن يعبدهم) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ قاعدة: أن دفع الضر أهم من جلب النفع (٣). ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أخبر عن جهل المشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله الخالق لكل شيء، لكنهم عبدوا معه من الأصنام ما لا يقدر على خلق جناح بعوضة، بل هم مخلوقون، لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا فكيف يملكون لعابديهم، فقدم ذكر الضر؛ فدل بدلالة التقديم على أن دفع الضر أهم من جلب النفع. قال الآلوسي: (ولما كان دفع الضر أهم أفيد أولا عجزهم عنه) (٤). وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والآلوسي، والقنوجي. (٥). ومما يستأنس به في تأييد هذا الاستنباط أن أكثر ما جاء في القرآن من لفظي الضر والنفع معا جاء بتقديم لفظ الضر على النفع (٦). وقاعدة: درء المفسدة مقدّم على جلب المصلحة من القواعد المتفرعة عن القاعدة الكليّة "الضرر يزال" (٧)، وذلك لأنه عند الموازنة بين المصلحة والمفسدة، ودفع الضرر وإزالته لابد من التعرض للموازنة بين المصالح والمفاسد عند التعارض، وأيهما أولى بالتقديم دفعا وجلبا. ناهيك عن أن دفع المفسدة عبارة عن إزالة ضرر (٨).

стр. 456

١٦٣ - انطواء ما أنزله سبحانه على أسرار بديعة لا تبلغ إليها عقول البشر (١). قال تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾ الفرقان: ٦ قال الشوكاني ﵀: (فأجاب سبحانه عن هذه الشبهة بقوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ليس ذلك مما يفترى ويفتعل بإعانة قوم وكتابة آخرين من الأحاديث الملفقة، وأخبار الأولين، بل هو أمر سماوي أنزله الذي يعلم كل شيء لا يغيب عنه شيء من الأشياء؛ فلهذا عجزتم عن معارضته، ولم تأتوا بسورة منه. وخص السر للإشارة إلى انطواء ما أنزله سبحانه على أسرار بديعة لا تبلغ إليها عقول البشر. والسر الغيب أي يعلم الغيب الكائن فيهما) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ من الآية انطواء ما أنزله سبحانه على أسرار بديعة لا تبلغ إليها عقول البشر. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما نفى عن القرآن شبهة أن يكون مفترى، وأثبت أنه من عنده سبحانه قال: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فخص السر دون غيره من الألفاظ، ودون ذكر الشهادة مع أنه سبحانه عالم بالغيب والشهادة؛ فدل ذلك التخصيص على انطواء القرآن على أسرار بديعة لا تبلغ إليها عقول البشر. قال الآلوسي: (للإيذان بانطواء ما أنزله على أسرار مطوية عن عقول البشر) (٣). وممن قال بهذا الاستنباط: الآلوسي، والقنوجي، والهرري. (٤). وأشار إليه البيضاوي، وأبو السعود. (٥).

стр. 457

١٦٤ - الحي هو الذي يوثق به في المصالح، ولا حياة على الدوام إلا لله سبحانه دون الأحياء المنقطعة حياتهم (١). قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨)﴾ الفرقان: ٥٨. قال الشوكاني ﵀: (وخص صفة الحياة إشارة إلى أن الحي هو الذي يوثق به في المصالح، ولا حياة على الدوام إلا لله سبحانه دون الأحياء المنقطعة حياتهم فإنهم إذا ماتوا ضاع من يتوكل عليهم، والتوكل اعتماد العبد على الله في كل الأمور) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ أن الحي هو الذي يوثق به في المصالح، ولا حياة على الدوام إلا لله سبحانه دون الأحياء المنقطعة حياتهم. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما أمر بالتوكل عليه خص اسمه الحي بالذكر دون غيره من الأسماء؛ فدل ذلك على أن الحي هو الذي يوثق به في المصالح، ولا حياة على الدوام إلا لله سبحانه دون الأحياء المنقطعة حياتهم. كما دل مفهوم المخالفة -مفهوم القيد- لقوله: ﴿الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ على أن الذي يموت لا يوثق به. قال الآلوسي: (﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ في الإغناء عن أجورهم، والاستكفاء عن شرورهم، وكأن العدول عن (وتوكل على الله) إلى ما في النظم الجليل؛ ليفيد بفحواه، أو بترتب الحكم فيه على وصف مناسب عدم صحة التوكل على غير المتصف بما ذكر من الحياة والبقاء، أما عدم صحة التوكل على من لم يتصف بالحياة كالأصنام فظاهر، وأما عدم صحته على من لم يتصف بالبقاء بأن كان ممن يموت فلأنه عاجز ضعيف (٣). وممن قال بهذا الاستنباط: الآلوسي-كما تقدم-، والقنوجي، والهرري. (٤). وأشار إليه محمد أبو زهرة (٥).

стр. 458

سورة الشعراء ١٦٥ - قد يحصل الخوف مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء (١). قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾ الشعراء: ١٤. قال الشوكاني ﵀: ( … الذنب هو قتله للقبطي، وسماه ذنبا بحسب زعمهم، فخاف موسى أن يقتلوه به. وفيه دليل على أن الخوف قد يحصل مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ أن الخوف قد يحصل مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء. ووجه الاستنباط: أن الله لم ينكر على موسى ﵇ قوله: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾؛ فدل عدم تعقبه على أن الخوف قد يحصل مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء. قال القرطبي: (ودل على أن الخوف قد يصحب الأنبياء والفضلاء والأولياء مع معرفتهم بالله) (٣). وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي-كما تقدم-، والقنوجي، والهرري. (٤). والمقصود من هذا الاستنباط بيان أن الخوف الطبيعي لا ينافي الإيمان، ولا يزيله، ولا ينافي التوكل على الله. وقد أشار السعدي إلى مثل هذا المعنى - فيما استنبطه من سورة القصص- فقال: (الخوف الطبيعي من الخلق لا ينافي الإيمان ولا يزيله، كما جرى لأم موسى ولموسى من تلك المخاوف) (٥).

стр. 459

١٦٦ - رعاية الأدب مع الرب سبحانه (١). قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ الشعراء: ٨٠. قال الشوكاني ﵀: (وأسند المرض إلى نفسه دون غيره من هذه الأفعال المذكورة رعاية للأدب مع الرب، وإلا فالمرض وغيره من الله سبحانه) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ رعاية الأدب مع الرب سبحانه. ووجه الاستنباط: أن إبراهيم ﵇ أسند المرض إلى نفسه دون غيره من الأفعال المذكورة، والمرض وغيره من الله سبحانه؛ فدل بدلالة تغيير النظم، و بالاقتداء بإبراهيم ﵇ على رعاية الأدب مع الرب سبحانه. (٣). قال أبو السعود: (ونسبة المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالى مع أنهما منه تعالى لمراعاة حسن الأدب، كما قال الخضر ﵇: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩] (٤)، وقال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا … أَشُدَّهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢] (٥) … ) (٦). وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وأبو السعود-كما تقدم-، والآلوسي، والقنوجي، والقاسمي، والهرري. (٧). والآية دالة بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على الأدب في الخطاب عموما. قال الزركشي: (فأسند الفعل قبل وبعد إلى الله، وأسند المرض إلى نفسه إذ هو معنى نقص ومعابة وليس من جنس النعم المتقدمة. وهذا النوع مطرد في فصاحة القرآن كثيرا … وهو أصل عظيم في الأدب في الخطاب) (٨).

стр. 460

سورة النمل ١٦٧ - نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم الله بها على عباده (١). قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾ النمل: ١٥. قال الشوكاني-﵀: (وفي الآية دليل على شرف العلم، وارتفاع محله، وأن نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم الله بها علي عباده، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلا على كثير من العباد، ومنح شرفا جليلا) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ أن نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم الله بها على عباده. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما ذكر أنه آتى داود ﵇، وسليمان ﵇ علما أعقبه بأن ذكر أنهما حمدا الله الذي فضلهما على كثير من عباده المؤمنين؛ فدل ذلك على أنهما جعلا العلم أساس الفضل، ولم يعتبرا شيئا دونه مما أوتياه من الملك العظيم؛ فلزم من ذلك أن تكون نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم الله بها على عباده. قال الرازي: (في الآية دليل على علو مرتبة العلم؛ لأنهما أوتيا من الملك ما لم يؤت غيرهما، فلم يكن شكرهما على الملك كشكرهما على العلم) (٤) وقال المراغي: (وفي الآية إيماء إلى فضل العلم، وشرف أهله من حيث شكرا عليه، وجعلاه أساس الفضل، ولم يعتبرا شيئا دونه مما أوتياه من الملك العظيم ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ (٥) [المجادلة: ١١]) (٦).
следующие страницы →