وفي هذا الحديث أن الجزاء من جنس العمل، وفيه إثبات الرضى من الله - سبحانه - على ما يليق به كسائر صفاته، وفيه بيان الحكمة في إجراء المصائب على العباد، وفيه إثبات القضاء والقدر، وأن المصائب تجري بقضاء الله وقدره، وفيه مشروعية الصبر على المصائب، والرجوع إلى الله، والاعتماد عليه وحده في كل ملمة، ودفع كل مكروه.
وقد أمر الله بالاستعانة بالصبر والصلاة على ما يواجه الإنسان في هذه الحياة من متاعب ومشاق؛ لأن من وراء ذلك الخير والعاقبة الحميدة، وأخبر أنه مع الصابرين بنصره وتأييده؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ١؛ مما يدل على أهمية الصبر وحاجة المؤمن إليه، وهو من مقومات العقيدة.
نسأل الله أن يرزقنا الصبر والاحتساب، وأن يمن علينا بالتوفيق والهداية.
стр. 142
بيان ألفظ لا يجوز أن تقال في حق الله تعالي تعطيلا لشأنه
...
بيان ألفاظ لا يجوز أن تقال في حق الله تعالى تعطيلاً لشأنه:
الله جل وعلا عظيم، يجب أن يعظم، وهناك ألفاظ لا يجوز أن تقال في حقه - سبحانه - تعظيما له، وقد ورد النهي عنها.
١- ومن هذه الألفاظ: أنه لا يقال: "السلام على الله"؛ لأن السلام دعاء للمسلم عليه بطلب السلامة له من الشرور، والله - سبحانه - يطلب منه ذلك، ولا يطلب، ويدعى ولا يدعى له؛ لأنه الغني، له ما في السماوات والأرض، وهو السالم من كل عيب ونقص، ومانح السلامة ومعطيها، وهو السلام، ومنه السلام.
في "الصحيح"عن ابن مسعود ﵁؛ قال: "كنا إذا كنا مع رسول
стр. 143
الله صلى الله عليه وسلمفي الصلاة؛ قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان. فقال النبي ﷺ : لا تقولوا السلام على الله؛ فإن الله هو السلام"؛ أي: إن الله سالم من كل نقص.
قال الإمام ابن القيم ﵀: "السلام مصدر، وهو من ألفاظ الدعاء، يتضمن الإنشاء والإخبار؛ فجهةالإخبارية تناقض الجهة الإنشائية، وهو معنى السلام المطلوب عند التحية ... ".
إلى أن قال: "والمقام لما كان مقام طلب السلامة التي هي أهم عند الرجل أتى في طلبها بصيغة اسم من أسماء الله - تعالى، وهو السلام، الذي تطلب منه السلامة؛ فتضمن معنيين: أحدهما: ذكر الله ... والثاني: طلب السلامة، وهو مقصود المسلم".
٢- ومن الألفاظ التي لا تقال في حق الله تعالى:"اللهم اغفر لي إن شئت"؛ فطلب الحاجة من الله لا يعلق على المشيئة؛ وإنما يجزم به.
وفي (الصحيح) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئتن ليعزم المسألة؛ فإن الله لا مكره له"، ولمسلم: "وليعظم الرغبة؛ فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه".
والنهي عن ذلك لأمرين:
الأول: أن الله - سبحانه - لا مكره له على الفعل، وإنما هو يفعل ما يريد؛ بخلاف العبد؛ فإنه قد يفعل الشيء وهو كاره، ولكن يفعله لخوف أو رجاء من أحد، والله ليس كذلك.
الثاني: أن التعليق على المشيئة يدل على فتور في الطلب وقلة رغبة فيه،
стр. 144
فإن حصل، وإلا؛ استغنى عنه، وهذا يدل على عدم الافتقار إلى الله.
وفي رواية مسلم الأمر بتعظيم الطلب؛ لأن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه؛ أي: لا يكبر عليه - سبحانه - ولا يعسره، وليس عنده بعظيم، وإن عظم في نفس المخلوق، وذلك لكمال فضله وجوده وسعة غناه؛ فهو يعطي العظائم، ولا يعجزه شيء: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ١.
٣- ومن الألفاظ التي لا تقال في حق الله تعالى: الإقسام على الله إذا كان على جهة الحجر عليه أن لا يفعل الخير.
عن جندب بن عبد الله ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان. فقال الله : من ذا الذي يتألى عليَّ أن لا أغفر لفلان، إني قد غفرت له وأحبطت عملك"، رواه مسلم.
التألي: من الأليةَّ - بتشديد الياء، ومعنى "يتألى": يحلف.
وقوله: "من ذا الذي": استفهام إنكار.
وهذا الرجل أساء الأدب مع الله، وحكم عليه، وقطع أنه لا يغفر لهذا المذنب؛ فكأنه حكم على الله - سبحانه، وهذا من جهله بمقام الربوبية، واغتراره بنفسه وبعمله، وإدلاله بذلك؛ فعومل بنقيض قصده، وغفر لهذا المذنب بسببه، وأحبط عمله بسبب هذه الكلمه السيئة التي قالها، مع أنه كان عابدًا.
قال أبو هريرة ﵁: "تكلم بكلمة أو بقت دنياه وآخرته".
ففي الحديث وجوب التأدب مع الله سبحانه في الأقوال والأفعال، وتحريم الإدلال على الله والإعجاب بالنفس واحتقار الآخرين، وتحريم الحلف على الله إذا كان على جهة الحجر عليه أن لا يفعل الخير بعباده.
стр. 145
أما إذا كان الحلف على الله جهة حسن الظن به - سبحانه، ورجاء الخير منه؛ فهذا جائز؛ كما جاء في الحديث: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله؛ لأبره".
وفي حديث جندب بيان خطر اللسان ووجوب التحفظ منه.
وعن معاذ ﵁؛ "قلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟! "، رواه الترمذي وصححه.
ومما سبق أنه يجب التحفظ في الألفاظ، والابتعاد عن اللفظ الذي فيه سوء أدب مع الله سبحانه؛ لأن هذا يخل بالعقيدة، وينقص التوحيد؛ فلا يقال: السلام على الله؛ لأنه هو السلام سبحانه، ولأن السلام على أحد دعاء له بالسلام، والله سبحانه يُدعى له، ولا يقال: اللهم اغفر لي وارحمني إن شئت ... ونحو ذلك، بل كل دعاء يؤتى به على سبيل الجزم؛ بلا تعليق بالمشيئة؛ لأن الله يفعل ما يشاء، ولا مكره له، وإنه لا يقسم على الله أن لا يرحم فلانا أو يغفر لفلان؛ لأن هذا حظر ومنع لرحمة الله وسوء ظن بالله ؛ كما أنه لا يجوز أن يقال: ما شاء الله وشاء فلان، وإنما يقال: ما شاء الله ثم فلان؛ لأن العطف بالواو يقتضي المشاركة، ولا أحد يشارك الله - سبحانه - ويساويه في أمر من الأمور، وأما العطف ب (ثم) ؛ فإنه يقتضي الترتيب والتبعية، فتكون مشيئة المخلوق تابعة لمشيئة الله سبحانه وحاصلة بعدها، وليست مشاركة لها.
وكل هذا مما يؤكد على المسلم وجوب دراسة العقيدة ومعرفة ما يصححها وما يخل بها؛ حتى يكون على بينة من أمره، وحتى لا يقع في المحذور وهو لا يشعر.
وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح.
стр. 146
ثالثاُ: توحيد الأسماء والصفات
مدخل
...
ثالثاً: توحيد الأسماء والصفات.
تقدم أن بيَّنا أن التوحيد ثلاثة أنواع: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
وقد تكلمنا فيما سبق عن النوعين الأولين منه، وهما توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية؛ لأن كل نوع من هذه الأنواع جحده طائفة من البشر.
فتوحيد الربوبية جحده المعطلة الذين أنكروا وجود الله؛ كالدهرية، والملاحدة، ومنهم الشيوعية في عصرنا الحاضر، وإن كان جحودهم له إنما هو في الظاهر مكابرة منهم، وإلا؛ فهم يقرون به في الباطن وفي قرارة أنفسهم؛ إذ لا يعقل وجود مخلوق بدون خالق.
والقسم الثاني: - وهو توحيد الألوهية - جحده أكثر الخلق، وهو الذي بعث الله رسله وأنزل كتبه بالدعوة إليه، وقد جحده المشركون قديما وحديثا، وجحودهم له يتمثل بعبادة الأشجار والأحجار والأصنام والقبور والأضرحة وعبادة مشايخ الصوفية باعتقاد النفع والخير فيهم من دون الله ممن ينتسبون إلى الإسلام زورًاوبهتانا.
والقسم الثالث - وهو توحيد الأسماء والصفات، ويعني إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله من صفات الكمال، ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله من صفات النقص، على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
وهذا القسم قد جحده الجهمية وتلاميذهم من المعتزلة والأشاعرة، وهو في الحقيقة داخل في توحيد الربوبية، لكن لما كثر منكروه وروجوا الشبه حوله؛
стр. 147
أفرد البحث، وجعل قسما مستقلاً، وألفت فيه المؤلفات الكثيرة؛ فألف الإمام أحمد رده المشهور على الجهمية، وألف ابنه عبد الله كتاب (السنة) ، وألف عبد العزيز الكناني كتاب (الحيدة) في الرد على بشر المريسي، وألف أبو عبد الله المروزي كتاب (السنة) ، وألف عثمان بن سعيد كتاب (الرد على بشر المريسي) ، وألف إمام الأئمة محمد بن خزيمة كتاب (التوحيد) ، وألف غير هؤلاء كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الردود على هؤلاء ومن جاء بعدهم وسار على نهجهم؛ فلله الحمد والمنة على بيان الحق ودحض الباطل.
وأول من عرف عنه إنكار الصفات بعض مشركي العرب الذين أنزل الله فيهم قوله: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ ١.
وسبب نزول هذه الآية أن قريشا لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلميذكر الرحمن؛ أنكروا ذلك؛ فأنزل الله فيهم: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ .
وذكر ابن جرير أن ذلك كان في صلح الحديبية حين كتب الكاتب: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ؛ قالت قريش: أما الرحمن؛ فلا نعرفه.
روى ابن جرير - أيضا - عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يدعو ساجدًا يقول: "يا رحمن! يا رحيم! ". فقال المشركون: هذا يزعم أنه يدعو واحدًا، وهو يدعو مثنى. فأنزل الله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٢، وقال تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ ٣.
فهؤلاء هم سلف الجهمية والأشاعرة في إنكار أسماء الله وصفاته، وبئس السلف لبئس الخلف: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ ٤.
стр. 148
أما الرسل وأتباعهم - خصوصا محمدًا صلى الله عليه وسلموصحابته الكرام والذين اتبعوهم بإحسان؛ فهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه، وينكرون على من يخالف هذا المنهج.
فقد روى عبد الرازق عن معمر عن طاووس عن أبيه عن ابن عباس؛ أنه رأى رحلاً انتفض لما سمع حديثا عن النبي ﷺ في الصفات؛ استنكار لذلك؛ فقال: "ما فرق هؤلاء؟، يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه؟! "؛ يشير ﵁ إلى أناس يحضرون مجلسه من عامة الناس؛ بأنهم إذا سمعوا شيئا من نصوص الصفات، وهي من المحكم؛ حصل معهم فرق - أي: خوف، وانتفضوا كالمنكرين لها، فهم كالذين قال الله فيهم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ١، فيدعون المحكم، ويتبعون المتشابه، ويؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض.
ونصوص الصفات من المحكم لا من المتشابه، يقرؤها المسلمون ويتدارسونها، ويفهمون معناها ولا ينكرون منها شيئا.
قال وكيع: "أدركنا الأعمش وسفيان يحدثون بهذه الأحاديث [يعني: أحاديث الصفات] ولا ينكرونها ... " انتهى.
وإنما ينكرها المبتدعة من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، الذين ساروا على منهج مشركي قريش، الذين يكفرون بالرحمن، ويلحدون في أسماء الله، وقد قالتعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢؛ فأثبت لنفسه الأسماء الحسنى، وأمر أن يُدعى بها، وكيف يُدعى بما لا يسمى به ولا يفهم معناه على زعم هؤلاء؟! وتوعد الذين يلحدون في أسمائه فينفونها عنه أو يؤولونها عن
стр. 149
معانيها الصحيحة؛ بأنه سيجزيهم على عملهم بالعقاب والعذاب؛ كما وصفهم بالكفر في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ ١؛ فلهذا كفَّر الجهمية كثير من أهل السنة:
قال العلامة ابن القيم ﵀:
ولقد تقلد كفرهم خمسون في ... عشر من العلماء في البلدان
واللالكائي الإمام حكاه عنـ ... ـهم بل حكاه قبله الطبراني
стр. 150
وجوب احترام أسماء الله :
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٣.
يخبر تعالى أن أسماءه حسنى؛ أي: حسان، قد بلغت الغاية في الحسن؛ فلا أحسن منها؛ لما تدل عليه من صفات الكمال ونعوت الجلال؛ فهي أحسن الأسماء وأكملها، وأسماؤه سبحانه توقيفية؛ فلا يجوز لنا أن نسميه إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله ﷺ .
وقوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ؛ أي: اسألوه وتوسلوا إليه بها؛ كما تقول: اللهم اغفر لي وارحمني؛ إنك أنت الغفور الرحيم.
وأسماؤه - سبحانه - كثيرة؛ لا تحصر ولا تحد بعدد، منها ما استأثر الله بعلمه؛ فلا يعلمه ملك مقرَّب ولا نبيُّ مرسل؛ كما في الحديث الصحيح: "أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك".
قال الإمام ابن القيم ﵀: "فجعل أسماءه ثلاثة أقسام: قسم سمى
стр. 151
به نفسه؛ فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم، ولم ينزل به كتابه. وقسم أنزل به كتابه، وتعرف به إلى عباده. وقسم استأثر به في علم غيبه؛ فلم يطلع عليه أحدًا من خلقه".
وقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ ؛ أي: أعرضوا عنهم واتركوهم؛ فإن الله سيتولى جزاءهم، ولهذا قال: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
ومعنى: ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ ؛ أي: يميلون بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها، والإلحاد بأسماء الله أنواع:
أحدها: أن يسمى بها الأصنام كتسميتهم (اللات) من الإله، و (العزى) من العزيز، وتسميتهم الصنم إلها.
الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله؛ كتسمية النصارى له أبا، وتسمية الفلاسفة له موجبا بذاته، أو علة فاعلة الطبع.
الثالث: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص؛ كقول أخبث اليهود: إنه فقير، وإنه استراح يوم السبت، وقولهم: يد الله مغلولة.
والرابع: تعطيل الأسماء الحسنى عن معانيها وجحد حقائقها؛ كقول الجهمية وأتباعهم: أنها ألفاظ مجرة، لا تتضمن صفات ولا معاني؛ فيطلقون عليه اسم السميع البصير، ويقولون: لا سمع له ولا بصر؛ مثلاً، وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلاً وشرعا، وهو يقابل إلحاد المشركين؛ فإن المشركين أعطوا من أسمائه وصفاته لآلهتهم، وهؤلاء سلبوا كماله وعطلوا أسماءه وصفاته.
والواجب إثبات أسمائه واعتقاد ما تدل عليه من صفات كماله ونعوت جلاله؛ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، على حد قوله
стр. 152
- سبحانه -: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
والواجب احترام أسمائه من أن يسمى بها غيره، وذلك من تحقيق التوحيد.
فعن أبي شريح؛ أنه كان يكنى أبا الحكم، فقال النبي ﷺ : "إن الله هو الحكم، وإليه الحكم. فقال: إن قومي كانوا إذا اختلفوا في شيء؛ أتوني، فحكمت بينهم، فرضى كلا الفريقين. فقال: ما أحسن هذا! فما لك من الولد؟ " قلت: شريح ومسلم وعبد الله. قال: فمن أكبرهم؟. قلت: شريح. قال: فأنت أبو شريح". رواه أبو داود وغيره.
فغيَّر النبي صلى الله عليه وسلمكنيته من أجل احترام أسماء الله؛ لأن الله هو الحكم على الإطلاق؛ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ ٢، وهو الحكم في الدنيا والآخرة، يحكم في الدنيا بين خلقه بوحيه الذي أنزله على أنبيائه، ويحكم بينهم يوم القيامة بعلمه فيما اختلفوا فيه، وينصف المظلوم من الظالم.
وفي هذا الحديث دليل المنع من التسمي بأسماء الله= المختصة به، والمنع مما يوهم عدم الاحترام لها؛ كالتكني بأبي الحكم ونحوه.
ومن احترام أسماء الله أن لا يقول الإنسان لمملوكه: عبدي وأمتي؛ لما في ذلك من إيهام المشاركة في الربوبية.
وفي (الصحيح) عن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلمقال: "لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضىء ربك. وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي. وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي".
فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلمعن هذه الألفاظ (ربك) ، (عبدي) ، (أمتي) ؛ لأنها
стр. 153
توهم التشبيك مع الله، وسدّاً للذريعة، وحسما لمادة الشرك، وأرشد المالك أن يقول: فتاي وفتاتي، والعبد أن يقول: سيدي ومولاي.
ومن احترام أسماء الله - سبحانه - أنه لا يرد من سأل بالله.
عن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : " من استعاذ بالله؛ فأعيذوه، ومن سأل بالله؛ فأعطوه".
لأن منع من سأل على عدم إجلال الله، وفي إعطائه دليل على تعظيم الله والتقرب إليه - سبحانه -.
ومن احترام الله تعالى أنه لا يسُأل بوجه الله - تعالى؛ إلا الجنة؛ إجلالاً لله، وإكراما له، وتعظيما له.
عن جابر ﵁؛ قال: قال رسول الله: "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة"، رواه داو؛ فلا يسأل بوجه الله تعالى ما هو حقير من حوائج الدنيا، وإنما به ما هو غاية المطالب، وهو الجنة، أو ما هو وسيلة إلى الجنة مما يقرب إليها من قول أو عمل.
ومن احترم أسماء الله: أن لا يكثر الحلف بها؛ قال الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ ١.
قال ابن عباس: "يريد لا تحلفوا؛ لأن كثرة الحلف تدل على الاستخفاف بالله، وعدم التعظيم له، وذلك مما ينافي كمال التوحيد الواجب".
وعن سلمان ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليهم: أشيمط زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته؛ لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه"، رواه الطبرابي بسند صحيح.
стр. 154
ومعنى: "جعل الله بضاعته"؛ أي: جعل الحلف بالله بضاعته؛ ففيه شدة الوعيد على كثرة الحلف؛ لأن ذلك يدل على الاستخفاف بحق الله تعالى وعدم احترام أسمائه.
ومن إجلال الله وتعظيمه أنه لا يستشفع به على خلقه؛ لما في ذلك من تنقصه - سبحانه؛ لأنالمستشفَع به يكون أقل درجة من المشفوع عنده.
قال الإمام الشافعي ﵀: "إنما يشفَعُ عند من هو أعلى منه، تعالى الله عن ذلك".
وقد جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ ، وشكى إليه القحط وهلاك الأموال، وطلب منه أن يستسقي لهم، وقال: "فإنا نستشفع بالله عليك، وبك على الله".
فقال النبي ﷺ : "سبحان الله! أتدري ما الله؟ إن شأن الله أعظم من ذلك، وأنه لا يستشفع بالله على أحد من خلفه"، رواه أبو داوه؛ فشأن الله عظيم، وهو ذلك يشفع عنده بإذنه - سبحانه -.
стр. 155
منهج أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته:
منهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة الذين هم الفرقة الناجية في أسماء الله وصفاته إثباتها؛ كما جاءت في الكتاب والسنة، مع اعتقاد ما دلت عليه، وأنها على ظاهرها، ولا يلزم من إثباتها تشبيه الله بخلقه، تعالى الله عن ذلك؛ لأن صفات الخالق تخصه وتليق به، وصفات المخلوقين تليق بهم وتخصهم، ولا تشابه بين الصفتين، كما أنه لا تشابه بين ذات الخالق - سبحانه - وذات المخلوق.
ومذهب أهل السنة والجماعة في ذلك ينبني على أسس سليمة وقواعد مستقيمة، وهذه الأسس هي:
стр. 156
أولاً: أن أسماء الله وصفاته توقيفية؛ بمعنى أنهم لا يثبتون لله إلا ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو أثبته له رسوله في سنته من الأسماء والصفات، ولا يثبتون شيئا بمقتضى عقولهم وتفكيرهم، ولا ينفون عن الله إلا ما نفاه عن نفسه في كتابه أو نفاه عنه رسول في سنته، لا ينفون عنه بموجب عقولهم وأفكارهم؛ فهم لا يتجاوزون الكتاب والسنة، وما لم يصرح الكتاب والسنة بنفيه ولا إثباته؛ كالعرض والجسم والجوهر؛ فهم يتوقفون فيه؛ بناء على هذا الأصل العظيم.
ثانيا: أن ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسول ﷺ ؛ فهو حق على ظاهره، ليس فيه أحاج ولا ألغاز، بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه؛ فأهل السنة يثبتون ألفاظ الصفات ومعانيها؛ فليس ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسول صلى الله عليه وسلممن المتشابه الذي يفوَّض معناه؛ لأن اعتبار نصوص الصفات مما لا يفهم معناه يجعلها من الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، والله تعالى قد أمرنا بتدبر القرآن كله، وحضنا على تعقله وتفهمه، وإذا كانت نصوص الصفات مما لا يفهم معناه؛ فيكون الله قد أمرنا بتدبر وتفهم ما لا يمكن تدبره وتفهمه، وأمرنا باعتقاد ما لم يوضحه لنا، تعالى الله عن ذلك.
إذاً؛ فمعاني صفات الله تعالى: معلومة يجب اعتقادها، وأما كيفيتها؛ فهي مجهولة لنا، لا يعلمها إلا الله - تعالى، ولهذا يقول الإمام مالك بن أنس ﵁ لما سئل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١؛ كيف استوى؟ قال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
وما قال الإمام مالك في الاستواء هو قاعدة في جميع الصفات، وهو قول أهل السنة والجماعة قاطبة، فمن نسب إلى السلف أنهم يفوضون معاني الأسماء والصفات، ويجعلون نصوصها من المتشابه الذي استأثر الله بعلم
стр. 157
معناه؛ فقد كذب عليهم؛ لأن كلامهم يخالف ما يقوله هذا المفتري.
ثالثا: السلف يثبتون الصفات إثباتا بلا تمثيل؛ فلا يمثلونها بصفات المخلوقين؛ لأن الله ليس كمثله شيء، ولا كفء له، ولا ند له، ولا سمي له، ولأن تمثيل الصفات وتشبيهها بصفات المخلوقين ادعاء لمعرفة كيفيتها، وكيفيتها مجهولة لنا مثل كيفية الذات؛ لأن العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، والله تعالى لا يعلم كيفية ذاته إلا هو.
والكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما أن لله ذاتا لا تشبه الذوات؛ فكذلك له صفات لا تشبه الصفات ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١؛ أي: لا يشبهه أحد لا في ذاته ولا صفاته ولا في أفعاله؛ فيجب الإيمان بما وصف الله به نفسه؛ لأنه لا أحد أعلم من الله بالله، ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ ٢؛ فهو أعلم بنفسه وبغيره.
كما يجب الإيمان بما وصفه به رسول الله ﷺ ؛ لأنه لا أحد بعد الله أعلم بالله من رسول الله ﷺ الذي قال في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٣؛ فيلزم كل مكلف أن يؤمن بما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ ، وينزه ربه جل وعلا من أن تشبه صفته صفة الخلق.
فمن قدم بين يدي الله ورسوله وتجرأ على الله، فنفى عنه ما أثبته لنفسه من الصفات العظيمة وما وصفه به رسول الله ﷺ ، وقال: هذا الذي وصفت به نفسك ووصفك به رسولك لا يليق بك وفيه من النقص كذا وكذا؛ فأنا أؤوله وألغيه وآتي ببدله من تلقاء نفسي؛ كما قال بعضهم:
وكل نص أوهم التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها
فلا أرجع إلى كتابك ولا إلى سنة نبيك في ذلك؛ لأن ما فيهما يوهم التشبيه، وإنما أرجع إلى قواعد المتكلمين وأقاويل الجهمية والمعتزلة والأشاعرة
стр. 158
والماتريدية!! فهل يكون يا عباد الله هذا مؤمنا بالله وبكتابه وسنة رسوله؟! وهل يكون هذا معظما لربه؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.
رابعا: وكما أن أهل السنة والجماعة يثبتون لله الصفات التي وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله على وجه يليق بجلاله ولا يشبهونه بخلقه؛ فهم ينزهونه عن النقائض والعيوب تنزيها لا يفضي بهم إلى التعطيل بتأويل معانيها أو تحريف ألفاظها عن مدلولها بحجة التنزيه؛ فمذهبهم في ذلك وسط بين طرفي التشبيه والتعطيل، تجنبوا التعطيل في مقام التنزيه وتجنبوا التشبيه في مقام الإثبات.
خامسا: وطريقة أهل السنة والجماعة فيما يثبتون لله من الصفات وما ينفون عنه من النقص هي طريقة الكتاب والسنة، وهي الإجمال في النفي والتفصيل في الإثبات؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١؛ فأجمل في النفي وهو قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وفصل في الإثبات وهو قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
وكل نفي في صفات الله؛ فإنه يتضمن إثبات الكمال، وليس هو نفيا محضا، لأن النفي المحض ليس فيه مدح لأنه عدم محض والعدم ليس بشيء.
ومن أمثلة النفي المتضمن لإثبات الكمال؛ قوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ ٢؛ أي: لكمال عدله - سبحانه -.
وقوله: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ ٣؛ أي: لكمال قدرته وقوته.
وقوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ ٤؛ أي: لكمال حياته وقيوميته.
وهكذا كل نفي عن الله؛ فإنه يتضمن إثبات ضد المنفي من الكمال والجلال.
هذا ونسأل الله البصيرة في دينه والعمل بطاعته ومعرفة الحق والعمل به.
стр. 159
منهج الجهمية وتلاميذهم في أسماء الله وصفاته:
يجب على المسلم إثبات أسماء الله وصفاته على الوجه اللائق بجلال الله وعظمته على وفق ما جاء في الكتاب والسنة؛ لأن هذا يدخل في باب الإيمان بالله ، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، متخذين كتاب الله وسنة رسوله الدليل والمرجع في ذلك، عكس ما عليه الجهمية وتلاميذهم من المعتزلة والأشاعرة الذين ينفون ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات، أو ينفون بعضا منها ويثبتون البعض الآخر تحكما منهم، ويجعلون مرجعهم في ذلك ما قررته عقولهم القاصرة أو قرره لهم أئمة الضلال، وفرق بين من جعل دليله الكتاب والسنة ومن جعل دليله نحاتة الأفكار وزبالة الأذهان، كما يقوله واحد منهم:
وكُل نص أوهم التشبيها ... أَوَّله أو فوَّض وَرُم تَنزِيها
هذا تعاملهم مع نصوص الكتاب والسنة في باب أسماء الله وصفاته، التأويل هو صرف هذه النصوص عما دلت عليه من المعاني الجليلة إلى ما تقرره عقولهم من الأفكار العقيمة والآراء الباطلة، وما عجزت عنه عقولهم؛ فوضوه واعتقدوا خلاف ما يدل عليه، سبحانك ربي! ما أعظم شأنك! وما أحلمك على عبادك. إنهم نفوا عنك ما أثبته لنفسك من صفات الكمال ونعوت الجلال وخالفوا كتابك، وقدموا ما أملته عليهم عقولهم على ما أنزلته في كتابك، نفوا عنك أسماءك وصفاتك، ونفوا عن كتابك حجيته وهدايته.
قال الإمام ابن القيم ﵀ في هؤلاء: "ومن يظن أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل وتشبيه وتمثيل، وترك الحق لم يخبر به، وإنما رمز إليه رموزًا بعيدة وأشار إليه إشارات ملغزة ولم يصرح به وصرح دائما بالتشبيه والتمثيل الباطل، وأراد من خلقه أن يتعبوا أذهانهم وقواهم وأفكارهم في تحريف
стр. 160
كلامه عن مواضعه وتأويله على غير تأويله، ويتطلبوا له وجوه الاحتمالات المستكرهة والتأويلات التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالكشف والبيان، وأحالهم في معرفة أسمائه وصفاته على عقولهم وآرائهم لا على كتابة، بل أراد منهم أن يحملوا كلامه على ما يعرفونه من خطابهم ولغتهم، مع قدرته على أن يصرح لهم بالحق الذي ينبغي التصريح به ويريحهم من الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل؛ فلم يفعل، بل سلك بهم خلاف طريق الهدى والبيان؛ فقد ظن به ظن السوء، فإنه إن قال: إنه غير قادر على التعبير عن الحق باللفظ الصريح الذي عبَّر به هو وسلفه؛ فقد ظن بقدرته العجز. وإن قال: إنه قادر ولم يبين وعدل عن البيان وعن التصريح بالحق إلى ما يوهم، بل يوقع في الباطل المحال والاعتقاد الفاسد؛ فقد ظن بحكمته ورحمته ظن السوء. ومن ظن أنه هو وسلفه عبروا عن الحق بصريحه دون الله ورسوله، وأن الهدى والحق في كلامهم وعباراتهم، وأما كلام الله؛ فإنما يؤخذ من ظاهره التشبيه والتمثيل والضلال، وظاهر كلام المتهوكين والحيارى هو الحق والهدى؛ فهذا من أسوأ الظن بالله ... " إلى أن قال: "ومن ظن أنه لا سمع له ولا بصر ولا علم ولا إرادة ولا كلام يقول به، وأنه لم يكلم أحدًا من الخلق، ولا يتكلم أبداً، ولا قال ولا يقول، ولا له أمر ولا نهي يقوم به؛ فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن به أنه ليس له فوق سماواته على عرشه بائنا من خلقه، وأن نسبة ذاته إلى عرشه كنسبتها إلى أسفل السافلين؛ فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه ... " انتهى كلامه ﵀.
وهو يعني به أولئك الذين يفوا ما أثبته الله لنفسه من صفات الكمال من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، ومعلوم أن من نفى عن الله صفات الكمال؛ فقد أثبت له أضدادها من صفات النقص، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيرا.
ثم يلزم من هذا أن يكون هؤلاء الضلال أعلم بالله وما يستحقه من الله؛ لأهم نفوا عنه ما أثبته لنفسه، وزعموا أنه لا يليق به! وأي ضلال أعظم من
стр. 161
هذا؟ وأي جرأة على الله أعظم من هذه الجرأة!
ويلزم من ذلك - أيضا - أن يكونوا أعلم بالله من رسول الله ﷺ ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلمأثبت لله هذه الصفات، وهم نفوها وقالوا: إنها لا تليق بالله! وأي ضلال أعظم من هذا الضلال لو كانوا يعقلون؟! كيف يكون هؤلاء الجهال الضلال أعلم بالله من نفسه، تعالى الله عما يقولون، والله تعالى يقول: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ ١، ولا أحد من الخلق أعلم بالله وما يستحقه وما يليق به من رسول الله ﷺ ؟!
إن الذي حمل الجهمية وأتباعهم على نفي صفاتالله هو جهلهم بالله وسوء أفهامهم، حيث ظنوا أنه يلزم من إثبات هذه الصفات التي أثبتها الله لنفسه وأثبتها له رسوله؛ يلزم منها التشبيه؛ لأنهم يرون هذه الصفات في المخلوقين، ولا يفرقون بين صفات الخالق وصفات المخلوق، ولم يفهموا من صفات الخالق إلا ما فهموا من صفات المخلوقين، ولم يعلموا أن صفات الخالق سبحانه تخصه به وصفات المخلوقين تخصهم وتليق بهم، ولا تشابه بين صفات الخالق وصفات المخلوق، كما أنه لا تشابه بين ذات الخالق وذوات المخلوقين؛ كما قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢؛ فأثبت لنفسه السمع والبصر، ونفى عنه مشابهة الأشياء، فدل ذلك على إثبات الصفات لا يلزم منه المشابهة بين الخالق والمخلوق.
وهذا هو الأصل الذي سار عليه أهل السنة والجماعة في إثبات أسماء الله وصفاته؛ أثبتوا له ما أثبته لنفسه بلا تمثيل ونزهوه عما نزه نفسه عنه بلا تعطيل.
أما الجهمية وتلاميذهم من المعتزلة والأشاعرة؛ فإنهم بنوا مذهبهم على أصل باطل أصلوه من عند أنفسهم، وهو أن إثبات هذه الصفات يقتضي
стр. 162
التشبيه، فيلزم حيال النصوص الواردة بذلك أحد أمرين عندهم: إما تأويلها عن ظاهرها، وإما تفويضها مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد، ولهذا يقول ناظم عقيدتهم:
وكل نص أوهم التشبيها ... أوله أو فوض ورم تنزيها
سبحانك ربي عما يقول الظالمون والجاحدون علوّاً كييرًا.
وقد أجرى الله الحق على لسان هذا الناظم؛ حيث قال "وكل نص أوهم التشبيها" فبين أن مذهبهم مبني على الوهم لا على الحق؛ لأنهم توهموا أن هذه النصوص تقتضي التشبيه؛ فراحوا يؤولونها.
وهل الوهم يا عباد الله تعارض به النصوص وتبنى عليه عقيدة؟!
إن الوهم أقل درجة من الظن، والله تعالى: يقول في الظن ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ ١
стр. 163
الرد على المنحرفين عن منهج السلف في أسماء الله وصفاته من المشبهة والمعطلة:
المنحرفون عن منهج السلف في أسماء الله وصفاته طائفتان: المشبهة والمعطلة.
١ - المشبهة:
وهؤلاء شبهوا الله بخلقه، وجعلوا صفاته من جنس صفات المخلوقين، ولذلك سموا ب (المشبهة) ، وأول من قال هذه المقالة هو هشام بن الحكم الرافضي وبيان بن سمعان التميمي الذي تنسب إليه البيانية من غالية الشيعة؛ فالمشبهة غلوا في إثبات الصفات، حتى أدخلوا في ذلك ما نفاه الله ورسوله. ما لا يليق به سبحانه من صفات النقص، تعالى الله عما يقولون علوّا كبيراً،
стр. 164
ومن هؤلاء هشام بن سالم الجواليقي، وداود الجواربي.
وقد نفى الله في كتابه مشابهته لخلقه، ونهى عن ضرب الأمثال له؛ فقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١،
﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ ٢، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ٣، ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ﴾ ٤، فمن شبه صفات الله بصفات خلقه؛ لم يكن عابدًا لله في الحقيقة، وإنما يعبدون وثنا صوَّره له خياله ونحته له فكره؛ فهو من عباد الأوثان، لا من عباد الرحمن.
قال العلامة ابن القيم:
لسنا نشبه وصفه بصفاتنا ... إن المشبه عابد الأوثان
ومن شبه الله بصفات خلقه؛ فهو مشابه للنصارى الذين يعبدون المسيح بن مريم ﵇.
يقول العلامة ابن القيم:
من مثل الله العظيم بخلقه ... فهو النسيب لمشرك نصراني
وقال نعيم بن حماد شيخ البخارى رحمهما الله: "من شبه الله بخلقه؛ فقد كفر، ومن نفى ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله؛ فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تشبيه".
٢ - المعطلة:
وهؤلاء نفوا عن الله ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله من صفات الكمال، زاعمين أن إثباتها يقتضي التشبيه والتجسيم؛ فهم على طرفي نقيض مع المشبهة.
ومذهب التعطيل مأخوذ من تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصابئين.
стр. 165
وأول من حفظ عنه مقالة التعطيل في الإسلام هو الجعد بن درهم في أوائل المئة الثانية، وأخذ هذا المذهب الخبيث عنه الجهم بن صفوان وأظهره، وإليه نسبت الجهمية، ثم انتقل هذا المذهب إلى المعتزلة والأشاعرة، وهذه أسانيد مذهبهم، ترجع إلى اليهود والصابئين والمشركين والفلاسفة، وهم في هذا التعطيل متفاوتون.
فالجهمية: ينفون الأسماء والصفات.
والمعتزلة: يثبتون الأسماء مجردة من معانيها وينفون الصفات.
والأشاعرة: يثبتون الأسماء وسبع صفات فقط؛ هي: العلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والسمع والبصر، والكلام، وينفون بقية الصفات.
وشبهة الجميع فيما نفوه من الصفات أن إثباتها يقتضي التشبيه والتجسيم بزعمهم؛ لأنه لا يشاهد موصوف بها إلا هذه الأجسام، والله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١؛ فتعين نفي الصفات وتعطيلها؛ تنزيها لله عن التشبيه بزعمهم، ولهذا يسمون من أثبتها مشبها.
ووقفوا من النصوص الدالة على إثباتها موقفين:
الموقف الأول: الإيمان بألفاظها وتفويض معانيها؛ بأن يسكتوا عن تفسيرها، ويفوضوه إلى الله، مع نفي دلالتها على شيء من الصفات، وسموا هذه الطريقة طريقة السلف، وقالوا: هي الأسلم.
الموقف الثاني: صرف هذه النصوص عن مدلولها إلى معان ابتدعوها، وهذا ما يسمونه بطريقة التأويل، وسموه طريقة الخلف، وقالوا: هي الأعلم والأحكم.
والرد على شبهتهم: أن نقول: لا ريب أن التمثيل قد نطق القرآن الكريم
стр. 166
بنفيه عن الله - تعالى؛ كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ ٢، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ٣، وقوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾ ٤، وقوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ﴾ ٥، لكن مع نفيه سبحانه عن نفسه مشابهة المخلوقين أثبت لنفسه صفات الكمال؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٦، فجمع في هذه الآية الكريمة بين نفي التشبيه عنه وإثبات صفتي السمع والبصر لنفسه؛ فدل على أن إثبات الصفات لا يقتضي التشبيه؛ إذ لا تلازم بينهما.
وهكذا في كثير من آيات القرآن الكريم نجد إثبات الصفات مع نفي التشبيه جنبا إلى جنب، وهذا هو مذهب السلف الصالح؛ يثبتون الصفات وينفون عنه التشبيه والتمثيل.
ومن زعم أن إثبات الصفات لا يليق بالله؛ لأنه يقتضي التشبيه؛ فإنما جره إلى ذلك سوء فهمه؛ حيث فهم أن إثبات الصفات يلزم منه التشبيه، فأداه هذا الفهم الخاطىء إلى نفي ما أثبته الله لنفسه، فكان هذا الجاهل مشبها أولا ومعطلاً ثانيا، وارتكب ما لا يليق بالله ابتداء وانتهاء، ولو كان قلبه طاهراً من أقذار التشبيه؛ لكان المتبادر عنده والسابق إلى فهمه؛ أن صفات الله بالغة من الكمال والجلال ما يقطع أوهام علائق التشبيه والمشابهة بين صفات الخالق وصفات المخلوقين، فيكون قلبه متسعّاً للإيمان بصفات الله على وجه يليق به، مع تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين، أما من توهم أن صفات الله تشبه صفات المخلوقين؛ فإنه لم يعرف الله حق معرفته، ولم يقدره حق قدره، ولهذا وقع فيما وقع فيه من ورطة التعطيل، وصار يسمي من أثبت لله صفات الكمال ونزهه عن صفات النقص على مقتضى الكتاب والسنة؛ صار يسميه مشبها
стр. 167
ومجسما؛ نظرًا لما قام من توهم أن صفات الله تشبه صفات خلقه، ولم يدر أن هذا الوصف أليق به؛ فهو الذي شبه أولاً، ثم عطل ثانيا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال إمام الأئمة وناصر السنة أبو بكر محمد بن خزيمة ﵀ في الرد على الجهمية وتلاميذهم ممن زعم أن إثبات الصفات لله يقتضي التشبيه، وننقل كلامه مختصرًا في هذا الموضوع:
قال ﵀: "وزعمت الجهمية عليهم لعائن الله أن أهل السنة ومتبعي الآثار، والقائلين بكتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ ، المثبتين لله صفاته ما وصف الله به نفسه في محكم تنزيله، المثبت بين الدفتين، وعلى لسان نبيه المصطفى ﷺ بنقل العدل عن العدل، موصولاً إليه: مشبهة١؛ جهلاً منهم بكتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ وقلة معرفتهم الذين بلغتهم خوطبنا ... ".
إلى أن قال: "نحن نقول وعلماؤنا جميعا من جميع الأقطار: إن لمعبودنا وجها كما أعلمنا الله في محكم تنزيله؛ فذَوَّاهُ بالجلال والإكرام، وحكم له بالبقاء، ونفى عنه الهلاك، ونقول: إن لوجه ربنا من النور والضياء والبهاء ما لو كشف حجابه؛ لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره ... ونقول: إن لبني آدم وجوها كتب الله عليها الهلاك، ونقول: إن أوجه بني آدم محدثه مخلوقة، لم تكن فكونها الله بعد أن لم تكن مخلوقة، وأجدها بعد ما كانت عدما، وإن جميع وجوه بني آدم فانية غير باقية، تصير جميعا ميتا ثم رميما، ثم ينشئها الله بعدها صارت رميما، ثم تصير إما جنة منعمة فيها أو إلى النار معذبة فيها".
فهل يخطر يا ذوي الحجا ببال عاقل مركب فيه العقل، يفهم لغه العرب،
стр. 168
ويعرف خطابها، ويعلم التشبيه: أن هذا الوجه شبيه بذاك الوجه، هل ها هنا أيها العقلاء تشبيه وجه ربنا جل ثناؤه الذي هو كما وصفنا وبينَّا صفته من الكتاب والسنة بتشبيه وجوه بني آدم التي ذكرناها ووصفناها ... ولو كان تشبيها من علمائنا؛ لكان كل قائل: إن لبني آدم وجها، وللخنازير والقردة والسباع والحمير والبغال والحيات والعقارب وجوها، قد شبه وجوه بني آدم بوجوه الخنازير والقردة والكلاب وغيرها مما ذكرت، ولست أحسب أن أعقل الجهمية المعطلة عند نفسه لو قال له أكرم الناس عليه: وجهك يسبه وجه الخنزير والقرد والكلب والحمار والبغل ونحو هذا؛ إلا غضب ... ".
إلى قال ﵀: "فإذا كان ما ذكرنا على ما وصفنا؛ ثبت عند العقلاء وأهل التمييز أن من رمى أهل الآثار القائلين بكتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ بالتشبيه؛ فقد قال الباطل والكذب والزور والبهتان، وخالف الكتاب والسنة، وخرج عن لسان العرب ... ".
إلى أن قال ﵀: " والمعطلة من الجهمية تنكر كل صفة لله، وصف بها نفسه في محكم تنزيله، أو على لسان نبيه ﷺ ؛ لجهلهم بالعلم، وذلك أنهم وجدوا في القرآن أن الله قد أسماءً صفاته على بعض خلقه، فتوهموا لجهلهم بالعلم أن من وصف الله بتلك الصفة التي وصف الله بها نفسه قد شبهه بخلقه.
فاسمعوا يا ذوي الحجا ما أبيَّنُ من جهل هؤلاء المعطلة:
أقول: وجدت الله وصف نفسه في غير موضع من كتابه، فأعلم عباده المؤمنين أنه سميع بصير، فقال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١، وذكر الإنسان، فقال: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ ٢.
وأعلمنا جلَّ وعلا أنه يرى، فقال: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ
стр. 169
وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ ١، وقال لموسى وهارون ﵉: ﴿إنَّني معكُما أسمَعُ وأَرَى﴾ ٢؛ فأعلم أنه يرى أعمال بني آدم، وأن رسوله وهو بشر يرى أعمالهم - أيضا، وقال: ﴿أَلَم يَرواْ إلى الطَّيْر مسخَّراتٍ في جَوِّ السماء﴾ ٣، وبنو آدم يرون - أيضا - الطير مسخرات في جو السماء.
وقال : ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ٤، وقال: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ٥؛ فثبت ربنا لنفسه عينا، وثبت لنبي آدم أعينا؛ فقال: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ ٦؛ فقد أخبرنا ربنا أن له عينا لبني آدم أعينا.
وقال لإبليس لعنه الله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ ٧، وقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ٨؛ فثبت ربنا جلَّ وعلا يدين وخبرنا أنَّ لبني آدم يدين.
أفتلزم عند هؤلاء الفسقة: أن ما يثبت ما أثبته الله في هذه أن يكون مشبها خالقه بخلقه؟!، حاش لله أن يكون هذا تشبيها كما ادعوا لجهلهم بالعلم ... " انتهى كلامه.
هذا مما رد إمام الأئمة محمد بن خزيمة على الجهمية وتلاميذهم، وهو رد مفحم، لا يستطيعون الإجابة عنه، وقد رد عليهم - أيضا - كبار الأئمة، ومن أمثال الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم، ولا تزال ردودهم والحمد لله بأيدي أهل السنة والجماعة.
ونسوق من ذلك نموذجا من رد شيخ الإسلام ابن تيمية على طائفة من هؤلاء زعمت أن النصوص التي وردت في الكتاب والسنة في صفات الله هي من قبيل المتشابه الذي استأثر الله بعلمه ولا يعلم معناه إلا هو؛ فهذه النصوص بزعمهم ليست على ظاهرها؛ لأن ظاهرها عندهم التشبيه، بل لها
стр. 170
معنى لا يعلمه إلا الله؛ فيفوضون معناها إلى الله، ويزعمون أن هذه طريقة السلف، وقد كذبوا على السلف ونسبوا إليهم ما هم برآء منه؛ لأن عقيدة السلف إثبات صفات الله عزَّ وجلّض كما دل عليها الكتاب العزيز والسنة النبوية، وأنها على ظاهرها، ويفسرون معناها على ما يليق بجلال الله، ولا يفوضونها، بل وهي عندهم من المحكم لا من المتشابه.
قال ﵀: "وأما على قول أكابرهم [يعني: نفاة الصفات] : إن معاني هذه النصوص لا يعلمه إلا الله، وإن معناها الذي أراده الله بها هو ما يوجب صرفها عن ظواهرها، فعلى قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني نا أنزل الله عليهم من هذه النصوص، ولا الملائكة، ولا السابقون الأولون، وحينئذ؛ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه، بل يقولون كرما لا يعقلون معناه ... ".
إلى أن قال ﵀: "ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء، إذا كان الله أنزل القرآن، وأخبر أنه جعله هدى وبيانا للناس، وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبين للناس ما نزل إليهم، وأمر بتدبُّر القرآن وعقله، ومع هذا؛ فأشرف ما فيه، وهو ما أخبر به الرب عن صفاته، أو عن كونه خالقا لكل شيء، وهو بكل شيء عليم، أو عن كونه أمر ونهى، ووعد وتوعد، أو ما أخبر به عن اليوم الآخر: لا يعلم أحد معناه؛ فلا يعقل، ولا يتدبر، ولا يكون الرسول بيَّن للناس ما نُزَّلَ ولا بلَّغ البلاغ المبين".
وقال ﵀ نافيا هذا القول عن السلف: "وأما إدخال أسماء الله وصفاته أو بعض ذلك في المتشابه الذي استأثر الله بعلم تأويله؛ فنقول: ما الدليل على ذلك؟ فإنَّي ما أعلم عن أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة ولا أحمد
стр. 171
ابن حنبل ولا غيره أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية [يعني: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ... ﴾ ١ الآية، ونفى أن يعلم أحد معناه، وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، وإنما قالوا كلمات لها معان صحيحة، قالوا في أحاديث الصفات: تمر كما جاءت، نهوا عن تأويلات الجهمية، وردوها، وأبطلوها، التي مضمونها تعطيل النصوص عما دلت عليه، ونصوص أحمد والأئمة قبله بيِّنة في أنهم كانوا يبطلون تأويلات الجهمية، يقرون النصوص على ما دلت عليه من معناها؛ فهذا اتفاق من الأئمة على أنهم يعلمون معنى هذا، وأن لا يسكت عن بيانه وتفسيره، بل يبين ويفسر باتفاق الأئمة؛ من غير تحريف له عن مواضعه، أو إلحاد في أسماء الله وآياته".
هذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وحكاه عن الأئمة والسلف؛ أنهم لا يجعلون نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يفهم معناه ويجب تفويضه، بل كانوا يعلمون معاني هذه النصوص ويفسرونها، وإنما يفوِّضون علم كيفيتها إلى الله ؛ كما قال الإمام مالك وغيره: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
قال الإمام ابن كثير ﵀: "وأما قوله تعالى: ﴿مَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٢؛ فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدّا، ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا، وهو إمرارها كما جاءت؛ من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله؛ فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣، بل الأمر كما قال الأئمة؛ منهم نعيم بن حماد
стр. 172
الخزاعي شيخ البخاري؛ قال: من شبه الله بخلقه؛ فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه؛ فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت لله ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله، ونفى عن الله تعالى النقائص؛ فقد سلك سبيل الهدى ... " انتهى.
هذا مذهب السلف في أسماء الله وصفاته، وهو إثباتها كما جاءت في الكتاب والسنة، من غير تشبيه لها بصفات المخلوقين، ومن غير تعطيل ونفي لها، بل إثبات بلا تشبيه، وتنزيه لله بلا تعطيل، على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١، فمن نسب إلى السلف أن مذهبهم التفويض؛ فقد كذب وافترى عليهم ورماهم بما هم بريئون منه.
نسأل الله العفو والعافية.
стр. 173
الأصل الثاني: الإيمان بالملائكة
الأصل الثاني: الإيمان بالملائكة
...
الأصل الثاني: الإيمان بالملائكة
الإيمان بالملائكة١ هو أحد أركان الإيمان الستة؛ كما جاء في حديث جبريل؛ حيث قال: "الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره".
وقد جاء ذكر الإيمان بالملائكة مقرونا بالإيمان بالله في كثير من الآيات القرآنية؛ كما قال تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ ٢، وكما في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ٣.
والإيمان بالملائكة يتضمن التصديق بوجودهم، وأنهم عباد مكرمون، خلقهم الله لعبادته وتنفيذ أوامره، والإيمان بأصنافهم وأوصافهم وأعمالهم التي يقومون بها حسبما ورد في الكتاب والسنة، والإيمان بفضلهم ومكانتهم عند الله .
وقد ورد في "صحيح مسلم": أن الله خلقهم من نور.
ومما يدل على فضلهم وشرفهم: أن الله يضيفهم إليه إضافة تشريف؛
стр. 174
كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ﴾ ١، وقوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ﴾ ٣، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ﴾ ٤.
ويقرن - سبحانه - شهادتهم مع شهادته وصلاتهم مع صلاته؛ كقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ﴾ ٥، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ﴾ ٦.
ويصفهم - سبحانه - بالكرم والإكرام؛ قال تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍكِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ ٧، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾ ٨، وقوله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ٩.
ويصفهم بالعلو والتقريب؛ كما في قوله تعالى: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلأ الأعْلَى﴾ ١٠، وفي قوله: ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ١١.
ويذكر حملهم للعرش وحفهم به؛ كما في قوله ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ ١٢، وقوله: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْش﴾ ١٣.
ويذكر - سبحانه - أنهم عنده ويعبدونه ويسبحونه؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ ١٤، وقوله: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ ١٥.
وهم بالنسبة إلى الأعمال التي يقومون بها أصناف:
فمنهم حملة العرش، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ ١٦، وقال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ١٧.
стр. 175
ومنهم المقربون، كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ١.
ومنهم الموكلون بالجنان وإعداد الكرامة لأهلها.
ومنهم الموكلون بالنار وتعذيب أهلها، وهم الزبانية، ومقدموهم تسعة عشر، وخازنها مالك، وهو مقدم الخزنة؛ كما قال تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَاب﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٥.
ومنهم الموكلون بحفظ بني آدم في الدنيا؛ قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ... ﴾ ٦؛ أي: معه ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه. ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد وكتابتها؛ قال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ٧، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾ ٨.
وقال ﵊: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار"؛ فمع الإنسان ملائكة يحفظونه من المؤذيات، وملائكة يحفظون عليه أعماله وما يصدر منه.
ومن الملائكة من هو موكل بالرحم وشأن النطفة؛ كما في حديث ابن مسعود ﵁: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو
стр. 176
سعيد".
ومنهم ملائكة موكلون بقبض الأرواح؛ قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ ٢؛ فملك الموت له أعوان من الملائكة يستخرجون روح العبد من جسمه حتى تبلغ الحلقوم؛ فيتناولها ملك الموت.
والمقصود: أن الله وكل بالعالم العلوي والسفلي ملائكة تدبر شؤونهما بإذنه وأمره ومشيئته - سبحانه تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ٣، وقوله: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٤.
فلهذا يضيف - سبحانه - التدبير إلى الملائكة تارة لكونهم المباشرين له؛ كقوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً﴾ ٥،ويضيف التدبير إليه تارة؛ كقوله: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ ٦.
فالملائكة رسل الله في خلقه وأمره.
واسم المَلَك يتضمن أنه رسول؛ لأنه من الألوكة؛ بمعنى الرسالة، وقال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ ٧، وقال تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾ ٨؛ فهم رسل الله في تنفيذ أمره الكوني الذي يدبر به السماوات والأرض.
وهم رسله في تدبير أمره الديني الذي تنزل به على الرسل من البشر؛ قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ ٩، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاس﴾ ١٠.
стр. 177
وأعظمهم جبريل ﵇، وهو أمين الوحي؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَنَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقّ﴾ ٢.
وقد أعطى الله الملائكة قدرة على التشكل بأشكال مختلفة؛ فقد جاؤوا إلى إبراهيم ولوط ﵉ بصورة أضياف، وكان جبريل يأتي إلى النبي ﷺ في صفات متعددة؛ تارة يأتي في صورة دحية الكلبي، وتارة في صورة أعرابي، وتارة في صورته التي خلق عليها، وقد وقع منه هذا مرتين، وذلك لأن البشر لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته، ولما اقترح المشركون أن يرسل الله إليهم ملكا؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَوَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ ٣؛ أي: لو بعثنا إلى البشر رسولاً ملكا على هيئة الرجل؛ ليمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه؛ لأن كل جنس يأنس بجنسه، وتنفر من غير جنسه.
هذا وبالله التوفيق.
стр. 178
الأصل الثالث: الإيمان بالكتب
الأصل الثالث: الإيمان بالكتب
...
الأصل الثالث: الإيمان بالكتب
الإيمان بالكتب الإلهية هو أحد أصول الإيمان وأركانه، والإيمان بها هو التصديق الجازم بأنها حق وصدق، وأنها كلام الله فيها الهدى والنور والكفاية لمن أنزلت عليهم؛ نؤمن بما سمى الله منها - وهي القرآن والتوراة والإنجيل والزبور - وما لم يسم منها؛ فإن لله كتبا لا يعلمها إلا هو سبحانه.
وإنزال الكتب من رحمة الله بعباده لحاجة البشرية إليها؛ لأن عقل الإنسان محدود، لا يدرك تفاصيل النفع والضرر، وإن كان يدرك الفرق بين الضار والنافع إجمالاً، والعقل الإنساني - أيضا - تغلب عليه الشهوات، وتلعب به الأغراض والأهواء، فلو وكلت البشرية إلى عقولها القاصرة؛ لضلت وتاهت.
فاقتضت حكمة الله ورحمته أن ينزل هذه الكتب على المصطفين من رسله؛ ليبينوا للناس ما تدل عليه هذه الكتب، وما تتضمنه من أحكامه العادلة ووصاياه النافعة وأوامره ونواهيه الكفيلة بإصلاح البشرية.
قال تعالى حين أهبط آدم أبا البشرية من الجنة: ﴿فإما يأتينكم مني هدىً فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ ١، وقال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٢.
стр. 179
وقد انقسم الناس حيال الكتب السماوية إلى ثلاثة أقسام:
قسم كذب بها كلها، وهم أعداء الرسل من الكفار والمشركين والفلاسفة.
وقسم آمن بها كلها، وهم المؤمنون الذين آمنوا بجميع الرسل وما أنزل إليهم؛ كما قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ ١.
وقسم آمن ببعض الكتب وكفر ببعضها، وهم اليهود والنصارى ومن سار على نهجهم، الذين يقولون: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ﴾ ٢، بل هؤلاء يؤمنون ببعض كتابهم ويكفرون ببعضه؛ كما قال تعالى فيهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ٣.
ولا شك أن الإيمان ببعض الكتاب أو ببعض الكتب والكفر بالبعض الآخر كفر بالجميع؛ لأنه لا بد من الإيمان بجميع الكتب السماوية وبجميع الرسل؛ لأن الإيمان لا بد أن يكون مؤتلفا جامعا، لا تفريق فيه ولا تبعيض ولا اختلاف، والله تعالى ذم الذين تفرقوا واختلفوا في الكتاب؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ ٤.
وسبب كُفْر من كفَرَ بالكتب أو كفر ببعضها أو ببعض الكتاب الواحد هو اتباع الهوى والظنون الكاذبة، وزعمهم أن لهم العقل والرأي والقياس العقلي، ويسمون أنفسهم بالحكماء والفلاسفة، ويسخرون من الرسل وأتباعهم، ويصفونهم بالسفه؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ٥.
стр. 180
وأما أتباع الرسل؛ فإنهم يؤمنون بكل كتاب أنزله الله، لا يفرقون بينها.
والإيمان بالكتب السابقة إيمان مجمل، يكون بالإقرار بها بالقلب واللسان، وأما الإيمان بالقرآن؛ فإنه إيمان مفصل، يكون بالإقرار به بالقلب واللسان، واتباع ما جاء فيه، وتحكيمه في كل كبيرة وصغيرة، والإيمان بأنه كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
وقد اقتضت حكمة الله أن تكون الكتب السابقة لآجال معينة ولأوقات محددة، ووكل حفظها إلى الذين استحفظوا عليها من البشر؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ ١.
أما القرآن الكريم؛ فقد أنزله الله لكل الأجيال من الأمم في كل الأوطان إلى يوم القيامة، وتولى حفظه بنفسه؛ لأن وظيفة هذا الكتاب لا تنتهي إلا بنهاية حياة البشر على الأرض؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٣.
ويجب تحكيم هذا القرآن في جميع الخلافات، ويجب رد جميع النزاعات إليه، وقد جعل الله التحاكم إلى غير كتابه تحاكما إلى الطاغوت؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ ٤، و"الطاغوت": فعلوت من الطغيان، وهو مجاوزة الحد.
وقد ذم الله المدَّعين للإيمان بالكتب كلها، وهم يتركون التحاكم إلى الكتاب والسنة، ويتحاكمون إلى بعض الطواغيت، وقد قال النبي ﷺ : "وما