عندِ الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، ويجادلون ولكن بالباطل ليُدْحِضُوا به الحق، ويؤمنون ولكن بالجبت والطاغوت، ويعبدون ولكن من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم، ويُبَيِّتون ولكن ما لا يرضى من القول، ويأتون الصلاة ولكن كُسالى ولا يذكرون الله إلا قليلاً، ويُصَلّون ولكن من المصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون، ويذكرون ولكن إذا ذُكّروا لا يَذْكرون، ويَدْعون ولكن مع الله آلهةً أُخرى، ويُنْفقون ولكن لا يُنْفقون إلا وهم كارهون، ويحكمون ولكن حُكْمَ الجاهلية يَبْغون، ويَخْلُقون ولكن يَخْلُقون إفكاً، ويحلفون ولكن يحلفون بالله وهم كاذبون.
فهؤلاء وإن كانوا بالصورة المحسوسة ناساً، فهم بالصورة المعقولة لا ناس ولا نسناس، كما قال أمير المؤمنين عليٌّ ﵁: يا أشباه الرجال ولا رجال بل هم من الإنس المذكور في قوله تعالى: ﴿ ... شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ... ﴾ ١. وما أَرى البحتري إذ اعتَبَر الناسَ بالخُلُقِ لا بالخَلْق متعدّياً في قوله:
لم يَبْقَ من جُلِّ هذا الناس باقيةٌ ... ينالها الفهم إلا هذه الصّور
ولا من يقول:
فجلُّهم إذا فكّرتَ فيهم ... حميرٌ أو ذئابٌ أو كلابُ
ولا تَحْسَبَنَّ هذه الأبيات أقوالاً شعرية، وإطلاقات مجازية، فإن الله تعالى يقول: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا
стр. 107
كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ ١ ٢.
"وسُئل ابن المبارك: مَنِ الناس؟ فقال: العلماء. قيل: فمن الملوك؟. قال: الزهّاد. قيل: فمَنِ السفلة. قال: الذين يأكلون الدنيا بالدين.
ولم يجعل غير العالِمِ من الناس؛ لأن الخاصية التي يتميّز بها الناس عن البهائم هي العلم، فالإنسان إنسان بما هو شريف لأجله، وليس ذلك بقوّة شخصه؛ فإن الجمل أقوى منه، ولا بِعِظَمِهِ؛ فإن الفيل أعظم منه، ولا بشجاعته؛ فإن السَّبُعَ أشجعُ منه، ولا بأكله؛ فإن الثور أوسع بطناً منه، ولا بباههِ؛ فإن أخس العصافير أقوى على السِّفاد منه، بل لم يُخْلَقْ إلا للعلم والتفكر" ٣.
وقال القائل:
يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته ... أتطلب الربح مما فيه خسران
أقبل على النفس واستكمل فضائلها ... فأنت بالروح لا بالجسم إنسانُ
وقال الآخر:
وكائِنْ تَرَى مِن صامتٍ لك معجِبٍ ... زيادتُه أو نقْصُه في التكلم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
والناس إنما يتفاوتون فيما بينهم بسِيرهم لا بصُوَرِهم، وخُلُقِهم لا بخَلْقهم وبنفوسهم وأرواحهم لا بأجسامهم، أمّا أجسامهم وخَلْقهم فهي هيئة واحدة، ومادتها مادة واحدة، وذلك على حدِّ قول من قال:
стр. 108
الناس من جهة التمثيل أكفاء ... أبوهمُ آدم والأم حواء
نفسٌ كنفس وأرواح مشاكِلةٌ ... وأَعْظُمٌ خُلِقَتْ فيهم وأعضاء
فإن يك لهم في أصلهم شرف ... يفاخرون به فالطين والماء
ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ... على الهُدى لمن استهدى أدلاّء
وقدْرُ كل امرئ ما كان يُحْسِنُهُ ... وللرجال على الأفعال أسماء
وضدُّ كلِ امرئ ما كان يجهله ... والجاهلون لأهل العلم أعداء
فَفُزْ بعلمٍ تَعِشْ حياً به أبداً ... الناس موتى وأهل العلم أحياء
وقد لَمحَ بعض هذه المعاني ابن عصفور ﵀ فقال فيها الأبيات التالية:
مع العِلْم فاسلك حيث ما سلك العِلْم ... وعنه فكاشفْ كل مَنْ عنده فهم
ففيه جلاء للقلوب من العمى ... وعونٌ على الدِّين الذي أَمْره حتمُ
فإني رأيت الجهل يُزْري بأهله ... وذو العلم في الأقوام يرفعه العِلْم
يُعَدُّ كبيرَ القوم وهو صغيرهم ... ويَنْفُذُ منه فيهم القول والحكم
وأيُّ رجاءٍ في امرئٍ شابَ رأسُهُ ... وأفنى سِنِيهِ وهو مستعجِمٌ فَدْم
يروح ويغدو الدهر صاحب بطْنةٍ ... تركّب في أحضانها اللحم والشحم
إذا سئل المسكين عن أمر دينه ... بدتْ رحضاء العيّ في وجهه تسمو
وهل أبصرتْ عيناك أقبح منظرا ... من أشيبَ لا علم لديه ولا حكم؟
هي السوأة السوءاء فاحذر شماتها ... فأوّلُها خزي وآخرها ذمُّ
وخالطْ رواة العلم واصحب خيارهم ... فصحبتهم زينٌ وخلطتهم غُنْمُ
ولا تعدون عيناك عنهم فإنهم ... نجوم إذا ما غاب نجم بدا نجم
ويترتب على معرفة الإنسان لحقيقة ذاته إدراكه ما ميزه الله به عن سائر المخلوقات، وإدراكه لما صيّره اللهُ به إنساناً، وما خلقه من أجله،
стр. 109
وهو تزكية نفسه بعبادة ربه والاستقامة على شرعه، وإعداد نفسه للقاء ربه والفوز برضاه ودخول جنته والسلامة من سخطه وناره.
ومن ثمرات هذه المعرفة حِرْص الإنسان على التحلي بالأخلاق الفاضلة واكتسابها، والبعد عن إشقاء نفسه بالتجنّي على إنسانيته، بأي سبب يضرّ بهذه المعاني الآنفة الذكر التي ميزه الله بها عن المخلوقات الأخرى، كالانصراف إلى العناية بالجسم على حساب الخُلُقِ والعِلْم والدين، أو الانصراف إلى العناية بالثياب والمظاهر على حساب الخُلُقِ والدين.... إلى آخر ما هنالك من الأخطاء.
ومن ثمرات معرفة هذه الحقيقة مراعاتها في تقويم الناس فلا يتجه المرء اتجاهاً مُخطئاً أو خاطئاً في تقويم الناس، بل يستعمل هذا الميزان الصحيح أعني النظر إلى الخُلُقِ والسيرة لا إلى الخَلْق والصورة.
ومن ثمرات معرفة هذه الحقيقة إدراكُ الإنسان خطأ الذين يسلكون مسالك خاطئة متعددة طلباً منهم لإسعاد أنفسهم، وتحسيناً لصفاتهم عند الآخرين، كسعي الإنسان في التحلي بالثياب فقط.
فيا أخي! أراك تتزين بثيابك وتُعْنى بها، وربما لا تكون بهذا مخطئاً، ولكنك تناقض نفسك حينما تضيف إلى هذا الصنيع إهمال التزين بأفعالك وسلوكك وأخلاقك، وتغفل عن أُسس الأخلاق الجميلة!.
أيهما أكثر ضرراً؟ رداءة ثوبك أم رداءة تصرفك وسوء ذوقك في التعامل مع الآخرين؟!
أليست أخلاقك أبلغ في الدلالة على مدْحك أو قدْحك؟!
أليست تصرفاتك وطريقة تعاملك مع الناس تتعداك إلى سواك، بينما
стр. 110
عدم جمال ثوبك إن كان فيه ضرر أو أذى فإنه ربما لا يتعداك إلى الآخرين؟! - على أنّ حُسْن المَظْهر مطلوبٌ، ولكنْ في حدِّ الاعتدال-.
فأيُّ الأمرين أحق منك بالعناية وبمحاسبة النفس عليه؟!.
وقلْ لي بربك أيها الداعية ما حقيقة الدعوة؟!
هل هي مظهر فقط؟ أو درسٌ فقط؟ أو حُسْنُ تعامل في الفصل فقط؟ أم هي سلوك منك وحُسْن تعامل مع الناس في كل شيء وفي جميع الأحوال؟!.
ما أحوجنا إلى إعادة النظر وشدة المراقبة في ميزان اهتمامنا بأنفسنا، وفي معيار تقويمنا لأخلاقنا ومعرفتنا لمقدار نفوسنا!.
والإمام ابن حزم، رحمه الله تعالى، يَدْعونا إلى دقّة التفكير وحُسْن الاختيار في موازَناتِه الآتية:
طالبُ الآخرة ليفوز في الآخرة متشبهٌ بالملائكة.
وطالبُ الشرِّ متشبهٌ بالشياطين.
وطالبُ الصوت ١ والغلبة متشبهٌ بالسباع.
وطالبُ اللذات متشبهٌ بالبهائم.
وطالبُ المال -لِعَينِ المال لا لينفقه في الواجبات والنوافل المحمودة- أسقطُ وأرذلُ من أن يكون له في شيء من الحيوان شَبَهٌ، ولكنه يشبه الغُدْرانَ التي في الكهوف في المواضع الوعرة، لا ينتفع بها شيء من الحيوان.
فالعاقل لا يغتبط بصفة يفوقه فيها سبع أو بهيمة أو جماد، وإنما يغتبط
стр. 111
بتقدمه في الفضيلة التي أبانه١ الله تعالى بها عن السباع والبهائم والجمادات، وهي التمييز الذي يشارك فيه الملائكة. فمن سُرَّ بشجاعته التي يضعها في غير موضعها لله فلْيَعْلَمْ أن النمر أجرأ منه، وأن الأسد والذئب والفيل أشجع منه، ومن سُرَّ بقوة جسمه، فلْيَعْلْم أن البغل والثور والفيل أقوى منه جسماً، ومن سُرَّ بحَمْله الأثقالَ، فلْيَعْلَمْ أن الحمار أحملُ منه، ومن سُرَّ بسرعة عَدْوِهِ فلْيَعْلَمْ أن الكلب والأرنب أسرعُ عَدْواً منه، ومن سُرّ بحُسْن صوته، فلْيَعْلَمْ أن كثيراً من الطير أحسن صوتاً منه، وأن أصوات المزامير ألذُّ وأطربُ من صوته.
فأيُّ فخرٍ وأيُّ سرور فيما تكون فيه هذه البهائم متقدمة عليه؟!.
لكن من قوي تمييزه، واتسع علمه، وحَسُنَ عمله، فليغتبط بذلك، فإنه لا يتقدمه في هذه الوجوه إلا الملائكة وخيار الناس ٢.
стр. 112
٦- نُخْطِئُ كثيراً
نخطئ كثيراً حينما يتّجه أحدنا إلى العناية بالطِّيبِ المصنوع ويتجاهل الطِّيبَ المطبوع، أَعْني به: طهارة السريرة وحُسْن الخُلُقِ والسيرة!!. وننسى الفرقَ بين الطِّيب الذي يَذْهبُ مع الهواء وأدراج الرياح والطِّيبِ الذي يستقرُّ في النفوس والأرواح!! وكم هو الفرق بين طيبٍ يُمْكن أن يتطيب به خبيث النفس
стр. 113
والخلق، وطيب لا يتحلى به إلا مَنْ طابت نفسه وأخلاقه؟!.
نخطئ كثيراً حينما نهتم بملابسنا ومظاهرنا على حساب بواطننا وقلوبنا وأخلاقنا!!.
نخطئ كثيراً حينما نُعْنى بأجسامنا ونهمل قلوبنا ونفوسنا!!.
نخطئ كثيراً حينما نُعْنى بإصلاح ما بيننا وبين المخلوقين وننسى ما بيننا وبين الخالق سبحانه!!
نخطئ كثيراً حينما نتأدب مع المخلوقين وننسى الأدب مع الخالق سبحانه!!.
نخطئ كثيراً حينما نُصْلح دنيانا بتمزيق ديننا!!.
نخطئ كثيراً حينما نُصْلح دنيانا وننسى آخرتنا!!.
نخطئ كثيراً حينما يَعْمَدُ أحدنا إلى التأدب مع الأبعدين وينسى الأقربين!!.
نخطئ كثيراً حينما نهتم بأنفسنا وننسى الآخرين!!.
نخطئ كثيراً حينما لا نتنبّهُ إلى أننا نخطئ كثيراً!!.
نخطئ كثيراً حينما لا نشعر بأهمية محاسبة أنفسنا وتعديل أخطائنا!!.
стр. 114
٧- خاطرةٌ حَوْلَ معنىً مِن الأخلاق
من تقدير الإنسان للمعاني الفاضلة والحقائق الكبيرة تقديراً صحيحاً، وتصوّر حقيقة الحياة، والمصير بعد ذلك، أن ترى العالِم لا يخون بأيّ صورة من صور الخيانة ... لا يخون نفسه ... ولا يخون أُمّته ... ولا يخون
стр. 115
دينه ... بل يؤدي النصيحة على كل حال ... فهو لا يغش نفسه فلا يبيعها بثمن بخس، ولو كان ذلك هو الدنيا بأسرها. إنه لا يبيع نفسه إلا بثمن واحد هو رضى الله وجنة الله!!.
وهو لا يغش أُمّته: راعياً ورعية ... بل يجتهد في القيام بحق الجميع بأمانة وإخلاص وإنصاف كما أمره الله تعالى.
ومن الصور المخزية للإنسان ما يَحْدث في كل عصر من علماء السوء، الذين يسعى أحدهم للدنيا أو للشهرة والمناصب والجاه لدى السلطان بكل سبيل؛ ليشتهر في النهاية على حساب دينه، وعلى حساب حق أُمته، وعلى حساب حق نفسه عليه. ثم لا بد له من النزول ... ولا بد له من النسيان في مقابل تلك الشهرة، ولا بد أن ينطرح أرضاً!. إنه مسكين! إنه كأنما سعى ليَطُلّ برأسه للناس ليقولوا له: تُفّ عليك أيها الخائن الدنيء. ثم يخفض رأسه في ذلة وهوانٍ أمام الله ... وأمام الناس ... ثم يبقى ذلك تاريخاً إلى ما شاء الله تعالى ... نعم إنه سيكون تاريخاً وأيّ تاريخ!.
فلله الأمر من قبل ومن بعد! وما أشد جهل الإنسان وما أشد حماقته، حين لا يكون مخلصاً، وحين يكون في مثل هذه الحال وهذا المستوى الهابط!! نسأل الله العافية!.?
إنّ هذا لم يُخْلِص لأحدٍ: لا لنفسه، ولا للراعي، ولا للرعية. كما أنه لم يَسْلم مِن شرِّه أحدٌ مِن هؤلاء جميعاً، وإنْ بَدَت الأمور في بدايتها وفي ظاهرها على غير ذلك!.
وإنّ الواجب يَقْضي بالإخلاص والنصح للناس كلهم، راعياً ورعيّةً!.
стр. 116
٨- أيها ... !!
أيها الأخ القارئ إنني أعني نفسي وأعنيك في هذا الخطاب ولست أعني أحداً آخر!.
أيها المعتني بتزيين ظاهره والغافل عن حقيقة باطنه!!
أيها الملمّع يديه ووجهه ماذا صنعت لقلبك؟!
أيها المنظف ثوبه هل نظفت طويّتك ودخيلة نفسك وطهرتها؟!
أيها الملمّع حذاءه والغافل عن نفسه وقلبه!! هلاّ تذكرت نفسك وقلبك!!
أيها المتطيب في الظاهر هل تطيبت في الباطن أيضاً حتى لا تكون ذا وجهين!!
وماذا يفيدك طِيب الظاهر مع فساد المَخْبَرِ؟!.
وماذا يفيدك حُسْن مظهرك مع فساد مَخْبَرِك؟!.
أيها المتجمّل للناس هلاّ تجمّلتَ لرب الناس!!.
أيها المزكي نفسه عند الناس هلاّ زكيتَ نفسك لله!!.
أيها المصلح أمر دنياه هلاّ أصلحت أمر آخرتك!!
أيها الباني له داراً مؤقتة هنا هلاّ بنيت لك داراً هناك مؤبَّدةً في جنات عدنٍ عند مليك مقتدر!!.
ما الذي يذكّرك دنياك ويُنْسيك آخرتك؟!
وما الذي ينفعك تعمير دنياك إذا كانت آخرتك خراباً؟!
هل انعكس عليك الأمر فظننت أن الدنيا هي المؤبّدة والآخرة هي المؤقّتة؟!
стр. 117
أم أنت في شك من يوم القيامة فلم تؤمن به إيمانك بالحياة الدنيا الفانية؟!
ألا ما أعظم الغفلة؟! وما أدهى المصيبة؟!
فهل أُعزّيك؟! وماذا ينفع العزاء في هذه الحال؟!.
إنه لا يملك قريب ولا بعيد أن يواسيك في هذه المصيبة إلا بأن يدلك على الدواء، ويبصّرك بهذه المصيبة التي دونها كل المصائب ويدلك على الطريق.. يذكّرك.. يَعِظُك ... يزجرك ... يحذّرك ... فذلك هو الصديق الصادق. والله يُصْلح حالنا وحالك في الظاهر والباطن وفي الدنيا وفي الآخرة، والله المستعان!!.
стр. 118
المبحث الثاني: نظرات في طُرق اكتساب الأخلاق الحميدة
١- التربية وتهذيب الأخلاق ليست مهمة المربي وحده !
...
١- التربية وتهذيب الأخلاق ليست مهمة المربي وحده!
التربية وتهذيب الأخلاق ليست مهمة المربِّي وحده بل هي مسؤولية مشتركة بين المربّي والمربَّى والمجتمع.
والمرء إذا بلغ الرشد مطالب شرعاً أن يتعرف على هَدْي الإسلام وأحكامه وإلزام نفسه بذلك سواء دعاه أحد إليها أم لا، وسواء ربّاه من تجب عليه تربيته أم لا.
ومعلومٌ، أنّ مَن استُهدِف بالتربية، ولكنه لم يقتنع بها، ولم يرض بها، فلن تنفعه هذه التربية!.
صحيح أن الناس جميعاً كما أن عليهم واجباً تجاه تربية أنفسهم عليهم واجب تجاه تربية من هو في تربيتهم ومَنْ يجب عليهم تربيته، ولكنّ جهودهم قد لا تثمر في الأرض السبخة ولا الصخور الصماء، إن من لا يستقبل جهود المربي بالقبول والرضا بل والشكر والأدب والحرص عليها سوف لا ينتفع منها أبداً.
إن بداية التغيير إنما هي من النفس، نعم من داخل النفس وليس من الخارج: ﴿إِِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ١.
سواء كان التغيير إلى الحسن أو إلى القبيح، إلى الخطأ أو إلى الصواب! إنها سنة كونية فطرية جعلها الله تعالى في خَلْقه، فهل يعيها المربون؟! وهل يعيها الذين يتطلعون إلى إصلاح أخلاقهم وسلوكهم؟! فيتجهون حينئذٍ إلى إصلاح النفس من الداخل، وإلى تربية الإيمان والضمير!! لقد
стр. 119
أشار رسول الله ﷺ إلى هذا بما يتطابق مع القرآن ومع الواقع فقال: "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" ١.
لقد نشأ في الناس من لا يعي مسؤوليته تجاه تربيته نفسه وتهذيبها، فلا يشعر بأي أهمية نحو قيامه بهذا الواجب، بل هو لم يستقر في خَلَدِه أن هذا واجب من واجباته، ولم يُدْرِك عاقبة إهماله لهذا الجانب في حياته، ولعله لم يسمع قول الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ٢!!.
بل نشأ في الناس من يرفض تربية من يربّيه، وتعليم من يُعَلّمه، ونُصْح من ينصحه. وهذه درجة أبعد في الغواية من سابقتها!!
ولكن سنّة الله جارية في من يَرْفض تربية أبيه أو والديه أو معلّمه أن يُربّيه الرجال، بل ربما الأنذال، وقد تربيه أقدار الله تعالى، وقد تؤدّبه أو تعاقبه أو تأخذه بجريرته تلك!! فهل يعي هذا الصنف من الناس هذه الحقيقة؟!. نرجو.
стр. 120
٢- أثر الطمع والخوف في الأخلاق
إن الحياة الآخرة ليست منفصلة عن الحياة الدنيا، بل هي مرتبطة بها
стр. 121
ارتباط السبب بالمُسَبِّب والمقدِّمة بالنتيجة. فحالُ الناس في الآخرة امتداد لحالهم في الحياة الدنيا، فمن كان في هذه في طاعة الله نيّةً وقَوْلاً وعملاً، فهو في الآخرة في جنات عدن في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
ومن كان في هذه الحياة الدنيا في معصية الله نيّة أو قولاً أو عملاً فهو في الآخرة يعيش في ثمار هذه الحال النّكِدة، ولا ينفعه شيء من السراب الزائف يَحْصل عليه مؤقتاً هنا، ولا ينفعه قريب أو بعيد، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. وإن الناس الذين يصابون بالهزيمة والهلع أمام خوف أو طمع لم يعرفوا الله حقاً، ولم يعرفوا حقيقة الدنيا، ولم يعرفوا حقيقة الآخرة، وإن مثل هذا الصنف من الناس ينحرفون كثيراً، ويقعون في الشقاء من حيث لا يشعرون حين يشغلهم النظر للمستقبل عن إصلاح الحاضر، لأنهم لا يعلمون أن المستقبل موكول إلى الله تعالى، وإنما هم مكلفون بإصلاح حاضرهم بإلزام أنفسهم بطاعة الله نيّة وقولاً وعملاً، وبهذا يَصْلُح لهم الحاضر والمستقبل في الدنيا وفي الآخرة، ولا يمكن إصلاح المستقبل بغير إصلاح الحاضر، إن الذين يقفزون محطة الحاضر لضمان صلاح المستقبل ينكسرون أو تنكسر بهم الحياة، وإنهم يخالفون سنة الله في الخلق، ويخالفون شرع الله، أمّا أنهم يريدون لأنفسهم السعادة فلا إشكال، ولكن ليس هو هذا الطريق. فمتى يثوب الإنسان إلى رشده، ويُلْزم نفسه بطاعة الله، ويتعلّم كيف يكون مع أمْر الله تعالى، لا يصرفه عن ذلك شدة طمع أو شدة خوف؟!
متى يَعْلم الإنسان يقيناً -نظرياً وعملياً- أن طاعة الله لا تأتي إلا بالخير، ولا تأتيه إلا برضا الله وثواب الله مهما بَدَتْ له العاقبة أوّل الأمر أو في ظاهر الأمر؟!.
ومتى يَعْلم الإنسان يقيناً -نظرياً وعملياً- أن معصية الله تعالى لا تأتي إلا بالشر في الدنيا والآخرة، ولا تأتيه إلا بسخط الله وعقاب الله مهما بَدَتْ له العاقبة أوّل
стр. 122
الأمر أو في ظاهره؟! متى يَعْلم الإنسان يقيناً أن خطأه في هذه الحياة وأن معصيته لله إنما هي بسبب خوف أو طمع في غير موضعهما؟! ومتى انتصر على نفسه في تلك العواطف الخاطئة فَقَدْ ألزمها بطاعة الله وجنّبها معصيته.
متى يعلم الإنسان يقيناً أن خطأه ومعصيته هو وحده الذي سيواجِهُ عاقبتهما في الدنيا وفي الآخرة وِفْق سنة الله الكونية وسنته الشرعية، ولا مفرَّ له من ذلك إلا بالاستغفار والتوبة والإصلاح والاعتراف لله بالذنب والخطيئة؟!.
متى يَعْلم الإنسان يقيناً أنه ليس أرحم بنفسه من الله الخالق الكريم الرحيم، فإذا أراد الرحمة فليس أمامه إلا أن يسلك الطريق إليها بالتزام طاعة الخالق الكريم الرحيم؟!.
إلى متى يتمادى الإنسان في غيّه؟! وإلى متى يستمر في شقاء نفسه وشقاء من معه؟!.
ألا ما أشقى الحياة عندما تحيد عن طاعة الله وعبادته وحبه وخشيته!!.
ألا ما أسعد الحياة عندما تكون مصابَرةً وصبراً على طاعة الله وعبادته وعندما تكون في حب الله وخشيته، وتعاوناً على البر والتقوى!!.
٣- التعاون والتكافل في التربية
من أَولى ما تعاون الناس فيه تربية النشء والأولاد، وليس التعاون في أمور دنياهم بأولى من التعاون في هذا المطلب الأساس.
وينبغي لنا من جهة أخرى أن نُدْرك أن التعاون والتكافل بين الناس في التربية ضرورة من ضرورات التربية، سواء داخل الأسرة الواحدة، أو بين الأقارب، أو الأصدقاء أو أفراد المجتمع بعامّة؛ فإن من الصعب جداً أن يقوم فردٌ واحد بتربية أبنائه مثلاً دون تعاون مَنْ معه ومَنْ حوله على هذه المهمة، وإن كان ذلك ليس عذراً له بحالٍ من الأحوال أن يتخلّى عن تربية من يجب عليه شرعاً تربيته.
وبالتعاون على أداء واجب التربية والإصلاح يُختصر الجهد، ويُخْتصر الوقت، وتستقيم التربية، وتَزْكُو النتائج أَحْسَنَ ما تكون.
فإذا قلتُ لولدي مثلاً كلمة يَعْرف منها أن أمراً ما هو الصواب، ثم جاءت مناسَبَةٌ فأشعرته والدته بالمعنى ذاته، وقال له أخوه المعنى ذاته، وقاله له ذلك أيضاً قريبنا فلان وقريبنا فلان وصديقنا فلان فإنه سيدرك أن هذا المعنى صواب في نظر الجميع وله أهمية في نظر الجميع، وأن الجميع يدعونه إليه، فتصعبُ عليه مخالفته.
وهكذا بالنسبة لولدك مثلاً، إلى آخر المجتمع.
стр. 125
هذا خير أم السلبيّة المدمّرة بين الأسر والأقارب والأصدقاء؟!
هذا خير أم المعارضة والمناقضة في التربية فالأبوان يعارض بعضهما بعضاً، أو يناقض بعضهما بعضاً، والمربي وأقاربه وأصدقاؤه يعارض بعضهم بعضاً، والبيت والمدرسة يعارض أو يناقض بعضهما بعضاً؟!. أَنّى لمثل هذه التربية أن تُؤتيَ ثماراً حسنة؟!.
إن التربية في البيت وفي المدرسة وفي المجتمع وبين الأقارب يجب أن تكون في تصوّر الخير والشر على رأي واحدٍ وموقف واحدٍ، ومتى ما كانت على رأيين وموقفين في هذا الأمر فقلْ على الأسرة وعلى المجتمع وعلى الأولاد السلام!! إذا كان الأمر كذلك فقد شقي المربى ومن توجَّه إلى تربيته!!.
وماذا يُنْتظر من تربية قد انشطرت شطرين؟!
وماذا يُنْتظر من تربية قد انشطرت شطرين متعارضين أو متناقضين؟!.
وماذا يُنْتظر من تربية لها هدفان متصارعان؟!.
أو ماذا يُنْتظر من تربية لها طريقتان مصطرعتان أو متناقضتان أو متعارضتان لتحقيق هدفٍ واحدٍ زعموا؟!.
هيهات هيهات أن تحقق خيراً مثل هذه التربية!.
وهل هذه تربية؟!
إن هذا هدم وليس بناءً، وإساءة وليس إحساناً.
стр. 126
٤- أمور تتوقف عليها استقامة الحياة وسعادتها
تتوقف استقامة حياة الناس وسعادتهم على أمور، منها:
стр. 127
أخْذُ الابن عن أبيه، والسمع والطاعة لوالديه في المعروف، والأدب معهما على كل حالٍ.
وأَخْذ الزوجة عن زوجها، والسمع والطاعة له في المعروف، والتسليم له بحق الرئاسة والولاية على البيت، وتربية أولادها على ذلك.
وأَخْذ التلميذ عن أستاذه العلم والأدب بالاحترام والأدب الواجبين، والشكر والدعاء له.
وأَخْذ الجاهل عن العالم، أو عن من عنده عِلْمٌ كافٍ للنجاة، بتقبّل ورضىً وشكر.
ومؤازرة المرءوس لرئيسه في المعروف، والسمع والطاعة له في ذلك.
ونصْحُ الرئيس لمرءوسه، وحرصه على مصلحته أكثر من حرصه على مصلحة نفسه.
وأمانة الشريك مع شريكه، وصدْقه معه، ومصافاته، ومحبته له مثل ما يُحبُّ لنفسه، وعدم التدقيق الزائد المنافي للخلق الحميد في استقصاء حقوق نفسه.
ومحبة المسلم لأخيه المسلم مثل ما يحب لنفسه من الخير، نيةً وتَهمُّماً وعملاً.
وإذا لم يأخذ هؤلاء بهذه الأخلاق الواجبة عليهم والضرورية لاستقامة حياتهم ولسعادتهم في الدنيا وفي الآخرة فسدتْ حياتهم، واستحالت الاستقامة في حياتهم إلى ضدها، والسعادة إلى شقاء، وشقي بشقائهم من معهم، وربما من حولهم أيضاً!.
стр. 128
وعندما تقع كارثةُ أحدِ هؤلاء بتنكّبه لهذا الخُلُق الواجب عليه، فإن الحلّ هو العودة إلى الصواب، وليس الدعوة إلى الخطأ، فإننا نرى في حياة كثير من الناس وقوع الخطأ المركّب، فترى أحدهم يقع في الخطأ ويخلّ بواجبه، ثم لا يُدْرك خطأه هذا - إما لعدم استعداده لهذه الفضيلة، أو لِعماهُ بهواه عن رؤية الحق والصواب - فيطالب الطرف الآخر ويحاكمه بمقتضى تصوّره الفاسد أنه هو الذي على الحق، ويغضب من عدم إنصافه وعدم الأخذ بما هو عليه، ويطالبه به!!. والحمد لله رب العالمين، وهذه ظلمات بعضها فوق بعض ينبغي للعاقل الحريص على سعادة نفسه وسعادة من معه أن يَحْذرَ منها، ويحاسبَ نفسه عليها قبل أن يحاسبَ الآخرين.
وهكذا موقف الآخرين ينبغي أن يكون هو موقفَ الإصلاح، وذلك بفهم المشكلة على وجهها وإزالة سببها بأن يُرَدّ المخطئ إلى الصواب. وبتعاون العقلاء والمنصفين، وبموقفهم من القضية موقفاً واحداً على الحق، يثوب المخطئ والجاهل إلى رشده، أو يُدْرك -على الأقل- أنه وحده لا أحد معه، فيتوقف عن التمادي في باطله.
أما إذا انضم جاهل إلى جاهل أو أحمق إلى أحمق أو مبطلٌ إلى مبطل فكوّنوا صفاً، فلا تسأل عن الحق وأهله والداعين إليه!!.
وأما إذا اتُّخِذَ الجاهل أو الأحمق أو المبطل حَكَماً يُصْدَرُ عن رأيه ويؤخذ بحكمه فتَودّعْ من العافية والسلامة والاستقامة والسعادة!!.
وهل أَرْدَى الجاهلَ والأحمقَ والمبطلَ إلاّ أنهم صَدَرُوا عن رأي
стр. 129
أنفسهم، ولم يُصِيخوا لنداء الحق والعقل والفطرة ونُصْحِ الناصحين؛ فأَخَذَ الجاهل بما أملاه عليه جهله.
وأَخَذَ الأحمق بما أملاه عليه حمقُهُ.
وأَخَذَ المُبْطِلُ بما دعاه إليه خُبْثُ نفسه.
وإذا وصلتِ الحال إلى هذا فعليك بما فيه سلامتك ودعْك من سلامة هؤلاء.
وبُعداً للقوم الظالمين!.
ومن يملك أن يُقْنِع المجنون بأنه مجنون؟!
والمجاهدة واجبة على الابن والزوجة والطالب وكلّ من ذكرتُ، فلا بدّ لهم من مجاهدة النفس للتحلّي بهذه الأخلاق، إن عليهم أن لا يسترسلوا مع هوى النفس، أو مع سجيّة الطبع، أو مع سوى ذلك من أسباب الميل عن الجادّة والعدل والنصفة والصواب، كالميل لمشاكلة الآخرين من المخطئين ومتابعتهم، أو الحرص على إعطاء حقوق أُناسٍ سوى من ذَكرْتُ ممن وجبت حقوقهم على هؤلاء لا يصح أن تكون حقوقهم على حساب حقوق هؤلاء الأوجب والأقرب.
ومن الظلم-إذا لم يعط الابن والزوجة والطالب والشريك والمرءوس والرئيس والأخ الحقوق التي عليهم-أن يطالبوا بحقوقهم من له الحق عليهم فمنعوه إياه.
ومن السَّفَه بعد ذلك أن ينتظر هؤلاء استقامة الحياة وسعادتها في الدنيا وفي الآخرة!!
ومما ينبغي أن يُقْنع هؤلاء به أنفسهم لأداء الحق من السمع والطاعة والأدب والشكر وإلزام النفس السير على الجادّة والرضا بِمُرِّ الحق ثلاثة موازين:
الأول: القناعة بأن هؤلاء الذين وجبت عليهم حقوقهم من الأب والأم والزوج والأخ والشيخ ونحوهم بحكم موقعهم إنما هم ناصحون
стр. 130
شفيقون مؤتمنون، ولا يُنْتظر منهم للإنسان إلا الخير والنصح، ولا يُتصوَّر أن يَرْضى الوالد مثلاً، أو يأمر ابنه، بما فيه الضرر أو الشر على ابنه، إلا في قلة نادرة من الناس انحرفت عن الفطرة لا اعتبار بها ولا تغيّر من فطرة الله في خلْقه شيئاً.
الثاني: القناعة بأن ما يعمله الإنسان مع هؤلاء، وما يؤديه لهم من الحقوق والواجبات عليه إنما يصنعه لنفسه ليلقى جزاءه عند ربه في الدنيا وفي الآخرة، وما يفعله من نكاية بهؤلاء إنما يفعله بنفسه.
الثالث: القناعة بأن المقياس الصحيح لوزْن الأشياء والأفعال ليس هو ميل النفس وهواها، وإنما هو ميزان الشرع والعقل والفطرة السليمة، وأما مَيْلُ النفس وهواها فهو -في الغالب- على العكس من ذلك، حيث تحبّ عدم الالتزام بالواجبات، والبعد عن خلق التضحية والإيثار، وحبُّ الأخذ أكثر من الإعطاء، وقد قال الله تعالى: ﴿ ... وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ١.
стр. 131
٥- من وسائل تربية الإنسان نفسه وتهذيبها
- تذكُّرُ نِعَمِ الله عليك وشكره سبحانه عليها.
- تذكُّرُ الموت وما بعده من الحساب والجزاء وأن ذلك مرتبط بحال الإنسان في هذه الحياة الدنيا.
стр. 132
- تذكّر قدْر الآمر لك بالأخلاق الحميدة والناهي لك عن الأخلاق السيئة وتذكُّر حقه عليك، وهو الله ﷻ ورسوله ﷺ المبلِّغ عنه.
- مجاهدة النفس ومراقبتها ومحاسبتها على ما تُمْدَحُ به وما تُذَم وإلزامها دائماً بأحسن الأمور.
- التعرّف على القواعد والمنطلقات اللازمة للأخذ بالأخلاق الحميدة والبعد عن ضدها.
- العناية بأخْذ النفس بتحصيل أصول الأخلاق الفاضلة والالتزام بها، والبعد عن أصول الأخلاق الذميمة.
- تتبُّع صفات المؤمنين والصفات الحميدة التي دعا إليها القرآن الكريم والحديث الشريف ومحاولة التحلي بها، وتتبُّع ما حذّرا منه من الأخلاق السيئة وأخلاق الكافرين والمنافقين والفاسقين والاحتراس منها والحذر كل الحذر من الوقوع فيها.
- اتخاذ أخ صالح ناصح ذي خُلُقٍ فاضل يُبَصِّرك بعيوبك.
стр. 133
٦- الاعتراف بنعم الله من أهم الدوافع للخلق الحسن
تذكّرْ -يا أخي- في يوم تهنئتك يومَ تعزيتك، وفي يوم توليتك يومَ تنحيتك، وفي يوم عافيتك يومَ ابتلائك، وفي يوم سرورك يومَ حزنك، وفي يوم صحتك يوم مرضك، وفي يوم الاجتماع يوم الفراق، وفي يوم السعة يوم الضيق، وفي يوم الأنس يوم الغربة والوحشة، وفي يوم سلامة حواسك وأعضائك يومَ فقْدها أو مرضها، وفي يوم شبابك يوم هرمك وعجزك، وفي يوم حياتك يوم موتك.
стр. 134
تذكّر -يا أخي- عند كل نعمة فقْدها؛ ولتحاسب نفسك عليها، وتشكر المنعم عليك بها سبحانه، وتصوّرْ دائماً حِرْمانك من كل نعمة من نِعم الله عليك لتصنع ما أنت صانع لو ردّها الله عليك!! وتذكّرْ أن الله قد أنعم عليك بها، ولم يسلبك إياها، فلماذا تفرِّقُ بين الحالين حال الإنعام بها عليك ابتداءً، وحال إرجاعها إليك بعد سلْبها؟!!. إن الإنسان لظلوم كفور!! عليك يا أخي أن تشاهد نِعَم الله عليك فيما تراه في غيرك من ابتلاء بفقْد نعمة أو أكثر من نعم الله.
فإذا رأيتَ كفيفاً فاعلم أن هاتين العينين حجة لله عليك، وإذا رأيت من فقد إحدى عينيه فاعلم أن الله أبقى لك العينين اختباراً وابتلاء، أو إن أبقى الله لك إحداهما فتذكّرْ أنه لم يأخذهما معاً، وإذا رأيت مُقْعداً فتذكّرْ أن الله أقدرك على الحركة ... وإذا رأيت مبتلى في دينه أو خُلُقه فتذكر معافاة الله لك من تلك البلية ... إلى آخر ما هنالك، ﴿ ... وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ ١!!.
إن هذا التذكّر بهذا الهدف من أهم ما يَحْمِلُ المرء على التخلق بالخلق الحسن مع الله تعالى ومع عباده سبحانه، ومع النفس.
стр. 135
٧- تقدير مشاعر الآخرين طريق لمكارم الأخلاق
فطر الله الإنسان محباً لمحبة الناس له، فهذه الصفة فطرة متغلغلة في نفوس البشر جميعاً إلا القليل الشاذ الذي انحرف عن هذه الفطرة، فلا وزن لهذا القليل ولا اعتبار.
стр. 136
وهذا الخُلُق النفسي يمكن أن يُستثمر لصالح اكتساب مكارم الأخلاق، وذلك عن طريق أساليب متعددة، منها:
أن يتذكر الإنسان دائماً أن من يحبه إنما يحب فيه الأشياء الطيبة، ولا يحب منه قبيح الأفعال والأخلاق، ويحب نظافته لا وساخته، مهما كانت الرابطة بينه وبين هذا الإنسان بما في ذلك أقاربه وأصدقاؤه، فعليه أن يراعي هذا الشعور، فيحرص على مكارم الأخلاق ويبتعد عن مساوئها.
هذا بالنظر إلى من تحبهم ويحبونك من المخلوقين، فكيف إذا نظرت إلى محبة الخالق سبحانه، وعلمت أنه يحب لعبده محاسن الأخلاق، ويكره له مساوءَها؟!.
والله المستعان.
стр. 137
٨- مجاهدة النفس شرط لاكتساب الأخلاق الفاضلة
إذا أردت اكتساب الأخلاق الحميدة فأنت في حاجة إلى المجاهدة، فإن النفس مَيَّالة إلى التفلت من القيود والتكاليف، حتى ولو كانت تلك القيود حدوداً لدائرة سعادتها، وحتى لو كان ذلك التفلت إلى سعادة لحظة مُتَوهَّمة بشقاء الأبد!.
ولا يصح لك أن تطلب معالي الأمور بأرخص الثمن!
ولا يصح أن يُطمِّعك في الشر والدناءة حصولهما بغير ثمن!
وإن من يريد عظيماً ومن يريد معالي الأمور لا بد له من أن يدفع ثمنها المناسب، وإلا لاستوى الناس جميعاً في فُرَصِ الوصول إلى المعالي!!.
إن أوّل ثمن معالي الأمور ومكارم الأخلاق أن يَسْمُوَ المرء أوّلاً
стр. 138
بتفكيره، كمن يروم صعود الجبل العالي الأشم يبدؤه أوّلاً برفع بصره إلى القمة التي سيسعى إليها ويوطن نفسه على ما يتطلبه الوصول إليها من تضحيات، ثم يحتاج إلى السعي والجهد والعزم غير ملتفت إلى المشقة والجهد والعرق والوقت!.
أما من يريد السقوط من أعلى إلى أسفل فلا يحتاج إلى ذلك الجهد، ولكنه قد يسقط سقطة لا يقوم منها أبداً!!. مثله مثل الإنسان الذي يكون في قمة جبل فلو رغب في السقوط فماذا يعمل سوى أن يرمي بنفسه من فوق إلى أسفل؟!.
حقاً ليست العبرة دائماً بمقدار الثمن ولكن بالنتيجة والمُثَمَّنِ، وقد اقتضت سنة الله تعالى في الحياة أن يَبْذل الإنسان لكل شيء ما يناسبه، فللدنيا سعي وللآخرة سعي!! وللفضائل سعيٌ وللرذائل سعيٌ!!.
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ ١.
والصبر بأنواعه المختلفة مِن أهم عُدّة المجاهِد نفسه، ومِن أهم ما يَحتاجه في هذا الباب الصبر عن الشهوة؛ فإنها هي التي أردتْ أكثر مَن سَقط من الناس، وإنما يَقوى على هذا الصبر مَن جاهَدَ نفسه لله، وعَوّدها النظرَ في عواقب الأمور كلها؛ ثم عامَلَ تلك الأمور بما تستحقّه من المواقف، والتوجّهات، والأقوال، والأعمال. ومِن هذا القبيل النظر في عواقب الاستجابة للشهوة، أياً كانت هذه الشهوة، حلالاً أم حراماً؛ فإنّ لكلّ عَمَلٍ عاقِبَةً، ولكلِّ خطوةٍ نتيجةً، لك أو عليك!.
стр. 139
إنّ على الإنسان أن يكون موقفه مِن شهوته موقف المراقبة والمحاسبة، لا موقفَ الاسترسال معها والاستجابة لها، وأن يستحضر -قَبْل الاستجابة لها- ما وَجّهَهُ له الإمام ابن القيّم حيث قال:
"الصبر عن الشهوة أسهلُ مِن الصبر على ما توجبه الشهوة١؛ فإنها: إِمّا أَنْ توجب أَلَماً وعقوبةً.
وإِمّا أَنْ تقطع لذةً أكملَ منها.
وإِمّا أَنْ تُضيع وقتاً إضاعته حسرةٌ وندامةٌ.
وإِمّا أَنْ تَثْلمَ عِرضاً توفيره أنفع للعبدِ مِن ثَلْمه.
وإِمّا أَنْ تُذهِب مالاً بقاؤه خيرٌ له من ذهابه.
وإِمّا أَنْ تَضَعَ قَدْراً وجاهاً قيامه خيرٌ مِن وضْعه.
وإِمّا أَنْ تَسْلب نعمةً بقاؤها ألذّ وأطيبُ مِن قضاء الشهوة.
وإِمّا أَنْ تُطَرِّقَ لِوَضيعٍ إليك طريقاً لم يَكُن يَجِدها قبلَ ذلك.
وإِمّا أَنْ تَجْلِبَ همّاً وغَمّاً وحُزْناً وخوفاً لا يُقارِبُ لذّة الشهوة.
وإِمّا أَنْ تُنْسيَ عِلْماً ذِكْرُهُ أَلَذّ مِن نَيلِ الشهوة.
وإِمّا أَنْ تُشْمِتَ عدوّاً وتُحزِنَ ولِيّاً.
وإِمّا أَنْ تَقطَعَ الطريق على نِعْمةٍ مُقْبلةٍ.
وإِمّا أَنْ تُحْدِثَ عَيباً يَبقى صفةً لا تَزول؛ فإنّ الأعمال تورث الصفات والأخلاق" ٢!!.
стр. 140
وما من شكٍ أنّ مَن يتعوّد التعقّل والتأني والنظرَ في العواقب، قَبَلَ أن يخطو خطواته؛ فيُؤثِرَ منها ما كان لله تعالى، ويُجاهِد نفسه عليه؛ حتى يَجْعَلَ ذلك خُلُقاً له، ما من شكٍّ أنّ الله يساعده ويوفّقه، ويُصْبِح بهذا على مكارم الأخلاق، بعيداً عن مساوئها!.
стр. 141
٩- أثر السيرة النبوية وتراجم الرجال في الأخلاق
تراجم الرجال مدارس الأجيال ... فالمرء يستفيد الخير من قراءة سير أهل الخير.. فإذا قرأ سيرة كريم تنبّه إلى أهمية الكرم.. وإذا قرأ سيرة شجاع تنبه إلى أهمية الشجاعة وإذا قرأ سيرة زاهد أدرك أهمية الزهد.. وإذا قرأ سيرة ورع تنبه إلى أهمية الورع، وإذا قرأ سيرة داعية أو آمر بالمعروف ناهٍ عن المنكر تنبه إلى أهمية ذلك في حياة الإنسان، وإذا قرأ سيرة عالم محقق تنبه إلى أهمية العلم في حياة الإنسان ... ولربما حاسب نفسه عند قراءته لتلك السير على تلك المعاني وأخذ نفسه بها، واكتسبها سيرة وخلقاً في حياته.
ومن المعلوم أن الخير قد تفرق في الناس، فهذا حليم وهذا شجاع وهذا كريم.. إلخ ولا تجد إنساناً كاملاً قد جمع الفضائل كلها والكمال كله.
وأيضاً فقد تجد فضيلة في شخصٍ ما إلى جانب رذيلة ما فيه أو نقصٍ فيه.
وتجد أيضاً وأنت تقرأ في تراجم الرجال وفي سيرهم نوعاً آخر من الناس يقال في وصفه مثلاً: سَرَق، أو زنى، أو ظلم، أو قتل.. إلخ.
стр. 142
فأنت في حاجة إلى أن تتنبه في قراءتك لسير الرجال إلى الخير فتأخذه، وإلى الشر فتجتنبه، وإلى العبرة في سير هذا الصنف، وفي سير هذا الصنف من الناس.
وأيضاً لا بد من التنبه إلى أمر آخر وهو أن كل خلق فاضل إنما يكون بين رذيلتين، فالتهور صفة ذميمة، والجبن صفة ذميمة، وبينهما الشجاعة صفة حميدة.
والإسراف والتبذير صفة ذميمة، والتقتير والكنود والبخل صفة ذميمة، وبينهما الكرم صفة حميدة. وهكذا دواليك.
وأنت إذا تأمّلت أخلاق الناس في ضوء هذا المعيار، لا تكاد تجد عندهم أخلاقاً حميدة تَسْلم من العيب إلا القليل؛ لأن ما فيهم أو في أحدهم من صفات وأخلاق حميدة تقترب من أحد هذين الطرفين المذمومين، ولا يكاد يسلم من هذا العيب إلا القليل من أخلاق القليل من الناس.
ومعنى ذلك أنك في حاجة، وأنت تقرأ في سير الرجال أن تتنبّه لهذا الأمر، وأن تأخذ القدوة والأسوة في فضلائهم في ضوء الكتاب والسنة، وتردّ منهم ما تردّ بحكم الكتاب والسنة.
لكن السيرة الكاملة، والسيرة التي اجتمع فيها من الخير والفضل ما تفرّق في الناس، والسيرة التي اشتملت على الخير الذي لا شرّ معه، والخُلُق الحميد الذي ليس معه خُلُقٌ مذموم، والسيرة التي اجتمع فيها كريم الأخلاق على أفضل درجاتها، فلم تنحرف لا إلى غلوّ ولا إلى تقصير، والسيرة التي تحقق فيها موطن القدوة والأسوة الحسنة فتتأسّى بها
стр. 143
كلها، وتَقْبلها كلها، ولا تستثني منها شيئاً ولا تردّ منها شيئاً، هذه السيرة التي اجتمع فيها كل هذا الخير هي سيرة واحدة، إنها سيرة رسول الله محمد بن عبد الله عليه صلوات الله وسلامه.
إنها سيرة نبي ورسول أرسله الله تعالى، واصطفاه، وربّاه وأدّبه فأحسن تأديبه، إنه ليس رسولاً من رسل الله فحسب، بل هو رسول ختم الله به الرسل، وهو أفضل رسل الله جميعاً، عليهم صلوات الله وسلامه.
إن سيرة رسول الله ﷺ هي السيرة التي أُمرنا بالتأسي بها، إننا مأمورون بذلك ولا خيار لنا فيه، لأن الذي أمرنا هو ربنا ﵎.
وسيرة رسول الله ﷺ والشريعة التي جاء بها هي الطريق الوحيد إلى رضوان الله تعالى وجناته جنات النعيم.
وطريق رضوان الله، وطريق جنة الله مسدودان على من أرادهما عن غير طريق محمد رسول الله ﷺ ؛ فلا يتحقق له رضوان الله ولا يفوز بجنة الله، ولا يَسْلم من عذاب الله إلا بالإيمان به وبرسوله محمد بن عبد الله عليه صلوات الله، والتزام طريقه.
стр. 144
١٠- العدل مفهومه، وأثره في السلوك والأخلاق
قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ١.
стр. 145
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ١ وما في معناهما من الآيات.
إن من يستعرض آيات الكتاب العزيز في الأمر بإيفاء الكيل والميزان، ووعيدِ مَنْ يَظْلم الآخرين في الكيل والوزن يعلم أهمية هذا الخُلُق في هذا الدين!.
بَيْدَ أن هنا فهماً غريباً مغلوطاً، حينما يتصور كثير من الناس اليوم أنه يتّبع هذا الدين -وربما بشيء من الحساسية- في الوفاء بالكيل والميزان في تعامله مع الآخرين، لكن إلى جانب ذلك ربما لا يَجِدُ حرجاً في الإخلال بهذا المعنى ذاته في مجال آخر هو مجال الحقوق الأخرى التي لا تكال ولا توزن!!
إنها حقوق لا تكال ولا توزن ولكنها تُرى أو تُرى آثارها، وتَمَسُّ القلب والنفس والشعور والتصور!!
وقد تكون تلك الآثار لهذا النوع من السلوك آثاراً مدمّرة للفرد والمجتمع!!. وما هذا النوع من الظلم في حقوق الآخرين إلا ثمرة طبيعية نكدة للأنانية والشح والأثرة والإفراط في حُبِّ الذات ونسيان الآخرين، حتى ولو كانوا أولي قُربى، أو ذوي حاجة ماسة، أو مسكنةٍ، وربما كانوا -إلى جانب ذلك- ذوي خُلُقٍ ودين وتُقىً هُمْ به أفضل عند الله ممن هم في حاجة إلى صدقته أو مساعدته.
وإن الاستكبار –مثلاً- على الناس - في حين أنك لا ترضى منهم أن