٩- أثر السيرة النبوية وتراجم الرجال في الأخلاق
تراجم الرجال مدارس الأجيال ... فالمرء يستفيد الخير من قراءة سير أهل الخير.. فإذا قرأ سيرة كريم تنبّه إلى أهمية الكرم.. وإذا قرأ سيرة شجاع تنبه إلى أهمية الشجاعة وإذا قرأ سيرة زاهد أدرك أهمية الزهد.. وإذا قرأ سيرة ورع تنبه إلى أهمية الورع، وإذا قرأ سيرة داعية أو آمر بالمعروف ناهٍ عن المنكر تنبه إلى أهمية ذلك في حياة الإنسان، وإذا قرأ سيرة عالم محقق تنبه إلى أهمية العلم في حياة الإنسان ... ولربما حاسب نفسه عند قراءته لتلك السير على تلك المعاني وأخذ نفسه بها، واكتسبها سيرة وخلقاً في حياته.
ومن المعلوم أن الخير قد تفرق في الناس، فهذا حليم وهذا شجاع وهذا كريم.. إلخ ولا تجد إنساناً كاملاً قد جمع الفضائل كلها والكمال كله.
وأيضاً فقد تجد فضيلة في شخصٍ ما إلى جانب رذيلة ما فيه أو نقصٍ فيه.
وتجد أيضاً وأنت تقرأ في تراجم الرجال وفي سيرهم نوعاً آخر من الناس يقال في وصفه مثلاً: سَرَق، أو زنى، أو ظلم، أو قتل.. إلخ.
стр. 142
فأنت في حاجة إلى أن تتنبه في قراءتك لسير الرجال إلى الخير فتأخذه، وإلى الشر فتجتنبه، وإلى العبرة في سير هذا الصنف، وفي سير هذا الصنف من الناس.
وأيضاً لا بد من التنبه إلى أمر آخر وهو أن كل خلق فاضل إنما يكون بين رذيلتين، فالتهور صفة ذميمة، والجبن صفة ذميمة، وبينهما الشجاعة صفة حميدة.
والإسراف والتبذير صفة ذميمة، والتقتير والكنود والبخل صفة ذميمة، وبينهما الكرم صفة حميدة. وهكذا دواليك.
وأنت إذا تأمّلت أخلاق الناس في ضوء هذا المعيار، لا تكاد تجد عندهم أخلاقاً حميدة تَسْلم من العيب إلا القليل؛ لأن ما فيهم أو في أحدهم من صفات وأخلاق حميدة تقترب من أحد هذين الطرفين المذمومين، ولا يكاد يسلم من هذا العيب إلا القليل من أخلاق القليل من الناس.
ومعنى ذلك أنك في حاجة، وأنت تقرأ في سير الرجال أن تتنبّه لهذا الأمر، وأن تأخذ القدوة والأسوة في فضلائهم في ضوء الكتاب والسنة، وتردّ منهم ما تردّ بحكم الكتاب والسنة.
لكن السيرة الكاملة، والسيرة التي اجتمع فيها من الخير والفضل ما تفرّق في الناس، والسيرة التي اشتملت على الخير الذي لا شرّ معه، والخُلُق الحميد الذي ليس معه خُلُقٌ مذموم، والسيرة التي اجتمع فيها كريم الأخلاق على أفضل درجاتها، فلم تنحرف لا إلى غلوّ ولا إلى تقصير، والسيرة التي تحقق فيها موطن القدوة والأسوة الحسنة فتتأسّى بها
стр. 143
كلها، وتَقْبلها كلها، ولا تستثني منها شيئاً ولا تردّ منها شيئاً، هذه السيرة التي اجتمع فيها كل هذا الخير هي سيرة واحدة، إنها سيرة رسول الله محمد بن عبد الله عليه صلوات الله وسلامه.
إنها سيرة نبي ورسول أرسله الله تعالى، واصطفاه، وربّاه وأدّبه فأحسن تأديبه، إنه ليس رسولاً من رسل الله فحسب، بل هو رسول ختم الله به الرسل، وهو أفضل رسل الله جميعاً، عليهم صلوات الله وسلامه.
إن سيرة رسول الله ﷺ هي السيرة التي أُمرنا بالتأسي بها، إننا مأمورون بذلك ولا خيار لنا فيه، لأن الذي أمرنا هو ربنا ﵎.
وسيرة رسول الله ﷺ والشريعة التي جاء بها هي الطريق الوحيد إلى رضوان الله تعالى وجناته جنات النعيم.
وطريق رضوان الله، وطريق جنة الله مسدودان على من أرادهما عن غير طريق محمد رسول الله ﷺ ؛ فلا يتحقق له رضوان الله ولا يفوز بجنة الله، ولا يَسْلم من عذاب الله إلا بالإيمان به وبرسوله محمد بن عبد الله عليه صلوات الله، والتزام طريقه.
стр. 144
١٠- العدل مفهومه، وأثره في السلوك والأخلاق
قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ١.
стр. 145
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ١ وما في معناهما من الآيات.
إن من يستعرض آيات الكتاب العزيز في الأمر بإيفاء الكيل والميزان، ووعيدِ مَنْ يَظْلم الآخرين في الكيل والوزن يعلم أهمية هذا الخُلُق في هذا الدين!.
بَيْدَ أن هنا فهماً غريباً مغلوطاً، حينما يتصور كثير من الناس اليوم أنه يتّبع هذا الدين -وربما بشيء من الحساسية- في الوفاء بالكيل والميزان في تعامله مع الآخرين، لكن إلى جانب ذلك ربما لا يَجِدُ حرجاً في الإخلال بهذا المعنى ذاته في مجال آخر هو مجال الحقوق الأخرى التي لا تكال ولا توزن!!
إنها حقوق لا تكال ولا توزن ولكنها تُرى أو تُرى آثارها، وتَمَسُّ القلب والنفس والشعور والتصور!!
وقد تكون تلك الآثار لهذا النوع من السلوك آثاراً مدمّرة للفرد والمجتمع!!. وما هذا النوع من الظلم في حقوق الآخرين إلا ثمرة طبيعية نكدة للأنانية والشح والأثرة والإفراط في حُبِّ الذات ونسيان الآخرين، حتى ولو كانوا أولي قُربى، أو ذوي حاجة ماسة، أو مسكنةٍ، وربما كانوا -إلى جانب ذلك- ذوي خُلُقٍ ودين وتُقىً هُمْ به أفضل عند الله ممن هم في حاجة إلى صدقته أو مساعدته.
وإن الاستكبار –مثلاً- على الناس - في حين أنك لا ترضى منهم أن
стр. 146
يتكبروا عليك - من التطفيف في الكيل والوزن في معاملة الناس.
وإن عدم الاكتراث بحقوق إخوانك أو حقوق الناس عليك في حين أنك لا ترضى منهم هذا الخُلُق هو من التطفيف في الكيل والوزن.
وإن إيذاء الآخرين بأي نوع من الأذى، في حين أنك لا ترضاه منهم، هو من قبيل التطفيف في الكيل والميزان.
وإن ظُلْم الآخرين بأي نوعٍ من أنواع الظلم -وإن لم يكن فيما يكال ويوزن- هو من قبيل التطفيف في الكيل والوزن.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ. وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ. أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ. لِيَوْمٍ عَظِيمٍ. يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١؟!.
نعم هؤلاء هم المطففون الذين ذمهم الله تعالى في كتابه وتوعدهم في هذه الآيات، وسميت السورة باسمهم!!.
وما أعظم الجهل والظلم معاً حينما يتصور المرء أن العدل لا يكون إلا في الأشياء المحسوسة المكيلة والموزونة، وأما الحقوق المعنوية فالخطب فيها يسير!!.
وكيف يُتَصوّر أنْ لا يُهِمّ الإنسانَ إلا حقوقه في أشيائه المحسوسة، أو أنّ هذه تُهِمُّه أكثر مما تُهِمُّه حقوقه المعنوية، بحيث يغضب أو يتألم أو يتضرر إذا بُخِسَ حقه في الكيل أو الوزن حينما يشتري شيئاً مكيلاً أو موزوناً، ولكن لا يَحْصُلُ له ذلك الغضب أو التألم أو الضرر إذا أُهين مثلاً أو استُكبِرَ عليه، أو هُجِرَ بغير حق، أو استبيح عِرْضه، أو أُخيف، أو شُتِم، أو تُكُلِّم في عِرْضه ... ؟!.
стр. 147
وكيف يَتَصوَّر المرء أن يَنهى الإسلام عن الظلم ويحرّمه في المكيل والموزون، وهي دنيا فانية، ولا ينهى أشدّ من ذلك عن بخس الناس حقوقهم المعنوية، ويحرّمه أشد من ذلك، في حين أن هذه الحقوق تتعلق بقلب الإنسان وضميره ونفسه وإنسانيته وإيمانه وآخرته؟!!.
إن الذي نستفيده من نصوص تحريم الظلم في المكيل والموزون هو تحريم ظلم الناس في حقوقهم المعنوية تلك بطريقِ الأَوْلى وبدرجة أَشد، ولكنّ كثيراً من الناس عن آيات الله غافلون.
لقد جعل الله لمعرفة الحق ميزانين١: أحدهما: محسوس، وهو الجِرْم الذي يُسَمَّى الميزان الذي يَتَوصَّل به التُّجار إلى معرفة الحقوق، وهو الذي يَفُضُّون به التنازع بينهم وبين المشتري منهم في الأشياء المكيلة والموزونة.
والميزان الثاني: هو ميزان الضمير الإنساني وهو الفطرة التي أمدّها الله تعالى بميزان الكتاب أو ميزان الوحي. فلا بدّ من هذا الميزان وهذا الميزان لإيفاء الحقوق ...
ومتى اختل أحد هذين الميزانين كان مانعاً من إيصال الحقوق لأصحابها.
لكن الميزان الأهم هو ميزان الضمير والفطرة والإيمان، وبدونه قد لا ينفع شيئاً ذلك الميزان المحسوس، ومجال هذا الميزان الذي هو الضمير الحيّ والفطرة السليمة المهتدية بالوحي الإلهي أوسع وأهم....
стр. 148
١١- البواعث الفردية والجماعية وأثرها في الأخلاق
قد يتنازع الإنسان في أخلاقه وتصرفاته دافعان: الدافع الفردي الذي ينظر بمقتضاه إلى نفسه ومصالحها. والدافع الجماعي الذي ينظر بمقتضاه إلى أفراد مجتمعه ومصالحهم.
والإسلام لا يُبطل الدافع الفردي في الأخلاق ولا يسقطه على الإطلاق، بل يُكلِّف المسلم بأن ينظر في حق نفسه ومصالحها، ولكن على أن يكون ذلك ضمن ضوابط معيّنة يفرضها عليه وهو يقوم بهذا الواجب تجاه نفسه، ومن أهم هذه الضوابط أن لا يُغفله ذلك عن حقوق المجتمع الذي يعيش فيه.
فلا بدّ إذن من التوازن في الاهتمام النفسيّ وفي النشاط السلوكيّ لدى المسلم؛ لئلا يكون أنانياً مُفْرطاً في حب نفسه، والاهتمام بها، جُلُّ هَمِّه البحث عن حقوقه في ذلك المجتمع، أو البحث عمّا له، وما ليس له من ذلك، ناسياً الواجبات التي عليه لمجتمعه.
حقاً إنّ قدراً زائداً من الاهتمام بالذات يُعدّ أنانيةً قاتلة للفرد والمجتمع.
وإنّ قدراً معيَّناً من الاهتمام بالآخرين، لا بدّ منه للإنسان؛ ليباعِدَ بينه وبين تلك الأنانية الظالمة التي بها تموت، أو تُقتل، كثير من المجتمعات على أيدي الظالمين والمنحرفين في سبيل تحقيق مآربهم الشخصية الغريبة.
ولخطورة الأنانية المفرطة على المجتمع فإن الإسلام يَسُدّ الطريق إليها على الإنسان المسلم الذي يسير وفق هَدْي الله تعالى، وذلك بالتربية
стр. 149
الأخلاقية الإيمانية.
ثم يحول الإسلام بين الفرد وبين هذه الأنانية بالتشريع الذي شرعه والتعليمات التي ألزم بها المسلم. وفي النهاية بالحدود والعقوبات التي سنها للأخذ على أيدي الظالمين.
إن الإسلام بمنهجه التربوي السليم يوجد الفرد الذي يقوم بهذا الواجب دون حاجة إلى الردع والعقوبة إلا في حالات قليلة.
لأنه يوجد الضمير الحيّ الذي لا يرضى من نفسه إلا العدل والإنصاف إن لم يكن التضحية والإيثار وذلك عن طريق الإيمان بالله تعالى الذي دعا إليه الإسلام وجعل الأخلاق الفاضلة فروعه وثماره الطبيعية الطيبة دون الحاجة إلى العقوبات الزاجرة إلا في حالات قليلة تخرج عن الأصل الذي يكون عليه أفراد المجتمع المسلم بمقتضى ذلك الإيمان.
إن الإسلام إذا أوجب على المسلم واجباً فإنه يدعوه إليه باسم الإيمان أولاً وليس بالعقوبة وإقامة الحدّ. وقد جعل الإسلام الأخلاق الفاضلة من أهم واجبات المسلم في هذه الحياة.
إن لنا أن نتصور خطر أنانية الأخلاق بأن نتخيل مجتمعاً ما كل فرد من أفراده لا يهمه سوى مصلحته الشخصية ولا يريد أن يتحقق له سواها، كيف يكون حال ذلك المجتمع وهل يمكن أن يبقى على وجه الأرض؟!.
وقد تتجاوز الأنانية حدود الفرد إلى شعب بأكمله، فتصبح أنانية شعب ضد شعب أو شعوب، وينتج عن ذلك حروب واضطهادات
стр. 150
ومظالم لا تليق ببني آدم.
وما كثير من هذه الحروب الطاحنة التي يشهدها العالم على مرّ العصور إلا ثمرة نكدة من ثمرات الأنانية الجائرة الصادرة عن أفراد أو شعوب.
واستغلال الشعوب المسمى بالاستعمار صورة بشعة من صور الأنانية المتوحشة.
وما استعمال الفيتو الذي يسمى "حق الفيتو" الذي تستعمله وحوش العصر الحديث الكاسرة من الدول الغربية والشرقية الكبيرة ضد الدول الضعيفة في تقرير مصيرها أو المطالبة بحقوقها، ليس ذلك كله إلا صورةٌ جِدُّ ممقوتة لأنانية شعب ضد شعب أو شعوب، وفرد ضد فرد أو أفراد في مجتمعات تنتسب إلى التحضر.
إن تلك الشعوب الضعيفة أو الأقل قوة في حاجة إلى مساعدة تلك الدول والشعوب لتصل إلى حقوقها المشروعة، فإن لم تفعل هذا فعلى الأقل عليها أن لا تظلمها.
إن معنى الحضارة يصطرع مع ما يسمى بحق الفيتو ومع استغلال شعب بأكمله فلا يَحْكُم العقل عند ذلك بأي معنى من معاني الحضارة لمجتمع يحصل فيه شيء من هذه الانحرافات المغرقة في الجهل والظلم والوحشية ...
ولا يحكم العقل عند ذلك أيضاً بشيء من محاسن الأخلاق لذلك المجتمع إلا بما يحكم به لمن استولى على شخص -ظالماً له- وقهره وسجنه ثم هو إذا جاع أطعمه وإذا مرض عالجه!! فأي قدر من الإحسان
стр. 151
والرحمة يبقي له بعد ذلك؟!!.
وقد يتساءل المرء في هذا الأمر عن حدود هذه الدوافع الفردية في الأخلاق وتلك الدوافع الجماعية في الأخلاق ولا سيما أن المسلم مطالب بأن ينظر لهذه وتلك وقد يتنازعه الأمران ويختلط عليه الواجبان.
وقد قال النبي ﷺ : "إن لربك عليك حقاً وإن لنفسك عليك حقاً وإن لأهلك عليك حقاً فأعط كل ذي حق حقه" ١.
والجواب أن للتمييز بين الدافع الفردي المذموم والدافع الفردي المشروع وبين الدافع الجماعي المذموم والدافع الجماعي المحمود قاعدةً يستطيع الفرد نفسه أن يُفرّق بها بين هذا وهذا، ألا وهي أن لا ينسى -عندما يهتم بمصالح نفسه - مصالح الجماعة فضلاً عن أن يضر بمصالح الجماعة وهو يسعى في تحقيق مصالح نفسه.
فإذنْ كل دافع فردي لسلوك يقوم به الإنسان تجاه مصالحه يرافقه نسيان أو تجاهل لمصالح المجتمع الذي يعيش فيه فهو دافع أخلاقي مذموم ومن ثم فإنه غير مشروع "لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحب لنفسه" ٢.
أو كل دافع فردي لسلوك يقوم به الإنسان تجاه مصالحه يترتب عليه إضرار بمصالح المجتمع أو فرد آخر من أفراده فهو دافع أخلاقي مذموم ومن ثم فإنه غير مشروع.
стр. 152
"مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى، المؤمنون كرجلٍ واحدٍ، إن اشتكى رأسُه تداعى له سائر الجسد بالحمّى والسهر"١.
وليس من لازم هذه القاعدة أن لا يسعى الإنسان في تحصيل مصالحه الخاصة به إلا إذا كانت مشتركة بينه والجماعة فقد ألزم الإسلام الفرد واجبات نحو نفسه لا بد أن يقوم بها.
كما أنه لا يجوز للفرد أن يهتم بنفسه فقط وينسى الآخرين.
يقول الإمام ابن حزم: "حَدُّ الاعتدال، أن تُعْطيَ مِن نفْسِك الواجب وتأخذه. وحَدُّ الجَور أنْ تأخذَهُ ولا تُعطيه! " ٢.
إذن على الفرد المسلم أن يقوم بحقوق نفسه وبحقوق مجتمعه وِفَاق ما شرعه الله تعالى في هذا الدين العظيم.
إنه - بحكم ذلك - يؤدي الواجبات عليه نحو نفسه في كثير من
стр. 153
الأحيان على أنها واجبات عليه تجاه نفسه لا أنها حقوق له، مثلما يؤدي تلك الحقوق التي عليه للمجتمع والتي هي في أقل الأحوال أن لا يضر بالمجتمع ولا يؤذيه.
ليس الأمر إذن على ما عليه الشيوعية التي تسحق الفرد بحجة حق المجتمع، وليس على ما عليه الرأسمالية التي تسحق المجتمع بحجة حق الفرد.
والفرد في هذه الحال عضو فعّال في بناء المجتمع باهتمامه بالمجتمع وبأفراده وينتج عن هذا أن يكون الفرد جزءاً من المجتمع له حقوقه داخل المجتمع.
إلا أنه في حال تعارض مصلحة الفرد مع مصلحة المجتمع، أو بعبارة أخرى: في حال تعارض المصلحة الخاصة مع المصلحة العامة فإن الإسلام يرجح المصلحة العامة أو يُسقط المصلحة الخاصة.
ولهذا نجد في الإسلام ما يسمى بفرض الكفاية الذي يأثم مجموع الأمة إذا لم يقم به أحد أفرادها، وإذا قام به البعض فإن الإثم يسقط عن الأمة وإذا تأهّل أحد للقيام بهذا الفرض أو الواجب تَعَيّن عليه.
ويترجح القيام بالطاعات التي تتعدى مصلحتها -في الدنيا والآخرة-الفرد إلى غيره من أفراد مجتمعه، والثواب في ذلك أكثر منه فيما يقوم به الإنسان من طاعات يقتصر نفعها عليه، كأن يكون الأمر موازنة بين أمرين: إما أن يصلي نوافل مطلقة أو أن يعلّم الناس ويدعوهم إلى الله تعالى، فلا شك في أن اشتغاله بتزكية الآخرين -وفي ذلك تزكية لنفسه- أهم وأولى من أن يشتغل بتزكية نفسه فقط.
стр. 154
المبحث الثالث: نظرات حول مجالات الأخلاق
١- عوّدْ نفسك رعاية المصلحة العامة ومصالح الآخرين
اجتهد أن تُعَوِّدَ نفسك دائماً أن تعمل ما في طريقك، مما في وُسْعِك، من المصالح العامّة لمصلحة مجتمعك الصغير كالأسرة والرفقة في السفر والرحلة وزملاء الدراسة والعمل، أو لمصلحة مجتمعك الكبير كأهل حيّك وأهل مدينتك أو بلدك، أو لمصلحة أُمّتك.
واحذر أن تكون اتكالياً في هذا الأمر فتترك كل شيء من هذا القبيل على غيرك، وتنتظر من أفراد مجتمعك الصغير أو الكبير أو الأُمّة أن يعملوا ما لم تعمله أنت وأن لا يقصّروا في ما قصّرت أنت فيه! بل قم أنت بواجبك، وحاسب نفسك عليه قَبْلَ أن تحاسب الآخرين، وعوّدْ نفسك هذا الخُلُقَ، وادعُ الآخرين للقيام بواجبهم، ولكن لا تجعل ذلك شرطاً لأداء واجبك!.
ولا تحتقرْ في هذا المجال شيئاً من الأعمال الصغيرة، سواء كانت نصيحة، أو أذى تميطه عن الطريق، أو منكراً تسعى في إزالته بالأسلوب الحكيم المناسب، أو رأياً ناصحاً أو فكرة نافعة أو مشروعاً، أو جزءاً من نظافة المكان الذي تعيش فيه، أو ترتيبه، أو خدمة تقوم بها، أو أي شيء نحو هذا مما تستطيع القيام به وتَعُودُ عائدته الحسنة على غيرك أكثر مما تعود عليك، أو عليك وعلى الآخرين.
واجتهد أن تعوّد نفسك القيام بمثل هذه الأعمال ليس طلباً للشهرة ولا ثناء الناس ولا مكافأتهم لك، وإنما إلزاماً لنفسك بفضيلة الخُلُقِ، وطلباً للأجر من الله .
стр. 155
٢- العلم والعناية به
من مساوئ الأخلاق في صفات الإنسان أن تراه قليل العناية بالعلم؛ وتراه يعتني بأمور دنياه وحاجاته المادية، وينسى العلم؛ مع أن العلم من أخص خصائص الإنسان وهو والإيمان بالله والعمل الصالح أهم ما يتميز به، فإذا افتقد صفة العلم وصفة العناية بتحصيله فقد رجع إلى أي مخلوق آخر غير الإنسان وإن بقيتْ صورته كما هي!!.
ومن الصفات السيئة في شخصٍ ما أن تراه يستسهل كل صعب إلا طلب العلم الذي تتوقف عليه سعادته، وتتحقق به إنسانيته!!.
إن الواجب أن يكون للرجل والمرأة والكبير والصغير برنامج ثابت يطلب فيه العلم لا يَعْذر فيه أحدُهم نفسَه.
ومما يؤسف له أن ترى من يعيش حياته كلها عامّيّاً، وحروف الهجاء تسعة وعشرون حرفاً -على رأيٍ- يكفيه لتعلّمه كل حرف منها مثلاً يوم واحدٌ، وقد عاش عشرات السنين يعاني من أُمّيته وجهله!! وفي هذا الصنف من الناس عباقرة لو تعلّموا!!.
وهكذا ينبغي أن تُدْرك أن الجهل -بمختلف أنواعه- تستطيع أن تقضي عليه بالتقسيط، ولكن إذا اقتنعت وبذلت الجهد وحرصت!!.
يجب أن تقرأ المفيد دائماً، وأن تَدْرس، وأن تتعلم!!.
ومن أشد ما يؤخذ على المسلم أن لا يهتم بكتاب الله وحديث رسول الله ﷺ اللذين هما رسالة الله إليه، ولكنه يهملهما، فلا يقرؤهما، ولا يصرف شيئاً مناسباً من حياته في تدبرهما والعمل بهما.
стр. 156
٣- الغفلة عن أمر الإيمان والآخرة خُلقٌ سيّئٌ
إن من أعظم ما يصاب به الإنسان من مساوئ الأخلاق أن يشتغل بأمر دنياه وينسى آخرته وشأن الإيمان بالله ومتطلباته!!.
وهذا قصور في النظر، وداء خطير يودي بسعادة الإنسان، وقد ينقله عن إنسانيته.
وقد قال القائل:
أبنيَّ إن من الرجال بهيمة ... في صورة الرجل السميع المبصرِ
فَطِنٌ بكل مصيبة في ماله ... وإذا أُصيبَ في دينه لم يَشْعُرِ!!
فلا تَخْتَلَّ نظرتك إلى هذا الحدّ الذي تُدْرك فيه أهمية أمور دنياك وتذهل عن آخرتك وإيمانك وواجباته!!.
ولا شك في أن من تكون الدنيا همّه يتسلّط عليه عدد كبير من مساوئ الأخلاق التي يجرّ بعضها بعضاً، أما من يكون الإيمان والآخرة همه فإنه يَجتمع فيه -بحكم هذه الصفة- عدد من الأخلاق الحميدة التي يجرّ بعضها بعضاً أيضاً؛ فالحسنة تطلبُ أُختَها، وكذلك السيئة.
стр. 157
٤- صلة الرحم
صلة الرَّحِمِ ليست نافلة في حياة المسلم بل هي فرضٌ لازم، قد أوجبه الله تعالى عليه، على اختلاف درجات حقوق الأرحام باختلاف درجات قرابتهم واختلاف أحوالهم.
وصلة الرحم تُبارِكُ العمر وتزكّيه، وقطيعة الرحم تُلَطِّخُ حياة الإنسان
стр. 158
بالعار وسخط الجبّار وتهوي بصاحبها إلى النار!!
قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ ١!!.
عياذاً بالله تعالى من معصية هذه عقوبتها!!
أرأيت يا أخي كيف جمع الله لقاطع الرحم هذه العقوبات الشنيعة؟!
١- لعنهم الله. ٢- فأصمهم. ٣- وأعمى أبصارهم.
وماذا بعد لَعْن الله له؟!
وماذا بعد الصمم؟!
وماذا بعد عمى الأبصار؟!.
إن هذه المعصية لم يأذن الله بها شرعاً، شأنها شأن غيرها من المعاصي.
إن هذه المعصية يَسْخط الله على صاحبها ويلعنه ويطرده من رحمته، لأن صاحبها حَرَمَ رحمته مَنْ أوجب الله عليه أن يرحمهم من ذوي رحمه، ويقطعه الله لأنه قَطَع الرحم التي حرّم الله عليه أن يقطعها وأوجب عليه أن يصلها.
إن هذه المعصية من عقوبتها أن يُحْرم صاحبها الهدى والاستضاءة بالحق، ويُحْرم نعمة إصابة الحق ومعرفته واتّباعه، ألم تر أن الله أخبر في كتابه أنه يُصِمُّ قاطع الرحم ويعمي بصره؟! ألا تعلم أن السمع والبصر هما الوسيلة التي يتصل بوساطتها الإنسان بالآخرين؟!
ألا تَعْلم أن السمع والبصر هما الوسيلة الوحيدة لمعرفة الحق والهدى والنور فمن فَقَدَ سمعه وبصره لا يستطيع بعد ذلك أن يتلقى شيئاً من الهدى والعلم والمعرفة؟!
стр. 159
وهذا يبيّن لنا خطورة هذه المعصية.
ويبين لنا أن هذه المعصية من جملة المعاصي التي يُعاقَبُ صاحبُها بالصرف عن الحق وعن المعرفة والهدى.
إن هذا كله يؤكد أن صلة الرحم ليست حقاً للموصول فقط بل هي حقٌ للواصل أيضاً كما أنها حق واجب عليه؛ لأنه متضرر إن لم يفعل، ومنتفع إن فعل حيث تعود عليه صلة الرحم بعواقب الفعل الجميل في الدنيا وفي الآخرة وعند الناس وعند الله.
وصلة الرحم لله طاعة لا تتجزأ فمن يقدّر صلة الرحم لله حق قدرها فإنه لا يخصّ بها أحداً دون أحد، كما يفعله بعض الناس اليوم، فيصلون رحماً ويقطعون أخرى، كما أن من كان رحيماً تراه رحيماً بكل من يستحق الرحمة شرعاً دون أن يخص أحداً من مستحقيها ويترك الباقين، أو لا يرحم بعض الناس ويقسو على آخرين، وإلا لكانت تلك الرحمة كرحمة بعض الوحوش بأولادها إلى جانب افتراسها ما سواهم!!. إن الرحمة لا تخص أحداً من مستحقيها، وهكذا صلة الرحم يجب أن تكون، وإلا لكانت صلة البهائم ببعضها.
والصلة أنواع: فهي تكون بالمال، وتكون بالجاه، وتكون بالنصيحة والرأي والمشورة، وبالعمل البدني، وبالزيارة، وبالدعاء، وبالشكر، وبالثناء. ومن الخطأ الفادح أن يُظَن أنها نوع واحد كالمال مثلاً.
وعلى المرء أن يأخذ بهذه الأنواع كلها ويضع كلاً منها في موضعه المناسب حسب حال رَحِمِه وحسب قدرته. ورُبّ مستغن عن المال وهو في أشد الحاجة إلى الرأي أو النصيحة أو المساعدة البدنية. ورُبّ عاجز عن بذل المال ولكنه قادر على الرأي والنصيحة.
стр. 160
وصلة الرحم ليست عملاً يعمله الإنسان مكافأةً أو ينتظر جزاءه من الموصول في الدنيا، كلاّ بل هو عملٌ لله يبذله لكل مَنْ يستحقه شرعاً.
وتقديم الأَوْلى فالأَوْلى في حقوق الأرحام أمرٌ مطلوب من الإنسان عند تزاحم الحقوق، مراعياً في هذا الترتيب درجات الحقوق حسب القرابة، وحسب شدة الحاجة أيضاً، وحسب أحوال الأرحام.
وهذا الخُلُق يحتاج إلى تربية فينبغي أن يُعْنى به المربون.
وهذا الخلق يحتاج إلى تَدَرُّبٍ ومران فينبغي أن يُعْنى به المؤمنون المتقون الطامعون في ثواب الله ورضاه الخائفون من عذاب الله وسخطه.
وهذا الخلق يحتاج اكتسابه إلى أن يحاسِبَ المرء نفسَهُ عليه وعلى الأخذ به حتى يصبح خُلُقاً وطبعاً له.
وإن من نِعَم الله علينا أَنْ لم يجعل الصلة مالاً فقط وإنما هي بجميع الأنواع السابق ذكْرها، بل لا تكون في كثيرٍ من الأحيان سوى خُلُقٍ فاضل وأعمالٍ يسيرة.
وإن من نِعَم الله علينا أنْ أوصانا بذوي رحمنا وأوصى ذوي رحمنا بنا ولم يترك علاقتنا هذه لمروءتنا أو مصالحنا أو أمزجتنا أو تقديرنا لحقوق قراباتنا كما هو الحال بالنسبة للبهائم!!
وكم هو مؤثّر في النفس مثل قول الله سبحانه في كتابه الكريم: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ ١.
فينبغي أن تتذكر هذا يا أخي!
стр. 161
وأن تتذكر الآيتين السابقتين في بداية هذا الموضوع وما اشتملتا عليه من عقوبات للقاطع رَحِمَهُ.
وأن تتذكر مثل ما رواه أبو هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إنّ الله خَلَق الخَلْقَ، حتى إذا فَرَغ مِن خَلْقه قالت الرَّحِمُ هذا مقام العائذ بكَ من القطيعة. قال: نَعَم، أمَا تَرْضين أنْ أَصِلَ مَن وَصَلَكِ وأقْطَع مَن قطعَكِ؟ قالت: بلى ياربِّ. قال: فهو لكِ". قال رسول الله ﷺ : "فاقرءُوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ " ١.
وأن تتذكر أن قطْع الرحم يتنوّع كتنوّع صلتها فيُقابِل كل نوع من أنواع الصلة نوع من أنواع القطيعة سواء بسواء. فللجنة طريق وللنار طريق ولرضا الله طريق ولسخطه طريق. نسأل الله السداد والتوفيق.
стр. 162
٥- أخلاق الداعية
أيها الأخ الداعية إلى الله تعالى إن من أجلّ نعم الله عليك وأعظمها أَنْ جعلك من الدعاة إليه الناصحين لعباده، وربما جعلك الله سبباً لدخول كثير من عباد الله الجنة دار السلام، ولكن عليك أن تفكّر كثيراً وأن تحاسب نفسك طويلاً وتقول لها: أخاف أن أكون قد دللت غيري على الجنة ولم أدخلها!!.
وربما جعلك الله سبباً لحصول كثير من عباده على رضاه، ولكن عليك أن تحاسب نفسك طويلاً وتقول لها: أخاف أن أكون قد هديت
стр. 163
غيري إلى رضى الله ولم أَنَلْه!!.
ولربما تكون قد دعوت غيرك إلى العلم وقصّرت في تحصيله، فعليك أن تذكّر نفسك بذلك!.
وهكذا دواليك، حاسب نفسك اليوم قبل أن يحاسبك الله غداً، أو يعاجل بك العقوبة في الدنيا قبل الآخرة جزاء ذنب أو تقصير شَغَلك عن رؤيته حسنة أو حسنات نسيت بها سيئاتك والله يتولى الصالحين!!.
стр. 164
٦- الفضولية عيبٌ وقلة حياء !!
مما يُبْتلى به بعض الناس من الأمراض في أخلاقهم صفة الفضولية وحب الاستطلاع المفرط في غير موضعه المناسب شرعاً وعقلاً وذوقاً!!.
فترى من يتصف بهذا الخلق ينشغل بغير ما يعنيه من أمور الناس: ما شأن فلان، وماذا مع فلان؟ وماذا يملك فلان؟ وماذا يصنع فلان؟ وأين ذهب فلان؟ ولماذا ما عمل فلان كذا؟.. إلخ قائمة الفضولية!!.
إن الإنسان الفضولي ناقص العقل والمروءة والذوق، ولا يحسب للحياء حساباً؛ لذلك يصنع في هذا المجال ما يشاء، لأن الأمر كما قال النبي ﷺ : "إن مما أدرك الناس من كلام النبوّة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت" ١.
وهذا الخلق السيئ يقود صاحبه إلى مجموعة أخلاقٍ سيئة مثل الغيبة والنميمة وكثرة القيل والقال، وإضاعة الأوقات، والحسد والبغضاء والحقد، إلى آخر هذه القائمة!!.
стр. 165
ويترتب على هذا الخلق أيضاً كثير من المفاسد، وضياع كثير من المصالح!! وكم أفسد هذا الخُلُق حياة الإنسان وكم أضر بالمجتمعات!!
فهل أيقنت أيها الإنسان بمسؤوليتك تجاه تربية نفسك على الابتعاد عن الفضولية والإفراط في صفة حب الاستطلاع الذي يكون على حساب الخلق والدين؟!
عوّد نفسك على أن لا تسأل عمّا لا يعنيك وعلى أن لا تتطلع إلى ما لا يهمك، وتذكّر قوله ﷺ : "من حُسْنِ إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"!!.
стр. 166
٧- تعوّدْ أن تعيش لغيرك كما تعيش لنفسك
تعوّدْ أن لا تعيش لنفسك فقط، وإنما تُفَكِّرُ في غيرك، وتعمل شيئاً من أجل غيرك، وتضحي بشيء من مصالحك لمصالح غيرك، فإذا تذكرت أن لك حاجات فتذكّرْ أيضاً أن لغيرك حاجات، وإذا أحسست بأن لك مشاعر فتذكرْ أيضاً أن لسواك من الناس مشاعر، ولا تكن كالحجر عديم الإحساس والشعور بآلام الناس من حولك وآمالهم، ولعل هذا الخلق الطيب في الإنسان من أهم الفوارق بينه وبين المخلوقات الأخرى في تعامله مع الناس ومخالطته لهم.
ألا تعلم أن من أهم معاني مكارم الأخلاق هو أن يتعوّد الإنسان الاتصاف بصفات الكرم والإيثار والتضحية، وأن من تطبيقات هذه الصفات أن تعتاد ترْك أشياء من أجل الله، وتعمل أشياء من أجل الله، وتكون بذلك أكثر سروراً من تحقيق بعض ما فاتك بسببها من مصالحك الشخصية القريبة في هذه الدار الفانية؟!.
وتذكّر أن إيمانك لا يَكْمُلُ إلا بهذا لقوله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يُحِبَّ لأخيه ما يحب لنفسه".
стр. 167
المبحث الرابع: أقوالٌ وآراء رائقة في النُّصْح للإمام ابن حزم
توطئة
...
توطئة:
للإمام أبي محمد، ابن حزم أقوالٌ وآراء رائقة في مجال النُّصْح وأساليبه الأخلاقية الشرعية، قد ذكرها، منثورةً غير مُرتّبة، في كتابه: الأخلاق والسير في مداواة النفوس ١. ولِما لتلك الأقوال والآراء مِن أهمية في باب الأخلاق وطُرُق التعامل مع الآخرين تعاملاً حسناً، على وجازتها، جاء الاختيار لِتَتَبُّعِها وجمْعها ونقْلها هنا -بعد إصلاح الأخطاء الطباعية الواقعة في النسخة المطبوعة، ووضْعِ عناوين لها المرجوّ أن تكون مناسِبة-.
стр. 168
١- حكم نصيحة الناصح إذا لم يتمثلها:
"فُرِضَ على الناس تَعَلُّمُ الخير والعمل به، فمن جمع الأمرين فقد استوفى الفضيلتين معاً، ومَنْ عَلِمَهُ ولم يَعْمل به فقد أحسن في التعليم، وأساء في ترْك العمل به، فخَلَط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وهو خيرٌ من آخَرَ لم يَعْلَمْهُ ولم يَعْمَلْ به، وهذا -الذي لا خير فيه- أَمْثَلُ حالاً، وأقل ذمّاً من آخر ينهى عن تَعَلُّمِ الخير، ويَصدُّ عنه.
ولو لم ينه عن الشر إلا من ليس فيه منه شيء، ولا أمر بالخير إلا مَنْ استوعبه، لما نهى أحدٌ عن شر، ولا أمر بخير بعد النبي ﷺ ، وحَسْبُكَ بمن أدّى رأيه إلى هذا فساداً وسوء طبع وذمِّ حال. وبالله التوفيق.
قال أبو محمد ﵁ فاعترض هاهنا إنسان فقال: كان الحسن- ﵁ إذا نهى عن شيء لا يأتيه أصلاً، وإذا أَمر بشيء كان شديد الأخذ
стр. 169
به، وهكذا تكون الحكمة، وقد قيل: أقبح شيء في العالم أن يأمر بشيء ولا يأخذ به نفسه، أو ينهى عن شيء يستعمله.
قال أبو محمد: كَذَبَ قائل هذا، وأقبحُ منه من لم يأمر بخير، ولا نهى عن شر، وهو مع ذلك يعمل الشر ولا يعمل الخير.
قال أبو محمد: وقد قال أبو الأسود الدُّؤلي:
لا تنهَ عن خُلُقٍ وتأتي مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم
وابدأ بنفسك فانهها عن غيّها ... فإذا انتهتْ عنه فأنت حكيم
فهناك يُقْبَلُ إن وعظتَ ويُقْتدى ... بالعلم منك وينفع التعليم
قال أبو محمد: إن أبا الأسود إنما قَصَدَ بالإنكار المجيء بما نَهَى عنه المرء، وأنه يتضاعف قبْحه منه مع نهيه عنه، فقد أحسن، كما قال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ١، ولا يُظن بأبي الأسود إلا هذا.
وأما أن يكون نهى عن النهي عن خُلُقٍ مذموم، فنحن نعيذه بالله من هذا، فهو فعْل من لا خير فيه، وقد صح عن الحسن أنه سمع إنساناً يقول: لا يجب أن ينهى عن الشر إلا من لا يفعله. فقال الحسن: وَدَّ إبليس لو ظفر منَّا بهذه حتى لا ينهى أحدٌ عن منكر، ولا يأمر بمعروف. وقال أبو محمد: صَدَقَ الحسن، وهو قولنا آنفاً، جَعَلَنا ممن يوفَّق لفعل الخير والعمل به وممن يبصر رُشْدَ نفسه، فما أحدٌ إلا له عيوب، إذا نظرها شغلته عن
стр. 170
غيره، وتوفّانا على سنة محمد ﷺ ، آمين يا رب العالمين ١.
стр. 171
٢- لا تنصحْ على شرط القبول:
"لا تنصح على شرط القبول، ولا تشفع على شرط الإجابة، ولا تَهَبْ على شرط الإثابة، لكن على سبيل استعمال الفضل، وتأديةِ ما عليك من النصيحة والشفاعة، وبذْل المعروف" ٢.
стр. 172
٣- الصداقة والنصح:
" ... وليس كل صديق ناصحاً، لكن كل ناصح صديق فيما نصح فيه.
وحدُّ النصيحة هو أن يسوء المرءَ ما ضرّ الآخر، ساء ذلك الآخر أو لم يسؤه، وأن يسرّه ما نفعه، سَرَّ ذلك الآخر أو ساءه، فهذا شرط في النصيحة زائد على شروط الصداقة" ٣.
"استبقاك من عاتبك، وزَهِدَ فيك من استهان بسيئاتك، العتاب للصديق كالسبْكِ للسبيكة، فإما تصفو وإما تَطِيرُ" ٤.
стр. 173
٤- بعض الجوانب السلبية لأنماط من النصيحة:
بعض أنواع النصيحة يُشْكل تمييزه من النميمة، لأن من سمع إنساناً يذم آخر ظالماً له، أو يكيده٥ ظالماً له، فكتم ذلك عن المقول فيه
стр. 174
والمكيد كان الكاتم لذلك ظالماً مذموماً. ثم إن أعلمه بذلك على وجهه كان ربما قد ولّد على الذامّ والكائد ما لم يبلغه استحقاقه بعدُ من الأذى، فيكون ظالماً له، وليس من الحق أن يقتص من الظالم بأكثر من قَدْرِ ظلمه، فالتخلص من هذا الباب صعبٌ إلا على ذوي العقول.
والرأي للعاقل في مثل هذا، أن يحفظ المقول فيه من القائل فقط، دون أن يُبَلِّغه ما قال؛ لئلا يقع في الاسترسال الزائد فيهلك. وأما في الكيد فالواجب أن يحفظه من الوجه الذي يُكاد منه بألطف ما يقدر في الكتمان على الكائد، وأبلغ ما يقدر في تحفيظ المكيد، ولا يزد على هذا شيئاً. وأما النميمة فهي التبليغ لما سمع مما لا ضرر فيه على المبلّغ إليه، وبالله التوفيق" ١.
стр. 175
٥- تكرار النصيحة والصفات المطلوبة في النصيحة:
النصيحة مرتان: فالأولى فرضٌ وديانة، والثانية: تنبيه وتذكير، وأما الثالثة فتوبيخ وتقريع، وليس وراء ذلك إلا التركّل واللطام، اللهم إلا في معاني الديانة، فواجب على المرء ترداد٢ النصح فيها رَضِيَ المنصوحُ أو سخط، تأذّى الناصح بذلك أو لم يتأذ.
وإذا نصحت فانصح سراً لا جهراً، وبتعريض لا تصريح، إلا أن لا يفهم المنصوح تعريضك، فلا بدّ من التصريح.
ولا تنصح على شرط القبول منك.
стр. 176
فإن تعديت هذه الوجوه فأنت ظالم لا ناصح، وطالب طاعة وملك لا مؤدي حق أمانة وأُخوّة، وليس هذا حُكْم العقل، ولا حُكْم الصداقة، لكن حُكْم الأمير مع رعيته، والسيد مع عبيده ١!!.
... إذا نصحتَ ففي الخلاء وبكلام ليّنٍ، ولا تُسْند سبّ مَنْ تحدّثه إلى غيرك فتكون نمّاماً، فإن خشّنت كلامك في النصيحة فذلك إغراء وتنفير، وقد قال الله تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً ... ﴾ ٢ وقال رسول الله ﷺ : "لا تُنفّروا".
وإن نصحتَ بشرط القبول فأنت ظالم، ولعلك مخطئ في وجْهِ نُصْحك، فتكون مطالِباً بقبول خطئك وبترك الصواب ٣!!.
стр. 177
٦- بين إغضاب الخالق وإغضاب المخلوق:
إن لم يكن بدٌّ من إغضاب الناس، أو إغضاب الله ولم يكن لك مندوحة عن منافرة الخَلْق أو منافرة الحق، فأغضبْ الناس ونافرهم، ولا تُغْضِبْ ربك ولا تُنافر الحق ٤.
стр. 178
٧- الهدي المطلوب في النصيحة:
الاتساء بالنبي ﷺ في وعْظ أهل الجهل والمعاصي والرذائل واجب، فمن وَعَظَ بالجفاء والاكفهرار فقد أخطأ، وتعدّى طريقته ﷺ ، وصار في أكثر الأمر مُغْرياً للموعوظ بالتمادي على أمره -لجاجاً وحَرداً ومغايظةً
стр. 179
للواعظ الجافي- فيكون في وعْظه مسيئاً لا محسناً.
ومن وَعَظَ ببشرٍ وتبسمٍ ولين وكأنه مشير برأي، ومخبر عن غير الموعوظ بما يستقبح١ من الموعوظ، فذلك أبلغ وأنجع في الموعظة، فإن لم يتقبل فلينتقل إلى الموعظة بالتحشيم وفي الخلاء، فإن لم يقبل ففي حضرة من يستحيي منه الموعوظ، فهذا أدبُ الله في أمْره بالقول واللين.
وكان ﷺ لا يواجِهُ بالموعظة٢ لكن كان يقول: ما بال أقوام يفعلون كذا، وقد أثنى ﵊ على الرفق، وأَمَرَ بالتيسير، ونهى عن التنفير، وكان يتخوّل بالموعظة خوف الملل، وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ٣.
وأما الغلظة والشدة، فإنما تجب في حدّ من حدود الله تعالى، فلا لين في ذلك للقادر على إقامة الحدّ خاصة.
ومما ينجع في الوعظ أيضاً الثناء بحضرة المسيء على من فَعَلَ خلاف فِعْله، فهذا داعية إلى عمل الخير، وما أعلم لحبّ المدح فضلاً إلا هذا وحده، وهو أن يَقْتدي به من يسمع الثناء، ولهذا يجب أن تؤرّخ الفضائل والرذائل، لينفر سامعها عن القبيح المأثور عن غيره، ويَرْغَبَ في الحسن