← Тафсир

Тафсир · id 750

استنباطات الشوكاني في تفسيره فتح القدير

خلود شاكر فهيد العبدلي

Полный текст (565 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

سورة غافر ١٨٧ - مناسبة الجمع بين إظهار الآيات وإنزال الأرزاق أن بإظهار الآيات قوام الأديان وبالأرزاق قوام الأبدان (١). قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ غافر: ١٣. قال الشوكاني ﵀: (﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ يعني المطر فإنه سبب الأرزاق، جمع سبحانه بين إظهار الآيات وإنزال الأرزاق؛ لأن بإظهار الآيات قوام الأديان وبالأرزاق قوام الأبدان) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ أن مناسبة الجمع بين إظهار الآيات وإنزال الأرزاق أن بإظهار الآيات قوام الأديان وبالأرزاق قوام الأبدان. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى امتن على عباده بما فيه مصلحة أديانهم، بإظهار آياته للعباد، أي: يظهر قدرته لخلقه بما يشاهدونه في خلقه العلوي والسفلي من الآيات العظيمة الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها. ثم امتن عليهم بما فيه مصلحة أبدانهم بإنزال المطر الذي يخرج به من الزروع والثمار ما هو مشاهد بالحس من اختلاف ألوانه، وطعومه، وروائحه، وأشكاله، وألوانه وهو ماء واحد؛ فدل الجمع بين إظهار الآيات وإنزال المطر بدلالة الربط بين أجزاء الآية على أن مناسبة الجمع بينهما أن بإظهار الآيات قوام الأديان وبالأرزاق قوام الأبدان. قال ابن عادل: (واعلم أن أهم المهمات رعايةُ مصالح الأديان ومصالح الأبدان، فالله تعالى يراعي مصالح أديان العباد بإظهار البَيِّنات والآيات، وراعى مصالح العباد بأبدانهم بإنزال الرزق من السماء، فموقع الآيات من الأديان كموقع الأرزاق من الأبدان وعند حصولها يحصل الإنعام الكامل) (٤). وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وابن عادل-كما تقدم-، والقنوجي، والهرري. (٥).

стр. 492

وفي هذا الاستنباط تنبيه على أهمية التوازن في حياة المسلم، فلا تعارض بين مراعاة مصالح البدن ومصالح الدين.

стр. 493

سورة الزخرف ١٨٨ - التنعم هو سبب إهمال النظر (١). قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ الزخرف: ٢٣. قال الشوكاني ﵀: (وخصص المترفين تنبيها على أن التنعم هو سبب إهمال النظر) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني- ﵀ أن التنعم هو سبب إهمال النظر. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما ذكر تكذيب الأمم بالرسل خص بالذكر المترفين من عموم المكذبين؛ فدل هذا التخصيص على أن التنعم هو سبب إهمال النظر. قال أبو السعود: (وتخصيص المترفين بتلك المقالة للإيذان بأن التنعيم، وحب الإطالة هو الذي صرفهم عن النظر إلى التقليد) (٣). وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود-كما تقدم-، والبروسوي، والآلوسي، والقنوجي، والقاسمي، والهرري (٤). وفي هذا الاستنباط تحذير من المبالغة في التنعم، والانغماس في ملذات الدنيا؛ فإنها دافعة إلى النفرة من لوازم الدين، داعية إلى كره الحق وإنكاره. ١٨٩ - بطلان التقليد وقبحه (٥). قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ … (٢٤)﴾ الزخرف: ٢٢ - ٢٤. قال الشوكاني ﵀: (وهذا من أعظم الأدلة الدالة على بطلان التقليد وقبحه، فإن هؤلاء المقلدة في الإسلام إنما يعملون بقول أسلافهم، ويتبعون آثارهم، ويقتدون بهم، فإذا رام الداعي إلى الحق أن يخرجهم من ضلالة، أو يدفعهم عن بدعة قد تمسكوا بها، وورثوها عن أسلافهم بغير دليل نير ولا حجة واضحة، بل بمجرد قال وقيل لشبهة داحضة، وحجة زائفة، ومقالة باطلة قالوا بما قاله المترفون من هذه الملل ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ أو بما يلاقى معناه معنى ذلك. فإن قال لهم الداعي إلى الحق قد جمعتنا الملة الإسلامية، وشملنا هذا الدين المحمدي، ولم يتعبدنا الله ولا تعبدكم وتعبد آباءكم من قبلكم إلا بكتابه الذي أنزله على رسوله، وبما صح عن رسوله فإنه المبين لكتاب الله، الموضح لمعانيه، الفارق بين محكمه ومتشابهه، فتعالوا نرد ما تنازعنا فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله كما أمرنا الله بذلك في كتابه بقوله:

стр. 494

﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١) [النساء: ٥٩] فإن الرد إليهما أهدى لنا ولكم من الرد إلى ما قاله أسلافكم، ودرج عليه آباؤكم نفروا نفور الوحوش، ورموا الداعي لهم إلى ذلك بكل حجر ومدر، كأنهم لم يسمعوا قول الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا كَانَ … قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (٢) [النور: من الآية ٥١]، ولا قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥] فإن قال لهم: القائل هذا العالم الذي تقتدون به، وتتبعون أقواله هو مثلكم في كونه متعبدا بكتاب الله وسنة رسوله، مطلوبا منه ما هو مطلوب منكم، وإذا عمل برأيه عند عدم وجدانه للدليل فذلك رخصة له لا يحل أن يتبعه غيره عليها، ولا يجوز له العمل بها، وقد وجدوا الدليل الذي لم يجده، وها أنا أوجدكموه في كتاب الله، أو فيما صح من سنة رسوله، وذلك أهدى لكم مما وجدتم عليه آباءكم قالوا: لا نعمل بهذا، ولا سمع لك ولا طاعة، ووجدوا في صدورهم أعظم الحرج من حكم الكتاب والسنة، ولم يسلموا ذلك، ولا أذعنوا له. وقد وهب لهم الشيطان عصى يتوكئون عليها عند أن يسمعوا من يدعوهم إلى الكتاب والسنة وهي أنهم يقولون: إن إمامنا الذي قلدناه واقتدينا به أعلم منك بكتاب الله وسنة رسوله؛ وذلك لأن أذهانهم قد تصورت من يقتدون به تصورا عظيما بسبب تقدم العصر، وكثرة الأتباع، وما علموا أن هذا منقوض عليهم، مدفوع به في وجوههم، فإنه لو قيل لهم: إن في التابعين من هو أعظم قدرا، وأقدم عصرا من صاحبكم، فإن كان لتقدم العصر، وجلالة القدر مزية حتى توجب الاقتداء فتعالوا حتى أريكم من هو أقدم عصرا، وأجل قدرا، فإن أبيتم ذلك ففي الصحابة ﵃ من هو أعظم قدرا من صاحبكم علما وفضلا وجلالة قدر، فإن أبيتم ذلك فها أنا أدلكم على من هو أعظم قدرا، وأجل خطرا، وأكثر أتباعا، وأقدم عصرا وهو محمد بن عبد الله نبينا ونبيكم، ورسول الله إلينا وإليكم، فتعالوا فهذه سنته موجودة في دفاتر الإسلام ودواوينه التي تلقتها جميع هذه الأمة قرنا بعد قرن، وعصرا بعد عصر، وهذا كتاب ربنا خالق الكل، ورازق الكل، وموجد الكل بين أظهرنا موجود في كل بيت، وبيد كل مسلم لم يلحقه تغيير، ولا تبديل، ولا زيادة، ولا نقص، ولا تحريف، ولا تصحيف، ونحن وأنتم ممن يفهم ألفاظه، ويتعقل معانيه، فتعالوا لنأخذ الحق من معدنه، ونشرب صفو الماء من منبعه، فهو أهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا: لا سمع ولا طاعة، إما بلسان المقال، أو بلسان الحال، فتدبر هذا وتأمله أن بقى فيك بقية من إنصاف، وشعبة من خير، ومزعة من حياء، وحصة من دين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقد أوضحت هذا غاية الإيضاح في كتابي الذي سميته أدب الطلب ومنتهى الأرب فارجع إليه إن رمت أن تنجلي عنك ظلمات التعصب، وتتقشع لك سحائب التقليد) (٣).

стр. 495

الدراسة: استنبط الشوكاني- ﵀ بطلان التقليد وقبحه (١). ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذم الكفار في تقليد آبائهم في دينهم؛ فدل ذلك بدلالة الاعتبار بقصص السابقين على إبطال التقليد. قال الطوفي: (الآيات دلت على ذم التقليد، والمشهور المطابق لهذه الآية أنه متابعة الغير في قول أو فعل من غير دليل، بل لحسن ظن به، أو غلبة عادة وإلف) (٢). وممن قال بهذا الاستنباط: الطوفي-كما تقدم-، والقنوجي. (٣). وإنما جاز استنباط إبطال التقليد من هذه الآيات مع أنها في الكفار؛ لأن التشبيه لم يقع من جهة الكفر والإيمان، وإنما وقع التشبيه بين المقلدين بغير حجة للمقلد، فالتقليد يشبه بعضه بعضا وإن اختلفت الآثام فيه. قال ابن القيم: فإن قيل: إنما ذم من قلد الكفار وآباءه الذين لا يعقلون شيئا ولا يهتدون، ولم يذم من قلد العلماء المهتدين، بل قد أمر بسؤال أهل الذكر وهم أهل العلم، وذلك تقليد لهم، فقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ … لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ (٤) [النحل: من الآية ٤٣] وهذا أمر لمن لا يعلم بتقليد من يعلم؛ فالجواب: أنه سبحانه ذم من أعرض عما أنزله إلى تقليد الآباء، وهذا القدر من التقليد هو مما اتفق السلف، والأئمة الأربعة على ذمه وتحريمه، وأما تقليد من بذل جهده في اتباع ما أنزل الله، وخفي عليه بعضه فقلد فيه من هو أعلم منه؛ فهذا محمود غير مذموم، ومأجور غير مأزور … والله تعالى قال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٥) [الإسراء: من الآية ٣٦] والتقليد ليس بعلم باتفاق أهل العلم … فهذا المقلد إن كان يعرف ما أنزل الله على رسوله فهو مهتد وليس بمقلد، وإن كان لم يعرف ما أنزل الله على رسوله فهو جاهل ضال بإقراره على نفسه، فمن أين يعرف أنه على هدى في تقليده، وهذا جواب كل سؤال يوردونه في هذا الباب، وأنهم إذا كانوا إنما يقلدون أهل الهدى فهم في تقليدهم على الهدى … وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد، ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها؛ لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر، وإنما وقع التشبيه بين المقلدين بغير حجة للمقلد، كما لو قلد رجلا فكفر، وقلد آخر فأذنب، وقلد آخر في مسألة فأخطأ وجهها؛ كان كل واحد ملوما على التقليد بغير حجة؛ لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضا وإن اختلفت الآثام فيه (٦).

стр. 496

سورة الأحقاف ١٩٠ - حق الأم آكد من حق الأب (١). قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ الأحقاف: ١٥. قال الشوكاني ﵀: ( … وفي هذه الآية إشارة إلى أن حق الأم آكد من حق الأب؛ لأنها حملته بمشقة، ووضعته بمشقة، وأرضعته هذه المدة بتعب ونصب، ولم يشاركها الأب في شيء من ذلك) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ أن حق الأم آكد من حق الأب. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى وصى بالوالدين إحسانا فذكرهما جميعا، ثم خص الأم بذكر ما لاقته من نصب الحمل، ومشقة الوضع، وتعب الإرضاع؛ فدل ذلك على أن حق الأم آكد من حق الأب. قال ابن عادل: (دلت الآية على أن حق الأم أعظم؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ فذكرهما معاً، ثم خص الأُمَّ بالذكر فقال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ وذلك يدل على أن حقها أعظمُ، وأَنَّ وصول المشاقّ إليهما بسبب الولد كثيرة) (٤). وهذا يستدعي الإحسان الزائد إليها، والبر بها.

стр. 497

وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عادل-كما تقدم-، والقنوجي، والهرري. (١). ١٩١ - ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من الدعاء بقول: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ (٢). قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ الأحقاف: ١٥. قال الشوكاني ﵀: (وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من هذه الدعوات) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني (٤) ﵀ من الآية أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من الدعاء بقول: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾. وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري (٥). وأشار ابن كثير لمعنى قريب من هذا المعنى، فقال: (وهذا فيه إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد التوبة والإنابة إلى الله ويعزم عليها) (٦).

стр. 498

١٩٢ - حكم الجن كحكم الإنس في الثواب، والعقاب، والتعبد بالأوامر والنواهي (١). قال تعالى: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾ الأحقاف: ٣١. قال الشوكاني ﵀: (﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾ وهو عذاب النار. وفي هذه الآية دليل على إن حكم الجن حكم الإنس في الثواب، والعقاب، والتعبد بالأوامر والنواهي) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ أن حكم الجن كحكم الإنس في الثواب، والعقاب، والتعبد بالأوامر والنواهي (٤). ووجه الاستنباط: أن في الآية دعوة الجن للاستجابة إلى أمر الله، وترتيب ثواب وعقاب على ذلك؛ فدل على أن حكم الجن كحكم الإنس في الثواب، والعقاب، والتعبد بالأوامر والنواهي. قال الآلوسي: وهذا ونحوه يدل على أن الجن مكلفون (٥). وقال ابن تيمية: (والجن مكلفون كتكليف الإنس. ومحمد ﷺ مرسل إلى الثقلين الجن والإنس، وكفار الجن يدخلون النار بنصوص وإجماع المسلمين، وأما مؤمنهم ففيهم قولان، وأكثر العلماء على أنهم يثابون أيضا ويدخلون الجنة) (٦). وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وأبو حيان، وابن عادل، والآلوسي، والقنوجي، والهرري. (٧).

стр. 499

سورة الفتح ١٩٣ - مناسبة تقديم إدخال المؤمنين الجنة على تكفير سيئاتهم مع أن الأمر بالعكس (١). قال تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥)﴾ الفتح: ٥. قال الشوكاني ﵀: (وقدم الإدخال على التكفير مع أن الأمر بالعكس؛ للمسارعة إلى بيان ما هو المطلب الأعلى والمقصد الأسنى) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ أن مناسبة تقديم إدخال المؤمنين الجنة على تكفير سيئاتهم المسارعة إلى بيان ما هو المطلب الأعلى والمقصد الأسنى. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قدم في الآية ذكر إدخال المؤمنين الجنة على تكفير سيئاتهم مع أن مع أن الترتيب في الوجود على العكس من حيث إن التخلية قبل التحلية؛ فدل بدلالة التقديم على المسارعة إلى بيان ما هو المطلب الأعلى والمقصد الأسنى. وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والبروسوي، والآلوسي، والقنوجي، والهرري. (٣). ١٩٤ - المنافقون أشد عذابا من المشركين (٤). قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ الفتح: ٦ قال الشوكاني ﵀: (وفي تقديم المنافقين على المشركين دلالة على أنهم أشد منهم عذابا، وأحق منهم بما وعدهم الله به) (٥). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ أن المنافقين أشد عذابا من المشركين. ووجه الاستنباط: أن الله توعد المنافقين والمشركين، فقدم المنافقين في الذكر؛ فدل بدلالة التقديم على أن المنافقين أشد عذابا من المشركين؛ لأن المنافقين كانوا أشد ضررا على المؤمنين من الكافرين المجاهرين (٦)؛ لأن الكافر يمكن أن يُحترز منه، ويُجاهد؛ لأنه عدو مبين، فيتوقي المؤمن من شره، والمنافق لا يمكن أن يُحترز منه، ولا يُجاهد؛ لأنه يُختلط؛ لظنه إيمانه فيفشي سره، فلهذا كان شره أكثر من شر الكافر، فكان تقديم المنافق بالذكر أولى.

стр. 500

وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والبروسوي، والقنوجي، والهرري. (١). ١٩٥ - على العباد ذكر المشيئة في كل كلام (٢). قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)﴾ الفتح: ٢٧. قال الشوكاني ﵀: (وقوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ تعليق للعدة بالمشيئة؛ لتعليم العباد لما يجب أن يقولوه، كما في قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني (٤) ﵀ على العباد ذكر المشيئة في كل كلام. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى خاطب عباده بما يحب أن يقولوه (٥)، فعلق أمرا متحقق الوقوع بالمشيئة؛ فدل هذا التعليق، وبدلالة الاقتداء بأفعال الله تعالى على أن على العباد ذكر المشيئة في كل كلام.

стр. 501

قال الزمخشري: فإن قلت: ما وجه دخول إن شاء الله في أخبار الله ؛ قلتُ: فيه وجوه: أن يعلق عدته بالمشيئة تعليما لعباده أن يقولوا في عداتهم مثل ذلك، متأدبين بأدب الله ومقتدين بسنته (١). وقال السيوطي: (فيه استحباب ذكر المشيئة في كل كلام) (٢). وممن قال بهذا الاستنباط: السمعاني، والزمخشري، والسيوطي-كما تقدم-، وأبو السعود، والبروسوي، والآلوسي، والقنوجي، والقاسمي. (٣).

стр. 502

سورة الذاريات ١٩٦ - مناسبة تخصيص القسم بالسماء المتصفة بالحبك (١). قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾ الذاريات: ٧ - ٨. قال الشوكاني ﵀: (﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾ هذا جواب القسم بالسماء ذات الحبك، أي أنكم يا أهل مكة لفي قول مختلف متناقض في محمد ﷺ بعضكم يقول: إنه شاعر، وبعضكم يقول: إنه ساحر، وبعضكم يقول: إنه مجنون. ووجه تخصيص القسم بالسماء المتصفة بتلك الصفة؛ تشبيه أقوالهم في اختلافها باختلاف طرائق السماء) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ أن مناسبة تخصيص القسم بالسماء المتصفة بتلك الصفة؛ تشبيه أقوالهم في اختلافها باختلاف طرائق السماء. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أقسم على أن الكفار في قول مختلف متناقض في أمر النبي محمد ﷺ ، وكان قبلها أقسم بالسماء ذات الطرائق؛ فدل تخصيص القسم بالسماء المتصفة بالطرائق على أن المناسبة بين المقسم والمقسم عليه أن أقوالهم تشبه في اختلافها اختلاف طرائق السماء. قال البيضاوي: (ولعل النكتة في هذا القسم تشبيه أقوالهم في اختلافها، وتنافي أغراضها بطرائق السموات في تباعدها، واختلاف غاياتها) (٣). وممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي، والبقاعي، والآلوسي، والقنوجي، وابن عاشور. (٤). وضعَّفه أبو السعود (٥). لكن الأظهر أنه ليس بضعيف، ويؤيده كون هذا الاستنباط يصح-والله أعلم- على جميع التفاسير لكلمة الحبك (٦)، فقيل في معانيها: المقصود ذات الخلق الحسن المستوي، أو ذات الزينة، أو ذات النجوم، أو ذات الشدة. ويمكن أن ترجع لمعنى واحد، قال الشوكاني: (على أنه يمكن أن ترجع تلك الأقوال في تفسير الحبك إلى هذا-أي الطرائق-، وذلك بأن يقال: إن ما في السماء من الطرائق يصح أن يكون سببا لمزيد حسنها، واستواء خلقها، وحصول الزينة فيها، ومزيد القوة لها) (٧).

стр. 503

وقد بين الآلوسي أن هذا الاستنباط يصح على التفاسير السابقة، فقال: (ولعل النكتة في ذلك القسم تشبيه أقوالهم في اختلافها وتنافي أغراضها بطرائق السماوات في تباعدها واختلاف هيئاتها، أو الإشارة إلى أنها ليست مستوية جيدة، أو ليست قوية محكمة، أو ليس فيها ما يزينها بل فيها ما يشينها من التناقض) (١). وفي هذا الاستنباط تنبيه على نوع هام من أنواع المناسبات هو التناسب والترابط بين المقسم به والمقسم عليه، إذ اختيار المقسم به تراعى فيه الصفة التي تناسب الموقف (٢). وقد نبه إلى هذا النوع ابن القيم، كما اعتنى به ابن عاشور في تفسيره (٣). قال ابن القيم -في سورة الضحى-: (فتأمل مطابقة هذا القسم، وهو نور الضحى الذي يوافي بعد ظلام الليل للمقسم عليه، وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنه حتى قال أعداؤه ودع محمدا ربه، فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه. وأيضا فإن فالق ظلمة الليل عن ضوء النهار هو الذي فلق ظلمة الجهل والشرك بنور الوحي والنبوة، فهذان للحس، وهذان للعقل. وأيضا فإن الذي اقتضت رحمته أن لا يترك عباده في ظلمة الليل سرمدا، بل هداهم بضوء النهار إلى مصالحهم ومعايشهم، لا يليق به أن يتركهم في ظلمة الجهل والغي، بل يهديهم بنور الوحي والنبوة إلى مصالح دنياهم وآخرتهم. فتأمل حسن ارتباط المقسم به بالمقسم عليه، وتأمل هذه الجزالة والرونق الذي على هذه الألفاظ والجلالة التي على معانيها) (٤).

стр. 504

سورة النجم ١٩٧ - مخاطبة قريش بأن النبي ﷺ صاحبهم إشارة إلى أنهم المطلعون على حقيقة حاله (١). قال تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢)﴾ النجم: ٢. قال الشوكاني ﵀: (وفي قوله: ﴿صَاحِبُكُمْ﴾ إشارة بأنهم المطلعون على حقيقة حاله) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ أن مخاطبة قريش بأن النبي ﷺ صاحبهم إشارة إلى أنهم المطلعون على حقيقة حاله (٣). ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما خاطب قريش جاء بوصف النبي ﷺ بأنه صاحبهم، ولم يقل: رسولهم، أو رسول الله، أو محمد؛ فدل ذلك على مزيد تقبيحهم وذمهم على تكذيبه؛ فإنهم يعرفونه ويعرفون نسبه، وصدقه، وأمانته، فهو ليس غريبا عنهم بل نشأ فيهم، وكانوا يصفونه قبل البعثة بالأمين والصادق، فكيف يكذبونه بعد البعثة، ومقتضى الصحبة أن يصدقوه وينصروه (٤). قال الهرري: وإيراده ﷺ بعنوان صاحبيته لهم للإيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله، وإحاطتهم خبرا ببراءته ﷺ مما نفي عنه بالكلية، واتصافه بغاية الهدى والرشاد؛ فإن طول صحبتهم له، ومشاهدتهم محاسن شؤونه العظيمة مقتضية لذلك حتما، فسمي النبي صاحبهم تنبيها على أنكم صحبتموه، وجربتموه، وعرفتم ظاهره وباطنه، ولم تجدوا به خبلا ولا جنة (٥). وممن قال بهذا الاستنباط: البقاعي-كما تقدم-، وأبو السعود، والقنوجي، والقاسمي، وابن عاشور، وابن عثيمين، والهرري. (٦). وهذا الاستنباط يصح على أن معنى صاحبكم مصاحبكم، ولا يستقيم على تفسير صاحبكم بمعنى سيدكم (٧).

стр. 505

١٩٨ - اقتراف -مجتنب الكبائر- اللمم (١) من الذنوب ذنب يفتقر إلى مغفرة الله (٢). قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ النجم: ٣٢. قال الشوكاني ﵀: (وجملة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ تعليل لما تضمنه الاستثناء، أي إن ذلك وإن خرج عن حكم المؤاخذة فليس يخلو عن كونه ذنبا يفتقر إلى مغفرة الله، ويحتاج إلى رحمته) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ اقتراف -مجتنب الكبائر- اللمم من الذنوب ذنب يفتقر إلى مغفرة الله. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى امتدح المحسنين الذين يجتنبون الكبائر إلا اللمم من الذنوب، ثم ذكر بعد هذا سعة مغفرته؛ فدلت مناسبة ذكرها (٤) على أن اقتراف مجتنب الكبائر اللمم من الذنوب ذنب يفتقر إلى مغفرة الله. وممن قال بهذا الاستنباط: أبو السعود، والبروسوي، والآلوسي، والقنوجي، والهرري. (٥).

стр. 506

١٩٩ - تسمية بعض النقم آلاء لأنها مشتملة على العبر والمواعظ، ولكون فيها انتقام من العصاة وفي ذلك نصرة للأنبياء والصالحين (١). قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾ النجم: ٥٥. قال الشوكاني ﵀: (وسمى هذه الأمور المذكورة آلاء أي نعما مع كون بعضها نقما لا نعما؛ لأنها مشتملة على العبر والمواعظ، ولكون فيها انتقام من العصاة وفي ذلك نصرة للأنبياء والصالحين) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ أن وجه تسمية بعض النقم آلاء أنها مشتملة على العبر والمواعظ، ولكون فيها انتقام من العصاة وفي ذلك نصرة للأنبياء والصالحين. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾ في سياق التهديد، فإن الله تعالى قبلها قال: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾، وقال بعدها: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨)﴾؛ فدل بدلالة الربط بين قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾ وما اتصل بها من آيات، أو بدلالة السياق (٣) على أن تسمية بعض النقم آلاء أنها مشتملة على العبر والمواعظ، ولكون فيها انتقام من العصاة وفي ذلك نصرة للأنبياء والصالحين؛ إذ لابد أن يكون بين ذكر الآلاء هنا وذكر التهديد رابط يربطهما. قال الزمخشري: (وقد عدد نعما ونقما، وسماها كلها آلاء من قِبَل ما في النقمة من المزاجر والمواعظ للمعتبرين) (٤). وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري-كما تقدم-، والبيضاوي، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي. (٥). ومما يؤيد المعنى المستنبط هنا أن ذكر الآلاء تكرر في سورة الرحمن بعد الشدائد، والتهديد، والتخويف، فتكرر قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢)﴾ في مواطن التهديد والتخويف، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢)﴾ [الرحمن: ٣١ - ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤)﴾ [الرحمن: ٣٣ - ٣٤].

стр. 507

وقيل: إن التعبير بالآلاء هنا للتغليب، أي أن السورة ورد فيها ذكر نعم كثيرة. وهذا القول تعقبه الآلوسي بقوله: (وتعقب بأن المقام غير مناسب له) (١) أي أن السياق سياق تهديد، فما ذكره الشوكاني أولى.

стр. 508

سورة القمر ٢٠٠ - يوم القيامة ليس بشديد على المؤمنين (١). قال تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ القمر: ٨. قال الشوكاني-﵀: (وفي إسناد هذا القول إلى الكفار دليل على أن اليوم ليس بشديد على المؤمنين) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ أن يوم القيامة ليس بشديد على المؤمنين. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أسند القول بأن يوم القيامة عسير إلى الكفار ولم يسنده للمؤمنين؛ فدل بمفهوم المخالفة على أن يوم القيامة ليس بشديد على المؤمنين، بل سهل يسير. قال السعدي: (مفهوم ذلك أنه يسير سهل على المؤمنين) (٣). وممن قال بهذا الاستنباط: الرازي (٤)، وأبو السعود، والآلوسي، والقنوجي، والسعدي-كما تقدم-، والهرري (٥). وفي هذا الاستنباط بشارة للمؤمنين، وتطمين لقوبهم. ٢٠١ - القرآن منة عظيمة لا ينبغي لأحد أن يغفل عن شكرها (٦). قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠)﴾ القمر: ٤٠. قال الشوكاني ﵀: (ولعل وجه تكرير تيسير القرآن للذكر في هذه السورة الإشعار بأنه منة عظيمة لا ينبغي لأحد أن يغفل عن شكرها) (٧).

стр. 509

الدراسة: استنبط الشوكاني ﵀ أن القرآن منة عظيمة لا ينبغي لأحد أن يغفل عن شكرها. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠)﴾ أي: متعظ بمواعظه، ومعتبر بعبره. وفي الآية الحث على درس القرآن، والاستكثار من تلاوته، والمسارعة في تعلمه (١). وقد تكررت هذه الآية في السورة أربع مرات (٢)؛ فدل بدلالة التكرار على أن القرآن منة عظيمة لا ينبغي لأحد أن يغفل عن شكرها. وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي. وزاد: (ولأن في كل قصة إشهارا بأن تكذيب كل رسول مقتض لنزول العذاب، واستماع كل قصة مستدع للادكار والاتعاظ، وهذا حكم التكرير في قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ [الرحمن: ١٣] عند كل نعمة عدها، وقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩)﴾ [المرسلات: ١٩] عند كل آية أوردها، وكذلك تكرير الأنباء والقصص في أنفسها، وكذلك تكرير الأنباء والقصص في أنفسها؛ لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب، مصورة للأذهان، مذكورة غير منسية في كل أوان) (٣).

стр. 510

سورة الرحمن ٢٠٢ - تهديد الله للمخالفين يعد من النعم؛ لأن به ينزجر المسيء عن إساءته، ويزداد به المحسن إحسانا (١). قال تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢)﴾ الرحمن: ٣١ - ٣٢. قال الشوكاني ﵀: (﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢)﴾ فإن من جملتها ما في هذا التهديد من النعم، فمن ذلك أنه ينزجر به المسيء عن إساءته، ويزداد به المحسن إحسانا؛ فيكون ذلك سببا للفوز بنعيم الدار الآخرة الذي هو النعيم في الحقيقة) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ أن تهديد المخالفين يعد من النعم؛ لأن به ينزجر المسيء عن إساءته، ويزداد به المحسن إحسانا. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى بعد تهديده لمن خالف ذكر قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢)﴾؛ فدل ذلك بدلالة الربط بين الآيتين، أو بدلالة السياق (٤) على أن تهديد المخالفين من النعم؛ إذ لابد أن يكون بين ذكر الآلاء وذكر التهديد رابط يربطهما. وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي، والهرري (٥). وقد تكرر في السورة التنبيه على آلآء الله بعد الشدائد، ولذلك تكرر هذا الاستنباط، ومن ذلك قول الشوكاني - عند قوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤)﴾ الرحمن: ٣٣ - ٣٤ - : (﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢)﴾ ومن جملتها هذه النعمة الحاصلة بالتحذير والتهديد؛ فإنها تزيد المحسن إحسانا، وتكف المسيء عن إساءته، مع أن من حذركم وأنذركم قادر على الإيقاع بكم من دون مهلة) (٦). (٧)

стр. 511

وقول البيضاوي: - عند قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦)﴾ [الرحمن: ٣٥ - ٣٦]-: (فإن التهديد لطف، والتمييز بين المطيع والعاصي بالجزاء والانتقام من الكفار في عداد الآلاء) (١). ٢٠٣ - الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا بالله سبحانه وعملوا بفرائضه وانتهوا عن مناهيه (٢). قال تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦)﴾ الرحمن: ٥٦. قال الشوكاني ﵀: (وفي هذه الآية، بل في كثير من آيات هذه السورة دليل أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا بالله سبحانه، وعملوا بفرائضه، وانتهوا عن مناهيه) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني (٤) ﵀ أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا بالله سبحانه، وعملوا بفرائضه، وانتهوا عن مناهيه (٥). ووجه الاستنباط: أن الله امتن على عباده المنعمين في الجنة بقاصرات الطرف اللاتي لم يطمثهن أنس ولا جان؛ فدل بدلالة الالتزام على أن في الجنة جنا، أي أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا بالله سبحانه، وعملوا بفرائضه، وانتهوا عن مناهيه. وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وابن كثير، وابن عادل، والبروسوي، والقنوجي، والشنقيطي، وابن عثيمين، والهرري. (٦). كما أيد الطوفي المعنى المستنبط -مع أنه ذكر أن دلالة الآية عليه ليست بالقوية- فقال: (فيه أن الجن يطمثون النساء، وربما أشعر هذا بأن مؤمنيهم في الجنة، وليست دلالته بالقوية على ذلك. والنصوص وردت بأن عصاتهم في النار، أما أن مؤمنيهم في الجنة فاختلف فيه، فقيل: نعم بالقياس على مؤمني الإنس بجامع الإيمان والطاعة، وقيل: لا لعدم النص فيه، ومثله لا يثبت بالقياس، فعلى هذا قيل: يصيرون ترابا أو يفنون بوجه من وجوه الفناء كالبهائم، وهو بعيد، والأشبه مشاركتهم في الرضوان لمشاركتهم في الإيمان) (٧).

стр. 512

والصحيح أن هذه الآية مما يستأنس به في إثبات دخول الجن الجنة كما قال الشنقيطي: ويستأنس لهذا - أي دخول الجن الجنة- بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦)﴾ فإنه يشير إلى أن في الجنة جنا يطمثون النساء كالإنس (١).

стр. 513

سورة الحديد ٢٠٤ - تعليم الله العباد تسبيحه في كل الأوقات والأزمنة (١). قال تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾ الحديد: ١. قال الشوكاني ﵀: (وجاء هذا الفعل في بعض الفواتح ماضيا كهذه الفاتحة، وفي بعضها مضارعا، وفي بعضها أمرا؛ للإشارة إلى أن هذه الأشياء مسبحة في كل الأوقات، لا يختص تسبيحها بوقت دون وقت، بل هي مسبحة أبدا في الماضي وستكون مسبحة أبدا في المستقبل) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ تعليم الله العباد تسبيحه في كل الأوقات والأزمنة (٣). ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر التسبيح بفعل ماضي، ومضارع، وأمر، فذكره بفعل ماضي هنا، وفي قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾ [الحشر: ١]، وفي قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾ [الصف: ١]. وذكره بفعل مضارع في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الجمعة: ١]، وفي قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [التغابن: ١]. وذكره بالأمر في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١]؛ فدل بدلالة التركيب بين هذه الآيات على تعليم الله العباد تسبيحه في كل الأوقات والأزمنة؛ لأن الماضي يدل على التسبيح في الماضي من الزمان، والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان، والأمر يدل عليه في الحال. (٤).

стр. 514

وقول الشوكاني في هذا الاستنباط بينه عند قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ … (١)﴾ [الصف: ١]، فقال: (ووجه التعبير في بعض السور بلفظ الماضي كهذه السورة، وفي بعضها بلفظ المضارع، وفي بعضها بلفظ الأمر الإرشاد إلى مشروعية التسبيح في كل الأوقات، ماضيها، ومستقبلها، وحالها، وقد قدمنا نحو هذا في أول سورة الحديد) (١). قال الهرري: (وفيه تعليم عباده استمرار وجود التسبيح منهم في جميع الأزمنة والأوقات) (٢). وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عادل، والبروسوي، والقنوجي، والهرري. (٣). ٢٠٥ - فضيلة الإنفاق في وقت الشدة والحاجة (٤). قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)﴾ الحديد: ١٠. قال الشوكاني ﵀: (وإنما كانت النفقة والقتال قبل الفتح أفضل من النفقة والقتال بعد الفتح؛ لأن حاجة الناس كانت إذ ذاك أكثر، وهم أقل وأضعف. وتقديم الإنفاق على القتال للإيذان بفضيلة الإنفاق؛ لما كانوا عليه من الحاجة، فإنهم كانوا يجودون بأنفسهم ولا يجدون ما يجودون به من الأموال، والجود بالنفس أقصى غاية الجود (٥) (٦).

стр. 515

الدراسة: استنبط الشوكاني (١) ﵀ فضيلة الإنفاق في وقت الشدة والحاجة. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى امتدح الذين أنفقوا قبل الفتح وقاتلوا، وقدم الإنفاق على القتال؛ فدل بدلالة التقديم على فضيلة الإنفاق في وقت الشدة والحاجة. قال ابن جزي: (ويؤخذ من الآية أن من أنفق في شدة أعظم أجرا ممن أنفق في حال الرخاء) (٢). وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وابن جزي-كما تقدم-، وابن عادل، والقنوجي، والهرري. (٣).

стр. 516

سورة الحشر ٢٠٦ - من لم يستغفر للصحابة ﵃، ويطلب رضوان الله لهم فهو مذموم (١). قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ الحشر: ١٠. قال الشوكاني ﵀: (أمرهم الله سبحانه بعد الاستغفار للمهاجرين والأنصار أن يطلبوا من الله سبحانه أن ينزع من قلوبهم الغل للذين آمنوا على الإطلاق، فيدخل في ذلك الصحابة دخولا أوليا؛ لكونهم أشرف المؤمنين، ولكون السياق فيهم، فمن لم يستغفر للصحابة على العموم، ويطلب رضوان الله لهم فقد خالف ما أمره الله به في هذه الآية، فإن وجد في قلبه غلا لهم فقد أصابه نزغ من الشيطان، وحل به نصيب وافر من عصيان الله بعداوة أوليائه، وخير أمته نبيه ﷺ ، وانفتح له باب من الخذلان يفد به على نار جهنم إن لم يتدارك نفسه باللجوء إلى الله سبحانه، والاستغاثة به بأن ينزع عن قلبه ما طرقه من الغل لخير القرون، وأشرف هذه الأمة) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ أن من لم يستغفر للصحابة ﵃، ويطلب رضوان الله لهم فهو مذموم.

стр. 517

ووجه الاستنباط: أن الله تعالى امتدح الذين يأتون من بعد الصحابة ﵃ والتابعين بكونهم يستغفرون لسلفهم؛ فدل بمفهوم المخالفة-مفهوم الحال- على أن من لم يستغفر للصحابة، ويطلب رضوان الله لهم فهو مذموم غير ممدوح. قال القصاب: قوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ دليل على أن من لم يكن سليم الصدر لأصحاب رسول الله ﷺ ، محبا لكافتهم، داعيا لجميعهم فهو مسلوك به غير سبيل الممدوحين، منوط في طرق المذمومين (١). وممن قال بهذا الاستنباط: القصاب-كما تقدم-، وابن عادل، والقنوجي، والهرري. (٢).

стр. 518

سورة الصف ٢٠٧ - مشروعية التسبيح في كل الأوقات، ماضيها، ومستقبلها، وحالها (١). قال تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ … (١)﴾ الصف: ١. قال الشوكاني ﵀: (ووجه التعبير في بعض السور بلفظ الماضي كهذه السورة، وفي بعضها بلفظ المضارع، وفي بعضها بلفظ الأمر الإرشاد إلى مشروعية التسبيح في كل الأوقات، ماضيها، ومستقبلها، وحالها، وقد قدمنا نحو هذا في أول سورة الحديد (٢) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ تعليم الله العباد تسبيحه في كل الأوقات والأزمنة (٤). ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر التسبيح بفعل ماضي، ومضارع، وأمر، فذكره بفعل ماضي هنا، وفي قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾ [الحديد: ١]. وقوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ … (١)﴾ [الحشر: ١]. وذكره بفعل مضارع في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الجمعة: ١]، وفي قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ … شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [التغابن: ١]. وذكره بالأمر في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١]؛ فدل بدلالة التركيب بين هذه الآيات على تعليم الله العباد تسبيحه في كل الأوقات والأزمنة؛ لأن الماضي يدل على التسبيح في الماضي من الزمان، والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان، والأمر يدل عليه في الحال. قال ابن عادل: (فإن قيل: ما الحكمة في أنه تعالى قال في بعض السور: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ بلفظ الماضي، وفي بعضها: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾ بلفظ المضارع، وفي بعضها بلفظ الأمر؟ فالجواب: أن الحكم في ذلك تعليم العبد أن تسبيح الله تعالى دائم لا ينقطع، كما أن الماضي يدل عليه في الماضي من الزمان، والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان، والأمر يدل عليه في الحال) (٥).

стр. 519

وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عادل-كما تقدم-، والقنوجي، والهرري. (١). ٢٠٨ - مناسبة ذكر قصتي موسى ﵇، وعيسى ﵇ بعد ذكر محبة الله للمجاهدين في سبيله (٢). قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾ الصف: ٤ - ٦. قال الشوكاني ﵀: (لما ذكر سبحانه أنه يحب المقاتلين في سبيله بين أن موسى وعيسى أمرا بالتوحيد، وجاهدا في سبيل الله، وحل العقاب بمن خالفهم ويجوز أن يكون وجه ذكر قصة موسى وعيسى بعد محبة المجاهدين في سبيل الله التحذير لأمة محمد ﷺ أن يفعلوا مع نبيهم ما فعله قوم موسى وعيسى معهما) (٣). الدراسة: استنبط الشوكاني (٤) ﵀ أن مناسبة ذكر قصتي موسى ﵇، وعيسى ﵇ بعد ذكر محبة الله للمجاهدين في سبيله أن موسى وعيسى أمرا بالتوحيد، وجاهدا في سبيل الله، وحل العقاب بمن خالفهم. أو أن المناسبة التحذير لأمة محمد ﷺ أن يفعلوا مع نبيهم ما فعله قوم موسى وعيسى معهما.

стр. 520

ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أثنى على المجاهدين في سبيله، وبين حبه سبحانه لهم، ثم ذكر قصة موسى ﵇ وعيسى ﵇؛ فدل بدلالة الربط بين الآيات على أن المناسبة أن موسى وعيسى أمرا بالتوحيد، وجاهدا في سبيل الله، وحل العقاب بمن خالفهم. فالرابط الجهاد. أو أن المناسبة التحذير لأمة محمد ﷺ أن يفعلوا مع نبيهم ما فعله قوم موسى وعيسى معهما. وممن قال بهذا الاستنباط: القنوجي (١). وذكر القرطبي الوجه الأول (٢). أما ابن عاشور ففصل في ذكر المناسبة، فجعل مناسبة مجيء قصة موسى إما للتعريض بمن آذوا النبي ﷺ . أو التحذير من مخالفة لنبي ﷺ ، فوافق الشوكاني في الوجه الثاني، قال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ موقع هذه الآية هنا خفي المناسبة، فيجوز أن تكون الجملة معترضة استئنافا ابتدائيا انتقل به من النهي عن عدم الوفاء بما وعدوا الله عليه إلى التعريض بقوم آذوا النبي ﷺ بالقول أو بالعصيان أو نحو ذلك، فيكون الكلام موجها إلى المنافقين، فقد وسموا بأذى الرسول ﷺ . وعلى هذا الوجه فهو اقتضاب، نقل به الكلام من الغرض الذي قبله لتمامه إلى هذا الغرض. أو تكون مناسبة وقعه في هذا الموقع حدوث سبب اقتضى نزوله من أذى قد حدث لم يطلع عليه المفسرون، ورواة الأخبار وأسباب النزول. ويجوز أن يكون من تتمة الكلام الذي قبلها، ضرب الله مثلا للمسلمين لتحذيرهم من إتيان ما يؤذي رسوله ﷺ ويسوءه، من الخروج عن جادة الكمال الديني، مثل عدم الوفاء بوعدهم في الإتيان بأحب الأعمال إلى الله تعالى. وأشفقهم من أن يكون ذلك سببا للزيغ والضلال كما حدث لقوم موسى لما آذوه. ويناسب أن تكون هذه الآية تحذيرا من مخالفة أمر الرسول ﷺ ، وعبرة بما عرض لهم من الهزيمة يوم أحد لما خالفوا أمره من عدم ثبات الرماة في مكانهم. وقد تشابهت القصتان في أن القوم فروا يوم أحد كما فر قوم موسى يوم أَرِيْحَا. (٣). (٤).

стр. 521

وأما مناسبة قصة عيسى ﵇ عنده فهي على وجهين: إما التعريض بمن آذوا النبي ﷺ . وإما أنها مسوقة لتتميم قصة موسى ﵇ بذكر مثال آخر لقوم حادوا عن طاعة رسولهم، لكنها ولم تفد تحذير المخاطبين (١). ولا تزاحم-والله أعلم- بين هذه المناسبات فلكل وجهه.

стр. 522

سورة الجمعة ٢٠٩ - الطاعات سبب الرزق (١). قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ الجمعة: ١١. قال الشوكاني ﵀: (﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ فمنه اطلبوا الرزق، وإليه توسلوا بعمل الطاعة؛ فإن ذلك من أسباب تحصيل الرزق، وأعظم ما يجليه) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ أن الطاعات سبب الرزق. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أمر المؤمنين بالاجتماع لعبادته يوم الجمعة، والسعي إلى ذكره، والإقبال على الصلاة، وترك البيع إلى أن تنقضي الصلاة، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ … تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠]، ثم عاتب سبحانه على ما كان من انصراف بعض المؤمنين عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ، فقال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ وختم ذلك بأنه خير الرازقين؛ فدل هذا الختم بدلالة الربط بين الآيات على أن الطاعات سبب الرزق. وممن قال بهذا الاستنباط: ابن عادل، والقنوجي، والهرري. (٤). ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ [طه: ١٣٢]. قال الشنقيطي: من نتائج الاستعانة بالصلاة أنها تجلب الرزق وذلك في قوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾، ولذا كان ﷺ إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة (٥).

стр. 523

وقد اقترن في القرآن الكريم ذكر الرزق بكثير من العبادات، قال الشنقيطي: وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ [النور: من الآية ٣٢] (١) فيه وعد من الله للمتزوج الفقير من الأحرار والعبيد بأن الله يغنيه والله لا يخلف الميعاد وهذا الوعد منه جل وعلا وعد به من اتقاه في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: من الآيات ٢ - ٣] (٢)، ووعد بالرزق أيضا من يأمر أهله بالصلاة ويصطبر عليها وذلك في قوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ [طه: ١٣٢]، وقد وعد المستغفرين بالرزق الكثير على لسان نبيه نوح ﵇ في قوله تعالى عنه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ … جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾، وعلى لسان نبيه هود ﵇ في قوله تعالى عنه: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾ [هود: ٥٢] وعلى لسان نبينا ﷺ : ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: من الآية ٣] (٣). ومن الآيات الدالة على أن طاعة الله تعالى سبب للرزق قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: من الآية ٩٦] (٤) ومن بركات السماء المطر، ومن بركات الأرض النبات مما يأكل الناس والأنعام، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: من الآية ٦٦] (٥)، وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧] أي: في الدنيا (٦).

стр. 524

وإذا كانت الطاعات سبب الرزق؛ فإن المعاصي سبب قلة الرزق، وكثرة البلاء، وقد استنبط الشنقيطي من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾ [المائدة: ٦٦] بمفهوم المخالفة أن المعاصي سبب قلة الرزق، وكثرة البلاء، فقال: (ومفهوم الآية أن معصية الله تعالى سبب لنقيض ما يستجلب بطاعته، وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١]، ونحوها من الآيات) (١).

стр. 525

سورة الطلاق ٢١٠ - كمال استحقاق المطلقات للسكنى في مدة العدة (١). قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ الطلاق: ١. قال الشوكاني ﵀: (﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ أي: التي كنَّ فيها عند الطلاق ما دمن في العدة، وأضاف البيوت إليهن وهي لأزواجهن لتأكيد النهي، وبيان كمال استحقاقهن للسكنى في مدة العدة، ومثله قوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (٢) [الأحزاب: من الآية ٣٤]، وقوله: وقرن في بيوتكن ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (٣) [الأحزاب: من الآية ٣٣]) (٤). الدراسة: استنبط الشوكاني (٥) ﵀ كمال استحقاق المطلقات للسكنى في مدة العدة.

стр. 526

ووجه الاستنباط: أن الله تعالى أضاف البيوت إلى المطلقات المعتدات، وهي لأزواجهن؛ فدلت الإضافة على كمال استحقاق المطلقات للسكنى في مدة العدة. قال النسفي: (﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ من مساكنهن التي يسكنها قبل العدة وهي بيوت الأزواج، وأضيف إليهن لاختصاصها بهن من حيث المسكن، وفيه دليل على أن السكنى واجبة) (١). وقال أبو السعود: (﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ من مساكنهن عند الفراق إلى أن تنقضي عدتهن، وإضافتها إليهن وهي لأزواجهن لتأكيد النهي ببيان كمال استحقاقهن لسكناها كأنها أملاكهن) (٢). وممن قال بهذا الاستنباط: إلكيا، والقرطبي، والنسفي، وأبو السعود-كما تقدم-، والآلوسي، والقنوجي. (٣). وذكر البيضاوي وجها آخر لتأكيد هذا الحكم، فقال: (وفي الجمع بين النهيين دلالة على استحقاقهما السكنى، ولزومها ملازمة مسكن الفراق) (٤).

стр. 527

سورة الحاقة ٢١١ - حرمان المسكين من أعظم الجرائم، وأشد المآثم (١). قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾ الحاقة: ٣٣ - ٣٤. قال الشوكاني ﵀: (والمعنى: أنه لا يحث نفسه أو غيره على بذل نفس طعام المسكين، وفي جعل هذا قرينا لترك الإيمان بالله من الترغيب في التصدق على المساكين، وسد فاقتهم، وحث النفس والناس على ذلك ما يدل أبلغ دلالة، ويفيد أكمل فائدة على أن منعهم من أعظم الجرائم وأشد المآثم) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ أن حرمان المسكين من أعظم الجرائم، وأشد المآثم. ووجه الاستنباط: أن الله تعالى لما قرر الأسباب التي أدخلت الكفار النار ذكر أعظمها وهو عدم الإيمان بالله، ثم ذكر سببا آخر هو حرمان المسكين، والامتناع من حث النفس والغير على التصدق، فقرنه بالكفر؛ فدل بدلالة الاقتران على أن حرمان المسكين من أعظم الجرائم، وأشد المآثم. وذكر الزمخشري هذا الوجه كما ذكر وجها آخر، فقال: (وفي قوله: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾ دليلان قويان على عظم الجرم في حرمان المسكين: أحدهما: عطفه على الكفر، وجعله قرينة له. والثاني: ذكر الحض دون الفعل؛ ليعلم أن تارك الحض بهذه المنزلة فكيف بتارك الفعل) (٤). ويمكن أن يكون وجه الاستنباط تخصيص هذه الخلة من خلال الكافر بالذكر. قال البيضاوي: (ولعل تخصيص الأمرين بالذكر لأن أقبح العقائد الكفر بالله تعالى، وأشنع الرذائل البخل وقسوة القلب) (٥).

стр. 528

وممن قال بهذا الاستنباط: الزمخشري-كما تقدم-، والنسفي، وأبو حيان، والقنوجي، والهرري. (١). واستنبط القصاب مثل هذا الاستنباط من قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ [المدثر: ٤٣ - ٤٤]، فقال: دليل على توكيد حرمة المسكين حين قرن تضييعه بترك الصلاة، وخوض الخائضين، وتكذيب بيوم الدين، وكما قال ﵎ في سورة الحاقة: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾ (٢). وفي هذا الاستنباط تحذير شديد من حرمان المسكين؛ فإنه أضر الخلال بالبشر. قال ابن عطية: (وإضافة الطعام إلى المسكين من حيث له إليه نسبة ما، وخصت هذه الخلة من خلال الكافر بالذكر؛ لأنها من أضر الخلال في البشر إذا كثرت في قوم هلك مساكنهم) (٣). وفيه أيضا بيان لعظم فضل الصدقة. قال ابن جزي: (وهذه الآية تدل على عظم الصدقة وفضلها؛ لأنه قرن منع طعام المسكين بالكفر بالله) (٤). ثم إن الإحسان للناس عامة، وللمساكين خاصة من أسباب السعادة، قال السعدي: مدار السعادة ومادتها أمران: الإخلاص لله الذي أصله الإيمان بالله، والإحسان إلى الخلق بجميع وجوه الإحسان التي من أعظمها دفع ضرورة المحتاجين بإطعامهم ما يتقوتون به (٥).

стр. 529

سورة نوح ﵇ - ٢١٢ - الاستغفار من أعظم أسباب المطر وحصول أنواع الأرزاق (١). قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ … جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ نوح: ١٠ - ١٢ قال الشوكاني ﵀: (وفي هذه الآية دليل على أن الاستغفار من أعظم أسباب المطر وحصول أنواع الأرزاق؛ ولهذا قال: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ﴾ يعني: بساتين ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ جارية) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني-﵀ أن الاستغفار من أعظم أسباب المطر وحصول أنواع الأرزاق. ووجه الاستنباط: أن نوحا ﵇ وعد قومه على الاستغفار إمدادا بالأموال والبنين؛ فدل بدلالة الاعتبار بقصص الأنبياء ﵇ على أن الاستغفار من أعظم أسباب المطر وحصول أنواع الأرزاق. قال القصاب: (﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ دليل على استنزال الرزق، وتكثير الأولاد بالعمل الصالح؛ لأن نوحا ﵇ وعد قومه على الاستغفار إمدادا بالأموال والبنين) (٣). وممن قال بهذا الاستنباط: القصاب-كما تقدم-، وابن عطية، والقرطبي، والسيوطي، والقنوجي. (٤). وهذا المعنى يستنبط أيضا من قوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾ [هود: ٥٢]. قال ابن جزي: (وفي الآية دليل على أن الاستغفار والتوبة سبب لنزول الأمطار) (٥). وقد اقترن في القرآن الكريم ذكر الرزق بكثير من العبادات، قال الشنقيطي: وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ [النور: من الآية ٣٢] (٦) فيه وعد من الله للمتزوج الفقير من الأحرار والعبيد بأن الله يغنيه والله لا يخلف الميعاد … وهذا الوعد منه جل وعلا وعد به من اتقاه في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: من الآيات ٢ - ٣] (٧)، ووعد بالرزق أيضا من يأمر أهله بالصلاة ويصطبر عليها وذلك في قوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ [طه: ١٣٢]، وقد وعد المستغفرين بالرزق الكثير على لسان نبيه نوح ﵇ في قوله تعالى عنه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾، وعلى لسان نبيه هود ﵇ في قوله تعالى عنه: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾ [هود: ٥٢] وعلى لسان نبينا ﷺ : ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: من الآية ٣] (٨). ومن الآيات الدالة على أن طاعة الله تعالى سبب للرزق قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: من الآية ٩٦] (٩) ومن بركات السماء المطر، ومن بركات الأرض النبات مما يأكل الناس والأنعام، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: من الآية ٦٦] (١٠)، وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧] أي: في الدنيا (١١).

стр. 530

سورة المدثر ٢١٣ - الكفار مخاطبون بالشرعيات (١). قال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)﴾ المدثر: ٤٢ - ٤٦. قال الشوكاني ﵀: (ثم ذكر سبحانه ما أجاب به أهل النار عليهم فقال: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾ أي: من المؤمنين الذين يصلون لله في الدنيا، ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ أي: لم نتصدق على المساكين. قيل: وهذان محمولان على الصلاة الواجبة والصدقة الواجبة؛ لأنه لا تعذيب على غير الواجب. وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالشرعيات) (٢). الدراسة: استنبط الشوكاني (٣) ﵀ أن الكفار مخاطبون بالشرعيات. ووجه الاستنباط: أن الكفار عللوا دخولهم النار بتركهم الصلاة والزكاة، ولو كان قولهم باطلا لرد عند حكايته (٤)؛ فدل بدلالة المطرد من أسلوب القرآن على أن الكفار مخاطبون بالشرعيات. قال الطوفي: (يحتج بها على تكليف الكفار بفروع الإسلام؛ لأنهم عللوا سلكهم في سقر بتركهم الصلاة والزكاة وبالتكذيب بيوم الدين وما بينهما، ولولا تكليفهم بالصلاة لما صلح تركها جزء علة للعقاب) (٥). وممن قال بهذا الاستنباط: البيضاوي، والطوفي، والسيوطي، والقنوجي. (٦). واستنبط القرطبي هذا الاستنباط من قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (٧) [المائدة: ٥]، قال: (قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ دليل على أنهم مخاطبون بتفاصيل شرعنا) (٨).
следующие страницы →