← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7527

الأخلاق الفاضلة قواعد ومنطلقات لاكتسابها

عبد الله الرحيلي

Полный текст (254 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فإن تعديت هذه الوجوه فأنت ظالم لا ناصح، وطالب طاعة وملك لا مؤدي حق أمانة وأُخوّة، وليس هذا حُكْم العقل، ولا حُكْم الصداقة، لكن حُكْم الأمير مع رعيته، والسيد مع عبيده ١!!. ... إذا نصحتَ ففي الخلاء وبكلام ليّنٍ، ولا تُسْند سبّ مَنْ تحدّثه إلى غيرك فتكون نمّاماً، فإن خشّنت كلامك في النصيحة فذلك إغراء وتنفير، وقد قال الله تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً ... ﴾ ٢ وقال رسول الله ﷺ : "لا تُنفّروا". وإن نصحتَ بشرط القبول فأنت ظالم، ولعلك مخطئ في وجْهِ نُصْحك، فتكون مطالِباً بقبول خطئك وبترك الصواب ٣!!.

стр. 177

٦- بين إغضاب الخالق وإغضاب المخلوق: إن لم يكن بدٌّ من إغضاب الناس، أو إغضاب الله ولم يكن لك مندوحة عن منافرة الخَلْق أو منافرة الحق، فأغضبْ الناس ونافرهم، ولا تُغْضِبْ ربك ولا تُنافر الحق ٤.

стр. 178

٧- الهدي المطلوب في النصيحة: الاتساء بالنبي ﷺ في وعْظ أهل الجهل والمعاصي والرذائل واجب، فمن وَعَظَ بالجفاء والاكفهرار فقد أخطأ، وتعدّى طريقته ﷺ ، وصار في أكثر الأمر مُغْرياً للموعوظ بالتمادي على أمره -لجاجاً وحَرداً ومغايظةً

стр. 179

للواعظ الجافي- فيكون في وعْظه مسيئاً لا محسناً. ومن وَعَظَ ببشرٍ وتبسمٍ ولين وكأنه مشير برأي، ومخبر عن غير الموعوظ بما يستقبح١ من الموعوظ، فذلك أبلغ وأنجع في الموعظة، فإن لم يتقبل فلينتقل إلى الموعظة بالتحشيم وفي الخلاء، فإن لم يقبل ففي حضرة من يستحيي منه الموعوظ، فهذا أدبُ الله في أمْره بالقول واللين. وكان ﷺ لا يواجِهُ بالموعظة٢ لكن كان يقول: ما بال أقوام يفعلون كذا، وقد أثنى ﵊ على الرفق، وأَمَرَ بالتيسير، ونهى عن التنفير، وكان يتخوّل بالموعظة خوف الملل، وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ٣. وأما الغلظة والشدة، فإنما تجب في حدّ من حدود الله تعالى، فلا لين في ذلك للقادر على إقامة الحدّ خاصة. ومما ينجع في الوعظ أيضاً الثناء بحضرة المسيء على من فَعَلَ خلاف فِعْله، فهذا داعية إلى عمل الخير، وما أعلم لحبّ المدح فضلاً إلا هذا وحده، وهو أن يَقْتدي به من يسمع الثناء، ولهذا يجب أن تؤرّخ الفضائل والرذائل، لينفر سامعها عن القبيح المأثور عن غيره، ويَرْغَبَ في الحسن

стр. 180

المنقول عمن تقدّمه، ويتعظ بما سلف ١.

стр. 181

٨- ظاهرة التأثر والتأثير بين الأحياء والأشياء: تأملت كلَّ ما دون السماء، وطالت فيه فكرتي، فوجدت كل شيء فيه من حيٍّ وغير حيٍّ، مِنْ طَبْعِهِ -إِنْ قَوِيَ- أن يخلع عن غيره من الأنواع كيفياته، ويُلْبسه صفاته: فترى الفاضل يَوَدُّ لو كان الناس فضلاء، وتَرَى الناقص يَوَدُّ لو كان الناس نُقَصَاءَ، وترى كُلَّ مَنْ ذَكَرَ شيئاً يَحُضُّ عليه يقول: وأنا أفعل أَمْرَ٢ كذا، وكل ذي مذهب يَوَدُّ لو كان الناس موافقين له، وترى ذلك في العناصر٣، إذا قوي بعضها على بعض أحاله إلى نوعيّته، وترى ذلك في تركيب الشجر، وفي تغذّي النبات والشجر بالماء ورطوبة الأرض، وإحالتهما ذلك إلى نوعيّتهما، فسبحان مخترع ذلك ومدبّره، لا إله إلا هو ٤.

стр. 182

٩- شكْر الخالق وشكر المخلوق: شكرُ المنعم فرضٌ واجب، وإنما ذلك بالمقارضة له بمثل ما أحسن فأكثر، ثم بالتهمم بأموره، والتأني بحسن الدفاع عنه، ثم بالوفاء له حياً وميتاً، ولمن يتصل به من ساقةٍ وأهل كذلك، ثم بالتمادي على ودّه ونصيحته، ونشْر محاسنه بالصدق، وطيّ مساويه ما دمت حيّاً، وتوريث ذلك عقبك وأهل ودّك.

стр. 183

وليس من الشكر عونه على الآثام، وترْك نصيحته فيما يُوتِغُ١ به دينه ودنياه، بل من عاون من أحسن إليه على باطل، فقد غشّه، وكفر إحسانه، وظَلَمهُ، وجَحَدَ إنعامه، وأيضاً فإن إحسان الله تعالى وإنعامه على كل حالٍ، أعظمُ وأقدمُ، وأَهْنَأُ٢ مِن نعمة كل مُنْعِم دونه فهو تعالى الذي شق لنا الأبصار الناظرة، وفتق فينا الآذان السامعة، ومنحنا الحواس الفاضلة، ورزقنا النطق والتمييز اللذين بهما استأهلنا أن يخاطبنا، وسخّر لنا ما في السماوات وما في الأرض من الكواكب والعناصر، ولم يفضّل علينا مِنْ خَلْقه شيئاً غير الملائكة المقدسين، الذين هم عمّار السماوات فقط. فأين تقع نِعَمُ المنعِمين من هذه النعم؟! فمن قدَّر أنه يَشْكر محسناً إليه بمساعدته على باطل، أو بمحاباته فيما لا يجوز، فقد كَفَرَ نعمة أعظم المنعِمين، وجَحَدَ إحسان أجلِّ المحسنين إليه، ولم يشكر وليَّ الشكر حقاً، ولا حمد أهل الحمد أصلاً، وهو الله . ومن حال بين المحسن إليه وبين الباطل، وأقامه على مُرِّ الحق فَقَدْ شكره حقاً، وأدّى واجب حقه عليه مستوفى، ولله الحمد أوّلاً وآخراً وعلى كل حال ٣.

стр. 184

١٠- النطق بعيوب الناس ليس نصيحَة: "واعلمْ يقيناً أنه لا يَسْلم إنسيٌّ مِنْ نقصٍ، حاشا الأنبياء -صلوات الله عليهم-. فمن خفيتْ عليه عيوب نفسه فقد سقط، وصار من السُّخْف والضعة والرذالة والخسة

стр. 185

وضعْف التمييز والعقل وقلة الفهم، بحيث لا يتخلف عنه متخلف من الأرذال، وبحيث ليس تحته منزلة من الدناءة، فليتدارك نفسه بالبحث عن عيوبه، والاشتغال بذلك عن الإعجاب بها وعن عيوب غيره التي لا تضره لا في الدنيا ولا في الآخرة. وما أدري لسماع عيوب الناس خصلة إلا الاتعاظ بما يسمع المرء منها، فيجتنبها ويسعى في إزالة ما فيه منها بحول الله تعالى وقوّته. وأما النطق بعيوب الناس فعيب كبير، لا يسوغ أصلاً، والواجب اجتنابه، إلا في نصيحةِ مَنْ يتوقع عليه الأذى بمداخلة المعيب، أو على سبيل تبكيت المعجَبِ فقط في وجهه لا خلْف ظهره، ثم يقول للمعجَبِ: ارجع إلى نفسك، فإذا ميزت عيوبها فقد داويت عجبك، ولا تُمَثِّلْ بين نفسك وبين من هو أكثر عيوباً منها١، فتستسهل الرذائل، وتكون مقلِّداً لأهل الشر، وقد ذُمَّ تقليد أهل الخير، فكيف تقليد أهل الشر؟!. ولكن مثّل بين نفسك وبين من هو أفضل منك، فحينئذٍ يتلفُ عُجْبك، وتفيق من هذا الداء القبيح الذي يُولِّد عليك الاستخفاف بالناس -وفيهم، بِلاَ شك، من هو خير منك- فإذا استخففتَ بهم بغير حقٍ استخفّوا بك بحقٍ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ٢، فتُولّد على نفسك أن تكون أهلاً للاستخفاف بك، بل على الحقيقة، مع مقتِ الله وطمْس ما فيك من فضيلة ... " ٣.

стр. 186

١١- أدب الحضور لمجالس العلم: "إذا حضرتَ مجلس علمٍ، فلا يكن حضورك إلا حضور مستزيدٍ علماً

стр. 187

وأجراً، لا حضور مستغنٍ بما عندك، طالباً عثرةً تُشيعها، أو غريبةً تُشنّعها؛ فهذه أفعال الأرذال الذين لا يفلحون في العلم١ أبداً. فإذا حضرتها على هذه النية، فقد حصّلتَ خيراً على كل حال، وإن لم تحضرها على هذه النية، فجلوسك في منزلك أَرْوَحُ لبدنك، وأكرم لِخُلُقِك، وأسلمُ لدينك. فإن حضرتها كما ذكرنا، فالتزمْ أحدَ ثلاثة أوجهٍ، لا رابع لها، وهي: - إما أن تسكت سكوت الجهّال؛ فتحصل على أجر النية في المشاهدة، وعلى الثناء عليك بقلة الفضول، وعلى كرم المجالسة، وموَدّة مَن تُجالس. - فإن لم تفعل ذلك، فاسأل سؤال المتعلم؛ فتحصل على هذه الأربع محاسن، وعلى خامسةٍ، وهي: استزادة العلم. وصفة سؤال المتعلم أن تسأل عما لا تدري، لا عما تدري؛ فإنّ السؤال عما تدريه سُخفٌ، وقلةُ عقل، وشغلٌ لكلامك، وقطعٌ لزمانك بما لا فائدة فيه، لا لك ولا لغيرك، وربما أدّى إلى اكتساب العداوات، وهو -بَعْدُ- عينُ الفضول؛ فيجب عليك أن لا تكون فضولياً؛ فإنها صفةُ سوءٍ. فإنْ أجابك الذي سألتَ بما فيه كفاية لك، فاقطع الكلام، وإنْ لم يُجبك بما فيه كفاية، أو أجابك بما لم تفهم؛ فقلْ له: لم أفهم، واستزدْه، فإنْ لم يَزدْك بياناً وسكتَ، أو أعاد عليك الكلام الأول، ولا مزيد؛ فأمسك عنه؛ وإلا حصلتَ على الشر والعداوة، ولم تحصل على ما تريد من الزيادة. - والوجه الثالث: أن تُراجع مراجعة العالم.

стр. 188

وصفة ذلك أن تُعارض جوابه بما يَنقضه نقضاً بيّناً، فإن لم يكن ذلك عندك، ولم يكن عندك إلا تكرار قولك، أو المعارضة بما لا يراه خصمك معارضةً؛ فأمسك؛ فإنّك لا تحصل بتكرار ذلك على أجرٍ، ولا على تعليمٍ، ولا على تعلّمٍ، بل على الغيظ لك ولخصمك، والعداوةِ التي ربما أدّت إلى المضرّات. وإياك وسؤال المعنت، ومراجعة المكابر، الذي يطلب الغَلَبَةَ بغير علمٍ؛ فَهُما خُلُقا سوءٍ، دليلان على قلةِ الدين، وكثرة الفضول، وضعف العقل، وقوّة السخف، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وإذا وردَ عليك خطابٌ بلسانٍ، أو هجمتَ على كلامٍ في كتابٍ؛ فإياك أن تُقابله مقابلة المغاضبةِ الباعثة على المغالبة، قبلَ أن تتبيّن بطلانه ببرهانٍ قاطعٍ، وأيضاً فلا تُقْبلْ عليه إقبال المصدّق به، المستحسن إياه، قبْلَ علمك بصحته ببرهانٍ قاطعٍ؛ فتَظلم في كلا الوجهين نفسك، وتبتعد عن إدراك الحقيقة، ولكن أَقْبِل عليه إقبال سالمِ القلب عن النزاع عنه، والنزوع إليه، إقبال مّن يُريد حظ نفسه في فهم ما سمع ورأى، فالتزيّد به علماً، وقبوله إن كان حسناً، أو ردّه إن كان خطأً؛ فَمَضْمونٌ لك-إن فعلتَ ذلك-: الأجر الجزيل، والحمد الكثير، والفضل العميم١!!.

стр. 189

الفصل السادس: الذوق والأدب في تصرفات الإنسان المبحث الأول: الذوق والأدب في الإسلام أوّلاً: الذوق والأدب في الخُلُق الإسلاميّ ... المبحث الأول: الذوق والأدب في الإسلام أوّلاً: الذوق والأدب في الخُلُق الإسلاميّ: الإسلام كله أدبٌ وذوقٌ رفيعان، لم يَصِل إليهما، بل لم يَعْرفهما بنو آدم مِن قَبْلِ أن يَمُنّ الله علينا بهذا الدين، وما كان لهم أن يكون لهم ذلك بغير تعليم العليم الخبير لهم وتربيته وتزكيته لهم؛ فالإسلام كله ناطِقٌ بهذه السمة في تعاليمه وأحكامه كلها!. ولك أن تتصوّر هذا -على سبيل المثال- فيما جاء به هذا الدين في جانب المعاملة والحقوق بين الناس، مثلُ: -إفشاء السلام. -الشكر لذي المعروف. -الصدق. -الأمانة. -الكلمة الطيبة. -الطهارة والنظافة، حسياً ومعنوياً. -الدعوة إلى البعد عن الشر وعن أضداد الأخلاق الطيبة كلها. -الدعوة إلى فعل الخير والإحسان بمختلف صورهما. -إعطاء حقوق القرابة، والصلة. -حق الزيارة بين المسلم وأخيه، من أجل الله تعالى. -حق الاستئذان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

стр. 190

فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ١. -الصبر في مختلف مواضعه ومجالاته. -الكرم. -الحلم. -الشعور بالأخوّة، وإعطاء حقوقها المتعددة. -العدل والإنصاف. -التثبت. -إلى آخر تعاليم هذا الدين وأحكامه التي لا يَخيب المستمسك بها.

стр. 191

ثانياً: الذوق والأدب في أخلاق النبيّ ﵊ ... ثانياً: الذوق والأدب في خلق النبي ﷺ : لقد كانت حياة الرسول ﷺ كلها ذوقاً رفيعاً وأدباً عالياً. والوثيقة الناطقة بهذا هي كتاب الله، القرآن الكريم، وحديث النبيّ، وسيرته، ولقد شَهِدَ له ربه بهذا فقال في شأنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ٢، وقال عنه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ ٣. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، ﵄: أنه سئل عن صفةِ رسول الله ﷺ في التوراة، فقال: أَجَلْ، والله إنه لموصوفٌ في التوراة ببعض صِفتِه في القرآن ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ ٤، وحِرْزاً للأمّيين، أنت عبدي ورسولي، سمّيتك المتوكّل، ليس بفظّ

стр. 192

ولا غليظ، ولا سخّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يَقبِضه الله حتى يُقيمَ به الملَّة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويَفتَح بها أعيناً عُمياً، وآذاناً صُمّاً، وقلوباً غُلْفاً"١!!. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢. وقال ﷺ :"إني لأقوم في الصلاة، وأريد أن أُطوِّل فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوَّز في صلاتي كراهية أن أَشُقَّ على أُمِّه" ٣، وقال ﷺ : "لو أنْ أَشُقَّ على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة" ٤، وقال ﷺ : "أيها الناس، إنكم مُنَفِّرون؛ فمن صلّى بالناس فلْيُخفِّف؛ فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة" ٥. قال أنس ﵁: "خدمت النبي ﷺ عشر سنين فما قال لي: أفٍ قط، وما قال لشيء صنعته: لِمَ صنعتَه؟ ولا لشيء تركته: لِمَ تركته. وكان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خلقاً، ولا مسست خَزّاً قَطُّ ولا حريراً ولا شيئاً كان أَلْيَنَ مِن كف رسول الله ﷺ ولاشممت مسكاً قط ولاعطراً كان أطيب مِن عَرَق" النبي صلى الله عليه وسلم٦"!! وعند البخاري، عن أنس ﵁: "ما مسستُ حريراً ولا

стр. 193

ديباجاً أَلْيَنَ مِن كفِّ النبيّ ﷺ ، ولا شَممتُ رِيحاً قَطُّ أو عَرْفاً قطُّ، أَطْيَبَ مِن رِيحِ أو عَرْفِ النبيّ ﷺ "١!!. ولك أن تتصوّر الذوق والأدب في حياة النبيّ ﷺ -على سبيل المثال- في الجوانب الآتية: -لينُ جانبه ﷺ وتواضعه، ومباسطته للناس، وملاطفته وممازحته لهم. -صِدْقه. -عفافه. -حياؤه. -مشاورته لأصحابه. -إفشاؤه السلام، سواءٌ على الكبير والصغير، أَومَن يَعرف ومَن لا يَعرف. -شكره للمعروف، وحفظه للجميل، وحسن العهد. -طيب كلامه، وحُسْن فعاله، ولُطْف تصرفاته، وسموُّ مقاله. -نظافته، وطهارته، وطيب رائحته. -ابتعاده عن كل نقيصة من نقائص الأخلاق وخوارم العدالة والمروءة التي ربما لا يسلم منها بعض الحريصين على السموّ وتحاشي مساوئ الأخلاق!!. - لقد كان على مكارم الأخلاق في أحواله كلها: في الرضا والغضب، والسرور والحزن، والرخاء والشدة، ومع الكبير والصغير، والقريب والبعيد، والصديق والعدو: * لقد اجتمع فيه ما تفرق في الناس من الفضائل! * لقد كان خلقه القرآن، يرضى لرضاه، ويغضب لغضبه! * لقد كان على خلق عظيم ﷺ وبذلك وصَفَه ربه !. فهو الأسوة الحسنة في أقواله وأفعاله وسائر أحواله لكل من رام أن يكون على الخلق القويم، ولكل من أراد أن يكون على الصراط المستقيم في الدنيا وفي الآخرة!.

стр. 194

المبحث الثاني: الذوق والأدب في تصرّفات الإنسان أوّلاً: هلاّ تعرفتَ على سلوكك في عيون الآخرين ؟! : ما أشد حاجة الإنسان إلى أن يتعرف على صورته في عيون الآخرين، ليتعرف على خطئه من صوابه في تعامله مع الناس وتصرفاته! ويراعي حدود الأدب والذوق في ذلك!. أما الذي لا يعنيه هذا الأمر فذلك إنسان عديم الإحساس، فاقد الذوق جملةً وتفصيلاً، فلا يميز بين المناسب وغير المناسب مما يأتي ويَذَر. أما من أدرك أهمية العناية بهذا الأمر -أعني التعرف على صورته في عيون الآخرين- فإن له للوصول إلى هذه الغاية ثلاث طرق: الأولى: معرفته بشعور الآخرين تجاه تصرفاته وتعامله معهم، فإنه سَيَعلم منه مواطن السخط ومواطن الرضا منهم؛ فيُراعيه ضِمْن دائرة هَدْي الإسلام وأحكامه. الثانية: القياس على ما يَجِدُهُ في نفسه من آثار رؤيته تصرفات الناس في عينه، وما ينتج عنها في نفسه مِن سخطه ورضاه.

стр. 195

الثالثة: أن يجِدَ أخاً ناصحاً يُبَصّره بما يراه من عيوبه وأخطائه؛ فذاك غنيمة الحياة بالنسبة له! وقَبْل هذا جُهْد الوالدَين المُوَفَّقَين يجب أن يكون مذكوراً مشكوراً. وينبغي للعاقل أن يستعمِل هذه الطرق الثلاث كلها. إنك لو جلستَ فترةً من يومك أمام آلة تصوير تلفزيونية كَاميرا تلفزيونية، ثم راجعتَ المشهد أو المَشاهِد التي التقطتها آلة التصوير التلفزيونية كلها بعين المراقب الناقد فإنك لا شك راءٍ عدداً من التصرفات التي قد تودُّ الاعتذار منها، أو الابتعاد عنها مهما كانت صغيرة!. وإذا كانت آلة التصوير نادرة أو معدومة في تاريخ حياتك فإن الواجب عليك أن تتذكّر أنّ تصرّفاتك في حال تسجيلٍ دائم لا يَفْلتُ منها شيء سرِّها وجهرها، إنك أمام الناس، وأمام ملائكة الله، وأمام السميع البصير ﵎!! فهل ستكون عندئذٍ على ذلك الشعور المُرْهَف والحساسية ذاتها أم تتناسى ذلك؟!. وسأذكر فيما يلي بعض هذه الأخطاء التي يقع فيها كثير من الناس -من حيث يشعرون أو من حيث لا يشعرون، فيُسيئون إلى أنفسهم وإلى الآخرين- مساهمةً في مساعدة الراغب في التعرف على الأخطاء الشائعة هذه، مما ينافي الأدب والذوق، وذلك ليَبْتعد عنها مَن يُريد، ويحاسبَ نفسه على ذلك. وقد ذكرتها وفق التصنيف الآتي: - أخطاء الجلوس على الطعام. - أخطاء استخدام الحمّام. - الأخطاء العامة. - خاتمة.

стр. 196

ثانياً: أخطاء الجلوس على الطعام: لستُ راغباً في سرد هذه الأخطاء لولا الرغبة في النصيحة والإخلاص لحقّ الأخوّة وتقدير رغبة عدد من الناس الأسوياء والحريصين على ألاَّ يُخِطئوا ولكنهم قد يقعون في مثل هذه الأخطاء دون أن يشعروا. هذا هو الدافع لطَرْق هذا الموضوع، وإنما الأعمال بالنيات ... فمن هذه الأخطاء ما يلي: ١- عدم غسل اليدين غسلاً كافياً قبْل الأكل وبَعْده. ٢- الكلام أثناء وجود الطعام أو بقاياه في الفم بحيث يؤذي الآخرين، وكم يَرى الإنسان مِن الناس من لا يُنسّق بين اللقمة والكلمة فيخرج عن إطار الأدب والذوق. ٣- التَّجَشُّؤ بطريقة مؤذية للآخرين، وذلك بصوت الجشاء ورائحته، سواء في أثناء الأكل أو في سواه. ٤- نَفْض اليد في السفرة سواء كان في الإناء أو خارجه. ٥- لعْق اليد أو الأصابع بعد كل لقمة، أو ما بين فترة وأخرى على الطعام وقبل الانتهاء منه. ٦- إعطاء الآخرين شيئاً من الطعام ونحوه بيده التي لعقها، أو التي عَلِق بها الطعام، أو فِعْل ذلك بملعقته التي أكل بها، يُخرجها من فمه، ويأخذ بها طعاماً لغيره. ٧- تسبُّبُ الآكل في الخَلْط بين بعض أنواع الطعام بطريقة أكله بصورةٍ قد يتقزز منها غيره.

стр. 197

٨- عدم الذوق في مضغ الطعام قد يسيء إلى الآخرين، فمن الناس من يمضغ الطعام بما يُشبه اجترار الدابة، ومن الناس من يفتح فمه أثناء مضغ الطعام بصورة كاشفة لكل ما في فمه، وإصدار صوتٍ مزعج. ٩- تنقيب الأسنان بطريقة تسيء إلى الآخرين، سواء أثناء الأكل أو بعده. ١٠- كثرة نِثار الآكل أثناء أكلهوهو ما يتساقط منه من الأكل. ١١- الجشع في الأكل ولو على حساب من معه دون أن يَشْعر بشعوره، فقد يكون الطعام قليلاً، وقد يكون من معه جائعاً أو أشد حاجة. ١٢- كثرة الأكل كثرةً مفرطة مجاوزة للحد الشرعي؛ فإنّها مُضرِّةٌ بصحتك، ومُضرِّةٌ بأدبك وذوقك. ١٣- عدم التسمية في البدء، وعدمُ حمد الله وشكره عند الانتهاء. ١٤- عدم مراعاة شعور الآخرين في طريقة جلوسه، فلربما جَلَس متربِّعاً، في حين أنّ غيره لا يَجِدُ مكاناً للجلوس. ١٥- عدمُ مراعاة الذوق في أثناء الحديث على الطعام، فلربما ذَكَر بعض الأشياء التي بسببها يقوم بعض الناس عن الطعام. ١٦-الأكلُ ليس مما يليه، وإنما مما يلي غيره-في غير الحالات التي تحتَمِلُ ذلك-.

стр. 198

ثالثاً: أخطاء استخدام الحمّام: من الأخطاء التي يقع فيها كثير من الناس في أثناء استخدام الحمّام ما يلي: - عدم سحْب الطاردِ المائيّ السيفون لتنظيف المرحاض، وترْك هذه المهمة على غيره من الناس!!. - عدم غسل اليدين بالصابون بعد استخدام الحمّام غسلاً جيّداً!.

стр. 199

- مسْك صنبور الماء أو الصابون بعد خروجه من الحمّام أو في الحمّام قبل غسلها بالصابون!. والطريقة الصحيحة في هذه الحال هي: ألاَّ يستخدم يده اليسرى في شيء بعد ذهابه إلى الحمّام، حتى يغسلها بالصابون. ومعنى هذا أنه يتّبع الآتي: ١- يسحب السيفون بيده اليمنى. ٢- ويغلق صنبور الماء في الحمام بعد انتهائه بيده اليمنى. ٣- ويفتح باب الحمام ويغلقه بيده اليمنى. ٤- ويفتح صنبور الماء بيده اليمنى. ٥- ويأخذ الصابون بيده اليمنى. ٦- ويربرب الصابون في يده اليمنى بالقَدْر الكافي. ٧- ثم يغسل يده اليسرى في ذلك الصابون دون أن يمسك بها صنبور الماء أو المغسلة. - توسيخه لحوض الغسيل أو الحمّام بأيّ سبب من الأسباب وترْك ذلك كما هو، ليأتي مَن بعده ليقوم بمهمة التنظيف المطلوبة هذه!. فبأيّ حق يُشغّل غيره في مثل هذا؟! وبأيّ حقٍّ ينقسم الناس إلى فريقين: فريق يوسِّخون، وفريق يُنظِّفون؟! في أيّ عقل أو شرع أو ذوقٍ هذا.؟!. -الإسراف في استخدام الماء، سواءٌ للغَسْل أو الاستحمام أو الوضوء. -رمْيُ المناديل أو المحارم الورقيّة ونحوها، بعد الفراغ منها، في الحمام في أيّ مكان، مما قد يُسئ إلى الآخرين، أو في موضعٍ يَسُدُّ الحمام. والقاعدة العامّة هي: لا تترك الأشياء والمرافق التي تستعملها، بعْد استعمالك لها، إلا وهي كما تُحِبُّ أن تجدها فيما بعد، أو كما تُحبُّ أن يَجدها إخوانك.

стр. 200

رابعاً: أخطاء عامّة: كثيرة هي الأخطاء العامّة التي يقع فيها كثير من الناس، مما قد يصعب معه حصرها، ومنها ما يلي: - تنقيب الإنسان أنفه بأصابعه. - مسْح السواك بعد استخدامه باليد مباشرة. - مصافحة الناس باليد التي كان ينقب بها أسنانه مباشرة أو أنفه أو مَسَح بها سواكه، أو أصابها شيء من لعبه أو ليست نظيفة. - رفْع الصوت أكثر من الحاجة. - رفْع صوته بالضحك والقهقهة. - إزعاج الآخرين بمنبه السيارة باستخدامه في غير الموضع المناسب ودون حاجة ملحّة، أو بصوته المرتفع، أو بتعليقه وقتاً. - إيذاؤه الآخرين بتقفّزه إيّاهم بسيارته بصورة تتنافى مع الأدب والذوق. - إيذاؤه نفسه وإيذاؤه الآخرين بعدم عنايته بالنظافة الشخصية بصفة عامة. - إيذاء الآخرين بأنوار سيارته في عدد من الحالات التي ربما لا يحتاج فيها إضاءتها أصلاً. - إيذاء الآخرين بالبصاق في الطرقات والأماكن غير المناسبة. - إيذاء الآخرين بإيقاف سيارته في الموقف غير المناسب. - عدم الشعور بمشاعر الآخرين وعدم رحمتهم بصفة عامّة. - إيذاء الناس بالتدخين في الأماكن العامَّة. - عدم الاكتراث بحقوق الآخرين عليه، سواء منها المالية وغير المالية. - التمخط والمسح باليد!.

стр. 201

إلى آخر ما هنالك من الأخطاء المجانبة للشرع والأدب، فإنه يصعب حصرها، ولكن القاعدة في هذا أن يَعْلم الإنسان أنّ كل تصرفٍ لم يأمر به الشرعُ، ووَجَدَ في نفسه نفرةً منه، أو وَجَدَ غيرُهُ نفرةً منه فهو تصرفٌ مجانبٌ للذوق والأدب.

стр. 202

خامساً: خاتمة: وبعد! فقد يقول من ليس له في النظافة والذوق همٌّ ولا تفكير ولا مذهب، عند قراءته لهذه الهموم والتوجيهات حول النظافة وأهميتها وأمثالها: هذا تشدُّدٌ، أو هذه وسوسة، أو ما أنزل الله بهذا من سلطان، أو نحو هذا من العبارات التي لا اعتداد بها في حكم الشرع والعقل والذوق، حين توضَع في غير موضعها!. ولا عجب أن يهجم قليل النظافة والذوق أو عديمهما على ما تنكشف به عيوبه، مِن بيانٍ لهدي الإسلام في هذا الباب!. ولكن العجب كل العجب أن يَهْجم مثل هذا على النظافة والذوق والأدب باسم الإسلام، يريد أن يتسلح بالإسلام وبوحي الله تعالى، ويريد أن ينصره الإسلام في معركته هذه الفاشلة!! وكان الأَولى به أن يخجل من نفسه، ويستر عيوبه، ويشكر الناصح، ويَعُود إلى هدْي الدين وما فيه سعادته في الدنيا وفي الآخرة!! ولكن لله في خَلْقه شؤون، والناس معادن وعقول وأخلاق مختلفة متفاوتة، فإن عافاك الله تعالى من مثل هذه الداهية فاحمد الله . والعاقل يَقْبل النصيحة من حيث أتتْه، ويتقبل الهدى ممن أهداه -في أي موضوع وبأي أسلوب- بل المخاشنة بالنصيحة أحبُّ إليه من

стр. 203

المداهنة على الأقوال القبيحة١". و"ضرْب الناصح خيرٌ من تحية الشانئ"٢. و"ظاهرُ العِتاب خيرٌ من مكتوم الحقد، ورُبَّ عتْبٍ أنفع من صفْحٍ٣". على أني في هذه الأوراق لم أتجاوز الغاية من كتابتها، وهي بيان الحق من الباطل، والخطأ من الصواب في باب الأخلاق، ولم أَسبَّ ولم أَشْتِمْ، لأن ذلك ليس من الخُلق الفاضل في شيء، ولا تستقيم الدعوة إلى الخلق الفاضل بغير الخلق الفاضل، ولكن بعض الأخطاء مجرّدُ ذكْره ينبو على السمع، وحسبُك من شرٍ سَمَاعُهُ"! ولابُدّ مما ليس منه بدٌ لمصلحة النصح والبيان، والله المستعان!.

стр. 204

الفصل السابع: خُلُق التعامل مع المخالِف توطئة ... توطئة: إذا كانت أخلاق الإنسان تشمل نشاطاته وعلاقاته وتوجهاته كلها، فإنّ مما يَدْخل في ذلك -بصورةٍ مؤكَّدة وعلى نطاق واسع- خُلق التعامل مع المخالف. والمخالِف أنواع وأصناف شتى من الناس، ولكنهم على اختلافهم، ينقسمون بحسب الدِّين إلى قسمين: - المخالف المسلم. - المخالف الكافر. ومبدأ الالتزام بمكارم الأخلاق، يَتطلَّب الالتزام بها مع المخالِف أياً كان، وهذا يستدعي التعرف على وجه الصواب، وعلى محاسن الأخلاق في التعامل مع المخالف. وإصابة الخُلق المحمود في التعامل مع المخالف مرهون بأمرين: الأول: الفقه الشرعيّ، والمعرفة الصحيحة بالأحكام الشرعية المتعلقة بهذا الموضوع. وكم انطلق الإنسان من تصرفاتٍ تجاه المخالف مخطئة خاطئة معاً؛ ظناً منه أن ذلك هو حُكم الشرع!. والناس بعد معرفتهم بنصوص الشرع منهم من يفقه الحكم، ومنهم من لا يفقهه. الثاني: الأخلاق النفسية الشخصية المستقرة في داخل النفس، المحرِّكة لتصرفات الإنسان وسلوكياته. وكم من شخصٍ عَرَف حكم الشرع في هذا الموضوع، لكنه تركه جانباً، وأَخذ بما تُمْليه عليه سجيته وطبعه أو هواه!. ومِن اللازم الإشارة هنا إلى أنَّ الشرطَ في تحديد هذه المفاهيم والأخلاق في هذا الموضوع هو أَن يكون الإنسان فيها صادِراً عن

стр. 205

الكتاب والسنّة -مُلتَمِساً الإخلاص والفقه السديد للنصوص- وهو الأمرُ الذي اشترطه كاتب هذه السطور على نفسه، بقدْر ما استطاع. وفي الأسطر الآتية إشارة إلى بعض ما يبدو مهمّاً في نظر كاتبها من أخلاقٍ تتعلق بهذه القضية١.

стр. 206

المبحث الأول: خُلق التعامل مع المخالِف المسلم أوّلاً: أُصول المعاملة الواجبة شرعاً: حَدّد اللهُ الخالقُ سبحانه صُوَر التعامل الواجب بين الناس والأخلاقَ المتعيّنة عليهم تجاه بعضهم بعضاً، كما حدّد الخُلق الواجبَ على المخلوقين تجاه الخالق سبحانه. ومما أوضحه الله للناس طريقة معاملة المسلم لأخيه المسلم، سواء في حال خلافه أو في وفاقه معه. فما الواجب بصورة عامّة على المسلم في تَعامله مع أخيه المخالف له؟ إنّ القاعدة العامّة الواجبةَ الاتّباعِ هنا هي: مراعاة الأخوّة بينهما، ومراعاة حقوق هذه الأخوّة، والتزام حُسْن الخُلق بصورة مطّردة، ومحبة الأخ لأخيه الخير كما يُحبُّه لنفسه، وتحريم أذيّته، وتحريم عِرْضه ودمه وماله. وفيما يلي النصوص الشرعية الدّالّةُ على هذه الواجبات والحقوق

стр. 207

بين المسلم وأخيه. أ- الآيات في الموضوع: فيما يلي بعض الآيات مِن كتاب الله تعالى الشاهدة بهذه المعاملة الواجبة شرعاً، فمنها قوله تعالى: ١- في تقرير مبدأِ الأخوّة الإيمانيّة بينهم جميعاً: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ... ﴾ ١. ٢- في وصْف النبيّ ﷺ والمؤمنين: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ... ﴾ ٢. ٣- في وصْف الأنصار مِن أصحاب النبيّ ﷺ -بعدَ أَن ذَكَر المهاجرين- وفي وصْفِ المؤمنين مِن بَعْدهم٣: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ

стр. 208

كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَاغِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ١ ويُلاحَظُ العموم في الذين آمنوا، والتنكير في غِلاًّ لِيَصْدقَ على أي غِلٍٍّ ولو قليلاً!!. ٤- في تحريم موالاة المسلم للكافرين من دُونِ المؤمنين: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ ٢،وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ... ﴾ ٤. ٥- في تحريم قتل المسلم لأخيه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً ... ﴾ الآية ٥، وقال : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ

стр. 209

عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ ١. بل أَوجب الله على عباده المؤمنين حقوقاً أَحياناً للمشركين، فضلاً عن المسلمين-مِن أَجْل تبليغ الإسلام وإقامة الحجّة وإنقاذ الناس من النار-فقال سبحانه في كتابه العزيز: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢!!. ٦- في اتّهام المسلم لأخيه في عقيدته ونيّته: ﴿ ... وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ... ﴾ ٣. ٧- وقال سبحانه حكايةً لِدُعاء رسوله نوحٍ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراًً﴾ ٤. ٨- في مبدأِ التحية بينهم: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾ ٥.

стр. 210

٩- في إنْكاره تصديق بعض المسلمين لِحادثِ الإفك: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ ١. ١٠- في شأن المشركين أَعداءِ المسلمين: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ ٢. ويَصعبُ حَصْرُ الآيات في هذا الموضوع؛ فإنها كثيرةٌ ومجالاتها متعددةٌ، وأبواب الوقوف عليها في الكتاب العزيز متعددةٌ كذلك، ومِن ذلك موضوعاتٌ وآياتٌ لم يُذْكَر فيها لفظ "الأُخُوّة" ولا لفظ "المعامَلة"، ومع هذا هي في صميم الموضوع، ومِن ذلك: ما جاء في القرآن الكريم في الأمر بالبِرّ والمعروف والخير والعَدل والإنصاف٣ والإحسان، وما جاء في منع الظلم والاعتداء والأذى بصورةٍ عامّةٍ.

стр. 211

ب- الأحاديثُ في الموضوع: فيما يلي بعض الأحاديث النبوية الشاهدة أيضاً بهذه المعاملة الشرعيّة الواجبة على كل مسلمِ تُجاه أَخيه المسلم؛ فمِن ذلك قوله ﷺ : ١- في تحديد مَن هو المسلم الذي له حقوق المسلم: "من صلّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا؛ فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمّة رسوله، فلا تُخْفِروا الله في ذمته" ١. ٢- في تحريم عِرْض المسلم ودمه وماله: "كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ: دمه، وماله، وعِرْضه" ٢. ٣- في اتّباع جنازة المسلم عموماً والصلاة عليه: "من اتبع جَنَازَةَ مسلمٍ إيماناً واحتساباً، وكان معه حتى يُصلَّى عليها، ويُفرغَ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراطٍ مثل جبل أُحد، ومن صلّى عليها ثم رجع قبل أن تُدفن فإنه يرجع بقيراطٍ" ٣.

стр. 212

ولَمْ يُحدِّد مَن يكون هذا سوى أَن يكون مسلماً، ولَمْ يَذْكُر له صِفاتٍ مخصوصَةً، يكفي أَن يكون مسلماً، والله هو الذي يَتولّى سرائرَ الناس. ٤- في تحريم معاداة المسلم وإيذائه: قال ﷺ في الحديث القدسيّ أَن الله تعالى قال: "مَنْ عادى لي وَليّاً فقد آذنته بالحرب" ١. وقال ﷺ : "من كانت له مَظْلَمَةٌ له لأخيه: من عِرْضِه، أو شيء؛ فليتحلله منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم؛ إن كان له عملٌ صالِحٌ أُخِذَ منه بقدْر مَظْلَمَتِهِ، وإن لم تكن له حسناتٌ أُخذ من سيئات صاحبه فحُمِلَ عليه" ٢. وقال ﷺ : "أَتدرون مَن الْمُفْلِسُ؟ " قالوا: الْمُفْلِسُ فينا مَن لا دِرهمَ له ولا متاعٌ. فقال: "إنّ الْمُفْلِسَ مِن أُمّتي مَن يأتي يوم القيامة بصلاةٍ، وصيامٍ، وزكاةٍ، وقد شتمَ هذا، وقذَفَ هذا، وأَكل مال هذا، وسفكَ دمَ هذا، وضربَ هذا؛ فيُعطَى هذا مِن حسناته، وهذا مِن حسناته؛ فإنْ فَنِيَتْ حسناتُه قبْلَ أَن يُقضى ما عليه أُخِذ من خطاياهم فَطُرِحتْ عليه؛ ثم طُرِحَ في النار" ٣.

стр. 213

وعن جابرٍ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنّ الشيطان قد أَيسَ أَن يَعْبُدَهُ المُصَلُّون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم"١. ٥- وقال في فضلِ قضاء المسلم حاجة أخيه وتحريم أَذيّته أيضاً: "المسلمُ أَخو المسلم لا يَظْلمه ولا يُسْلمه، مَن كان في حاجةِ أَخيه كان الله في حاجته، ومِن فَرَّج عن مسلمٍ كربةً فَرَّج الله عنه بها كربةً مِن كُرَبِ يوم القيامةِ، ومَن سَتَرَ مسلماً سترهُ الله يوم القيامة" ٢!!. فما أَعظمَ فضلَ الله، ولكنّا عن هذا غافلون، إنّا لله وإنّا إليه راجعون! وما بالُك بِمَن يَعكِسُ هذه الأخلاقَ، كما نشاهده مِن بعض المسلمين اليوم! أَليس العقاب على ذلك بعكسِ الثوابِ على هذه؟! وهذا زيادةٌ على ما وَردَ من عقوباتٍ عليها بخصوصها، نسأل الله السلامة والعافية، وأَن لا يَحْرِمنا فضله ورحمته بسوء أعمالنا. وانظر كم الفرق بين أن يَظلم الإنسان أخاه وبين أن لا يُسْلمه، وكم هو الفرق بين أن لا يُسْلمه وبين أن يَطْلبه هو ظُلْماً وعدواناً، بل لعلَّه يَطْلبه في دينه وعقيدته ونيّته!!. وقال ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ... " ٣. وقال ﷺ : "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قال: يا رسول الله: هذا

стр. 214

ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ قال: "تأخذ فوق يديه" ١. وقال النبي ﷺ : "لا يَرْمي رجلٌ رجُلاً بالفسوق، ولا يرميه بالكفر إلا ارتدّتْ عليه إن لم يكن صاحبُهُ كذلك" ٢! وقال ﷺ : " ... ومَن لَعَن مؤمناً فهو كقتله، ومَن قَذَف مؤمناً بكفرٍ فهو كقتله" ٣!. وقال ﷺ : "لا يَدْخل الجنة قتّاتٌ" ٤. والقتّات هو النمّام الذي يسعى بالحديث بين الناس لإفسادِ ما بينهم. وقال ﷺ : "لا تَباغَضوا ولا تحاسَدوا ولا تَدَابروا وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يَحِل لمسلم أن يَهْجر أخاه فوق ثلاثة أيام" ٥. وقال ﷺ : "إياكم والظن؛ فإنّ الظن أكذبُ الحديث، ولا تحسّسوا ولا تجسّسوا، ولا تَناجشوا، ولا تَحاسدوا، ولا تَباغضوا، ولا تَدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً" ٦!.وسَرِّح الطَّرْف في حال كثيرٍ مِن المسلمين اليوم في هذه المعاني؛ فماذا عسى أَن تقول؟!.

стр. 215

٦-في الحث على حُسْن معاملة المُسْلِم بصفةٍ عامّة: قد أوجَبَ الله تعالى للمسلم على المسلم حقوقاً محدَّدة، وحقوقاً عامّة مُطْلقةً، يَجْمعها حُسْن المعاملة؛ بإيصال البر وكَفِّ الأَذى، بما في ذلك حُسْن الاستقبال، والبشاشة والبِشْر، وطلاقة الوجه، وإظهار السرور بمقابلتِه، فقال النبي ﷺ : "تَبَسُّمُكَ في وجْه أخيك لك صدقةٌ، وأَمْرك بالمعروف ونَهْيُك عن المنكَرِ صَدَقَةٌ، وإرشادك الرَّجُلَ في أرض الضلال لك صَدَقَةٌ، وبَصَرُك للرَّجل الرديء البصر لك صَدَقةٌ، وإماطتك الحجر والشوكَ والعظمَ عن الطريق، لك صَدَقةٌ، وإفراغُك مِن دَلْوِكَ١ في دَلْوِ أَخيك لك صَدَقَةٌ" ٢، ولاحِظْ قوله ﷺ :لك صَدَقَةٌ، لك وليس على أَخيك!! وقال: "لاتحقرنّ من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طَلْقٍ" ٣، وقال البراء بن عازب ﵁: "أَمَرَنا رسول الله ﷺ بسبعٍ، ونهانا عن سبعٍ: أَمَرَنا باتّباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونَصْر المظلوم، وإبرار القَسَم، وردِّ السلام، وتشميت العاطس،.." ٤، وقال ﷺ : "والذي نفسي بيده،
следующие страницы →