سعيد".
ومنهم ملائكة موكلون بقبض الأرواح؛ قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ ٢؛ فملك الموت له أعوان من الملائكة يستخرجون روح العبد من جسمه حتى تبلغ الحلقوم؛ فيتناولها ملك الموت.
والمقصود: أن الله وكل بالعالم العلوي والسفلي ملائكة تدبر شؤونهما بإذنه وأمره ومشيئته - سبحانه تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ٣، وقوله: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٤.
فلهذا يضيف - سبحانه - التدبير إلى الملائكة تارة لكونهم المباشرين له؛ كقوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً﴾ ٥،ويضيف التدبير إليه تارة؛ كقوله: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ ٦.
فالملائكة رسل الله في خلقه وأمره.
واسم المَلَك يتضمن أنه رسول؛ لأنه من الألوكة؛ بمعنى الرسالة، وقال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ ٧، وقال تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾ ٨؛ فهم رسل الله في تنفيذ أمره الكوني الذي يدبر به السماوات والأرض.
وهم رسله في تدبير أمره الديني الذي تنزل به على الرسل من البشر؛ قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ ٩، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاس﴾ ١٠.
стр. 177
وأعظمهم جبريل ﵇، وهو أمين الوحي؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَنَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقّ﴾ ٢.
وقد أعطى الله الملائكة قدرة على التشكل بأشكال مختلفة؛ فقد جاؤوا إلى إبراهيم ولوط ﵉ بصورة أضياف، وكان جبريل يأتي إلى النبي ﷺ في صفات متعددة؛ تارة يأتي في صورة دحية الكلبي، وتارة في صورة أعرابي، وتارة في صورته التي خلق عليها، وقد وقع منه هذا مرتين، وذلك لأن البشر لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته، ولما اقترح المشركون أن يرسل الله إليهم ملكا؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَوَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ ٣؛ أي: لو بعثنا إلى البشر رسولاً ملكا على هيئة الرجل؛ ليمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه؛ لأن كل جنس يأنس بجنسه، وتنفر من غير جنسه.
هذا وبالله التوفيق.
стр. 178
الأصل الثالث: الإيمان بالكتب
الأصل الثالث: الإيمان بالكتب
...
الأصل الثالث: الإيمان بالكتب
الإيمان بالكتب الإلهية هو أحد أصول الإيمان وأركانه، والإيمان بها هو التصديق الجازم بأنها حق وصدق، وأنها كلام الله فيها الهدى والنور والكفاية لمن أنزلت عليهم؛ نؤمن بما سمى الله منها - وهي القرآن والتوراة والإنجيل والزبور - وما لم يسم منها؛ فإن لله كتبا لا يعلمها إلا هو سبحانه.
وإنزال الكتب من رحمة الله بعباده لحاجة البشرية إليها؛ لأن عقل الإنسان محدود، لا يدرك تفاصيل النفع والضرر، وإن كان يدرك الفرق بين الضار والنافع إجمالاً، والعقل الإنساني - أيضا - تغلب عليه الشهوات، وتلعب به الأغراض والأهواء، فلو وكلت البشرية إلى عقولها القاصرة؛ لضلت وتاهت.
فاقتضت حكمة الله ورحمته أن ينزل هذه الكتب على المصطفين من رسله؛ ليبينوا للناس ما تدل عليه هذه الكتب، وما تتضمنه من أحكامه العادلة ووصاياه النافعة وأوامره ونواهيه الكفيلة بإصلاح البشرية.
قال تعالى حين أهبط آدم أبا البشرية من الجنة: ﴿فإما يأتينكم مني هدىً فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ ١، وقال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٢.
стр. 179
وقد انقسم الناس حيال الكتب السماوية إلى ثلاثة أقسام:
قسم كذب بها كلها، وهم أعداء الرسل من الكفار والمشركين والفلاسفة.
وقسم آمن بها كلها، وهم المؤمنون الذين آمنوا بجميع الرسل وما أنزل إليهم؛ كما قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ ١.
وقسم آمن ببعض الكتب وكفر ببعضها، وهم اليهود والنصارى ومن سار على نهجهم، الذين يقولون: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ﴾ ٢، بل هؤلاء يؤمنون ببعض كتابهم ويكفرون ببعضه؛ كما قال تعالى فيهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ٣.
ولا شك أن الإيمان ببعض الكتاب أو ببعض الكتب والكفر بالبعض الآخر كفر بالجميع؛ لأنه لا بد من الإيمان بجميع الكتب السماوية وبجميع الرسل؛ لأن الإيمان لا بد أن يكون مؤتلفا جامعا، لا تفريق فيه ولا تبعيض ولا اختلاف، والله تعالى ذم الذين تفرقوا واختلفوا في الكتاب؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ ٤.
وسبب كُفْر من كفَرَ بالكتب أو كفر ببعضها أو ببعض الكتاب الواحد هو اتباع الهوى والظنون الكاذبة، وزعمهم أن لهم العقل والرأي والقياس العقلي، ويسمون أنفسهم بالحكماء والفلاسفة، ويسخرون من الرسل وأتباعهم، ويصفونهم بالسفه؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ٥.
стр. 180
وأما أتباع الرسل؛ فإنهم يؤمنون بكل كتاب أنزله الله، لا يفرقون بينها.
والإيمان بالكتب السابقة إيمان مجمل، يكون بالإقرار بها بالقلب واللسان، وأما الإيمان بالقرآن؛ فإنه إيمان مفصل، يكون بالإقرار به بالقلب واللسان، واتباع ما جاء فيه، وتحكيمه في كل كبيرة وصغيرة، والإيمان بأنه كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
وقد اقتضت حكمة الله أن تكون الكتب السابقة لآجال معينة ولأوقات محددة، ووكل حفظها إلى الذين استحفظوا عليها من البشر؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ ١.
أما القرآن الكريم؛ فقد أنزله الله لكل الأجيال من الأمم في كل الأوطان إلى يوم القيامة، وتولى حفظه بنفسه؛ لأن وظيفة هذا الكتاب لا تنتهي إلا بنهاية حياة البشر على الأرض؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٣.
ويجب تحكيم هذا القرآن في جميع الخلافات، ويجب رد جميع النزاعات إليه، وقد جعل الله التحاكم إلى غير كتابه تحاكما إلى الطاغوت؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ ٤، و"الطاغوت": فعلوت من الطغيان، وهو مجاوزة الحد.
وقد ذم الله المدَّعين للإيمان بالكتب كلها، وهم يتركون التحاكم إلى الكتاب والسنة، ويتحاكمون إلى بعض الطواغيت، وقد قال النبي ﷺ : "وما
стр. 181
حكم قوم بغير ما أنزل الله؛ إلا وقع بأسهم بينهم"، وهذا من أعظم أسباب تغيير الدول ونشوب الفتن والتناحر بين الشعوب؛ لأن الإيمان بالكتاب يوجب التحاكم إليه، فمن ادعى الإيمان بالكتاب وهو يتحاكم إلى غيره؛ فهو متناقض في دعواه، والكتاب لا يتجزأ؛ فيجب تطبيقه كله، والعمل به كله، في كل المجالات؛ في العقائد، والعبادات، والمعاملات، وفي الأحوال الشخصية، والجنايات، والحدود، وفي الآداب والسلوك.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ١، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٢، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٤.
فنفى الإيمان نفيا بالقسم عمن لم يُحَكَّم الرسول ﷺ في موارد النزاع، مع انشراح صدره، وانقياده لحكم الله، كما وصف من لم يحكم بما أنزل الله بالكفر والظلم والفسق، وإن الإيمان والعدالة والعدل؛ فتبّا لقوم استبدلوا كتاب الله بالقوانين الوضعية الطاغوتية، وهم يدَّعون الإيمان؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 182
الأصل الرابع: الإيمان بالرسل
مدخل
...
الأصل الرابع: الإيمان بالرسل
الإيمان بالرسل أحد أصول الإيمان؛ لأنهم الواسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ رسالته وإقامة حجته على خلقه، والإيمان بهم يعني التصديق برسالتهم والإقرار بنبوتهم، وأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله، وقد بلغوا الرسالات، وبينوا للناس ما لا يسع أحدًا جهله.
والأدلة على وجوب الإبمان بالرسل كثيرة؛ منها:
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ١. وقوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً﴾ ٣.
ففي هذه الآيات قرن الله الإيمان بالرسل بالإيمان به - سبحانه - وبملائكته وكتبه، وحكم بكفر من فرق بين الله ورسله؛ فآمن ببعض وكفر ببعض.
стр. 183
وبَعْث الرسل نعمة من الله على البشرية؛ لأن حاجة البشرية إليهم ضرورية؛ فلا تنتظم لهم حال، ولا يستقيم لهم دين؛ إلا بهم، فهم يحتاجون إلى الرسل أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الله - سبحانه - جعل الرسل وسائط بينه بين خلقه، في تعريفهم بالله وبما ينفعهم وما يضرهم، وفي تفصيل الشرائع، والأمر والنهي والإباحة، وبيان ما يحبه الله وما يكرهه؛ فلا سبيل إلى معرفة ذلك إلا من جهة الرسل؛ فإن العقل لا يهتدي إلى تفصيل هذه الأمور، وإن كان قد يدرك وجه الضرورة إليها من حيث الجملة.
قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيه﴾ ١.
وحاجة العباد إلى الرسالات أعظم بكثير من حاجة المريض إلى الطبيب؛ فإن غاية ما يحصل بعدم وجود الطبيب تضرر البدن، والذي يحصل من عدم الرسالة تضرر القلوب، ولا بقاء لأهل الأرض إلا ما دامت آثار الرسالة موجودة فيهم، فإذا ذهبت آثار الرسالة من الأرض؛ أقام الله القيامة.
والرسل الذين ذكر الله لأسماءهم في القرآن يجب الإيمان بأعيانهم، وهم خمسة وعشرون، منهم ثمانية عشر ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ... ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٢، والباقون - وهم سبعة - ذكروا في آيات متفرقة.
ومن لم يسَّم في القرآن من الرسل؛ وجب الإيمان به إجمالاً؛ قال تعالى: ﴿ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ ٤.
стр. 184
وهنا مسألة تحتاج إلى بيان، وهي الفرق بين النبي والرسول: فالفرق بين النبي والرسول على المشهور: أن الرسول إنسان ذكر أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، والنبي إنسان ذكر أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، وكل من النبي والرسول يوحى إليه، لكن النبي قد بيعث في قوم مؤمنين بشرائع سابقة كأنبياء بني إسرائيل؛ يأمرون بشريعة التوراة، وقد يوحى إلى أحدهم وحي خاص في قضية معينة، وأما الرسل فإنهم يبعثون في قوم كفار؛ يدعونهم إلى توحيد الله وعبادته؛ فهم يرسلون إلى مخالفين فيكذبهم بعضهم. والرسول أفضل من النبي.
والرسل يتفاضلون؛ قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ١.
وأفضل الرسل أولو العزم، وهم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ ٣.
وأفضل أولي العزم الخليلان إبراهيم ومحمد عليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام، وأفضل الخليلان محمد ﷺ .
هذا؛ والنبوة تفضل واختيار من الله - تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ ٤، وليست النبوة كسبا يناله العبد بالجد، والاجتهاد، وتكلف أنواع العبادات، واقتحام أشق الطاعات، والدأب في تهذيب النفس وتنقية الخاطر وتطهير الأخلاق ورياضة النفس؛ كما
стр. 185
يقول الفلاسفة ط: أنه يجوز اكتساب النبوة؛ حيث يزعمون أن من لازم المشاهدة بعد كمال ظاهره وباطنه بالتهذيب والرياضة؛ فإنها تنصقل مرآة باطنه، وتفتح بصيرة لبه، ويتهيأ ما لا يتهيأ لغيره.
فللنبوة عند الفلاسفة ثلاث خصائص:
الأولى: القوة العلمية؛ ينال العلم بدون تعلم، بل بطريق القوة.
الثانية: قوى التخيل؛ بحيث يتخيل في نفسه أشكالاً نورانية تخاطبه ويسمع الخطاب منها.
الثالثة: قوة التأثير في الناس، وهي التي يسمونها التصرف في هيولي العالم.
وهذه الصفات عندهم تحصل بالاكتساب.
ولهذا؛ طلب النبوة بعض المتصوفة؛ فهي عندهم صنعة من الصنائع، وهذا قول باطل يرد عليه قول الله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ ٢.
فالنبوة اصطفاء من الله حسب حكمته وعلمه بمن يصلح لها، وليست اكتسابا من قبل العبد.
صحيح أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام اختصموا بفضائل يمتازون بها عن غيرهم، ولكن ليست على النحو الذي يقوله الفلاسفة الضلال.
стр. 186
دلائل النبوة:
دلائل النبوة هي الأدلة التي تعرف بها نبوة النبي الصادق، ويعرف بها كذب المدعي للنبوة من المتنبئين الكذبة؛ لأن هذا موضوع مهم جدّاً.
стр. 187
ودلائل النبوة كثيرة ومتنوعة وغير محصورة:
فمنها: المعجزة، وهي اسم فاعل من العجز المقابل للقدرة.
وفي "القاموس": معجزة النبي ما أعجز به الخصم عند التحدي، والهاء فيها للمبالغة، وهي أمر خارق للعادة، يجريه الله على يد من يختاره لنبوته؛ ليدل على صدقه وصحة رسالته.
ومعجزات الرسل عليهم الصلاة والسلام كثيرة؛ منها الناقة التي أوتيها صالح ﵇ حجة على قومه، وقلب العصا حية آية لموسى ﵇، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى آية لعيسى ﵇، ومنها معجزات نبينا محمد ﷺ ، وهي كثيرة، أعظمها القرآن الكريم، وهي المعجزة الخالدة، التي تحدى الله بها الجن والإنس، ومنها الإسراء والمعراج، وانشقاق القمر، وتسبيح الحصا في كفه ﵊، وحنين الجذع إليه، وإخباره عن حوادث المستقبل والماضي.
ودلائل النبوة ليست محصورة في المعجزة كما يقوله المتكلمون، بل هي كثيرة متنوعة.
منها: إخبارهم الأمم بما سيكون من انتصارهم وخذلان أعدائهم وبقاء العاقبة لهم، فوقع كما أخبروا، ولم يتخلف منه شيء؛ كما حصل لنوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم ولوط وموسى ونبينا محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، مما قصه الله في كتابه.
ومنها: أن ما جاؤوا به من الشرائع والأخبار في غاية الإحكام والإتقان وكشف الحقائق وهدي الخلق؛ مما يعلم بالضرورة أن مثله لا يصدر إلا عن أعمل الناس وأبرهم.
ومنها: أن الله يؤيدهم تأييداً مستمراً، وقد علم من سنته - سبحانه - أنه لا يؤيد
стр. 188
الكذاب بمثل ما يؤيد به الصادق، بل لا بد أن يفتضح الكذاب، وقد يمهله الله ثم يهلكه.
ومنها: أن طريقتهم واحدة فيما يأمرون به من عبادة الله، والعمل بطاعته، والتصديق باليوم الآخر، والإيمان بجميع الكتب والرسل؛ فلا يمكن خروج واحد منهم عما اتفقوا عليه؛ فهم يصدق متأخرهم متقدمهم، ويبشر متقدمهم بمتأخرهم؛ كما بشر المسيح ومن قبله بمحمد ﷺ ، وكما صدق محمد ﷺ جميع النبيين قبله.
ومن دلائل النبوة: تأييد الله للأنبياء؛ فقد علم من سنة الله وعادته أنه لا يؤيد الكذاب بمثل ما يؤيد الصادق، بل يفضح الكذاب ولا ينصره، يل لا بد أن يهلكه، وإذا نصر ملكا ظالما؛ فهو لم يدع النبوة ولم يكذب عليه، بل هو ظالم سلطه الله على ظالم مثله؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون﴾ ١؛ بخلاف من قال: إن الله أرسله، وهو كاذب؛ فهذا لا يؤيده تأييدًا مستمرًا، لكن يمهله مدة ثم يهلكه.
والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما هو دون دعوى النبوة؛ فكيف بدعوى النبوة؟! ومعلوم أن مدعي الرسالة إما أن يكون من أفضل الخلق وأكمله، وإما أن يكون من أنقص الخلق، ولهذا قال أحد أكابر ثقيف للنبي ﷺ لما بلغهم ودعاهم إلى الإسلام؛ فقال له: "والله لا أقول لك كلمة واحدة، إن كنت صادقا؛ فأنت أجل في عيني من أن أرد عليك، وإن كنت كاذبا؛ فأنت أحقر من أن أرد عليك"؛ فكيف يشتبه أفضل الخلق وأكملهم بأنقص الخلق وأرذلهم؟!.
стр. 189
وما من أحد ادعى النبوة من الصادقين إلا وقد ظهر عليه من العلم والصدق والبر وأنواع والخيرات ما ظهر لمن له أدنى تمييز؛ فإن الرسول لا بد أن يخبر الناس بأمور ويأمرهم بأمور ولا بد أن يفعل أموراً، والكاذب يظهر من نفس ما يأمر به ويخبر عنه ويفعله ما يظهر به كذبه من وجوه كثيرة.
هذا؛ وربما يسأل سائل عن الفرق بين دلائل النبوة وخوارق السحرة والكهان، وعجائب المخترعات التي ظهرت اليوم.
والجواب: أن هناك فوارك كثيرة بين دلائل النبوة وخوارق السحرة والكهان والاختراعات الصناعية:
منها: أن أخبار الأنبياء لا يقع فيها تخلف ولا غلط؛ بخلاف أخبار الكهنة والمنجمين؛ فالغالب عليها الكذب، وإن صدقوا أحيانا في بعض الأشياء؛ بسبب ما يحصل عليه الكهان من استراق شياطينهم للسمع.
ومنها: أن السحر والكهانة والاختراع أمور معتادة معروفة، ينالها الإنسان بكسبه وتعلمه؛ فهي لا تحرج عن كونها مقدورة للجن والإنس، ويمكن معارضتها بمثلها؛ بخلاف آيات الأنبياء؛ فإنها لا يقدر عليها جن ولا إنس؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ ١؛ فآيات الأنبياء لا يقدر عليها الخلق، بل الله هو الذي يفعلها آية وعلامة على صدقهم؛ كانشقاق القمر، وقلب العصا حية، وتسبيح الحصا بصوت يسمع، وحنين الجذع، وتكثير الماء والطعام القليل؛ فهذه لا يقدر عليها إلا الله.
ومنها: أن الأنبياء مؤمنون مسلمون، يعبدون الله وحده بما أمر، ويصدقون جميع ما جاءت به الأنبياء، وأما السحرة والكهان والمتنبئون الكذبة؛ فلا يكونون إلا مشركين مكذبين ببعض ما أنزل الله.
стр. 190
ومنها: أن الفطر والعقول توافق ما جاء به الأنبياء ﵈، وأما السحرة والكهان والدجالون والكذابون؛ فإنهم يخالفون الأدلة السمعية والعقلية والفطرية.
ومنها: أن الأنبياء جاؤوا بما يكمل الفطر والعقول والسحرة والكهان والكذبة يجيئون بما يفسد العقول والفطر.
ومنها: أن معجزات الأنبياء لا تحصل بأفعالهم هم، وإنما يفعلها الله آية وعلامة لهم؛ كانشقاق القمر، وقلب العصا حية، والإتيان بالقرآن، والإخبار بالغيب الذي يختص الله به؛ فأمر الآيات إلى الله، لا إلى اختيار المخلوق؛ كما قال الله لنبيه عندما طلبوا منه أن يأتي بآية؛ قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ١، وأما خوارق السحرة والكهان والمخترعات الصناعية؛ فإنها تحصل بأفعال الخلق.
والفوارق بين آيات الأنبياء وخوارق الكهان كثيرة واضحة، ومن أراد المزيد؛ فليراجع كتاب (النبوات) لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
стр. 191
معجزات القران
...
معجزة القرآن:
إن أعظم معجزات نبينا محمد ﷺ هو القرآن العظيم؛ لأن كل نبي تكون معجزته مناسبة لحال قومه، ولذلك لما كان السحر فاشيا في قوم فرعون؛ جاء موسى بالعصا على صورة ما يصنع السحرة، لكنها تلقفت ما صنعوا؛ فاحتاروا، وانفجعوا، وعلموا أن ما جاء به موسى هو الحق، وليس من السحر؛ كما قال تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ ٢، ولم يقع ذلك بعينه لموسى ﵇، ولما كان الزمن الذي يعيش فيه عيسى ﵇ قد فشا فيه الطب؛ جاء المسيح بما حير الأطباء؛ من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص من الداء
стр. 192
العضال القبيح، وخلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله؛ فطاشت عقول الأطباء، وأذعنوا أن ذلك من عند الله ولما كانت العرب أرباب الفصاحة والبلاغة وفرسان الكلام والخطابة؛ جعل الله - سبحانه - معجزة نبينا محمد ﷺ هي القرآن الكريم الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ١، وهو المعجزة الباقية الخالدة على مر العصور؛ فقد اختار الله هذه المعجزة الباهرة لخاتمة الرسالات السماوية العامة للناس أجمعين.
فالقرآن معجزة يطلع عليها الأجيال في كل زمان ويتلونه، فيعلمون أنه كلام الله حقا، وليس كلام البشر، وقد تحدى الله الإنس والجن أن يأتوا بمثله أو بعشر سور منه، أو بسورة منه؛ فما استطاع أحد منهم منذ بعثة محمد ﷺ إلى عصرنا هذا؛ وإلى الأبد، أن يأتي أحد بكتاب مثله، أو بمثل سورة منه، على الرغم من وجود أعداء كثيرين للرسول ﷺ ولدين الإسلام في عصور التاريخ.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ٢؛ فالتحدي لا يزال قائما إلى قيام الساعة في قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ .
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ٣.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا التحدي كان بمكة؛ فإن سورة يونس وهود والطور من المكي، ثم أعاد التحدي في المدينة بعد الهجرة؛ فقال في سورة البقرة (٢٣ - ٢٤) ، وهي مدنية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا
стр. 193
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ١؛ فذكر أمرين:
أحدهما: قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ ؛ يقول: إذا لم تفعلوا؛ فقد علمتم أنه حق؛ فخافوا أن تكذبون فيحيق بكم العذاب الذي وعدته للمكذبين.
والثاني: قوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ ، و (لن) لنفي المستقبل، فثبت أنهم فيما يستقبل من الزمان لا يأتون بسورة من مثله، كما أخبر بذلك.
وأمر الله تعالى: نبيه ﷺ أن يقول في سورة (سبحان) ، وهي مكية، افتتحها بذكر الإسراء، وهو كان بمكة بنص القرآن والخبر المتواتر: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ ٢؛ أمره أن يخبر بالخبر جميع الخلق؛ معجزاً لهم، قاطعا بأنهم إذا اجتمعوا كلهم لا يأتون بمثل هذا القرآن لو تظاهروا عليه وتعاونوا على ذلك، وهذا التحدي لجميع الخلق، وقد سمعه كل من سمع القرآن وعرفه؛ الخاص والعام، وعلم من ذلك أنهم لم يعارضوه، ولا أتوا بسورة من مثله، ومن حين بعث ﷺ إلى اليوم والأمر على ذلك، مع ما علم من أن الخلق كانوا كلهم كفارًا قبل أن يبعث، ولما بعث إنما تبعه قليل، وكان الكفار من أحرص الناس على إبطال قوله، مجتهدين بكل طريق ممكن؛ تارة يذهبون إلى أهل الكتاب فيسألونهم عن أمور من الغيب حتى يسألوه عنها؛ كما سألوه عن قصة يوسف وأهل الكهف وذي القرنين، ويجتمعون في مجمع بعد مجمع؛ ليتفقوا على ما يقولونه فيه، وصاروا يضربون له الأمثال؛ فيشبهونه بمن ليس بمثله، مع ظهور الفرق؛ فتارة يقولون: مجنون، وتارة: ساحر وكاهن
стр. 194
وشاعر ... إلى أمثال ذلك من الأقوال التي يعلمون هم وغيرهم من كل عاقل يسمعها أنها افتراء عليه، فإذا كان قد تحداهم بالمعارضة مرة بعد مرة، وهي تبطل دعواهم؛ فمعلوم أنهم لو كانوا قادرين عليها؛ لفعلوها؛ فإنه مع وجود هذا الداعي التام المؤكد، إذا كانت القدرة حاصلة؛ وجب وجود المقدور، ثم هكذا القول في سائر أهل الأرض؛ فهذا يوجب علما مبينا لكل أحد بعجز جميع أهل الأرض عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن بحيلة وبغير حيلة، وهذا أبلغ من الآيات التي تكرر جنسها؛ كإحياء الموتى؛ فإن هذا لم يأت أحد بنظيره؛ فإقدامه ﷺ في أول الأمر على هذا التحدي وهو بمكة وأتباعه قليل؛ على أن يقول خبراً يقطع به أنه لو اجتمع الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله في ذلك العصر وفي سائر الأعصار المتأخرة؛ لا يكون إلا مع جزمه بذلك وتيقنه له، وإلا؛ فمع الشك والظن لا يقول ذلك من يخاف أن يظهر كذبه فينفضح فيرجع الناس عن تصديقه، وإذا كان جازما بذلك متيقنا له؛ لم يكن ذلك إلا عن إعلام الله تعالى له بذلك، وليس في المعلوم المعتادة أن يعلم الإنسان أن جميع الخلق لا يقدرون أن يأتوا بمثل كلامه؛ إلا إذا علم العالم أنه خارج عن قدرة البشر، والعلم بهذا يستلزم كونه معجزاً.
والقرآن الكريم معجزة من وجه متعددة؛ من جهة اللفظ، ومن جهة النظم، ومن جهة البلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانية التي أمر بها، ومعانيه التي أخبر بها عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وملائكته وغير ذلك، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الغيب المستقبل وعن الغيب الماضي، ومن جهة ما أخبر به عن المعاد، ومن جهة ما بيَّن فيه من الدلائل اليقينية.
الامتساك بالشيء، والمراد بالعصمة هنا حفظ الله لأنبيائه من الذنوب والمعاصي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حاكيا للخلاف ومبينا الراجح في هذه المسألة: "الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون فيما يخبرون عن الله سبحانه وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأمة، ولهذا؛ وجب الإيمان بكل ما أتوه؛ كما قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ١، وقال: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ٢، وقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ٣.
قال: "وهذه العصمة الثابتة للأنبياء هي التي يحصل بها مقصود النبوة والرسالة؛ فإن النبي هو المنبىء عن الله، والرسول هو الذي أرسله الله - تعالى، وكل رسول نبي، وليس كل نبي رسول، والعصمة فيما يبلغونه عن الله ثابتة؛ فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين ... ".
إلى أن قال: "وأما العصمة في غير ما يتعلق بتبليغ الرسالة؛ فللناس فيه نزاع: هل هو ثابت بالعقل أو بالسمع؟ ومتنازعون في العصمة من الكبائر والصغائر أو من بعضها؟، أم هل العصمة إنما هي في الإقرار عليها لا في فعلها؟ أم لا يجب القول بالعصمة إلا في التبليغ فقط؟ وهل تجب العصمة من الكفر والذنوب قبل المبعث أو لا؟.
стр. 197
والقول الذي عليه جمهور الناس، وهو الموافق للآثار المنقولة من السلف: إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقا، والرد على من يقول: إنه يجوز إقرارهم عليها. وحجج القائلين بالعصمة إذا حررت إنما تدل على هذا القول، وحجج النفاة لا تدل على وقوع ذنب أقر عليه الأنبياء؛ فإن القائلين بالعصمة احتجوا بأن التأسي بهم إنما هو مشروع فيما أقروا عليه دون ما نهوا عنه ورجعوا عنه؛ كما أن الأمر والنهي إنما تجب طاعتهم فيما لم ينسخ منه، فأما ما نسخ من الأمر والنهي؛ فلا يجوز جعله مأموراً به ولا منهيا عنه، فضلاً عن وجوب اتباعة والطاعة فيه، وكذلك ما احتجوا به من أن الذنوب تنافي الكمال، أو أنها ممن عظمت عليه النعمة أقبح، أو أنها توجب التغيير، أو نحو ذلك من الحجج العقلية؛ فهذا إنما يكون مع البقاء على ذلك وعدم الرجوع، وإلا؛ فالتوبة النصوح التي يقبلها الله يرفع بها صاحبها إلى أعظم مما كان عليه؛ كما قال بعض السلف: كان داود ﵇ بعد التوبة خيراً منه قبل الخطيئة، وقال آخر: لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه؛ لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه، وقد ثبت في الصحاح حديث التوبة: "لله أفرح بتوبة عبده من رجل نزل منزلاً ... " الحديث....".
إلى أن قال: "وفي الكتاب والسنة الصحيحة والكتب التي أنزلت قبل القرآن مما يوافق هذا القول ما يتعذر إحصاؤه، والرادون لذلك تأولوا ذلك بمثل تأويلات الجهمية والقدرية والدهرية لنصوص الأسماء والصفات ونصوص القدر ونصوص المعاد، وهي من جنس تأويلات القرامطة الباطنية التي يعلم بالاضطرار أنها باطلة، وأنها من باب تحريف الكلم عن مواضعه، وهؤلاء يقصد أحدهم تعظيم الأنبياء فيقع في تكذيبهم، ويريد الإيمان بهم فيقع في الكفر بهم.
ثم إن العصمة المعلومة بدليل الشرع والعقل والإجماع - وهي العصمة
стр. 198
في التبليغ - لم ينتفعوا بها؛ إذ كانوا لا يقرون بموجب ما بلغته الأنبياء، وإنما يقرون بلفظ حرفوا معناه أو كانوا فيه كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، والعصمة التي كانوا ادعوها لو كانت ثابتة؛ لم ينتفعوا بها، ولا حاجة بهم إليها عندهم؛ فإنها متعلقة بغيرهم، لا بما أمروا بالإيمان به، فيتكلم أحدهم فيها على الأنبياء بغير سلطان من الله ويدع ما يجب عليه من تصديق الأنبياء وطاعتهم، وهو الذي تحصل به السعادة، وبضده تحصل الشقاوة، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ ... ﴾ ١ الآية.
والله تعالى لم يذكر في القرآن شيئا من ذلك عن نبي من الأنبياء؛ إلا مقرونا بالتوبة والاستغفار:
كقول آدم وزوجته: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٢.
وقول نوح: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣.
وقول الخليل ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (٤، وقوله: ﴿والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾ ٥.
وقول موسى: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ ٦، وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ ٧، وقوله: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٨.
وقوله تعالى عن داود: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَاب فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ٩.
стр. 199
وقوله تعالى عن سليمان: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ ١.
وأما يوسف الصديق؛ فلم يذكر الله عنه ذنبا؛ فلهذا لم يذكر الله عنه ما يناسب الذنب من الاستغفار، بل قال: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ ٢؛ فأخبر أنه صرف عنه السوء والفحشاء، وهذا يدل على أنه لم يصدر منه سوء ولا فحشاء، وأما قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ ٣؛ فالهم اسم جنس تحته نوعان؛ كما قال الإمام أحمد: "الهم نوعان: همُّ خطرات، وهمُّ إصرار"، وقد ثبت في (الصحيح) عن النبي ﷺ : "إن العبد إذا هم بسيئة؛ لم تكتب عليه، وإذا تركها؛ كتبت له حسنة، وإن عملها؛ كتبت له سيئة واحدة، وإن تركها من غير أن يتركها لله؛ لم تكتب له حسنة، ولا تكتب عليه سيئة"، ويوسف ﷺ همّ همّا تركه لله، ولذلك صرف الله عنه السوء والفحشاء لإخلاصه، وذلك إنما يكون إذا قام المقتضى للذنب - وهو الهم - وعارضه الإخلاص الموجب لانصارف القلب عن الذنب لله؛ فيوسف ﵇ لم يصدر منه إلا حسنة يثاب عليها؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ ٤.
إلى أن قال: "وبهذا يظهر جواب شبهة من يقول: إن الله لا يبعث نبيا إلا من كان معصوما قبل النبوة؛ كما يقول ذلك طائفة من الرافضة وغيرهم، وكذلك من قال: إنه لا يبعث نبيا إلا من كان مؤمنا قبل النبوة؛ فإن هؤلاء توهموا أن الذنوب تكون خفضا وإن تاب التائب منها، وهذا منشأ غلطهم، فمن ظن أن صاحب الذنوب مع التوبة النصوح يكون ناقصا؛ فهو غالط غلطا عظيما؛ فإن الذم والعقاب الذي يلحق أهل الذنوب لا يلحق التائب منها شيء أصلاً، لكن إن قدم التوبة؛ لم يلحقه شيء، وإن أخر التوبة؛ فقد يلحقه ما بين الذنوب
стр. 200
والتوبة من الذم والعقاب ما يناسب حاله.
والأنبياء صلوات الله عليه وسلامه كانوا لا يؤخرون التوبة، بل يسارعون إليها، ويسابقون إليها، لا يؤخرون ولا يصرون على الذنب، بل هم معصومون من ذلك، ومن أخر زمنا قليلاً؛ كفَّر الله ذلك بما يبتليه به؛ كما فعل بذي النون ﷺ ، هذا على المشهور أن إلقاءه كان بعد النبوة، وأما من قال: إن إلقاءه كان قبل النبوة؛ فلا يحتاج إلى هذا، والتائب من الكفر والذنب قد يكون أفضل ممَّن لم يقع في الكفر والذنوب، وإذا كان قد يكون أفضل؛ فالأفضل أحق بالنبوة ممن ليس مثله في الفضيلة، وقد أخبر الله عن إخوة يوسف بما أخبر من ذنوبهم، وهم الأسباط الذين نبأهم الله - تعالى، وقد قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ ١؛ فآمن لوط لإبراهيم ﵇، ثم أرسله الله تعالى إلى قوم لوط، وقد قال تعالى في قصة شعيب: ﴿قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ... ﴾ ٣ الآية.
وإذا عرف أن الاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية، وهذا الكمال إنما يحصل بالتوبة والاستغفار، ولا بد لكل عبد من التوبة، وهي واجبة على الأولين والآخرين؛ كما قال تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ ٤.
стр. 201
وقد أخبرنا الله - سبحانه - بتوبة آدم ونوح ومن بعدها إلى خاتم المرسلين محمد ﷺ ، وآخر ما نزل عليه أو من آخر ما نزل عليه قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ ١.
ثم ذكر نصوصا كثيرة في استغفار النبي ﷺ ، ثم قال: "ونصوص الكتاب والسنة في هذا الباب كثيرة متظاهرة، والآثار في ذلك عن الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين كثيرة، ولكن المنازعون يتأولون هذه النصوص من جنس تأويلات الجهمية والباطنية؛ كما فعل ذلك من فعله في هذا الباب، وتأويلاتهم تبين لمن تدبرها أنها فاسدة، من باب تحريف الكلم عن مواضعه؛ كتأويلهم قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ ٢: المتقدم ذنب آدم والمتأخر ذنب أمته، وهذا معلوم البطلان".
وقال - أيضا -: "والجمهور الذين يقولون بجواز الصغائر عليهم يقولون: إنهم معصومون من الإقرار عليها، وحينئذ؛ فما وصفوهم إلا بما فيه كمالهم؛ فإن الأعمال بالخواتيم، وقول المخالف يلزم عليه كون النبي لا يتوب إلى الله ... " انتهى المقصود.
ويمكن تلخيص هذا الموضوع فيما يلي:
عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام منها ما هو مجمع عليه بداية ونهاية، ومنها ما هو مختلف فيه بداية ونهاية، وبيان ذلك:
١- أجمعوا على عصمتهم فيما يخبرون عن الله تعالى وفي تبليغ رسالاته؛ لأن هذه العصمة هي التي يحصل بها مقصود الرسالة والنبوة.
٢- واختلفوا في عصمتهم من المعاصي؛ فقال بعضهم بعصمتهم منها
стр. 202
مطلقا؛ كبائرها وصغائرها؛ لأن منصب النبوة يجل عن مواقعتها ومخالفة الله تعالى عمداً، ولأننا أمرنا بالتأسي بهم، وذلك لا يجوز مع وقوع المعصية في أفعالهم؛ لأن الأمر بالاقتداء بهم يلزم منه أن تكون أفعالهم كلها طاعة، وتأوَّلوا الآيات والأحاديث الواردة بإثبات شيء من ذلك، وقال الجمهور بجواز وقوع الصغائر منهم؛ بدليل ما ورد في القرآن والأخبار، لكنهم لا يصرون عليها، فيتوبون منها ويرجعون عنها؛ كما مر تفصيله، فيكونون معصومين من الإصرار عليها، ويكون الإقتداء بهم في التوبة منها.
стр. 203
دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واحد:
إن دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام دين واحد، وإن تنوعت شرائعهم: قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ١
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ ٢.
وقال النبي ﷺ : "إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد، والأنبياء أخوة لعلات".
ودين الأنبياء هو دين الإسلام، الذي لا يقبل الله غيره، وهو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك وأهله:
قال تعالى عن نوح: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٣.
وقال عن إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤.
стр. 204
وقال عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ١.
وقال عن المسيح: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ ٢.
وقد قال تعالى فيمن تقدم من الأنبياء وعن التوارة: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ ٣.
وقال تعالى عن ملكة سبأ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤.
فالإسلام هو دين الأنبياء جميعا، وهو الاستسلام لله وحد، فمن استسلم له ولغيره؛ كان مشركا، ومن لم يستسلم له؛ كان مستكبرًا، وكل من المشرك والمستكبر عن عبادة الله كافر.
والاستسلام لله يتضمن عبادته وحده، وأن يطاع وحده، وذلك بأن يطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت، فإذا أمر في أول الإسلام بأن يستقبل بيت المقدس، ثم أمر بعد ذلك باستقبال الكعبة؛ كان كل من الفعلين - حسن أمر به - داخلاً في الإسلام؛ فالدين هو الطاعة، وكل من الفعلين عبادة لله، وإنما تنوع بعض صور الفعل، وهو توجه المصلي؛ فكذلك الرسل دينهم واحد، وإن تنوعت الشرعة والمنهاج والوجه والمنسك؛ فإن ذلك لا يمنع أن يكون الدين واحداً؛ كما لم يمنع ذلك في شريعة الرسول الواحد؛ كما مثلنا باستقبال بيت المقدس أولاً ثم استقبال الكعبة ثانيا في شريعة محمد ﷺ .
فدين الأنبياء واحد، وإن تنوعت شرائعهم؛ فقد يشرع الله في وقت أمرًا لحكمة، ثم يشرع في وقت آخر أمرًا لحكمة، فالعمل بالمنسوخ قبل نسخه
стр. 205
طاعة لله، وبعد النسخ يجب العمل بالناسخ، فمن تمسك بالمنسوخ وترك الناسخ؛ ليس هو على دين الإسلام، ولا هو متبع لأحد من الأنبياء، ولهذا كفر اليهود والنصارى؛ لأنهم تمسكوا بشرع مبدل منسوخ.
والله تعالى يشرع لكل أمه ما يناسب حالها ووقتها، ويكون كفيلاً بإصلاحها، متضمنا لمصالحها، ثم ينسخ الله ما يشاء من تلك الشرائع لانتهاء أجلها، إلى أن بعث نبيه محمدًا خاتم النبيين إلى جميع الناس على وجه الأرض وعلى امتداد الزمن إلى يوم القيامة، وشرع له شريعة شاملة صالحة لكل زمان ومكان؛ لا تبدل ولا تنسخ؛ فلا يسع جميع أهل الأرض إلا إتباعه والإيمان به ﷺ : قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٤.
والآيات التي أنزلها الله - سبحانه - على رسوله محمد ﷺ فيها خطاب لجميع الخلق الجن والإنس، وعلى اختلاف أجناسهم، ولم يخص العرب بحكم من الأحكام، بل علق الأحكام باسم كافر ومؤمن ومسلم ومنافق وبر وفاجر ومحسن وظالم وغير ذلك من الأسماء المذكورة في القرآن والحديث؛ فليس في القرآن والحديث تخصيص العرب بحكم من الأحكام الشرعية، إنما علق الأحكام بالصفات المؤثرة فيما يحبه الله وفيما يبغضه الله، ونزول القرآن بلسان العرب إنما هو لأجل التبليغ؛ لأنه بلغ قومه أولاً، ثم بواسطتهم بلغ سائر الأمم، وأمره الله بتبليغ قومه أولاً، ثم تبليغ الأقرب فالأقرب؛ كما أمر بجهاد الأقرب فالأقرب، وليس هذا تخصيصا، وإنما هو تدرج بالتبليغ.
стр. 206
والمقصود أن دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واحد، وهو إخلاص العبادة لله، والنهي عن الشرك والفساد، وإن تنوعت شرائعهم حسب الظروف والحاجات، إلى أن ختموا بمحمد ﷺ ، الذي عمت رسالته الخلق، وامتدت إلى آخر الدنيا؛ لا تبدل ولا تغير ولا تنسخ، وهي صالحة ومصلحة لكل زمان ومكان، ولا نبي بعده ﵊ إلى آخر الزمان، وهو يأمر بما أمر به المرسلون من قبله من الإيمان وإخلاص العبادة لله بما شرعه من الأحكام، وهو مصدق لإخوانه المرسلين، وإخوانه المرسلون قد بشروا به، خصوصا أقرب الرسل إليه زمانا، وهو المسيح عيسى بن مريم ﵊، حين قال لقومه: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ١.
وفي الكتب السابقة من بيان صفات هذا الرسول وخصائصه ما هو من أوضح الواضحات، وإن جحده من جحده من اليهود والنصارى حسدًا وتكبرًا؛ كما قال الله تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون﴾ ٢.
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
стр. 207
ذكر خصائص الرسول محمد ﷺ جمالا
...
ذكر خصائص الرسول محمد ﷺ إجمالا:
للرسول محمد ﷺ خصائص اختص بها عن غيره من الأنبياء، وخصائص اختص بها عن أمته:
١- أنه خاتم النبيين؛ قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٣، وقال ﷺ : "أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي".
стр. 208
٢- المقام المحمود، وهو الشفاعة العظمى؛ كما في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ ١، وكما في حديث الشفاعة الطويل المتفق على صحته؛ أن الله يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون إلى ربكم؟ فيأتون آدم، ثم نوحا، ثم موسى، ثم عيسى، ثم إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؛ فكلهم يقول: اذهبوا إلى غيري؛ إلا محمدًا ﷺ ؛ فإنه يقول: أنا لها، فيخر ساجدًا، إلى أن يؤذن له بالشفاعة، وبهذا يظهر فضله على جميع الخلق، واختصاصه بهذا المقام.
٣- عموم بعثته إلى الثقلين الجن والإنس؛ قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ ٢، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ ٣، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ ٤، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٥، ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ٦، وهذا مجمع عليه.
والآيات التي أنزلها الله على محمد ﷺ فيها خطاب لجميع الخلق الجن والإنس؛ إذ كانت رسالته عامة للثقلين، وإن كان من أسباب النزول ما كان موجودًا في العرب؛ فليس شيء من الآيات مختصا بالسبب المعيَّن الذي نزل فيه باتفاق المسلمين؛ فلم يقل أحد من المسلمين: إن آيات الطلاق أو الظهار أو اللعان أو حد السرقة والمحاربين ... وغير ذلك يختص بالشخص المعين الذي كان سبب نزول الآية.
والمقصود هنا: أن بعض آيات القرآن، وإن كان سببه أمورًا كانت في
стр. 209
العرب؛ فحكم الآيات عام، يتناول ما تقتضيه الآيات لفظا ومعنى، في أي نوع كان، ومحمد ﷺ بعث إلى الإنس والجن؛ فدعوته ﷺ شاملة للثقلين الإنس والجن، على اختلاف أجناسهم؛ فلا يظن أنه خص العرب بحكم من الأحكام أصلاً، بل إنما علق الأحكام باسم مسلم وكافر ومؤمن ومنافق وبر وفاجر ومحسن وظالم وغير ذلك من الأسماء المذكورة في القرآن والحديث، وليس في القرآن ولا الحديث تخصيص العرب بحكم من أحكام الشريعة، وإنما علق الأحكام بالصفات المؤثرة فيما يحبه الله وفيما يبغضه؛ فأمر بما يحبه الله ودعا إليه بحسب الإمكان، ونهى عما يبغضه الله وحسم مادته بحسب الإمكان؛ لم يخص العرب بنوع من أنواع الشريعة؛ إذ كانت دعوته لجميع البرية، لكن؛ نزل القرآن بلسانهم، بل بلسان قريش؛ لأجل التبليغ؛ لأنه بلغ قومه أولاً، ثم بواسطتهم بلغ سائر الأمم، وأمره بتبليغ قومه أولاً، ثم بتبليغ الأقرب فالأقرب إليه؛ كما أمر بجهاد الأقرب فالأقرب.
وكما كان ﷺ مبعوثا إلى الإنس؛ فهو مبعوث - أيضا - إلى الجن؛ فقد استمع الجن لقراءته، وولَّوا إلى قومهم منذرين؛ كما أخبر الله وهذا متفق عليه بين المسلمين.
وقد ذكر الله في القرآن من خطاب الثقلين ما يبين هذا الأصل؛ كقوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ... ﴾ ١ الآية، وأخبر الله عن الجن أنهم قالوا: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً﴾ ٢، أي مذاهب شتى؛ مسلمون وكفار، وأهل سنة وأهل بدعة، وقالوا: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ... ﴾ ٣ الآية، والقاسط: الجائر؛ يقال: قسط: إذا جار، وأقسط: إذا عدل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "يجب على الإنسان أن يعلم أن الله - عز
стр. 210
وجل - أرسل محمداً ﷺ إلى جميع الثقلين الإنس والجن، وأوجب عليهم الإيمان به وبما جاء به وطاعته، وأن يحللوا ما حلل الله ورسوله، ويحرموا ما حرم الله ورسوله، ويحبوا ما أحبه الله ورسوله، ويكرهوا ما كرهه الله ورسوله، وأن كل من قامت عليه الحجة برسالة محمد ﷺ من الإنس والجن، فلم يؤمن به؛ استحق عقاب الله - تعالى، كما يستحقه أمثاله من الكافرين، الذين بعث إليهم الرسول، وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين وسائر طوائف المسلمين أهل السنة والجماعة وغيرهم ﵃ أجمعين".
٤- ومن خصائصه ﷺ القرآن العظيم الذي أذعن لإعجازه الثقلان، وأحجم عن معارضته مصاقيع الإنس والجان، واعترف بالعجز عن الإتيان بأقصر سورة من مثله أهل الفصاحة والبلاغة من سائر الأديان، وقد سبق تفصيل ذلك.
٥- ومن خصائصه ﷺ المعراج إلى السماوات العلى، إلى سدرة المنتهى، إلى مستوى سمع في صريف الأقلام؛ فكان قاب قوسين أو أدنى.
وأما الخصائص التي اختص بها دون أمته:
فقد قال القرطبي في (تفسيره) : "خص الله تعالى رسوله من أحكام الشريعة بمعان لم يشاركه فيها أحد في باب الفرض والتحريم والتحليل، مزية على الأمة، وهبة له، ومرتبة خص بها؛ ففرضت عليه أشياء ما فرضت على غيره، وحرمت عليه أشياء لم تحرم عليهم، وحللت له أشياء لم تحلل لهم؛ منها متفق عليه، ومنها مختلف فيه".
ثم ذكر هذه الخصائص، ومنها: التهجد بالليل؛ يقال: إن قيام الليل كان واجبا عليه إلى أن مات؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ ١، والمنصوص أنه كان واجبا عليه ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَك﴾ ٢. ومنها: أنه إذا عمل عملاً أثبته.
стр. 211
ومنها: تحريم الزكاة عليه وعلى آله. ومنها أنه أحل له الوصال في الصيام، وأحل له الزيادة على أربع نسوة. ومنها: أنه أحل له القتال بمكة. ومنها: أنه لا يورث. ومنها: بقاء زوجيَّتِه بعد الموت، وإذا طلق امرأة تبقى حرمته عليها؛ فلا تنكح ... إلى غير ذلك من الخصائص النبوية.
ولنتكلم عن ثلاث من أعظم خصائص نبينا محمد ﷺ ، وهي: الإسراء والمعراج، وعموم رسالته، وختم النبوة به ﷺ .
١- الإسراء والمعراج.
قال ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة: "يمجد تعالى نفسه، ويعظم شأنه؛ لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه؛ فلا إله غيره، ولا رب سواه. ﴿الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ ؛ يعني: محمدًا ﷺ . ﴿لَيْلاً﴾ ؛ أي: في جنح الليل. ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ :وهو مسجد مكة. ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ : وهو بيت المقدس الذي بإيليا معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل ﵇، ولهذا جمعوا له هناك كلهم، فأمهم في محلتهم ودارهم، فدل على أنه هو الإمام الأعظم والرئيس المقدم، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ ؛ أي: في الزروع والثمار. ﴿لِنُرِيَهُ﴾ ؛ أي: محمدًا. ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾ ؛ أي: العظام؛ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ٢. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣؛ أي: السميع لأقوال عباده؛ مؤمنهم وكافرهم، مصدقهم ومكذبهم، البصير بهم؛ فيعطي كلاًّ منهم ما يستحقه في الدنيا والآخرة) انتهى.
стр. 212
و (المعراج) : مفعال من المعروج؛ أي: الآلة التي يعرج فيها؛ أي: يصعد، وهو بمنزلة السلم، لكن لا يعلم كيف هو إلا الله.
وحكمه كحكم غيره من المغيبات؛ نؤمن به، ولا نشتغل بكيفيته.
والذي عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة وقبل الهجرة بسنة، وقيل: سنة وشهرين؛ ذكره ابن عبد البر.
صفة الإسراء والمعراج المستفادة من النصوص:
قال الحافظ ابن كثير في (تفسيره) : "والحق أنه ﵇ أسري به يقظة لا مناما، من مكة إلى بيت المقدس، راكبا البراق، فلما انتهى إلى باب المسجد؛ ربط الدابة عند الباب، ودخله، فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين، ثم أتي بالمعراج وهو كالسلم، ذو درج يرقى فيها، فصعد فيه إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السماوات السبع، فتلقاه من كل سماء مقرَّبوها، وسلم على الأنبياء الذين في السماوات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مر بموسى الكليم في السادسة وإبراهيم الخليل في السابعة، ثم جاوز منزلتهما ﷺ وعليهما وعلى سائر الأنبياء، حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام [أي: أقلام القدر] بما هو كائن، ورأى سدرة المنتهى، وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب وألوان متعددة، وغشيتها الملائكة، ورأى هناك جبريل على صورته، وله ست مائة جناح، ورأى رفرفا أخضر قد سد الأفق، ورأى البيت المعمور، وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضية، مسند ظهره إليه؛ لأنه الكعبة السماوية، يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة، ثم يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، ورأى الجنة والنار، وفرض عليه هنالك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس؛ رحمة منه، ولطفا بعباده، وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها، ثم هبط إلى بيت المقدس، وهبط
стр. 213
معه الأنبياء، فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة، ويحتمل أنها الصبح من يومئذ، ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء، والذي تظاهرت به الروايات أنه أمهم ببيت المقدس، ولكن في بعضها أنه كان أو دخوله إليه، والظاهر أنه بد رجوعه إليه؛ لأنه لما مر بهم في منازلهم؛ جعل يسأل عنهم جبريل واحداً واحداً، وهو يخبر بهم، وهذا هو اللائق؛ لأنه كان أولاً مطلوبا إلى الجناب العلوي؛ ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله - تعالى، ثم لما فرغ من الذي أريد به؛ اجتمع فيه [أي: بيت المقدس] هو وإخوانه من النبيين، ثم ظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل ﵇ في ذلك، ثم خرج من بيت المقدس، فركب البراق، وعاد إلى مكة بغلس، والله أعلم.
هل كان الإسراء ببدنه ﵇ وروحه أو بروحه فقط؟
اختلف الناس؛ هل كان الإسراء ببدنه ﵇ وروحه أو بروحه فقط على قولين:
فالأكثرون من العلماء على أنه أسرى ببدنه وروحه يقظة لا مناما، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ ١؛ فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان مناما؛ لم يكن فيه شيء كبير، ولم يكن متستعظما، ولما بادرت كفار قريش إلى تكذيبه، ولما ارتدت جماعة ممَّن كان قد أسلم، وأيضا قال - سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ٢؛ قال ابن عباس: "هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به"، رواه البخاري، و قال - سبحانه - ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ ٣،
стр. 214
فإنه ﷺ كان لا يرى رؤيا؛ إلا جاءت مثل فلق الصبح، وقد تقدم مثل ذلك في حديث بدء الوحي أنه رأى مثل ما وقع له يقظة مناما قبله؛ ليكون ذلك من باب الإرهاص والتوطئة والتثبيت والإيناس ... والله أعلم".
هل تكرر المعراج؟:
قال الحافظ ابن كثير بعد أن ساق الأحاديث الواردة في هذا الموضوع: (وإذا حصل الوقوف على مجموع هذه الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها، فَحُصِّلَ مضمون ما اتفقت عليه من إسراء رسول الله ﷺ من مكة إلى بيت المقدس، وأنه مرة واحدة، وإن اختلفت عبارات الرواة في أدائه، أو زاد بعضهم فيه، أو نقص منه؛ فإن الخطأ على من عدا الأنبياء ﵈.
ومن جعل من الناس كل رواية خالفت الأخرى مرة على حدة؛ فأثبت إسراءات متعددة؛ فقد أبعد وأغرب وهرب إلى غير مهرب ولم يتحصل على مطلب.
وقد صرح بعض المتأخرين بأنه ﵇ أسري به مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط، ومرة من مكة إلى السماء فقط، ومرة إلى بيت المقدس فقط ومنه إلى السماء، وفرح بهذا المسلك وأنه قد ظفر بشيء يخلص به من الإشكالات، وهذا بعيد جدّاً، ولم ينقل هذا عن أحد من السلف، ولو تعدد هذا التعدد؛ لأخبر النبي ﷺ به أمته، ولنقله الناس على التعدد والتكرار.
وزعم بعض الصوفية أن المعراج وقع له ﷺ ثلاثين مرة، وقال بعضهم: أربعا وثلاثين مرة؛ واحدة منها بجسمه الشريف، والباقي بروحه.
وقيل: كان الإسراء مرتين: مرة يقظة، ومرة مناما. وأصحاب هذا القول كأنهم أرادوا الجمع بين حديث شريك وقوله:"ثم استيقظت"، وبين سائر الروايات.
стр. 215
وكذلك منهم من قال: بل ثلاث مرات: مرة قبل الوحي، ومرتين بعده ... وكلما اشتبه عليهم لفظه؛ زادوا مرة للتوفيق) .
قال ابن القيم: "يا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه كان مرارًا؛ كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة يفرض عليهم الصلوات خمسين، ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسا، فيقول: أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي ... ثم يعيدها في المرة الثانية خمسين ثم يحطها إلى خمس". وقال ابن كثير: "وكان بعض الرواة يحذف بعض الخبر للعلم به أو ينساه، أو يذكر ما هو الأهم عنده، أو يبسط تارة فيسوقه كله، وتارة يحذف عن مخاطبه بما هو الأنفع عنده، ومن جعل كل رواية إسراء على حدة؛ كما تقدم عن بعضهم؛ فقد أبعد جدّاً، وذلك أن كل السياقات فيها السلام على الأنبياء، وفي كل منها يعرفه بهم، وفي كلها يفرض عليه الصلوات؛ فكيف يمكن أن يدَّعي تعدد ذلك؟! هذا في غاية البعد والاستحالة، والله أعلم".
٢- عموم رسالة محمد ﷺ ، والرد على من أنكره.
يقول جماعة من اليهود والنصارى ومن قلّدهم: إن محمدًا ﷺ مرسل إلى العرب دون أهل الكتاب، ويلبسّون بقولهم: إن كان دينه حقا؛ فديننا - أيضا - حق، والطرق إلى الله تعالى متنوعة!، ويشبهون ذلك بمذاهب الأئمة؛ فإنه وإن كان أحد المذاهب راجحا؛ فأهل المذاهب الأخر ليسوا كفاراً.
وهذا القول ظاهر البطلان؛ لأنهم لما صدقوا برسالته؛ لزمهم تصديقه في كل ما يخبر به، وقد قال: إنه رسول الله إلى الناس عامة، والرسول لا يكذب؛ فلزم تصديقه حتما، وقد أرسل رسله وبعث كتبه في أقطار الأرض إلى كسرى وقيصر والنجاشي والمقوقس وسائر ملوك الأطراف يدعو إلى الإسلام، ثم مقاتلته