← Тафсир

Тафсир · id 750

استنباطات الشوكاني في تفسيره فتح القدير

خلود شاكر فهيد العبدلي

Полный текст (565 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

١٦٣ - انطواء ما أنزله سبحانه على أسرار بديعة لا تبلغ إليها عقول البشر (١). قال تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾ الفرقان: ٦ قال الشوكاني ﵀: (فأجاب سبحانه عن هذه الشبهة بقوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ليس ذلك مما يفترى ويفتعل بإعانة قوم وكتابة آخرين من الأحاديث الملفقة، وأخبار الأولين، بل هو أمر سماوي أنزله الذي يعلم كل شيء لا يغيب عنه شيء من الأشياء؛ فلهذا عجزتم عن معارضته، ولم تأتوا بسورة منه. وخص السر للإشارة إلى انطواء ما أنزله سبحانه على أسرار بديعة لا تبلغ إليها عقول البشر. والسر الغيب أي يعلم الغيب الكائن فيهما) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ من الآية انطواء ما أنزله سبحانه على أسرار بديعة لا تبلغ إليها عقول البشر. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما نفى عن القرآن شبهة أن يكون مفترى، وأثبت أنه من عنده سبحانه قال: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فخص السر دون غيره من الألفاظ، ودون ذكر الشهادة مع أنه سبحانه عالم بالغيب والشهادة؛ فدل ذلك التخصيص على انطواء القرآن على أسرار بديعة لا تبلغ إليها عقول البشر. قال الآلوسي: (للإيذان بانطواء ما أنزله على أسرار مطوية عن عقول البشر) (٣). وممن قال بهذا الاستنباط: الآلوسي، والقنوجي، والهرري. (٤). وأشار إليه البيضاوي، وأبو السعود. (٥).

стр. 457

١٦٤ - الحي هو الذي يوثق به في المصالح، ولا حياة على الدوام إلا لله سبحانه دون الأحياء المنقطعة حياتهم (١). قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨)﴾ الفرقان: ٥٨. قال الشوكاني ﵀: (وخص صفة الحياة إشارة إلى أن الحي هو الذي يوثق به في المصالح، ولا حياة على الدوام إلا لله سبحانه دون الأحياء المنقطعة حياتهم فإنهم إذا ماتوا ضاع من يتوكل عليهم، والتوكل اعتماد العبد على الله في كل الأمور) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ أن الحي هو الذي يوثق به في المصالح، ولا حياة على الدوام إلا لله سبحانه دون الأحياء المنقطعة حياتهم. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما أمر بالتوكل عليه خص اسمه الحي بالذكر دون غيره من الأسماء؛ فدل ذلك على أن الحي هو الذي يوثق به في المصالح، ولا حياة على الدوام إلا لله سبحانه دون الأحياء المنقطعة حياتهم. كما دل مفهوم المخالفة -مفهوم القيد- لقوله: ﴿الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ على أن الذي يموت لا يوثق به. قال الآلوسي: (﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ في الإغناء عن أجورهم، والاستكفاء عن شرورهم، وكأن العدول عن (وتوكل على الله) إلى ما في النظم الجليل؛ ليفيد بفحواه، أو بترتب الحكم فيه على وصف مناسب عدم صحة التوكل على غير المتصف بما ذكر من الحياة والبقاء، أما عدم صحة التوكل على من لم يتصف بالحياة كالأصنام فظاهر، وأما عدم صحته على من لم يتصف بالبقاء بأن كان ممن يموت فلأنه عاجز ضعيف (٣). وممن قال بهذا الاستنباط: الآلوسي-كما تقدم-، والقنوجي، والهرري. (٤). وأشار إليه محمد أبو زهرة (٥).

стр. 458

سورة الشعراء ١٦٥ - قد يحصل الخوف مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء (١). قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾ الشعراء: ١٤. قال الشوكاني ﵀: ( … الذنب هو قتله للقبطي، وسماه ذنبا بحسب زعمهم، فخاف موسى أن يقتلوه به. وفيه دليل على أن الخوف قد يحصل مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ أن الخوف قد يحصل مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء. ووجه الاستنباط: أن الله لم ينكر على موسى ﵇ قوله: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾؛ فدل عدم تعقبه على أن الخوف قد يحصل مع الأنبياء فضلا عن الفضلاء. قال القرطبي: (ودل على أن الخوف قد يصحب الأنبياء والفضلاء والأولياء مع معرفتهم بالله) (٣). وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي-كما تقدم-، والقنوجي، والهرري. (٤). والمقصود من هذا الاستنباط بيان أن الخوف الطبيعي لا ينافي الإيمان، ولا يزيله، ولا ينافي التوكل على الله. وقد أشار السعدي إلى مثل هذا المعنى - فيما استنبطه من سورة القصص- فقال: (الخوف الطبيعي من الخلق لا ينافي الإيمان ولا يزيله، كما جرى لأم موسى ولموسى من تلك المخاوف) (٥).

стр. 459

١٦٦ - رعاية الأدب مع الرب سبحانه (١). قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ الشعراء: ٨٠. قال الشوكاني ﵀: (وأسند المرض إلى نفسه دون غيره من هذه الأفعال المذكورة رعاية للأدب مع الرب، وإلا فالمرض وغيره من الله سبحانه) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ رعاية الأدب مع الرب سبحانه. ووجه الاستنباط: أن إبراهيم ﵇ أسند المرض إلى نفسه دون غيره من الأفعال المذكورة، والمرض وغيره من الله سبحانه؛ فدل بدلالة تغيير النظم، و بالاقتداء بإبراهيم ﵇ على رعاية الأدب مع الرب سبحانه. (٣). قال أبو السعود: (ونسبة المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالى مع أنهما منه تعالى لمراعاة حسن الأدب، كما قال الخضر ﵇: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩] (٤)، وقال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا … أَشُدَّهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢] (٥) … ) (٦). وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وأبو السعود-كما تقدم-، والآلوسي، والقنوجي، والقاسمي، والهرري. (٧). والآية دالة بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على الأدب في الخطاب عموما. قال الزركشي: (فأسند الفعل قبل وبعد إلى الله، وأسند المرض إلى نفسه إذ هو معنى نقص ومعابة وليس من جنس النعم المتقدمة. وهذا النوع مطرد في فصاحة القرآن كثيرا … وهو أصل عظيم في الأدب في الخطاب) (٨).

стр. 460

سورة النمل ١٦٧ - نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم الله بها على عباده (١). قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾ النمل: ١٥. قال الشوكاني-﵀: (وفي الآية دليل على شرف العلم، وارتفاع محله، وأن نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم الله بها علي عباده، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلا على كثير من العباد، ومنح شرفا جليلا) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ أن نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم الله بها على عباده. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما ذكر أنه آتى داود ﵇، وسليمان ﵇ علما أعقبه بأن ذكر أنهما حمدا الله الذي فضلهما على كثير من عباده المؤمنين؛ فدل ذلك على أنهما جعلا العلم أساس الفضل، ولم يعتبرا شيئا دونه مما أوتياه من الملك العظيم؛ فلزم من ذلك أن تكون نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم الله بها على عباده. قال الرازي: (في الآية دليل على علو مرتبة العلم؛ لأنهما أوتيا من الملك ما لم يؤت غيرهما، فلم يكن شكرهما على الملك كشكرهما على العلم) (٤) وقال المراغي: (وفي الآية إيماء إلى فضل العلم، وشرف أهله من حيث شكرا عليه، وجعلاه أساس الفضل، ولم يعتبرا شيئا دونه مما أوتياه من الملك العظيم ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ (٥) [المجادلة: ١١]) (٦).

стр. 461

وقال الهرري: (وفي الآية دليل على شرف العلم، وارتفاع محله، وتقدم حملته وأهله، وأن نعمة العلم من أجل النعم التي ينعم الله بها علي عباده، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلا على كثير من العباد، ومنح شرفا جليلا، وما سماهم رسول الله ﷺ ورثة الأنبياء إلا لمداناتهم لهم في الشرف والمنزلة؛ لأنهم القوام بما بعثوا من أجله) (١). وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، والبيضاوي، والقرطبي، وأبو السعود، والقنوجي، والمراغي، والهرري كما تقدم. (٢). ١٦٨ - عقوبة المذنب على قدر ذنبه لا على قدر جسده (٣). قال تعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١)﴾ النمل: ٢١. قال الشوكاني-﵀: (وفي هذا دليل على أن العقوبة على قدر الذنب لا على قدر الجسد) (٤). الدراسة: استنبط الشوكاني (٥) ﵀ أن عقوبة المذنب على قدر ذنبه لا على قدر جسده. ووجه الاستنباط: أن سليمان ﵇ توعد الهدهد لما تغيب بعقوبة (٦) تناسب ذنبه، ولم يلتفت لصغر جسده؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على أن عقوبة المذنب على قدر ذنبه لا على قدر جسده.

стр. 462

قال ابن العربي: (كان الهدهد صغير الجرم، ووُعد بالعذاب الشديد لعظيم الجرم. قال علماؤنا: وهذا يدل على أن الحد على قدر الذنب لا على قدر الجسد) (١). وممن قال بهذا الاستنباط: ابن العربي-كما تقدم-، والقرطبي، والقنوجي. (٢). وأشار إليه أبو حيان بقوله: (وفيه دليل على الإغلاظ على العاصين وعقابهم) (٣). واستنبط ابن عاشور من الآية-بالقياس- جواز عقاب الجندي المخالف، فقال: (ويؤخذ من هذا جواز عقاب الجندي إذا خالف ما عين له من عمل أو تغيب عنه) (٤). ١٦٩ - على المرء البحث عن الأخبار والكشف عن الحقائق وعدم قبول خبر المخبرين تقليدا لهم واعتمادا عليهم إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه (٥). قال تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧)﴾ النمل: ٢٧. قال الشوكاني ﵀: (والنظر هو التأمل والتصفح. وفيه إرشاد إلى البحث عن الأخبار، والكشف عن الحقائق، وعدم قبول خبر المخبرين تقليدا لهم، واعتمادا عليهم إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه) (٦). الدراسة: استنبط الشوكاني (٧) ﵀ أن على المرء البحث عن الأخبار، والكشف عن الحقائق، وعدم قبول خبر المخبرين تقليدا لهم، واعتمادا عليهم إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه. ووجه الاستنباط: أن سليمان ﵇ لما أخبره الهدهد بخبر سبأ وأهلها وملكتهم قال: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ﴾ فتروى وتحرى؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على أن على المرء البحث عن الأخبار، والكشف عن الحقائق، وعدم قبول خبر المخبرين تقليدا لهم، واعتمادا عليهم إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه.

стр. 463

قال السيوطي: فيه امتحان الوالي صدق رعيته فيما اعتذروا به (١). وممن قال بهذا الاستنباط: السيوطي-كما تقدم-، والقنوجي. (٢). وأشار إليه ابن العربي والقرطبي منبهين إلى أن على الإمام التحري إذا تعلق به حكم من أحكام الشريعة، فقال القرطبي: (في قوله: ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ … مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧)﴾ دليل على أن الإمام يجب عليه أن يقبل عذر رعيته، ويدرأ العقوبة عنهم في ظاهر أحوالهم بباطن أعذارهم … ولكن للإمام أن يمتحن ذلك إذا تعلق به حكم من أحكام الشريعة كما فعل سليمان، فإنه لما قال الهدهد: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النمل: ٢٣] لم يستفزه الطمع ولا استجره حب الزيادة في الملك إلى أن يعرض له حتى قال: … ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: من الآية ٢٤] (٣) فغاظه حينئذ ما سمع، وطلب الانتهاء إلى ما أخبر، وتحصيل علم ما غاب عنه من ذلك؛ فقال: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ … مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧)﴾ (٤). ١٧٠ - من ذم علما من العلوم الشرعية، أو ذم علما هو مقدمة من مقدماتها ووسيلة يتوسل بها إليها فهو مذموم (٥). قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ النمل: ٨٤. قال الشوكاني ﵀: (﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا﴾ إلى موقف الحساب قال الله لهم توبيخا وتقريعا: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ التي أنزلتها على رسلي، وأمرتهم بإبلاغها إليكم، والحال أنكم ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾، بل كذبتم بها بادئ بدء جاهلين لها، غير ناظرين فيها، ولا مستدلين على صحتها أو بطلانها تمردا، وعنادا، وجرأة على الله وعلى رسله. وفي هذا مزيد تقريع وتوبيخ لأن من كذَّب بشيء ولم يحط به علما؛ فقد كذب في تكذيبه، ونادى على نفسه بالجهل وعدم الإنصاف، وسوء الفهم وقصور الإدراك. ومن هذا القبيل من تصدى لذم علم من العلوم الشرعية، أو لذم علم هو مقدمة من مقدماتها ووسيلة يتوسل بها إليها، ويفيد زيادة بصيرة في معرفتها وتعقل معانيها كعلوم اللغة العربية بأسرها، … وعلم أصول الفقه فإنه يتوصل به إلى استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية مع اشتماله على بيان قواعد اللغة الكلية، وهكذا كل علم من العلوم التي لها مزيد نفع في فهم كتاب الله وسنة رسوله) (٦).

стр. 464

الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ من الآية أن من تصدى لذم علم من العلوم الشرعية، أو لذم علم هو مقدمة من مقدماتها ووسيلة يتوسل بها إليها فهو مذموم. ووجه الاستنباط: أن الله ذم من كذب بآياته وزاد في ذمهم وتقريعهم ببيان أنهم كذبوا بما لم يحيطوا به علما، فتكذيبهم بها جاهلين لها غير ناظرين فيها ولا مستدلين على صحتها أو بطلانها تمردا؛ فدل ذلك بمفهوم الموافقة على أن من تصدى لذم علم من العلوم الشرعية، أو لذم علم هو مقدمة من مقدماتها ووسيلة يتوسل بها إليها فهو مذموم. وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري. (١). وفي هذا الاستنباط حث على الإمساك عن الحديث فيما لا علم للمرء به، وأن على العاقل ألا يخوض فيما يجهل، وألا يحكم على مسألة قبل النظر والتأمل والبحث عن حقيقتها. كما فيه حث على النظر في العلوم النافعة الموصلة إلى الحق.

стр. 465

سورة القصص ١٧١ - كانت الإجارة (١) مشروعة عند أهل مدين (٢). قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ القصص: ٢٦. قال الشوكاني ﵀: (أي: استأجره ليرعى لنا الغنم. وفيه دليل على أن الإجارة كانت عندهم مشروعة) (٣).

стр. 466

الدراسة: استنبط الشوكاني (١) ﵀ أن الإجارة كانت عند أهل مدين مشروعة. ووجه الاستنباط: أن إحدى المرأتين -من أهل مدين- اللتين سقى لهما موسى ﵇ سألت والدها أن يستأجر موسى ﵇؛ فدل ذلك على أن الإجارة كانت عند أهل مدين مشروعة. وممن قال بهذا الاستنباط: ابن العربي، والقرطبي، وأبو حيان، والسيوطي، والقنوجي. (٢). ١٧٢ - مشروعية عرض ولي المرأة لها على الرجل (٣). قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾ القصص: ٢٧. قال الشوكاني ﵀: (﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ فيه مشروعية عرض ولي المرأة لها على الرجل، وهذه سنة ثابتة في الإسلام كما ثبت من عرض عمر ﵁ لابنته حفصة على أبي بكر وعثمان ﵃، والقصة معروفة (٤) … ) (٥).

стр. 467

الدراسة: استنبط الشوكاني (١) ﵀ مشروعية عرض ولي المرأة لها على الرجل. ووجه الاستنباط: أن والد المرأتين اللتين سقى لهما موسى ﵇ عرض على موسى ﵇ أن يزوجه إحدى ابنتيه؛ فدل هذا بدلالة شرع من قبلنا شرع لنا، أو بدلالة أن الله تعالى أقر هذا الفعل ولم يرده على مشروعية عرض ولي المرأة لها على الرجل. يعني الرجل الصالح رغبة في صلاحه، قال ابن عاشور: (وفيه جواز عرض الرجل مولاته على من يتزوجها رغبة في صلاحه) (٢). وممن قال بهذا الاستنباط: ابن العربي، والقرطبي، وأبو حيان، والسيوطي، والقنوجي، وابن عاشور. (٣). وهذا الاستنباط صحيح. ويؤيده ما جاء في شرعنا من فعل عمر بن الخطاب ﵁ حين تأيمت حفصة بنت عمر فعرضها على عثمان بن عفان ﵁ فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، ثم عرضها على أبي بكر ﵁ فصمت ولم يرجع إلى عمر شيئا لما علم أن رسول الله ﷺ ذكرها (٤). ١٧٣ - للرجل أن يذهب بأهله حيث شاء (٥). قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)﴾ القصص: ٢٩.

стр. 468

قال الشوكاني ﵀: (وسار بأهله إلى مصر، وفيه دليل على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء) (١). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء. ووجه الاستنباط: أن موسى لما قضى الأجل سار بأهله من مدين إلى مصر؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الأنبياء على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء. وممن قال بهذا الاستنباط: ابن العربي، والقرطبي، والقنوجي. (٢). وخالف الجصاص، فقال: (وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ فلما يستدل به بعضهم على أن للزوج أن يسافر بامرأته وينقلها إلى بلد آخر، ويفرق بينها وبين أبويها، ولا دلالة فيه عندي على ذلك؛ لأنه جائز أن يكون فعل برضاها) (٣). والأظهر -والله أعلم- أنه يجوز للرجل أن يسافر بأهله إلى ما يجوز السفر إليه، إلا إن اشترطت عليه عند العقد ألا ينقلها من بلدها؛ لقول النبي ﷺ : "أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج" (٤). قال القرطبي: (فيه دليل على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء لما له عليها من فضل القوامية وزيادة الدرجة، إلا أن يلتزم لها أمرا فالمؤمنون عند شروطهم، وأحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج) (٥).

стр. 469

سورة العنكبوت ١٧٤ - النظر في حال الدواب مما يعين على الصبر والتوكل (١). قال تعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾ العنكبوت: ٥٩ - ٦٠. قال الشوكاني ﵀: (ثم وصف هؤلاء العاملين فقال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على مشاق التكليف وعلى أذية المشركين لهم، ويجوز أن يكون منصوبا على المدح ثم ذكر سبحانه ما يعين على الصبر والتوكل، وهو النظر في حال الدواب. فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ ومعنى لا تحمل رزقها: لا تطيق حمل رزقها لضعفها ولا تدخره وإنما يرزقها الله من فضله ويرزقكم، فكيف لا يتوكلون على الله مع قوتهم وقدرتهم على أسباب العيش كتوكلها على الله مع ضعفها وعجزها) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ أن النظر في حال الدواب مما يعين على الصبر والتوكل. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أثنى على من صبر وتوكل عليه، ثم ذكر عقب ذلك حال الدواب التي لا تدخر شيئاً لغدٍ، ويأتيها رزقها كل يوم، والمقصود بيان أنهم أولى بالتوكل على الله مع قوتهم وقدرتهم على أسباب العيش كتوكلها على الله مع ضعفها وعجزها؛ فدل بدلالة الربط بين الآيتين على أن النظر في حال الدواب مما يعين على الصبر والتوكل. قال ابن عادل: (لما ذكر الله ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩)﴾ ذكر ما يعين على التوكل وهو بيان حال الدواب التي لا تدخر شيئاً لغدٍ، ويأتيها رزقها كل يوم) (٣). وقال ابن عاشور: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾ عطف على جملة: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [العنكبوت: من الآية ٥٧] (٤) فإن الله لما هون بها أمر الموت في مرضاة الله، وكانوا ممن لا يعبأ بالموت علم أنهم يقولون في أنفسهم: إنا لا نخاف الموت، ولكنا نخاف الفقر والضيعة. واستخفاف العرب بالموت سجية فيهم كما أن خشية المعرة من سجاياهم كما بيناه عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: من الآية ٣١] (٥) فأعقب ذلك بأن ذكرهم بأن رزقهم على الله وأنه لا يضيعهم. وضرب لهم المثل برزق الدواب، وللمناسبة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت: من الآية ٥٦] (٦) من توقع الذين يهاجرون من مكة أن لا يجدوا رزقا في البلاد التي يهاجرون إليها، وهو أيضا مناسب لوقوعه عقب ذكر التوكل في قوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩)﴾ (٧).

стр. 470

وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عادل-كما تقدم-، والقنوجي، وابن عاشور-كما تقدم- والهرري. (١).

стр. 471

سورة الروم ١٧٥ - مشروعية الجمع بين الحمد التسبيح (١). قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ الروم: ١٧ - ١٨. قال الشوكاني ﵀: (وجملة: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ معترضة مسوقة للإرشاد إلى الحمد، والإيذان بمشروعية الجمع بينه وبين التسبيح كما في قوله سبحانه: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: من الآية ٩٨] (٢)، و ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: من الآية ٣٠] (٣) (٤). الدراسة: استنبط الشوكاني (٥) ﵀ مشروعية الجمع بين الحمد والتسبيح. ووجه الاستنباط: أنه ذُكِر الحمد في أثناء الحديث عن التسبيح وأوقاته، فاعتُرض بذكر الحمد بين أوقات التسبيح المعطوفة؛ فدل هذا الاعتراض (٦) على مشروعية الجمع بين الحمد والتسبيح.

стр. 472

قال أبو السعود: (وتوسيطه بين أوقات التسبيح للاعتناء بشأنه، والإشعار بأن حقهما أن يجمع بينهما كما ينبئ عنه قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾، وقوله ﷺ : "من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" (١)، وقوله ﷺ : "من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال، أو زاد عليه" (٢)، وقوله ﷺ : "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" (٣)، وغير ذلك مما لا يحصى من الآيات والأحاديث) (٤). وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والقنوجي، والهرري (٥). وأشار إليه ابن كثير. (٦). وهذا الاستنباط على أن التسبيح في الآية هو على ظاهره من تنزيه الله تعالى، وهو الأظهر والله تعالى أعلم، وبه قال الزمخشري، والرازي، وابن كثير، والآلوسي، والهرري (٧). قال الآلوسي: (واختار الإمام الرازي حمل التسبيح على التنزيه، فقال: إنه أقوى، والمصير إليه أولى … وأنا بالإمام أقتدي في دعوى أولوية الحمل على الظاهر) (٨).

стр. 473

وقال أيضا: (والمراد بالتسبيح والحمد ظاهرهما على ما ذهب إليه جمع من الأجلة) (١). وقال الهرري: (والتسبيح محمول على حقيقته وظاهره الذي هو تنزيه الله تعالى عن السوء، والثناء عليه بالخير) (٢).

стр. 474

سورة السجدة ١٧٦ - تعذيب الكفار ليس لمجرد سبق القول من الله عليهم فحسب بل للتنبيه على استحقاقهم العذاب (١). قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾ السجدة: ١٣ - ١٤. قال الشوكاني ﵀: (والباء في ﴿بِمَا نَسِيتُمْ﴾ للسببية. وفيه إشعار بأن تعذيبهم ليس لمجرد سبق القول المتقدم بل بذاك وهذا) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ تعذيب الكفار ليس لمجرد سبق القول من الله عليهم بل للتنبيه على استحقاقهم العذاب. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى بعد أن ذكر أنه حق القول منه بمعاقبة الكافرين بالنار قال: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ﴾ فجعل سبب العذاب فعلهم؛ فدل ذكر سبب تعذيب الكفار بعد أن أعلمهم أنه قضى بتعذيبهم بدلالة الربط بين الآيتين على أن تعذيب الكفار ليس لمجرد سبق القول من الله عليهم بل للتنبيه على استحقاقهم العذاب. قال أبو السعود: (والباء في قوله تعالى: ﴿بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ للإيذان بأن تعذيبهم ليس لمجرد سبق الوعيد به فقط، بل هو وسبق الوعيد أيضا بسبب موجب له من قبلهم) (٤). وقال الهرري: (والباء في قوله: ﴿بِمَا نَسِيتُمْ﴾ للسببية، أتى بها إشارة إلى أنه وإن سبق القول في حق التعذيب لكنه كان بسبب موجب من جانبهم أيضا؛ فإن الله قد علم منهم سوء الاختيار) (٥). وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود-كما تقدم-، والبروسوي، والقنوجي، والقاسمي، والهرري كما تقدم. (٦).

стр. 475

والمقصود من هذا الاستنباط التنبيه على أن العذاب مستحق بأسبابه. قال السعدي - عند قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ [البقرة: ٢٤]-: (وفيه دلالة على أن العذاب مستحق بأسبابه وهو الكفر وأنواع المعاصي على اختلافها) (١).

стр. 476

سورة الأحزاب ١٧٧ - العدة حق للرجال (١). قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ الأحزاب: ٤٩ قال الشوكاني ﵀: (﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ … ومعنى تعتدونها تستوفون عددها من: عددتُ الدراهم فأنا أعتدها. وإسناد ذلك إلى الرجال للدلالة على أن العدة حق لهم كما يفيده ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ العدة حق للرجال. ووجه الاستنباط: أن العدة في قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ أسندت في الآية للرجال؛ فدل ذلك على أن العدة حق لهم. قال أبو حيان: (يدل على أن العدة حق الزوج فيها غالب، وإن كانت لا تسقط بإسقاطه لما فيه من حق الله تعالى) (٤). فإثبات هذا الحق للرجال لا يجيز إسقاطه بإسقاطهم له؛ لأن العدة حق لله تعالى. وذكر ابن عاشور معنى كونها حقا لهم، فقال: (وجعلت العدة لهم، أي لأجلهم؛ لأن المقصد منها راجع إلى نفع الأزواج بحفظ أنسابهم، ولأنهم يملكون مراجعة الأزواج ما دمن في مدة العدة كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ (٥) [الطلاق: ١]، وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (٦) [البقرة: ٢٢٨] ومع ذلك هي حق أوجبه الشرع، فلو رام الزوج إسقاط العدة عن المطلقة لم يكن له ذلك؛ لأن ما تتضمنه العدة من حفظ النسب مقصد من أصول مقاصد التشريع فلا يسقط بالإسقاط) (٧).

стр. 477

وقد أشار القصاب لمقاصد العدة بقوله: (للمُطلِّق تحصين المدخول بها إلى انقضاء عدتها؛ لإضافة العدة إليهم، فعدة المطلقات الآن على ثلاثة معاني: تعبد، واستبراء، وحق المطلق في التحصين. وعدة الوفاة بعد الدخول كذلك. فإن كانت قبل الدخول خلا منها مضي الاستبراء، وبقي التعبد والتحصين؛ لئلا يلحق بالميت عار ريبة إن حدثت) (١). وممن قال بهذا الاستنباط: القصاب، وأبو حيان-كما تقدم قولهما-، وابن عادل، والبروسوي، والقنوجي، وابن عاشور-كما تقدم-، والهرري. (٢). ١٧٨ - الإيذان بشرف الهجرة، وشرف من هاجر (٣). قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)﴾ الأحزاب: ٥٠ قال الشوكاني ﵀: (وهكذا قيَّد المهاجرة في قوله: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ فإنه للإشارة إلى ما هو أفضل، وللإيذان بشرف الهجرة، وشرف من هاجر) (٤). الدراسة: استنبط الشوكاني (٥) ﵀ من الآية شرف الهجرة، وشرف من هاجر.

стр. 478

ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أباح لنبيه ﷺ نكاح بنات عمه، وبنات عماته، وبنات خاله، وبنات خالاته، ثم قيد ذلك بالهجرة؛ فدل هذا التقييد على شرف الهجرة، وشرف من هاجر. قال الهرري: (وتقييد البنات بكونها مهاجرات معه للإيذان بشرف الهجرة، وشرف من هاجر) (١). وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري (٢). وأشار إليه ابن عاشور. (٣). وهذا الاستنباط على أن الهجرة في الآية على ظاهرها. قال ابن العربي: (﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ وفيه قولان: أحدهما: أن معناه: لا يحل لك أن تنكح من بنات عمك وبنات عماتك إلا من أسلم؛ لقوله ﷺ : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" (٤). الثاني: أن المعنى: لا يحل لك منهن إلا من هاجر إلى المدينة) إلى أن قال: (والمراد بقوله: ﴿هَاجَرْنَ﴾ خرجن إلى المدينة. وهذا أصح من الأول؛ لأن الهجرة عند الإطلاق هي الخروج من بلد الكفر إلى دار الإيمان، والأسماء إنما تحمل على عرفها، والهجرة في الشريعة أشهر من أن تحتاج إلى بيان أو تختص بدليل، وإنما يلزم ذلك لمن ادعى غيرها) (٥). ١٧٩ - جواز الجمع بين ذكر الله وذكر غيره في ضمير واحد (٦). قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ الأحزاب: ٥٦ قال الشوكاني-﵀: (﴿يُصَلُّونَ﴾ وفيه تشريف للملائكة راجع إلى الله وإلى الملائكة عظيم، حيث جعل الضمير لهم ولله سبحانه واحدا، فلا يرد الاعتراض بما ثبت عنه ﷺ لما سمع قول الخطيب يقول: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى؛ فقال: "بئس خطيب القوم أنت، قل ومن يعص الله ورسوله" (٧). ووجه ذلك أنه ليس لأحد أن يجمع ذكر الله سبحانه مع غيره في ضمير واحد. وهذا الحديث ثابت في الصحيح، وثبت أيضا في الصحيح: "أن رسول الله ﷺ أمر مناديا ينادي يوم خيبر: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية" (٨). ولأهل العلم أبحاث في الجمع بين الحديثين (٩) ليس هذا موضع ذكرها، والآية مؤيدة للجواز لجعل الضمير فيها لله ولملائكته واحدا، والتعليل بالتشريف للملائكة يقال مثله في رسول ﷺ . ويحمل الذم لذلك الخطيب الجامع بينهما على أنه ﷺ فهم منه إرادة التسوية بين الله سبحانه وبين رسوله، فيختص المنع بمثل ذلك. وهذا أحسن ما قيل في الجمع. وقالت طائفة: في هذه حذف، والتقدير: إن الله يصلي، وملائكته يصلون (١٠)، وعلى هذا القول فلا تكن الآية مما جمع فيه بين ذكر الله وذكر غيره في ضمير واحد) (١١).

стр. 479

الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ جواز الجمع بين ذكر الله وذكر غيره في ضمير واحد. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ فجمع بين صلاته سبحانه على النبي ﷺ ، وصلاة ملائكته في ضمير واحد؛ فدل بدلالة الاقتداء بأفعال الله تعالى على جواز الجمع بين ذكر الله وذكر غيره في ضمير واحد. وممن قال بهذا الاستنباط: ابن الفرس، والقرطبي، والقنوجي. (١). وقد ذكر الشوكاني في نيل الأوطار هذا الاستنباط، فبيَّن جواز التشريك بين الله تعالى ورسوله ﷺ في ضمير واحد. واستدل على ذلك بحديث: "أن يكون الله تعالى ورسوله أحب إليه مما سواهما" (٢). وبيَّن أن سبب إنكار النبي ﷺ على الخطيب أنه جمع بينهما في خطبة، والخطبة شأنها البسط والإيضاح، واجتناب الإشارات والرموز، ولهذا ثبت أن رسول الله ﷺ كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا لتفهم عنه، وإنما ثنى الضمير في قوله: "أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" لأنه ليس خطبة وعظ وإنما هو تعليم حكم، فكل ما قل لفظه كان أقرب إلى حفظه، بخلاف خطبة الوعظ فإنه ليس المراد حفظها وإنما يراد الاتعاظ بها. أو أنه أنكر على ذلك الخطيب التشريك لأنه فهم منه اعتقاد التسوية، فنبهه على خلاف معتقده، وأمره بتقديم اسم الله تعالى على اسم رسوله ليعلم بذلك فساد ما اعتقده (٣). وهذا الاستنباط إنما يصح على أن الضمير في قوله تعالى: ﴿يُصَلُّونَ﴾ راجع لله تعالى وملائكته. لكنه يحتاج إلى تقييده بأن يقال: التشريك جائز إلا فيما ورد في الشرع ذمه، والمنع منه (٤).

стр. 480

مع التنبه إلى أن الفصل أولى. قال ابن الفرس: وقالت فرقة: بل الضمير لله تعالى وملائكته، وذلك جائز للبشر فعله، ولم يقل رسول الله ﷺ : "بئس الخطيب أنت" لهذا المعنى، وإنما قاله لأن الخطيب وقف على: "ومن يعصهما" وسكت (١). إلى أن قال: وفي كتاب مسلم: "بئس الخطيب أنت"، وقَّفه وحمله على الأولى في فصل الضمير. "قل: ومن يعص الله ورسوله" احتمل هذا أن يكون لما خطأه في وقفه أصلح له بعد ذلك جميع كلامه؛ لأن فصل ضمير اسم الله تعالى من ضميره أولى لا محالة، فقال له: بئس الخطيب أنت لموضع وقفه، وحمله على الأولى في فصل الضمير، وإن كانا جميعا جائزين (٢). ١٨٠ - الأذية للمؤمن والمؤمنة بما كسبوه ليست من الأذية المحرمة شرط ألا تجاوز ما شرعه الله (٣). قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ الأحزاب: ٥٨ قال الشوكاني-﵀: (﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ بوجه من وجوه الأذى، من قول، أو فعل. ومعنى: ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ أنه لم يكن ذلك لسبب فعلوه يوجب عليهم الأذية ويستحقونها به. فأما الأذية للمؤمن والمؤمنة بما كسبه مما يوجب عليه حدا، أو تعزيرا، أو نحوهما فذلك حق أثبته الشرع، وأمر أمرنا الله به، وندبنا إليه. وهكذا إذا وقع من المؤمنين والمؤمنات الابتداء بشتم لمؤمن أو مؤمنة، أو ضرب، فإن القصاص من الفاعل ليس من الأذية المحرمة على أي وجه كان، ما لم يجاوز ما شرعه الله) (٤). الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ أن الأذية للمؤمن والمؤمنة بما كسبوه ليست من الأذية المحرمة شرط ألا تجاوز ما شرعه الله. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى رتب على أذية المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا وعيدا شديدا، وعذابا مهينا، وقيده بقوله: ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾؛ فدل بمفهوم المخالفة-مفهوم القيد- على أن الأذية للمؤمن والمؤمنة بما كسبوه ليست من الأذية المحرمة، شرط ألا تجاوز ما شرعه الله. فإن تجاوزت كانت أذية بغير ما اكتسب. قال الرازي: فإن من جلد مائة على شرب الخمر آذى بغير ما اكتسب أيضا، ومن جلد على الزنا، أو حد الشرب، لم يؤذ بغير ما اكتسب، ويمكن أن يقال: لم يؤذ أصلا؛ لأن ذلك إصلاح حال المضروب (٥).

стр. 481

وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري. (١). وخالف ابن عاشور في كون للآية مفهوم، فقال: وليس المراد بالحال تقييد الحكم حتى يكون مفهومه جواز أذى المؤمنين والمؤمنات بما اكتسبوا، أي أن يُسبوا بعمل ذميم اكتسبوه؛ لأن الجزاء على ذلك ليس موكولا لعموم الناس، ولكنه موكول إلى ولاة الأمور كما قال تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾ [النساء: ١٦] (٢). ويمكن الجمع بين القولين بأن للآية مفهوما دالا على أن الأذية للمؤمن والمؤمنة بما كسبوه ليست من الأذية المحرمة شرط ألا تتجاوز ما شرعه الله. ولا يلزم من القول بصحة هذا الاستنباط أن يفتئت الناس على ولي الأمر في أخذ حقوقهم، ومجازاة من ظلمهم فيما هو من شأن ولي الأمر، وأما ما دون ذلك فجائز لهم شرط ألا يكون فيه عدوان. وقد قال الشوكاني في آخر استنباطه (ما لم يجاوز ما شرعه الله) وهذا الشرط يتضمن ما ذكره ابن عاشور؛ فإن عموم الناس إن جازَوا فيما هو من حق ولي الأمر كان ذلك مجاوزة للشرع. والإيذاء في بعض المواضع حق، ولذا جاء هذا القيد هنا ولم يُذكر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧]. قال الزمخشري: (وأطلق إيذاء الله ورسوله، وقيد إيذاء المؤمنين والمؤمنات؛ لأن أذى الله ورسوله لا يكون إلا غير حق أبدا، وأما أذى المؤمنين والمؤمنات فمنه، ومنه) (٣). ١٨١ - الزجر عن التقليد (٤). قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧)﴾ الأحزاب: ٦٧. قال الشوكاني-﵀: (﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧)﴾ … والمراد بالسادة والكبراء هم الرؤساء والقادة الذين كانوا يمتثلون أمرهم في الدنيا ويقتدون بهم. وفي هذا زجر عن التقليد شديد. وكم في الكتاب العزيز من التنبيه علي هذا، والتحذير منه، والتنفير عنه، ولكن لمن يفهم معنى كلام الله، ويقتدي به، وينصف من نفسه، لا لمن هو من جنس الأنعام في سوء الفهم، ومزيد البلادة، وشدة التعصب) (٥).

стр. 482

الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ الزجر عن التقليد. (١). ووجه الاستنباط: أن أهل النار يتحسرون ويندمون قائلين: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ يعني بدل طاعة الله تعالى أطعنا السادة، وبدل طاعة الرسول أطعنا الكبراء، وتركنا طاعة سيد السادات وأكبر الأكابر، فبُدلنا الخير بالشر فلا جرم فاتنا خير الجنان، وأوتينا شر النيران (٢)، فمقولتهم هذه دالة على أن الذي صَّيرهم إلى النار التقليد المخالف لأمر الله ورسله؛ فدل ذكر ذنبهم -التقليد- الذي أوردهم النار على الزجر عن التقليد. وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، والقنوجي. (٣).

стр. 483

سورة فاطر ١٨٢ - سرعة دخول أهل الجنة إلى الجنة (١). قال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣)﴾ فاطر: ٣٣. قال الشوكاني ﵀: ( … وفيه إشارة إلى سرعة الدخول، فإن في تحليتهم خارج الجنة تأخيرا للدخول، فلما قال: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ أشار أن دخولهم على وجه السرعة) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ سرعة دخول أهل الجنة إلى الجنة. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما ذكر دخول أهل الجنة إلى الجنة (٤) ذكر أن تحليتهم تكون في الجنة لا خارجها؛ لأن التحلية لو وقعت خارجا لكان فيه تأخير لدخولهم؛ فدل ذلك على سرعة دخولهم إلى الجنة.

стр. 484

قال الرازي: (قوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ إشارة إلى سرعة الدخول، فإن التحلية لو وقعت خارجا لكان فيه تأخير الدخول، فقال يدخلونها وفيها تقع تحليتهم) (١). وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي-كما تقدم-، وابن عادل الحنبلي، والقنوجي، والهرري. (٢). وفي هذا الاستنباط ما يؤكد سرعة إنجاز الله تعالى لعباده ما وعدهم إياه.

стр. 485

سورة يس ١٨٣ - الحب (١) معظم ما يؤكل، وأكثر ما يقوم به المعاش (٢). قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ يس: ٣٣. قال الشوكاني ﵀: (قوله: ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ وهو ما يقتاتونه من الحبوب. وتقديم منه للدلالة على أن الحب معظم ما يؤكل وأكثر ما يقوم به المعاش) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني- ﵀ أن الحب معظم ما يؤكل وأكثر ما يقوم به المعاش. ووجه الاستنباط: أن الآية جاء فيها تقديم منه على فعل الأكل؛ فدل ذلك بدلالة التقديم على أن الحب معظم ما يؤكل وأكثر ما يقوم به المعاش. قال الزمخشري: (وقوله: ﴿حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ بتقديم الظرف للدلالة على أن الحب هو الشيء الذي يتعلق به معظم العيش، ويقوم بالارتزاق منه صلاح الإنس، وإذا قل جاء القحط، ووقع الضر، وإذا فقد جاء الهلاك، ونزل البلاء) (٤). وقال الرازي: (قال عن ذكر الحب: ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ وفي الأشجار والثمار قال: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ (٥) [يس: من الآية ٣٥]؛ وذلك لأن الحب قوت لا بد منه فقال: ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ أي: هم آكلوه، وأما الثمار ليست كذلك، فكأنه تعالى قال: إن كنا ما أخرجناها كانوا يبقون من غير أكل فأخرجناها ليأكلوها) (٦). وقال ابن عثيمين: (﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ دليل على سهولة تناول هذا الحب وعظم فائدته، وأنه حب نافع سهل التناول؛ لأنه لو كان صعبا لكانوا لا يستطيعون الأكل منه إلا بمشقة عظيمة؛ ولهذا قال: ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ قدم المعمول لإفادة الحصر، لكنه حصر إضافي لسهولته، كأنه لا أكل لهم إلا من هذا السهل المتيسر) (٧).

стр. 486

وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري-كما تقدم-، والبيضاوي، والرازي-كما تقدم-، وأبو السعود، والقنوجي، وابن عثيمين كما تقدم. (١). ويدل على صحة هذا المعنى أن الله تعالى امتن على عباده بالحب في قوله تعالى: … ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢)﴾ [الرحمن: ١٢]. وجاء الامتنان بالحب موضحا في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩)﴾ [ق: ٩]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ … خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾ [الأنعام: ٩٩]، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧)﴾ [عبس: ٢٧] إلى غير ذلك من الآيات (٢).

стр. 487

سورة الصافات ١٨٤ - البشارة لإبراهيم ﵇ ببقاء الغلام المبشر به حتى يكبر ويصير حليما (١). قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ الصافات: ١٠١. قال الشوكاني ﵀: (ومعنى حليم أن يكون حليما عند كبره، فكأنه بشر ببقاء ذلك الغلام حتى يكبر ويصير حليما؛ لأن الصغير لا يوصف بالحلم. قال الزجاج: هذه البشارة تدل على أنه مبشر بابن ذكر، وأنه يبقى حتى ينتهي في السن، ويوصف بالحلم (٢) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني (٤) ﵀ من الآية البشارة لإبراهيم ﵇ ببقاء الغلام المبشر به حتى يكبر ويصير حليما. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى بشر إبراهيم ﵇ بغلام حليم؛ والصغير لا يوصف بالحلم؛ فدل ذلك بدلالة الالتزام على بقاء الغلام المبشر به حتى يكبر ويصير حليما. قال البغوي: (ففيه بشارة أنه نبي، وأنه يعيش فينتهي في السن حتى يوصف بالحلم) (٥). وممن قال بهذا الاستنباط: البغوي-كما تقدم-، والقرطبي، وابن عادل، والقنوجي. (٦). وهذا الاستنباط على أن الصغير لا يوصف بالحلم وهو الأظهر. أما على القول بأن الله بشره بغلام حليم يعني في صغره، عليم في كبره (٧) فلا يصح هذا الاستنباط.

стр. 488

سورة الزمر ١٨٥ - تبشير المؤمنين بأعظم ما يرجونه من دفع الضرر عنهم (١). قال تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)﴾ الزمر: ٣٥ قال الشوكاني ﵀: (﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ فإن ذلك هو أعظم ما يرجونه من دفع الضرر عنهم؛ لأن الله سبحانه إذا غفر لهم ما هو الأسوأ من أعمالهم غفر لهم ما دونه بطريقة الأولى) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني- ﵀ من الآية تبشير المؤمنين بأعظم ما يرجونه من دفع الضرر عنهم. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أنه يكفر عن المحسنين (٣) أسوأ ما عملوه؛ فدل ذلك بدلالة مفهوم الموافقة- مفهوم الأولى- على أنه سبحانه يغفر لهم ما دونه، وهذه بشارة لهم بأعظم ما يرجونه من دفع الضرر عنهم. وممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي، وأبو حيان، والقنوجي، وابن عاشور. (٤). وهذا الاستنباط على أن أسوأ هنا أفعل تفضيل. قال أبو حيان: (والظاهر أن أسوأ هنا أفعل تفضيل وبه قرأ الجمهور، وإذا كفر أسوأ أعمالهم فتكفير ما هو دونه أحرى) (٥).

стр. 489

وقيل: أفعل ليس للتفضيل، بل من إضافة الشيء إلى بعضه للقصد إلى التحقيق والتوضيح من غير اعتبار تفضيله عليه، فيكون الأسوأ هنا أي: سيء الذي عملوا، فالزيادة المعتبرة فيهما ليست بطريق الحقيقة بل هي في الأول بالنظر إلى ما يليق بحالهم من استعظام سيئاتهم وإن قلت، واستصغار حسناتهم وإن جلت. والثاني بالنظر إلى لطف أكرم الأكرمين من استكثار الحسنة اليسيرة ومقابلتها بالمثوبات الكثيرة. وحمل الزيادة على الحقيقة وإن أمكن في الأول بناء على أن تخصيص الأسوأ بالذكر لبيان تكفير ما دونه بطريق الأولوية ضرورة استلزام تكفير الأسوأ لتكفير السيء، لكن لما لم يكن ذلك في الأحسن كان الأحسن نظمهما في سلك واحد من الاعتبار (١). فعلى هذا القول لا يصح هذا الاستنباط. والأول- والله أعلم- أظهر؛ لأن حمل الكلام على الحقيقة أولى، ولفظ الأحسن لا يشكل عليه ما ذُكر إذ يمكن حمله على الحقيقة، ويكون المعنى كما قال أبو حيان: (والظاهر أن بأحسن أفعل تفضيل، فقيل: لينظر إلى أحسن طاعاته فيجزي الباقي في الجزاء على قياسه، وإن تخلف عنه بالتقصير. وقيل: بأحسن ثواب أعمالهم. وقيل: بأحسن من عملهم، وهو الجنة، وهذا ينبو عنه ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي﴾) (٢). ١٨٦ - نهي المذنبين غير المسرفين عن القنوط (٣). قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ … الرَّحِيمُ … (٥٣)﴾ الزمر: ٥٣. قال الشوكاني ﵀: (واعلم أن هذه الآية أرجى آية في كتاب الله سبحانه لاشتمالها على أعظم بشارة، فإنه أولا أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم ومزيد تبشيرهم، ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي والاستكثار من الذنوب، ثم عقب ذلك بالنهي عن القنوط من الرحمة لهؤلاء المستكثرين من الذنوب، فالنهي عن القنوط للمذنبين غير المسرفين من باب الأولى وبفحوى الخطاب) (٤).

стр. 490

الدراسة: استنبط الشوكاني- ﵀ نهي المذنبين غير المسرفين عن القنوط. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى نهى المسرفين في المعاصي والذنوب عن القنوط من رحمة الله مع كثرة معاصيهم، وعظيم ذنوبهم؛ فدل ذلك بمفهوم الموافقة- مفهوم الأولى- على نهي المذنبين غير المسرفين عن القنوط. وهذا الاستنباط نقله القنوجي (١). وفي هذا الاستنباط تنبيه للمؤمنين على أن يتعلقوا بربهم، ويرجوا رحمته، وألا ييأسوا من روح الله صغرت ذنوبهم أو عظمت. ويدل على هذا المعنى المستنبط عموم قوله تعالى: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ [يوسف: ٨٧]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾ [الحجر: ٥٦]؛ فإن اليأس والقنوط استصغار لسعة رحمة الله ومغفرته.

стр. 491

سورة غافر ١٨٧ - مناسبة الجمع بين إظهار الآيات وإنزال الأرزاق أن بإظهار الآيات قوام الأديان وبالأرزاق قوام الأبدان (١). قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ غافر: ١٣. قال الشوكاني ﵀: (﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ يعني المطر فإنه سبب الأرزاق، جمع سبحانه بين إظهار الآيات وإنزال الأرزاق؛ لأن بإظهار الآيات قوام الأديان وبالأرزاق قوام الأبدان) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ أن مناسبة الجمع بين إظهار الآيات وإنزال الأرزاق أن بإظهار الآيات قوام الأديان وبالأرزاق قوام الأبدان. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى امتن على عباده بما فيه مصلحة أديانهم، بإظهار آياته للعباد، أي: يظهر قدرته لخلقه بما يشاهدونه في خلقه العلوي والسفلي من الآيات العظيمة الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها. ثم امتن عليهم بما فيه مصلحة أبدانهم بإنزال المطر الذي يخرج به من الزروع والثمار ما هو مشاهد بالحس من اختلاف ألوانه، وطعومه، وروائحه، وأشكاله، وألوانه وهو ماء واحد؛ فدل الجمع بين إظهار الآيات وإنزال المطر بدلالة الربط بين أجزاء الآية على أن مناسبة الجمع بينهما أن بإظهار الآيات قوام الأديان وبالأرزاق قوام الأبدان. قال ابن عادل: (واعلم أن أهم المهمات رعايةُ مصالح الأديان ومصالح الأبدان، فالله تعالى يراعي مصالح أديان العباد بإظهار البَيِّنات والآيات، وراعى مصالح العباد بأبدانهم بإنزال الرزق من السماء، فموقع الآيات من الأديان كموقع الأرزاق من الأبدان وعند حصولها يحصل الإنعام الكامل) (٤). وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وابن عادل-كما تقدم-، والقنوجي، والهرري. (٥).

стр. 492

وفي هذا الاستنباط تنبيه على أهمية التوازن في حياة المسلم، فلا تعارض بين مراعاة مصالح البدن ومصالح الدين.

стр. 493

سورة الزخرف ١٨٨ - التنعم هو سبب إهمال النظر (١). قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ الزخرف: ٢٣. قال الشوكاني ﵀: (وخصص المترفين تنبيها على أن التنعم هو سبب إهمال النظر) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني- ﵀ أن التنعم هو سبب إهمال النظر. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما ذكر تكذيب الأمم بالرسل خص بالذكر المترفين من عموم المكذبين؛ فدل هذا التخصيص على أن التنعم هو سبب إهمال النظر. قال أبو السعود: (وتخصيص المترفين بتلك المقالة للإيذان بأن التنعيم، وحب الإطالة هو الذي صرفهم عن النظر إلى التقليد) (٣). وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود-كما تقدم-، والبروسوي، والآلوسي، والقنوجي، والقاسمي، والهرري (٤). وفي هذا الاستنباط تحذير من المبالغة في التنعم، والانغماس في ملذات الدنيا؛ فإنها دافعة إلى النفرة من لوازم الدين، داعية إلى كره الحق وإنكاره. ١٨٩ - بطلان التقليد وقبحه (٥). قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ … (٢٤)﴾ الزخرف: ٢٢ - ٢٤. قال الشوكاني ﵀: (وهذا من أعظم الأدلة الدالة على بطلان التقليد وقبحه، فإن هؤلاء المقلدة في الإسلام إنما يعملون بقول أسلافهم، ويتبعون آثارهم، ويقتدون بهم، فإذا رام الداعي إلى الحق أن يخرجهم من ضلالة، أو يدفعهم عن بدعة قد تمسكوا بها، وورثوها عن أسلافهم بغير دليل نير ولا حجة واضحة، بل بمجرد قال وقيل لشبهة داحضة، وحجة زائفة، ومقالة باطلة قالوا بما قاله المترفون من هذه الملل ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ أو بما يلاقى معناه معنى ذلك. فإن قال لهم الداعي إلى الحق قد جمعتنا الملة الإسلامية، وشملنا هذا الدين المحمدي، ولم يتعبدنا الله ولا تعبدكم وتعبد آباءكم من قبلكم إلا بكتابه الذي أنزله على رسوله، وبما صح عن رسوله فإنه المبين لكتاب الله، الموضح لمعانيه، الفارق بين محكمه ومتشابهه، فتعالوا نرد ما تنازعنا فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله كما أمرنا الله بذلك في كتابه بقوله:

стр. 494

﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١) [النساء: ٥٩] فإن الرد إليهما أهدى لنا ولكم من الرد إلى ما قاله أسلافكم، ودرج عليه آباؤكم نفروا نفور الوحوش، ورموا الداعي لهم إلى ذلك بكل حجر ومدر، كأنهم لم يسمعوا قول الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا كَانَ … قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (٢) [النور: من الآية ٥١]، ولا قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥] فإن قال لهم: القائل هذا العالم الذي تقتدون به، وتتبعون أقواله هو مثلكم في كونه متعبدا بكتاب الله وسنة رسوله، مطلوبا منه ما هو مطلوب منكم، وإذا عمل برأيه عند عدم وجدانه للدليل فذلك رخصة له لا يحل أن يتبعه غيره عليها، ولا يجوز له العمل بها، وقد وجدوا الدليل الذي لم يجده، وها أنا أوجدكموه في كتاب الله، أو فيما صح من سنة رسوله، وذلك أهدى لكم مما وجدتم عليه آباءكم قالوا: لا نعمل بهذا، ولا سمع لك ولا طاعة، ووجدوا في صدورهم أعظم الحرج من حكم الكتاب والسنة، ولم يسلموا ذلك، ولا أذعنوا له. وقد وهب لهم الشيطان عصى يتوكئون عليها عند أن يسمعوا من يدعوهم إلى الكتاب والسنة وهي أنهم يقولون: إن إمامنا الذي قلدناه واقتدينا به أعلم منك بكتاب الله وسنة رسوله؛ وذلك لأن أذهانهم قد تصورت من يقتدون به تصورا عظيما بسبب تقدم العصر، وكثرة الأتباع، وما علموا أن هذا منقوض عليهم، مدفوع به في وجوههم، فإنه لو قيل لهم: إن في التابعين من هو أعظم قدرا، وأقدم عصرا من صاحبكم، فإن كان لتقدم العصر، وجلالة القدر مزية حتى توجب الاقتداء فتعالوا حتى أريكم من هو أقدم عصرا، وأجل قدرا، فإن أبيتم ذلك ففي الصحابة ﵃ من هو أعظم قدرا من صاحبكم علما وفضلا وجلالة قدر، فإن أبيتم ذلك فها أنا أدلكم على من هو أعظم قدرا، وأجل خطرا، وأكثر أتباعا، وأقدم عصرا وهو محمد بن عبد الله نبينا ونبيكم، ورسول الله إلينا وإليكم، فتعالوا فهذه سنته موجودة في دفاتر الإسلام ودواوينه التي تلقتها جميع هذه الأمة قرنا بعد قرن، وعصرا بعد عصر، وهذا كتاب ربنا خالق الكل، ورازق الكل، وموجد الكل بين أظهرنا موجود في كل بيت، وبيد كل مسلم لم يلحقه تغيير، ولا تبديل، ولا زيادة، ولا نقص، ولا تحريف، ولا تصحيف، ونحن وأنتم ممن يفهم ألفاظه، ويتعقل معانيه، فتعالوا لنأخذ الحق من معدنه، ونشرب صفو الماء من منبعه، فهو أهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا: لا سمع ولا طاعة، إما بلسان المقال، أو بلسان الحال، فتدبر هذا وتأمله أن بقى فيك بقية من إنصاف، وشعبة من خير، ومزعة من حياء، وحصة من دين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقد أوضحت هذا غاية الإيضاح في كتابي الذي سميته أدب الطلب ومنتهى الأرب فارجع إليه إن رمت أن تنجلي عنك ظلمات التعصب، وتتقشع لك سحائب التقليد) (٣).

стр. 495

الدراسة: استنبط الشوكاني- ﵀ بطلان التقليد وقبحه (١). ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذم الكفار في تقليد آبائهم في دينهم؛ فدل ذلك بدلالة الاعتبار بقصص السابقين على إبطال التقليد. قال الطوفي: (الآيات دلت على ذم التقليد، والمشهور المطابق لهذه الآية أنه متابعة الغير في قول أو فعل من غير دليل، بل لحسن ظن به، أو غلبة عادة وإلف) (٢). وممن قال بهذا الاستنباط: الطوفي-كما تقدم-، والقنوجي. (٣). وإنما جاز استنباط إبطال التقليد من هذه الآيات مع أنها في الكفار؛ لأن التشبيه لم يقع من جهة الكفر والإيمان، وإنما وقع التشبيه بين المقلدين بغير حجة للمقلد، فالتقليد يشبه بعضه بعضا وإن اختلفت الآثام فيه. قال ابن القيم: فإن قيل: إنما ذم من قلد الكفار وآباءه الذين لا يعقلون شيئا ولا يهتدون، ولم يذم من قلد العلماء المهتدين، بل قد أمر بسؤال أهل الذكر وهم أهل العلم، وذلك تقليد لهم، فقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ … لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ (٤) [النحل: من الآية ٤٣] وهذا أمر لمن لا يعلم بتقليد من يعلم؛ فالجواب: أنه سبحانه ذم من أعرض عما أنزله إلى تقليد الآباء، وهذا القدر من التقليد هو مما اتفق السلف، والأئمة الأربعة على ذمه وتحريمه، وأما تقليد من بذل جهده في اتباع ما أنزل الله، وخفي عليه بعضه فقلد فيه من هو أعلم منه؛ فهذا محمود غير مذموم، ومأجور غير مأزور … والله تعالى قال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٥) [الإسراء: من الآية ٣٦] والتقليد ليس بعلم باتفاق أهل العلم … فهذا المقلد إن كان يعرف ما أنزل الله على رسوله فهو مهتد وليس بمقلد، وإن كان لم يعرف ما أنزل الله على رسوله فهو جاهل ضال بإقراره على نفسه، فمن أين يعرف أنه على هدى في تقليده، وهذا جواب كل سؤال يوردونه في هذا الباب، وأنهم إذا كانوا إنما يقلدون أهل الهدى فهم في تقليدهم على الهدى … وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد، ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها؛ لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر، وإنما وقع التشبيه بين المقلدين بغير حجة للمقلد، كما لو قلد رجلا فكفر، وقلد آخر فأذنب، وقلد آخر في مسألة فأخطأ وجهها؛ كان كل واحد ملوما على التقليد بغير حجة؛ لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضا وإن اختلفت الآثام فيه (٦).
следующие страницы →