الشر بمن هو مصدر الخير، وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، وما ذلك إلا لتمكن الضلالة في نفوسهم، وانتكاس فطرهم، وإلا؛ فالخير والشر كلاهما بقضاء الله وقدره، ويجريان حسب حكمته وعلمه تفضلاً؛ فالخير تفضل منه وجزاء على فعل الطاعة، والشر عدل منه وجزاء وعقوبة على فعل المعصية؛ قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ١.
والتطير شرك؛ لكونه تعلق على غير الله، واعتقاد بحصول الضرر من مخلوق لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعا، ولكونه من إلقاء الشيطان ووسوسته، ولكونه يصدر عن القلب خوفا وخشية، وهو ينافي التوكل.
وإليكم ما قاله الرسول ﷺ محذرًا من التطير: فقد روى الشيخان عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: "لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر". وقال ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل. قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة"، متفق عليه.
وعن ابن مسعود مرفوعا: "الطيرة شرك، الطيرة شرك".
وفي "صحيح مسلم" عن معاوية بن الحكم؛ أنه قال لرسول الله ﷺ : "ومنا أناس يتطيرون؟ قال: ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه؛ فلا يصدَّنَّكم"؛ فأخبر صلى الله عليه وسلمأن تأذيه وتشاؤمه بالطَّيَرة إنما هو في نفسه وعقيدته لا في المتطيَّر به؛ فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصده تأثرًا بما رآه أو سمعه.
فأوضح صلى الله عليه وسلملأمته وبين لهم فساد الطيرة؛ ليعلموا أن الله سبحانه لم يجعل لهم عليها علامة، ولا فيها لهم دلالة، ولا نصبها سببا لما يخافونه ويحذرونه، ولتطمئن قلوبهم وتسكن نفوسهم إلى وحدانيته - تعالى، التي أرسل بها رسله، وأنزل بها كتبه، وخلق لأجلها السماوات والأرض؛ فقطع علق الشرك من قلوبهم، فمن استمسك بعروة التوحيد الوثقى، واعتصم بحبله المتين، وتوكل
стр. 107
على الله؛ قطع هاجس الطيرة من قبل استقرارها، وبارد خواطرها قبل استكمالها.
قال عكرمة: "كنا جلوسا عند ابن عباس، فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم، خير خير. فقال ابن عباس: لا خير ولا شر"، فبادره بالإنكار عليه؛ لئلا يعتقد تأثيره في الخير والشر، وكذلك سائر المخلوقات؛ لا تجلب خيرًا ولا تدفع شرّاً بذاتها.
وقوله ﷺ : "ويعجبني الفأل"، ثم بينَّه ﷺ بأنه الكلمة الطيبة، وإنما أعجبه الفأل لأنه حسن ظن بالله، والعبد مأمور أن يحسن الظن بالله، والطيرة سوء الظن بالله وتوقع البلاء، ومن هنا جاء الفرق بينهما في الحكم؛ لأن الناس إذا أملوا الخير من الله؛ علقوا قلوبهم به، وتوكلوا عليه، وإذا قطعوا آمالهم ورجاءهم من الله؛ كان ذلك من الشر والتعلق على غير الله.
قال الإمام ابن القيم ﵀: "ليس في الإعجاب بالفأل ومحبته شيء من الشرك، بل ذلك عن مقتضى الطبيعة، وموجب الفطرة الإنسانية، التي تميل إلى ما يوافقها ويلائمها، كما أخبرهم ﷺ أنه حبب إليه من الدنيا النساء والطيب؛ فكان يحب الحلواء والعسل، ويحب حسن الصوت بالقرآن والأذان ويستمع إليه، ويحب معالي الأخلاق ومكارم الشيم، وبالجملة يحب كل كمال وخير وما يفضي إليهما.
والله - سبحانه - قد جعل في غرائز الناس الإعجاب لسماع الاسم الحسن، ومحبته، وميل نفوسهم إليه، وكذلك جعل فيها الارتياح والاستبشار والسرور باسم الفلاح والسلام والنجاح والتهنئة والبشرى والفوز والظفر، فإذا هذه الأسماء الأسماع؛ استبشرت بها النفس، وانشرح لها الصدر، وقوي بها القلب، وإذا سمعت أضدادها؛ أوجب لها ضد هذه الحال، فأحزنها ذلك، وأثار خوفا
стр. 108
وطيرة وانكماشا وانقباضا عما قصدت وعزمت عليه، فأورث لها ضررًا في الدنيا، ونقصا في الإيمان، ومقارفة للشرك.." انتهى كلامه ﵀.
وفي الحديث الذي رواه أحمد عن ابن عمرو ﵄؛ عن النبي ﷺ : "من ردته الطيرة عن حاجته؛ فقد أشرك, قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: أن تقول: اللهم ولا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك"؛ فتضمن هذا الحديث الشريف أن الطيرة لا تضر من كرهما ومضى في طريقه، وأما من لم يخلص توكله على الله، واسترسل مع الشيطان في ذلك؛ فقد يعاقب بالوقوع فيما يكره؛ لأنه أعرض عن واجب الإيمان بالله.
هذا؛ ونسأل الله أن يمن علينا بالإيمان والتوكل عليه، ويجنبنا طريق الشر والشرك؛ إنه سميع مجيب.
٧ - التنجيم:
وهو كما عرفه المحققين؛ بأنه الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية؛ كأوقات هبوب الرياح، ومجيء المطر، وظهور الحر والبرد، وتغير الأسعار، أو حدوث الأمراض أو الوفيات، أو السعود والنحوس، وهذا ما يسمى بعلم التأثير.
وهو على نوعين:
النوع الأول: أن يدعي المنجم أن الكواكب فاعلة مختارة، وأن الحوادث تجري بتأثيرها. وهذا كفر بإجماع المسلمين؛ لأنه اعتقاد أن هناك خالفا غير الله، وأن أحدًا يتصرف في ملكه بغير مشيئته وتقديره - سبحانه تعالى -.
النوع الثاني: الاستدلال بمسير الكواكب واجتماعها وافتراقها على حدوث الحوادث، وهذا لا شك في تحريمه؛ لأنه من ادعاء علم الغيب، وهو
стр. 109
من السحر - أيضا؛ كما قال النبي ﷺ : "من اقتبس شعبة من النجوم؛ فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد"، رواه أبو داود، وإسناده صحيح، وصححه النووي والذهبي، ورواه ابن ماجه وأحمد وغيرهما، والسحر محرم بالكتاب والسنة والإجماع، والإخبار عن الحوادث عن الحوادث المستقبلية عن طريق الاستدلال بالنجوم من ادعاء علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه؛ فهو ادعاء لمشاركته - سبحانه - بعلمه الذي انفرد به، أو تصدق لمن ادعى ذلك، وهذا ينافي التوحيد؛ لما فيه من هذه الدعوى الباطلة.
قال الخطابي: "علم النجوم المنهي عنه هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي ستقع في مستقبل الزمان "أوقات هبوب الرياح ومجيء المطر وتغير الأسعار" وما في معناها من الأمور التي يزعمون أنها تدرك معرفتها بسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها؛ يدعون أن لها تأثيرًا في السفليات، وهذا منهم تحكم على الغيب، وتعاط لعلم قد استأثر به الله، ولا يعلم الغيب سواه".
قال البخاري في "صحيحه": "قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك؛ أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به ... " انتهى.
وأخرج الخطيب عنه؛ قال: "وإن أناسا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة: من أعرس بنجم كذا وكذا؛ كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا؛ كان كذا وكذا، ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود والطويل والقصير والحسن والذميم، وما علم هذه النجوم وهذه الدابة وهذا الطائر بشيء من هذا الغيب، ولو أن أحدًا علن الغيب؛ لعلمه آدم الذي خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته وعلَّمه أسماء كل شيء ... ".انتهى.
стр. 110
أقول: ومن الخرافات الباطلة ما يروجه الدجَّالون في بعض الصحف والمجلات من ذكر البخث والنحوس والسعود، ويعلقون ذلك بحسابات البروج والنجوم، ويصدق به بعض السذج.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن- ﵀ في "فتح المجيد": "فإن قيل: المنجم قد يصدق. قيل: صدقه كصدق الكاهن؛ يصدق في كلمة ويكذب في مئة، وصدقه عن علم، بل قد يوافق قدرًا، فيكون فتنة في حق من صدقه".
قال: "وقد جاءت الأحاديث عن النبي ﷺ بإبطال علم التنجيم؛ كقول: "من اقتبس شعبة من النجوم؛ فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد"، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وعن رجاء بن حيوة؛ أن النبي ﷺ قال: "إن مما أخاف على أمتي: التصديق بالنجوم، والتكذيب بالقدر، وحيف الأئمة"، رواه ابن حميد".
وأما الاستدلال بالنجوم لمعرفة الاتجاه في الأسفار في البر البحر؛ فهذا لا بأس به، وهو من نعمة الله ؛ حيث يقول - سبحانه -: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ١؛ أي: لتعرفوا بها جهة قصدكم، وليس المراد أنه يهتدي بها في علم الغيب كما يعتقده المنجمون.
قال الخطابي: "وأما ما يستدل به من النجوم على جهة القبلة؛ فإنها كواكب رصدها أهل الخبرة من الأئمة، الذين لا نشك في عنايتهم بأمر الدين، ومعرفتهم بها، وصدقهم فيما أخبروا به عنها؛ مثل أن يشاهدها بحضرة الكعبة، ويشاهدها على حال الغيبة عنها؛ فكان إدراكهم الدلالة منها بالمعاينة، وإدراكنا ذلك بقبول خبرهم؛ إذ كانوا عندنا غير متهمين في دينهم، ولا مقصرين في
стр. 111
معرفتهم".
وقال ابن رجب: "والمأذون في تعلمه علم التسيير لا علم التأثير؛ فإنه - أي: علم التأثير - باطل محرم قليله وكثيره، وأما علم التسيير؛ فيتعلم ما يحتاج إليه من الاهتداء ومعرفة القبلة والطرق، وهو جائز عند الجمهور ... " انتهى.
وكذلك تعلم منازل الشمس والقمر للاستدلال على القبلة وأوقات الصلوات والفصول ومعرفة الزوال.
قال الخطابي: "أما علم النجوم الذي يدرك من طريق المشاهدة والخبر الذي يعرف به الزوال وتعلم به جهة القبلة؛ فإنه غير داخل فيما نهي عنه، وذلك أن معرفة رصد الظل ليس شيئا أكثر من أن الظل ما دام متناقصا؛ فالشمس بعدُ صاعدة نحو وسط السماء من الأفق الشرقي، وإذا أخذ في الزيادة فالشمس هابطة من وسط السماء نحو الأفق الغربي، وهذا علم يصلح إدراكه بالمشاهدة؛ إلا أن أهل هذه الصناعة قد دبروها بما اتخذوه من الآلات التي يستغني الناظر فيها عن مراعاة مدته ومراصدته ... " انتهى.
وروى ابن المنذر عن مجاهد أنه كان لا يرى بأسا أن يتعلم الرجل منازل القمر.
وبعد؛ فإن عقيدة المسلم هي أعز شيء عنده؛ لأن بها نجاته وسعادته؛ فيجب عليه أن يحرص على تجنب ما يسيء إليها أو يمسها من الشركيات والخرافات والبدع؛ لتبقى صافية مضيئة، وذلك بالتزام الكتاب والسنة وما عليه السلف الصالح، ولا يتم ذلك إلا بتعلم هذه العقيدة، ومعرفة ما يضادها من العقائد المنحرفة، لا سيما وأنه قد كثر اليوم في صفوف المسلمين من يحترف التدجيل والشعوذة والتعلق بالقبور والأضرحة لطلب الحاجات وتفريج الكربات؛ كما كان عليه المشركون الأولون أو أشد، إضافة إلى اتخاذ السادة وأصحاب
стр. 112
الطرق الصوفية أربابا من دون الله؛ يشرعون لأتباعهم من الدين ما لم يأذن به الله؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله.
٨ - الاستسقاء بالأنواء:
وهو عبارة عن نسبة المطر إلى طلوع النجم أو غروبه على ما كانت الجاهلية تعتقده من أن طلوع النجم أو سقوطه في المغيب يؤثر في إنزال المطر، فيقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا. وهم يريدون بذلك النجم، ويعبرون عنه بالنوء، وهو طلوع النجم، من ناء ينوء: إذا نهض وطلع؛ فيقولون: إذا طلع النجم الفلاني؛ ينزل المطر.
والمراد بالأنواء عندهم منازل القمر الثمانية والعشرون، في كل ثلاث عشرة ليلة يغرب واحد منها عند طلوع الفجر ويطلع مقابله، وتنقضي جميعها عند انقضاء السنة القمرية، وتزعم العرب في جاهليتها أنه عند طلوع ذلك النجم في الفجر ومغيب مقابله ينزل المطر، ويسمى ذلك الاستسقاء بالأنواء، ومعنى ذلك نسبة السقيا إلى هذه الطوالع.
وهذا من اعتقاد الجاهلية الذي جاء الإسلام بإبطاله والنهي عنه؛ لأن نزول المطر وانحباسه يرجع إلى إرادة الله وتقديره وحكمته، وليس لطلوع النجوم تأثير فيه؛ قال تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُوم ِوَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلاّ الْمُطَهَّرُ َتَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ١؛ فقوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ٢؛ معناه: نسبة المطر الذي هو الرزق النازل من الله إلى النجم؛ بأن يقال: مطرنا بنوء كذا وكذا، وهذا من أعظم الكذب الافتراء؛ كما روى الإمام أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم والضياء في
стр. 113
"المختارة" عن علي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ ؛ يقول: شكركم. ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ؛ "تقول: مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجوم كذا وكذا".
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: "وهذا أولى ما فسرت به الآية، وروي ذلك عن علي وابن عباس وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني وغيرهم، وهو قول جمهور المفسرين" انتهى.
وعن أبي مالك الأشعري ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفجر بالأحساب، والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم، والنياحة"، والمراد بالجاهلية هنا ما قبل بعثة النبي ﷺ ، وكل ما يخالف ما جاء به الرسول ﷺ ؛ فهو جاهلية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معنى الحديث: "أخبر أن بعض أمر الجاهلية لا يتركه الناس كلهم؛ ذمّا لمن لم يتركه، وهذا يقتضي أن كل ما كان من أمر الجاهلية وفعلهم؛ فهو مذموم في الإسلام، وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذم لها، ومعلوم أن إضافتها إلى الجاهلية خرج مخرج الذم، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى﴾ ١؛ فإن ذلك ذم للتبرج وذم لحال الجاهلية الأولى، وذلك يقتضي المنع من مشابهتهم في الجملة ... " انتهى.
وقوله هذا الحديث: "والاستسقاء بالنجوم": معناه نسبة المطر إلى النوء، وهو سقوط النجم؛ بأن يقول: مطرنا بنجم كذا وكذا.
وحكم الاستسقاء بالأنواء أنه كان يعتقد أن له تأثيرًا في إنزال المطر؛ فهذا شرك وكفر أكبر، وهو الذي يعتقده أهل الجاهلية، وإن كان لا يعتقد للنجم تأثيرًا، وأن المؤثر هو الله وحده، ولكنه أجرى العادة بوجود المطر عند سقوط
стр. 114
ذلك النجم؛ فهذا لا يصل إلى الشرك الأكبر، ويكون من الشرك الأصغر؛ لأنه يحرم المطر إلى النجم، ولو على سبيل المجاز؛ سدًا للذريعة.
وقد روى البخاري ومسلم عن بن خالد ﵁؛ قال: "صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلمصلاة الصبح بالجديبة على أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف؛ أقبل على الناس، فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال أصبح عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا؛ فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب".
فقوله ﷺ : "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر"، وفسر المؤمن بأنه الذي ينسب المطر إلى فضل الله ورحمته، وفسر الكافر بأنه الذي ينسب المطر إلى الكوكب، وهذا فيه دلي على أنه لا تجوز نسبة أفعال الله إلى غيره، وأن ذلك كفر، فإن اعتقد أن للكواكب تأثيرًا في إنزال المطر؛ فقد كفر أكبر؛ لأنه إشراك في الربوبية، والمشرك كافر، وإن لم يعتقد أن للكواكب تأثيرًا في إنزال المطر، وإنما نسبه إليها مجازًا؛ فهذا محرم، وهو من الشرك الأصغر؛ لأنه نسب نعمة الله إلى غيره.
قال القرطبي ﵀: "وكانت العرب إذا نجم من المشرق، وسقط آخر من المغرب، فحدث عند ذلك مطر أو ريح؛ فمنهم من ينسبه إلى الطالع ومنهم من ينسبه إلى الغارب نسبة إيجاد واختراع، ويطلقون ذلك القول المذكور في الحديث؛ فنهى الشارع عن إطلاق ذلك؛ لئلا"يعتقد أحد اعتقادهم ولا يتشبه بهم في نطقهم ... " انتهى.
وقد روى مسلم في "صحيحه" في سبب نزول قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ....﴾ الآيات (الواقعة: ٧٥ - ٨٢) عن ابن عباس - رضي الله
стр. 115
عنهما-: "قال بعضهم لقد صدق نوء كذا وكذا، فأنزل الله هذه الآيات ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ... ﴾ إلى قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ".
فإنزال المطر من الله، وبحوله وقوته، لا دخل لمخلوق فيه؛ كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ ١، فمن نسب إنزال المطر إلى الكواكب، أو إلى الظواهر الطبيعية؛ كالانخفاض الجوي أو المناخ؛ فقد كذب وافترى، وهذا شرك أكبر، وإن كان يعتقد أن المنزل هو الله، ولكن نسبه إلى هذه الأشياء من باب المجاز؛ فهذا حرام وكفر أصغر؛ لأنه نسب النعمة إلى غير الله؛ كالذي يقول مطرنا بنوء كذا وكذا. ما أكثر التساهل في هذا الأمر على ألسنة بعض الصحفيين أو الإعلاميين؛ فيجب على المسلم أن ينتبه لهذا، والله الموفق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
٩- نسبة النعم إلى غير الله:
سبق الكلام عن حكم نسبة المطر إلى الأنواء والاستسقاء بها، والكلام الآن في حكم نسبة النعم عموما إلى غير الله.
إن الاعتراف بفضل الله وإنعامه والقيام بشكره من صميم العقيدة؛ لأن من نسب النعمة إلى غير موليها، وهو الله - سبحانه؛ فقد كفرها، وأشرك بالله بنسبتها إلى غيره.
قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٢.
قال بعض المفسرين: "يعرفون أن النعم من عند الله، وأن الله هو المنعم عليهم بذلك، ولكنهم ينكرون ذلك؛ فيزعمون أنهم ورثوها عن آبائهم
стр. 116
بعضهم: لولا فلان؛ لم يكن كذا وكذا، وبعضهم يقول: هذا بشفاعة آلهتنا".
وهكذا كل ينسب النعمة إلى من يعظمه من الآباء والآلهة والأشخاص، متناسين مصدرها الصحيح، والمنعم بها على الحقيقة، وهو الله - سبحانه -.
كما أن بعضهم ينسب نعمة السير في البحر والسلامة من خطره إلى الريح وحذق الملاح، فيقول: كانت الريح طيبة والملاح حاذقا.
ومثله اليوم ما يجري على ألسنة الكثير من نسبة حصول النعم واندفاع النقم إلى مجهود الحكومات والأفراد أو تقدم العلم التجريبي؛ فيقولون مثلاً: تقدم الطب تغلب على الأمراض أو قضى عليها، والمجهودات الفلانية تقضي على الفقر والجهل ... وما أشبه ذلك من الألفاظ التي يجب على المسلم أن يبتعد عنها ويتحفظ منها غاية التحفظ، وأن ينسب النعم إلى الله وحده، ويشكره عليها، وما يجري على يد بعض المخلوقين أفراداًأو جماعات من المجهودات إنما هي أسباب قد تثمر وقد لا تثمر، وهم يشكرون على قدر ما بذلوه، ولكن؛ لا يجوز نسبة حصول النتائج إلا إلى الله - سبحانه -.
وقد ذكر الله في كتابه الكريم عن أقوام أنكروا نعمة الله عليهم، ونسبوا ما حصلوا عليه من المال والنعمة إلى غير الله؛ إما إلى كونهم يستحقونها، أو إلى خبرتهم ومعرفتهم ومهارتهم:
قال تعالى: عن الإنسان: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ ١؛ فقوله: ﴿هَذَا لِي﴾ ؛ أي: حصلت على هذا بعلمي، وأنا محقوق به، لا أنه تفضل من الله ونعمه، ليس بحول العبد ولا بقوته.
стр. 117
وقال تعالى: عن قارون الذي آتاه الله الكنوز العظيمة فبغى قومه، وقد وعظه الناصحون وأمروه بالاعتراف بنعمة الله والقيام بشكرها، فكابر عند ذلك وقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ ١؛ أي: حصلت على هذه الكنوز بسبب حذقي ومعرفتي بوجوه المكاسب، لا أنها تفضل من الله - تعالى؛ فكانت عاقبته من أسوأ العواقب وعقوبته من أشد العقوبات؛ حيث خسف الله به وبداره الأرض لما جحد نعمة الله ونسبها إلى غيره، وأنه حصل عليها بحوله وقوته.
وما أحرى هؤلاء الذين اغتروا ف زماننا بما توصلوا إليه من مخترعات وقدرات أقدرهم عليه امتحانا لهم، فلم يشكروا نعمة الله، وصاروا يتشدقون ويتفاخرون بحولهم وقوتهم وبغوا في الأرض بغير الحق، وتطاولوا على عباد الله؛ ما أحراهم بالعقوبة!
فقد اغترت قبلهم عاد بقوتها؛ كما قال الله تعالى عنهم: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَفَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ ٢.
وهاكم قصة قصها رسول الله ﷺ عن جماعة ممَّن كان قبلنا، ابتلاهم الله فأنعم عليهم؛ فمنهم من جحد نعمة الله ونسب ما حصل عليه من المال إلى وراثته عن آبائه؛ فسخط الله عليه، ومنهم من اعترف بفضل الله وشكر نعمة الله؛ فرضي الله عنه.
عن أبي هريرة ﵁؛ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص أقرع أعمى، فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا:
стр. 118
فأتى الأبرص، فقال أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به". قال: "فمسحه فذهب عنه قذره، فأعطي لونا حسنا وجلداً حسنا. قال فأي المال أحب إليك؟ قال الإبل "أو: البقر؛ شك إسحاق". فأعطي ناقة عشراء، وقال: بارك الله لك فيها". قال: "فأتى الأقرع، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عني الذي قذرني الناس به فمسحه فذهب عنه، وأعطي شعراً حسنا، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: البقر "أو: الإبل". فأعطي بقرة حاملاً. قال بارك الله لك فيها. فأتى الأعمى، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إليَّ بصري فأبصر به الناس. فمسحه، فرد الله إليه بصره. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم. فأعطي شاة والداً. فأنتج هذان وولد هذا، فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم". قال: "ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين انقطعت بي الحبال في سفري؛ فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيراً أتبلغ به في سفري. فقال: الحقوق كثيرة. فقال: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيراً فأعطاك الله المال؟ فقال إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر. فقال: إن كنت كاذباً؛ فصيرك الله إلى ما كنت. وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل هذا، فقال: إن كنت كاذبا؛ فصيرك الله إلى ما كنت. قال: وأتى الأعمى في صورته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل، قد انقطعت بي الحبال في سفري؛ فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شارة أتبلَّغ بها في سفري؟ فقال كنت أعمى فرد الله إلي بصري؛ فخذ ما شئت؛ فو الله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله. فقال أمسك مالك؛ فإنما ابتليتم؛ فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك"، رواه البخاري ومسلم.
стр. 119
وهذا حديث عظيم فيه معتبر؛ فإن الأولين جحدا نعمة الله، ولم ينسباها إليه، ومنعا حق الله في مالهما؛ فحل عليهما سخط الله، وسلبت منهما النعمة، والآخر اعترف بنعمة الله، ونسبها إليه، وأدى حق الله فيها؛ فاستحق الرضى من الله، ووفر الله ماله؛ لقيامه بشكر النعمة.
قال ابن القيم: "أصل الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع له والذل والمحبة، فمن لم يعرف النعمة، بل كان جاهلاً بها؛ لم يشكرها، ومن عرفها، ولم يعرف المنعم بها لم يشكرها - أيضا، ومن عرف النعمة والمنعم لكن جحدها كما يجحد المنكر النعمة والمنعم عليه بها؛ فقد كفرها، ومن عرف النعمة والمنعم بها، وأقر بها، ولم يجحدها، ولكن لم يخضع له ولم يحبه ويرض به وعنه؛ لم يشكره - أيضا، ومن عرفها، وعرف المنعم بها، وأقر بها، وخضع للمنعم وأحبه ورضي به وعنه، واستعملها في محبته وطاعته؛ فهذا هو الشاكر لها؛ فلا بد ف الشكر من علم القلب، وعمل يتبع العلم، وهو الميل إلى المنعم ومحبته والخضوع له ... " انتهى.
стр. 120
الشرك الأصغر:
الشرك الأصغر ينقص التوحيد ويخلُّ به، وهناك أشياء من الشرك الأصغر حذرنا منها الله ورسوله؛ صيانة للعقيدة، وحماية للتوحيد؛ لأنها تنقص التوحيد، وربما تجر إلى الشرك الأكبر.
قال الله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون﴾ ١.
قال ابن عباس ﵄ في الآية: "الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي. وتقول: لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ولى البط في الدار لأتانا
стр. 121
اللصوص. وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت. وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها فلانا؛ هذا كله به شرك"، رواه ابن أبي حاتم.
فقد بين ابن عباس ﵄ أن هذه الأشياء من الشرك، والمراد به الشرك الأصغر، والآية عامة تشمل الشرك الأكبر والشرك الأصغر؛ فابن عباس ﵄ نبه بهذه الأشياء بالأدنى "وهو الشرك الأصغر"على الأعلى"وهو الشرك الأكبر"، ولأن هذه الألفاظ تجري على ألسنة كثير من الناس؛ إما جهلاً، أو تساهلاً.
ومن هذه الأشياء:
١ - الحلف بغير الله :
وهو شرك؛ كما روى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن رسول الله ﷺ ؛ أنه قال: "من حلف بغير الله؛ فقد كفر أو أشرك"، رواه الترمذي وحسنه، وصححه الحاكم.
وقوله: "فقد كفر أو أشرك": يحتمل أن يكون هذا شكّا من الراوي، ويحتمل أن يكون (أو) بمعنى الواو؛ فيكون قد كفر وأشرك، ويكون من الكفر الذي هو دون الكفر الأكبر؛ كما أنه من الشرك الأصغر.
وقد من الناس اليوم من يحلف بغير الله؛ كمن يحلف بالأمانة، أو يحلف بالنبي ﷺ ، أو يقول: وحياتي وحياتك يا فلان ... وما أشبه هذه الألفاظ، وقد سمعنا ما ورد في الأحاديث من النهي عن الحلف بغير الله ، واعتباره كفراً أو شركا؛ لأن الحلف بالشيء تعظيم له، والذي يجب أن يُعظم ويُحلف به هو الله والحلف بغيره شرك وجريمة عظمى.
قال ابن مسعود ﵁: "لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن
стр. 122
أحلف بغيره صادقا".
ومن المعلوم أن الحلف بالله كاذبا كبيرة من الكبائر، لكن الشرك - وهو الحلف بغير الله - أكبر من الكبائر، وإن كان شركا أصغر.
فيجب على المسلم أن يتنبه لهذا، ولا تأخذه العوائد الجاهلية؛ قال ﷺ : "من كان حالفا؛ فليحلف بالله أو ليصمت"، وقال ﷺ : "لا تحلفوا بآبائكم" ... إلى غير ذلك من النصوص التي تأمرنا إذا أردنا أن نحلف أن نقتصر على الحلف بالله وحده ولا نحلف بغيره.
ويجب على من حلف بالله أن يرضى؛ كما قال النبي ﷺ : "من حلف بالله؛ فليصدق، ومن حلف له بالله؛ فليرض، ومن لم يرض؛ فليس من الله".
٢- الشرك في الألفاظ:
ومن الشرك الأصغر الشرك في الألفاظ؛ مثل قول: ما شاء الله وشئت. فقد روى الإمام أحمد والنسائي عن قتيلة؛ أن يهوديا أتى النبي ﷺ ، فقال: "إنكم تشركون؛ تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولن: والكعبة! فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت".
وروى النسائي عن ابن عباس ﵄؛ "أن رجلاً قال للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت. فقال: أجعلتني لله ندًا؟! قل: ما شاء الله وحده".
فدل الحديثان وما جاء بمعناهما على منع قول: ما شاء الله وشئت، وما شابهه من الألفاظ؛ مثل: لولا الله وأنت، ما لي إلا الله وأنت ... لأن العطف بالواو يقتضي التسوية بين المتعاطفين، وهذا شرك؛ فالواجب أن يعطف ب "ثم"، فيقال: ما شاء الله ثم شئت، أو شاء فلان، لولا الله ثم أنت، أو:
стр. 123
ثم فلان، ما لي إلا الله ثم أنت ... لأن العطف ب "ثم" يقتضي الترتيب والتعقيب، وأن مشيئة العبد تأتي بعد مشيئة الله - تعالى، لا مساوية لها؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ١؛ فمشيئة العبد تابعة لمشيئة الله - تعالى؛ فالعبد وإن كانت له مشيئة - خلافا للجبرية؛ فمشيئة تابعة لمشيئة الله، ولا يقدر على أن يشاء شيئا إلا إذا كان قد شاءه؛ خلافا للقدرية من المعتزلة وغيرهم، الذين يثبتون للعبد مشيئة تخالف ما أراده الله، تعالى الله عما يقولون.
٣- الشرك في النيات والمقاصد:
ومن الشرك الأصغر الشرك في النيات والمقاصد، وهو ما يسمى بالشرك الخفي؛ كالرياء، وهو نوعان:
أ- الرياء: وهو مشتق من الرؤية، والمراد به إظهار العبادة؛ لقصد رؤية الناس لها؛ فيحمدون صاحبها.
والفرق بين الرياء وبين السمعة: أن الرياء لما يرى من العمل كالصلاة، والسمعة لما كالقراءة والوعظ والذكر.
ويدخل في ذلك تحدث الإنسان عن أعماله وإخباره بها.
وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ٢.
قال الإمام ابن القيم ﵀ في معنى الآية: "أي: كما أن الله واحد ل إله سواه؛ فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده لا شريك له؛ فكما تفرد بالإلهية يجب أن يفرد بالعبودية؛ فالعمل الصالح هو الخالص من الرياء المقيد
стр. 124
بالسنة ... " انتهى.
وقد توعد الله المرائين بالويل؛ فقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَالَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَوَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ ١.
وأخبر تعالى أن الرياء من صفات المنافقين؛ فقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ﴾ ٢.
وعن أبي هريرة مرفوعا؛ قال: "قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري؛ تركته وشركه"، رواه مسلم؛ أي: من قصد بعمله غيري من المخلوقين؛ تركته وشركه، وفي رواية لابن ماجه: "فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك".
قال ابن رجب ﵀: "إعلم أن العمل لغير الله أقسام؛ فتارة يكون رياء محضا؛ كحال المنافقين؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ﴾ ٣، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة أو الحج الواجب أو غيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي يتعدى نفعها؛ فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة. وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركة من أصله؛ فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه، وأما إن كان العمل لله وطرأ عليه نية الرياء؛ فإن كان خاطراً ثم دفعه؛ فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه؛ فهل يحبط عمله أو لا؛ فيجازي على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف، قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير، ورجّحا أن عمله لا يبطل بذلك،
стр. 125
وأنه يجازي بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن وغيره ... " انتهى.
فتحفظوا على أعمالكم من الشرك أعظم مما تتحفظون على أنفسكم من أعدائكم، وأعظم مما تتحفظون على أموالكم من السراق؛ فإن خطر الشرك عظيم.
نسأل الله لنا ولكم السلامة والإخلاص في القول والعمل.
ب- إرادة الإنسان بعمله الدنيا:
إرادة الإنسان بعمله الدنيا نوع من أنواع الشرك في النية والقصد، قد حذر الله منه في كتابه، وحذر منه رسوله في سنته، وهو أن يريد الإنسان بالعمل الذي يُبتَغى به وجه الله مطمعا من مطامع الدنيا، وهذا شرك ينافي كمال التوحيد ويحبط العمل.
قال الله تبارك تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
ومعنى الآيتين الكريمتين: أن الله - سبحانه - يخبر أن من قصد بعمله الحصول على مطامع الدنيا فقط؛ فإن الله يوفر له ثواب عمله في الدنيا بالصحة والسرور وبالمال والأهل والولد، وهذا مقيد بالمشيئة؛ كما قال في قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ ٢،وهؤلاء ليس لهم في الآخرة إلا النار؛ لأنهم لم يعملوا ما يخلصهم منها، وكان عملهم في الآخرة باطلاً لا ثواب له؛ لأنهم لم يريدوها.
قال قتادة: "يقول تعالى: من كانت الدنيا همه وطلبته ونيته؛ جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها جزاء، وأما
стр. 126
المؤمن؛ فيجازى بحسناته في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة".
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "ذكر عن السلف في معنى الآية أنواع مما يفعله الناس اليوم ولا يعرفون معناه:
فمن١ ذلك: العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس ابتغاء وجه الله من صدقة وصلاة وصلة وإحسان إلى الناس وترك ظلم ونحو ذلك مما يفعله الإنسان أو يتركه خالصاً لله، لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، إنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ماله وتنميته أو حفظ أهله وعياله أو إدامة النعمة عليهم، ولا همة له في طلب الجنة والهرب من النار؛ فهذا يعطى ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة نصيب، وهذا النوع ذكره ابن عباس.
النوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو الذي ذكره مجاهد في الآية أنها أنزلت فيه، وهو أن يعمل أعمالاً صالحة ونيته رياء الناس لا طلب ثواب الآخرة.
النوع الثالث: أن يعمل أعمالاً صالحة يقصد بها مالاً؛ مثل أن يحج لما يأخذه، أو يهاجر لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، أو يجاهد لأجل المغنم؛ فقد ذكر هذا النوع - أيضا - في تفسير الآية، وكما يتعلم الرجل لأجل مدرسة أهله أو مكسبهم أو رئاستهم، أو يتعلم القرآن ويواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد؛ كما هو واقع كثيراً.
النوع الرابع: أن يعمل بطاعة الله مخلصا في ذلك لله وحده لا شريك له، لكنه على علم يكفره يخرج عن الإسلام؛ مثل اليهود والنصارى إذا عبدوا الله أو تصدقوا أو صاموا ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، ومثل كثير من هذه
стр. 127
الأمة الذين فيهم كفر أو شرك يخرجهم من الإسلام بالكلية إذا أطاعوا الله طاعة خالصة يريدون بها ثواب الله في الدار الآخرة، لكنهم على أعمال تخرجهم من الإسلام، وتمنع قبول أعمالهم؛ فهذا النوع - أيضا - قد ذكر في هذه الآية عن أنس ابن مالك وغيره، وكان السلف يخافون منها. انتهى ما ذكره ﵀.
والآيتان تتناولان هذه الأنواع الأربعة؛ لأن لفظها عام.
فالأمر خطير، يوجب على المسلم الحذر من أن يطلب بعمل الآخرة طمع الدنيا.
وقد جاء في صحيح البخاري أن من كان قصده الدنيا يجري وراءها بكل همه؛ أنه يصير عبداً لها:
فعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطى رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك، فلا انتفش".
ومعنى"تعس" لغة: سقط، والمراد هنا هلك، وسماه عبداً لهذه الأشياء؛ لكونها هي المقصودة بعمله؛ فكل من توجه بقصده لغير الله؛ فقد جعله شريكا له في عبوديته؛ كما هو حال الأكثر.
وقد دعا الرسول صلى الله عليه وسلمفي هذا الحديث على من جعل الدنيا قصده وهمه بالتعاسة والانتكاسة وإصابته بالعجز عن انتقاش الشوك من جسده، ولا بد أن يجد أثر هذه الدعوات كل من اتصف بهذه الصفة الذميمة؛ فيقع فيما يضره في دنياه وآخرته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فسماه النبي ﷺ عبد الدينار والدرهم وعبد القطيفة وعبد الخميصة، وذكر فيها ما هو دعاء بلفظ الخبر، وهو
стр. 128
قوله: "تعس وانتكس، وإذا شيك؛ فلا انتقش"، وهذا حال من إذا أصابه شر؛ لم يخرج منه، ولم يفلح؛ لكونه تعس وانتكس؛ فلا نال المطلوب، ولا خلص من المكروه، وهذه حال من عبد المال، وقد وصف ذلك بأنه: إن أعطى رضي، وإن منع سخط؛ كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ ١، رضاهم لغير الله، وسخطهم لغير الله، وهكذا حال من كان متعلقاً برئاسة أو صورة ونحو ذلك من أهواء نفسه، إن حصل له؛ رضي، وإن لم يحصل له؛ سخط؛ فهذا عبد ما يهواه من ذلك، وهو رقيق له؛ إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته؛ فما استرق القلب واستعبده؛ فهو عبده ... ".
إلى أن قال: "وهكذا طالب المال؛ فإن ذلك يستعبده ويسترقه، وهذه الأمور نوعان:
الأول: منها ما يحتاج العبد إلى طعامه وشرابه ومنكحه ومسكنه ونحو ذلك؛ فهذا يطلب من الله، ويرغب إليه فيه، فيكون المال عنده يستعمله في حاجته بمنزلة حماله الذي يركبه وبساطه الذي يجلس عليه من غير أن يستعبده فيكون هلوعا.
الثاني: ومنها ما لا يحتاج إليه العبد؛ فهذا ينبغي أن لا يعلق قلبه به، فإذا علق قلبه؛ صار مستعبداً له، وربما صار مستعبدًا على غير الله؛ فلا يبقى معه حقيقة العبودية لله، ولا حقيقة التوكل عليه، بل فيه شعبة من العبادة لغير الله، وشعبة من التوكل على غير الله، وهذا أحق الناس بقوله ﷺ : "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة"، وهذا عبد لهذه الأمور، ولو طلبها من الله؛ فإن الله إذا أعطاه إياها؛ رضي، وإن منعه إياها؛ سخط وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط
стр. 129
الله، ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، ويوالي أولياء الله، ويعادي أعداء الله؛ فهذا الذي استكمل الإيمان ... " انتهى كلامه ﵀.
قلت: ومن عبيد المال اليوم الذين يقدمون على المعاملات المحرمة والمكاسب الخبيثة بدافع حب المادة؛ كالذين يتعاملون بالربا مع البنوك وغيرها، والذين يأخذون المال عن طريق الرشوة والقمار وعن طريق الغش في المعاملات والفجور في المخاصمات، وهم يعلمون أن هذه مكاسب محرمة، لكن حبهم للمال أعمى أبصارهم، وجعلهم عبيداً لها؛ فصاروا يطلبونها من أي طريق.
نسأل الله العافية لنا ولإخواننا المسلمين من الشح المطاع والهوى المتبع وإعجاب كل ذي رأي برأيه.
٤ - مسبة الدهر ونحوه:
ومن الأشياء التي يرتكبها بعض الناس بحكم العادة، وهي مما ينقص التوحيد - أيضا - ويسيء إلى العقيدة: مسبة الدهر ومسبة الريح وما أشبه ذلك من إسناد الذم إلى المخلوقات فيما ليس لها فيه تصرف، فيكون هذا الذم في الحقيقة موجها إلى الله - سبحانه؛ لأنه الخالق المتصرف.
قال الله تعالى عن المشركين: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾ ١.
فقد كذبوا بالبعث، ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ التي نحن فيها، ليس هناك حياة سواها. ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ ؛ أي: يموت قوم ويعيش آخرون، وهذا منهم إنكار لوجود الخالق المتصرف، ورد جريان الحوادث إلى الطبيعة
стр. 130
ولهذا قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاّ الدَّهْرُ﴾ ؛ أي: لا يفنينا إلا مرور الليالي والأيام فنسبوا الإهلاك إلى الدهر على سبيل الذم له، وإنما قالوا هذا القول عن جهل وتخرص، لا عن علم وبرهان؛ لأن البرهان يرد هذا القول ويبطله، ولهذا رد الله عليه بقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾ ، وكل قول لا ينبني على علم وبرهان؛ فهو قول باطل مردود.
والبراهين تدل على أن ما يجري في الكون لا بد له من مدبر حكيم قادر، وهو الله فكل من سب الدهر ونسب إليه شيئا من الحوادث؛ فقد شارك المشركين والدهرية في هذا الوصف الذميم، وإن لم يشاركهم في أصل الاعتقاد.
وفي "الصحيحين" وغيرهما عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، بسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار"، وفي رواية: "لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر".
فدل الحديث على أن من سب الدهر؛ فقد آذى الله - سبحانه - لأن السب يتجه إلى مدبر الحوادث والوقائع وخالقها، والدهر إنما هو ظرف ومحل وخلق مدبَّر، ليس له شيء من التدبير، ولهذا قال الله: "وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار"؛ فقوله - سبحانه -: "أقلب الليل والنهار": تفسير لقوله: "وأنا الدهر"، وكذا قوله: "فإن الله هو الدهر"؛ معناه أن الله هو المتصرف الذي يصرف الدهر وغيره؛ فالذي يسب الدهر إنما يسب من خلقه، وهو الله تعالى وتقدس.
قال بعض السلف: "كانت العرب في جاهليتها من شأنها ذم الدهر؛ أي: سبه عند النوازل؛ فكانوا إذا أصابتهم شدة أو بلاء؛ قالوا: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، وقالوا: يا خيبة الدهر! فيسندون الأفعال إلى الدهر، ويسبونه، وإنما فاعل ذلك هو الله، فإذا أضافوا ما نالهم من الشدائد إلى
стр. 131
الدهر؛ فإنما سبوا الله ؛ لأن الله هو الفاعل لذلك حقيقة.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: "وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحون من الظاهرية في عدهم الدهر من الأسماء الحسنى؛ أخذاً بهذا الحديث، وقد بيَّن معناه في الحديث بقوله: "أقلب الليل والنهار"، وتقليبه تصرفه تعالى فيه بما يحبه الناس ويكرهونه.
فالذي يليق بالمسلم تجنب مثل هذه الألفاظ، وإن كان يعتقد أن الله هو المتصرف، لكن في تجنبها ابتعاد عن مشابهة الكفار، ولو في الألفاظ، وفي ذلك حفاظ على العقيدة، وتأدب مع الله - سبحانه
ومن جنس مسبة الدهر مسبة الريح، وقد ورد النهي عنها في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه عن أبي بن كعب ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون؛ فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذا الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به، وأعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به".
وذلك أن الريح إنما تهب بأمر الله وتدبيره؛ لأنه هو الذي أوجدها وأمرها؛ فمسبتها مسبة للفاعل، وهو الله - سبحانه؛ كما تقدم في سب الدهر؛ لأن سب الريح وسب الدهر يرجعان إلى مسبة الخالق الذي دبر هذه الكائنات.
ثم أرشدهم النبي صلى الله عليه وسلمعندما يرون ما يكرهون مما يأتي مع الريح بأن يتوجهوا إلى خالقهم وآمرها؛ ليسألوه من خيرها وخير ما فيها، ويستعيذوا من شرها وشر ما فيها؛ فما استجلبت نعمة إلا بطاعة الله وشكره، ولا استدفعت نقمة إلا بالالتجاء إلى الله والاستعاذة به.
وأما سب هذه المخلوقات؛ ففيه مفاسد: منها: أنه سب ما ليس أهلاً للسب؛ فإنها مخلوقات مسخرة مدبرة. ومنها: أن سب هذه الأشياء متضمن
стр. 132
للشرك؛ فإنه إنما سبها لظنه أنها تضر وتنفع من دون الله. ومنها: أن السب إنما يقع على من فعل هذه الأفعال، وهو الله.
وإذا قال العبد عند هبوب الريح ما أرشده إليه النبي ﷺ بقوله: "إذا رأيتم ما تكرهون؛ فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به"؛ فقد لجأ إلى الله خالق الريح ومدبرها ومصرفها، وهذا هو التوحيد والاعتقاد السليم الذي يخالف اعتقاد الجاهلية.
وهكذا يكون المسلم دائما وأبدًا مع الأحداث؛ يرجعها إلى خالقها، ويسأله من خيرها، ولا يلقي باللوم عليها ويسبها ويفسرها بغير تفسيرها الصحيح، وليعلم أن ما أصابه من هذه الأحداث مما يكره إنما هو بتقدير من الله وتسليط لها عليه بسبب ذنوبه؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً....﴾ ٢ الآية وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأولِي الأبْصَارِ﴾ ٤.
فالأمر كله راجع إلى الله؛ فالواجب حمده في الحالتين؛ حالة السراء وحالة الضراء، وحسن الظن به، والرجوع إليه بالتوبة والإنابة؛ كما قال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ ٦.
هذا هو التفسير الصحيح لمجريات الأحداث؛ فالمؤمن يعلم أن ما أصابه مما يكره إنما هو بسبب ذنوبه، فيلقي باللوم على نفسه، لا على الدهر، ولا على
стр. 133
الريح، فيتوب إلى الله، والكافر والفاسق أو الجاهل يلقي باللوم على هذه المخلوقات، ولا يحاسب نفسه، ولا يتوب من ذنبه كما قال الشاعر:
يا دهر وَيحَكَ ما أبقَيتَ لي أحدا ... إذ أنت والِدُ سوءٍ تأكُلُ الوَلَد
وقال آخر:
قُبحا لِوَجهِكَ يَا زمانُ فإنَّهُ ... وُجهُ لَهُ في كُلِّ قُبحٍ بُرقُعُ
تسأل الله العافية والبصيرة في دينه.
٥- قول (لو) في بعض الحالات:
ومن الألفاظ التي لا ينبغي التلفظ بها لأنها تخل بالعقيدة، وقد ورد النهي عنها بخصوصها: كلمة (لو) في بعض المقامات، وذلك عندما يقع الإنسان في مكروه، أو تصيبه مصيبة؛ فإنه لا يقول: لو أني فعلت كذا؛ ما حصل علي هذا، أو: لو أني لم أفعل؛ لم يحصل كذا؛ لما في ذلك من الإشعار بعدم الصبر والتأسف على ما فات مما لا يمكن استدراكه، ولما يشعر به هذا اللفظ من ضعف الإيمان بالقضاء والقدر، ولما في ذلك من إيلام النفس وتسليط الشيطان على الإنسان بالوساوس والهموم.
والواجب بعد نزول المصائب التسليم للقدر والصبر على ما أصاب الإنسان، مع عمل الأسباب الجالبة للخير والواقية من الشر والمكروه بدون تلوم.
وقد ذم الله الذين قالوا هذه الكلمة عند المصيبة التي حلت بالمسلمين في وقعة أحد؛ فقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ١، هذه مقالة قالها بعض المنافقين يوم أحد لما حصل على المسلمين ما حصل من المصيبة، قالوها يعارضون القدر ويعتبون على
стр. 134
النبي ﷺ والمسلمين لخروجهم إلى العدو، فرد الله عليهم بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ ١؛ أي: هذا قدر مقدر من الله، لا بد أن يقع، ولا يمنع منه التحرز في البيوت والتلهف، وقول (لو) بعد نزول المصيبة لا يفيد إلا التحسر والحزن وإيلام النفس والضعف، مع تأثيره على العقيدة من حيث إنه يوحي بعدم التسليم للقدر.
ثم ذكر سبحانه عن هؤلاء المنافقين مقالة أخرى، وذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ ٢، وهذه من مقالات بعض المنافقين يوم أحد - أيضا، ويروى أنه عبد الله بن أبي، يعارض القدر، ويقول: لو سمعوا مشورتنا عليهم بالقعود وعدم الخروج؛ ما قتلوا مع من قتل. فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ ٣؛ أي: إذا كان القعود وعدم الخروج يسلم به الشخص من القتل أو الموت؛ فينبغي أن لا تموتوا، والموت لا بد أن يأتي إليكم في أي مكان؛ فادفعوه عن أنفسكم إن كنتم صادقين في دعواكم أن من أطاعكم سلم من القتل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية لما ذكر مقالة ابن أبي هذه؛ قال: "فلما انخزل يوم أحد، وقال: يدع رأيي ورأيه ويأخذ برأي الصبيان "أو كما قال"؛ انخزل معه خلق كثير كان كثير منهم لم ينافق قبل ذلك؛ فألئك كانوا مسلمين، وكان معهم إيمان، هو الضوء الذي ضرب الله به المثل، فلو ماتوا قبل المحنة والنفاق؛ لماتوا على الإسلام، وهؤلاء لم يكونوا من المؤمنين حقا، الذين امتحنوا فثبتوا على المحنة، ولا من المنافقين الذين ارتدوا عن الإيمان بالمحنة.... " انتهى.
والشاهد منه أن اللهج بكلمة (لو) عند حصول المصائب من سمات
стр. 135
المنافقين الذين لا يؤمنون بالقضاء والقدر.
فيجب على المؤمن الابتعاد عن التلفظ بهذه الكلمة عندما تصيبه محنة أو مكروه، وأن يعدل إلى الألفاظ الطيبة التي فيها الرضى بما قدر الله والصبر والاحتساب، وهي الألفاظ التي وجه إليها رسول الله ﷺ بقوله فيما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجزن، وإن أصابك شيء؛ فلا تقل: لو أني فعلت؛ كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن (لو) تفتح عمل الشيطان".
فقد وجه النبي ﷺ إلى فعل الأسباب التي تنفع العبد في دنياه وآخرته مما شرعه الله لعباده من الأسباب الواجبة والمستحبة والمباحة، ويكون العبد في حال فعله السبب مستعينا بالله؛ ليتم له سببه وينفعه؛ لأن الله تعالى: هو الذي خلق السبب والمسبِّب، والجمع بين فعل السبب والتوكل على الله توحيد، ثم نهى عن العجز، وهو ترك فعل الأسباب النافعة، وهو ضد الحرص على ما ينفع، فإذا حرص على ما ينفعه وبذل السبب، ثم وقع خلاف ما أراد أو أصابه ما يكره؛ فلا يقل: لو أني فعلت كذا؛ لكان كذا؛ لأن هذه الكلمة لا تجدي شيئا، وإنما تفتح عمل الشيطان، وتبعث على التأسف ولوم القدر، وذلك ينافي الصبر والرضى، والصبر واجب، والإيمان بالقدر فرض.
ثم أرشده النبي ﷺ إلى اللفظ النافع المتضمن للإيمان بالقدر، وهو أن يقول: قدر الله وما شاء فعل؛ لأن ما قدر الله لا بد أن يكون، والواجب التسليم للمقدور، وما شاء الله فعل؛ لأن أفعاله لا تصدر إلا عن حكمة.
قال الإمام ابن القيم ﵀: "والعبد إذا فاته المقدور له حالتان: حالة عجز: وهي عمل الشيطان، فليقيه العجز إلى (لو) ، ولا فائدة فيها، بل هي
стр. 136
مفتاح اللوم. والحالة الثانية: النظر إلى المقدور وملاحظته، وأنه لو قدر؛ لم يفته، ولم يغلبه عليه أحد.
فأرشد النبي صلى الله عليه وسلمإلى ما ينفعه حال حصول مطلوبه وحال فواته، ونهاه عن قول "لو"، وأخبره أنها تفتح عمل الشيطان؛ لما فيها من التأسف على ما فات والتحسر والحزن ولوم القدر؛ فيأثم بذلك، وذلك من عمل الشيطان، وليس هذا لمجرد لفظ"لو"، بل لما قارنها من الأمور القائمة بقلبه، المنافية لكمال الإيمان، الفاتحة لعمل الشيطان.
فإن قيل: الرسول صلى الله عليه وسلمقد قال هذه الكلمة حينما أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة، ولم يفسخ هو؛ لأنه ساق الهدي.
فالجواب عن ذلك أن قوله ﷺ : "لو استقبلت من أمري ما استدبرت؛ ما سقت الهدي": خبر عن مستقبل، لا اعتراض فيه على قدر، بل هو إخبار لأصحابه أنه لو استقبل الإحرام بالحج؛ ما ساق الهدي، ولأحرم بالعمرة، قال ذلك لهم لما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة؛ حثا وتطييبا لقلوبهم، لما رآهم توقفوا في أمره؛ فليس هذا من المنهي عنه، بل هو إخبار لهم عما كان يفعل في المستقبل لو حصل، ولا خلاف في جواز ذلك، وإنما ينهى عن ذلك في معارضة القدر، ولله أعلم".
فهذا الحديث الذي رواه أبو هريرة لا يستغني عنه العبد، وهو يتضمن إثبات القدر، وإثبات الكسب، والقيام بالعبودية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معنى هذا الحديث: "لا تعجز عن مأمور، ولا تجزع من مقدور".
стр. 137
الصبر ومنزلته في العقيدة:
تقدم الكلام في النهي عن قول "لو"عندما يقع الإنسان في مصيبة، وأن الواجب عليه الصبر والاحتساب.
قال الإمام أحمد ﵀: "ذكر الله تعالى الصبر في تسعين موضعا من كتابه".
وفي الحديث الصحيح: "الصبر ضياء"، رواه أحمد ومسلم.
وقال عمر ﵁: "وجدنا خير عيشنا بالصبر"، رواه البخاري. وقال علي ﵁: "إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد"، ثم رفع صوته وقال: "ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له".
وقد روى البخاري ومسلم مرفوعا: "ما أعطي أحد عطاء خيرًا أوسع من الصبر".
والصبر مشتق من صبر: إذا حبس ومنع؛ فهو حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي والتسخط، وحبس الجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب.
وهو ثلاثة أنواع:
١- صبر على فعل ما أمر الله به.
٢- وصبر على ترك ما نهى الله عنه.
٣- وصبر على ماقدره الله من المصائب.
قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ ١.
стр. 138
قال علقمة: "هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله؛ فيرضى ويسلم".
وقال غيره في معنى الآية: أي: من أصابته مصيبة، فعلم أنها بقدر الله، فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله؛ هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا هدىً في قلبه ويقينا صادقا، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه".
وقال سعيد بن جبير:" ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ ؛ يعني: يسترجع، ويقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ١.
وفي الآية الكريمة دليل على أن الأعمال من الإيمان، وعلى أن الصبر سبب لهداية القلوب، وأن المؤمن يحتاج إلى الصبر في كل المواقف: يحتاج إليه مع نفسه أمام أوامر الله ونواهيه؛ بإلزام نفسه بالتزامها.
ويحتاج إلى الصبر في مواقف الدعوة إلى الله تعالى على ما يناله في سبيلها من مشقة وأذى، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ... ﴾ إلى قوله: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاّ بِاللَّهِ﴾ ٢.
ويحتاج إلى الصبر في موقف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما يلاقيه من أذى الناس؛ قال تعالى عن لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ﴾ ٣.
والمؤمن بحاجة إلى الصبر أمام مواجهته المصائب التي تجري عليه؛ بأن يعلم أنها من عند الله؛ فيرضى، ويسلم، ويحبس نفسه عن الجزع والتسخط
стр. 139
الذي قد يظهر على اللسان والجوارح، وهذا من صميم العقيدة؛ لأن الإيمان بالقدر هو أحد أركان الإيمان الستة، وثمرته الصبر على المصائب، فمن لم يصبر على المصائب؛ فهذا دليل على فقدان هذا الركن أو ضعفه لديه، ومن ثم سيقف أمام المصائب موقف الجزع والتسخط، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلمأن هذا كفر يخل بالعقيدة الإسلامية:
ففي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت"؛ فهاتان الخصلتان من خصال الكفر؛ لأنهما من أعمال الجاهلية، بين الكفر المعرف باللام كما في قوله ﷺ : "ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة"، وبين "كفر"منكرًا؛ كما في هذا الحديث.
وفي "الصحيحين": "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية".
وقوله في الحديث: "ودعا بدعوى الجاهلية"؛ قال ابن القيم: "الدعاء بدعوى الجاهلية كالدعاء إلى القبائل والعصبية، ومثله التعصب إلى المذاهب والطوائف والمشايخ، وتفضيل بعضهم على بعض؛ يدعو إلى ذلك، ويوالي عليه، ويعادي؛ فكل هذا من دعوى الجاهلية ... " انتهى.
والله - سبحانه - يجري المصائب على عباده لحكم عظيمة؛ منها أنه يكفر بها خطاياهم؛ كما في حديث أنس؛ أن النبي ﷺ ؛ قال: "إذا أراد الله بعبده الخير؛ عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد به الشر؛ أمسك عنه بذنبه، حتى يوافي به يوم القيامة"، رواه الترمذي وحسنه الحاكم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "المصائب نعمة؛ أنها مكفرات
стр. 140
للذنوب، وتدعوا إلى الصبر؛ فيثاب عليها، وتقتضى الإنابة إلى الله والذل له والإعراض عن الخلق ... إلى غير ذلك من المصالح العظيمة؛ فنفس البلاء يكفر الله به الذنوب والخطايا، وهذا من أعظم النعم، فالمصائب رحمة ونعمة في حق عموم الخلق؛ إلا أن يدخل صاحبها بسببها في معاص أعظم مما كان قبل ذلك، فيكون شرًا عليه من جهة ما أصابه في دينه؛ فإن من الناس من إذا ابتلى بفقر أو مرض أو وجع؛ حصل له من النفاق والجزع ومرض القلب والكفر الظاهر وترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات ما يوجب له الضرر في دينه؛ فهذا كانت العافية خيراً له من جهة ما أورثته المصيبة، لا من جهة نفس المصيبة؛ كما أن من أوجبت له المصيبة صبراً وطاعة؛ كانت في حقه نعمة دينية؛ فهي بكونها فعل الرب رحمة للخلق، والله تعالى محمود عليها، فمن ابتلى فرزق الصبر؛ كان الصبر عليه نعمة في دينه، وحصل هل بعد ما كفر من خطاياه رحمة، وحصل له ثناء ربه عليه؛ قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ ١، وحصل له غفران السيئات ورفع الدرجات، فمن قام بالصبر الواجب؛ حصل له ذلك" انتهى.
ومن الحكم الإلهية في إجراء المصائب ابتلاء العباد عند وقوعها من يصبر ويرضى ومن يجزع ويسخط؛ كما قال النبي ﷺ : "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي؛ فله الرضى، ومن سخط؛ فله السخط"، رواه الترمذي وحسنه.
والرضى هو أن يسلم العبد أمره إلى الله، ويحسن الظن به، ويرغب في ثوابه.
والسخط: هو الكراهية للشيء، وعدم الرضى به؛ أي: من سخط على الله فيما دبره؛ فله السخط من الله.
стр. 141
وفي هذا الحديث أن الجزاء من جنس العمل، وفيه إثبات الرضى من الله - سبحانه - على ما يليق به كسائر صفاته، وفيه بيان الحكمة في إجراء المصائب على العباد، وفيه إثبات القضاء والقدر، وأن المصائب تجري بقضاء الله وقدره، وفيه مشروعية الصبر على المصائب، والرجوع إلى الله، والاعتماد عليه وحده في كل ملمة، ودفع كل مكروه.
وقد أمر الله بالاستعانة بالصبر والصلاة على ما يواجه الإنسان في هذه الحياة من متاعب ومشاق؛ لأن من وراء ذلك الخير والعاقبة الحميدة، وأخبر أنه مع الصابرين بنصره وتأييده؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ١؛ مما يدل على أهمية الصبر وحاجة المؤمن إليه، وهو من مقومات العقيدة.
نسأل الله أن يرزقنا الصبر والاحتساب، وأن يمن علينا بالتوفيق والهداية.
стр. 142
بيان ألفظ لا يجوز أن تقال في حق الله تعالي تعطيلا لشأنه
...
بيان ألفاظ لا يجوز أن تقال في حق الله تعالى تعطيلاً لشأنه:
الله جل وعلا عظيم، يجب أن يعظم، وهناك ألفاظ لا يجوز أن تقال في حقه - سبحانه - تعظيما له، وقد ورد النهي عنها.
١- ومن هذه الألفاظ: أنه لا يقال: "السلام على الله"؛ لأن السلام دعاء للمسلم عليه بطلب السلامة له من الشرور، والله - سبحانه - يطلب منه ذلك، ولا يطلب، ويدعى ولا يدعى له؛ لأنه الغني، له ما في السماوات والأرض، وهو السالم من كل عيب ونقص، ومانح السلامة ومعطيها، وهو السلام، ومنه السلام.
في "الصحيح"عن ابن مسعود ﵁؛ قال: "كنا إذا كنا مع رسول
стр. 143
الله صلى الله عليه وسلمفي الصلاة؛ قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان. فقال النبي ﷺ : لا تقولوا السلام على الله؛ فإن الله هو السلام"؛ أي: إن الله سالم من كل نقص.
قال الإمام ابن القيم ﵀: "السلام مصدر، وهو من ألفاظ الدعاء، يتضمن الإنشاء والإخبار؛ فجهةالإخبارية تناقض الجهة الإنشائية، وهو معنى السلام المطلوب عند التحية ... ".
إلى أن قال: "والمقام لما كان مقام طلب السلامة التي هي أهم عند الرجل أتى في طلبها بصيغة اسم من أسماء الله - تعالى، وهو السلام، الذي تطلب منه السلامة؛ فتضمن معنيين: أحدهما: ذكر الله ... والثاني: طلب السلامة، وهو مقصود المسلم".
٢- ومن الألفاظ التي لا تقال في حق الله تعالى:"اللهم اغفر لي إن شئت"؛ فطلب الحاجة من الله لا يعلق على المشيئة؛ وإنما يجزم به.
وفي (الصحيح) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئتن ليعزم المسألة؛ فإن الله لا مكره له"، ولمسلم: "وليعظم الرغبة؛ فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه".
والنهي عن ذلك لأمرين:
الأول: أن الله - سبحانه - لا مكره له على الفعل، وإنما هو يفعل ما يريد؛ بخلاف العبد؛ فإنه قد يفعل الشيء وهو كاره، ولكن يفعله لخوف أو رجاء من أحد، والله ليس كذلك.
الثاني: أن التعليق على المشيئة يدل على فتور في الطلب وقلة رغبة فيه،
стр. 144
فإن حصل، وإلا؛ استغنى عنه، وهذا يدل على عدم الافتقار إلى الله.
وفي رواية مسلم الأمر بتعظيم الطلب؛ لأن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه؛ أي: لا يكبر عليه - سبحانه - ولا يعسره، وليس عنده بعظيم، وإن عظم في نفس المخلوق، وذلك لكمال فضله وجوده وسعة غناه؛ فهو يعطي العظائم، ولا يعجزه شيء: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ١.
٣- ومن الألفاظ التي لا تقال في حق الله تعالى: الإقسام على الله إذا كان على جهة الحجر عليه أن لا يفعل الخير.
عن جندب بن عبد الله ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان. فقال الله : من ذا الذي يتألى عليَّ أن لا أغفر لفلان، إني قد غفرت له وأحبطت عملك"، رواه مسلم.
التألي: من الأليةَّ - بتشديد الياء، ومعنى "يتألى": يحلف.
وقوله: "من ذا الذي": استفهام إنكار.
وهذا الرجل أساء الأدب مع الله، وحكم عليه، وقطع أنه لا يغفر لهذا المذنب؛ فكأنه حكم على الله - سبحانه، وهذا من جهله بمقام الربوبية، واغتراره بنفسه وبعمله، وإدلاله بذلك؛ فعومل بنقيض قصده، وغفر لهذا المذنب بسببه، وأحبط عمله بسبب هذه الكلمه السيئة التي قالها، مع أنه كان عابدًا.
قال أبو هريرة ﵁: "تكلم بكلمة أو بقت دنياه وآخرته".
ففي الحديث وجوب التأدب مع الله سبحانه في الأقوال والأفعال، وتحريم الإدلال على الله والإعجاب بالنفس واحتقار الآخرين، وتحريم الحلف على الله إذا كان على جهة الحجر عليه أن لا يفعل الخير بعباده.
стр. 145
أما إذا كان الحلف على الله جهة حسن الظن به - سبحانه، ورجاء الخير منه؛ فهذا جائز؛ كما جاء في الحديث: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله؛ لأبره".
وفي حديث جندب بيان خطر اللسان ووجوب التحفظ منه.
وعن معاذ ﵁؛ "قلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟! "، رواه الترمذي وصححه.
ومما سبق أنه يجب التحفظ في الألفاظ، والابتعاد عن اللفظ الذي فيه سوء أدب مع الله سبحانه؛ لأن هذا يخل بالعقيدة، وينقص التوحيد؛ فلا يقال: السلام على الله؛ لأنه هو السلام سبحانه، ولأن السلام على أحد دعاء له بالسلام، والله سبحانه يُدعى له، ولا يقال: اللهم اغفر لي وارحمني إن شئت ... ونحو ذلك، بل كل دعاء يؤتى به على سبيل الجزم؛ بلا تعليق بالمشيئة؛ لأن الله يفعل ما يشاء، ولا مكره له، وإنه لا يقسم على الله أن لا يرحم فلانا أو يغفر لفلان؛ لأن هذا حظر ومنع لرحمة الله وسوء ظن بالله ؛ كما أنه لا يجوز أن يقال: ما شاء الله وشاء فلان، وإنما يقال: ما شاء الله ثم فلان؛ لأن العطف بالواو يقتضي المشاركة، ولا أحد يشارك الله - سبحانه - ويساويه في أمر من الأمور، وأما العطف ب (ثم) ؛ فإنه يقتضي الترتيب والتبعية، فتكون مشيئة المخلوق تابعة لمشيئة الله سبحانه وحاصلة بعدها، وليست مشاركة لها.
وكل هذا مما يؤكد على المسلم وجوب دراسة العقيدة ومعرفة ما يصححها وما يخل بها؛ حتى يكون على بينة من أمره، وحتى لا يقع في المحذور وهو لا يشعر.
وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح.