← Акыда

Акыда · id 7529

الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد

صالح الفوزان

Полный текст (376 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ومنها: تحريم الزكاة عليه وعلى آله. ومنها أنه أحل له الوصال في الصيام، وأحل له الزيادة على أربع نسوة. ومنها: أنه أحل له القتال بمكة. ومنها: أنه لا يورث. ومنها: بقاء زوجيَّتِه بعد الموت، وإذا طلق امرأة تبقى حرمته عليها؛ فلا تنكح ... إلى غير ذلك من الخصائص النبوية. ولنتكلم عن ثلاث من أعظم خصائص نبينا محمد ﷺ ، وهي: الإسراء والمعراج، وعموم رسالته، وختم النبوة به ﷺ . ١- الإسراء والمعراج. قال ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١. قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة: "يمجد تعالى نفسه، ويعظم شأنه؛ لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه؛ فلا إله غيره، ولا رب سواه. ﴿الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ ؛ يعني: محمدًا ﷺ . ﴿لَيْلاً﴾ ؛ أي: في جنح الليل. ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ :وهو مسجد مكة. ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ : وهو بيت المقدس الذي بإيليا معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل ﵇، ولهذا جمعوا له هناك كلهم، فأمهم في محلتهم ودارهم، فدل على أنه هو الإمام الأعظم والرئيس المقدم، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ ؛ أي: في الزروع والثمار. ﴿لِنُرِيَهُ﴾ ؛ أي: محمدًا. ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾ ؛ أي: العظام؛ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ٢. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣؛ أي: السميع لأقوال عباده؛ مؤمنهم وكافرهم، مصدقهم ومكذبهم، البصير بهم؛ فيعطي كلاًّ منهم ما يستحقه في الدنيا والآخرة) انتهى.

стр. 212

و (المعراج) : مفعال من المعروج؛ أي: الآلة التي يعرج فيها؛ أي: يصعد، وهو بمنزلة السلم، لكن لا يعلم كيف هو إلا الله. وحكمه كحكم غيره من المغيبات؛ نؤمن به، ولا نشتغل بكيفيته. والذي عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة وقبل الهجرة بسنة، وقيل: سنة وشهرين؛ ذكره ابن عبد البر. صفة الإسراء والمعراج المستفادة من النصوص: قال الحافظ ابن كثير في (تفسيره) : "والحق أنه ﵇ أسري به يقظة لا مناما، من مكة إلى بيت المقدس، راكبا البراق، فلما انتهى إلى باب المسجد؛ ربط الدابة عند الباب، ودخله، فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين، ثم أتي بالمعراج وهو كالسلم، ذو درج يرقى فيها، فصعد فيه إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السماوات السبع، فتلقاه من كل سماء مقرَّبوها، وسلم على الأنبياء الذين في السماوات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مر بموسى الكليم في السادسة وإبراهيم الخليل في السابعة، ثم جاوز منزلتهما ﷺ وعليهما وعلى سائر الأنبياء، حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام [أي: أقلام القدر] بما هو كائن، ورأى سدرة المنتهى، وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب وألوان متعددة، وغشيتها الملائكة، ورأى هناك جبريل على صورته، وله ست مائة جناح، ورأى رفرفا أخضر قد سد الأفق، ورأى البيت المعمور، وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضية، مسند ظهره إليه؛ لأنه الكعبة السماوية، يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة، ثم يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، ورأى الجنة والنار، وفرض عليه هنالك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس؛ رحمة منه، ولطفا بعباده، وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها، ثم هبط إلى بيت المقدس، وهبط

стр. 213

معه الأنبياء، فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة، ويحتمل أنها الصبح من يومئذ، ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء، والذي تظاهرت به الروايات أنه أمهم ببيت المقدس، ولكن في بعضها أنه كان أو دخوله إليه، والظاهر أنه بد رجوعه إليه؛ لأنه لما مر بهم في منازلهم؛ جعل يسأل عنهم جبريل واحداً واحداً، وهو يخبر بهم، وهذا هو اللائق؛ لأنه كان أولاً مطلوبا إلى الجناب العلوي؛ ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله - تعالى، ثم لما فرغ من الذي أريد به؛ اجتمع فيه [أي: بيت المقدس] هو وإخوانه من النبيين، ثم ظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل ﵇ في ذلك، ثم خرج من بيت المقدس، فركب البراق، وعاد إلى مكة بغلس، والله أعلم. هل كان الإسراء ببدنه ﵇ وروحه أو بروحه فقط؟ اختلف الناس؛ هل كان الإسراء ببدنه ﵇ وروحه أو بروحه فقط على قولين: فالأكثرون من العلماء على أنه أسرى ببدنه وروحه يقظة لا مناما، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ ١؛ فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان مناما؛ لم يكن فيه شيء كبير، ولم يكن متستعظما، ولما بادرت كفار قريش إلى تكذيبه، ولما ارتدت جماعة ممَّن كان قد أسلم، وأيضا قال - سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ٢؛ قال ابن عباس: "هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به"، رواه البخاري، و قال - سبحانه - ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ ٣،

стр. 214

فإنه ﷺ كان لا يرى رؤيا؛ إلا جاءت مثل فلق الصبح، وقد تقدم مثل ذلك في حديث بدء الوحي أنه رأى مثل ما وقع له يقظة مناما قبله؛ ليكون ذلك من باب الإرهاص والتوطئة والتثبيت والإيناس ... والله أعلم". هل تكرر المعراج؟: قال الحافظ ابن كثير بعد أن ساق الأحاديث الواردة في هذا الموضوع: (وإذا حصل الوقوف على مجموع هذه الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها، فَحُصِّلَ مضمون ما اتفقت عليه من إسراء رسول الله ﷺ من مكة إلى بيت المقدس، وأنه مرة واحدة، وإن اختلفت عبارات الرواة في أدائه، أو زاد بعضهم فيه، أو نقص منه؛ فإن الخطأ على من عدا الأنبياء ﵈. ومن جعل من الناس كل رواية خالفت الأخرى مرة على حدة؛ فأثبت إسراءات متعددة؛ فقد أبعد وأغرب وهرب إلى غير مهرب ولم يتحصل على مطلب. وقد صرح بعض المتأخرين بأنه ﵇ أسري به مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط، ومرة من مكة إلى السماء فقط، ومرة إلى بيت المقدس فقط ومنه إلى السماء، وفرح بهذا المسلك وأنه قد ظفر بشيء يخلص به من الإشكالات، وهذا بعيد جدّاً، ولم ينقل هذا عن أحد من السلف، ولو تعدد هذا التعدد؛ لأخبر النبي ﷺ به أمته، ولنقله الناس على التعدد والتكرار. وزعم بعض الصوفية أن المعراج وقع له ﷺ ثلاثين مرة، وقال بعضهم: أربعا وثلاثين مرة؛ واحدة منها بجسمه الشريف، والباقي بروحه. وقيل: كان الإسراء مرتين: مرة يقظة، ومرة مناما. وأصحاب هذا القول كأنهم أرادوا الجمع بين حديث شريك وقوله:"ثم استيقظت"، وبين سائر الروايات.

стр. 215

وكذلك منهم من قال: بل ثلاث مرات: مرة قبل الوحي، ومرتين بعده ... وكلما اشتبه عليهم لفظه؛ زادوا مرة للتوفيق) . قال ابن القيم: "يا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه كان مرارًا؛ كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة يفرض عليهم الصلوات خمسين، ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسا، فيقول: أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي ... ثم يعيدها في المرة الثانية خمسين ثم يحطها إلى خمس". وقال ابن كثير: "وكان بعض الرواة يحذف بعض الخبر للعلم به أو ينساه، أو يذكر ما هو الأهم عنده، أو يبسط تارة فيسوقه كله، وتارة يحذف عن مخاطبه بما هو الأنفع عنده، ومن جعل كل رواية إسراء على حدة؛ كما تقدم عن بعضهم؛ فقد أبعد جدّاً، وذلك أن كل السياقات فيها السلام على الأنبياء، وفي كل منها يعرفه بهم، وفي كلها يفرض عليه الصلوات؛ فكيف يمكن أن يدَّعي تعدد ذلك؟! هذا في غاية البعد والاستحالة، والله أعلم". ٢- عموم رسالة محمد ﷺ ، والرد على من أنكره. يقول جماعة من اليهود والنصارى ومن قلّدهم: إن محمدًا ﷺ مرسل إلى العرب دون أهل الكتاب، ويلبسّون بقولهم: إن كان دينه حقا؛ فديننا - أيضا - حق، والطرق إلى الله تعالى متنوعة!، ويشبهون ذلك بمذاهب الأئمة؛ فإنه وإن كان أحد المذاهب راجحا؛ فأهل المذاهب الأخر ليسوا كفاراً. وهذا القول ظاهر البطلان؛ لأنهم لما صدقوا برسالته؛ لزمهم تصديقه في كل ما يخبر به، وقد قال: إنه رسول الله إلى الناس عامة، والرسول لا يكذب؛ فلزم تصديقه حتما، وقد أرسل رسله وبعث كتبه في أقطار الأرض إلى كسرى وقيصر والنجاشي والمقوقس وسائر ملوك الأطراف يدعو إلى الإسلام، ثم مقاتلته

стр. 216

لأهل الكتاب وسبي ذراريهم واستباحة دمائهم وضرب الجزية عليهم أمر معلوم بالتواتر والضرورة؛ فإنه دعا المشركين إلى الإيمان به، ودعا أهل الكتاب إلى الإيمان به، وجاهد أهل الكتاب كما جاهد المشركين؛ فجاهد بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، وأهل خيبر، وهؤلاء كلهم يهود، وسبى ذراريهم ونساءهم وغنم أموالهم، وغزا النصارى عام تبوك بنفسه وبسراياه، حتى قتل في محاربتهم زيد بن حارثة مولاه وجعفر وغيرهما من أهله، وضرب الجزية على نصارى نجران، وكذلك خلفاؤه الراشدون من بعده جاهدوا أهل الكتاب وقاتلوا من قاتلهم وضربوا الجزية على من أعطاهم منهم عن يد وهم صاغرون. وهذا القرآن - الذي يعرف كل أحد أنه الكتاب الذي جاء به محمد ﷺ مملوء من دعوة أهل الكتاب إلى إتباعه، ويكفِّر من لم يتبعه منهم ويلعنه، كما جاء بتكفير من لم يتبعه من المشركين وذمِّه؛ كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ ... ﴾ ١ الآية، وفي القرآن من قوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَاب﴾ ، ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ؛ ما لا يحصى إلا بكلفة، وقال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ ... ﴾ إلى قوله: ﴿خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ ٢، ومثل هذا في القرآن كثير جدّاً. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ ٤. واستفاض عنه ﷺ قوله: "فضلت على الأنبياء بخمس"، ذكر منها أنه: "وكان يبعث النبي إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة"، بل تواتر عنه ﷺ أنه بعث إلى الجن والإنس. فإذا علم بالاضطرار وبالنقل المتواتر الذي تواتر كما تواتر ظهور دعوته؛

стр. 217

أنه دعا أهل الكتاب إلى الإيمان به، وأنه حكم بكفر من لم يؤمن به منهم، وأنه أمر بقتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وأنه قاتلهم بنفسه وسراياه، وأنه ضرب الجزية عليهم وقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم وغنم أموالهم؛ فحاصر بني قينقاع ثم أجلاهم إلى أذرعات، وحاصر بني النضير ثم أجلاهم إلى خيبر، وفي ذلك أنزل الله سورة الحشر، ثم حاصر بني قريظة لما نقضوا العقد وقتل رجالهم وسبى حريمهم وأخذ أموالهم، وقد ذكره الله تعالى في سورة الأحزاب، وقاتل أهل خيبر حتى فتحها وقتل من قتل من رجالهم وسبى من سبى من ريمهم وقسم أرضهم على المؤمنين، وقد ذكره الله تعالى في سورة الفتح، وضرب الجزية على النصارى، وفيهم أنزل الله سورة آل عمران، وغزا النصارى عام تبوك، وفيها أنزل الله سورة براءة، وفي عامة السور المدنية مثل البقرة وآل عمران والنساء والمائدة وغير ذلك من السور المدنية من دعوة أهل الكتاب وخطابهم ما لا يتسع المقام لنشره. ثم خلفاؤه بعده أبو بكر وعمر ومن معهما من المهاجرين والأنصار، الذين يعلم أنهم كانوا أتبع الناس له، وأطوعهم لأمره، وأحفظهم بعهده، وقد غزوا الورم كما غزوا فارس، وقاتلوا أهل الكتاب كما قاتلوا المجوس؛ فقاتلوا من قاتلهم، وضربوا الجزية على من أداها منهم عن يد وهم صاغرون. ومن الأحاديث الصحيحة عنه قوله ﷺ : "والذي نفسي بيده؛ لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي؛ إلا دخل النار"؛ قال سعيد بن جبير: "تصديق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُه﴾ ١، ومعنى الحديث متواتر عنه معلوم بالاضطرار. فإذا كان الأمر كذلك؛ لزم أنه ﷺ رسول إلى كل الطوائف؛ فإنه يقرر بأنه رسول الله إلى أهل الكتاب وغيرهم؛ فإن رسول الله لا يكذب، ولا يقاتل الناس

стр. 218

على طاعته بغير أمر الله، ولا يستحل دماءهم وأموالهم وديارهم بغير إذن الله؛ فمن ادعى أن الله أمره بذلك، ولم يكن أمره؛ كان كاذبا مفتريا ظالما، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ ١، وكان مع كونه ظالما مفتريا من أعظم المريدين علوّاً في الأرض وفساداً، وكان شرّاً من الملوك الجبابرة الظالمين؛ فإن الملوك الجبابرة يقاتلون الناس على طاعتهم، ولا يقولون: إنا رسل الله إليكم، ومن أطاعنا دخل الجنة، ومن عصانا دخل النار، بل فرعون وأمثاله لا يدخلون في مثل هذا، ولا يدخل في هذا إلا نبي صادق أو متنبىء كذاب؛ كمسيلمة والأسود وأمثالهما. فإذا علم أنه نبي؛ لزم أن يكون ما أخبر به عن الله حقا، وإذا كان رسول الله؛ وجبت طاعته في كل ما يأمر به؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٢، وإذا أخبر أنه رسول الله إلى أهل الكتاب، وأنه تجب عليهم طاعته؛ كان ذلك حقا. ومن أقر بأنه رسول الله، وأنكر أن يكون مرسلاً إلى أهل الكتاب؛ فهو بمنزلة من يقول: إن موسى كان رسولاً، ولم يكن يجب أن يدخل أرض الشام، ولا يخرج بني إسرائيل من مصر، وإن الله لم يأمره بذلك، وإنه لم يأمره بالسبت، ولا أنزل عليه التوارة، ولا كلمه على الطور، ومن يقول: إن عيسى كان رسول الله، ولم يبعث إلى بني إسرائيل، ولا كان يجب على بني إسرائيل طاعته، وإنه ظلم اليهود ... وأمثال ذلك من المقالات التي هي أكفر المقالات. ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ ٣.

стр. 219

٣ - ختم الرسالات ببعثة محمد ﷺ . لقد ختم الله النبوة بنبوة محمد ﷺ ؛ قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ١، وقال ﷺ : "أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي"، وذلك يستلزم ختم المرسلين لأن ختم الأعم يستلزم ختم الأخص. ومعنى ختم النبوة بنبوته ﵊: أنه لا تبدأ نبوة ولا تشرع شريعة بعد نبوته وشرعته، وأما نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان؛ فلا ينافي ذلك؛ لأن عيسى ﵇ إذا نزل؛ إنما يتعبد بشريعة نبينا ﷺ دون شريعته المتقدمة؛ أنها منسوخة؛ فلا يتعبد بهذه الشريعة أصولاً وفروعا، فيكون خليفة لنبينا ﷺ ، وحاكما من حكام ملته بين أمته. فهذا النبي الخاتم للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قد بعث بخير كتاب وأتم شريعة وأفضل ملة وأكل دين، جاء بشريعة كافية لحاجة الخليفة في كل زمان ومكان إلى أن تقوم الساعة، وكمل به عقد النبيين؛ فلا نبي بعده. وفي (الصحيحين) وغيرهما من حديث جابر بن عبد الله ﵄، عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: "ومثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارًا فأكملها وأحسنها؛ إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلون ويعجبون منها ويقولون: لولا موضع اللبنة"، زاد مسلم: "فجئت فختمت الأنبياء". وفي (الصحيحين) - أيضا - من حديث أبي هريرة ﵁ معناه، وفيه: "فجعل الناس يطوفون به ويقولون: هلا وضعت اللبنة. فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين". وقال ﷺ : "كانت بنوا إسرائيل تسوسهم الأنبياء، لكما هلك نفي خلفه

стр. 220

نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء"، رواه البخاري. وعن جابر بن سمرة؛ قال: "رأيت خاتما في ظهر رسول الله ﷺ كأنه بيضة حمام"، رواه مسلم. قال الحافظ في (الفتح) : "قال القرطبي: اتفقت الأحاديث الثابتة على أن خاتم النبوة كان شيئا بارزًا أحمر عند كتفه الأيسر، قدره إذا قلل قدر بيضة الحمامة، وإذا كبر جمع اليد١، والله أعلم". قال العلماء: السر في ذلك أن القلب في تلك الجهة. قال السهيلي: "وضع خاتم النبوة عند كتفه ﷺ ؛ لأنه معصوم من وسوسة الشيطان، وذلك الموضع يدخل منه الشيطان". وقال الحافظ ابن كثير: "فمن رحمة الله تعالى بالعباد إرسال محمد ﷺ إليهم، ثم من تشريفه لهم ختم الأنبياء المرسلين به، وإكمال الدين الحنيف له، وقد أخبر الله ﵎ في كتابه ورسوله ﷺ في السنة المتواترة عنه أنه لا نبي بعده؛ ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده؛ فهو كذاب أفاك دجال ضال مضل، ولو تخرف وشعبذ وأتى بأنواع السحر والطلاسم والنيرنجيات؛ فكلها محال وضلال عند أولي الألباب؛ كما أجرى الله تعالى على يد الأسود العنسي باليمن ومسيلمة الكذاب باليمامة من الأحوال الفاسدة والأقوال الباردة ما علم كل ذي لب وفهم وحجى أنهما كاذبان ضالان لعنهما الله، وكذلك كل مدع لذلك إلى يوم القيامة، حتى يختموا بالمسيح الدجال؛ فكل واحد من هؤلاء الكذابين يخلق الله معه من الأمور ما يشهد العلماء والمؤمنون بكذب من جاء بها. وهذا من تمام لطف الله تعالى بخلقه؛ فإنهم بضرورة الواقع [أي: الكذابون] لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر؛ إلا على سبيل الاتقاء، أو

стр. 221

لما لهم من القاصد إلى غيره، ويكونون في غاية الإفك والفجور في أقوالهم وأفعالهم؛ كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ ١. وهذا بخلاف حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فإنهم في غاية الصدق والرشد والاستقامة والعدل فيما يقولونه ويأمرون به وينهون عنه، مع ما يؤيَّدون به من الخوارق للعادات والأدلة الواضحات والبراهين الباهرات؛ فصلوات الله وسلامه عليهم دائما مستمرًا ما دامت الأرض والسماوات. وليس الناس بحاجة إلى بعثة نبي بعد محمد ﷺ ؛ لكمال شريعته، ووفائها بحاجة البشرية. وماذا عسى أن يقتضي بعثة نبي جديد بعد محمد ﷺ ؟!. وإن قيل: إن الأمة قد فسدت؛ فالعمل على إصلاحها يحتاج إلى بعثة نبي جديد. قلنا: هل بعث نبي في الدنيا لمجرد الإصلاح حتى يبعث في هذا الزمان لمجرد هذا الغرض؟! إن النبي لا يبعث إلا ليوحى إليه، ولا تكون الحاجة إلى الوحي إلا لتبليغ رسالة جديدة، أو إكمال رسالة متقدمة، أو لتطهيرها من شوائب التحريف والتبديل، فلما قضت كل هذه الحاجات إلى الوحي بحفظ القرآن وسنة محمد ﷺ وإكمال الدين على يده ﷺ ؛ فلم تبق الحاجة الآن إلى الأنبياء، وإنما هي إلى المصلحين) . انتهى بتصرف يسير من (الرد على القاديانية) . وقد أعلن الله ختم النبوات والرسالات بنبوة محمد ﷺ في قوله: ﴿مَا كَانَ

стр. 222

مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ ١. ومن البدهي الذي لا يقبل الاعتراض أن استمرار بقاء القرآن الحاوي بشرائعه وأحكامه أسس مطالب البشر التشريعية كلها محفوظا كما أنزل على محمد مع استمرار بقاء سيرة الرسول وسنته المبينة لمعاني القرآن صحيحة ثابتة هو بمثابة استمرار وجود الرسول فينا على قيد الحياة. قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٢، والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول بعد وفاته هو الرد إلى سنته. وبذلك؛ فقد أصبح العالم بغنية عن بعث أنبياء وإرسال رسل وتجديد شرائع للناس بعد محمد صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه لو بعث الله رسلاً وأنبياء؛ فلن يحدثوا شيئا، ولن يزيدوا على ما جاء به الرسول محمد ﷺ من أسس في العقيدة أو في التشريع؛ فقد أكمل الله الدين وأتم الشريعة؛ حيث يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً﴾ ٣. وإن كان الغرض من إرسال الرسل هو نشر هذه الرسالة ودعوة الناس إليها؛ فهذه وظيفة علماء المسلمين؛ فعليهم أن يقوموا بتبليغ هذه الدعوة للناس. فمن ادعى عدم ختم النبوة بعد محمد ﷺ ، أو صدق من يدعي ذلك؛ فهو مرتد عن دين الإسلام، ولهذا؛ حكم الصحابة على من ادعى النبوة بعد محمد ﷺ بالردة، وقاتلوه هو وأتباعه، وسموهم بالمرتدين، وهذا مما أجمع عليه علماء المسلمين سلفا وخلفا.

стр. 223

الحكمة في ختم النبوة بمحمد ﷺ . وكانت نبوة محمد ﷺ خاتمة للنبوات؛ لأنه بعث إلى الناس كافة إلى أن تقوم الساعة؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ ١، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ ٣، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ ٤. وإذا كانت رسالته عامة للناس؛ فلا بد أن تكون شريعته كاملة شاملة لمصالح البشر، لا يحتاج معها إلى شريعة أخرى وبعثة نبي آخر؛ كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ ٧. قال الشيخ أبو الأعلى المودودي في (رده على القاديانية) : "ونحن إذا تتبعناه [أي: القرآن] بغية أن نعرف الأسباب التي لأجلها ظهرت الحاجة إلى إرسال نبي في أمة من أمم الأرض؛ علمنا أن هذه الأسباب أربعة: ١- كانت هذه الأمة ما جاءها من الله نبي من قبل، ولا كان لتعاليم نبي مبعوث في أمة غيرها أن تصل إليها. ٢- كان قد أرسل إليها نبي من قبل، ولكن كان تعليمه قد انمحى أو لعبث به يد النسيان أو التحريف حتى لم يعد بإمكان الناس أن يتبعوه اتباعا كاملاً صحيحا. ٣- كان قد أرسل إليها نبي من قبل، ولكن تعاليمه ما كانت شاملة لمن يأتي بعده وافية لمتطلبات عصرهم؛ فألحت الحاجة إلى المزيد من الأنبياء

стр. 224

لإكمال الدين. ٤- كان قد أرسل إليها نبي، ولكن كانت الحاجة تقتضي أن يرسل معه نبي آخر لتصديقه وتأييده. وكل سبب من هذه الأسباب الأربعة قد زال بعد النبي محمد ﷺ ؛ فلا حادة للأمة الإسلامية ولا أمة أخرى في العالم إلى أن يرسل إليها نبي جديد بعد محمد ﷺ . وقد تولى القرآن بنفسه بيان أن بعثة النبي محمد ﷺ إلى الناس كافة ولهداية الناس عامة؛ قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ ١. وأيضا مما يدل عليه تاريخ الحضارة في الدنيا أن الظروف في العالم ما زالت منذ بعثته ﷺ ولا تزال مهيأة بحيث من الممكن أن تصل دعوته إلى كل صقع من أصقاع العالم، وإلى كل أمة من أممة؛ فلا حاجة بعد ذلك إلى نبي جديد إلى أمة من أمم الدنيا أو صقع من أصقاعها؛ فذلك قد زال السبب الأول. ومما يشهد به القرآن كذلك، تؤيده عليه ذخيرة كتب الحديث والسيرة أن التعليم الذي جاء به النبي ﷺ لا يزال حيا محفوظا على صورته الحقيقة، ولم تلعب به يد النسيان ولا التحريف والتبديل، وأما الكتاب الذي جاء به؛ فما وقع التحريف ولا النقص ولا الزيادة في أي حرف من أحرفه، ولا من الممكن أن يقع إلى يوم القيامة، وأما الهداية التي أعطاها للناس بأقواله وأفعاله؛ فإننا نجد آثارها ختى اليوم حية مصونة كأننا أمام شخصه ﷺ وفي زمانه؛ فبذلك قد زال السبب الثاني. ثم إن القرآن ليصرح كذلك بأن الله تعالى قد أكمل دينه بواسطة محمد

стр. 225

صلى الله عليه وسلم؛ فبذلك قد زال السبب الثالث - أيضا -. ثم إن الحاجة لو كانت تقتضي إرسال نبي مع النبي محمد ﷺ لتأييده وتصديقه؛ لأرسل في زمانه ﷺ ؛ فبذلك قد زال السبب الرابع - أيضا -. فأي سبب خاص من زوال هذه الأسباب الأربعة؟) انتهى المقصود من كلامه.

стр. 226

كرامات الأولياء: كنا قد تكلمنا عن آيات الأنبياء، والفرق بينها وبين خوارق السحرة والكهان وعجائب المخترعات الحديثة، ولما لها من الآثار، وسنتكلم إن شاء الله عن كرامات الأولياء؛ لأن هلا ارتباطا بآيات الأنبياء، ونبيِّن الفرق بينها وبين خوارق السحرة والمشعوذين - أيضا؛ فنقول: أولياء الله هم المؤمنون المتقون؛ كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ١، فكل مؤمن تقي؛ فهو ولي لله بقدر إيمانه وتقواه، وقد يظهر الله على يديه من خوارق العادات، وهي ما يسمى بالكرامات. فـ (الكرامة) : خارق للعادة يجريه الله على يد بعض الصالحين من أتباع الرسل؛ إكراما من الله له؛ ببركة إتباعه للرسل صلوات الله وسلامه عليهم. وليس كل ولي تحصل له كرامة، وإنما تحصل لبعضهم؛ إما لقوية إيمانه، أو لحاجته، أو لإقامة حجة على خصمه المعارض في الحقن والأولياء الذين لم تظهر لهم كرامة لا يدل ذلك على نقصهم؛ كما أن الذين وقعت لهم الكرامة لا يدل ذلك على أنهم أفضل من غيرهم. وكرامات الأولياء حق بإجماع أئمة الإسلام والسنة والجماعة، وقد دل

стр. 227

عليها القرآن الكريم والسنة الصحيحة، وإنما ينكرها أهل البدع من المعتزلة والجهمية ومن تابعهم، وهذا إنكار لما هو ثابت في القرآن والسنة؛ ففي القرآن الكريم قصة أصحاب الكهف وقصة مريم، وفي السنة الصحيحة مثل نزول الملائكة كهيئة الظلة فيها أمثال السرج لاستماع قراءة أسيد بن حضير ﵁، وسلام الملائكة على عمران بن حصين ﵁، ولها أمثلة كثيرة، ومن أراد الاطلاع على هذه المسألة؛ فليراجع كتاب "الفرقان بين أوليا الرحمن وأولياء الشيطان" لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. وقد حصل في موضوع كرمات الأولياء التباس وخلط عظيم بين الناس؛ فطائفة أنكروا وقوعها ونفوها بالكلية، وهم الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم؛ فخالفوا النصوص، وكابروا الواقع، وطائفة غلت في إثباتها، وهم العوام وعلماء الضلال؛ فأثبتوا الكرامات للفجرة والفساق ومن ليسوا من أولياء الله، بل من أولياء الشيطان، واعتمدوا في إثبات ذلك على الحكايات المكذوبة والمنامات والخوارق الشيطانية؛ فادعوا الكرامات للسحرة والمشعوذين والدجالين من مشايخ الطرق الصوفية والمخرفين؛ حيت عبدوهم من دون الله أحياءً وأمواتا، وبنوا الأضرحة على قبور من يزعمون لهم الولاية ممَّن حيكت لهم الدعايات العريضة، ونسب إليهم التصرف في الكون وقضاء حوائج من دعاهم، وطلب منهم المدد، واستغيث بهم، وسموهم الأقطاب والأغواث؛ بسبب تلك الكرامات المزعومة والحكايات المكذوبة؛ فقد اتخذت دعوى الكرامات ذريعة لعبادة من نسبت إليه، وربما سموا الشعوذة والتدجيل والسحر كرامة؛ لأنهم لا يفرقون بين الكرامة والأحوال الشيطانية، ولا يفرقون بين أولياء الرَّحمن وأولياء الشيطان، وإلا؛ فمن المعلوم أنه حتى من ثبت أنه ولي لله بنص من القرآن أو السنة، وإن جرى على يده كرامة من الله؛ لا يجوز أن يعبد من دون الله، ولا أن يُتبرك به أو بقبره؛ لأن العبادة حق الله وحده.

стр. 228

وهناك فروق بين كرامات الأولياء وخوارق السحرة والمشعوذين والدجالين: منها: أن كرامات الأولياء سببها التقوى والعمل الصالح، وأعمال المشعوذين سببها الكفر والفسوق والفجور. ومنها: أن كرامات الأولياء يستعان بها على البر والتقوى، أو على أمور مباحة، وأعمال المشعوذين والدجالين يستعان بها على أمور محرمة من الشرك والكفر وقتل النفوس. ومنها: أن كرامات الأولياء تقوى بذكر الله وتوحيده، وخوارق السحرة والمشعوذين تبطل أو تضعف عند ذكر الله وقراءة القرآن والتوحيد. فتبين بهذا أن بين كرامات الأولياء وتهريجات المشعوذين والدجالين فروقا تميز الحق من الباطل. وكما ذكرنا؛ فإن أولياء الله حقا لا يستغلون ما يجريه الله على أيديهم من الكرامات للنصب والاحيتال ولفت أنظار الناس إلى تعظيمهم، وإنما تزيدهم تواضعا ومحبة لله وإقبالاً على عبادته؛ بخلاف هؤلاء المشعوذين والدجالين؛ فإنهم يستغلون هذه الأحوال الشيطانية التي تجري على أيديهم لجلب الناس إلى تعظيمهم والتقرب إليهم وعبادتهم من دون الله ، حتى كوَّن كل واحد منهم له طريقة خاصة وجماعة تسمى باسمه؛ كالشاذلية، والرفاعية، والتقشبندية ... إلى غير ذلك من الطرق الصوفية. والحاصل أن الناس انقسموا في موضوع الكرامات إلى ثلاث أقسام: قسم غلو في نفيها، حتى أنكروا ما هو ثابت في الكتاب والسنة من الكرامات الصحيحة التي تجري على وفق الحق لأولياء الله المتقين. وقسم غلوا في إثبات الكرامات؛ حتى اعتقدوا أن السحر والشعوذة

стр. 229

والدجل من الكرامات، واستغلوها وسيلة للشرك والتعلق بأصحابها من الأحياء والأموات، حتى نشأ عن ذلك الشرك الأكبر بعبادة القبور وتقديس الأشخاص والغلو فيهم؛ لما يزعمونه لهم من الكرامات والخرافات. والقسم الثالث - وهم أهل السنة والجماعة - توسطوا في موضوع الكرامات بين الإفراط والتفريط؛ فأثبتوا منها ما أثبته الكتاب والسنة، ولم يغلوا في أصحابها، ولم يتعلقوا بهم من دون الله، ولا يعتقدون فيهم أنهم أفضل من غيرهم، بل هناك من هو أفضل منهم، ولم تجر على يديه كرامة، ونفوا ما خالف الكتاب والسنة من الدجل والشعوذة والنصب والاحتيال، واعتقدوا أنه من عمل الشيطان، وليس هو من كرامات الأولياء؛ فلله الحمد والمنة على وضوح الحق وافتضاح الباطل؛ ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١.

стр. 230

الأصل الخامس: الإيمان باليوم الآخر أولاً الإيمان بأشراط الساعة مدخل ... الأصل الخامس: الإيمان باليوم الآخر ويتضمن: أولاً: الإيمان بأشراط الساعة. لما كان اليوم الآخر مسبوقا بعلامات تدل قرب وقوعه تسمى أشراط الساعة؛ ناسب أن نذكر أهمها؛ لأن الإيمان بها واجب، وهو من صلب العقيدة. قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ ٢؛ أي: علاماتها وأماراتها، واحدها شرط؛ بفتح الراء وهو العلامة. قال الإمام البغوي ﵀: "وكانت بعثة النبي ﷺ من أشراط الساعة". وقال تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ٤.

стр. 231

ولقرب وقوع يوم القيامة وتحققه؛ جعله - سبحانه - كغد؛ قال تعالى: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ ١، والغد هو ما بعد يومك، وقال تعالى: ﴿إنهم يرونه بعيدًا ونراه قريبا﴾ ٢. وروى الترمذي وصححه من حديث أنس مرفوعا: "بعثت أما والساعة كهاتين" وأشار بالسبابة والوسطى. وفي (الصحيحين) عن عمر ﵄ مرفوعا: "إنما أجلكم فيمن قبلكم من الأمم من صلاة العصر إلى مغرب الشمس"، وفي لفظ: "إنما بقاؤكم فيما قبلكم من الأمم ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس". ولما كان أمر الساعة شديدًا؛ كان الاهتمام بشأنها أكثر من غيرها، ولهذا أكثر النبي ﷺ من بيان أشراطها وأماراتها، وأخبر عما يأتي بين يديها من الفتن، ونبه أمته وحذرهم؛ ليتأهبوا لذلك. وأما وقت مجيئها؛ فهو مما انفرد - الله تعالى - بعلمه وأخفاه عن العباد لأجل مصلحتهم؛ ليكونوا على استعداد دائما؛ كما أخفى - سبحانه عن كل نفس وقت حلول أجلها؛ لتكون دائما على أهبة الاستعداد والانتظار، ولا تتكاسل عن العمل. قال العلامة السفاريني: "ثم اعلم أن أشراط الساعة وأماراتها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم ظهر وانقضى، وهو الأمارات البعيدة. وقسم ظهر ولم ينقض، بل لا يزال في زيادة. والقسم الثالث: الأمارات الكبيرة التي تعقبها الساعة، وهي تتتابع كنظام خرزات انقطع سلكها". فالأولى: "أعني التي ظهرت ومضت وانقضت": منها: بعثة النبي ﷺ ، وموته، وفتح بيت المقدس.

стр. 232

ومنها: قتل المؤمنين عثمان بن عفان ﵁؛ قال حذيفة: "أول الفتن قتل عثمان"، وذكر الحروب التي وقعت بين المسلمين بعد ذلك، وظهور الفرق الضالة كالخوارج والرافضة، ثم قال: "ومنها: خروج كذابين دجالين، وكل منهم يدعي أنه نبي". ومنها: زوال ملك العرب؛ رواه الترمذي. ومنها: كثرة المال؛ رواه الشيخان وغيرهما. ومنها: كثرة الزلازل والخسف والمسخ والقذف ... وغير ذلك مما أخبر عنه النبي ﷺ أنه من أمارات الساعة؛ فظهر ومضى وانقضى. الثانية: الأمارات المتوسطة. وهي التي ظهرت ولم تنقض، بل تتزايد وتكثر، وهي كثيرة جدًا: منها قوله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع"، رواه الإمام أحمد والترمذي والضياء المقدسي من حديث حذيفة ﵁، واللكع: العبد والأحمق واللئيم، والمعنى: لا تقوم الساعة حتى يكون اللئام والحمقى ونحوهم رؤساء الناس. ومن الأمارات: قوله ﷺ : "يأتي على الناس زمان الصابر على دينه كالقابض على الجمر"، رواه الترمذي عن أنس. وقوله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد"، رواه الإمام أحمد ولأبو داود وابن حبان وابن ماجه عن أنس ﵁. وقوله ﷺ : "يكون في آخر الزمان عباد جهال وقراء فسقة"، وفي لفظ:

стр. 233

"فساق"، رواه أبو نعيم والحاكم عن أنس. ومنها أن يرى الهلال ساعة يطلع، فيقال: لليلتين؛ لا نتفاخه وكبره، روى معناه الطبراني عن ابن مسعود، وفي لفظ: "من أشراط الساعة انتفاخ الأهلة"؛ بالخاء المعجمة؛ أي: عظمها، وروي بالجيم. ومنها: اتخاذ المساجد طرقا ... ". إلى أن قال: " ومنها: ما في "صحيح البخاري" وغيره من حديث أنس ﵁؛ أنه قال: ألا أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ، لا يحدثكم به أحد غيري؟، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن من أشراط الساعة: أن يُرفع العلم، ويكثر الجهل، ويكثر الزنى، ويكثر شرب الخمر، ويقل الرجال، ويكثر النساء؛ حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد". وفي (الصحيح) من حديث أبي هريرة ﵁؛ قال: "بينما النبي ﷺ في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي؛ قال متى الساعة؟، فمضى رسول الله ﷺ يحدث، وقال بعض القوم: سمع ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه؛ قال: أين السائل عن الساعة؟. فقال: ها أنا يا رسول الله!، قال: فإذا ضيعت الأمانة؛ فانتظر الساعة قال: كيف إضاعتها؟، قال: إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله؛ فانتظر الساعة". الثالثة من أمارات الساعة العلامات العظام والأشراط الجسام التي تعقبها الساعة: ومنها: خروج المهدي، والمسيح الدجال، ونزول عيسى بن مريم ﵇، وخروج يأجوج ومأجوج، وهدم الكعبة، والدخان، ورفع القرآن، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وخروج النار من قعر عدن، ثم النفخ في الصور نفخة الفزع، ثم الصعق وهلاك الخلق، ثم نفخة البعث والنشور"

стр. 234

وعلى كل؛ فالأمر عظيم، ونحن في غفلة، وقد ظهر من هذه العلامات الشيء الكثير؛ فنسأل الله أن يثبتنا على دينه، ويتوفانا على الإسلام، ويقينا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن. وهذا من علامات النبوة ومعجزات الرسول ﷺ ، حيث أخبر عن أمور مستقبلة مما أطلعه الله على علمه، فوقع كما أخبر، وهذا مما يقوي إيمان العبد. وفي إخباره ﷺ بذلك رحمة بالعباد؛ ليحذروا، ويستعدوا، ويكونوا على بصيرة من أمرهم؛ فصلوات الله وسلامه على هذا النبي الكريم، الذي بلغ البلاغ المبين، وبيَّن غاية التبيين، ونحن على ذلك من الشاهدين. وأول هذه العلامات: ظهور المهدي، ثم خروج الدجال، ثم نزول المسيح ﵇، ثم تتابع.

стр. 235

ظهور المهدي: عن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تنقضي الأيام ولا يذهب الدهر حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطىء اسمه اسمي"، رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي بأسانيد صحيحة، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وفي الباب عن علي وأبي سعيد وأم سلمة وأبي هريرة. قال العلامة السفاريني: "وقد تكاثرت الروايات والآثار بأمر المهدي". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الأحاديث التي يحتج بها على

стр. 236

خروج المهدي أحاديث صحيحة، رواها أبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم" انتهى. واسم المهدي: محمد بن عبد الله، من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁، يخرج في آخر الزمان، وقد امتلأت الأرض جورًا وظلما، فيملؤها عدلاً وقسطا. قال العلامة السفاريني: "قد كثرت الأقوال في المهدي حتى قيل: لا مهدي إلا عيسى، والصواب الذي عليه أهل الحق أن المهدي غير عيسى، وأنه يخرج قبل نزول عيسى ﵇، وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عد من معتقداتهم ... " انتهى. أقول: وقد انقسم الناس في أمر المهدي إلى طرفين ووسط: فالطرف الأول: من ينكر خروج المهدي؛ مثل بعض الكتاب المعاصرين الذين ليس لهم خبرة بالنصوص وأقوال أهل العلم، وإنما يعتمدون على مجرد آرائهم وعقولهم. والطرف الثاني: من يغالي في أمر المهدي من الطوائف الضالة، حتى ادعت كل طائفة لزعيمهم أنه المهدي المنتظر؛ فالرافضة تدعي أن المهدي هو إمامهم المنتظر الذي ينتظرون خروجه من السرداب، ويسمونه محمد بن الحسن العسكري، دخل سرداب سامرًا طفلاً صغيرًا منذ أكثر من ألف سنة، وهم ينتظرون خروجه، والفاطمية يزعمون أن زعيمهم هو المهدي ... وهكذا كل من أراد التسلط والتغلب على الناس وخداعهم؛ ادعى أنه المهدي المنتظر؛ كما أن من أراد الدجل والاحتيال من الصوفية ادعى أنه من أهل البيت وأنه سيد. وأما الوسط في أمر المهدي؛ فهم أهل السنة والجماعة، الذين يثبتون

стр. 237

خروج المهدي على ما تقضي به النصوص الصحيحة في اسمه واسم أبيه ونسبه وصفاته ووقت خروجه، لا يتجاوزون ما جاء في الأحاديث في ذلك، ولخروجه أمارات وعلامات تسبقه، وذكرها أهل العلم. قال العلامة السفاريني: "قد كثرت الأقوال في المهدي، حتى قيل: لا مهدي إلا عيسى، والصواب الذي عليه أهل الحق أن المهدي غير عيسى، وأنه يخرج قبل نزول عيسى ﵇، وقد كثرت بخروجه الروايات؛ حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة؛ حتى عد من معتقداتهم ... ". إلى أن قال: "وقد روي عمن ذكر من الصحابة وغير من ذكر منهم ﵃ بروايات متعددة وعن التابعين بعدهم ما يفيد مجموعة العلم القطعي؛ فالإيمان بخروج المهدي واجب؛ كما هو مقرر عند أهل العلم، ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة". ثم قال السفاريني في بيان سيرته: "قال أهل العلم: يعمل بسنة الرسول ﷺ ، ولا يوقظ نائما، ويقاتل على السنة؛ لا يترك سنة إلا أقامها، ولا بدعة إلا رفعها، ويقوم بالدين آخر الزمان كما قام به النبي ﷺ ؛ يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويرد إلى المسلمين ألفتهم ونعمتهم، يملأ الأرض قسطا وعدلاً كما ملئت ظلما وجورًا". وقال في وصفه - أيضا -: "ثم يخرج رجل من أهل بيت رسول الله ﷺ ، مهدي، حسن السيرة، يغزو مدينة قيصر، وهو آخر أمير من أمة محمد، يخرج في زمانه الدجال، وينزل عيسى بن مريم". قال: "ونقل العلامة الشيخ مرعي في كتابه"فوائد الفكر" عن أبي الحسن محمد بن الحسين؛ أنه قال: قد تواترت الأحاديث واستفاضت بكثرة رواتها عن

стр. 238

المصطفى ﷺ بمجيء المهدي، أنه من أهل بينه ﷺ ، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلاً، وأنه يخرج مع عيسى، فيساعده على قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين، وأنه يؤم هذه الأمة وعيسى يصلي خلفه [يعني: صلاة واحدة، وهي الفجر] " انتهى. ذلكم هو المهدي الذي أخبر عنه رسول الله ﷺ ، وبين صفاته الفارقة، ووقت خروجه وسيرته. وقد ادعى المهدية جماعة من الضلال في وقت مبكر عن وقته، ولا تنطبق عليهم صفاته، وإنما أرادوا بذلك بالسذج، واستغلال ادعاء هذه الشخصية لمطامعهم الخاصة، فأظهر الله كذبهم، وفضح باطلهم، ولا تعجب؛ فقد ادعى قزم النبوة، وافتروا على الله الكذب، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ ١. ونسأل الله أن يرينا الحق حقّا ويرزقنا إتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، ويكفينا شر الأئمة المضلين والمحتالين الدجالين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 239

خروج الدجال: المسيح الدجال والفاتن الكذاب مسيح الضلالة، نعوذ بالله من فتنته؛ فقد أنذرت به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أقوامها، وحذرت منه أممها، وبينت وأصافه، وحذر منه نبينا محمد ﷺ أكثر، وبين أوصافه، ونعته لأمته نعوتا لا تخفى على ذي بصيرة. وفي الترمذي أنه يخرج من خراسان. وفي (صحيح مسلم) عن أنس ﵁ مرفوعا: "يتبع الدجال من

стр. 240

يهود أصبهان سبعون ألفا عليهم الطيالسة". وسمي المسيح لأنه عينه ممسوحة، وقيل: لأنه يسمح الأرض؛ أي: يقطعها. ويسمي الدجال من الدجل، وهو الخلط؛ يقال: دجل: إذا خلط وموه، ودجال على وزن فعال، من أبنية المبالغة؛ أي: يكثر منه الكذب والتلبيس. وهو يحرج في زمان المهدي. قال الحافظ ابن كثير ﵀: "ثم يؤذن له [أي: الدجال] في الخروج في آخر الزمان؛ يظهر أولاً في صورة ملك من الملوك الجبابرة، ثم يدَّعي النبوة، ثم يدَّعي الربوبية، فيتبعه على ذلك الجهلة من بني آدم، والطغام من الرعاع والعوام، ويخالفه ويرد عليه من هداه الله من الصالحين وحزب الله المتقين، ويتدنى فيأخذ البلاد بلدًا بلدًا وحصنا حصنا وإقليما إقليما وكورة كورة، ولا يبقى بلد من البلدان إلا وطئه بخيله ورجله؛ غير مكة والمدينة، ومدة مقامه في الأرض أربعون يوما؛ يوم كسنة، ويم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيام الناس هذه، ومعدل ذلك سنة وشهران ونصف، وقد خلق الله على يديه خوارق كثيرة، يضل بها من يشاء من خلقه، ويثبت معها المؤمنون، فيزدادون إيمانا مع إيمانهم، وهدى إلى هداهم، ويكون نزول عيسى بن مريم ﵊ مسيح الهدى في أيام مسيح الضلالة، فيجتمع عليه المؤمنون، ويلتف مع عباد الله المتقون، فيسير بهم المسيح عيسى بن مريم ﵇ قاصدًا نحو الدجال وقد توجه نحو بيت المقدس، فينهزم منه الدجال، فيلحقه عند باب مدينة لد، فيقتله بحربته وهو داخل إليها، ويقول له: إن لي فيك ضربة لن تفوتني، وإذا واجهه الدجال، ينداع كما ينحل الملح في الماء، فيتداركه، فيقتله بالحربة الحربية بباب لد، فتكون وفاته هناك لعنه الله كما دلت على ذلك

стр. 241

الأحاديث الصحاح من غير وجه" انتهى كلام ابن كثير ﵀ في تلخيص قصة الدجال حسبما ورد في النصوص الصحيحة، وهو تلخيص جيد مفيد. والذي تدل عليه النصوص من أمر الدجال - أيضا - وفتنته أن من استجاب له؛ يأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت لهم زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم، وترجع لهم مواشيهم سمانا ذات لبن، ومن لا يستجيب له ويرد عليه أمره؛ تصيبهم السنة والجدب والقحط والقلة وموت الأنعام ونقص الأموال والأنفس والثمرات، وأنه تتبعه كنوز الأرض كيعاسيب النحل، وأنه يقتل شابا ثم يحييه. كل ذلك امتحان يمتحن الله به عباده في آخر الزمان، فيضل به كثيرًا، وهو مع هذا هين على الله، ناقص، ظاهر النقص والفجور والظلم، وإن كان معه ما معه من الخوارق، مكتوب بين عينيه كافر، وما يجريه على يديه محنة من الله لعباده، وهي محنة خطيرة، ولا ينجو منها إلا أهل الإيمان واليقين. ولخطورة محنته وشدة فتنه؛ حذرت منه الأنبياء أممها، وأشدهم تحذيرًا لأمته محمد ﷺ . عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه لم يكن نبي بعد نوح؛ إلا وقد أنذر الدجال قومه، وإني أنذركموه" رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وقد أمر النبي ﷺ أمته بالاستعاذة من فتنته في آخر كل صلاة؛ فعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر؛ فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال"، رواه الإمام أحمد ومسلم. وقد تواترت الأحاديث من وجوه متعددة في إثبات خروج الدجال وبيان فتنته والاستعاذة منه، وأجمع أهل السنة والجماعة على خروج الدجال في آخر

стр. 242

الزمان، وذكروا ذلك ضمن مباحث العقيدة، فمن أنكر خروجه؛ فقد خالف ما دلت عليه الأحاديث المتواترة، وخالف ما عليه أهل السنة والجماعة. ولم ينكر خروجه إلا بعض المبتدعة كالخوارج والجهمية، وبعض المعتزلة، وبعض الكتاب العصريين، والمنتسبين إلى العلم، ولم يعتمدوا على حجة يدفعون بها النصوص المتواترة سوى عقولهم وأهوائهم، ومثل هؤلاء لا عبرة بهم ولا بقولهم. والواجب على المسلم الإيمان بما صح عن الله ورسوله، واعتقاد ما يدل عليه، وأن لا يكون من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُه﴾ ١؛ لأن مقتضى الإيمان بالله ورسوله هو التسليم لما جاء عنهما والإيمان به، ومن لم يفعل؛ فإنه متبع لهواه بغير هدى من الله. نسأل الله العافية والسلامة من الشك والشرك والكفر والنفاق وسوء الأخلاق، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، والحمد لله رب العالمين.

стр. 243

نزول عيسى بن مريم ﵇: إن نزول المسيح عيسى بن مريم ﵊ كما دل عليه القرآن فقد أخبر به الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى، نبينا محمد ﷺ ، وتواتر النقل عنه بذلك، وأجمع عليه علماء الأمة سلفا وخلفا، وعدوه مما يجب اعتقاده والإيمان به. قال السفاريني: "ونزوله ﵊ ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة: أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ

стр. 244

مَوْتِهِ﴾ ١؛ أي: ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك عند نزوله من السماء آخر الزمان، حتى تكون الملة واحدة، ملة إبراهيم حنيفا مسلما ... ". إلى أن قال: "وأما السنة؛ ففي "الصحيحين" وغيرهما عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده؛ ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلاً؛ فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية ... " الحديث. وفي مسلم عنه: "والله لينزلن ابن مريم حكما عدلاً، فيكسر الصليب"؛ بنحوه. وأخرج مسلم عن جابر بن عبد الله ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "ولا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين، إلى يوم القيامة، فينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم: تعال صل بنا. فنقول: لا؛ إن بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله هذه الأمة". وأما الإجماع؛ فقد أجمعت الأمة على نزوله، ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة أو من لا يعتد بخلافه، وقد انعقد إجماع الأمة على أن ينزل ويحكم بهذه الشريعة المحمدية وليس بشريعة مستقلة عند نزوله من السماء، وإن كانت النبوة قائمة به، وهو متصف بها، ويتسلم الأمر من المهدي، ويكون المهدي من أصحابه وأتباعه كسائر أصحاب المهدي" انتهى كلام السفاريني ﵀. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وعيسى حي في السماء، لم يمت بعد، وإذا نزل من السماء؛ لم يحكم إلا بالكتاب والسنة، لا بشيء يخالف ذلك". وقال - أيضا -: "عيسى ﵇ حي، وقد ثبت في (الصحيح) عن النبي ﷺ أنه قال: "ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلاً وإماما مقسطا، فيكسر الصليب،

стр. 245

ويقتل الخنزير، ويضع الجزية"، وثبت في "الصحيح"عنه؛ أنه ينزل على المنارة البيضاء شرق دمشق، ويقتل الدجال. ومن فارقت روحه جسده؛ لم ينزل جسده من السماء، وإذا أحيي؛ فإنه يقوم من قبره، وأما قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ١؛ فهذا دليل على أنه لم يعن بذلك الموت إذ لو أراد بذلك الموت؛ لكان عيسى في ذلك كسائر المؤمنين؛ فإن الله يقبض أرواحهم ويعرج بها إلى السماء، فعلم أن ليس في ذلك خاصية، وكذلك قوله: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ، ولو كان قد فارقت روحه جسده؛ لكان بدنه في الأرض كبدن سائر الأنبياء أو غيره من الأنبياء، وقد قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْه﴾ ٢؛ فقوله هنا: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْه﴾ يبين أنه رفع بدنه وروحه؛ كما ثبت في"الصحيح" أنه ينزل بدنه وروحه؛ إذ لو أريد موته؛ لقال: وما قتلوه وما صلبوه بل مات، ولهذا قال من قال من العلماء: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ ؛ أي: قابضك؛ أي: قابض روحك وبدنك، يقال: توفيت الحساب واستوفيته، ولفظ التوفي لا يقتضي توفي الروح دون البدن ولا توفيهما جميعا؛ إلا بقرينة منفصلة، وقد يراد به توفي النوم؛ كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ ٣، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ ٤ انتهى. وقال القاضي عياض: "نزول عيسى ﵇ وقتله الدجال حق وصحيح عند أهل السنة؛ للأحاديث الصحيحة في ذلك، وليس في العقل ولا في الشرع ما يبطله؛ فوجب إثباته، وأنكر ذلك بعض المعتزلة والجهمية ومن وافقهم، وزعموا أن هذه الأحاديث مردودة بقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٥، وبقوله ﷺ : "لا نبي بعدي"، وإجماع المسلمين أنه لا نبي

стр. 246

بعد نبينا ﷺ ، وأن شريعته مؤبدة إلى يوم القيامة ولا تنسخ، وهذا استدلال فاسد؛ لأنه ليس المراد بنزول عيسى ﵇ أنه ينزل نبيا بشرع ينسخ شرعنا، ولا في هذه الأحاديث ولا في غيرها شيء من هذا، بل صحت هذه الأحاديث هنا وما سبق في كتاب الإيمان وغيرها أنه ينزل حكما مقسطا يحكم بشرعنا ويحيي من أمور شرعنا ما هجره الناس ... " انتهى. أقول: وفي عصرنا هذا ينكر بعض الكتاب الجهال وأنصاف العلماء نزول عيسى ﵇ اعتمادًا على عقولهم وأفكارهم، ويطعنون في الأحاديث الصحيحة، أو يؤولونها بتأويلات باطلة، والواجب على المسلم التصديق بما أخبر به النبي ﷺ ، وصح عنه اعتقاده؛ لأن ذلك من الإيمان بالغيب الذي أطلع الله رسوله عليه. قال العلامة السفاريني ﵀: "ويكون مقرِّرًا لشريعة نبينا محمد ﷺ ؛ لأنه رسول لهذه الأمة كما مر، ويكون قد علم أحكام هذه الشريعة بأمر الله تعالى وهو في السماء قبل أن ينزل". قال: "وزعم بعض العلماء أنه بنزول سيدنا عيسى بن مريم ﵇ يرفع التكليف، وهذا مردود؛ للأخبار الواردة أنه يكون مقرِّرً لأحكام هذه الشريعة ومجدِّدًا لها؛ إذ هي آخر الشرائع، ونبينا محمد ﷺ آخر الرسل، والدنيا لا تبقى بلا تكليف؛ فإن بقاء الدنيا إنما يكون بمقتضى التكليف، إلى أن لا يقال في الأرض: الله الله. ذكره القرطبي في تذكرته". قال: "وأما مدته ووفاته؛ فقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁ عند الطبراني وابن عساكر؛ أنه ﷺ قال: "ينزل عيسى بن مريم، فيمكث في الناس أربعين سنة"، وعند الإمام أحمد وأبي شيبة وأبي داود وابن جرير وابن حبان عنه؛ أنه يمكث أربعين سنة، ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون، ويدفنوه عند نبينا

стр. 247

محمد ﷺ "انتهى كلامه.

стр. 248

خروج يأجوج ومأجوج: نتكلم عن خروج يأجوج ومأجوج على ضوء ما جاء ف كتاب الله وسنة رسوله من ذكر هذا الحدث العظيم؛ لأن الإيمان بذلك واعتقاده واجب على المسلمين. وخروج يأجوج ومأجوج ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، ذكر ذلك السفاريني ﵀. أما الكتاب؛ ففي قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ ١. وقال تعالى في قصة ذي القرنين: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضاً﴾ ٢. وهذا سد من حديد بين جبلين، بناه ذو القرنين، فصار ردما واحداً يحجز هؤلاء القوم المفسدين في الأرض عن أذية الناس والإفساد في الأرض، فإذا جاء

стр. 249

الوقت الذي قُدر انهدام السد فيه؛ جعله الله مساويا للأرض، وعد لا بد منه، فإذا انهدم؛ يخرجون على الناس ويموجون وينسلون؛ أي: يسرعون المشي من كل حدب، ثم يكون النفخ في الصور قريبا من ذلك. وأما الدليل من السنة؛ ففي "صحيح مسلم" من حديث النواس بن سمعان ﵁، عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: "إن الله تعالى يوحي إلى عيسى بن مريم ﵇ بعد قتله الدجال أني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد في قتالهم؛ فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أولهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذا ماء، ويحصرون عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خير من مئة دينار...." الحديث. وفي حديث حذيفة عند الطبراني: "ويمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس". قال الإمام النووي: "هم من ولد آدم عند أكثر العلماء". وقال ابن عبد البر: "الإجماع على أنهم من ولد يافث بن نوح ﵇". وذكر العلامة السفاريني: "قال ابن كثير: يأجوج ومأجوج طائفتان من الترك، من ذرية آدم" ثم قال: "وهم من ذرية نوح، من سلالة يافث أبي الترك". وقد أخبر النبي ﷺ عن قرب خروجهم وحذر منهم؛ فقال ﵊ كما في "الصحيحين"- عن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: "فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا".

стр. 250

وفي "الصحيحين" من حديث زينب بنت جحش؛ "أن رسول الله ﷺ نام عندها ثم استيقظ محمرّاً وجهه وهو يقول: "لا إله إلا الله، ويل للعرب من شرب قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا" وحلّق بين أصبعيه. وأما صفاتهم وأجسامهم: فقد قال الإمام ابن كثير ﵀: "وهم يشبهون الناس، كأبناء جنسهم من الترك، الغتم، المغول، المجرزمة عيونهم، الدلف أنوفهم، الصهب شعورهم، على أشكالهم وألوانهم، ومن زعم أن منهم الطويل الذي كالنخلة السحوق أو أطول، ومنهم القصير الذي هو كالشيء الحقير، ومنهم من له أذنان يتغطى بإحداهما ويتوطأ بالأخرى؛ فقد تكلف ما لا علم له به، وقال ما لا دليل عليه. وأما ما يحصل منهم من الأذى والفساد في الأرض ونهايتهم: فقد دل على ذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يفتح يأجوج ومأجوج، فيخرجون على الناس؛ كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ١؛ فيغشون الناس، وينحاز الناس عنهم إلى مدائنهم وحصونهم ويضمون إليهم مواشيهم، فيشربون مياه الأرض حتى إن بعضهم ليمر بالنهر فيشربون ما فيه حتى يتركوه يبساً، حتى إن من بعدهم ليمر بذلك النهر فيقول: قد كان ها هنا ماء مرة! حتى إذا لم يبق من الناس أحد إلا أحد في حصن أو مدينة؛ قال قائلهم: هؤلاء أهل الأرض، قد فرغنا منهم، بقى أهل السماء". قال: " ثم يهز أحدهم حربته، ثم يرمي بها إلى السماء، فترجع إليه مختضبة دما؛ للبلاء والفتنة، فبينما هم على ذلك؛ بعث الله دودًا في أعناقهم كنغف الجراد الذي يخرج في أعناقه، فيصبحون موتى لا يسمع لهم حس، فيقول المسلمون: ألا رجل يشري لنا نفسه فينظر ما فعل هذا العدو؟ قال: فيتجرد رجل منهم محتسبا، قد وطنها على أنه
следующие страницы →